الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 151-190

مرابض 1 الغنم ولا تصلوا في مبارك الإبل".
رواه أحمد، وأبو داود 2، والأعطان ما تقيم فيها الإبل وتأوي إليها، طاهرة كانت أو نجسة، فيها إبل حال الصلاة أو لا، لعموم الخبر.
وأما ما تناخ لعلفها فيه وسقيها، فلا يمنع من الصلاة فيها، لأنه ليس بعطن.
(و) لا تصح الصلاة -أيضًا- في (مجزرة) مكان الذبح 3 (و) لا في (مزبلة) ملقى الزبالة 4، (و) لا في (قارعة طريق) أي محل قرع الأقدام من الطريق، وهي محجة، سواء كان فيها سالك أو لا 5، لحديث ابن عمر: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة: ظهر بيت اللَّه، والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، ومعطن الإبل، ومحجة الطريق".
رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: ليس إسناده بالقوي 6، ورواه

الليث بن سعد عن عبد اللَّه بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر، [عن عمر] 1 مرفوعًا.
وتصح في طريق أبيات قليلة 2. (ولا) تصح الصلاة (في أسطحتها) أي أسطحة تلك المواضع التي لا تصح الصلاة فيها، لأن الهواء تبع للقرار، لمنع الجنب من اللبث بسطح = والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية ما يصلى إليه وفيه (2/ 177، 178) بنحوه.
قال الترمذي: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي.
وقد تكلم في زيد بن جَبِيرة من قبل حفظه.
اهـ وفي "الضعفاء" للعقيلي (2/ 71) أن عبد اللَّه بن نافع مولى ابن عمر قال في رسالته إلى الليث بن سعد عن هذا الحديث: فلا أعلم الذي حدث بهذا عن نافع، إلا قد قال عليه الباطل.
اهـ وقال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (1/ 401): هذا حديث لا يصح.
اهـ وقال الحافظ في "التلخيص" (1/ 227): وفي سند الترمذي زيد بن جبيرة، وهو ضعيف جدًّا.
اهـ.

المسجد، وحنث من حلف لا يدخل دارًا 1 بدخول سطحها 2. ولا تصح في سطح نهر، وكذا ساباط 3 وجسر عليه 4، ويستثنى من ذلك صحة صلاة جنازة بمقبرة، لصلاته عليه الصلاة والسلام على القبر 5، وصحة صلاة جمعة، وعيد، وجنازة، وصلاة كسوف، واستسقاء بطريق، لضرورة، بأن ضاق المسجد أو المصلى، واضطروا للصلاة في الطريق للحاجة.
وتصح الجمعة -أيضًا- وما عطف عليها 6 في المكان المغصوب 7،

نص عليه في الجمعة 1، لأنه إذا صلاها الإمام في الغصب، وامتنع الناس من الصلاة معه فاتتهم، ولذلك صحت الجمعة خلف الخوراج والمبتدعة.
وتصح الصلاة في كل المواضع المتقدم ذكرها للعذر، كما لو حبس فيها.
وتكره الصلاة إليها، حديث أبي مرثد الغنوي: "لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها".
رواه الشيخان 2، وألحق بذلك باقي المواضع.
ولا تكره الصلاة فيما علا عن جادة المسافر يمنة أو يسرة، نصًّا 3، لأنه ليس بمحجة.
ولا يصح فرض الصلاة في الكعبة المشرفة، ولا على ظهرها، لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ 4 والشطر الجهة 5، والمصلي فيها أو على سطحها غير مستقبل لجهتها، إلا إذا وقف خارجها وسجد فيها صح فرضه، أو صلى على جدارها بحيث لم يبق وراءه شيء منها، صح فرضه، لأنه مستقبل لطائفة من الكعبة غير مستدبر لشيء منها.
وتصح نافلة فيها وعليها، بل تسن فيها، لحديث ابن عمر: دخل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- البيت، وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فأغلق عليهم، فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالًا 6 فسألته: هل صلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الكعبة؟ قال: ركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا

دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين.
رواه الشيخان، ولفظه للبخاري 1. وتصح منذورة في الكعبة وعليها، ويسن النفل في الحِجْر، وهو من الكعبة نصًّا 2. وقدر الداخل منه في حدود البيت ستة أذرع وشيء، ويصح التوجه إليه، لأنه من الكعبة، سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا.
وتكره الصلاة بأرض الخسف، لأنه موضع مسخوط عليه، وكذا كل بقعة نزل بها عذاب، ومسجد الضرار.
وتصح بأرض السباخ 3، قال في "الرعاية" 4: مع الكراهة.
ولا بأس بالصلاة في أرض غيره ولو مزرعة، أو على مصلاه بغير إذنه، بلا غصب، ولا ضرر.
(الخامس) من شروط صحة الصلاة: (استقبال القبلة) لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ 5 قال علي: شطره: قبله 6، ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة" 7 ولحديث

ابن عمر في أهل قباء، لما حُوِّلت القبلة.
متفق عليه 1. وأصل القبلة لغة: الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها كالجلسة، ثم صارت كالعلم للجهة التي يستقبلها المصلي لإقبال الناس عليها 2. وصلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى بيت المقدس بالمدينة نحو سبعة عشر شهرًا 3. (ولا تصح) الصلاة (بدونه) أي الاستقبال (إلا لعاجز) عن الاستقبال، كالمحبوس، والمصلوب 4 إلى غير القبلة، والعاجز عن الالتفات إلى القبلة لمرض، أو منع مشركٍ ونحوه عند التحام حرب، أو هرب من عدو أو سيل أو سبع ونحوه، فيسقط عنه الاستقبال، ويصلي على حاله، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم" 5. (و) إلا لـ (متنفلٍ في سفر مباح) أي غير مكروه ولا محرم، ولو كان ماشيًا فيصلي لجهة سيره على ما يأتي تفصيله، ولو كان السفر قصيرًا، نص عليه 6 فيما دون فرسخ 7، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ 8 قال ابن عمر: نزلت في التطوع

خاصة 1. ولحديث ابن عمر مرفوعًا: كان يصلي على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه.
وكان ابن عمر يفعله.
متفق عليه 2، وللبخاري إلا الفرائض 3 ولأن ذلك تخفف في التطوع، لئلا يؤدي إلى تقليله وقطعه، لكن إن عدلت به دابته عن جهة قصده، وقدر على ردها ولم يردها، أو لم يقدر على ردها، وطال ألفصل، أو عَدَلَها هو عن جهة قصده؛ بطلت صلاته.
ويجب على ماش يتنفل إحرام إلى القبلة، وركوع وسجود إليها في الأرض، لتيسر ذلك عليه، ويفعل ما سواه إلى جهة سيره.
ويستقبل راكب، ويركع ويسجد إن أمكنه بلا مشقة، كراكب المحفة 4 الواسعة، والسفينة، والراحلة الواقفة، لأنه كالمقيم في عدم المشقة.
(وفرض قريب منها) أي الكعبة، وهو من يمكنه المشاهدة، أو من يخبره عن يقين (إصابة عينها) ببدنه، بحيث لا يخرج منه شيء عنها، فإن كان بالمسجد الحرام، أو على ظهْرِهِ فظاهرٌ، وإن كان خارجه فإنه يتمكن من ذلك بنظره أو علمه 5، أو خبر عالم به، فإن من نشأ بمكة، أو أقام بها كثيرًا يمكنه اليقين في ذلك، ولو مع حائل حادثٍ كالأبنية.
وكذا فرض من قرب من مسجد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إصابة العين ببدنه، لأن قبلته متيقنة، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يقر على الخطأ.
وروى أسامة بن زيد أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-

ركع ركعتين قبل القبلة، وقال: "هذه القبلة" 1. ولا يضر علو عن الكعبة كالمصلي على جبل أبي قبيس 2، ولا يضر نزول عنها كالمصلي في حفيرة في الأرض.
(و) فرض (بعيد) منها ومن مسجده -صلى اللَّه عليه وسلم- إصابة (جهتها) بالاجتهاد، لحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
رواه ابن ماجه، والترمذي 3، ويعفى عن انحرافه يسيرًا يمنة ويسرة، للخبر 4، وإصابة العين بالاجتهاد متعذرة، فإن أمكنه ذلك بخبر مكلفٍ عدل ظاهرًا وباطنًا، حرًّا كان أو عبدًا [رجلًا أو] 5 امرأة، عن يقين، لزمه العمل به.
(و) يستدل -أيضًا- (بمحاريب المسلمين) لأن اتفاقهم عليها مع تكرر الأعصار إجماع عليها، وإن وجد محاريب لم يعلمها للمسلمين، لم يعمل بها، وإن كان بقرية، ولم يجد محاريب يعمل بها، لزمه السؤال.
(وإن

اشتبهت) القبلة (في السفر) وكان وقت الصلاة، (اجتهد عارف بأدلتها) أي القبلة، جمع دليل بمعنى دال 1، لأن ما وجب اتباعه عند وجوده وجب الاستدلال عليه عند خفائه، كالحكم في الحادثة.
ويسن تعلم أدلة القبلة مع أدلة الوقت، والدليل هنا: أمور، أصحها النجوم، قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ 2 وقال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ 3 وقال عمر: تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق 4. وقال الأثرم: قلت لأحمد: ما ترى في تعلم هذه النجوم التي يعلم بها كم مضى من النهار، وكم يبقى؟ قال: ما أحسن تعلمها 5. وأثبتها القطب -بتثليث القاف- حكاه 6 ابن سِيْدَه 7. لأنه 8 لا يزول عن مكانه، ويمكن كل أحد معرفته، وهو نجم خفي شمالي، يراه حديد البصر إذا لم يقو نور القمر، وحوله أنجم دائرة كفراشة الرحى 9 في

أحد طرفيها الفرقدان، وفي الآخر الجدي، وحولها بنات نعشٍ 1 مما يلي الفرقدين تدور حولها، والقطب وراء ظهر المصلي بالشام وما حاذاها كالعراق، وخراسان، وسائر الجزيرة لا تتفاوت في ذلك إلا تفاوتًا يسيرًا معفوًا 2 عنه.
ذكره الجد 3. ويكون خلف أذنه اليمنى بالمشرق، ويكون على عاتقه الأيسر بمصر وما والاها من البلاد.
ومن أدلة القبلة: الشمس والقمر ومنازلهما وما يقترن بهما وما يقاربها، كلها تطلع من الشرق وتغرب في المغرب 4. والمنازل: ثمانية وعشرون، أربعة عشر شامية، تطلع من وسط المشرق أو مائلة عنه إلى الشمال.
أولها السرطان، وآخرها السماك.
وأربعة عشر يمانية، تطلع من المشرق مائلة إلى اليمين، ولكل نجم من الشامية رقيب من اليمانية، إذا طلع أحدهما 5 غاب رقيبه، فأول اليمانية وآخر الشامية يطلع من وسط المشرق، ولكل نجم من هذه النجوم [نجوم] 6 تقاربه وتسير بسيره عن يمينه وشماله، يكثر عدها، فحكمها حكمه، يستدل بها عليه، وعلى ما يدل عليه.
ومن أدلة القبلة: الريح.
قال أبو المعالي 7: والاستدلال بها = (2/ 103).

ضعيف 1. ولا يتبع مجتهد مجتهدًا خالفه، ولا يقتدي به.
(وقلد غيره) أي: غير العارف بأدلتها والعاجز عن تعلمها: الأوثق عنده من مجتهدين، وكذلك الأعمى (فإن صلى) مصلٍّ (بلا أحدهما) أي: الاجتهاد أو تقليد عارف (مع القدرة) على ذلك (قضى) صلاته (مطلقًا) على كل حال 2، لأنه مقصر.
(السادس) من شروط صحة الصلاة (النية) والنية لغة: القصد، يقال: نواك اللَّه بخير، أي: قصدك به 3. ومحلها القلب، فتجزئ وإن لم يتلفظ بها، ولا يضر سبق لسانه بغير قصده، وتلفظه بما نواه تأكيد 4. = المذهب"، و"العمدة" توفي سنة (606 هـ). ينظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 49، 50)، و"سير أعلام النبلاء" (21/ 436)، و"شذرات الذهب" (7/ 36).

وشرعًا: العزم على فعل الشيء من عبادة وغيرها 1. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ 2 والإخلاص: عمل القلب، وهو محض النية.
لحديث عمر: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
متفق عليه 3. ولا تسقط النية بحال (فيجب تعيين) صلاة (معينة) من فرض معين أو نفل، (وسنّ مقارنتها) أي النية (لتكبيرة الإحرام) لتقارن العبادة، وخروجًا من الخلاف 4 (ولا يضر تقديمها عليها بيسير) ويجب استصحاب حكم النية = المسلمون.
وكذلك في الحج إنما كان يستفتح الإحرام بالتلبية... ولم يشرع لأحد أن يقول قبل التلبية شيئًا، لا يقول: اللهم إني أريد العمر والحج... بل جعل التلبية في الحج كالتكبير في الصلاة.
اهـ ينظر: "إغاثة اللهفان" (1/ 136)، و"زاد المعاد" (1/ 201).

إلى آخر الصلاة، بأن لا ينوي قطعها، فتبطل الصلاة بفسخ النية فيها، وبتردد فيه 1، وبعزم عليه، وشكه هل نوى أو عيّن فعمل مع الشك عملًا فعليًّا كان أو قوليًّا ثم ذكر أنه كان نوى أو عين، لأن ما عمله خلا عن نية 2، فإن لم يحدث مع الشك عملًا، ثم ذكر أنه نوى أو عين لم تبطل، وإن لم يذكر استأنف.
(وشرط) لصلاة جماعة (نية إمامة) لإمام، (و) نية (ائتمام) بمأموم، لأن الجماعة يتعلق بها أحكام من وجوب الاتباع، وسقوط سجود السهو، والفاتحة عن المأموم، وفساد صلاته بفساد صلاة إمامه، وإنما يتميز الإمام عن المأموم بالنية، فكانت شرطًا لانعقاد الجماعة، وإن كانت الصلاة نفلًا كالتراويح والوتر فلابد من نية كل منهما حاله، وإن ائتمَّ من سبق بركعة فأكثر بمثله في قضاء ما فاتهما بعد سلام إمامهما في غير جمعة، صح ذلك، لأنه انتقال من جماعة لجماعة لعذر السبق 3، ولا يصح أن يأتم من لم ينوه في أول الصلاة، لأنه محل النية، إلا إذا أحرم إمام لغيبة إمام الحيِّ ثم حضر وبنى على صلاة الأول، وصار الإمام مأمومًا بالإمام الراتب، لما روى سهل بن سعد قال: ذهب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى [بني] 4 عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فصلى أبو بكر فجاء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فاستأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، فتقدم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فصلى ثم انصرف.
متفق عليه 5.

ولا يصح أن [يؤم] 1 من لم ينو الإمامة أولًا ولو في نفل، إلا إذا استخلفه إمام لحدوث مرض أو حصر عن قول واجب، كقراءة وتشهد ونحوهما.
ويبني خليفة الإمام على ترتيب الإمام الأول، لأنه فرعه، ولو كان المستخلف مسبوقًا لم يدخل معه من أول الصلاة، فإن شك كم صلى الإمام، بنى على اليقين، فإن سبح به المأموم رجع ويستخلف من يسلم بهم، فإن لم يفعل، فلهم السلام، ولهم انتظاره حتى يتم صلاته ويسلم بهم، نصًّا 2. (و) يصحُّ (لمؤتم انفراد) عن الجماعة (لعذر) يبيح ترك الجماعة، لحديث جابر قال: صلى معاذ بقومه فقرأ بسورة البقرة، فتأخر رجل فصلى وحده، فقيل له: نافقت.
قال: ما نافقت، ولكن لآتين رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبره.
فأتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكر ذلك فقال: "أفتانٌ أنت يا معاذ؟ " مرتين، متفق عليه 3، فإن لم يكن عذر بطلت صلاته لمفارقته.
(وتبطل صلاته) أي المأموم (ببطلان صلاة إمامه) و (لا عكسه) فلا تبطل صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم (إن نوى إمامٌ) بطلت صلاة مأمومه (الانفراد) هذا كما مشى عليه صاحب "الإقناع" 4، والصحيح عدم هذا

الشرط، وأنها لا تبطل صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم مطلقًا، كما اختاره الشيخ منصور في "شرحه" على "الإقناع " 1. = السائرة" للغزي (3/ 215، 216)، و"ذخائر القصر" لابن طولون (105)، و"السحب الوابلة" (3/ 1134، 1136).

باب صفة الصلاة وأركانها وواجباتها وما يسن فيها وما يكره وما يتعلق بها

(يُسن خروجه) أي المصلي (إليها) أي إلى الصلاة (متطهرًا) من الأحداث والأنجاس (بسكينة) بفتح السين وكسرها وتخفيف الكاف، أي طمأنينة وتأنٍّ في الحركات، واجتناب العبث 1، (ووقار) أي: رزانة بغض الطرف، وخفض 2 الصوت، وعدم الالتفات 3، لحديث أبي هريرة: "إذا سمعتم الإقامة، فامشوا وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" 4. ولمسلم: "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" 5. ويقارب بين خطاه لتكثر حسناته، غير مشبك بين أصابعه.
قال أحمد: فإن طمع أن يدرك التكبيرة الأولى، فلا بأس أن يسرع شيئًا، ما لم تكن

عجلة تقبح 1. وفي "شرح العمدة" لشيخ الإسلام ما معناه: إن خشي فوت الجماعة أو الجمعة بالكلية، فلا ينبغي أن يكره له الإسراع، لأن ذلك لا ينجبر إذا فات.
انتهى 2. (مع قول ما ورد) ومنه: أن يقدم رجله اليسرى عند خروجه من بيته، ولو لغير الصلاة ثم يقول: آمنت باللَّه، اعتصمت باللَّه، توكلت على اللَّه، لا حول ولا قوة إلا باللَّه 3، اللهم إني أعوذ بك أن أضِلّ أو أُضَلَّ، أو أزلّ أو أُزل، أو أظلِم أو أُظلَم، أو أجهَل أو يُجهَل علي 4. وإذا أراد دخول المسجد قدم رجله اليمنى، وقال استحبابًا: "بسم اللَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب

رحمتك" ويقدم اليسرى خروجًا 1 ويقول مثل ما قال إلا أنه يقول: "أبواب فضلك" بدل "أبواب رحمتك" 2. ويقول -أيضًا-: "اللهم إني أعوذ بك من إبليس وجنوده" للخبر 3. ويجلس في المسجد مستقبل القبلة، لأن خير المجالس ما استقبل القبلة 4. ويكره استدبار القبلة في.......

المسجد 1، ولأنه يحدث النسيان.
ولا يخوض في حديث الدنيا.
ولا يجلس حتى يصلي ركعتين تحتية المسجد، إن لم يكن وقت نهي، ويجزئ عنها راتبة وفريضة.
(و) يسنّ (قيام إمام، فغير مقيم) للصلاة (إليها) أي للصلاة (عند قول مقيم: قد قامت الصلاة) لفعله عليه الصلاة والسلام.
رواه ابن أبي أوفى 2، ولأنه دعاء إلى الصلاة فاستحبت المبادرة إليها عنده.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل الحرمين 3. وأما المقيم فيأتي بالإقامة كلها قائمًا، كما تقدم.
ثم يسوي إمام الصفوف استحبابًا بمنكب وكعب، فيلتفت عن يمينه فيقول: استووا رحمكم اللَّه 4، وعن يساره كذلك.
وسن تكميل صفوف أول فأول، لحديث: "لو يعلم الناس ما في = وهو متروك.
اهـ وفي "الأوسط" -أيضًا- (3/ 183) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن لكل شيء سيدًا، وإن سيد المجالس قبالة القبلة" قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص 77): وسنده حسن.
اهـ

النداء والصف الأول" إلخ 1، وسُنَّ المراصَّة 2، وسد خلل الصفوف.
ويمين الإمام والصف الأول للرجال أفضل، وخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وعكسه النساء.
(فيقول) مصلٍّ إمامًا 3 كان أو غيره (اللَّه أكبر) ولا تنعقد الصلاة بغيرها.
نصًّا 4، لحديث أبي حميد الساعدي: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا استفتح الصلاة استقبل القبلة، ورفع يديه وقال: اللَّه أكبر.
رواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان 5. وليس قبل تكبيرة الإحرام دعاء مأثور عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أصحابه.
يقولها (وهو قائم في فرض) مع القدرة على القيام، بخلاف النفل فلا يشترط له قيام (رافعًا يديه) استحبابًا مع ابتداء التكبير، ممدودتي الأصابع مضمومتهما، مستقبلًا ببطونهما القبلة.
ويكون الرفع (إلى حذو منكبيه) بفتح الميم وكسر الكاف: مجمع عظم العضد والكتف 6، فإن أتى به غير قائم، أو ابتدأه أو أتمه غير قائم صحت صلاته نفلًا، لأن ترك القيام يفسد الفرض.

(ثم يقبض بيمناه كوع يسراه) استحبابًا لما روى قبيصة بن هلب عن أبيه 1 قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه.
رواه الترمذي، وحسَّنه، وقال: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- والتابعين ومَنْ بعدهم 2. (ويجعلهما) أي يديه (تحت سرته) لقول علي: من السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة.
رواه أحمد وأبو داود 3. ومعناه: ذل بين يدي اللَّه -عز وجل- 4. (و) يسن أن (ينظر) في (مسجده) أي موضع سجوده (في كل صلاته) لقول أبي هريرة: كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة.
فلما نزل: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)﴾ 5 رمقوا 6 بأبصارهم إلى موضع سجودهم 7. ولأنه أخشع للمصلي وأكف لبصره، إلا إذا كان خائفًا من عدو، أو خاف ضياع ماله، فينظر إلى تلك الجهة للحاجة

دفعًا للضرر 1. (ثم) يستفتح فـ (يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك 2 ولا إله غيرك) رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه 3، وعن أبي سعيد مثله.
رواه الترمذي، والنسائي 4. ورواه أنس -أيضًا- 5

وعمل به عمر بين يدي أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 1، فلذلك اختاره إمامنا، وجوز الاستفتاح بغيره مما ورد.
ومعنى قول: سبحانك: أي تنزيهًا لك عما لا يليق بك من الرذائل والنقائص.
ومعنى اللهم: يا اللَّه، حذفت ياء النداء، وعوض عنها الميم.
وبحمدك: أي: وبحمدك سبحتك.
وتبارك اسمك: أي كثرت بركاتك، وهو مختص به تعالى، ولذلك لم يتصرف [منه مستقبل، ولا اسم فاعل] 2، وتعالى جدك: أي: ارتفع قدرك وعظم.
وقال الحسن: الجد: الغنى 3، فيكون المعنى ارتفع غناك عن أن يساوي غنى أحدٍ من خلقك.
ولا إله غيرك: أي: لا إله يستحق أن يُعبد وتُرجى رحمته وتُخاف سطوته غيرك.
(ثم يستعيذ) فيقول: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)﴾ 4 أي: إذا أردت القراءة.
وتحصل الاستعاذة بكل ما أدى معناها، لكن ما ذكرناه أولى، ومعنى أعوذ: ألجأ 5. والشيطان اسم لكل متمرِّدٍ عاتٍ 6.

(ثم يبسمل سًّرا) أي: يقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، لحديث نعيم المجمر، أنه قال: صليت وراء أبي هريرة، فقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، ثم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 1. والبسملة آية من القرآن، لما روى 2 ابن المنذر بسنده 3 أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قرأ في الصلاة بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وعدها آية 4... وهي فاصلة بين كل سورتين، سوى براءة فيكره 5 ابتداؤها [بها] 6 لنزولها بالسيف 7. ولا تكتب أمام الشعر ولا معه.
قال القاضي: لأنه يشوبه الكذب والهجو غالبًا 8، وتستحب في ابتداء جميع الأفعال، وفي أوائل الكتب.
ولا يسن الجهر بالاستفتاح، ولا بالتعوذ، ولا بالبسملة في الصلاة، لحديث أنس: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر وعمر يستفتحون الصلاة بالحمد للَّه

رب العالمين.
متفق عليه 1. ومعناه: أن الذي يسمعه منهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 2﴾، كما يدل عليه قوله فيما رواه قتادة: فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم (2). وفي لفظ: فكلهم يخفي بسم اللَّه الرحمن الرحيم 3. وعُلِمَ مما تقدم أن البسملة ليست آية من أول الفاتحة، ولا غيرها من السور، لحديث: "قال اللَّه تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الحمد للَّه رب العالمين... ". الحديث رواه مسلم 4، فلو كانت آية عدها وبدأ بها، ولحديث: "سورة هي ثلاثون آية شفعت لقارئها ألا وهي تبارك الذي بيده الملك" 5. وهي ثلاثون آية سوى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
(ثم يقرأ الفاتحة مرتبة متوالية) تامة، يقف على كل آية، كقراءته -صلى اللَّه عليه وسلم- 6. وهي أفضل سورة، قاله الشيخ تقي

الدين 1. وقال عليه الصلاة والسلام فيها: "أعظم سورة في القرآن، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيه".
رواه البخاري 2. كما أن آية الكرسي أعظم آية، لحديث مسلم 3. والفاتحة ركن في كل ركعة، لحديث أبي قتادة مرفوعًا: كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين بأم الكتاب وسورتين، ويطول الأولى ويقصر الثانية، ويُسْمع الآية أحيانًا، وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب 4. وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
متفق عليه 5 ولحديث أبي سعيد مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب" 6. وعنه وعن عبادة: أمرنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة.
رواهما إسماعيل بن سعيد الشالنجي 7. 8 = ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم.

(وفيها) أي الفاتحة (إحدى عشرة تشديدة) أولها: اللام في اللَّه، وآخرها: تشديدتا الضَّالين، ويكره الإفراط في التشديد والمد.
وإن ترك غير مأموم واحدة من تشديداتها لزمه استئناف الفاتحة لتركه حرفًا منها، لأن الحرف المشدد أقيم مقام حرفين، هذا إذا فات محلها وبَعُدَ عنه، بحيث يُخِلُّ بالموالاة، أما لو كان قريبًا منه، فأعاد الكلمة، أجزأه ذلك، كمن نطق بالكلمة على غير الصواب ثم أتى بها على وجهه.
وإن ليَّنها ولم يحققها على الكمال، فلا إعادة، وإن ترك ترتيبها عمدًا أو سهوًا، لزمه استئنافها، لأن ترك الترتيب مخل بالإعجاز، أو قطعها بسكوت طويل، أو ذكرِ دعاءٍ غير مشروع، أو قرآنٍ كثير، لزمه استئنافها إن عمد ذلك، فلو كان سهوًا عفي عن ذلك.
(وإذا فرغ) من الفاتحة (قال آمين) بفتح الهمزة مع المد في الأشهر، ويجوز القصر والإمالة، وهي اسم فعل بمعنى استجب، وقيل: هي اسم من أسمائه تعالى، وهي مبنية على الفتح كـ "ليت" وتسكن عند الوقف 1. فلو شدد ميمها بطلت صلاته، لأنها تفسير كلامًا أجنبيًّا فيبطلها عمده وسهوه وجهله، مع أن بعضهم 2 حكاه لغة فيها.
(يجهر بها) أي بآمين (إمام ومأموم معًا) استحبابًا، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له".
متفق عليه 3. ولعطاء 4: كنت أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين.
ومن خلفهم، حتى إن للمسجد للجة.
رواه الشافعي

بسنده (1). واللجة بفتح اللام وتشديد الجيم: اختلاط الأصوات (2). وعن أبي هريرة: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا فرغ من قراءة أم القرآن، رفع صوته وقال: آمين.
رواه الدارقطني وحسنه، وصححه ابن حبان، والحاكم، وقال: إنه على شرط الشيخين (3). (في) صلاة (جهرية و) يجهر بها (غيرهما) أي: غير الإمام والمأموم، وهو المنفرد (فيما يجهر فيه) من الصلوات تبعًا لها.

تتمة

: يلزم جاهلًا بالفاتحة تعلمها، فإن لم يعرف إلا آية، كررها بقدر الفاتحة، لأنها بدل عنها، فإن لم يحسن آية، ولو من غير الفاتحة، حرم ترجمته عنه بلغة أخرى، لأن الترجمة عنه تفسير لا قراءة 4. لزم من لا يحسن قرآنًا قول: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر.
لحديث رفاعة بن رافع: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- علم رجلًا الصلاة فقال: "إن كان معك قرآن فاقرأه، وإلا فاحمد اللَّه وكبره وهلله".
رواه أبو123

داود، والترمذي وحسنه 1، فإن أيعرف هذا الذكر كله، وعرف بعضه، كرره بقدره، وإلا وقف بقدر قراءة الفاتحة.
(ويسن جهر إمام بقراءة) صلاة (صبح، وجمعة، وعيد، وكسوف، واستسقاء، وأولتي مغرب وعشاء.
ويكره) الجهر (لمأموم، ويُخيَّر منفرد) في صلاة جهرية بين الجهر والإسرار.
(و) يخير (نحوه) أي نحو المنفرد، كالقائم لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه بين الجهر والإسرار، وترك الجهر أفضل، لأن المقصود منه إسماع نفسه.
ويسر مصل بقراءة في قضاء صلاة جهر نهارًا اعتبارًا بزمن القضاء، ويجهر بها ليلًا في جماعة اعتبارًا برمن القضاء، ومصل نفلًا في ليل يراعي المصلحة في جهر وإخفات، فيسر مع من يتأذى بجهره، ويجهر مع من يأنس به.
وتحرم القراءة، ولا تصح الصلاة بقراءة تخرج عن مصحف عثمان 2. وكره أحمد قراءة حمزة 3،........

والكسائي 1، لما فيهما من الكسر، والإدغام، والتكلف، وزيادة المد 2، وأنكرها السلف كسفيان بن عيينة 3 4، ويزيد بن

هارون 1 2، وغيرهما 3. وعنه: والإدغام الكبير 4 لأبي عمرو بن العلاء 5، واختار قراءة = حدثنا جنادة بن محمد، سمعت سفيان الثوري يقول: لا تصلوا خلف من يقرأ بقراءة حمزة.
قال السخاوي (2/ 473): فأما ما روي عن سفيان بن عيينة فإن جنادة بن محمد غير معروف عند أهل الحديث، وقد كان هشام بن عمار يروي عن سفيان بن عيينة، فكيف روى عن هذا الرجل المجهول عنه.
وإن صح أن سفيان قال ذلك فهو محمول عند أهل العلم على أن سفيان سمع من غير حمزة قراءة عزاها القارئ إلى حمزة، فأنكر ما فيها من الإفراط وتجاوز الحد.
اهـ

نافع من رواية إسماعيل بن جعفر عنه، ثم قراءة عاصم.
وإن كان في قراءة زيادةُ حرفٍ فهي أفضل لأجل عشر حسنات، نقله حرب.
و﴿مَالِكِ﴾ أحب إلى أحمد من ﴿ملك﴾.
(ثم يقرأ بعدها) أي بعد الفاتحة (سورة في) صلاة (الصبح من طوال المفصل) وهو من "ق" إلى "عم"، (و) يقرأ في (المغرب من قصاره) أي: المفصل، وهو من الضحى إلى آخر القرآن، (والباقي) وهو الظهر والعصر والعشاء (من أوساطه) وهو من "عم" إلى "الضحى"، ولا يكره أن يقرأ بأقصر من ذلك لعذر كمرض وسفر وغلبة نعاس ونحوه، وإلا كره بقصاره في صلاة فجر لا بطواله في صلاة مغرب، نص عليه 1 للخبر أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قرأ فيها بالأعراف 2. والسورة وإن قصرت أفضل من بعض سورة، وتجزئ آية، إلا أنه يستحب أن تكون طويلة.
وحرم تنكيس الكلمات، وتبطل الصلاة به، لا تنكيس السور والآيات، بل يكره ذلك.
وقال الشيخ تقي الدين: ترتيب الآيات واجب، لأنه ثبت بالنص 3، وترتيب السور بالاجتهاد، ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة، = ينظر: "سير أعلام النبلاء" (6/ 457).

لكن لما اتفقوا على المصحف زمن عثمان، صار مما سنَّه الخلفاء الراشدون، وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها 1. انتهى 2. ويكره الاقتصار على الفاتحة في الفرض أو النفل إلا في الأخيرتين من الرباعيات وثالثة المغرب، ولا يكره تكرار سورة في ركعتين، لحديث أبي داود أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كرَّر سورة الزلزلة في ركعتين 3. قلت: والذي يظهر -واللَّه أعلم- أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنما كررها لسبب فضلها، لأنه ورد فيها أنها تعدل نصف القرآن 4، وهو -صلى اللَّه عليه وسلم- أحرص الناس على طلب الفضائل 5. = وَالْإِحْسَانِ...} [النحل: 90] الآية.
والنصوص في ذلك كثيرة استقصاها السيوطي في "الإتقان" (1/ 60، 61) قال: الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبه في ذلك.
اهـ

ولا يكره تفريق السورة في ركعتين، لحديث عائشة مرفوعًا: كان يقرأ البقرة في ركعتين.
رواه ابن ماجه 1. ولا يكره جمع سور في ركعة، لما في "الموطأ" عن ابن 2 عمر، أنه كان يقرأ في المكتوبة سورتين في كل ركعة 3 (ثم يركع) حال كونه (مكبرًا رافعًا يديه) ندبًا، لحديث أبي قلابة، أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه، ويحدث أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صنع هكذا.
متفق عليه 4. وهو مذهب أبي بكر، وعلي، وابن عمر، وجابر، وأبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وابن الزبير، وغيرهم من الصحابة وأكثر أهل العلم 5. (ثم يضعهما) أي يديه (على ركبتيه) حال كونهما (مفرجتي الأصابع ويسوي ظهره) فيمده ويجعل رأسه حياله 6، فلا يرفعه عنه ولا يخفضه (ويقول) في ركوعه: (سبحان ربي العظيم) لحديث عقبة بن عامر قال: لما نزلت: "فسبح باسم ربك العظيم" 7 قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اجعلوها في ركوعكم" فلما = مما ثبت فيه مزيد فضيلة.
والصواب أن فعله -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك لبيان الجواز.
ينظر: "نيل الأوطار" (2/ 254)، و"بذل المجهود في حل أبي داود" (5/ 32).

نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ 1 قال: "اجعلوها في سجودكم".
رواه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما 2، والأفضل عدم الزيادة عليه، فإن زادوا: بحمده، فلا بأس 3. وحكمة التخصيص أن الأعلى أفعل تفضيل بخلاف العظيم، والسجود غاية في التواضع لما فيه من وضع الجبهة وهي أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام، ولهذا كان أفضل من الركوع، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" 4 فجعل 5 الأبلغ مع الأبلغ، والمطلق مع المطلق.
والواجب من التسبيح مرة، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر عددًا فيما سبق.
وسن تكريره (ثلاثًا) في قول عامة أهل العلم 6 (وهو أدنى

الكمال) حديث عون 1 عن ابن مسعود مرفوعًا: "إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم، وذلك أدناه.
وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وذلك أدناه".
رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، لكنه مرسل 2 كما ذكره الإمام البخاري في "تاريخه" 3 لأن عونًا لم يسمع من ابن مسعود، لكن عضده قول الصحابي، وفتوى أكثر أهل العلم 4. وأعلاه لإمام ومأموم عشر مرات، لما روي عن أنس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصلي كصلاة عمر بن عبد العزيز، فحزروا 5 ذلك بعشر = (1/ 184).

تسبيحات 1. وأعلى الكمال لمنفرد العرف 2. وكذا سبحان ربي الأعلى في سجوده، حكمه حكم الركوع 3. (ثم يرفع رأسه و) يرفع (يديه معه) إلى حذو منكبيه فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا، صلى قائمًا أو جالسًا، إذ هو من تمام الصلاة، حيث شرع (قائلًا) إمام ومنفرد: (سمع اللَّه لمن حمده) مرتبًا وجوبًا، لحديث ابن عمر المتفق عليه في صفة [صلاة] 4 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وفيه: إذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك -أي رفع يديه إلى حذو منكبيه- وقال: سمع اللَّه لمن حمده 5

[ومعنى: "سمع اللَّه لمن حمده"] 1: تقبله وجازاه عليه.
(وبعد انتصابه) قليلًا من الركوع يقول: (ربنا ولك الحمد، ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد) أي: بعد السماء والأرض، كالكرسي وغيره، مما لا يعلم قدره إلا اللَّه تعالى.
والمعنى: حمدًا لو كان أجسامًا لملأ ذلك.
وإثبات واو "ولك" أفضل نصًّا 2، للاتفاق عليه 3. و"ملء" يجوز نصبه على الحال، ورفعه على الصفة.
والمعروف في الأخبار "السموات" لكن قال الإمام وأكثر الأصحاب بالإفراد 4. (و) يقول (مأموم: ربنا ولك الحمد فقط) لحديث أنس، وأبي هريرة مرفوعًا: "إذا قال الإمام سمع اللَّه لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد".
متفق عليه 5، فاقتصر على أمرهم يقول: ربنا ولك الحمد، فدل على أنه لا يشىرع لهم غيره.
(ثم يكبر) من غير رفع يدين (ويسجد على الأعضاء السبعة) الجبهة، والأنف، واليدين، والرجلين، والركبتين (فيضع ركبتيه) أولًا بالأرض (ثم يديه) لحديث وائل بن حجر قال: رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.
رواه أبو داود وغيره 6

(ثم) يضع (جبهته وأنفه) فإن عجز عن سجود بالجبهة، لم يلزمه بغيرها من الأعضاء، لأنها الأصل فيه، وغيرها تبع لها، ويومئ عاجز عن السجود بالجبهة غاية ما يمكنه وجوبًا، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 1. ولا يجزئ وضع بعض أعضاء السجود فوق بعض (وسن كونه) أي: المصلي (على أطراف أصابعه) أي: أصابع رجليه في حال سجوده، (و) سن (مجافاة) رجل (عضديه عن جنبيه، و) مجافاة (بطنه عن فخذيه) وفخذيه عن ساقيه، لحديث عبد اللَّه بن بحينة: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سجد يجنِّح 2 في سجوده حتى يرى وضح 3 إبطه.
متفق عليه 4، إلا أن يؤذي من إلى جنبيه فيجب تركه لحصول الإيذاء المحرم.
(و) سن (تفرقة ركبتيه) في سجوده، لما في حديث أبي حميد: وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه 5. (ويقول: = وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب السجود (1/ 286). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
لا نعرف أحدًا رواه مثل هذا عن شريك -أحد رجال السند- اهـ وصححه هذا الحديث -أيضًا- ابن حبان والحاكم وأومأ إلى أنه على شرط مسلم.
وقال الخطابي: هو أثبت من حديث تقديم اليدين وهو أرفق بالمصلى في المشكل ورأي العين.
ينظر: "خلاصة البدر المنير" (1/ 132).

سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وهو أدنى الكمال) كما تقدم 1. (ثم يرفع) من السجود حالة كونه (مكبرًا ويجلس) بين السجدتين (مفترشًا) بأن يبسط رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب يمناه، ويخرجها من تحته، ويثني أصابعها نحو القبلة، ويجعل بطونها 2 على الأرض، ويبسط يديه على فخذيه مضمومتي الأصابع.
قال الأثرم: تفقدت أبا عبد اللَّه، فوجدته يفتح أصابع رجله اليمنى، ويستقبل بها القبلة 3. انتهى.
(ويقول) بين السجدتين: (رب اغفر لي ثلاثًا.
وهو أكمله) إمامًا كان أو غيره.
(ويسجد الثانية كذلك) أي كالأولى (ثم ينهض مكبرًا معتمدًا على ركبتيه بيديه، فإن شق ذلك فبالأرض 4) أي يعتمد على الأرض بيديه (فيأتي بمثلها) أي بمثل الركعة الأولى (غير النية و) غير (التحريمة، و) غير (الاستفتاح) فلا يعيده، لأن محله الأولى فقط، (و) غير (التعوذ إن كان تعوذ) أولًا، وإلا تعوذ فيها (ثم يجلس) بعد فراغه من الثانية (مفترشًا) كجلوسه بين السجدتين (وسن وضع يديه على فخذيه وقبض الخنصر 5 والبنصر 6 من يمناه وتحليق إبهامهما مع الوسطى وإشارته بسبابتها) أي: يده اليمنى (في تشهد، و) في (دعاء عند ذكر اللَّه تعالى مطلقًا) أي: في التشهد وفي غير الصلاة.
= صفة صلاة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" للشيخ محمد بازمول (ص 46، 47).

جارٍ التحميل