الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 594-633

لأنه عليه السلام سلكه (إلى مزدلفة) 1 وتسمى جمعًا لاجتماع الناس فيها، وهي ما بين المأزمين -بالهمزة وكسر الزاي- وهما جبلان بين عرفة ومزدلفة ووادي محسِّر -بالحاء المهملة والسين المهملة المشددة- واد بين مزدلفة ومنى، سمي بذلك لأنه يحسر سالكه 2 (بسكينة) لقول جابر: ودفع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقد شنق القصواء بالزمام، حتى أن [رأسها] 3 ليصيب مورك رحله 4، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة" 5. ويستغفر لأنه لائق بالحال، يسرع في الفرجة، لحديث أسامة: كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يسير العَنق، فإذا وجد فرجة نصَّ 6. أي: أسرع، لأن العنق انبساط السير.
والنص فوق العنق 7. (ويجمع فيها) أي: في مزدلفة إذا وصلها (بين العشائين) أي المغرب والعشاء (تأخيرًا) قبل حط رحله، لحديث أسامة بن زيد قال: دفع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من عرفة، حتى إذا كان بالشعب، نزل، فبال، ثم توضأ، فقلت له: الصلاة يا رسول اللَّه.
فقال: "الصلاة أمامك".
فركب، فلما جاء مزدلفة، نزل، فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ

كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى العشاء، ولم يصل بينهما 1. متفق عليه.
وإن صلى المغرب بالطريق، ترك السنة، للخبر 2، وأجزأه، لأن كل صلاتين جاز الجمع بينهما، جاز التفريق بينهما، كالظهر والعصر بعرفة، وفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- محمول على الأفضل، ومن فاتته الصلاة مع الإمام بعرفة أو بمزدلفة، جمَعَ وحده، لفعل ابن عمر 3. (ويبيت بها) -أي بمزدلفة- وجوبًا، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- بات بها 4، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" وله الدفع من مزدلفة قبل الإمام بعد نصف الليل، لحديث ابن عباس: كنت في من قَدَّم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في ضعفة أهله، من مزدلفة إلى منى 5. متفق عليه.
وعن عائشة، قالت: أرسل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة، قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت 6. رواه أبو داود.
ومن دفع من مزدلفة إلى منى قبل نصف الليل غير سقاة زمزم ورعاة، فعليه دم، علم الحكم أو جهله، نسيه أو ذكره، لأنه ترك واجبًا، والنسيان إنما يؤثر في جعل الموجود كالمعدوم، لا في جعل المعدوم كالموجود، وأما السقاة والرعاة فلا دم عليهم، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- رخص للرعاة في ترك البيتوتة، في

حديث عدي 1 2، ورخص للعباس في ترك البيتوتة، لأجل سقايته 3، وللمشقة عليهم بالمبيت.
فإن عاد إليها قبل الفجر، مَنْ دفع منها قبل نصف الليل، فلا دم عليه، كمن لم يأتها إلا في نصف الليل الثاني، ومن أصبح بها، صلى الصبح بغلس، لحديث جابر يرفعه: صلى الصبح بها حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة 4. وليتسع وقت وقوفه بالمشعر الحرام.
(فإذا صلى الصبح، أتى المشعر الحرام) سمي به، لأنه من علامات الحج، واسمه في الأصل قُزَح، وهو جبل صغير بمزدلفة 5 (فرقاه) إن سهل أ (ووقف عنده، وحمد اللَّه) تعالى (وكبَّر) وهلل، (وقرأ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ...﴾ الآيتين) إلى ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)﴾ 6، (ويدعو) فيقول: اللهم كما أوقفتنا فيه، وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك، كما هديتنا، واغفر لنا، وارحمنا، كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد.
يكرره (حتى يسفر) لحديث

جابر مرفوعًا: لم يزل واقفًا عند المشعر الحرام حتى أسفر جدًا 1. (ثم يدفع إلى منى) قبل طلوع الشمس، قال عمر: كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، كيما نغير، وأن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خالفهم "فأفاض قبل أن تطلع الشمس" 2 رواه البخاري.
ويسير بسكينة، لحديث ابن عباس: "إن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل، فعليكم بالسكينة" 3. (فإذا بلغ محسِّرًا أسرع رمية حجر) إن كان ماشيًا، وإلا حرّك دابته، لقول جابر: حتى إذا أتى بطن محسر فحرك قليلًا 4، وعن ابن عمر أنه لما أتى محسرًا أسرع، وقال: إليك تعدو قلِقًا وضينها... مخالفًا دين النصارى دينها معترضًا في بطنها جنينها 5.

(وأخذ حصى الجمار سبعين) حصاة، كان ابن عمر يأخذه من جمع 1، وفعله سعيد بن جبير، وقال: كانوا يتزودون الحصى من جمع.
وذلك لئلا يشتغل عند قدومه منى بشيء قبل الرمي، وهو تحيتها.
وتكون الحصاة (أكبر من الحمص ودون البندق) كحصى الخذف -بالخاء والذال المعجمتين- أي الرمي بنحو حصاة، أو نواة بين السبابتين، تخذف بها 2. ومن حيث شاء أخذ حصى الجمار، لحديث ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- غداة العقبة: "القُط لي حصًى".
فلقطت له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل يقبضهن في كفه ويقول: "أمثال هؤلاء فارموا".
ثم قال: "أيها الناس، إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" 3 رواه ابن ماجه.
وكان ذلك بمنى.
قال في "الشرح" 4: وكره أخذ الحصى من الحرم -يعني المسجد- لما تقدم من جواز أخذه من جمع ومنى وهما من الحرم.
وكره تكسيره.
ولا يسن غسله.
قال أحمد: لم يبلغنا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فعله 5. = مخالف دين النصارى دينها وهي كذلك في "لسان العرب".
والمرفوع عن ابن عمر، أخرجه الطبراني في "الكبير" (12/ 308، 309) قال الطبراني عقبه: وهم عندي أبو الربيع السمان في رفع هذا الحديث، لأن المشهور في الرواية عن ابن عمر من عرفات، وهو يقول، ثم ذكر الرجز.
اهـ وقال الهيثمي في "المجمع" (3/ 256): وفيه عاصم بن عبيد اللَّه، ضعيف.
اهـ

وتجزئ مع الكراهة حصاة نجسة، وتجزئ حصاة غير معهودة، كحصاة مرمر، وبرام 1، ونحوهما، ولا تجزئ حصاة صغير جدًّا، أو كبيرة، لظاهر الخبر 2، ولا ما رمي بها، لأخذه -صلى اللَّه عليه وسلم- الحصى من غير المرمى، ولأنها استعملت في عبادة، فلا تستعمل فيها ثانيًا، كماء وضوء.
ولا يجزئ بغير الحصى، كجوهر، وذهب، ونحوهما.
فإذا وصل منى، وهو ما بين وادي محسر وجمرة العقبة، بدأ بالرمي (فيرمي جرة العقبة وحدها بسبع) حصيات، واحدة بعد أخرى، فلو رمى أكثر من حصاة دفعة فلا يحسب إلا واحدة، لأنه عليه السلام رمى سبع رميات، وقال: "خذوا عني مناسككم" 3 ويؤدب، لئلا يقتدى به.
ويشترط علم الوصول بالمرمى، فلا يكفي ظنه، لأن الأصل بقاؤه بذمته، فلا يبرأ إلا بيقين، فلو رمى حصاة، فطارت بها الريح، أو نحو ذلك، قبل وقوعها بالمرمى لم يجزئه، وإن وقعت خارج المرمى، ثم تدحرجت فيه، أجزأ.
ووقت الرمي من نصف ليلة النحر لمن وقف قبله، لحديث عائشة ترفعه: أمر أم سلمة ليلة النحر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت 4. رواه أبو داود.
وروي: أنه أمرها [أن] 5 تعجل الإفاضة، وتوافي مكة مع صلاة الفجر 6، احتج به أحمد.
ولأنه وقت للدفع من مزدلفة، أشبه ما بعد الشمس، وندب بعد الشروق، لقول جابر: رأيت

رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده 1. رواه مسلم.
وحديث أحمد، عن ابن عباس مرفوعًا: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" 2 محمول على وقت الفضيلة، فإن غربت شمس يوم النحر، ولم يرم جمرة العقبة، رماها من غده بعد الزوال، لقول ابن عمر: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس، فلا يرمي حتى تزول الشمس من الغد 3. و(يرفع يمناه) عند الرمي (حتى يُرى بياض إبطه) لأنس معونة على الرمي.
(و) يسن أن (يكبر مع كل حصاة) لحديث جابر 4، وأن يقول مع كل حصاة: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، لما روى حنبل، عن زيد بن أسلم قال: رأيت سالم بن عبد اللَّه استبطن الوادي، ورمى الجمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر.
ثم قال: اللهم اجعله.. إلخ فسألته عما صنع؟ فقال حدثني أبي، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رمى الجمرة من هذا المكان، ويقول كلما رمى مثل ذلك 5. وندب أن يستبطن الوادي، وأن يستقبل القبلة، وأن يرمي على جانبه

الأيمن، لحديث عبد اللَّه بن يزيد: لما أتى عبد اللَّه جمرة العقبة، استبطن الوادي، واستقبل القبلة، وجعل يرمي الجوة على جانبه الأيمن، ثم رمى سبع حصيات، ثم قال: والذي لا إله غيره من هاهنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة 1. قال الترمذي: حديث صحيح.
ولا يقف عندها، لحديث ابن عمر، وابن عباس، مرفوعًا: كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف ولم يقف 2. رواه ابن ماجه.
وللبخاري 3 من حديث ابن عمرو، لضيق المكان.
وله رميها من فوقها، لفعل عمر لما رأى من الزحام عندها 4. ويقطع التلبية بأول الرمي، لحديث الفضل بن عباس مرفوعًا: لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة 5. متفق عليه.
(ثم ينحر) هديًا إن كان معه، واجبًا كان، أو تطوعًا، لقول جابر: ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًّا، فنحر ما بقي، وأشركه في هديه 6. فإن لم يكن معه هدي، وعليه واجب، اشتراه، وإذا نحره، فرقه لمساكين الحرم، أو أطلقه لهم.
(ويحلق أو يقصِّر) لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ 7.

وسن استقبال محلوق رأسه القبلة، كسائر المناسك، وبدأة بشقه الأيمن، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يحب التيامن في شأنه كله 1، وأن يبلغ بالحلق العظم الذي عند مقطع الصُّدغ من الوجه، لأن ابن عمر كان يقول للحالق: ابلغ العظمين، افصل الرأس من اللحية 2، وكان عطاء يقول: من السنة إذا حلق أن يبلغ العظمين 3. قال جماعة: ويدعو 4. قال الموفق وغيره: ويكبر وقت الحلق، لأنه نسك 5، وإن قصَّر، قصَّر (من جميع شعره) لا من كل شعرة بعينها، لأنه مشقة، ولا يكاد يعلم إلا بحلقه.
ولا يجزئ حلق بعض الرأس، أو تقصيره، لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حلق جميع رأسه، فكان تفسيرًا لمطلق الحلق، أو التقصير، فوجب الرجوع إليه، ومن لبَّد رأسه، أو ظفره، أو عقصه 6، فكغيره.
(والمرأةُ) تقصر من شعرها كذلك (قدر أنملة) فأقل، لحديث ابن عباس مرفوعًا: "ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير" 7. رواه أبو داود، ولأن الحلق مُثْلة في حقهن.
فتقصر من كل شعرها قدر أنملة.
ونقل أبو داود: تجمع شعرها إلى مقدم رأسها، ثم تأخذ من أطرافه قدر أنملة 8.

وسن لمن حلق أو قصر أخذ ظفر وشارب ونحوه.
قال ابن المنذر: ثبت أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما حلق رأسه، قلم أظفاره 1. وكان ابن عمر يأخذ من شاربه، وأظفاره 2. وسن أن لا يشارط الحلاق على أجرة، لأنه دناءة.
وسن إمرار الموسى على من عدم الشعر.
وإن نتف الشعر، أو أزاله بنورة، أجزأ، لكن السنة الحلق أو التقصير.
(ثم) بعد رمي وحلق أو تقصير (قد حل له كل شئ) قد حرم بالإحرام (إلا النساء) وطئًا ومباشرة، وقُبلة ولمسًا لشهوة، وعقد نكاح، لحديث عائشة مرفوعًا: "إذا رميتم، وحلقتم، فقد حل لكم الطيب، والثياب، وكل شيء إلا النساء" 3. رواه سعيد.
وقالت عائشة: طيبت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لإحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت 4. متفق عليه.
والحلق والتقصير نسك، في تركهما دم، لأنه تعالى وصفهم بذلك، وامتن به عليهم، فدل على أنه من العبادة، ولأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوله: "فليقصر، ثم ليحلل" 5، ولو لم يكن نسكًا لم يتوقف الحل عليه، ولا دم عليه إن أخرهما

عن أيام منى، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 1، فبين أول وقته دون آخره، فمتى أتى به أجزأه، كالطواف، لكن لابد من نيته نسكًا.
وكذا إن قدَّم الحلق على الرمي، أو قدَّم الحلق على النحر، أو نحر قبل رميه، أو طاف للإفاضة قبل رميه جمرة العقبة، فلا شيء عليه، لحديث عطاء: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له رجل: أفضت قبل أن أرمي.
قال: "ارم ولا حرج" 2. وعنه مرفوعًا: "من قدم شيئًا قبل شيء فلا حرج".
رواه سعيد 3. ولحديث ابن عمرو، قال رجل: يا رسول اللَّه، حلقت قبل أن أذبح.
قال: "اذبح ولا حرج"، فقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي.
قال: "ارم ولا حرج" 4. متفق عليه، وفي لفظ، قال: فجاء رجل فقال: يا رسول اللَّه، لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح.
وذكر الحديث، قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء، أو يجهل، من تقديم بعض الأمور على بعضها، وأشباهها، إلا قال: "افعلوا ولا حرج" 5 رواه مسلم.
ويحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: رمي، وحلق، وطواف إفاضة.
فلو حلق وطاف، ثم وطئ ولم يرم، فعليه دم لوطئه، ودم لتركه الرمي، وحجه صحيح.
ويحصل التحلل الثاني بما بقي من الثلاثة، مع السعي من متمتع مطلقًا، ومفرد وقارن لم يسعيا مع طواف قدوم، لأنه ركن.

ثم يخطب الإمام أو نائبه بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير، يعلمهم فيها النحر، والإفاضة، والرمي للجمرات كلها أيامه، لحديث ابن عباس مرفوعًا: خطب الناس يوم النحر 1. -يعني بمنى- أخرجه البخاري.
وقال أبو أمامة: سمعت خطبة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بمنى يوم النحر 2. رواه أبو داود.
(ثم يُفيض إلى مكة فيطوف) مفرد وقارن لم يدخلا مكة قبل وقوفهما بعرفة طوافًا للقدوم، نصًّا 3، برمل واضطباع، ثم للزيارة، وأما المتمتع الذي دخلها قبل فيطوف (طواف الزيارة) وهي الإفاضة، لأنه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، ولما كان يزور البيت ولا يقيم بمكة بل رجع إلى منى سمي -أيضًا- طواف الزيارة (الذي هو ركن) لا يتم حج إلا به إجماعًا 4 لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)﴾ 5، ولحديث عائشة في حيض صفية 6. متفق عليه.
وأول وقته من نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبل، وإلا فبعد الوقوف، وفعله يوم النحر أفضل، لحديث ابن عمر: أفاض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم النحر 7. متفق عليه، وإن أخره عن أيام منى جاز، لأنه لا آخر لوقته،

ولا شيء في تأخيره، كالسعي.
(ثم يسعى) متمتع لحجه، لأن سعيه الأول كان لعمرته، وأما المفرد والقارن فيسعى أيضًا (إن لم يكن سعى) قبل، ومن سعى منهما، لم يعده، لأنه لا يستحب التطوع به، كسائر الأنساك، إلا الطواف، لأنه صلاة (وقد حل له كل شيء) حتى النساء.
(وسن أن يشرب من ماء زمزم، لما أحب، ويتضلع منه) ويرش على بدنه، وثوبه، لحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنت جالسًا عند ابن عباس، فجاء رجل، فقال: من أين جئت؟ قال: من زمزم.
قال.
فشربت منها كما ينبغي؟ قال: كيف؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة، واذكر اسم اللَّه، وتنفس ثلاثًا، وتضلع منها.
فإذا فرغت، فاحمد اللَّه تعالى، فإن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم" 1. رواه ابن ماجه.
(ويدعو بما ورد) فيقول: بسم اللَّه، اللهم اجعله لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا وريًّا وشبعًا، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك.
زاد بعضهم: وحكمتك 2؛ لحديث جابر: "ماء زمزم لما شرب له" 3. رواه ابن ماجه.
(ثم يرجع) من أفاض يوم النحر إلى مكة بعد طوافه وسعيه على ما سبق (فيبيت بمنى ثلاث ليال) إن لم يتعجل، وإلا فليلتين، وجوبًا (ويرمي = (2/ 950).

الجمار) الثلاث (في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال) فإن رمى ليلًا، أو قبل الزوال، لم يجزئه، لحديث جابر: رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس 1. (و) سن رميه (قبل الصلاة) أي صلاة الظهر يرمي كل واحدة بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، كما تقدم، لحديث ابن عباس مرفوعًا: كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر 2. رواه ابن ماجه.
وأن يحافظ على الصلوات مع الإمام في مسجد الخيف، وإلا فيصلي مع رفقته، ويبتدئ برمي الجمرة الأولى، وهي أبعدهن مما يلي مكة، وتلي مسجد الخيف، فيجعلها عن يساره، ويرميها بسبع، ثم يتقدم قليلًا، بحيث لا يصيبه الحصى، فيقف يدعو، ويطيل، رافعًا يديه، نصًّا 3. ثم يأتي الجمرة الوسطى، فيجعلها عن يمينه، ويرميها بسبع، ويقف عندها فيدعو، رافعًا يديه، ويطيل.
ثم يأتي جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ويرميها بسبع، ولا يقف عندها، لضيق المكان.
ويستقبل القبلة في رمي الجمرات كلها، لخبر عائشة مرفوعًا: فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، والثانية، ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها 4. رواه أبو داود.
وقال ابن المنذر: كان عمر، وابن مسعود يقولان عند الرمي: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا

مغفورًا 1. وترتيب الجمرات كما ذكر شرط، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- رماها كذلك، وقال: "خذوا عني مناسككم" فإن أخل بحصاة من الأولى، لم يصح رمي الثانية، ولا الثالثة، وإن أخل بحصاة من الثانية، لم يصح رمي الثالثة، لإخلاله بالترتيب.
وإن أخر رمي يوم، ولو يوم النحر، إلى غده، أو أكثر، أجزأه، أو أخر رمي الكل، إلى آخر أيام التشريق، ورماها بعد الزوال، أجزأه أداءً، لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، ويجب ترتيبه بالنية، كفوائت الصلوات، فإذا أخر الكل مثلًا، بدأ بجمرة العقبة، فينوي رميها ليوم النحر، ثم يأتي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ناويًا عن أول يوم من أيام التشريق، ثم عن اليوم الثاني، والثالث كذلك.
وفي تأخير الرمي عن أيام التشريق: دم، لفوات وقت الرمي، فيستقر الفداء، لقول ابن عباس: من ترك نسكًا، أو نسيه، فإنه يهريق دمًا 2، كترك مبيت ليلة غير الثالثة، لمن تعجل بمنى.
وفي ترك حصاة واحدة، ما في إزالة شعرةٍ، وفي ترك حصاتين، ما في إزالة شعرتين، وهذا إنما يتصور في آخر جرة من آخر يوم، وإلا لم يصح رمي ما بعدها، كما تقدم، وفي أكثر من حصاتين: دم.
ومن له عذر من نحو مرض, وحبس، جاز أن يستنيب من يرمي عنه، والأولى أن يشهده إن قدر، وإن أغمي على المستنيب، لم تبطل النيابة، فله الرمي عنه، كما لو استنابه في الحج، ثم أغمي عليه.

ولا مبيت بمنى على سقاة ورعاة، لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أذن للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى، لأجل سقايته 1. ولحديث مالك: رخص رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لرعاة الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، يرمونه في أحدهما 2. قال مالك: ظننت أنه قال في أول يوم، فإن غربت الشمس وهم بها، لزم الرعاة فقط المبيت.
ويخطب الإمام أو نائبه ثاني أيام التشريق خطبة، يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير، وحكم توديعهم.
لحديث أبي داود، عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته 3. (ومن تعجل في يومين إن لم يخرج قبل الغروب لزمه المبيت والرمي من الغد) بعد الزوال، قال ابن المنذرة ثبت أن عمر قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلى الغد، حتى ينفر مع الناس 4، ولأنه بعد إدراكه الليل لم يتعجل في يومين، وأما من تعجل قبل الغروب، فيسقط عنه المبيت الليلة الثالثة، وكذا رمى اليوم الثالث، نصًّا 5، ويدفن متعجل بقية حصاه 6، زاد بعضهم 7: في المرمى.

فإذا أتى متعجل أو غيره مكة، لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف.
(وطواف الوداع واجب) إذا فرغ من جميع أموره، لحديث ابن عباس: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض 1. متفق عليه، ويسمى طواف الصدر، لأنه عند صدور الناس من مكة (يفعله) أي طواف الوداع (ثم يقف في الملتزم) وهو أربعة أذرع، بين الركن الذي به الحجر والباب (داعيًا بما ورد).
فيلصق به جميع بدنه: وجهه، وصدره، وذراعيه، وكفيه مبسوطتين.
لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: طفت مع عبد اللَّه، فلما جاء دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: أعوذ باللَّه من النار.
ثم مضى حتى استلم الحجر، فقام بين الركن والباب، فوضع صدره، وذراعيه، وكفيه، وبسطهما بسطًا، وقال: هكذا رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يفعل 2. رواه أبو داود.
ويقول وهو على هذه الحالة: اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فَمُنَّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا أوان انصرافي، إن أذنت لي، غير مستبدل بك، ولا ببيتك ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك، ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير.
ويدعو بعد ذلك بما أحب، ويصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 3.

ويأتي الحطيم -أيضًا- وهو تحت الميزاب 1 فيدعو ثم يشرب من ماء زمزم، قاله 2 الشيخ 3. ويستلم الحجر الأسود، ويقبله، ثم يخرج.
قال أحمد: فإذا ولىّ لا يقف ولا يلتفت، فإن التفت رجع فودع أي استحبابًا 4. ولا يستحب له المشي قهقرى بعد وداعه.
قال الشيخ تقي الدين: هو بدعة مكروهة 5. فإن ودَّع، ثم اشتغل بغير شد رحل، أو اتَّجر، أو أقام، أعاد الوداع وجوبًا، لأن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه، ليكون آخر عهده بالبيت، ولا يعيد إن اشترى حاجة في طريقه، أو اشترى زادًا، أو شيئًا لنفسه، أو صلى، لأن ذلك لا يمنع أن آخر عهده بالبيت الطواف.
(وتدعو الحائض والنفساء على باب المسجد) ندبًا.
وسن دخول البيت بلا خُف، وبلا نعل، وبلا سلاح، نصًّا 6، فيكبر في نواحيه، ويصلي فيه ركعتين، ويدعو، والنظر إلى البيت عبادة نصًّا 7، قال ابن عمر: دخل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبلال، وأسامة بن زيد.
فقلت لبلال: هل صلى فيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: نعم.
قلت: أين؟ قال: بين العمودين، تلقاء وجهه، قال: ونسيت أن أسأله: كم صلى 8؟ متفق عليه.

وإن لم يدخل البيت، فلا بأس، لحديث عائشة مرفوعًا: خرج من عندها وهو مسرور، ثم رجع، وهو كئيب.
فقال: إني دخلت الكعبة، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما دخلتها، إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي 1. (وسن زيارة قبر 2 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقبري صاحبيه) رضي اللَّه عنهما، لحديث الدارقطني عن ابن عمر مرفوعًا: "من حج فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي" 3، وفي رواية: "من زار قبري، وجبت له شفاعتي" 4، وعن أبي هريرة مرفوعًا: "ما من أحد يسلم علي عند قبري إلا رد اللَّه علي روحي حتى أرد عليه السلام" 5. وإذا دخل مسجده -صلى اللَّه عليه وسلم- قال ما ورد لدخول غيره من المساجد،

وتقدم 1، وصلى تحية المسجد، والأولى في الروضة، ثم يستقبل وسط القبر الشريف فيسلم عليه -صلى اللَّه عليه وسلم-، مستقبلًا له، موليًا ظهره القبلة، فيقول: السلام عليك يا رسول اللَّه.
كان ابن عمر لا يزيد على ذلك 2، وإن زاد فحسن.
قال في شرح "الإقناع" 3: قال في "الشرح" 4 و"شرح المنتهى" 5 أي لمصنفه، ويقول: السلام عليك يا أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، السلام عليك يا نبي اللَّه وخيرته من خلقه وعباده.
أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أشهد أنك بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت اللَّه حتى أتاك اليقين، صلى اللَّه عليك كثيرًا، كما يحب ربنا ويرضى، اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحدًا من النبيين والمرسلين، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، يغبطه به الأولون والآخرون، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنك قلت وقولك الحق: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ 6 وقد أتيتك مستغفرًا من ذنبي، مستشفعًا بك إلى

ربي 1، فأسألك يا ربي أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم اجعله أول الشافعين، وأنجح السائلين، وأكرم الأولين والآخرين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ثم يدعو لوالديه، ولإخوانه، وللمسلمين أجمعين، ولا يرفع صوته عنده، لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ 2 وحرمته ميتًا، كحرمته حيًّا.
ثم يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، لئلا يستدبر قبره -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويدعو بما أحب، ثم يتقدم قليلًا من مقام سلامه على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نحو ذراع على يمينه، فيسلم على أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- فيقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق.
ثم يتقدم نحو ذراع على يمينه -أيضًا- فيسلم على عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- فيقول: السلام عليك يا عمر الفاروق.
ويقول: السلام عليكما يا صاحبي رسول اللَّه، وضجيعيه، ووزيريه، اللهم اجزهما عن نبيهما، وعن الإسلام خيرًا، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، اللهم لا تجعله آخر العهد بقبر نبيك -صلى اللَّه عليه وسلم- 3، ولا بمسجده الشريف يا أرحم الراحمين.
ولا يمس قبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-, ولا حائطه، ولا يتمسح به، ولا يلصق به صدره، ولا يقبله، لما في ذلك من إساءة الأدب، والابتداع.
قال الأثرم: رأيتَ أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، يقومون من ناحية

فيسلمون.
قال أبو عبد اللَّه: وهكذا ابن عمر كان يفعل (1). وأما المنبر، فروي عن ابن عمر أنه كان يضع يده على مقعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من المنبر، ثم يضعها على وجهه (2).

تتمة

: يستحب الإكثار من الصلاة في مسجده -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي بألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، كما تقدم في الاعتكاف 3، وهي في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة.
قال الشيخ: ويحرم طوافه بغير البيت العتيق اتفاقًا 4، ويسن أن يأتي مسجد قباء -بفتح القاف يقصر ويمد- على ميلين من المدينة، من جهة الجنوب 5، فيصلي فيه.
لما في "الصحيحين" أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يأتيه راكبًا وماشيًا، فيصلي فيه ركعتين 6، وفيهما كان يأتيه كل سبت راكبًا وماشيًا 7. وكان12

ابن عمر يفعله 1، يزور البقيع ويسلم على من فيه من الصحابة والتابعين والعلماء والصالحين.
وإذا أراد الخروج من المدينة ليعود إلى وطنه، عاد إلى المسجد النبوي، فصلى فيه ركعتين، وعاد إلى قبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فودع، وأعاد الدعاء.
قاله في "المستوعب" 2 قال: ويعزم على أن لا يعود على ما كان عليه قبل حجه من عمل لا يُرضى، ففي الحديث: "أنه يعود كيوم ولدته أمه" 3. ويستجاب دعاؤه إلى أربعين يومًا.
وروى أبو الشيخ الأصفهاني، وغيره، من رواية الليث، عن مجاهد قال: قال عمر: يغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج، بقية ذي الحجة، ومحرم، وصفر، وعشر من ربيع الأول 4. ويسن أن يقول عند منصرفه من حجه متوجهًا إلى بلده: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، صدق اللَّه وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
لما روى البخاري عن ابن عمر: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا قفل من غزو، أو حج، أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض، ثم يقول.. فذكره 5.

ولا بأس أن يُقال للحاج إذا قدم: تقبل اللَّه نسكك، وأعظم أجرك، وخلف نفقتك.
رواه سعيد، عن ابن عمر 1، وكان السلف يغتنمون أدعية الحاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب، وفي الخبر: "اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج" 2. (وصفة العمرة أن يحرم بها من بالحرم) من مكي أو غيره (من أدنى الحل) فيخرج من الحرم، ويحرم من الحل وجوبًا، لأنه ميقاته، ليجمع بين الحل والحرم، والأفضل إحرامه من التنعيم، فالجعرانة، فالحديبية، فما بعد من الحرم عن مكة.
وحَرُمَ إحرام بعمرة من الحرم، لتركه ميقاته، وينعقد إحرامه، وعليه دم، كمن تجاوز ميقاته بلا إحرام، ثم أحرم (وغيره) أي غير من بالحرم، يحرم بها (من دُوَيرة أهله، إن كان دون ميقات) كما تقدم في المواقيت (وإلا) يكون دون ميقات (فـ) يحرم (منه) أي من الميقات الذي يليه (ثم يطوف ويسعى ويقصِّر) أو يحلق، وقد حل من عمرته.
ولا بأس بها في السنة مرارًا، روي عن علي، وابن عمر، وابن عباس وأنس، وعائشة 3، واعتمرت عائشة في شهر مرتين بأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها.
وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "العمرة إلى العمرة كفارة لما

بينهما" (1). متفق عليه.
والعمرة في غير أشهر الحج أفضل، نصًّا (2)، وكره إكثار منها، والموالاة بينها.
قال في "الفروع": باتفاق السلف (3). وهي برمضان أفضل لحديث ابن عباس مرفوعًا "عمرة في رمضان تعدل حجة" (4). متفق عليه.

فائدة

: قال أنس: حج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حجة واحدة، واعتمر أربع عُمَر: واحدة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة إذ قسم غنائم حنين 5. متفق عليه.
ولا يكره إحرام بها يوم عرفة، ولا أيام التشريق، لعدم نهي خاص عنه، وتجزئ عمرة القارن عن عمرة الإسلام، وتجزئ من التنعيم عن عمرة الإسلام، لحديث عائشة حين قرنت الحج والعمرة، قال لها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين حلت منهما: "قد حللت من حجك وعمرتك" 6، وإنما أعمرها من التنعيم قصدًا لتطييب خاطرها، وإجابة مسألتها.1234

فصل (أركان الحج أربعة)

أحدها: (إحرام) بالحج، لأنه نية الدخول فيه، فلا يصح بدونها، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" 1. وكبقية العبادات.
(و) الثاني: (وقوف) بعرفة لحديث "الحج عرفة" 2 رواه أبو داود مختصرًا.
(و) الثالث: (طواف) الزيارة، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)﴾ 3. (و) الرابع: (سعي) بين الصفا والمروة، لحديث عائشة قالت: طاف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وطاف المسلمون -يعني بين الصفا والمروة- فكانت سنة، فلعمري ما أتم اللَّه حج من لم يطف بين الصفا والمروة" 4. رواه مسلم، ولحديث: "اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي" 5. رواه ابن ماجه.
(وواجباته) أي الحج (سبعة) أحدها: (إحرام مار) عن أي 6 (على ميقات منه) أي من ذلك الميقات، لما تقدم في المواقيت.
(و) الثاني: (وقوف) بعرفة (إلى الليل إن وقف) بها (نهارًا، و)

الثالث: (مبيت بمزدلفة إلى بعد نصفه) أتي الليل (إن وافاها قبله، و).
الرابع: المبيت (بمنى لياليها) أي ليالي أيام التشريق، لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأمره به 1. (و) الخامس: (الرمي) للجمار (مرتبًا) على ما تقدم مفصلًا.
(و) السادس: الـ (الحلق 2 أو) الـ (التقصير، و) السابع: (طواف وداع) وهو الصدر -بفتح الصاد المهملة- وتقدم 3. (وأركان العمرة ثلاثة): (إحرام) بها.
(و) الثاني: (طواف).
(و) الثالث: (سعي) كالحج.
(وواجباتها) أي العمرة (اثنان: الإحرام من الحل، والحلق أو التقصير) كما تقدم 4. (ومن فاته الوقوف) بعرفة في وقته لعذر، أو لا (فاته الحج) ذلك العام، لحديث: "الحج عرفة" 5، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه، فمفهومه فوات الحج بخروج ليلة جمع، وسقط عنه توابع الوقوف، كمبيت بمزدلفة، ومنى، ورمي جمار.
(و) من (تحلل بعمرة) عليه (هدي، إن لم يمن اشترط) في أول إحرامه: أن محلي حيث حبستني، وعليه قضاء حج فاته من قابل، ولو نفلًا، لما روى الدارقطني، عن ابن عباس مرفوعًا: "من فاته عرفات، فقد فاته

الحج، وليتحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل" 1، وعمومه شامل للفرض والنفل.
والحج يلزم بالشروع فيه، فيصير كالمنذور، بخلاف سائر التطوعات، فإن كان اشترط أولًا، لم يلزمه قضاء نفل، ولا هدي، حديث ضباعة، وتقدم في الإحرام 2. وإن وقف الناس كلهم، أو كلهم إلا قليلًا في اليوم الثامن، أو العاشر خطأ، أجزأهم، نصًّا 3، لحديث الدارقطني، عن عبد العزيز بن [خالد] 4 بن أسيد مرفوعًا: "يوم عرفة الذي يعرف الناس فيه" 5، ولحديث أبي هريرة يرفعه: "فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون" 6. (ومن مُنعَ البيت) أي الوصول إليه، بالبلد، أو الطريق، فلم يمكنه الوصول إليه من طرق أخرى، ولو بعدت، ولو كان منعه بعد الوقوف بعرفة، كما قبله، أو كان المنع في إحرام عمرة (أهدى) أي ذبح هديًا، بنية التحلل، وجوبًا، (ثم حل) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 7 ولأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر أصحابه حين أحصروا في الحديبية أن ينحروا،

ويحلقوا، ويحلوا 1. وسواء كان الحصر عامًا للحاج، أو خاصًّا به، كمن حبس بغير حق، لعموم النص، ومن حبس بحق يمكنه أداؤه، فليس بمعذور (فإن فقده) أي الهدي (صام عشرة أيام) بنية التحلل قياسًا على المتمتع، وحل، نصًّا 2. قال في "شرح المنتهى": وظاهره أن الحلق أو التقصير غير واجب هنا، وأن التحلل يحصل بدونه، وهو أحد القولين.
قدمه في "المحرر"، وابن رزين في شرحه، وهو ظاهر الخرقي، لأنه من توابع الوقوف، كالرمي، انتهى 3. ولا إطعام في الإحصار، لعدم وروده، واعتبرت النية في المحصر دون غيره، لأن من أتى بأفعال النسك أتى بما عليه، فحل بإكماله، فلم يحتج إلى نية، بخلاف المحصر، فإنه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها، فافتقر إلى نيته.
ولا قضاء على محصر تحلل قبل فوت الحج، لظاهر الآية، لكن إن أمكن فعل الحج في ذلك العام لزمه (ومَنْ صُدَّ عن عرفة) دون الحرم في حج (تحلل بعمرة، ولا دم)، لأن قلب الحج إلى العمرة مباح بلا حصر، فمعه أولى، فإن كان قد طاف وسعى للقدوم، ثم أحصر، أو مرض، أو فاته الحج، تحلل بطواف وسعي آخرين، لأن الأولين لم يقصد بهما طواف العمرة

ولا سعيها، وليس عليه أن يُجدد إحرامًا في الأصح.
قاله في "شرح المنتهى" 1. ومن أحصر بمرض، أو بذهاب نفقة، أو ضل الطريق، بقي محرمًا حتى يقدر على البيت، لأنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حال إلى حال خير منها، ولا التخلص من أذى به، بخلاف حصر العدو، ولا ينحر مَنْ مرض، أو ذهبت نفقته، أو ضل الطريق، هديًا معه، إلا بالحرم، فليس كالمحصر من عدو، نصًّا 2، وصغير كبالغ فيما سبق.
لكن لا يقضي، حيث وجب، إلا بعد بلوغه، وبعد حجة الإسلام.
وفاسده في ذلك كصحيحه.
فإن حل من أفسد حجه لإحصار، ثم زال، وفي الوقت سعة قضى في ذلك العام.
قال الموفق، والشارح، وجماعة: وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد الحج فيه في غير هذه المسألة 3. ومن شرط في ابتداء إحرامه أن محلي حيث حبستني، فله التحلل مجانًا، ولا قضاء عليه، لظاهر خبر ضباعة 4، لكن حجة الإسلام لا تسقط، إن لم يكن حج قبل، لعدم ما يسقط وجوبها.

فصل في الهدي والأضاحي والعقيقة

والعقيقة (والأضحية) بضم الهمزة وكسرها، وتخفيف الياء وتشديدها، واحدة الأضاحي، وهي: ما يذبح من إبل، وبقر، وغنم أهلية، يوم العيد، وتالييه، على ما يأتي تقربًا إلى اللَّه تعالى 1. وأجمعوا 2 على مشروعيتها، لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 3، قال جع من المفسرين: المراد التضحية بعد صلاة العيد 4. وروي: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبَّر، ووضع رجله على صفاحهما 5. متفق عليه.
وهي (سنة) مؤكدة (يكره تركها لقادر) عليها، نصًّا 6، على مسلم تام الملك، أو مكاتب بإذن سيده.
لحديث الدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا: "ثلاث كُتبت عليَّ وهن لكم تطوع: الوتر، والنحر، وركعتا الفجر" 7، ولحديث: "من أراد أن يضحي فدخل العشر، فلا يأخذ من شعره، ولا بشرته شيئًا" 8. رواه مسلم، فتعليقه على الإرادة، يدل على

عدم وجوبه، وما استدل به على الوجوب 1 ضعفه أصحاب الحديث، ثم يحمل على تأكد الاستحباب، كحديث: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" 2. والتضحية عن ميت أفضل منها عن حي، لعجزه، واحتياجه للثواب، ويعمل بها كأضحية عن حي، وتجب الأضحية بنذر، لحديث:

"من نذر أن يطيع اللَّه فليطعه" 1. وذبحها، وعقيقة، أفضل من الصدقة بثمنها، نصًّا 2، لحديث: "ما عمك ابن آدم يوم النحر عملًا أحب إلى اللَّه من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من اللَّه سبحانه عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض" 3. رواه ابن ماجه.
وقد ضحى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأهدى الهدايا، والخلفاء بعده، ولو كان الصدقة بالثمن أفضل لم يعدلوا عنه.
(ووقت الذبح) لأضحية، وهدي، ونذر، وتطوع، وقران، من (بعد) أسبق (صلاة عيد) بالبلد الذي يصلى به، ولو قبل خطبة (أو) من بعد (قدرها) أي الصلاة، لمن لم يصل، كأهل البوادي من أصحاب الطُّنُب 4 ونحوهم، وإن فاتت الصلاة بالزوال، ذبح بعده (إلى آخر ثاني) أيام (التشريق) قال الإمام أحمد: أيام النحر ثلاثة، عن غير واحد من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 5. وذبح أضحية، وهدي، في يوم العيد أفضل، ثم الذي يليه، ويجزئ ذبح في ليلتهما.
قال في "الإقناع" 6 مع الكراهة.
فإن فات الوقت، قضى الواجب، وفعل به كالمذبوح في وقته، فلا يسقط الذبح بفوات وقته، كما لو

ذبحها في وقتها، ولم يفرقها حتى خرج، ويسقط التطوع بخروج وقته، لأنه سنة فات محلها.
(ولا يعطى جازرٌ أجرته منها) لحديث "لا تعط في جزارتها شيئًا منها" 1، قال أحمد: إسناده جيد 2. ويعطيه منها هدية، وصدقة، لمفهوم الحديث، ولأنه في ذلك كغيره، بل هو أولى، لأنه باشرها، وتاقت إليها نفسه.
(ولا يباع جلدها، ولا شيء منها) ويحرم ذلك (بل ينتفع به) أو يتصدق به، لأنه جزء منها، أو تبع له، فجاز الانتفاع به، والصدقة، كاللحم، وإن سُرق مذبوح من أضحية أو هدي مطلقًا، فلا شيء فيه، إلا بتعد، أو تفريط، كأمانة.
ومن اشتبهت عليه أضحيته بأضحية غيره، فذبحها عن نفسه، فبانت للغير، أجزأت عن مالكها، إن لم يفرق لحمها، لعدم افتقار آلة الذبح إلى نية، كغسل النجاسة، فإن فرق اللحم، ضمن، لأن الإتلاف يستوي فيه العمد وغيره، وإن نواها لنفسه، مع علمه أنها للغير، لم تُجز مالكها، سواء فرق الذابح اللحم أو لا، ويضمن الذابح قيمتها، إن فرق لحمها، وأرش الذبح، إن لم يفرقه.
ومن ذبح أضحية أو هديًا معينين، في وقتهما، بغير إذن ربهما، أو وليه، ونوى عنه، أو أطلق، أجزأت، ولا ضمان، لأنها وقعت موقعها بذبحها في وقتها، فلم يضمن ذابحها، ولأن الذبح إراقة دم تعين إراقته لحق اللَّه تعالى، فلم يضمن مريقه، كقاتل المرتد، بغير إذن الإمام.
(وأفضل هدي وأضحية: إبل، ثم بقر، ثم غنم) إن أخرج كاملة،

لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة... " 1 الحديث، والأفضل من كل جنس أسمن، فأغلى ثمنًا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)﴾ 2، قال ابن عباس: تعظيمها استسمانها 3. فالأملح وهو الأبيض، أو ما فيه بياض وسواد، وبياضه أكثر من سواده 4. لما روي عن مولاة أبي ورقة بن سعيد قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دم عفراء أزكى عند اللَّه من دم سوداوين" 5. رواه أحمد بمعناه، ولأنه لون أضحية النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم أصفر، ثم أسود.
قال الإمام أحمد: يعجبني البياض، وقال: وأكره السواد 6. (ولا يجزئ) في أضحية ولا هدي واجب (إلا جذع ضأن) وهو ما له ستة أشهر كوامل، لحديث: "يجزئ الجذع من الضأن أضحية" 7. رواه ابن ماجه.
والهدي مثلها، ويعرف بنوم الصوف على ظهره، كما نقل عن أهل البادية، (وثنيُّ غيره) أي غير الضأن، وهو الإبل، والبقر، والمعز (فثني إبل ما له خمس سنين) كوامل، سمي بذلك، لأنه ألقى بثنية (و) ثني (بقر) ما له (سنتان) كاملتان، وثني معز ما له سنة كاملة.

(وتجزئ الشاة عن واحد) وعن أهل بيته وعياله، نصًّا 1، لحديث أبي أيوب: كان الرجل في عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون، ويطعمون 2. (و) تجزئ (البدنة والبقرة عن سبعة) روي عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة 3. لحديث جابر: نحرنا بالحديبية مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة 4، ويعتبر ذبحها عنهم، نصًّا 5، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" 6 وسواء أرادوا كلهم قربة، أو أراد بعضهم قربة، وبعضهم لحمًا.
وجذع ضأن أفضل من ثني معز، والواحدة من الضأن أو المعز أفضل من سُبع بدنة أو بقرة.
وتجزئ جماء 7، وبتراء 8، وصمعاء 9، وخصي، ومرضوض الخصيتين، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- ضحى بكبشين موجوءين 10 والوجاء رضُّ

الخصيتين 1، ولأن الخصاء أذهب عضوًا غير مستطاب، يطيب اللحم بذهابه، ويسمن، فإن قطع ذكره مع ذلك لم يجز، وهو الخصي المجبوب.
ويجزئ من إبل، وبقر، وغنم، ما خلق بغير أذن، أو ذهب نصف أليته فما دونه 2، وكذا الحامل (ولا تجزئ هزيلة) لا مخ فيها (و) لا (بينة عور) بأن انخسفت عينها، للخبر 3، (أو) بينة (عرج) لا تطيق مشيًا مع صحيحة، ولا مريضة بينة مرض، وهي التي فسد لحمها، بجرب، أو غيره (ولا ذاهبة الثنايا) من أصلها، وهي: الهتماء (أو) ذهب (أكثر أذنها أو) أكثر (قرنها)، لحديث علي: نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُضحى بأعضب الأذن والقرن.
قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: النصف فأكثر.
رواه الخمسة 4. ولأن الأكثر كالكل.
ولا تجزئ الجداء، وهي: جافة الضرع.
ولا عصماء، وهي: التي = (2/ 1043، 1044) عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين... الحديث.
وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة.
ينظر: "التلخيص الحبير" (4/ 155).

انكسر غلاف قرنها.
وتكره معيبة إذن بخرق، أو شق، أو قطع لنصف فأقل.
لحديث علي: أمرنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نستشرف العين، والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء.
قال زهير: قلت لأبي إسحاق: ما المقابلة؟ قال: يقطع من طرف الأذن، قلت: فما المدابرة؟ قال: يقطع من مؤخر الأذن، قلت: فما الخرقاء؟ قال: تشق الأذن، قلت: فما الشرقاء؛ قال: تشق إذنها للسِّمة" 1. رواه أبو داود.
وهذا نهي تنزيه، فيحصل الإجزاء بها، لأن اشتراط السلامة من ذلك يشق، ولا يكاد يوجد سالم من ذلك كله.
(والسنة نحر إبل قائمةً معقولةً يدها اليسرى) بأن يطعنها بنحو حربة في الوهدة، وهي ما بين أصل العنق والصدر.
لحديث زياد بن جبير، قال: رأيت ابن عمر أتى رجلًا أناخ بدنة لينحرها، فقال: ابعثها قائمة، مقيدة، سنة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-" 2. متفق عليه.
وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن سابط: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي منها من قوائمها 3، ويؤيده ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ 4، لكن إذا خشي أن تنفر أناخها.
(و) السنة (ذبح غيرها) أي غير الإبل، وهي: البقر والغنم علي جنبها الأيسر، موجهة إلى القبلة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ 5،

ولحديث: "ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده" 1. ويجوز نحر ما يذبح، وذبح ما ينحر، ويحل، لأنه لم يجاوز محل الذبح، ولعموم حديث: "ما أنهر الدم، وذكر اسم اللَّه عليه، فكل" 2، ويسمي وجوبًا، حين يحرك يده بالفعل، وتسقط سهوًا (فيقول: بسم اللَّه) ويكبِّر ندبًا، ويقول: (اللهم هذا منك ولك) ولحديث ابن عمر مرفوعًا: "ذبح يوم العيد كبشين" ثم قال حين وجههما: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للَّه رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، بسم اللَّه، اللَّه أكبر، اللهم هذا منك ولك" 3. رواه أبو داود.
ولا بأس بقول الذابح: اللهم تقبل من فلان، لحديث تقبَّل من محمد، وآل محمد، وأمة محمد، ثم ضحى 4. رواه مسلم، ومن كون ذابح مسلمًا، لأنها قربة، ينبغي أن لا يليها غير أهلها، فإن استناب فيها ذميًّا، أجزأت مع الكراهة.
وتولي مضح بنفسه أفضل، نصًّا 5، للأخبار 6، ويحضر إن وكَّل، لحديث ابن عباس الطويل "واحْضرُوها إذا ذبحتم، فإنه يغفر لكم عند أول

قطرة من دمها" 1. (وسن أن يأكل) من أضحيته (ويهدي ويتصدق أثلاثًا) أي: يأكل مع أهل بيته ثلثًا، ويهدي ثلثًا، ويتصدق بثلث (مطلقًا) حتى من أضحية واجبة، أو موصى بها على يديه، وحتى الإهداء لكافر من أضحية تطوع.
قال الإمام أحمد 2: نحن نذهب إلى حديث عبد اللَّه: يأكل الثلث، ويعطي من أراد الثلث، ويتصدق بالثلث على المساكين.
قال علقمة 3: بعث معي عبد اللَّه بهدية، فأمرني أن آكل ثلثًا، وأن أرسل إلى أخيه بالثلث، وأن أتصدق بثلث.
وهو قول ابن مسعود، ولقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ 4، والقانع: السائل.
والمعتر: الذي يعتريك 5، أي: يتعرض لك لتطعمه، ولا يسأل، فذكر ثلاثة فينبغي أن تقسم بينهم أثلاثًا، ولا يجب الأكل منها.
وإذا ضحى ولي اليتيم عنه فلا يهدي منها، ولا يتصدق بشيء، ويوفرها له، لأنه ممنوع من التبرع من ماله.
(و) سن (الحلق بعدهما) أي بعد ذبح أضحية.
قال أحمد 6: على ما فعل ابن عمر، تعظيمًا لذلك اليوم.
ولأنه كان ممنوعًا من ذلك قبل أن يضحي، فاستحب لذلك بعده، كالمحرم.

جارٍ التحميل