فصل في الرهن
وهو لغة: الثبوت والدوام 1، ومنه ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ 2، وشرعًا: توثقة دين، غير سلم ودَين كتابة، ولو في المآل، كعين مضمونة بعين يمكن أخذه أو بعضه منها إن كانت من جنس الدَّين، أو من ثمنها إن لم تكن من جنسه 3.
وأجمعوا على جوازه 4، لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 5، وحديث عائشة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- اشترى من يهودي طعامًا ورهنه درعه 6. متفق عليه.
ويجوز حضرًا وسفرًا، لأنه روي أن ذلك كان بالمدينة 7، وذكر السفر في الآية خرج مخرج الغالب، ولهذا لم يشترط عدم الكاتب.
ويصح زيادة رهن لا دَينه (وكل ما جاز بيعه) من الأعيان (جاز رهنه) إلا المصحف، فلا
يصح رهنه ولو لمسلم، لأنه وسيلة إلى بيعه الحرام.
(وكذا) يجوز رهن (ثمر وزوع لم يبدُ صلاحهما) بلا شرط قطع، لأن النهي عن بيعها لعدم أمن العاهة، وبتقدير تلفها لا يفوت حق المرتهن من الدَّين لتعلقه بذمة الراهن.
(و) كذا (قِنٌّ) ذكرًا أو أنثى فيصح رهنه (دون ولده ونحوه) كوالده وأخيه، لأن تحريم بيعه وحده للتفريق بين ذوي الرحم المحرم، وهو مفقود هنا، لأنه إذا استحق بيع الرهن بيعا معًا، دفعًا لتلك المفسدة.
(ويلزم في حق راهن بقبض) لقوله تعالى: ﴿فَرِهَن مَقْبُوضَةٌ﴾ 1 وقبض رهن كقبض مبيع على ما سبق، ولراهن الرجوع فيه قبل قبضه ولو أذن فيه، لعدم لزوم الرهن إذن، وله التصرف فيه بما شاء، فإن تصرف فيه بما ينقل الملك أو رهنه ثانيًا بطل الرهن الأول، سواء أقبض الثاني أو لا، لخروجه عن إمكان استيفاء الدَّين من ثمنه، وإن دبره أو كاتبه أو أجره أو زوج الأمة لم يبطل، لأنه لا يمنع ابتداء الرهن، فلا يقطع استدامته، كاستخدامه.
وإن رهنه ما بيده أمانة أو غصبًا، لزم وصار أمانة، لا يضمنه مرتهن إلا بتعد أو تفريط، واستدامه قبض رهن شرط للزومه، فيزيله أخذ راهن بإذن مرتهن، ولو أخذه إجارة أو عارية أو أمانة لزوال الاستدامة التي هي شرط اللزوم، وإن أجره أو أعاره لمرتهن أو لغيره بإذن مرتهن فلزومه باق (وتصرف كل منهما فيه) أي في الرهن (بغير إذن الآخر باطل إلا عتق راهن) فينفذ، ولو بلا إذن مرتهن، موسرًا كان الراهن أو معسرًا، نصًّا 2، لأنه إعتاق من مالك تام الملك، فنفذ؛ كعتق المؤجر، بخلاف غير العتق، ولأنه مبني على التغليب والسراية.
ويحرم عتق راهن لرهن بلا إذن مرتهن، لإبطاله حقه من عين الرهن، (وتؤخذ قيمته) أي الرهن المعتق (منه) أي الراهن (رهنًا) مكانه إن كان موسرًا أو أيسر (وهو) أي الرهن (أمانة في يد مرتهن) ولو قبل عقد، كبعد وفاء دَين، فلا يضمنه إلا بتعد أو تفريط كسائر الأمانات.
(وإن رهن) ما يصح رهنه (عند اثنين) بدَين لهما (فوفى) راهن (أحدهما) دينه، انفك نصيبه من الرهن، لأنه عقد واحد مع اثنين بمنزلة عقدين، أشبه ما لو رهن كل واحد النصف مفردًا، فإن كان الرهن لا تنقصه القسمة كمكيل فلراهن مقاسمة من لم يوفه، وأخذ نصيب من وفاه من الرهن، وإلا لم تجب قسمته لضرر المرتهن، ويبقى بيده نصفه رهن 1 ونصفه أمانة (أو رهناه) أي رهن اثنان واحدًا شيئًا (فاستوفى من أحدهما) ما عليه (انفك) الرهن (في نصيبه) أي الموقي لما عليه، لما تقدم.
(وإذا حلَّ الدَّين) الذي به الرهن (وامتنع) راهن (من وفائه فإن كان) قد (أذن لمرتهن في بيعه) إذا حل الدين (باعه) واستوفى دينه من ثمنه؛ لأنه وكيل ربِّه (وإلا) يكن أذن في بيعه، أو كان أذن ثم رجع لم يبع و (أُجبر) أي أجبره حاكم (على الوفاء) من غير رهن، لأنه قد يكون له غرض فيه، والمقصود الوفاء، (أو) أجبره على (بيع الرهن) ليوفي من ثمنه إن امتنع عن الوفاء من غيره (فإن أبي) من الوفاء ومن البيع (حُبس أو عُزر) أي حبسه حاكم أو عزره حتى يفعل ما أمر به (فإن أصر) على الامتناع من كل منهما (باعه) أي الرهن (حاكم) نصًّا 2، بنفسه أو أمينه (ووفى دينه) لقيامه مقام الممتنع (وغائب كممتنع) فيبيعه الحاكم أو أمينه، ولا يبيعه مرتهن إلا بإذن ربه أو الحاكم.
(وإن شرط) راهن (أن لا يباع) الرهن (إذا حل الدَّين، أو) شرط
مرتهن أنه (إن جاءه بحقه في وقت كذا، وإلا فالرهن له بالدين، لم يصح الشرط) لمنافاته مقتضى العقد، والرهن صحيح؛ لحديث: "لا يغلق الرهن" 1 رواه الأثرم عن [معاوية بن] 2 عبد اللَّه بن جعفر.
وإن اختلفا في رد رهن أو في عينه أو قدره أو في دين به أو في قبضه، وليس هو بيد مرتهن، فقول راهن بيمينه، لأن الأصل عدمه، وإن قال راهن: رهنتك ما بيدك بألف فقال: بعتنيه بها، أو قال: بعتكه.
قال: رهنتنيه بها، حلف كل على نفي ما ادعى عليه، وأخذ راهن رهنه، وبقي الألف بلا رهن.
(ولمرتهن أن يركب ما يُركب) من حيوان مرهون بقدر نافقته (ويحلب
ما يُحلب) منه (بقدر نفقته) متحريًا للعدل؛ لحديث البخاري وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا: "الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة" 1 (بلا إذن) راهن ولو كان حاضرًا، لأنه مأذون فيه شرعًا، ولا ينهك المركوب والمحلوب، بالركوب والحلب نصًّا 2، لأنه إضرار به.
(وإن أنفق) مرتهن (عليه) أي على الرهن (بلا إذن راهن مع إمكان) استئذانـ (ــه لم يرجع) عليه بشيء، لأنه متبرع حكمًا، فلم يرجع بعوضه، كالصدقة على مسكين، ولتفريطه بعدم الاستئذان (وإلا) أي وإلا يمكن استئذانه لغيبته أو استتاره (رجع) على راهن (بالأقل مما أنفقه) على رهن أ (ونفقة مثله إن نواه) ولو لم يستأذن حاكمًا في الإنفاق، أو لم يشهد أنه ينفق ليرجع على ربه (و) حيوان (معار ومؤجر ومودع) ومشترك بيد أحدهما بإذن الآخر إذا أنفق عليه مستعير، ومستأجر ووديع وشريك (كرهن) فيما سبق تفصيله.
وإن مات قن فكفَّنه فكذلك (ولو خرب) رهن كدار انهدمت (فنعمره) أي الرهن مرتهن بلا إذن راهن (رجع) مُعمر (بآلته فقط) لأنها ملكه، بخلاف نفقة الحيوان لحرمته، وعدم بقائه بدونها.
وإن جنى الرهن تَعَلَّق الأرشُ برقبته، فإن استغرقه خيّر سيده بين فدائه بالأقل من الأرش أو قيمته ويبقى الرهن بحاله، وبين بيعه في الجناية، أو تسليمه لوليها، فيملكه ويبطل الرهن فيهما، لاستقرار كونه عوضًا عنها، وإلا يستغرقه أرشٌ بيع منه بقدره، أي قدر أرش الجناية، إن لم يفده سيده، وباقيه رهن، فإن تعذر بيع بعضه بيع الكل، للضرورة، وباقي ثمنه رهن.
وإن جني عليه فالخصم سيده، فإن غاب فالمرتهن، لتعلق حقه بموجب الجناية، ولسيد أن يعفو على مال، وأن يقتص إن أذن مرتهن، أو أعطاه ما يكون رهنًا، فإن اقتص بدونهما في نفس أو دونها، أو عفى على مال فعليه قيمة الأقل من الجاني والمجني عليه، يجعل رهنًا مكانه.
وإن وطئ مرتهن أمة مرهونة ولا شبهة له، حُدَّ، وَرَقَّ ولده، ولزمه المهر، وإن أذن راهن فلا مهر كالحرة المطاوعة، وكذا لا حد إن ادعى جهل تحريمه، ومثله يجهله، لكونه حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية، وولده حر؛ لأنه من وطء شبهة.
فصل في الضمان
وهو جائز بالإجماع في الجملة 1 لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 2، قال ابن عباس: الزعيم: الكفيل 3. وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الزعيم غارم" 4. رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وهو مشتق من الضم، أو من التضمن، لأن ذمة الضامن تتضمن الحق 5. وشرعًا: التزام من يصح تبرعه ما وجب أو ما سيجب على آخر 6. فلذلك قال: (ويصح ضمان جائز التصرف) وهو الحر المكلف الرشيد (ما) (وجب) (يصح) وجب (أو) ما (سيجب على) شخص (غيره) مع بقائه على
مضمون عنه؛ لحديث: "نفس المؤمن معلقة بدَينه حتى يقضى عنه" 1 (لا الأمانات) كوديعة وعين مؤجرة ومال شركة وعين أو ثمن بيد وكيل في بيع أو شراء فلا يصح ضمانها، لأنها غير مضمونة على صاحب اليد، فكذا على ضامنه (بل) يصح ضمان (التعدي فيها) لأنها مع التعدي مضمونة كالغصب، فعلى هذا لا يصح ضمان الدَّلَّالين فيما يعطونه لبيعه، إلا أن يضمن تعديهم فيه أو هربهم به.
(ولا) يصح ضمان (جزية) بعد وجوبها، ولا قبله من مسلم ولا كافر، لفوات الصغار عن المضمون بدفع الضامن، ولا يصح ضمان دين كتابة، لأنه ليس بلازم ولا مآله إلى اللزوم؛ لأن المكاتب له تعجيز نفسه والامتناع من الأداء.
ويحصل الضمان بلفظ: أنا ضمين، وكفيل، وقَبِيل، وحميل، وزعيم، وبلفظ ضمنت دَينك، أو تحملته، ونحو ذلك، ويصح بإشارة مفهومة من أخرس لقيامها مقام نطقه، لا بكتابة مننردة عن إشارة، ومن لا تفهم إشارته لا يصح ضمانه.
(وشرط) لصحة ضمان (رضى ضامن فقط) لأن الضمان تبرع بالتزام الحق، فاعتبر له الرضى، كالتبرع بالأعيان، ولا يعتبر رضى مضمون عنه، لأن أبا قتادة ضمن الميت في الدينارين 2، وأقره الشارع.
ولصحة قضاء دينه بغير إذنه وأولى ضمانه، ولا رضى من ضُمِنَ له، لأنه وثيقة لا يعتبر لها قبض، فلم يعتبر لها رضى كالشهادة.
ولا يعتبر معرفة مضمون له ومضمون عنه، ولا يعتبر العلم بالحق
لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ 1 وهو غير معلوم لأنه يختلف، ولا وجوبه إن آل إلى العلم به وإلى الوجوب.
فيصح: ضمنت لزيد ما على بكر، وإن جهله الضامن، أو ضمنت لزيد ما يداينه بكرٌ 2 وما يقر له به، أو يثبت له عليه، لما تقدم، وله إبطاله قبل وجوبه، لأنه إنما يلزم بالوجوب.
ويصح ضمان دين ضامن فأكثر، فيثبت الحق في ذمة الجميع، فأيهم قضاه برئوا، وإن برئ المدين برئ الكل، وإن أبرأ مضمون له أحدهم برئ ومن بعده لا من قبله.
(ولرب حقٍّ مطالبة من شاء منهما) أي من الضامن والمضمون عنه، لثبوت الحق في ذمتهما، وله مطالبتنهما معًا في الحياة والموت، فأيهما قضاه برئ الكل، كما تقدم، لأن الضمان وثيقة، فإذا برئ الأصيل زالت الوثيقة، كالرهن.
ويصح ضمان عهدة مبيع 3، وألفاظ ضمان العهدة: ضمنت عهدته، أو ثمنه، أو دَرَكَهُ 4، أو يقول لمشتر: ضمنت خلاصك منه، أو
متى خرج المبيع مستحقًّا فقد ضمنت لك الثمن.
ويصح ضمان عين مضمونة كغصب وعارية ومقبوض على وجه سوم.
وإن شرط خيار في ضمان، أو في كفالة فسدا.
ويصح قول جائز التصرف لمثله: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، لصحة ضمان ما لم يجب، فيضمنه القائل.
وإن قال: ألقه وأنا وركبان السفينة ضمناء له، ففعل، ضمن قائل وحده بالحصة.
وإن قال: كل منا ضامن لك متاعك، أو قيمته، لزم قائلًا ضمان الجميع، سواء سمع الباقون فسكتوا، أو قالوا: لا نفعل، أو لم يسمعوا، وإن ضمنه الجميع فالغرم على عددهم، كضمانهم ما عليه من الدين.
ويجب إلقاء متاع إن خيف تلف معصوم بسببه، فإن ألقى بعضهم متاعه في البحر لتخف، لم يرجع به على أحد، وكذا لو قيل له: ألق متاعك، فألقاه.
وإن ألقى متاع غيره بلا إذنه ليخففها، ضمنه، وإن سقط عليه متاع غيره فخشي أن يهلكه، فدفعه، فوقع في البحر، لم يضمنه.
تتمة
:
لو قضى ضامن الدين أو أحال به ولم ينو رجوعًا على مضمون عنه لم يرجع، لأنه متطوع، سواء ضمن بإذنه أو لا، وإن نواه رجع على مضمون عنه، لأنه قضاء يبرئ من دين واجب، فكان من ضمان من هو عليه، كالحاكم إذا قضاه عنه عند امتناعه، ولو لم يأذن مضمون عنه في ضمان ولا قضاء، لما سبق، ويرجع بالأقل مما قضى أو قدر الدين، وكذا في الرجوع وعدمه كل كفيل وكل مؤد عن غير دينًا واجبًا، فيرجع إن نواه، لا زكاة ونحوها، مما يفتقر إلى نية، ككفارة، لأنها لا تجزئ بغير نية ممن هي عليه.
وإن أنكر مقضي عنه القضاء، وحلف، لم يرجع مدعي القضاء عليه بشيء، إلا ببينة، وإن اعترف مضمون له بالقضاء، وأنكر مضمون عنه، لم
يسمع إنكاره؛ لاعتراف رب الحق بأن الذي له صار للضامن، فوجب قبول قوله.
لأنه إقرار على نفسه.
ويصح ضمان الحال مؤجَّلًا، نصًّا 1، وإن ضمن المؤجل حالًّا لم يلزمه أداؤه قبل أجله، لأنه فرع المضمون فلا يلزمه ما لا يلزمه، وإن عجله ضامن لم يرجع على مضمون عنه حتى يحل، ولا يحل دين مؤجل بموت مضمون عنه ولا بموت ضامن، لأن التأجيل من حقوق الميت، فلم يبطل بموته كسائر حقوقه، ومحله إن وثق الورثة، قاله في "شرح المنتهى" للمصنف 2.
(وتصح الكفالة) مصدر كفل، بمعنى التزم 3. وهي شرعًا: التزام رشيد (ببدن) أي: بإحضار (من عليه حق مالي) من دَين أو عارية ونحو ذلك إلى ربه 4.
والجمهور على جوازها 5، لعموم حديث "الزعيم
.................................. = قرر ذلك الرملي في: "نهاية المحتاج" والشربيني في "مغني المحتاج".
قال الشاشي في "حلية العلماء": وتصح كفالة البدن على المنصوص.
وقال في "الدعوى والبينات": الكفالة بالبدن ضعيفة.
فمن أصحابنا من قال: هي صحيحة قولًا واحدًا.
وقوله: ضعيفة.
يعني في القياس.
ومن أصحابنا من قال: فيها قولان.
أظهرهما: أنه نصه، وهو فول عامة الفقهاء.
اهـ
والمنع مذهب داود، وتبعه ابن حزم في "المحلى" حيث قال: ولا يجوز ضمان الوجه أصلًا، لا نب مال ولا في حد، ولا في شيء من الأشياء.
اهـ
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾.
ولأنها كفالة بنفس؛ فأشبهت الكفالة في الحدود.
واحتج الجمهور بعموم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الزعيم غارم" فلم يفرِّق.
وبقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)﴾ [يوسف: 66].
قال القرطبي في "التفسير": هذه الآية أصل في جواز الحمالة بالعين والوثيقة بالنفس.
اهـ
ولأنها وثيقة بالحق كالرهن.
ولأنه سبب يتوصل به إلى ما له على طريق الوثيقة كالوثيقة بالمال.
ولأن مات عليه المال عليه أن يحضر أو يوكل من يحضر، وإذا ثبت أن ذلك عليه صح أن يضمن عنه، ولا يلزم عليه الحدود ولا يقال إن عليه أن يحضر ويقتل أو يحد.
وقد جاءت الآثار عن السلف بصحتها.
بل قال الجوهري في "نوادر الفقهاء" (ص 282): وأجمع الصحابة ومن بعدهم على إجازة الكفالة بالنفس -وإن لم يكن معه مال- إنما الاختلاف بعدهم.
اهـ
والراجح قول الجمهور، لوضوح أدلته وقوتها.
قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّه..﴾ الحمالة في الحدود ونحوها -بمعنى إحضار المضمون فقط- جائزة مع التراضي، غير لازم إذا أبي الفالب، وإنما الحمالة في مثل هذا على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة، ولا يجوز إجماعًا.
اهـ
فهذا واضح لنقض استدلالهم بالآية والتعليل.
ينظر: "بداية المبتدي" (ص 145) و"متن القدوري" (ص 70) و"الاختيار" (2/ 116) و"نوادر الفقهاء" (ص 282 - 283) و"الإشراف" للقاضي عبد الوهاب (2/ 602) و"المعونة" له (2/ 123) و"الكافي" لابن عبد البر (2/ 129): "بداية المجتهد" (2/ 379) و"الجامع =
غارم" 1 ولدعاء الحاجة إلى الاستيثاق بضمان المال والبدن، وكثير من الناس يمتنع من ضمان المال فلو لم تجز الكفالة لأدى إلى الحرج، وتعطل المعاملات المحتاج إليها.
وتنعقد بما ينعقد به ضمان، لأنها نوع منه، وإن ضمن معرفته أخذ به ضامن المعرفة، نصًّا 2، كأنه قال: ضمنت لك حضوره متى أردت، لأنك لا تعرفه، فإن عجز عن إحضاره مع حياته لزمه ما عليه لمن ضمن معرفته له، ولا يكفي أن يُعَرِّفَهُ باسمه أو مكانه.
(و) تصح الكفالة (بـ) بدن (كل) من عنده (عين يصح ضمانها) كعارية وغصب، ولا تصح ببدن من عليه حد للَّه كحد زنا، أو لآدمي كحد قذف، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "لا كفالة في حد" 3، ولأنه لا يمكن استيفاؤه من غير الجاني ولا من عليه قصاص، لأنه بمنزلة الحد، ولا بزوجة لزوجها في حق الزوجية له عليها، ولا بشاهد، لأن الحق عليهما لا يمكن استيفاؤه من الكفيل، ولا بمكاتب لدين كتابة، لأن الحضور لا يلزمه، إذ له تعجيز نفسه، ولا إلى أجل مجهول أو بشخص مجهول، ولو في ضمان، بأن قال: ضمنته إلى نزول المطر ونحوه، أو ضمنت = لأحكام القرآن" (9/ 225) و"الأم - مع المزني" (3/ 235) و"حلية العلماء" للشاشي (5/ 67، 68) و"مغني المحتاج" (2/ 203) و"نهاية المحتاج مع حواشيه" (4/ 445) و"حاشية عميرة" (2/ 327) و"حاشية الشرواني على التحفة" (6/ 642) و"المغني" (7/ 96، 97) و"التوضيح" (2/ 669) و"بلغة الراغب" (ص 220).
أحد هذين، فلا يصح الضمان للجهالة، ولو قال: كفلت لك هذا المدين على أن تبرئني من الكفالة بفلان، أو ضمنت لك هذا الدين بشرط أن تبرئني من ضمان الدين الآخر، لم يصح، لأنه شرط فسخ عقد في عقد، كالبيع بشرط فسخ بيع آخر.
(وشرط) لصحة كفالة (رضى كفيل فقط) فلا يشترط رضى مكفول به، ولا مكفول له، كضمان.
ومتى سلم كفيل مكفولًا به للمكفول له بمحل عقد، وقد حل الأجل إن كانت الكفالة مؤجلة، برئ الكفيل، لأن الكفالة عقد على عمل، فبرئ منه بعمله كالإجارة، وسواء كان عليه فيه ضرر أو لا، فإن سلمه في غير محل العقد، أو غير موضع شرطه لم يبرأ، لأن رب الحق قد لا يقدر على إثبات الحجة فيه، لنحو غيبة شهوده (فإن مات) المكفول (أو تلفت العين) المضمونة، التي تكفل ببدن من هي عنده (بفعل اللَّه تعالى، قبل طلب) أو سلم مكفول نفسه، أو سلمه كفيل قبل حلول الأجل، ولا ضرر على مكفول له في قبضه (برئ) كفيل.
وعلم منه أنه لا يبرأ بتلفها بعد طلبه بها، ولا بتلفها بفعل آدمي، ولا بغصبها، ولا يبرأ بموت كفيل إن مات هو، ولا بموت مكفول له.
ومن كفله اثنان فسلمه أحدهما لم يبرأ الآخر، وإن سلم نفسه برئا، إن كفل الكفيل آخر، والآخر آخر، برئ كل ببراءة من قبله، لا عكسه، كضمان.
(وتجوز الحوالة) في الجملة إجماعًا 1. وهي مشتقة من التحول، لأنها تحول الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال
عليه 1. وهي ثابتة بالسنة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "مطل الغني ظلم، ومن أحيل على غني فلْيَتْبَعْ" 2. متفق عليه.
وفي لفظ: "ومن أحيل بحقه على مليء فليحتل"، وهي عقد إرفاق، ولا خيار فيها.
والحوالة شرعًا: انتقال مال من ذمة إلى ذمة 3. وتصح بلفظها، كأحلتك، أو بمعناها الخاص بها كأتبعتك بدينك على زيد ونحوه، ولا تصح إلا (على دين مستقر) نصًّا 4، كبدل قرض، وثمن مبيع بعد لزوم بيع، لأن غير المستقر عرضة للسقوط، فلا تصح على مال سلم، ولا على رأس ماله، ولا على صداق قبل دخول أو مال كتابة، ولا بجزية على مسلم أو ذمي؛ لفوات الصَّغار عن المحيل، ولا أن يحيل ولد على أبيه؛ لأنه لا يملك طلب أبيه.
وإنما تصح الحوالة (إن اتفق الدينان جنسًا) فلا تصح بدنانير على دراهم (ووقتًا) فلا يصح بحالٍّ على مؤجل، ولا مع اختلاف أجل (ووصفًا) فلا يصح بصحاح على مكسَّره، (وقدرًا) أي: معرفة قدر المال المحال به وعليه، لاعتبار التسليم، والجهالة تمنع منه.
(وتصح) الحوالة (بخمسة) على خمسة (من عشرة، وعكسه) فتصح بخمسة من عشرة على خمسة؛ للموافقة، ولا تصح بعشرة على خمسة، ولا عكسه، للتخالف.
ويعتبر لصحة الحوالة رضى محيل؛ لأن الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين الذي على المحال عليه (ويعتبر) أيضًا (رضى محتال 1 على غير مليء) وأما على المليء 2 فلا يعتبر رضاه، ويجبر على اتباعه، نصًّا 3، لظاهر الخبر 4، ولأن للمحيل وفاء ما عليه من الحق بنفسه وبمن يقوم مقامه، وقد أقام المحال عليه مقام نفسه في التقبيض، فلزم المحتال القبول، ولو كان المليئ المحال عليه ميتًا.
ويبرأ محيل بمجردها، ولو أفلس محال عليه بعدها، أو جحد الدين وعلمه المحتال، أو صدق المحيل، أو ثبت ببينة فماتت، أو مات محال عليه وخلف تركة، أو لا، إذ الحوالة بمنزلة الإيفاء، والمليء الذي يجبر محتال على إتباعه، هو القادر بماله وقوله وبدنه، بأن يجد مالًا يوفي به، وأن لا يكون مماطلًا، وأن يمكن حضوره مجلس الحكم.
وإن ظنه مليئًا، أو جهله، ولم يشترط الملاءة، فبان مفلسًا، لم يرجع؛ لتفريطه بترك اشتراطها، فإن اشترطها فبان المحال عليه معسرًا رجع على محيل بدينه؛ لأن الفلس عيب، ولم يرض به، أشبه المبيع إذا بان معيبًا.
ومتى صحت الحوالة فرضي المحتال، والمحال عليه بخير منه، أو دونه في الصفة أو القدر، أو بتعجيله أو بتأجيله، أو عوضه، جاز ذلك، لأن الحق لهما، لكن إن جرى بين العوضين ربا نسيئة اشترط القبض بمجلس التعويض.
وإذا بطل بيع وقد أحيل بائع بالثمن، أو أحال مدينًا له على المشتري بالثمن، بطلت الحوالة، ولا تبطل إن فسخ البيع بعد أن أحيل بائع، أو
أحال بالثمن، على أي وجه كان الفسخ، لأن البيع لم يرتفع من أصله فلم يسقط الثمن، ولمشتر الرجوع على بائع فيهما، وكذا نكاح فسخ، وقد أحيلت الزوجة بالمهر، وإجارة فسخت، وقد أحيل مؤجر أو أحال بأجرة، ولبائع أن يحيل المشتري على من أحاله عليه في الأولى، ولمشتر أن يحيل محالًا عليه من قبل بائع على بائع في الثانية.
ومن طالب مدينه فقال: أحلت عليَّ فلانًا الغائب، وأنكره الدائن، فقوله، ويعمل بالبينة إن كانت.
فصل في الصلح وأحكام الجوار
والصلح لغة: التوفيق والسَّلْم 1 -بفتح السين وكسرها- وهو ثابت بالإجماع 2، لقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ 3، وحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا" 4. رواه أبو داود، وغيره.
والصلح خمسة أنواع:
أحدها: يكون بين مسلمين وأهل حرب.
والثاني: بين أهل عدل وبغي.
والثالث: بين زوجين خيف شقاق بينهما، أو خافت إعراضه.
والرابع: بين متخاصمين في غير مال.
والخامس: بين متخاصمين فيه، وهو المذكور بقوله: (والصلح في الأموال قسمان: أحدهما) صلح (على الإقرار) والثاني: صلح على الإنكار.
(وهو) أي الصلح على الإقرار (نوعان: ) أحدهما (الصلح على جنس الحق، مثل أن يُقر) جائز التصرف (له) أي لمن يصح تبرعه (بدين) معلوم (أو) يقر
له بـ (عين) بيده (فيضع) المقر له عن المقر بعض الدين (أو يهبَ له البعض) من العين المقر بها (ويأخذ) المقر له (الباقي) من الدين أو العين، (فيصح) ذلك (ممن يصح تبرعه) لأن جائز التصرف لا يمنع من إسقاط بعض حقه أو هبته، كما لا يمنع من استيفائه.
وقد كلم -صلى اللَّه عليه وسلم- غرماء جابر ليعفوا عنه 1 (بغير لفظ صُلْح) فلا يصح بلفظ صلح، لأنه هضم للحق (بلا شرط) أو بشرط أن يعطيه الباقي، وإن لم يذكر لفظ الشرط، كعلى أن تعطيني كذا منه، أو تعوضني منه كذا، لأنه يقتضي المعاوضة، فكأنه عاوض عن بعض حقه ببعض، أو يمنعه حقه بدون إعطائه منه، فلا يصح، لأنه أكل مال الغير بالباطل.
ولا يصح عن دين مؤجل، ببعضه حالًّا، إلا في مال كتابة.
ولا يصح صلح عن حق، كدية خطأ، أو قيمة متلف غير مثلي، بأكثر من حقه المصالح عنه من جنسه، لأن الدية والقيمة ثبتت في الذمة بقدره، فالزائد لا مقابل له، فيكون حرامًا، لأنه من أكل المال بالباطل.
ويصح الصلح عن متلف مثلي، كبُرٍّ، بأكثر من قيمته من أحد النقدين، ويصح عن حق كدية خطأ، وقيمة متلف، بعرض قيمته أكثر من الدية، أو قيمة المتلف المثلي، لأنه لا ربا بين العوض والمعوَّض عنه.
ومن قال لغريمه: أقر لي بديني وأعطيك، أو وخذ منه مائة.
ففعل لزمه ما أقر به، ولم يصح الصلح.
النوع (الثاني) من قسمي الصلح على إقرار، أن يصالح (على غير جنسه) بأن أقر له بدين، أو عين، ثم صالحه عنه بغير جنسه، فهو معاوضة.
ويصح بلفظ الصلح كسائر المعاوضات، بخلاف ما قبله؛ لأن المعاوضة عن الشيء ببعضه حرام (فإن كان) الصلح (بأثمان عن أثمان) بأن أقر له بدينار فصالحه عنه بعشرة دراهم (فـ) ــهو (صرف) يعتبر فيه التقابض قبل التفرق (و) إن كان (بعرض عن نقد) كأن أقر له بدينار وصالحه عنه بثوب ونحوه (وعكسه) بأن أقر له بثوب مثلًا فصالحه عنه بدينار (فـ) الصلح في ذلك (بيع) يشترط له شروطه، كالعلم به، والقدرة على التسليم، والتقابض بالمجلس إن جرى بينهما ربا.
والصلح عن نقد أو عرض مقرّ به بمنفعة، كسكنى دار، وخدمة قن معينين، إجارة، فيعتبر له شروطها، وتبطل بتلف الدار، وموت القَنِّ، كباقي الإجارات.
ولو صالح الورثة من وُصيَّ له بخدمة رقيق، أو سكنى دار معينة، أو بحمل أمة معينة بدراهم مسماة؛ جاز لأنه إسقاط حق فيصح في المجهول للحاجة.
ومن صالح عن عيب في مبيعه بشيء صح، وليس من الأرش في شيء، ويرجع به إن بان عدم العيب، أو زال سريعًا بلا كلفة، ولا تعطيل نفع على مشتر.
ويصح الصلح عما تعذر علمه من دَين، كمن بينهما معاملة وحساب مضى عليه زمن طويل، أو تعذر علمه من عين، كقفيز حنطة وقفيز شعير اختلطا وطحنا، بمال معلوم نقد ونسيئة، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لرجلين اختصما في مواريث دَرَسَتْ بينهما: "استهما، وتوخيا الحق، وليحلل أحدكما صاحبه" 1. رواه أحمد وأبو داود، ولأنه إسقاط حق فصح في المجهول
للحاجة، وسواء كان الجهل من الجهتين، أو ممن هو عليه، فإن وقع الصلح بمجهول لم يصح، لأن تسليمه واجب والجهل به يمنعه، فإن لم يتعذر علم المجهول كتركة باقية، صالح الورثة الزوجة على حصتها منها مع الجهل بها، كالبراءة من المجهول، جزم به في "التنقيح" 1 وقدمه في "الفروع" 2، قال في "التلخيص" 3: وقد نزل أصحابنا الصلح عن المجهول المقر به بمعلوم منزلة الإبراء من المجهول، فيصح على المشهور، لقطع النزاع، وظاهر كلامه في "الإنصاف" 4 أن الصحيح المنع؛ لعدم الحاجة إليه، ولأن الأعيان لا تقبل الإبراء، وقطع به في "الإقناع" 5، قال في "الفروع" 6: وهو ظاهر نصوصه.
(القسم الثاني) من قسمي الصلح في المال، الصلح (على الإنكار: بأن يدَّعي عليه) أي: بأن يدعي شخص على آخر عينًا أو دَينًا (فينكر أو يسكت) وهو يجهل المدّعى به (ثم يصالحه) على نقد أو نسيئة (فيصح) الصلح للخبر 7، (ويكون) الصلح على الإنكار (إبراءً في حقه) أي المدعى عليه، لأنه بذل العوض لدفع الخصومة عن نفسه، لا في مقابلة حق ثبت عليه، فلا شفعة فيه إن كان شقصًا من عقار، ولا يستحق لعيب وجده في مصالح عنه شيئًا، لأنه لم يبذل العوض في مقابلته، لاعتقاده أنه ملكه قبل الصلح، فلا معاوضة.
(و) يكون الصلح (بيعًا في حق مدَّع) فله رد المصالح به عما ادعاه بعيب يجده، لأنه أخذه على أنه عوض ما ادعاه، وتثبت في مشفوع الشفعة، لأنه أخذه عوضًا عما ادعاه، كما لو اشتراه به.
(ومن علم كَذِبَ نفسه) من مدع ومدعى عليه (فالصلح باطل في حقه) أما المدعي؛ فلأن الصلح مبني على دعواه الباطلة، وأما المدعى عليه فلأنه مبني على جحده حق المدعي، ليأكل حقه بالباطل، وما آخذه مدع عالم كذب نفسه مما صولح به، أو أخذه مدعى عليه مما انتقصه من الحق بجحده، فهو حرام، لأنه أكل مال الغير بالباطل، وإن صالح المنكر بشيء، ثم أقام مدع بينة أن المنكر أقر قبل الصلح بالملك، لم تسمع، ولو شهدت بأصل الملك، لم ينقض الصلح.
ومن قال لآخر: صالحني عن الملك الذي تدعيه، لم يكن مقرًّا به، لاحتمال إرادة صيانة نفسه عن التبذل، أو حضور مجلس الحكم بذلك.
وإن صالح أجنبي عن منكر لدَين بإذنه أو بدونه، صح؛ لجواز قضائه عن غيره بإذنه وبغير إذنه، لفعل علي وأبي قتادة -رضي اللَّه عنهما- وأقرهما عليه -صلى اللَّه عليه وسلم- 1، أو صالح عن منكر لعين بإذنه، أو بدونه، صح، ولو لم يقل: إنه وكله؛ لأنه افتداء للمنكر من الخصومة، وإبراء له من الدعوي، ولا يرجع بشيء مما صالح به عن المنكر إن دفع بدون إذنه في الصلح أو الدفع، لأنه أدى عنه ما لا يلزمه، فكان متبرعًا، كما لو تصدق عنه، فإن أذن له في الصلح، أو في الأداء عنه، رجع عليه إن نواه.
تتمة
:
يصح الصلح عما ليس بمال مع إقرار ومع إنكار، كعن قَوَدٍ في نفس ودونها، وعن سكنى دار ونحوها، وعن عيب في عوض أو معوض، وإن لم يجز بيع ذلك؛ لأنه لقطع الخصومة، فيصح عن قود بفوق دية ولو بلغ ديات؛ لما روي أن الحسن والحسين وسعيد بن العاص بذلوا للذي وجب له القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات، فأبى أن يقبلها، ولأن المال غير متعين، فلم يقع العوض في مقابلته.
ويحرم أن يجري شخص في أرض غيره أو في سطحه ماء، ولو تضرر بتركه، بلا إذنه، ويصح صلحه عن ذلك بعوض، ويعتبر لصحة ذلك علم قدر الماء الذي يجريه، لاختلاف ضرره بكثرته وقلته بساقية، وعلم قدر ماء مطر برؤية ما يزول عنه من سطح أو أرض أو بمساحته، وتقدير ما يجري فيه الماء، ولا يعتبر علم قدر عمقه، لأنه إذا ملك عين الأرض أو نفعها كان له إلى التخوم 1 فله النزول فيه ما شاء.
وفي "الإقناع" 2 يعتبر إن وقع إجارة.
ولا يعتبر علم مدة الإجراء للحاجة، وإن صالحه على سقي أرضه من نهره أو من عينه أو بئره العين مدة، ولو كانت معينة، لم يصح الصلح لعدم ملك الماء، وإن صالحه على ثلث النهر أو العين ونحوه صح، والماء تبع للقرار.
ويصح شراء مَمَرٍّ في دار ونحوها من مالك، وشراء موضع بحائط يفتح بابًا، وشراء بقعة تحفر بئرًا، وعلو بيت ولو لم يبن، إذا وَصَفَ 3، ليبني عليه، أو ليضع عليه بنيانًا، أو خشبًا موصوفين، وإذا زال ما على العلو فله إعادته، وله الصلح على عدمها، كما له الصلح على زواله، وله فعل ما تقدم من المر وفتح الباب وحفر البقعة بئرًا ووضع البناء والخشب على علو غيره صلحًا أبدًا، أو إجارة مدة معينة، وإذا مضت بقي.
ولمالك العلو أجرة المثل، ولا يطالب بإزالة بنائه وخشبه، لأنه العرف فيه.
فصل في حكم الجوار
بكسر الجيم مصدر جاور، وأصله الملازمة، ومنه قيل للمعتكف مجاور، لملازمة الجار جاره في المسكن 1. وفي الحديث: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" 2.
(وإذا حصل في أرضه) أي: الإنسان التي يملكها، أو بعضها، أو يملك نفعها، أو بعضه (أو) على (جداره أو) في (هوائه غصن شجرة غيره) أو عِرْقُهِ (أو غرفته، لزم) رب الغصن أو العرق 3 (إزالته) برده إلى ناحية أخرى، أو قطعه، سواء أثر ضررًا، أو لا، ليخلي ملكه الواجب إخلاؤه، والهواء تابع للقرار (وضمن) رب غصن أو [عِرْق] 4 (ما تلف به، بعد طلب) بإزالته، لصيرورته متعديًا بإبقائه (فإن أبي) رب غصن [أو عرق] 5 إزالتهما (لم يجبر في الغصن) لأن حصوله في هوائه ليس من فعله (ولواه) ناحيةً، إن أمكن ذلك بلا قطع (فإن لم يمكن) إزالتـ (ــه) إلا بقطعه (فله قطعه) أي الغصن (بلا حكم) حاكم ولا غرم؛ لأنه لا يلزمه إقرار مال غيره في ملكه بلا رضاه.
ولا يصح صلح رب الغصن عن ذلك، ولا صلح مَنْ
مال حائطه، أو زلق خشبُه إلى ملك غيره عن ذلك؛ بعوض، لأن شغله لملك الآخر لا ينضبط، فإن اتفقا على أن الثمرة له أو بينهما جاز، لأنه أصلح من القطع، ولم يلزم الصلح، لأنه يؤدي إلى ضرر رب الشجر، لتأبيد استحقاق الثمرة عليه، أو مالك الهواء، لتأبيد بقاء الغصن في ملكه، فلكل منهما فسخه، فإن مضت مدة ثم امتنع رب الشجر عن دفع ما صالح به من الثمرة، فعليه أجرة المثل.
(ويجوز فتح باب لاستطراقٍ في دربٍ نافذ) لأنه ارتفاق بما لا يتعين له مالك، ولا إضرار فيه على المارين (لا إخراج جناح) وهو الرَّوْشَن 1، على أطراف خشب أو حجر مد فوقه في الحائط (وساباط) وهو المستوفي للطريق على جدارين 2 (وميزاب) فيحرم إخراجها بنافذ (إلا بإذن إمام) أو نائبه، لأنه نائب المسلمين، فإذنه كإذنهم، ولحديث أحمد: أن عمر اجتاز على دار العباس، وقد نصب ميزابًا إلى الطريق، فقلعه، فقال: تقلعه وقد نصبه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيده، فقال: واللَّه لا تنصبه إلا على ظهري، فانحنى حتى صعد على ظهره فنصبه 3. ولجريان العادة به (مع أمن الضرر) بأن يمكن عبور محمل من تحته، وإلا لم يجز وضعه، ولا إذنه فيه، فإن كان الطريق منخفضًا وقت وضعه، ثم ارتفع لطول الزمن، فحصل به ضرر؛ وجبت
إزالته، ذكره الشيخ تقي الدين (1) (وفعل ذلك) أي: إخراج جناح، وساباط، وميزاب (في ملك جار، و) في (درب مشترك؛ حرام، بلا إذن مستحق) لأن الدرب ملكهم، فلم يجز التصرف فيه إلا بإذنهم.
ويجوز فتح باب في ظهر دار في درب غير نافذ بلا إذن أهله لغير استطراق، كَإضْوَءٍ وهواءٍ؛ لأن الحق لأهله في الاستطراق ولم يزاحمهم فيه، ولأن غايته التصرف في ملك نفسه برفع بعض حائطه، ويجوز نقل باب في درب غير نافذ من أوله إلى آخره، لتركه بعض حقه في الاستطراق، فلم يمنع منه، بلا ضرر، فإن كان فيه ضرر منع منه، كأن فتحه في مقابلة باب غيره ونحوه، ولا يجوز نقل الباب إلى داخل (2) إن لم يأذن من فوقه، فإن أذن جاز، ويكون إعارة لازمة، فلا رجوع للآذن، كإذنه في نحو بناء على جداره.
تتمة
: يحرم أن يحدث بملكه ما يضر بجاره، كحمام يتأذى جاره بدخانه، أو يتضرر حائطه بمائه، ومثله مطبخ، وككنيف 3 يتأذى بريحه، أو يصل إلى12
بئره، ورَحى يهتز بها حيطانه، وتَنُّورٍ يتعدى دخانه إليه، ودكانِ حِدَادةِ ونحوه، يتأذى بدقه ويهز الحيطان، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" 1 وهذا إضرار بجاره، وله منعه من ذلك، كما له منعه من ابتداء إحياء ما بجواره لتعلق مصالحه به، وله تعلية داره، ولو أفضى إلى سد الفضاء عن جاره، قاله الشيخ تقي الدين 2، وإن ادعى فساد بئره بكنيف جاره، أو بالوعته 3، اختبر بالنفط 4 يلقى فيهما، فإن ظهر طعمه أو ريحه بالماء
حولتا، إن لم يمكن إصلاحهما.
ومن له حق ماء يجري على سطح جاره، لم يجز لجاره تعلية سطحه، ليمنع الماء أن يجري على سطحه؛ لما فيه من إبطال حق جاره.
ويحرم تصرف في جدار جار، أو جدار مشترك بينه وبين غيره بفتح رَوْزَنَةٍ، وهي الكُوَّة -بفتح الكاف وضمها أي الخرق في الحائط- 1 أو بفتح طاق، أو بضرب وقد ونحوه، إلا بإذن مالكه أو شريكه (وكذا) يحرم (وضع خشب) على جدار جار، أو مشترك (إلا أن لا يمكن تسقيف إلا به ولا ضرر فـ) يجوز نصًّا 2، و (يجبر) رب الجدار أو الشريك فيه على تمكينه منه إن أبي، لحديث أبي هريرة: "لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبة على جداره"، ثم يقول أبو هريرة مرفوعًا: مالي أراكم عنها معرضين، واللَّه لأرمين بها بين أكتافكم 3. متفق عليه.
ولأنه انتفاع بحائط جاره على وجه لا يضره أشبه الاستناد إليه، ولم يجز لرب الحائط أخذ عوض عنه إذنْ، لأنه يأخذ عوض ما يجب عليه بذله.
(و) جدار (مسجد كـ) جدار (دار) نصًّا 4، لأنه إذا جاز في ملك اللآدمي مع شحه وضيقه، فحق اللَّه أولى، والفرق بين فتح الباب والطاق وبين وضع الخشب، أن الخشب يمسك الحائط، والباب والطاق يُضَعِّفُه، ووضع الخشب تدعو الحاجة إليه، بخلاف غيره.
= وهو سريع الاشتعال، وأكثر ما يستعمل في الوقود.
اهـ ينظر: "تاج العروس" (25/ 147، 148) و"المصباح المنير" (2/ 849) و"المعجم الوسيط" (2/ 941).
وإن خيف سقوط الحائط باستمراره عليه لزمه إزالته، ومن وجد بناءه أو خشبه على حائط جاره، أو مشترك، ولم يعلم سببه، وزال، فله إعادته، لأن الظاهر وضعه بحق، وكذا سيل 1 مائه في أرض غيره، أو مجرى ماء سطحه على سطح غيره ونحوه، وإذا اختلفا في أنه بحق أو باطل، فقول صاحبه بيمينه، عملًا بالظاهر.
وله أن يستند ويسند قماشه إلى حائط غيره، ويجلس في ظله بلا إذنه، لمشقة التحرز منه وعدم الضرر.
ويجوز نظره في ضوء سراج غيره بلا إذنه، نصًّا 2، لما تقدم (وإن طَلَب شريك في حائط أو سقف انهدم) مشاعًا بينه وبين غيره أو بين سفل أحدهما وعلوِّ الآخر (شريكه) فيه (للبناء مَعه، أجبر) على البناء معه، نصًّا 3، (ح) ما يجبر على (نقضـ) ــه معه (خوف سقوط) الحائط أو السقف، دفعًا لضرره، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" 4. (وإن بناه) شريك بإذن شريكه، أو بإذن حاكم، أو بدون إذنهما (بنية الرجوع) على شريكه، وبناه شركة (رجع) عليه، لأنه قام عنه بواجب (وكذا) إن احتيج لعمارة (نهر ونحوه) كبئر، ودولاب 5، وناعورة 6، وقناة 7 مشتركة بين اثنين فأكثر، فيجبر الشريك على العمارة إن امتنع، فإن عمرها أحدهم فالماء بينهم على الشركة، ويرجع عليهم بما أنفق كالحائط.
وإن عجز قوم عن عمارة نهرهم أو قناتهم، فأعطوها لمن يعمرها،
ويكون له منها جزء معلوم؛ صح، ومن له علو من طبقتين، والسفلى لآخر، أو له طبقة ثالثة، وما تحتها لغيره؛ فانهدم السفل في الأولى، أو السفل أو الوسط أو هما في الثانية، لم يشارك رب العلو في بناء ما انهدم تحته، لأن الحيطان إنما تبنى لمنع النظر 1، وهذا يختص به من تحته، دون رب العلو، وأجبر علي بنائه مالكه ليتمكن رب العلو من انتفاعه به، ويلزم الأعلى جعل سترة تمنع مشارفة الأسفل، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" 2. إذ الإشراف على الجار إضرار به، فإن استويا فلم يكن أحد الجارين أعلى من الآخر، اشتركا في السترة، فإن امتنع أحدهما من ذلك أجبر، لأنه حق عليه، فأجبر عليه كسائر الحقوق.
وليس له الصعود على سطحه قبل بناء سترة حيث كان يشرف على جاره، ولا يلزمه سد طاقه إذا لم يشرف منه على جاره.
ولا يجبر ممتنع من بناء حائط بين ملكيهما، ويبني الطالب في ملكه إن شاء.
ومن هدم بناء له فيه شركة خيف سقوطه، فلا شيء عليه، وإلا يخف لزمته إعادته كما كان، لتعديه بهدمه على حصة شريكه.
فصل في الحجر على المفلس وغيره
وهو بفتح الحاء وكسرها، وهو لغة: التضييق والمنع، وسمي العقل حِجْرًا، لأنه يمنع صاحبه من تعاطي ما يقبح وتضر عاقبته 1. وشرعًا: منع مالك من تصرفه في ماله 2. سواء كان المنع من قبل الشرع، كالصغير والمجنون والسفيه، أو الحاكم، كمنعه المشتري من التصرف في ماله حتى يقضي الثمن الحالَّ.
(و) الحجر لفَلس: منعُ حاكم (مَنْ) عليه دين و (ماله لا يفي بما عليه) من الدين (حالًّا) منصوب على الحال و (يجب الحجر عليه) أي: المفلس (طلب بعض غرمائه) فيلزم الحاكم إجابتهم إلى ذلك، وحجر عليه، لحديث كعب بن مالك: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حجر على معاذ، وباع ماله 3. رواه
الخلال.
فإن لم يسأله أحد منهم لم يُجْجَرْ عليه، ولو سأله المفلس.
(و) يـ (سن إظهاره) أي الحجر على السفيه، والمفلس، ليعلم الناس حالهما، فلا يعاملان إلا على بصيرة، ويسن الإشهاد على الحجر، ليثبت عند من يقوم مقام الحاكم لو زال فيمضيه، ولا يحتَاجُ إلى ابتداءِ حجرٍ ثانٍ، ويتعلق بالحجر على المفلس أحكام: (فلا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر) عليه، لتعلق حق غرمائه بماله الموجود والحادث بنحو إرث، لأنه يباع في ديونهم، فتعلقت حقوقهم به كالرهن (ولا) يصح (إقراره عليه) أي على ماله، ولو كان صانعًا كقصَّار وحائك، فأقر بما في يده من المتاع لأربابه، فلا يقبل، ويباع حيث لا بينة، ويقسم ثمنه بين الغرماء (بل) يصح إقراره (في ذمته فيطالب) به (بعد فك حجر) هـ، وإن لزمه كفارة كفَّر بصوم لئلا يضر بغرمائه، وإن تصرف في ذمته بشراء أو إقرار أو إصداق أو ضمان صح، لأنه أهل للتصرف، والحجر يتعلق بماله، لا بذمته، ويتبع به بعد فك حجره.
وإن جنى محجور عليه جناية توجب مالًا أو قصاصًا شارك مجني عليه الغرماء، لثبوت حقه على الجاني بغير اختيار المجني عليه.
(و) الثاني أن (من سلمه) أي: المفلس (عين مال) ببيع أو قرض أو رأس مال سلم (جاهل الحجر) فهو أحق بها، فيـ (أخذها إن كانت) باقية (بحالها و) كان (عوضها) أي العين (كله باق) في ذمته (ولم يتعلق بها حق للغير) كرهن، وجناية، وحق شفعة، فإذ تعلق بها حق للغير، أو تلف = يوسف، فرواه عن معمر موصولًا قال: عن ابن كعب عن أبيه، ورواه ابن المبارك، عن معمر، فأرسله.
اهـ ونقل في "التلخيص الحبير" (3/ 44) عن عبد الحق: المرسل أصح من المتصل.
وعن ابن الطلاع: هو حديث ثابت.
اهـ وقال ابن عبد الهادي في "التنقيح" (كما في الإرواء 5/ 262): المشهور في الحديث الإرسال.
اهـ وقد صححه الحاكم في "المستدرك" (2/ 58) و (3/ 270) وأقره الذهبي.
بعضها، أو بيع، أو وُقِفَ، ونحوه، أو مات مفلس؛ فلا رجوع، لحديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أيما رجل باع متاعه، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه، فهو أحق به، وإن مات المشتري، فصاحب المتاع أسوة الغرماء" 1. رواه مالك، وأبو داود مرسلًا، ورواه أبو داود مسندًا، وقال: حديث مالك أصح.
ولأن الملك انتقل عن المفلس إلى الورثة، أشبه ما لو باعه، وكذا إن زادت السلعة زيادة متصلة، كسمنٍ، وتعلم صنعة، وتجدد حملٍ في بهيمة، فإن زادت كذلك فلا رجوع، لأن الزيادة للمفلس، لحدوثها في ملكه، فلم يستحق رب العين أخذها منه، كالحاصلة بفعله (ويبيع حاكم ماله) أي المفلس وجوبًا، بثمن مثله المستقر في وقته، أو أكثر إن حصل راغب (ويقسمه) أي الثمن (على غرمائه) فورًا لأن هذا جُل المقصود من الحجر عليه، وتأخيره مطل، وظلم للغرماء.
وسن إحضار المفلس عند بيع ماله، ليضبط الثمن، ولأنه أعرف بالجيد من متاعه، فيتكلم عليه، ولأنه أطيب لنفسه، ووكيله كهو، ويحضر معه غرماؤه، لأنه أطيب لقلوبهم، وأبعد للتهمة، وربما وجد أحدهم عين ماله، أو رغب في شيء فزاد في ثمنه.
وسن بيع كل شيء في سوق، وأن يبدأ بأقله بقاء كبطيخ، وأكثره كلفة كحيوان، ويجب أن يترك لمفلس ما يحتاجه من مسكن وخادم صالح لمثله، ما
لم يكونا عين مال غريم، فله أخذهما، للخبر 1، ويشترى له بدلهما، أو يترك له من ماله بدلهما، دفعًا للحاجة، ويبدل أعلى من مسكن وخادم وثوب ونحوه بصالح لمثله، لأنه الأحظُّ للمفلس والغرماء، ويجب أن يترك له من ماله ما يتجر به إن كان تاجرًا، ويترك له آلة محترف إن كان ذا صنعة، ويجب له ولعياله أدنى نفقة مثلهم، من مأكل ومشرب وكسوة وتجهيز من مات منهم من ماله حتى يقسم، وأجرة مناد ونحوه من المال.
ويبدأ في قسم ماله بمن جنى عليه قِنُّ المفلس، لتعلق حقه بعين الجاني، فيعطى الأقل من ثمنه أو الأرش.
ثم بمن عنده رهن لازم من الغرماء، فيخص بثمنه إن كان بقدر دينه أو أقل، لأن حقه متعلق بعين الهـ هن، فإن بقي له دين حَاصَصَ الغرماء، وإن فضل شيئء من الرهن رُدَّ على المال.
ثم بمن له عين مال، فيأخذها، بشرطه المتقدم 2، أو كان استأجر عينًا من مفلس قبل حجر عليه، فيأخذها، لاستيفاء نفعها مدة إجارته، لتعلق حقه بالعين والمنفعة، وهي مملوكة له في تلك المدة فإن اتفق الغرماء مع المفلس على بيعها بيعت، والإجارة بحالها، وإن بطلت الإجارة في أثناء المدة لنحو موتِ العبدِ المؤجر، أو انهدم الدار، ضرب له بما بقي له من أجرة عجَّلها، ثم يقسم الباقي على قدر ديون من بقي.
ولا يلزمهم بيان أن لا غريم سواهم، ثم إن ظهر رب دَين حال رجع على كل غريم بقسطه، لأنه لو كان حاضرًا لقاسمهم، كغريم الميت يظهر بعد قسم ماله، ولم تنقض القسمة، لأنهم لم يأخذوا زائدًا عن حقهم، وإنما تبين مزاحمتهم فيما قبضوه من حقهم.
ويلزم الحاكم إجبار مفلس محترف على الكسب، أو إيجار نفسه فيما يليق به من صنائعه، ليوفي بقية دينه، بعد قسمة ما وجد من ماله.
ولا تجبر امرأة مفلسة على نكاح، ولو رُغب فيها بما تُوفي به دينها، لأنه يترتب عليها بالنكاح ما قد تعجز عنه.
(ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه) الحال (أو هو مؤخل) فـ (تحرم مطالبته) به (وحبسه، وكذا ملازمته) وتجب تخليته، رضي غريمه أو لا، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ 1 وفي إنظار المعسر فضل عظيم، لحديث بريدة مرفوعًا: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة" 2 رواه أحمد بإسناد جيد.
وإن ادعى مدين العسرة، ولم يصدقه رب الدين، ودينه عن عوض، كثمن أو قرض، أو عرف له مال سابق، والغالب بقاؤه؛ حبس، أو كان دينه من غير عوض مالي، كعوض خلع، وصداق، وضمان، وكان قد أقر أنه مليء؛ حبس، لأن الأصل بتاء المال، ومؤاخذة له بإقراره، إلا أن يتيم بيّنة بإعساره، ويعتبر فيها أن تَخْبُرَ باطن حاله، لأن الإعسار من الأمور الباطنة التي لا يطلع عليها غالبًا إلا المخالط له، ولا يحلف مع البينة، لما فيه من تكذيبها، أو يدَّعي تلفًا لماله، ويقيم بينة به، ويحلف معها إن أصلب رب الحق يمينه، لأن اليمين على أمؤ محتمل، غير ما شهدت به البينة.
ويحرم إنكار معسر وحلفه أن لا حق عليه، ولو تأول، نصًّا 1، لظلمه رب الدين فلا ينفعه التأويل (ولا يحل) دين (مؤجل بفلس) نصًّا 2، فلا يشارك ربه ذوي الديون الحالة، لأن الأجل حق للمفلس، فلا يسقط بفلسه، كسائر حقوقه، ولا يوقف له من مال المفلس، ولا يرجع على الغرماء بشيء إذا حل دينه، لعدم ملكه المطالبة به حين القسمة، ويشارك من حل دينه قبل القسمة في الكل، وفي أثناء القسمة فيما بقي منها.
ولا يحل دين مؤجل بجنون (ولا بموت) لحديث "من ترك حقًّا أو مالًا فلورثته" 3، والأجل حق للميت، فينتقل إلى ورثته، ومحل ذلك (إن وثق الورثة برهن محُرز، أو كفيل مليء) على الأقل من قيمة الدين أو التركة، فإن لم يوثق بذلك حل، لأن الورثة قد لا يكونوا أملياء، ولم يرض بهم الغريم، فيؤدي إلى فوات الحق (وإن ظهر غريم) دينه حال (بعد القسمة) أي قسمة مال المفلس (رجع على الغرماء بقسطه) كما تقدم.
فصل في الحجر لحظ نفس المحجور عليه
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ 1 وأضاف الأموال إلى الأولياء، لأنهم مدبروها.
(ويحجر على الصغير والمجنون والسفيه لحظهم) فلا يصح تصرفهم في أموالهم، ولا ذممهم، قبل الإذن، لأن تصحيح تصرفهم يفضي إلى ضياع أموالهم، وفيه ضرر عليهم (ومن دفع إليهم ماله بعقد) كبيع وإجارة (أو) بـ (لا) عقد كوديعة وعارية (رجع فيما 2 بقي) من ماله، لبقاء ملكه عليه (لا ما تلف) منه بنفسه كموت قن أو حيوان، أو بفعل محجور عليه، كقتله له، فلا يرجع بشيء، لأنه سلطه عليه برضاه، علم الدافع بحجر المدفوع إليه أو لا، لتفريطه، لأن الحجر عليه في مظنة الشهرة.
(ويضمنون) أي المحجور عليهم لحظ أنفسهم (جناية) على نفس أو طرف ونحوه، على ما يأتي تفصيله في الجنايات 3 (و) يضمنون (إتلاف ما لم يُدفع إليهم) من المال، لاستواء المكلف وغيره، ومن أعطوه مالًا بلا إذن ولي ضمنه، لتعديه بقبضه ممن لا يصح منه دفع حتى يأخذه منه ولي.
ولا يضمن من أخذ من محجور عليه مالًا ليحفظه من الضياع، كأخذه 4 من غاصب أو غيره ليحفظه لربه، ولم يفرط، لأنه محسن بالإعانة على رد الحق لمستحقه، فإن فرط ضمن.
(ومن بلغ) من ذكر وأنثى وخنثى (رشيدًا) انفك الحجر عنه (أو) بلغ
(مجنونًا ثم عقل ورشد انفك الحجر عنه) لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ 1 الآية، ولأن الحجر عليه إنما كان لعجزه عن التصرف في ماله، حفظًا له، وقد زال، فيزول الحجر، لزوال علته (بلا حكم) بفكه، وسواء رشده الولي أو لا، لأن الحجر عليه لا يحتاج إلى حكم فيزول بدونه، ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ 2، واشتراط الحكم زيادة تمنع الدفع عند وجود ذلك، وهو خلاف النص (وأعطي) من انفك الحجر عنه (ماله) للآية، ويستحب بإذن قاض، وإشهاد برشد، ودفع، ليأمن التبعة و (لا) يعطى ماله (قبل ذلك بحال) ولو صار شيخًا، لظاهر الآية.
(وبلوغ ذكر بإمناء) باحتلام أو غيره، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ 3 (أو تمام خمس عشرة سنة) لحديث ابن عمر: عرضت على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم أحد وأنا ابن عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني 4. متفق عليه.
وفي رواية البيهقي بإسناد حسن: فلم يجزني ولم يرني بلغت 5.
(أو نبات شعر خشن) أي يستحق أخذه بالموسى 6، لا زغب 7 ضعيف (حول قُبُله) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، حكم بأن يقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وحكم بأن يكشف عن مؤتزراتهم، فمن
أنبت فهو من المقاتل، ومن لم ينبت ألحقوه بالذرية.
فبلغ ذلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "لقد حكم بحكم اللَّه من فوق سبعة أرقعة" 1. متفق عليه.
(و) بلوغ (أنثى بذلك) الذي يحصل به بلوغ الذكر (و) تزيد عليه (بحيض) لحديث: "لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار" 2. رواه الترمذي وحسنه (وحملها دليل إمناء) لإجراء اللَّه تعالى العادة بخلق الولد من مائهما، قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ 3 الآية.
وإذا ولدت حكم ببلوغها من أقل مدة الحمل وهو ستة أشهر؛ لأنه اليقين.
(ولا يُدفع إليه) أي من بلغ رشيدًا ظاهرًا (ماله حتى يُختبر بما يليق به، ويؤنس رشده، ومحله) أي الاختبار (قبل بلوغ) لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ 4 الآية (والرشد هنا إصلاح المال).
والناس يختلفون في ذلك، فيختلف إيناس الرشد باختلافهم، فولد التاجر يعلم رشده (بأن يبيع ويشتري فلا يغبن غالبًا) غبنًا فاحشًا (ولا يبذل ماله في حرام) كقمار، وغناء وشراء محرم، كآلة لهو، ونحو ذلك (و) لا في (غير فائدة) وولد رئيس وكاتب باستيفاء على وكيله فيما وُكِّل فيه.
ويؤنس رشد أنثى باشتراء قطن، واستجادته، ودفعه، ودفع أجرته إلى الغَزَّالات، واستيفاء عليهن.
ومن نوزع في رشده، فشهد به عدلان ثبت.
وإلا بأن لم يشهد أحد، فادعى محجور عليه علم وليه برشده، حَلَفَ أنه لا يعلم رشده، لاحتمال صدق مدع.
ومن تبرع في حجر، فثبت كونه مكلفًا رشيدًا؛ نفذ تصرفه، لتبين أهليته له.
(ووليهم) أي المحجور عليهم لحظ أنفسهم (حال الحجر) عليهم (الأب) لكمال شفقته (الرشيد) لأن غير الرشيد محجور عليه (ثم) وليهم بعد الأب (وصيُّه) لأنه نائبه، أشبه وكيله في الحياة، ولو كان بجُعْلٍ وثَمَّ متبرع، أو كان الأب أو وصيه كافرًا على كافر، إن كان عدلًا في دينه، ولا ولاية لكافر على مسلم (ثم) بعد الأب ووصيِّه، وليهم (الحاكم) لانقطاع الولاية من جهة الأب، فتكون للحاكم، كولاية النكاح، لأنه وليُّ من لا وليَّ له.
وتكفي العدالة في الولي ظاهرًا، فإن عدم حاكم أهل، فأمين يقوم مقامه، وعلم منه أنه لا ولاية للجد، والأم، وباقي العصبات.
(و) يجب على الولي أن (لا يتصرف لهم) أي المحجور عليهم (إلا بالأحظِّ) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ 1، فإن تبرع الولي بصدقة أو هبة، أو حابى، بأن باع من مال موليه بأنقص من ثمنه، أو اشترى له بأزيد، أو زاد في النفقة على الإنفاق بالمعروف، ضمن لتفريطه، وللولي تعجيل نفقة موليه مدة جرت به عادة أهل بلده، إن لم يفسدها، وإلا فتدفع إليه يومًا بيوم، فإن أفسدها بإتلاف، أو دفع لغيره أطعمه معاينة، وإلا كان مفرطًا، وإن أفسد كسوته ستر عورته فقط في بيت إن لم يمكن تحَيّل على إبقائها عليه ولو بتهديد.