قولوا: التحيات للَّه... " إلخ رواه الدارقطني والبيهقي وصححاه 1، وفيه دلالة على فرضيته من وجهين: أحدهما قوله: "قبل أن يفرض علينا التشهد" والثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: "قولوا" والأمر للوجوب.
وقد ثبت الأمر به في "الصحيحين" -أيضًا- من قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا قعد أحدكم في صلاته، فليقل: التحيات للَّه... " الحديث متفق عليه 2.
(و) الحادي عشر: (جلسته) أي: التشهد الأخير، والتسليمتين؛ لأنه ثبت أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- واظب عليه كذلك، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 3.
(و) الثاني عشر: (الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام).
(و) الثالث عشر: (التسليمتان) على الصفة التي تقدمت 4؛ لحديث: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" 5 ويكفي في صلاة جنازة وسجود تلاوة، وشكر، وجميع النفل، تسيمة واحدة.
(و) الرابع عشر: (الترتيب) بين الأركان على ما تقدم هنا، وفي صفة الصلاة، لحديث المسيء في صلاته، حيث علمه إياها مرتبة بـ "ثم" المقتضية للترتيب 6، وصح عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يصلي كذلك، وقال: "صلوا كما
رأيتموني أصلي" 1.
(وواجباتها) أي: الصلاة.
وهو ما كان فيها؛ ليخرج الشرط.
وهو القسم الثاني، وهو الذي تبطل الصلاة بتركه عمدًا لتخرج السنن، ويسجد لسهوه؛ لتخرج الأركان (ثمانية) -خبر المبتدأ-.
أحدها: التكبير غير تكبير التحريمة؛ لقول أبي موسى الأشعري -مرفوعًا-: "فإذا كبر الإمام وركع، فكبروا واركعوا، وإذا كبر وسجد، فكبروا واسجدوا" رواه أحمد وغيره 2. لغير مأموم 3 أدرك إمامه راكعًا، فإن تكبيرته التي بعد تكبيرة الإحرام سنة.
(و) الثاني: (التسميع) أي: قوله: سمع اللَّه لمن حمده، لإمام ومنفرد، دون مأموم.
وتقدم 4.
(و) الثالث: (التحميد) أي: قول: ربنا ولك الحمد.
للكل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا قال الإمام: سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" 5.
(و) الرابع: (تسبيح) أول في (ركوع).
(و) الخامس: تسبيح أول في (سجود) وتقدم 6.
(و) السادس: (قول: رب اغفر لي) إذا جلس بين السجدتين (مرة مرة) في التسبيح، وفي ربِّ اغفر لي، كما
تقدم 1.
ومحل ما تقدم من تكبير الانتقال والتسميع لإمام، ومنفرد، والتحميد لمأموم بين ابتداء انتقال وانتهائه؛ لأنه مشروع له فاختص به، وإن شرع فيه قبل شروعه في الانتقال، بأن كبر لسجود قبل هويه إليه، أو سمَّعَ قبل رفعه من ركوع لم يجزئه أو كمله بعده، وكذا سؤال المغفرة.
لو شرع فيه قبل الجلوس، أو كمله بعده، وكذا تحميد إمام ومنفرد لو شرع فيه قبل اعتداله أو كمله بعد هويه منه.
قال المجد: هذا قياس المذهب، ويحتمل أن يعفى عن ذلك؛ لأن التحرز عنه يعسر والسهو به يكثر، ففي الإبطال به أو السجود له مشقة.
انتهى 2.
(و) السابع: (التشهد الأول).
(و) الثامن: (جلسته) للأمر به في حديث ابن عباس 3 ومع ما تقدم 4؛ ولأنه عليه الصلاة والسلام سجد لتركه 5، إلا من قام إمامه سهوًا، فلا يلزمه جلوس ولا تشهد، ويلزمه متابعته؛ لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" 6.
والمجزئ من التشهد الأول: "التحيات للَّه، سلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه، سلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن
محمدًا عبده ورسوله" أو: "أن محمدًا رسول اللَّه".
(وما عدا ذلك) المذكور من الواجبات (و) ما عدا (الشروط) فهو (سنة).
وتقدم جل سنن الأقوال والأفعال في صفة الصلاة.
تنبيه
:
لو اعتقد مصل الفرض سنة أو عكسه، أو لم يعتقد شيئًا، أو لم يعرف الشرط من الركن وأدى الصلاة على وجهها، فهي صحيحة اكتفاء بعلمه أن ذلك كله من الصلاة.
(فالركن والشرط لا يسقطان سهوًا وجهلًا، ويسقط الواجب بهما) أي: بالسهو والجهل فقط دون العمل، فلا يسقط به، كما تقدم.
فصل
(ويشرع) أي: يجب أو يسن -كما يأتي- (سجود السهو) قال في "النهاية" 1: السهو في الشيء: تركه من غير علم، وعن الشيء: تركه مع العلم به (لزبادة في الصلاة) متعلق بـ: "يشرع" (ونقص) منها سهوًا.
(و) يشرع -أيضًا- سجود السهو لـ (شكٍّ) في الجملة -كما يأتي تفصيله- فلا يشرع لكل شك بل ولا لكل زيادة أو نقص كما ستقف عليه (لا في عمد) لأن السجود يضاف إلى السهو فدل على اختصاصه به، والشرع إنما ورد به فيه، ولا يلزم من انجبار السهو به انجبار العمد، لوجود العذر في السهو (وهو) أي: سجود السهو (واجب لما تبطل) الصلاة (بتعمده) أي: تعمد فعله، كتعمد زيادة ركن فعلي ولو قدر جلسة الاستراحة، أو تعمد تركه كترك واجب من الواجبات (و) هو (سنة لإتيان بقول مشروع في غير محله) كقراءة الفاتحة جالسًا، وقراءة التحيات قائمًا، ونحو ذلك (سهوًا) فلو تعمد ذلك، لم يسجد له، ولا تبطل بتعمده؛ لأنه قول مشروع، لكن يكره له ذلك (و) هو (مباح لترك سنة) كترك قراءة السورة مع الفاتحة في غير آخرتي الرباعيات وآخرة مغرب، وكترك الزيادة على مرة في تسبيح الركوع والسجود، وترك القنوت في الوتر، ونحو ذلك (ومحله) أي: سجود السهو (قبل السلام ندبًا إلا) في صورة واحدة، وهي (إذا سلم عن نقص ركعة فأكثر فـ) ـإنَّ السجود يكون (بعده ندبًا)؛ لقصة ذي اليدين 2.
وكون سجود السهو قبل السلام أو بعده ندب؛ لأن الأحاديث وردت بكل من الأمرين، فلو سجد للكل قبل السلام أو بعده، جاز (وإن سلم قبل إتمامها) أي: الصلاة (عمدًا بطلت) صلاته، لأنه تكلم فيها، والباقي منها ركن أو أكثر، وهو يبطلها تركه عمدًا (وسهوًا) لم تبطل به، وله إتمامها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام وأصحابه فعلوه وبنوا على صلاتهم 1، لأن جنسه مشروع فيها أشبه الزيادة فيها من جنسها (فإن ذكره 2 قريبًا) عرفًا، ولو خرج من المسجد، نصًّا 3، أو شرع في صلاة أخرى فإنه يقطع التي شرع فيها مع قرب فصل، ويعود إلى الذي ترك، و (أتمها) أي: صلاته (وسجد) لسهوه؛ لحديث عمران بن حصين قال: "سلم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول اللَّه؟ فخرج فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم" رواه مسلم 4. (وإن) لم يذكر سهوه قريبًا حتى طال الزمن أو (أحْدَثَ) بطلت صلاته، لأن الحَدَثَ ينافيها، أو تكلم مطلقًا إمامًا كان أو غيره، عمدًا كان أو سهوًا أو جهلًا، طائعًا أو مكرهًا، فرضًا أو نفلًا، لمصلحتها أو لا، في صلبها أو بعد سلامه، قبل إتمامها سهوًا بطلت؛ لحديث: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" رواه مسلم 5. = في كتاب السهو، باب من لم يتشهد في سجدتي السهو (2/ 66) وفي مواضع أخرى، ومسلم، كتاب المساجد (1/ 403) عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-.
وعن الإمام أحمد:.
لا تبطل بيسير كلامٍ لمصلحتها 1، ومشى عليه في "الإقناع" 2 لقصة ذي اليدين 3 (أو قهقه) بعد أن سلم قبل إتمامها (بطلت كفعلهما) أي: الحدث أو القهقهة (في صلبها) أي: الصلاة، لا إن نام فتكلم، أو سبق على لسانه حال قراءته؛ لأنه مغلوب على الكلام، أشبه ما لو غلط في القرآن، فأتى بكلمة من غيره، فلا تبطل بذلك (وإن نفخ) فبان حرفان (أو انتحب 4 لا من خشية اللَّه تعالى، أو تنحنح بلا حاجة فبان حرفان، بطلت) صلاته؛ لقول ابن عباس: "من نفخ في صلاته، فقد تكلم" رواه سعيد 5، وعن أبي هريرة نحوه 6، فإن كانت النحنحة لحاجة، لم تبطل صلاته ولو بأن حرفان.
قال المروذي 7: (كنت آتي أبا عبد اللَّه، فيتنحنح في صلاته؛ لأَعْلَمَ أنه
يصلي) 1 ولا تبطل إن غلبه سُعَالٌ 2، أو عطاس، أو تثاؤب، أو بكاءٌ، ولو بان حرفان.
نص عليه في من غلبه البكاء 3.
ومصلٍّ نفلًا يجيب والديه، وتبطل به صلاته.
ويجوز إخراج زوجة من نفل؛ لحق زوجها.
(ومن ترك ركنًا غير التحريمة) أي: تكبيرة الإحرام سهوًا، كركوع أو سجود أو غيرهما (فذكره) أي: الركن المتروك (بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى) غير التي تركه منها (بطلت) الركعة المتروك منها (وصارت) الركعة (التي شرع في قراءتها مكانها) لأنه لا يمكنه استدراك المتروك لتلبسه، بفرض قراءة الركعة الأخرى، فلغت ركعته (وقبله) أي: قبل الشروع في قراءتها (يعود فيأتي به) أي: يلزمه أن يعود إلى الركن المتروك فيأتي به؛ لأنه ركن لا يسقط بسهو ولا غيره، (و) يأتي (بما بعده) لأنه قد أتى به في غير محله؛ لأن محله بعد الركن المنسي.
فلو ذكر الركوع وقد جلس، أتى به وبما بعده (و) إن لم يذكر ما تركه إلا (بعد السلام 4 فـ) ـذلك (كترك ركعة) كاملة، فيأتي بركعة، ويسجد للسهو قبل السلام.
نص عليه 5 في رواية حرب 6 إن لم يطل فصل، أو يحدث، أو يتكلم؛ لأن الركعة بترك ركنها لغت فصار وجودها كعدمها،
فكأنه سلم عن ترك ركعة.
(وإن نهض) مصلٍّ (عن) ترك (تشهد أولٍ ناسيًا) لما تركه (لزمـ) ـه رجوعه) إليه إن ذكر قبل أن يستتم قائمًا؛ ليتدارك الواجب، ويتابعه مأموم ولو اعتدل (وكره) رجوعه (إن استتم قائمًا) لحديث المغيرة بن شعبة -مرفوعًا-: "إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائمًا فليجلس، فإن استتم قائمًا، فلا يجلس، وليسجد سجدتين" رواه أبو داود وابن ماجه 1 وأقل أحوال النهي الكراهة.
(وحرم) رجوعه (وبطلت) صلاته (إن) رجع بعد أن (شرع في القراءة) و (لا تبطل) برجوعه (إن نسي أو جهل) تحريم رجوعه؛ لحديث: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" 2 ومتى علم تحريم ذلك وهو في التشهد، نهض ولم يتمه (ويتبع مأموم) إمامًا في قيامه ناسيًا؛ لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" 3 ولما قام -صلى اللَّه عليه وسلم- عن التشهد، قام الناس معه 4، وفعله جماعة
من أصحابه (1).
ولا يلزمه الرجوع إن سبحوا به بعد قيامه، وإن سبحوا به قبل قيامه ولم يرجع، تشهدوا لأنفسهم ولم يتابعوه، لتركه واجبًا عمدًا، وإن رجع قبل شروعه في القراءة، لزمهم متابعته ولو شرعوا فيها، لا إن رجع بعدها؛ لخطئه، ويَنْوُوْنَ مفارقته.
(ويجب السجود لذلك مطلقًا) أي: في جميع الصور المذكورة؛ لما تقدم من أن السجود لترك الواجب سهوًا واجب (2).
تتمة
:
لو أحرم بالعشاء مثلًا، ثم سلم من ركعتين، ظنًّا أنهما من التراويح، أو سلم من ركعتين من ظهر ظنًّا أنهما جمعة، أو فجرًا فاتته ثم ذكرها، أعاد فرضه ولم يَبْنِ نصًّا 3؛ لأنه قد قطع نية الأولى باعتقاده أنه في أخرى؛ لأن استصحاب حكم النية واجب.
وسئل أحمد عن إمام صلى بقوم العصر، فظن أنها الظهر فطول القراءة، ثم ذكر، فقال: يعيد ويعيدون 4. (ويبني على اليقين -وهو الأقل- من شك في ركن) بأن تردد في فعله وتركه، فيجعل كمن تيقن تركه؛ لأن الأصل عدمه، وكما لو شك في أصل الصلاة (أو) شك في (عدد) ركعات، فإذا شك أصلى ركعة أو ركعتين بنى على ركعة، وثنتين أو ثلاثًا، بنى على ثنتين وهكذا، إمامًا كان أو منفردًا؛ لحديث أبي سعيد الخدري -مرفوعًا-: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أصلى ثلاثًا أو أربعًا؟12 = ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس.
فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبَّر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم، ثم سلم".
فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى أربعًا كانتا ترغيمًا (1) للشيطان" رواه أحمد ومسلم، (2)، وحديث ابن مسعود -مرفوعًا-: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، وليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين" رواه الجماعة إلا الترمذي (3)، فتحري الصواب فيه هو استعمال اليقين؛ لأنه أحوط، وجمعًا بين الأخبار.
تتمة
: لا يرجع مأموم ليس معه غيره إلى فعل إمامه؛ لأن قول الإمام لا يكفي في مثل ذلك، بدليل ما لو شك إمام فسبح به واحد، بل يبني على اليقين كمنفرد، ولا يفارقه قبل سلامه؛ لأنه لم يتيقن خطأه، فإذا سلم إمام، أتى مأموم بما شك فيه مع إمامه ليخرج من الصلاة بيقين وسجد للسهو وسلم، ولا يسجد إن شك في ترك واجب؛ لأنه شك في سبب وجوب 4 السجود، والأصل عدمه، أو شك في زيادة بأن شك هل زاد ركوعًا أو سجودًا، أو شك في تشهده الأخير: هل صلى أربعًا أو خمسًا ونحوه؟ لأن الأصل عدم الزيادة إلا إن شك في الزيادة، وقت فعلها، بأن شك في سجدة وهو فيها: هل هي زائدة أم لا؟ فيسجد؛ لأنه أدى جزءًا من صلاته مترددًا في كونه منها أو زائدًا عليها، فضعفت النية، واحتاجت للجبر بالسجود.123
ولو شك من أدرك الإمام راكعًا بعد أن أحرم معه: هل رفع الإمام رأسه قبل إدراكه راكعًا أم لا؟ لم يعتد بتلك الركعة، وسجد للسهو؛ لاحتمال أن تكون زائدة.
وإن شك هل دخل مع الإمام في الركعة الأولى مثلًا أو في الثانية، جعله في الركعة الثانية؛ لأنه المتيقن، وسجد للسهو.
ومن شك في عدد الركعات أو غيره فبنى على يقينه، فزال شَكُّهُ، وعلم أنه مصيب فيما فعله، لم يسجد مطلقًا 1.
ومن سجد لشك ظنًّا أنه يسجد له، ثم تبين له أنه لم يكن عليه سجود لذلك الشك، سجد وجوبًا، لكونه زاد في صلاته سجدتين غير مشروعتين.
وليس على مأموم دخل مع إمامه من أول الصلاة، إن سها دون إمامه، سجود سهو، إلا أن يسهو إمامه فيسجد معه، لحديث ابن عمر -مرفوعًا-: "ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها إمامه، فعليه وعلى من خلفه" رواه الدارقطني 2.
ولو كان المأموم مسبوقًا، وسها الإمام فيما لم يدركه فيه، بأن كان الإمام سها في الأولى مثلًا، وأدركه في الثانية أو بعدها، كفي التشهد الأخير قبل سلامه، فإنه يتابعه في السجود وجوبًا، فلو قام بعد سلام إمامه ظانًّا عدم سهوه، فسجد إمامه، رجع فسجد معه، فإن استتم قائمًا، فالأولى أن لا يرجع، كمن قام عن التشهد الأول، ولا يرجع إن شرع في القراءة، لأنه تلبس بركن مقصود، فلا يرجع إلى واجب، ويسجد إذا فرغ من قضاء ما فاته في آخر صلاته.
فصل في صلاة التطوع
والتطوع في الأصل: فعل الطاعة 1. وشرعًا وعرفًا: طاعة غير واجبة 2. والنفل والنافلة: الزيادة 3، والتنفل: التطوع 4، وأفضلها ما سن جماعة، فلذلك قال: (آكد صلاة تطوع) صلاة (كسوف) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- فعلها، وأمر بها، في حديث أبي 5 مسعود المتفق عليه 6 (فاستسقاء) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يستسقي تارة، ويترك أخرى، بخلاف الكسوف، فلم تترك صلاته عنده فيما نقل عنه، لكن ورد ما يدل على الاعتناء بالاستسقاء، حديث أبي داود عن عائشة: "أمر بمنبر فوضع له ووعد الناس يومًا يخرجون فيه" 7 (فتراويح) لأنها تسن في الجماعة (فوتر) لأنه يشرع له الجماعة بعد التراويح.
وهو سنة مؤكدة.
روي عن أحمد: من ترك الوتر عمدًا، فهو رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة 8. وليس هو بواجب.
قال في رواية حنبل: الوتر ليس
بمنزلة الفرض، فإن شاء قضى الوتر، وإن شاء لم يقضه 1. وذلك لحديث طلحة بن عبيد اللَّه: أن أعرابيًا قال: يا رسول اللَّه ماذا فرض اللَّه على عباده من الصلاة؟ قال: "خمس صلوات في اليوم والليلة".
قال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع" متفق عليه 2.
وأما حديث: "الوتر حق" 3 ونحوه 4، فمحمول على تأكيد استحبابه، جمعًا بين الأخبار، إلا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكان الوتر واجبًا عليه، للخبر 5 (ووقته من صلاة العشاء) ولو مع جمع تقديم في وقت المغرب (إلى الفجر) الثاني، لحديث معاذ سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "زادني ربي
صلاة، وهي الوتر، ووقتها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر" رواه أحمد 1، ولمسلم: "أوتروا قبل أن تصبحوا" 2 وحديث: "إن اللَّه قد أمركم بصلاة، وهي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فصلوها فيما بين العشاء وطلوع الفجر" رواه أبو داود وغيره 3. والوتر آخر الليل لمن يثق بنفسه أنه يقوم أفضل، لحديث: "من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل" رواه مسلم 4. (وأقله) أي: الوتر (ركعة) لحديث ابن عمر وابن عباس -مرفوعًا-: "الوتر ركعة من آخر الليل" رواه مسلم 5، ولقوله عليه الصلاة والسلام: "من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" رواه أبو داود وغيره 6.
ولا يكره الوتر بركعة لما تقدم 1، ولثبوته -أيضًا- عن عشرة من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- ومنهم: أبو بكر 2، وعمر 3، وعثمان 4، وعائشة 5.
(وأكثره) أي: الوتر (إحدى 6 عشرة) ركعة (مثنى مثنى) يسلم من كل ركعتين (ويوتر بواحدة) لحديث عائشة: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، ويوتر منها بواحدة" وفي لفظ: "يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة" 7.
وله أن يسرد عشرًا ثم يجلس، ويتشهد، ولا يسلم، ثم يأتي بالأخيرة، ويتشهد ويسلم.
نص عليه الإمام 8، والأولى أفضل، لأنها أكثر عملًا، لزيادة النية، والتكبير، والتسليم.
وإن أوتر بتسع، تشهد بعد ثامنة ولا يسلم، ثم يأتي بالتاسعة ويتشهد ويسلم -كما تقدم؛ لحديث عائشة -وسئلت عن وتر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قالت: "كنا نُعد له سواكه وطهوره فيبعثه اللَّه ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر اللَّه
ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر اللَّه ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعناه" 1. وإن أوتر بسبع ركعات أو بخمس سردهن، فلا يجلس إلا في آخرهن، لحديث ابن عباس في صفة وتره -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ثم توضأ، ثم صلى سبعًا أو خمسًا أوتر بهن لم يسلم إلا في آخرهن" رواه مسلم 2. وعن أم سلمة: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام وكلام" رواه أحمد ومسلم 3. (وأدنى الكمال) في الوتر (ثلاث) ركعات (بسلامين) بأن يصلي ثنتين ويسلم، ثم ركعة ويسلم؛ لأنه أكثر عملًا، وكان ابن عمر: "يسلم من ركعتين حتى يأمر ببعض حاجته" 4. ويجوز أن يصلي الثلاث بسلام واحد، قال أحمد: إن أوتر بثلاث، لم يسلم فيهن، لم يضيق عليه عندي 5. يقرأ في الأولى من الثلاث بعد الفاتحة بـ ﴿سَبِّحِ﴾، وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ لحديث أبي بن كعب: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقرأ بهن في وتره"
رواه أبو داود 1.
(ويقنت) في الأخيرة من وتره (بعد الركوع ندبًا) لأنه صح عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- من رواية أبي هريرة 2، وأنس 3 وابن عباس 4. وعن عمر وعلي أنهما كانا يقنتان بعد الركوع.
رواه أحمد والأثرم 5.
ولو كبر ورفع يديه بعد القراءة وقنت قبل الركوع جاز -أيضًا- لحديث أُبيّ بن كعب مرفوعًا: "كان يقنت في الوتر قبل الركوع" رواه أبو داود 6، وعن ابن مسعود -مرفوعًا- مثله رواه أبو بكر
الخطيب 1. 2
وروى الأثرم عن ابن مسعود: "أنه كان يقنت في الوتر، وكان إذا فرغ من القراءة كبر ورفع يديه، ثم قنت، فيرفع يديه إلى صدره مبسوطتين وبطونهما نحو السماء" 3 ولو كان مأمومًا؛ لحديث سلمان -مرفوعًا-: "إن اللَّه يستحي أن يبسط العبد يديه، يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين" رواه الخمسة إلا النسائي 4، وعن مالك بن يسار -مرفوعًا-: "إذا سألتم اللَّه، فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها" رواه أبو = قال الحافظ في "التخليص" (2/ 19): ورواه البيهقي من حديث أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وضعفها كلها، وسبق إلى ذلك: ابن حنبل، وابن خزيمة، وابن المنذر.
قال الخلال عن أحمد: لا يصح فيه عن النبي عنيه شيء، ولكن عمر كان يقنت.
اهـ
داود 1. ويقول جهرًا: اللهم إنا نستعينك ونسهديك، ونستغفرك -أي نطلب منك العون والهداية والمغفرة- ونتوب إليك، ونؤمن؛ أي: نصدق بك- ونتوكل عليك -أي: نعتمد ونظهر عجزنا- ونثني عليك الخير -أي: نصفك به كله ونمدحك، والثناء في الخير خاصة، وبتقديم النون على الثاء يستعمل في الخير والشر 2 - ونشكرك ولا نكفرك -أي لا نجحد نعمتك ونسترها لاقترانه بالشكر- اللهم إياك نعبد -قال البيضاوي 3: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، ولا يستحقها 4 إلا اللَّه، وسمي العبد عبدًا لذلته وانقياده لمولاه- ولك نصلي ونسجد -لا لغيرك وإليك نسعى ونحفد -بفتح النون وكسر الفاء وبالدال المهملة، أي نسرع ونبادر 5 - نرجوا -أي نؤمل- رحمتك -أي سعة عطائك- ونخشى عذابك -أي نخافه، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾ 6 - إن عذابك الجد -بكسر الجيم أي: الحق لا اللعب 7 - بالكفار ملحق -بكسر الحاء على المشهور، أي: لاحق، وبفتحها على معنى أن اللَّه يلحقه الكفار 8.
قال الخلال: سألت ثعلبًا 1 عن مُلحِق ومُلحَق؟ فقال: العرب تقولهما جميعًا 2. وهذا القنوت من أوله إلى هنا مروي عن عمر، وفي أوله: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم" وفي آخره: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك" 3 وهما سورتان في مصحف أبي.
قال ابن سيرين 4: كتبهما أبي في مصحفه 5. إلى 6 قول: "ملحق" زاد غير واحد: ونخلع ونترك من يكفرك 7.
(اللهم اهدني في من هديت) أي: ثبتني على الهداية أو زدني منها، وهي: الدلالة والبيان، قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ} 1 وأما قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ 2 فهي من اللَّه التوفيق والإرشاد 3.
(وعافني في من عافيت) من الأسقام والبلايا 4، والمعافاة: أن يعافيك اللَّه من الناس، ويعافيهم منك.
(وتولني في من توليت) الولي: ضد العدو 5. من تليت الشيء إذا اعتنيت به، [ونظرت فيه] 6 كما ينظر الولي في مال اليتيم؛ لأن اللَّه ينظر في أمر وليه بالعناية، ويجوز أن يكون من: وليت الشيء إذا لم يكن بينك وبينه واسطة، بمعنى أن الولي يقطع الوسائط بينه وبين اللَّه تعالى حتى يصير في مقام المراقبة 7 والمشاهدة 8، وذلك مقام الإحسان 9.
(وبارك لي) البركة: الزيادة أو حلول الخير الإلهي في الشيء 10 (فيما
أعطيت) أي: أنعمت به.
والعطة: الهبة 1.
(وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك) أي: أنه لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، فإنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد (إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت) رواه أحمد، ولفظه له، وتكلم فيه أبو داود، ورواه الترمذي وحسنه من حديث الحسن بن علي قال: علمني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللهم اهدني... " إلى "وتعاليت" وليس فيه: "ولا يعز من عاديت" 2 ورواه البيهقي وأثبتها فيه 3 وجَمَعَ، والرواية بالإفراد، ليشارك الإمام المأموم 4 ويعِز بكسر العين، قال بعضهم 5:
وقل إذا كنت في ذكر القنوت ولا... يعزُّ يا ربِّ مَنْ عاديتَ مكْسُورا
(اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك) أظهر العجز والانقطاع، وفزع إليه منه، فاستعاذ به منه.
= الإلهي في الشيء.
اهـ
(لانحصي ثناءً عليك) أي: لا نطيقه.
(أنت كما أثنيت على نفسك) اعتراف بالعجز عن الثناء، ورَدٌّ إلى المحيط علمه بكل شيء، جملة وتفصيلًا.
ورى الخمسة عن علي -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" ورواته ثقات 1.
قال الترمذي: لا نعرف عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في القنوت شيئًا أحسن من هذا 2، وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة.
قال المجد: فقد صح عن عمر: "أنه كان يقنت بقدر مائة آية" 3 (ثم يصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-) لحديث الحسن بن علي السابق، وفي آخره: "وصل اللَّه على محمد" رواه النسائي 4.
وعن عمر: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك -صلى اللَّه عليه وسلم-" رواه الترمذي 1. (ويؤمن مأموم) على قنوت إمامه إن سمعه؛ لحديث ابن عباس 2 (ويجمع إمام الضمير) فيقول: اللهم إنا نستعينك، اللهم اهدنا... إلخ، ويفرد منفرد كما تقدم 3 (ويمسح الداعي وجهه بيديه مطلقًا) في الوتر وغيره، كخارج الصلاة، لعموم حديث عمر: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه" رواه الترمذي 4، ولقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس: "فإذا فرغت فامسح بهما وجهك" رواه أبو داود وابن ماجه 5. = الأفهام" (ص 512) ط مشهور حسن آل سلمان.
ويرفع يديه إذا أراد السجود نصًّا، لأن القنوت مقصود في القيام، فهو كالقراءة، ذكره القاضي 1.
وكره قنوت في غير وتر حتى فجر، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي الدرداء 2، لحديث مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي هاهنا بالكوفة نحو خمس سنين، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: "أي بني مُحْدَث" قال الترمذي: حسن صحيح.
رواه أحمد وابن ماجه والنسائي، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم 3.
وعن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: "إن القنوت في صلاة الفجر بدعة" رواه الدارقطني 4.
وأما حديث أنس: "ما زال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا" رواه أحمد وغيره 5، ففيه........ = محمد بن كعب، كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف -أيضًا- اهـ.
مقال 1، ويحتمل أنه أراد به طول القيام، فإنه يسمى قنوتًا 2.
فإن نزل بالمسلمين نازلة سوى الطاعون فيسن أن يقنت إمام الوقت خاصة، وهو الإمام الأعظم، واختار جماعة: أو نائبه 3، في جميع الصلوات سوى الجمعة، فيكفي الدعاء في آخر الخطبة، ويجهر بالقنوت في صلاة جهرية.
وأما الطاعون فلا يقنت لنزوله، لأنه لم يثبت القنوت في طاعون عمواس 4 ولا غيره، ولأنه شهادة 5 فلا يسأل رفعه.
تتمة
:
من ائتم بمن يرى القنوت في فجر تابعه؛ لحديث: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" 1 وأمَّن لدعائه إن سمعه، وإلا قرأ الفاتحة أو سورة -إن كان قد قرأ الفاتحة- إن كان القنوت قبل الركوع، فإن كان بعده لم يقرأ، ويؤمِّن إن سمع قنوت إمامه، وإلا سكت.
(و) صلاة (التراويح) سنة مؤكدة، سميت بذلك لأنهم كانوا يصلون أربعًا ويتروحون ساعة -أي يستريحون- 2 وهي (عشرون ركعة برمضان) لحديث ابن عباس: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة" رواه أبو بكر عبد العزيز في "الشافي" بإسناده 3.
وعن يزيد بن رومان: "كان الناس في زمن عمر بن الخطاب -رضي
اللَّه عنه- يتروحون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة" رواه مالك 1، ولعل من زاد على ذاك فعله زيادة تطوع.
وفي الصحيحين من حديث عائشة: "أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاها ليالي، فصلوها معه، ثم تأخر وصلى في بيته باقي الشهر، وقال: إني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها" 2.
وفي البخاري أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فصلى بهم التراويح 3. ويسلم من كل اثنتين ندبًا، بنية أول كل ركعتين، لحديث: "صلاة الليل مثنى مثنى" 4 فينوي أنهما من التراويح، أو من قيام رمضان.
ويستراح بين كل أربع ركعات 5 بلا دعاء، ولا بأس بزيادة على العشرين، ولا بالدعاء بعدها، ولا بالطواف في خلالها، ولا بالتعقيب بعدها وبعد وتر -وهو التطوع في جماعة- سواء طال الفصل أم لا 6.
فتسن التراويح (و) يسن (الوتر معها جماعة) لحديث أبي ذر أن النبي
-صلى اللَّه عليه وسلم- جمع أهله وأصحابه، وقال: "إن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" رواه أحمد والترمذي 1، ومعلوم أن الإمام لا ينصرف حتى يوتر.
(ووقتها) أي: التراويح (بين سُنَّةِ عشاء ووتر) لأن سنة العشاء يكره تأخيرها عن وقت العشاء المختار، فإتباعها بها أولى وأشبه، والتراويح لا يكره مدها وتأخيرها بعد نصف الليل، فهي بالوتر أشبه، فلا تصح قبل العشاء، وله فعلها بعد العشاء قبل سنتها، لكن الأفضل بعدها.
والتراويح بمسجد أفضل منها ببيت، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- جمع الناس عليها ثلاث ليال متوالية كما روته عائشة 2، وكان أصحابه يفعلونه في المسجد أوزاعًا في جماعة متفرقة في عهده عن علم منه بذلك وإقرار عليه 3، ولم يداوم عليها خشية أن تفرض 4، وقد أمن ذلك بموته -صلى اللَّه عليه وسلم-.
والأفضل لمن له تهجد أن يوتر بعده، لحديث: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" متفق عليه 5.
وإن أحب متابعة إمامه قام إذا سلم إمامه من وتره فشفعها بأخرى،
ثم يوتر بعد تهجده، وإن أوتر ثم أراد التهجد صلى ولم ينقضه، ولم يوتر بعده، لحديث: "لا وتران في ليلة" رواه أحمد وأبو داود 1. وصح أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي بعد الوتر ركعتين 2، وسئلت عائشة عن الذي ينقض وتره فقالت: "ذاك الذي يلعب بوتره" رواه سعيد وغيره 3. (ثم الراتبة) وهي السنن التي تفعل مع الفرائض، وهي عشر ركعات: (ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) لحديث ابن عمر: حفظت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عشر ركعات في بيته، "ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها،
وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح" وكانت ساعة لا يدخل على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها.
حدثتني حفصة أنه: "كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلى ركعتين" متفق عليه 1، وللترمذي مثله عن عائشة -مرفوعًا-، وقال: صحيح 2.
وآكد الرواتب ركعتا الفجر، فلذلك قال: (وهما آكدها) لقول عائشة -رضي اللَّه عنها-: "لم يكن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر" متفق عليه 3، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صلوا ركعتي الفجر ولو طردتكم الخيل" رواه أحمد وأبو داود 4.
وسن تخفيفهما، وأن يقرأ فيهما بعد الفاتحة بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أو في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ 5 الآية، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ الآية 6. 7
وسن اضطجاع بعدها على جنبه الأيمن قبل صلاة الفرض، لقول
عائشة: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع" وفي رواية: "إن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع" متفق عليه 1.
ثم يلي سنة فجر في الأفضلية سنة مغرب؛ لحديث أحمد عن عبيد مولى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: سُئل: أكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يأمر بصلاة بعد المكتوبة سوى المكتوبة؟ قال: نعم بين المغرب والعشاء 2 ويقرأ فيهما بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ 3.
ثم بقية الرواتب في الأفضلية سواء.
وهذه الرواتب العشر يكره تركها، وتسقط عدالة من داوم على تركها، قال أحمد: لا يداوم على تركها إلا رجل سوء 4، ولا يُمنع من فعلها مع الفرض زوجة ولا ولد ولا عبد ولا أجير.
والسنن غير الرواتب عشرون ركعة: أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، وأربع قبل العصر، وأربع بعد المغرب، وأربع بعد العشاء، لحديث أم حبيبة: "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرَّمه اللَّه على
النار" صححه الترمذي 1، ولحديث علي في صفة صلاته -صلى اللَّه عليه وسلم- ذكر فيه "أنه كان يصلي أربعًا قبل العصر" رواه ابن ماجه 2، وحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيهن بسوء عُدلن له بعبادة ثنتي عشرة سنة" رواه الترمذي.
وفي إسناده عمرو بن أبي خثعم، ضعفه البخاري 3، وعن عائشة: "ما صلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- العشاء قط إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات" رواه أبو داود 4.
وفعل السنن كلها ببيت أفضل من فعلها بالمسجد؛ لحديث: "عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة" رواه مسلم 5، لكن ما شرع له جماعة مستثنى، قال الشيخ منصور في "شرح المنتهى": وكذا ينبغي أن يستثنى نفل المعتكف.
انتهى 6.
وسن فصل بين فرض وسنة -قبلية كانت أو بعدية- بكلام أو قيام، لقول معاوية: "إن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرنا بذلك، أن لا نوصل صلاة حتى نخرج أو
نتكلم" رواه مسلم 1.
وتجزئ سنة صلاة عن تحية مسجد لا عكسه، فلا تجزئ تحية عن سنة، لأنه لم ينوها بخلاف التحية، لأن القصد منها أن يبدأ الداخل بالصلاة وقد وجد، وإن نوى بركعتين التحية والسنة حصلا، أو نوى بصلاة التحية والفرض حصلا، كما لو اغتسل ينوي الجنابة والجمعة، ولا تحصل تحية بركعة، ولا بصلاة جنازة، وسجود تلاوة وشكر.
(وتسن صلاة الليل بتأكد) لحديث: "عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، وتكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم" رواه الحاكم وصححه، وقال: على شرط البخاري 2 (وهي أفضل من صلاة النهار) في النفل المطلق، لحديث مسلم عن أبي هريرة -مرفوعًا-: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" 3 ولأنها أبعد عن الرياء، وأشق على النفس، ولأن الليل محل الغفلة، وعمل السر أفضل من عمل العلانية، وفيه ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل اللَّه خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه.
ونصفه الأخير أفضل من الأول، لحديث مسلم: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه... إلخ" 4 قال ابن حبان في صحيحه: يحتمل أن يكون النزول في بعض الليالي هكذا وفي بعضها هكذا 5.
ونصفه الأخير أفضل من ثلثه الأوسط، والثلث بعد النصف أفضل مطلقًا، نصًّا 1، لحديث: "أفضل الصلاة صلاة داود كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه" 2. وفي حديث ابن عباس في صفة تهجده -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنه نام حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظ" فوصف تهجده، قال: "ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن" 3. ويسن افتتاح قيام الليل بركعتين خفيفتين، لحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين" رواه أحمد ومسلم وأبو داود 4. ويسن نيته عند النوم، لحديث أبي الدرداء -مرفوعًا-: "من نام ونيته أن يقوم كتب له ما نوى، وكان نومه عليه صدقة" حديث حسن، رواه أبو داود والنسائي 5. وكان قيام الليل واجبًا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم ينسخ 6.
ووقت قيام الليل من الغروب إلى طلوع الفجر الثاني.
ولا يقوم الليل كله، لحديث عائشة: "ما علمت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قام ليلة حتى الصباح" 1 وظاهره حتى ليالي العشر الأخيرة من رمضان، واستحبه الشيخ تقي الدين، وقال: قيام بعض الليالي كلها مما جاءت به السنة 2.
ويستحب إحياء ليلتي العيدين، قال الشيخ منصور: وفي معناهما ليلة النصف من شعبان، للخبر 3. = ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.
وقد صدقها ابن عباس على ذلك -كما في "صحيح مسلم"-.
وفي "صحيح البخاري" -الفتح (2/ 489) أن ابن عمر قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماءً، صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته".
وأما حديث: "ثلاث هن علي فريضة وهم لكم سنة: الوتر، والسواك، وقيام الليل" فقد تقدم بيان ضعفه (ص).
ينظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس (ص 251، 252) و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي بن أبي طالب (ص 382، 383) و"نواسخ القرآن" لابن الجوزي (ص 496، 499) و"غاية السول في خصائص الرسول" (ص 87، 91) و"الصلاة والتهجد" لعبد الحق الإشبيلي (ص 263).
وصلاة ليل ونهار مثنى، فيسلم من كل ركعتين، لحديث ابن عمر -مرفوعًا-: "صلاة الليل والنهار مثنى" رواه الخمسة 1، واحتج به الإمام أحمد 2، ولا يعارضه حديث: "صلاة الليل مثنى" متفق عليه 3، لأنه وقع جوابًا لسؤال سائل عنه.
وإن تطوع نهارًا بأربع فلا بأس، حديث أبي أيوب -مرفوعًا-: "كان يصلي قبل الظهر أربعًا لا يفصل بينهن بتسليم" رواه أبو داود وابن ماجه 4. = اختلف فيها، فضعَّفها الأكثرون، وصحح ابن حبان بعضها، وخرجه في "صحيحه" ومن أمثلها حديث عائشة.
اهـ ينظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للألباني (3/ 135، 139). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه-: وأما ليلة النصف من شعبان ففيها فضل، وكان في السلف من يصلي فيها، لكن الاجتماع فيها لإحيائها في المساجد بدعة.
اهـ من "الاختيارات" (ص 121).
وكون الأربع بتشهدين كالظهر أولى من كونها سردًا، لأنه أكثر عملًا، يقرأ في كل ركعة من الأربع سورة مع الفاتحة، كسائر التطوعات.
وإن زاد على أربع نهارًا أو ثنتين ليلًا، ولو جاوز ثمانيًا صح ذلك، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد صلى الوتر خمسًا وسبعًا وتسعأ بسلام واحد 1، وهو تطوع فألحق به سائر التطوعات.
وعن أم هانئ -مرفوعًا-: "صلى يوم الفتح الضحى ثماني ركعات، لم يفصل بينهن" 2 ولا ينافيه ما روي عنها -أيضًا-: "أنه سلم من كل ركعتين" 3 لإمكان التعدد.
وكره الزيادة على الأربع نهارًا، والثمان ليلًا، للاختلاف فيه 4. قال = باب الأربع الركعات قبل الظهر (1/ 365، 366) قال أبو داود: بلغني عن يحيى بن سعيد القطان قال: لو حدَّثت عن عبيدة بشيء لحدَّثت عنه بهذا الحديث.
قال أبو داود: عبيدة: ضعيف.
اهـ وعُبيدة -أحد رجال السند- هو: ابن مُعتِّب الضَّبِّي، أبو عبد الكريم الكوفي.
ينظر: "تهذيب الكمال" (19/ 273).
.................................. = بصحة التطوع في النهار بأربع، لو فعل لم يكره.
وعنه: يكره.
ولو زاد عليها: كُرِهَ.
قال في "المذهب": فإن زاد على أربع نهارًا بتسليمة واحدة، كُرِهَ، رواية واحدة.
وفي الصحة روايتان.
اهـ
وقال في "المستوعب" (2/ 216، 217): والأفضل في صلاة التطوع أن يسلم من كل ركعتين ليلًا كان أو نهارًا.
وفيه رواية أخرى: أنه لا بأس أن يتطوع في النهار بأربع بسلام واحدٍ.
وهي اختيار الخرقي.
فإن زاد على أربع بسلامٍ واحدٍ في صلاة النهار بطلت صلاته.
اهـ هذا حاصل الخلاف في المذهب في هذه المسألة.
وذهب الحنفية إلى أن الزيادة على أربع في نفل النهار، وعلى ثمان ليلًا بتسليمة: تكره.
قال ابن عابدين في "رد المحتار" (2/ 455): اتفاقًا من أئمتنا الثلاثة اهـ وخالف أبو يوسف ومحمد في الزيادة بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة فقال: لا يزيد، خلافًا لأبي حنيفة.
ذكر ذلك في "متن القدوري" (ص 15) واختلف المتأخرون منهم في الزيادة على ثمان ليلًا: فقال السرخسي: لا يكره.
وصحح في "البدائع": الكراهة، وقال: عليه عامة المشايخ.
اهـ وذهب مالك إلى أن صلاة الليل والنهار النافلة: مثنى مثنى.
كما جاء في "المدونة" (1/ 99). قال القاضي عبد الوهاب في "المعونة" (1/ 295): والتنفل مثنى مثنى ليلًا ونهارًا، خلافًا لأبي حنيفة.
اهـ. وذهب الشافعي إلى ما ذهب إليه مالك، فقال -كما في "مختصر المزني" - (ص 114) المطبوع آخر كتاب الأم- النوافل مثنى مثنى بسلام مقطوعة.
اهـ. ودليل ما ذهب إليه: مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، من أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، حديث ابن عمر: أن رجلًا سأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن صلاة الليل؟ فقال: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى" متفق عليه.
ودليل أبي حنيفة، وهو رواية عن أحمد: حديث عائشة -رضي اللَّه عنها-: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي بالليل ثماني ركعات، لا يسلم إلا في آخرهن" رواه مسلم.
وفي سنن أبي داود من حديث أبي أيوب الأنصاري أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن إلا بتسليمة واحدة، يفتح لهن أبواب السماء".
والقول الأول أقوى، حيث أن دليله قول، وما روته عائشة فعل عارضه القول العام للأمة.
وحديث أبي أيوب متكلم في إسناده.
واللَّه أعلم.
ينظر: "المبسوط" (2/ 147)، و"بدائع =