هي أحد أركان الإسلام، ومبانيه المشار إليه بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه... " 1 إلخ، من زكا يزكو، إذا نما، أو تطهر 2، لأنها تطهر مؤديها من الإثم، أي تنزهه عنه، وتنمي أجره، أو تنمي المال، أو الفقراء.
وأجمعوا على فرضيتها 3 واختلفوا هل فرضت بمكة أو بالمدينة.
وذكر صاحب "المغني"، و"المحرر"، والشيخ تقي الدين: أنها مدنية 4، قال في "الفروع" 5: ولعل المراد طلبها، وبعث السعاة لقبضها، فهذا بالمدينة.
وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي 6: فرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر 7. وفي "تاريخ" ابن جرير الطبري: أنها فرضت في السنة الرابعة من الهجرة 8.
والزكاة حق واجب في مال خاص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص 1. وهي (تجب في خمسة أشياء): في سائمة 2 (بهيمة الأنعام) الإبل والبقر، والغنم، وفي سائمة بقر الوحش، وغنمه، لشمول اسم البقر والغنم لهما، والمتولد بينهما، كالمتولد بين الظباء والغنم، وبين السائمة والمعلوفة، تغليبًا للوجوب (و) في (نقد و) في (عرض تجارة و) في (خارج من الأرض و) في (ثمار).
ولها شروط خمسة ليس منها بلوغ، ولا عقل.
فتجب في مال صغير ومجنون، لعموم حديث: "أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، = زكاة الفطر) اهـ وما نقله المؤلف عن تاريخ ابن جرير، نقله قبله: في "معونة أولي النهى" (2/ 551). وقد حرر الخلاف في ذلك الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه "فقه الزكاة" (1/ 60، 61) في مبحث مطول، قال فيه: إن الزكاة التي ذكرت في القرآن المكي، لم تكن هي بعينها الزكاة التي شرعت بالمدينة، وحددت نصبها ومقاديرها، وأرسل السعاة لجبايتها وصرفها، وأصبحت الدولة مسؤولة عن تنظيمها.
الزكاة في مكة كانت زكاة مطلقة من القيود والحدود، كانت موكولة إلى إيمان الأفراد.
ثم نقل الدكتور كلام الحافظ ابن كثير -في "تفسيره" (5/ 462) - على قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾: الأكثر على أن المراد بالزكاة هاهنا زكاة الأموال، مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة.
والظاهر: أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام -وهي مكية- ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.
وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة هاهنا: زكاة النفس من الشرك والدنس.. وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا.. واللَّه أعلم.
اهـ
فترد على فقرائهم" 1. رواه الجماعة.
وروى الشافعي في "مسنده" عن يوسف بن ماهك، مرفوعًا: "ابتغوا في أموال اليتامى لا تذهبها، أو لا تستهلكها الصدقة" 2. وكونه مرسلًا 3 غير ضار، لأنه حجة عندنا، وهو قول جماعة من الصحابة 4 منهم عمر، وابنه، وعلي، وابنه الحسن، وجابر بن عبد اللَّه، وعائشة.
ورواه الأثرم عن ابن عباس.
ولأن الزكاة مواساة، وهما من أهلها كالمرأة بخلاف الجزية والعقل.
ولا تجب في المال المنسوب للجنين.
فذكر الأول منها، بقوله (بشرط إسلام) فلا تجب على كافر، لحديث
معاذ حين بعثه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى اليمن: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، فإن هم أطاعوك بذلك، فأعلمهم أن اللَّه قد افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم" 1، متفق عليه.
ولأنها أحد أركان الإسلام، فلم تجب على كافر، كالصيام، ولو كان الكافر مرتدًّا، لأنه كافر، فأشبه الأصلي.
فإذا أسلم لم تؤخذ منه لزمن ردته، لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 2، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الإسلام يجب ما قبله" 3.
(و) بشرط (حرية)، فلا تجب الزكاة على قِنٍّ، ولو قيل يملك بالتمليك، ولو كان مكاتبًا، لحديث جابر بن عبد اللَّه، مرفوعًا: "ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق" 4. رواه الدارقطني.
ولأن ملكه ضعيف لا يحتمل المواساة، ومتى عتق استأنف الحول بما بقي له، إن بلغ نصابًا.
ولا يملك رقيق غيره، ولو ملك من سيده أو غيره، لأنه مال، فلا يملك المال، كالبهائم، فما جرى فيه صورة تمليك من سيد لعبده، فزكاته
على السيد، لأنه لم يخرج عن ملكه.
وأشار للثالث بقوله: (و) بشرط (ملك نصاب) وهو سبب وجوب الزكاة -أيضًا- فلا زكاة في مال حتى يبلغ نصابًا تقريبًا، في الأثمان، وقيم عروض تجارة، فتجب مع نقص يسير، كحبة، أو حبتين، لأنه لا ينضبط غالبًا، أشبه نقص الحول ساعة أو ساعتين، وتحديدًا في غيرهما.
(و) بشرط 1 (استقراره) أي ملك النصاب في الجملة، لأن الزكاة في مقابلة تمام النعمة، والملك الناقص ليس بنعمة تامة، فلا زكاة على سيد في دين كتابة، لنقص ملكه فيه، بعدم استقراره بحال، وعدم صحة الحوالة عليه، وضمانه.
ولا زكاة في حصة مضارب من ربح قبل قسمة، ولو ملكت بالظهور، لعدم استقراره، لأنه وقاية لرأس المال، فملكه ناقص، ويزكي رب المال حصته من ربح، نصًّا 2، كالأصل تبعًا له.
وليس لعامل إخراج زكاة تلزم رب المال، بلا إذنه، نصًّا 3، فيضمنها، لأنه ليس وليًّا له، ولا وكيلًا عنه فيها.
ولا زكاة في موقوف على غير معين، أو على مسجد، أو مدرسة، أو رباط، ونحوه، لعدم تعين المالك، ولا في نقد موصى به في وجوه بر، أو يشترى به وقف، ولو ربح، لعدم تعين مالكه، والربح كالأصل، لأنه نماؤه، فيصرف مصرفه، ويضمن إن خسر نصًّا 4.
(و) بشرط (سلامة من دَيْن) حال، أو مؤجل (ينقص النصاب) لما روى أبو عبيد، عن السائب بن يزيد، قال: سمعت عثمان بن عفان -رضي
اللَّه تعالى- عنه يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دَيْن فليؤده، حتى تخرجوا زكاة أموالكم 1، وفي لفظ: من كان عليه دين فليقض دينه، وليزك بقية ماله 2. وقد قاله بمحضر من الصحابة، فدل على اتفاقهم عليه، حيث لم ينكروه.
ولأن الزكاة وجبت مواساة للفقراء، وشكرًا لنعمة الغنى، وحاجة المدين لوفاء دينه كحاجة الفقير وأشد، ولو كان الدين كفارة أو نذرًا، أو كان زكاة غنم عن إبل، لأنه دين يجب قضاؤه، فمنع، كدين الآدمي، وفي الحديث: "دين اللَّه أحق أن يُقضى" 3.
والزكاة من جنس ما وجبت فيه تمنع بالأولى، إلا دينًا بسبب ضمان، فلا يمنع، لأنه فرع أصل في لزوم الدين، فاختص المنع بأصله، لترجحه، وإلا دَيْنًا بسبب حصاد، أو جذاذ، أو دياس، لسبق الوجوب، بخلاف الخراج، فإن لم ينقص الدَيْن النصاب، فلا زكاة عليه فيما يقابل الدين مما سبق، ويزكي باقيه، لعدم المانع، ومتى برئ مدين من دين بنحو قضاء من مال مستحدث، أو إبراء، ابتدأ حولًا منذ برئ، لأن ما منع وجوب الزكاة، منع انعقاد الحول وقطعه.
ومن له عرض قِنْية 4 يباع لو أفلس، بأن كان فاضلًا عن حاجته
الأصلية، يفي بدَيْنه الذي عليه، ومعه مال زكوي، جعل الدين في مقابلة ما معه، ولا يزكيه، لئلا تختل المواساة، ولأن عرض القنية كملبوسه في أنه لا زكاة فيه، فإن كان العرض لتجارةٍ زكى ما معه، نصًّا 1، وكذا من بيده ألف له، وله على مليء ألف، وعليه ألف دين، فيجعل الدين في مقابلة ما بيده، فلا يزكيه، ويزكي الدين إذا قبضه.
وأشار للشرط الخامس بقوله: (و) بشرط (مضي حول) في أثمان، وماشية، وعروض تجارة، على نصاب تام، لحديث: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" 2 رفقًا بالمالك، ولتكامل النماء، فيواسي منه.
ولأن الزكاة تتكرر في هذه الأموال، فلا بد لها من ضابط، لئلا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن المتقارب فيفنى المال (إلا في معشَّر) من خارج من الأرض وما في حكمه كالعسل، فلا يعتبر فيه حول، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 3 وذلك ينفي اعتباره في الثمار والحبوب، وأما العسل والمعدن والركاز فبالقياس عليهما، ولأن هذه الأشياء نماء في
نفسها تؤخذ الزكاة منها عند وجودها، ثم لا تجب فيها زكاة ثانية، لعدم إرصادها للنماء، إلا أن يكون المعدن أثمانًا، فتجب فيها عند كل حول، لأنها مظنة النماء من حيث إنها قيم الأموال، (و) إلا في (نتاج سائمة) بكسر النون فيتبع أصله في حوله إن كان نصابًا، لقول عمر: اعتد عليهم بالسخلة، ولا تأخذها منهم 1. رواه مالك، ولقول علي: عد عليهم الصغار والكبار 2. ولا يعرف لهما مخالف.
ولأن السائمة يختلف وقت ولادتها، فإفراد كلٍّ بحول يشق، فجعلت تبعًا لأمهاتها، كما تتبعها في الملك (و) إلا في (ربح تجارة) بالتصرف بالبيع والشراء للربح، وهو الفضل عن رأس المال، فيتبع الأصل في حوله إن كان نصابًا، لأنه في معنى النتاج.
وما عدا المعشرات، والنتاج، والربح من المستفاد، ولو من جنس ما يملكه، لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول، ويضم إلى نصاب بيده من جنسه، أو ما في حكمه، وإن لا يكن الأصل نصابًا، فحول الجميع من حين كمل النصاب، فلو ملك خمسًا وعشرين بقرة، فولدت شيئًا فشيئًا، فحولها منذ بلغت ثلاثين، وحول صغار من حين ملك، كحول كبار.
(وإن نقص النصاب) مطلقًا (في بعض الحول ببيع أو غيره) كإبدال ما تجب الزكاة في عينه بغير جنسه (لا فرارًا) من الزكاة (انقطع) حوله -أي النصاب- لأن وجوده في جميع الحول شرط لوجوب الزكاة، ولم يوجد، وكذا كل ما خرج به عن ملكه من إقالة وفسخ، لنحو عيب، ورجوع واهب في هبة، ووقف وهبة، وجعله ثمنًا أو مثمنًا، أو صداقًا، أو أجرة ونحوه، إلا في ذهب بيع أو أبدل بفضة، كعكسه، فلا ينقطع الحول، لأن كلًّا منهما يضم إلى الآخر في تكميل النصاب، ويخرج عنه منه كالجنس الواحد، وإلا في
أموال الصيارف، فلا ينقطع الحول بإبدالها، لئلا يؤدي إلى سقوط الزكاة في مال ينمو، وأصول الشرع تقتضي عكسه.
(وإن أبدله) أي: النصاب (بجنسه فلا) ينقطع الحول، نصًّا 1، وإن اختلف نوعه، لأنه نصاب يضم إليه نماؤه في الحول، فيبنى حول بدله من جنسه على حوله كالعروض، فلو أبدله بأكثر، زكَّاه، إذا تم حول الأول كنتاج، نصًّا 2، فمن عنده مائة من الغنم سائمة فأبدلها بمائتين زكاهما، وبالعكس يزكي مائة من الغنم، وبأنقص من نصاب انقطع الحول.
وإن فر من الزكاة لم تسقط بإخراج النصاب أو بعضه عن ملكه، ولا بإتلافه، أو جزء منه، عقوبة له بنقيض قصده، كوارث قتل مورثه، ومريض طلق لقصد حرمان الميراث.
وقد عاقب تعالى الفارين من الصدقة، كما حكاه بقوله سبحانه: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ...﴾ الآيات 3، ولئلا يكون ذريعة إلى إسقاطها جملة لما جبلت عليه النفوس من الشح 4.
(وإذا قبض) رب الدين (الدين) أو عوض عنه، أو أحال به، أو عليه، أو أبرئ منه (زكاه لما مضى) من السنين، فلا يجب الإخراج قبل ذلك، لأنها وجبت مواساة، وليس منها إخراج زكاة ما لا ينتفع به، ويجزئ إخراجها قبل قبضه.
(وشُرط لها) أي الزكاة (في بهيمة أنعام) من إبل وبقر وغنم، سميت بهيمة لأنها لا تتكلم 5، وبدأ بها اقتداء بالصديق في كتابه لأنس -رضي اللَّه عنهما- أخرجه البخاري بطوله 6، ويأتي بعضه مفرقًا (سومٍ أيضًا) وهو:
أن ترعى المباح أكثر الحول، لأن السائمة الراعية، يقال: سامت تسوم سومًا: إذا رعت، وأسمتها إذا رعيتها 1، ومنه ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ 2، وخرج بالسائمة: المعلوفة، فلا زكاة فيها، لمفهوم حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: "في كل إبل سائمة في كل أربعين بنت لبون" 3 رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وحديث الصديق مرفوعًا: "وفي الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة" الحديث، وفي آخره أيضًا: "إذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاةً شاة واحدة، فليس فيها شيء، إلا أن يشاء ربُّها" 4. ولا تجب إلا فيما لدرٍّ ونسلٍ وتسمين، فلا تجب في سائمة للانتفاع بظهرها، كإبل تكرى وتؤجر، وبقر حرث، ونحوه، أكثر الحول (وأقل نصاب إبل خمسٌ)، فلا زكاة فيها قبل ذلك، لحديث: "ليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقة" 5 وبدأ بالإبل تأسيًا بكتاب الشارع، حين فرض زكاة الأنعام، لأنها أعظم النعم قيمة وأجسامًا، وأكثر أموال العرب، (وفيها) أي الخمس (شاة) إجماعًا 6، لحديث: "إذا بلغت خمسًا ففيها شاة" رواه
البخاري 1. وتكون الشاة بصفة إبل جودة ورداءة، غير معيبة، ففي إبل كرام شاة كذلك، وفي إبل معيبة شاة صحيحة، تنقص قيمتها بقدر نقص الإبل، ولا يجزئ عن خمس من الإبل بعير، نصًّا 2، ولا بقرة، ولو أكثر قيمة من الشاة، لأنهما غير المنصوص عليه، أشبه ما لو أخرج بعيرًا أو بقرة عن أربعين شاة.
(و) إذا زادت الإبل على الخمس فـ (في عشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث) شياه (وفي عشرين أربع) شياه (وفي خمس وعشرين بنت مخاض) إجماعًا 3، لحديث البخاري: "فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض" 4 (وهي) أي بنت المخاض (التي لها سنة)، سميت بذلك لأن أمها قد حملت، والماخض: الحامل 5. وهو تعريف لها بغالب أحوالها، لا أنه شرط، فإن كانت بنت المخاض عنده، وهي أعلى من الواجب خُيرّ بين إخراجها، وبين شراء ما بصفته ويخرجها، ولا يجزئه ابن لبون إذن، لوجود بنت مخاض صحيحة في ماله.
وإن كانت بنت المخاص معيبة، أو ليست في ماله، فذكر ابن لبون، وهو ما تم له سنتان، سمي بذلك، لأن أمه قد وضعت غالبًا، فهي ذات لبن 6، ولو نقصت قيمته عن بنت المخاض، لعموم قوله في حديث أنس: "فإن لم يكن فيها بنت مخاض ففيها ابن لبون ذكر" 7 رواه أبو داود.
أو حِقٌّ، وهو ما تم له ثلاث سنين سمي بذلك 1، لأنه استحق أن يحمل عليه ويركب، ويقال للأنثى حقة لذلك، ولاستحقاقها طرق الفحل لها.
أو جذع وهو ما تم له أربع سنين، سمي بذلك لأنه يجذع إذا سقطت سنه 2، ذكره في "المغني" وغيره 3، أو ثَنِيّ، وهو ما تم له خمس سنين، سمي بذلك لأنه ألقى ثنيته 4.
والحق والجذع والثني أولى بالإجزاء عن بنت المخاص من ابن اللبون، لزيادة سنه بلا جبران في الكل، لظاهر الخبر.
ولا يجبر نقص الذكورية بزيادة السن في غير هذا الموضع، فلا يجزئ حِقٌّ عن بنت لبون، ولا جذع عن حقه، ولا ثني عن جذعة، مطلقًا، لظاهر الحديث 5، ولأنه لا نص فيه، ولا يصح قياسه على ابن اللبون مكان بنت المخاض، لأن زيادة سنه عليها يمتنع بها من صغار السباع، ويرعى الشجر بنفسه، ويرد الماء، ولا يوجد هذا في الحِقّ مع بنت اللبون، لأنهما يشتركان فيه.
(وفي ست وثلاثين بنت لبون، وهي التي لها سنتان، وفي ست وأربعين حقه وهي التي لها ثلاث) سنين (وفي إحدى وستين جذعة، وهي التي لها أربع) سنين، وهي أعلى سن يجب في الزكاة، وتجزئ ثنية وما فوقها عن بنت لبون، أو حِقة، أو جذعة، بلا جبران، لأنه لم يرد في الثنية (وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان) إجماعًا 6 (وفي مائة وإحدى
وعشرين ثلاث بنات لبون) لحديث البخاري عن أنس فيما كتب له الصديق لما وجهه إلى اليمن.
ويتعلق الوجوب بالنصاب كله، حتى بالواحدة التي يتغير بها الفرض، لأنها من النصاب، ولا شيء فيما بين الفرضين وسمي: العند، والوَقَص، والشَّنق 1 -بالشين المعجمة وفتح النون- فلا تتعلق الزكاة به، فلو كان له تسع من الإبل مغصوبة، وأخذ منها بعيرًا بعد الحول، أدى عنه خُمس شاة، لحديث أبي عبيد في "الأموال" عن يحيى بن الحكم مرفوعًا: "إن الأوقاص لا صدقة فيها" 2. ولأنه مال ناقص عن نصاب يتعلق به فرض مبتدأ، فلم يتعلق به الوجوب، كما نقص عن النصاب الأول.
(ثم) تستقر الفريضة إذا زادت الإبل على مائة وإحدى وعشرين (في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) للأخبار 3، ففي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقائق، وهكذا، فإذا بلغت ما يتفق فيه الفرضان، كمائتين، خُيّر بين الحِقاق، وبين بنات اللبون.
ويصح كون الشطر من أحد النوعين والشطر من النوع الآخر، ومع عدم كل سن وجب، أو عيبه، فله أن يعدل إلى ما يليه من أسفل، ويخرج معه جبرانًا، أو إلى ما يليه من فوق، ويأخذ جبرانًا، لحديث الصديق في الصدقات قال: ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده، وعنده حقة، فإنه تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا، أو عشرين درهمًا، ومن بلغت عنده صدقة الِحقَّة، وليست عنده، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهمًا، أو
شاتين 1... إلى آخره.
فإن عدم ما يليه انتقل إلى ما بعده، وهو بنت اللبون في المثال، فإن عدمه -أيضًا- انتقل إلى ثالث وهو بنت المخاض، فيخرجها عن جذعة مع العدم، ويخرج معها ثلاث جبرانات، بشرط كون ذلك المخرج مع جبران فأكثر في ملكه، للخبر 2، وإلا تعين الأصل الواجب، ولا مدخل لجبران في غير إبل، لأن النص إنما ورد فيها.
(وأقل نصاب البقر) أهلية كانت، أو وحشية (ثلاثون) لحديث معاذ: أمرني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حين بعثني إلى اليمن أن لا آخذ من البقر شيئًا حتى تبلغ ثلاثين (وفيها) أي: الثلاثين، (تبيع وهو الذي له سنة)، سمي بذلك لأنه يتبع أمه 3، وهو جذع البقر الذي استوى قرناه وحاذى قرنه أذنه غالبًا، (أو تبيعة) لحديث معاذ، ويجزئ عن تبيع مسن وأولى.
(و) يجب (في أربعين) من بقر (مُسنَّة) لحديث معاذ وفيه: وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة 4. رواه الخمسة، وحسنه الترمذي، وقال ابن عبد البر: هو حديث ثابت متصل 5، (وهي) أي المسنة (التي لها سنتان) سميت بذلك لأنها ألقت سنًّا غالبًا 6، ولا فرض في البقر غير هذين السنين، وتجزئ أنثى أعلى من المسنة سنًّا، ولا
يجزئ مسن عن مسنة، لظاهر الخبر 1، ولا يجزئ عن مسنة تبيعان لذلك.
(وفي ستين) من بقر (تبيعان ثم) إن زاد فـ (في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة) فإذا بلغت عددًا يتفق فيه الفرضان، كمائة وعشرين، فكإبل، فإن شاء أخرج أربعة أتبعة، أو ثلاث مسنات، لحديث يحيى بن الحكم، عن معاذ، وفيه: فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعًا، ومن كل أربعين مسنة، ومن الستين تبيعين، ومن السبعين مسنة وتبيعًا، ومن الثمانين مسنتين، ومن التسعين ثلاثة أتبعة، ومن المائة مسنة وتبيعين، ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعًا، ومن العشرين ومائة ثلاثة مسنات أو أربعة أتبعة قال: وأمرني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن لا آخذ فيما بين ذلك سنًّا، إلا أن يبلغ مسنة، أو جذعًا، وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها 2. رواه أحمد.
ولا يجزئ ذكر في زكاة إلا التبيع، لورود النص فيه، والمسن عنه، لأنه خير منه، وإلا ابن لبون وحق وجذع وما فوقه عند عدم بنت مخاض، وتقدم 3، وإلا إذا كان النصاب من إبل أو بقر أو غنم كله ذكورًا، لأن الزكاة مواساة، فلا يكلفها من غير ماله.
(وأقل نصاب الغنم) أهلية كانت، أو وحشية (أربعون) إجماعًا في الأهلية 4، فلا شيء فيما دونها (و) يجب (فيها شاة) إجماعًا 5، (وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان) إجماعًا 6، (وفي مائتين وواحدة ثلاث) شياه (إلى
أربعمائة، ثم) تستقر الفريضة (في كل مائة شاة) لحديث ابن عمر، في كتابه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصدقات الذي عمل به بعده أبو بكر حتى توفي، وعمر حتى توفي: "وفي الغنم من أربعين شاةً شاةٌ، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت شاة، ففيها شاتان، إلى مائتين، فإذا زادت واحدة، ففيها ثلاث شياه، إلى ثلثمائة، فإذا زادت بعد، فليس فيها شيء بعدد حتى تبلغ أربعمائة، فإذا كثرت الغنم، ففي كل مائة شاة" 1 رواه الخمسة إلا النسائي.
(والشاة) الواجبة في زكاة الغنم، وفيما دون خمس وعشرين من إبل، وفي جبران (بنت سنة من المعز، ونصفها) أي: السنة (من الضأن) لحديث سويد بن غَفَلةَ قال: أتانا مُصَدق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن، والثنية من المعز" 2. ولأنهما يجزئان في الأضحية، فكذا هنا، ولا يعتبر كونها من جنس غنمه، ولا من جنس غنم البلد، فإن وجد الفرض في المال أخذه الساعي، وإن كان أعلى خُيّر مالك بين دفعه، وتحصيل واجب فيخرجه.
ولا يؤخذ في زكاة تيس حيث يجزئ ذكر، لنقصه وفساد لحمه، إلا تيس ضراب برضى ربه.
ولا يؤخذ في زكاة هرمة، ولا معيبة، كما لا يضحى بها، نصًّا 3،
لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 1، إلا أن يكون الكل كذلك.
ولا تؤخذ الرُّبى، وهي التي تربيّ ولدها 2، ولا الحامل، لقول عمر: لا تؤخذ الرّبى، ولا الماخض 3. ولا تؤخذ طروقة الفحل، ولا كريمة وهي النفيسة، ولا أكولة.
لقول عمر: ولا الأكولة 4، ومراده السمينة 5، إلا أن يشاء ربها.
وتؤخذ مريضة من نصاب كله مراض، وتؤخذ صغيرة من صغار غنم، لقول الصدّيق: "واللَّه لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لقاتلتهم عليها" 6، فدل على أنهم كانوا يؤدون العناق، ويتصور كون النصاب صغارًا بإبدال كبارها في أثناء الحول، أو تلد الأمهات، ثم تموت، ويحول الحول على الصغار.
ولا تؤخذ صغيرة من صغار إبل أو بقر، لفرق الشارع بين فرض خمس
وعشرين وست وثلاثين من الإبل بزيادة السن، وكذلك بين ثلاثين وأربعين من البقر، فيقوم النصاب من الكبار، ويقوم فرضه، ثم تقوم الصغار، ويؤخذ عنها كبيرة بالقسط، محافظة على الفرض المنصوص عليه، بلا إجحاف بالمالك، فإن كان النصاب نوعين من جنس واحد كبخاتي 1، وعراب 2، أو بقر وجواميس 3، أو ضأن ومعز أخذت الفريضة من أحدهما، وعلى قدر قيمة المالين.
(والخلطة 4 في بهيمة الأنعام) خاصة، وهي الإبل والبقر والغنم (بشرطها) المعتبر لها، بأن يشترك اثنان من أهل الزكاة، فلا أثر لخُلطة كافر، ولو مرتدًّا في نصاب ماشية لهم جميع الحول، ويشتركا في مُراح -بضم الميم- وهو المبيت 5، وفي مسرح، وهو ما تجتمع فيه لتذهب إلى المرعى 6، وفي محَلب -بفتح الميم- وهو موضع الحلب 7، وفي فحل بأن لا يختص بطرق إحدى المالين، وفي مرعى، وهو موضع الرعي (تصيرِّ المالين كـ) المال
(الواحد) إيجابًا، وإسقاطًا، لحديث الترمذي: "لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهم بالسوية" 1. ورواه البخاري من حديث أنس 2.
وقوله: "لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" إنما يكون إذا كان المال لجماعة، فإن الواحد يضم بعض ماله إلى بعض، وإن كان في أماكن.
ولأن للخلطة تأثيرًا في تخفيف المؤنة، فجاز أن تؤثر في الزكاة كالسوم، ولا تعتبر نية الخُلطة، ولا اتحاد مشرب وراع، ولا اتحاد الفحل، إن اختلف النوع كالبقر، والجاموس، والضأن والمعز، وقد تفيد الخُلطة تغليظًا، كأن اختلط اثنان في أربعين شاة، لكل واحد منهما عشرون شاة، فيلزمهما شاة، وتخفيفًا، كثلاثة اختلطوا في مائة وعشرين شاة، لكل واحد أربعون فيلزمهم شاة.
ولا أثر لتفرقة مال، فيضم بعضه إلى بعض في تكميل النصاب، ما لم يكن سائمة، فإن كان سائمة بمحلين، أو محال بينها مسافة قصر، فلكل حكم بنفسه، فإذا كان له شياه بمحال متباعدة، في كل محل أربعون، فعليه شياه بعدد المحال، ولا شيء عليه إن لم يجتمع له في كل محل أربعون، ما لم تكن خلطة.
فصل في زكاة الخارج من الأرض
من زرع، وثمر، ومعدن، وركاز، وزكاة الخارج من النحل، وهو عسله.
والأصل في وجوبها في ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 1، قال ابن عباس: حقه الزكاة فيه مرة العشر، ومرة نصف العشر 2، وقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ 3.
والزكاة تسمى نفقة، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ...﴾ 4 الآية، وأجمعوا على وجوبها: في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.
حكاه ابن المنذر 5 وابن عبد البر 6.
(وتجب) الزكاة (في كل مكيل مدَّخر) نصًّا 7.
ويدل لاعتبار الكيل: حديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" 8. متفق عليه، لأنه لو لم يدل على اعتبار الكيل، لكان ذكر الأوسق 9 لغوًا.
ويدل لاعتبار الادخار: أن غير المدخر لا تكمل فيه النعمة، لعدم النفع فيه مآلًا (خرج من الأرض) من حب، كقمح، وشعير، وباقلاء، وأرز، وحمص، وذرة، ودُخن، وعدس، وترمس، وسمسم، ولوبيا، وقُرطُم 1، وحلبة، ونحوها، ولو كان الحب للبقول، كحب الرشاد، والفجل، والخردل، ونحوه، أو كان لا يؤكل، كحب الأشنان، والقطن، ونحوهما، أو من الأبازير، كالكسبرة، والكمُّون، وبزر الرياحين، والقثاء، ونحوهما، أو من غير حب كصعتر، وأشنان، وسماق، أو من ورق يقصد، كسدر، وخِطمي، وآس، للعموم، ولأن كلًّا منها مكيل مدخر، أشبه البر، أو من ثمر كتمر، وزبيب، ولوز، نصًّا 2، وعلله بأنه مكيل، وفستق، وبندق، لأنه مكيل مدخر.
ولا تجب الزكاة في عُناب وزيتون، لأن العادة لم تجر بادخاره، ولا في جوز، نصًّا 3، لأنه معدود، ولا في تين، وتوت ومشمش، ولا في بقية الفواكه، كرمان، وتفاح، وسفرجل، ونحوها، لما روى الدارقطني عن علي، مرفوعًا: "ليس في الخضراوات الصدقة" 4 وله عن عائشة معناه 5،
ولا في قصب، وبقول، وَوَرس، ونيل 1، وحناء، وفوة 2، وبقم 3، ولا في زهر، كعصفر، وزعفران، وورد، وإنما يجب فيما يجب فيه بشرط أن يبلغ نصابًا.
(ونصابه) أي الخارج من الأرض (خمسة أوسق) لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" 4 رواه الجماعة، وهو خاص يقضي على كلِّ عام ومطلق، ولأنها زكاة مال، فاعتبر لها النصاب، كسائر الزكوات (وهي) أي الخمسة أوسق (ثلاثمائة) رطل (واثنان وأربعون رطلًا، وستة أسباع رطل بالدمشقي)، وهي أيضًا ثلاثمائة صاع، لأن الوسق ستون صاعًا.
والوسق -بكسر الواو وفتحها- والصاع، والمد، مكاييل نقلت إلى الوزن، لتحفظ من الزيادة والنقص، ولتنقل من الحجاز إلى سائر البلاد، والمكيل يختلف، فمنه ثقيل، كالأرز، والتمر، ومنه متوسط، كالبر، والعدس، ومنه خفيف، كشعير، وذرة، وأكثر الثمر أخف من البر، إذا كِيْل، غير مكبوس، والاعتبار بمتوسط، فتجب الزكاة في خفيف قارب هذا الوزن، وإن لم يبلغه، ولا تجب في ثقيل بلغه وزنًا لا كيلًا، فمن اتخذ مكيالًا يسع صاعًا من جيد البر، ثم كال به ما شاء، عرف به ما بلغ حد الوجوب من غيره، ومتى شك في بلوغه النصاب، احتاط، وأخرج، ولا تجب، لأنه الأصل، فلم يثبت مع الشك.
= موسى بن طلحة: أن معاذًا لم يأخذ من الخضراوات صدقة.
رواه ابن أبي شيبة.
ينظر لتصحيحه: "إرواء الغليل" (3/ 276).
وتضم أنواع الجنس بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، من زرع العام الواحد، ولو تعدد البلد، كما تقدم 1، ومن ثمرة العام الواحد كتمر، ولو مما يحمل في السنة حملين، فيضم بعضها إلى بعض.
(و) بـ (شرط ملكه) أي النصاب (وقت وجوب) الزكاة، فلا تجب في مكتسب لقاط، ولا في أجرة حصاد ونحوه، ولا في مالك ملك بعد وقت الوجوب، بشراء، أو إرثه، ونحوهما.
(وهو) أي: وقت وجوب زكاة، عند (اشتداد حبٍّ) لأن اشتداده حال صلاحه للأخذ والتوسيق والادخار (وبدوِّ صلاح ثمر) أي طيب أكله، وظهور نضجه، لأنه وقت الخرص المأمور به لحفظ الزكاة، ومعرفة قدرها، فدل على تعليق وجوبها به، فلو باع الحب أو الثمر، أو تلفا بتعديه بعد ذلك، لم تسقط زكاته، وكذا لو مات وله ورثة، لم تبلغ حصة كل واحد منهم نصابًا، أو كانوا مدينين ونحوه.
ويصح شرط الزكاة على مشتر للعلم بها، فكأنه استثنى قدرها، ووكله في إخراجها، ويفارق ما إذا استثنى زكاة ماشية للجهالة، أو اشترى ما لم يبدُ صلاحه بأصله، وشرط على بائع زكاته، لأنها لا تعلق لها بالعوض الذي يصير إليه (ولا يستقر) الوجوب (إلا بجعلها) أي المزكيات (في بيدر ونحوه) كجرين، وهو موضع تشميسها، يسمى بذلك بالشرق والشام، ويسمى بمصر والعراق جرين 2.
ويجب إخراج حب مصفى من تبنه وقشره، وإخراج تمر يابسًا، لحديث الدارقطني، عن عتاب بن أسيد: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره "أن يخرص العنب زبيبًا، كما يخرص التمر" 3، ولا يسمى زبيبًا وتمرًا إلا اليابس،
وقيس الباقي عليهما.
ولو احتيج إلى قطع ما بدا صلاحه قبل كماله، فيعتبر نصابه يابسًا، وإن أخرجها سنبلًا، ورُطبًا، وعنبًا، لم يجزئه، وكانت نفلًا.
ويحرم على مزك ومتصدق شراء زكاته أو صدقته، ولو من غير من أخذها منه، ولا يصح الشراء، لحديث عمر: "لا تشتره، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه" 1. متفق عليه.
فإن عادت إليه بنحو إرث، أو وصية، أو هبة، أو دين، حلَّت للخبر 2.
وسن لإمام بعث خارص لثمرة نخل وكرم بدا صلاحها، لحديث عائشة: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يبعث عبد اللَّه بن رواحة إلى يهود، ليخرص عليهم النخل، قبل أن يؤكل 3. متفق عليه.
وخرص -صلى اللَّه عليه وسلم- على امرأة بوادي القُرى = (2/ 132، 133)، وأخرجه -أيضًا- أبو داود، في الزكاة باب في خرص العنب (2/ 257) والترمذي، في الزكاة، باب في الخرص (3/ 36) والنسائي، في الزكاة، في شراء الصدقة (5/ 109) وابن ماجه، في الزكاة، باب خرص النخل والعنب (1/ 582). قال ابن حجر في "التلخيص" (2/ 181): مداره على سعيد بن المسيب عن عتَّاب.
وقد قال أبو داود: لم يسمع منه... قال النووي -رحمه اللَّه-: هذا الحديث وإن كان مرسلًا، لكنه اعتضد بقول الأئمة.
اهـ من "التلخيص".
حديقة لها 1. رواه أحمد.
وهو اجتهاد في معرفة الحق بغالب الظن، فجاز كتقويم المتلفات، وممن كان يرى استحبابه أبو بكر 2.
ويكفي خارص واحد، ويعتبر كونه مسلمًا، أمينًا، لا يتهم، خبيرًا بخرص، ولو قِنًّا، لأن غير الخبير لا يحصل به المقصود، ولا يوثق بقوله.
وأجرته على رب المال، وإلا يبعث الإمام خارصًا، فعلى مالك ما يفعله خارص، فيخرص الثمرة بنفسه، أو بثقة عارف، ليعرف قدر ما يجب عليه قبل تصرفه في الثمر.
ويجب أن يترك لرب الثمرة الثلث، أو الربع، بحسب المصلحة، لحديث سهل بن أبي حَثمة، مرفوعًا: "فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا، فدعوا الربع" 3. رواه أحمد، وأبو داود، وغيرهما.
ويأكل من حبٍّ العادة وما يحتاجه، ولا يحسب عليه، ويكمل به النصاب إن لم يأكله، وتؤخذ زكاة ما سواه بالقسط، ولا يخرص غير نخل وكرم، لأن النص لم يرد في غيرهما.
والزكاة في خارج من أرض معارة، أو مؤجرة، على مستعير،
ومستأجر، دون مالكها.
ومتى حصد غاصب أرض زرعه، زكاه، لاستقرار ملكه عليه، ويزكيه ربها إن تملكه قبل حصده، ولو بعد اشتداده.
ويجتمع عشر، وخراج، في أرض خراجية، وهي ما فتحت عنوة، ولم تقسم بين الغانمين غير مكة 1.
(والواجب عشر ما سُقي بلا مؤنة) مما تقدم أن الزكاة تجب فيه كالذي يشرب بعروقه، ويسمى بعلًا، والذي يشرب بغيث، وهو الذي يزرع على المطر، والذي يشرب بسيح، ولو بإجراء ماء حفيرة، حصل فيها من نحو مطر، أو نهر شراه، للخبر 2، ولا تؤثر مؤنة حفر نهر وقناة لقلتها، ولأنه من جملة إحياء الأرض، ولا يتكرر كل عام.
(ونصفُه) أي: نصف العشر (فيما سُقي بها) أي المؤنة- كدوالٍ 3 ونواضح 4 وغرف ماء، ونحوه (وثلاثةُ أرباعه) أي: العشر (فيما سقي بهما) أي بمؤنة وغير مؤنة نصفه، لنصف العام، بلا كلفة، وربعه للآخر (فإن تفاوتا) أي السقي بمؤنة، والسقي بغيرها، بأن سقي بأحدهما أكثر من الآخر (اعتبر الأكثر) منهما نفعًا، ونموًا، نصًّا 5، فلا اعتبار بعدد السقيات، لأن الأكثر ملحق بالكل في كثير من الأحكام، فكذا هنا (ومع الجهل) بقدر السقي فلم يدر أيهما أكثر، أو جهل الأكثر نفعًا ونموًا يجب (العشر) احتياطًا، لأن تمام العشر تعارض فيه موجب ومسقط، فغُلِّب الموجب، ليخرج من العهدة بيقين.
ومن له حائطان ضُمَّا في النصاب، ولكل حكم نفس بمؤنة وغيرها.
(و) يجب (في العسل) من النحل (العُشر) نصًّا 1، قال: قد أخذ عمر منهم الزكاة.
قال الأثرم: قلت ذلك على أنهم يطوعون.
قال: لا بل أخذ منهم 2 (سواء أخذه) أي: العسل (من مَوَات) كرؤوس جبال (أو) أخذه من (ملكه) أو من ملك غيره عشرية، أو خراجيَّة الأرض التي أخذه منها، أم لا.
لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل، من كل عشر قرب قربة من أوسطها 3. رواه أبو عبيد، والأثرم (إذا بلغ) نصابًا (مائة وستين رطلًا عراقية) وذلك نصابه وهو عشرة أفراق، نصًّا 4، جمع فرق -بفتح الراء 5 - لما روى الجوزجاني عن عمر: أن أناسًا سألوه، فقالوا: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أقطع لنا واديًا باليمن فيه خلايا -أي بيوتًا- من نحل، وإنا نجد ناسًا يسرقونها، فقال عمر: إن أديتم صدقتها من كل عشرة أفرق فرقًا، حميناها لكم 6. والفَرَق
-محركًا- ستة عشر رطلًا عراقية، وهو مكيال معروف بالمدينة، ذكره الجوهري 1، ستة أقساط، وهي ثلاثة آصع.
ولا زكاة فيما ينزل من السماء على الشجر، كالمنّ، والترنجبيل 2، ونحوهما، لعدم النص، والأصل عدم الوجوب كسائر المباحات.
وتضمين أموال العشر والخراج بقدر معلوم باطل، نصًّا 3، لأنه يقتضي الاقتصار عليه في تملك ما زاد، وغرم ما نقص، وهذا مناف لموضوع العمالة، وحكم الأمانة.
سئل أحمد في رواية حرب عن تفسير حديث ابن عمر "القبالات ربًا" 4. قال: هو أن يتقبل القرية وفيها العلوج والنخل، فسماه ربا أي: في حكمه في البطلان.
وعن ابن عباس: "إياكم والربا، ألا وهي القبالات، ألا = الزكاة، باب صدقة العسل (4/ 63) عن معمر، عن عطاء الخراساني أن عمر أتاه ناس من أهل اليمن فسألوه واديًا، فأعطاهم إياه، فقالوا يا أمير المؤمنين إن فيه نحلًا كثيرًا، قال: فإن عليكم في كل عشرة أفراق فرقًا.
وهي الذل والصغار" 1. والقبيل الكفيل 2.
(ومن استخرج من معدن) بكسر الدال، وهو المكان الذي عدن به الجوهر ونحوه، سمي به لعدون ما أنبته اللَّه فيه، أي إقامته به 3، ثم سمي به الجوهر ونحوه، وهو كل متولد في الأرض، لا من جنسها، ولا نبات، كذهب، وفضة، وجوهر، وبلور، وعتيق، وصُفر، ورَصاص، وحديد، وكُحل، وزرنيخ، ومغرة، وكبريت، وزفت، وملح، وزئبق، وقار، ونفط، ونحو ذلك 4 (نصابًا) وهو: عشرون مثقالًا من الذهب، ومائتي درهم من الفضة -كما يأتي 5 - وقيمة غيره (ففيه ربعُ العشر في الحال) بعد سبك وتصفية.
ولا يحتسب بمؤنة استخراج، ما لم يكن دينًا، ولا بمؤنة سبك وتصفية كذلك.
ويشترط كون مستخرج معدن من أهل الوجوب للزكاة، فإن كان كافرًا، أو مكاتبًا، أو مدينًا دينًا ينقص به النصاب، لم تلزمه، كسائر الزكوات.
وحديث: "المعدن جُبارٌ, وفي الركاز الخمس" 6. قال القاضي
وغيره: أراد بقوله: "المعدن جبار" إذا وقع على الأجير شيء، وهو يعمل في المعدن، فقتله، لم يلزم المستأجر شيء 1، فتجب زكاة المعدن بالشرطين.
ويستقر الوجوب في زكاة معدن بإحرازه، فلا تسقط بتلفه بعد مطلقًا، وقبله بلا فعله ولا تفريطه، تسقط.
ويصح بيع تراب معدن بغير جنسه، وإن استتر المقصود منه، لأنه بأصل الخلقة، فهو كبيع نحو لوز في قشره، وقيس عليه تراب صاغة، لأنه لا يمكن تمييزه عن ترابه، إلا في ثاني حال بكلفة ومشقة، ولذلك احتملت جهالة اختلاط المركبات، من معاجين ونحوها، ونحو أساسات الحيطان.
ولا تتكرر زكاة المعشرات، لأنها غير مرصدة للنماء، فهي كعرض القنية، بل أولى لنقصها بنحو أكل.
ولا زكاة معدن غير نقد، ولا يضم جنس من معادن إلى آخر في تكميل نصاب غيره، فيضم ذهب إلى فضة من معدن وغيره، ويضم ما تعددت معادنه واتحد جنسه، وإن اختلفت أنواعه، كزرع، وثمار.
ولا زكاة في مسك وزباد 2، ولا في مخرج من بحر، كسمك، ولؤلؤ، ومرجان، ومن خواصه: أن النظر إليه يشرح الصدر، ويفرح القلب، ولا في عنبر، ونحوه، لقول ابن عباس: ليس في العنبر شيء، إنما هو شيء دسره البحر.
وعن جابر نحوه.
رواهما أبو عبيد 3.
(وفي الركاز) أي الكنز 4 (الخُمس مطلقًا) قليلًا كان أو كثيرًا على
واجده من مسلم، وذمي، وكبير وصغير، وحر ومكاتب، وعاقل ومجنون، لعموم حديث أبي هريرة مرفوعًا: "وفي الركاز الخمس" 1 متفق عليه، ويجوز إخراجه منه، ومن غيره (وهو) أي الركاز (ما وجد من دفن الجاهلية) بكسر الدال، أي: دفينهم، أو دفن من تقدم من كفار في الجملة، ويلحق بالدفن ما وجد على وجه الأرض عليه أو على بعضه علامة كفر فقط، ويصرف مصرف الفيء المطلق في المصالح كلها، نصًّا 2. لما روى أبو عبيد، بإسناده، عن الشعبي: أن رجلًا وجد ألف دينار مدفونة خارج المدينة، فأتى بها عمر بن الخطاب، فأخذ منها مائتي دينار، ودفع إلى الرجل بقيتها، وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين، إلى أن فضل منها فضلة، فقال: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه، فقال عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك 3.
وكما لو كان واجده أجيرًا، لنحو نقض حائط، أو حفر بئر، لا إن كان أجيرًا لطلبه، فيكون للمستأجر، لأن الواجد نائبه فيه، أو مكاتبًا أو مستأمنًا، فباقي ما وجده بعد الخمس له، وإن كان قِنًّا، فلسيده، وسواء وجده مدفونًا بموات، أو شارع، أو في أرض منتقلة إليه ببيع، أو هبة، ونحوها، ولم يدّعه منتقلة عنه، ومتى ادعاه مالك الأرض، أو من انتقلت عنه بلا بينه، ولا وصف، حلف مدع وأخذه، لأن يد مالك الأرض على الركاز، فرجح بها، وكذلك من انتقلت عنه الأرض، لأن يده كانت عليها.
= الجاهلية.
"المطلع" (ص 133). و"الدر النقي" (2/ 343، 344).
فصل في زكاة الأثمان
وهي الذهب والفضة 1، وأما الفلوس 2 ولو رائجة فعروض 3.
(وأقل نصاب ذهب عشرون مثقالًا)، لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا "ليس في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب، ولا في أقل من مائتي درهم صدقة" 4. روأه أبو عبيد.
وهي بالدنانير: خمسة وعشرون دينارًا، وسُبعا دينار، وتسعه بالذي زنته درهم وثُمن، على التحديد.
والمثقال: درهم وثلاثة أسباع درهم إسلامي، وبالدوانق: ثمانية وأربعة أسباع دانق، وبالشعير المتوسط: ثنتان وسبعون حبة.
والدرهم الإسلامي نصف مثقال وخُمسه، فالعشرة من الدراهم سبعة مثاقيل،
والدرهم: ستة دوانق، وهي خمسون حبة شعير وخُمسا حبة.
(و) أقل نصاب (فضة مائتا) درهم إسلامي، إجماعًا 1، لحديث: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" 2. متفق عليه، والأوقية: أربعون درهمًا.
وترد الدراهم الخراسانية وغيرها إلى الدرهم الإسلامي، قال في "شرح مسلم" 3: قال أصحابنا: أجمع أهل العصر الأول على هذا التقدير، أن الدرهم ستة دوانق، ولم تتغير المثاقيل في الجاهلية ولا في الإسلام.
ويزكَّى مغشوش ذهب أو فضة بلغ خالصه نصابًا، نصًّا 4، وإلا فلا.
ويكره ضرب نقد مغشوش، واتخاذه، نصًّا 5، والضرب لغير السلطان.
قاله ابن تميم 6 (ويضمَّان) أي النقدان، بعضهما إلى بعض (في تكميل النصاب) لأن مقاصدهما وزكاتهما متفقة، ولأن أحدهما يضم إلى ما يضم إليه الآخر، فضم إلى الآخر كأنواع الجنس، فمن ملك عشرة مثاقيل ذهبًا، ومائة درهم فضة، زكاهما، ولو ملك مائة درهم وتسعة مثاقيل تساوي مائة درهم، لم تجب، لأن ما لا يقوّم لو انفرد، لا يقوَّم مع غيره، كالحبوب والثمار.
ويخرج أحد النقدين عن الآخر، فيخرج ذهبًا عن فضة وعكسه.
ويضم جيد كل جنس ومضروبه إلى رديئه وتبره، كأنواع المواشي، والزرع، والثمار، بل أولى (و) تضم قيمة (عروض) 7 تجارة (إلى كل منهما) أي: الذهب والفضة، أو إلى أحدهما، فمن ملك عشرة مثاقيل وعروض تجارة
تساوي عشرة -أيضًا- أو مائة درهم وعروضًا تساوي مائة أخرى، ضمهما، وزكاهما، أو ملك خمسة مثاقيل ومائة درهم وعروض تجارة تساوي خمسة مثاقيل، ضم الكل، وزكَّاه، فأخرج ربع العشر من أي نقد شاء، لأن العروض تقوّم بكل من النقدين، فترجع إليهما.
ولا يجزئ إخراج فلوس، لأنها عرض لا نقد (والواجب فيهما) أي: النقدين (ربع العشر) للأخبار 1، ووجوب الزكاة فيهما بالكتاب 2، والسنة، والإجماع 3، إذا بلغا نصابًا.
(وأبيح لرجل) وخنثى (من الفضة خاتم) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- اتخذ خاتمًا
وَرِق 1. متفق عليه، ولُبْسُهُ بخنصر يسار أفضل، نصًّا 2، وضعف حديث التختم في اليمنى في رواية الأثرم، وغيره 3. قال الدراقطني وغيره: المحفوظ أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يتختم في يساره 4، وكان بالخنصر 5، لأنها طرف، فهي أبعد من الامتهان فيما تتناوله اليد، وله جعل فصَّه منه، ومن غيره، وفي البخاري من حديث أنس كان فصَّه منه 6، ولمسلم: كان فصة حبشيًا 7. ويجعل فصه مما يلي كفه، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يفعل ذلك 8. وكره لبسه بسبابة ووسطى، للنهي عن
ذلك 1 ويباح جعله أكثر من مثقال ما لم يخرج عن عادة.
ويكره أن يكتب على الخاتم ذكر اللَّه قرآنًا أو غيره.
قال في "شرح المنتهى" 2: ولبس خاتمين فأكثر جميعًا، والأظهر الجواز، وعدم وجوب الزكاة، قاله في "الإنصاف" 3. انتهى.
(و) أبيح لرجل من الفضة أيضًا (قبيعة سيف) لقول أنس: كانت قبيعة سيف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فضة 4 رواه الأثرم، والقبيعة ما يجعل على طرف القبضة 5.
(و) أبيح له (حلية منطقة) أي ما يشد به الوسط، لأن الصحابة اتخذوا المناطق محلاة بالفضة 6، ولأنها كالخاتم (ونحوه) كحلية جوشن، وهو: الدرع، وخوذة، وهي: البيضة، ونحو ذلك، ولا يباح ركاب، ولجام، ودواة، ومرآة، وسرج، ومكحلة، ومرود، ومجمرة، فتحرم كالآنية (و) أبيح لرجل (من الذهب قبيعة سيف).
قال أحمد: كان في سيف عمر سبائك من ذهب، وكان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب 7.
(و) أبيح له من الذهب -أيضًا- (ما دعت إليه ضرورة، كأنف) ولو أمكن من فضة، لأن عرفجة بن أسعد قطع أنفه يوم الكُلاب 1، فاتخذ أنفًا من فضة، فانتن عليه، فأمره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فاتخذ أنفًا من ذهب 2. رواه أبو داود، وغيره، وكشد سِنٍّ.
(و) أبيح (لنساء منهما) أي: الذهب والفضة (ما جرت عادتهن بلبسه) قلَّ أو كثر، ولو زاد على ألف مثقال، ويباح لرجل، وخنثى، وامرأة، تَحلٍّ بجوهر ونحوه، ويكره تختم بحديد، وصُفر، ونحاس، ورصاص، لأنه حلية أهل النار، ويستحب تختم بعقيق.
(ولا زكاة في حلي مباح أعد لاستعمال أو عارية) وإن لم يستعمله، أو يعره، لحديث جابر مرفوعًا: "ليس في الحلي زكاة" 3. رواه الطبري، وهو = وفي ابن أبي شيبة (8/ 475) عن عثمان بن حكيم قال: رأيت في قائم سيف سهل بن حنيف مسمار ذهب.
قول أنس، وجابر، وابن عمر، وعائشة، وأسماء أختها 1، ولأنه عدل به عن جهة الاسترباح، إلى استعمال مباح، أشبه ثياب البذلة، وعبيد الخدمة، ولو كان الحلي لمن يحرم عليه، كرجل اتخذ حلي نساء لإعارتهن، وامرأة اتخذت حلي رجال لإعارتهم، غير فار من الزكاة، فإن كان فارًّا زكَّاه، وتجب في حلي محرم، وآنية ذهب أو فضة، لأن الصناعة المحرمة كالعدم.
وتجب في حلي مباح معد للكراء، أو نفقة، إذا بلغ نصابًا وزنًا.
ويحرم أن يُحلى مسجد، أو محراب، بنقد، أو يموه سقف، أو حائط من مسجد، أو دار، أو غيرهما، لأنه سرف، ويفضي إلى الخيلاء، وكسر قلوب الفقراء.
وتجب إزالته كسائر المنكرات، وزكاته، إلا إذا استهلك، فلم يتمول منه شيء، لو أزيل فيهما.
(ويجب تقويم عرض التجارة) إذا بلغ نصابًا، وتم حوله (بالأحظ للفقراء) يعني: أهل الزكاة (منهما) أي: الذهب والفضة، كأن بلغت قيمتها نصابًا بأحدهما دون الآخر، فتقوم به، لا بما اشتريت به، ولا عبرة = عافية بن أيوب، عن ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-... به.
قال ابن الجوزي عقبه: قالوا: عافية ضعيف.
قلنا: ما عرفنًا أحدًا طعن فيه.
قالوا: فقد روي هذا الحديث موقوفًا عن جابر.
قلنا: الراوي قد يسند الشيء تارة، ويفتي به أخرى.
اهـ وقال العلامة محمد بن إبراهيم -كما في "فتاويه" (4/ 95) -: عافية بن أيوب نقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة أنه قال فيه: لا بأس به.
وحديثه المذكور قوَّاه ابن الجوزي في "التحقيق" وفي ذلك رد على دعوى البيهقي: أن عافية مجهول، وأن حديثه باطل.
اهـ قلت كلام البيهقي في "معرفة السنن" (6/ 144). وقد حسن الحديث -أيضًا- بتحقيق علمي: الدكتور إبراهيم الصبيحي في كتابه "فقه زكاة الحلي" (ص 39 إلى 52) والشيخ فريح البهلال في كتابه "امتنان العلي بعدم زكاة الحلي" (ص 23 إلى 34).
بقيمة آنية ذهب أو فضة، ونحوها لتحريمها، فيعتبر نصابها وزنًا (وتخرج) زكاته (من قيمته) من أحد النقدين، لا من نفس العرض، لأن النصاب معتبر بالقيمة، فهي محل الوجوب (وإن اشترى عرضًا لتجارة بنصاب غير سائمة) من أثمان، أو عروض (بنى على حوله) لأن وضع التجارة على التغليب والاستبدال، ولو انقطع به الحول لبطلت زكاتها، والأثمان كانت ظاهرة وصارت في ثمن العرض كامنة، كما لو أقرضها، أما لو اشترى عرضًا لتجارة بنصاب سائمة، أو باعه به، فلا يبني على الحول، لاختلافهما في النصاب، والواجب.
تتمة
: ويجوز لمن عليه زكاة: الصدقةُ تطوعًا قبل إخراجها، كالتطوع بالصلاة قبل أداء فرضها.
فصل زكاة الفطر
(وتجب الفطرة) أي: زكاة الفطر، بالفطر من آخر رمضان، طهرةً للصائم من الرفث واللغو، وطعمة للمساكين.
قال سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾ 1: هو زكاة الفطر 2. قال ابن قتيبة 3: وقيل لها: الفطرة، لأن الفطرة الخلقة، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ﴾ 4 وهذه يراد بها الصدقة عن البدن والنفس.
وتسمى فرضًا لقول ابن عمر: "فرض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زكاة الفطر" 5، ولأن الفرض إما بمعنى الواجب، وهي واجبة، أو المتأكد وهي متأكدة، ومصرفها كزكاة.
ولا يمنع وجوبها دَيْنٌ، إلا مع طلب، فتجب (على كل مسلم) لحديث ابن عمر: "فرض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زكاة الفطر من رمضان، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين" 6 رواه الجماعة.
وفي حديث ابن عباس: طهرة للصائم من