وتحلل.
وعمرة وطئ فيها كحج فيما سبق تفصيله، فيفسدها وطء قبل تمام سعي، لا بعده وقبل حلق، وعليه بوطئه في عمرة شاة، لنقص حرمة إحرامها عن الحج، لنقص أركانها، ودخولها فيه إذا جامعته، سواء وطئ قبل تمام السعي، أو بعده قبل حلق، ولا فدية على مكرهة في وطء في حج أو عمرة لحديث: "وعما استكرهوا عليه" 1، ومثلها النائمة، ولا يلزم الواطئ أن يفدي عنهما.
(و) التاسع: (مباشرة) الرجل للمرأة (فيما دون فرج) لشهوة، لأنها تنافي الإحرام، ولا تفسد المباشرة النسك، ولو أنزل، لأنه لا نص فيه ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الواطئ في الفرج، لأن نوعه يوجب الحد، ويأتي تفصيل ما يجب فيها.
(فـ) يجب (في أقل من ثلاث شعرات وثلاثة أظفار في كل واحد فأقل) كبعضه (طعام مسكين) ففي شعرة، أو بعضها طعام مسكين، وفي شعرتين، طعام مسكينين، وفي ظفر أو ظفرين أو بعض ظفر كذلك (وفي الثلاث) من الشعر (فأكثر) أو الثلاثة من الأظفار فأكثر (دم) أي فدية شاة ويأتي بيانها.
(وفي تغطية الرأس بلاصق) أولى (ولُبس مخيط، وتطيب في بدن، أو ثوب، أو شمِّ) طيب (أو دَهن) بمطيب (الفدية) ويأتي تفصيلها.
(وإن قتل محرم صيدًا مأكولًا) لا يحرم الأكل (بريًّا أصلًا) أي وحشيًّا، لا إنسيًّا، ولو توحش كما تقدم 2، فعليه -أي القاتل- (جزاؤه) أي
الصيد، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 1.
(والجماع قبل التحلل الأول في حج، وقبل فراغ سعي في عمرة مفسد لنسكهما) أي الحاج والمعتمر، كما تقدم (مطلقًا) أي سواء كانا عامدين، أو ساهيين، أو مكرهين، أو جاهلين، لأن من تقدم من الصحابة قضوا بفساد النسك، ولم يستفصلوا.
(وفيه) أي الجماع قبل التحلل الأول (لحجٍّ بدنة) لقول ابن عباس: اهد ناقة، ولتهد ناقة 2. سواء كان قارنًا، أو مفردًا، فإن لم يجدها صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، أي فرغ من عمل الحج، كدم المتعة، (و) فيه العمرة) قبل فراغ سعيها (شاة) وحكمها حكم فدية الأذى، لنقص العمرة عن الحج (ويمضيان) أي الحاج والمعتمر (في فاسده) أي: النسك (ويقضيانه مطلقًا إن كانا مكلفكين فورًا) لأنهما لا عذر لهما في التأخير (وإلا) يكونا مكلفين فـ (بعد التكليف و) بعد (حجة الإسلام) يقضيان (فورًا) لزوال عذرهما، كما تقدم 3.
(ولا يفسُدُ النسك بمباشرة) دون فرج (ويجب بها بدنة إن أنزل) نقله الجماعة 4، لأنها مباشرة اقترن بها الإنزال، فأوجبتها، كالجماع في الفرج، ولم يفسد نسكه، لعدم الدليل، فإن كرر النظر فأمنى، أو قبَّل فأمنى، أو لمس لشهوة فأمنى، أو استمنى فأمنى، فعليه بدنة قياسًا على الوطء (وإلا) ينزل، وإن أمذى بذلك، أو أمنى بنظرة واحدة، فعليه (شاة) وحكمها حكم فدية الأذى.
ولا يفسد النسك (بوطء في حج بعد التحلل الأول وقبل) التحلل
(الثاني لكن يفسُد) به (الإحرام فيحرم من الحل) التنعيم، أو غيره، ليجمع بين الحل والحرم (ليطوف للزيارة في إحرام صحيح، ويسعى إن لم يكن سعى) وتحلل، لأن الذي بقي عليه بقية أفعال الحج، وليس هذا عمرة حقيقة، والإحرام إنما وجب ليأتي بما بقي من الحج (وعليه شاة) لعدم إفساده الحج، كوطء دون الفرج بلا إنزال، ولخفة الجناية فيه.
والقارن كالمفرد، لأن الترتيب للحج لا للعمرة، بدليل تأخير الحلق إلى يوم النحر.
(وإحرام امرأة كـ) إحرام (رجل) فيما يحل ويحرم، فيحرم عليها إزالة شعر، وظفر، وطيب، وقتل صيد، وغيره، مما تقدم، إلا فيما استثناه بقوله: (إلا في لُبس مخيط) فيحرم على الرجل، ولا يحرم عليها، وكذا تظليل محمل، لأنها عورة إلا وجهها (وتجتنب البرقع والقفازين)، لحديث: "ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين" 1 رواه البخاري، وغيره، وتجتنب (تغطية الوجه) لحديث: "ولا تنتقب المرأة".
فتسدل أي تضع الثوب فوق رأسها، وترخيه على وجهها، للحاجة، كمرور أجانب قريبًا منها، لحديث عائشة: كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفنا 2. رواه أبو داود، والأثرم.
قال أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل.
قال الموفق: كأن الإمام يقصد أن النقاب من أسفل وجهها 3، ولا يضر مس المسدول بشرة وجهها.
وتحرم تغطية وجه المحرمة (فإن غطته بلا عذر فدت) ويباح لها من
حلي: خلخال، وسوار، ونحوه، لحديث ابن عمر أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب.
وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي 1.
ويسن لها خضاب بحناء عند إحرام، لحديث ابن عمر "من السنة أن تدلك المرأة يدها في حناء" 2، ولأنه من الزينة، فاستحب لها، كالطيب، وكره بعده، ما دامت محرمة، لأنه من الزينة، أشبه الكحل بالإثمد، ولا يكره الاكتحال بالإثمد لغير الزينة كوجع عين لرجل وامرأة، ولهما لبس معصفر.
وكحلي، وكل مصبوغ بغير ورس وزعفران، لأن الأصل الإباحة، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، ولهما قطع رائحة كريهة بغير طيب، ولهما اتجار، وعمل صنعة، ما لم يشغلا عن واجب، أو مستحب، لقول ابن عباس: كانت عكاظ، ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ 3 في مواسم الحج 4 رواه البخاري، ولهما نظر في مرآة لحاجة، وتكره لزينة.
ولا يصلح المحرم شعثًا، ولا ينفض عنه غبارًا، لحديث أبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمر مرفوعًا "إن اللَّه تعالى يباهي الملائكة بأهل عرفة، انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا" 5 رواه أحمد.
وللرجل المحرم لبس خاتم مباح من فضة أو عقيق، روى الدارقطني عن ابن عباس: لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم 1، وفي رواية: رخص للمحرم في الهميان والخاتم.
وله -أيضًا- ختان، وبط جرح 2، وقطع عضو عند حاجة، وحجامة.
ويجتنب المحرم والمحرمة الرفث، وهو الجماع، كما تقدم 3، والفسوق، أي: السباب، وقيل: المعاصي.
والجدال، وهو: المراء، روي عن ابن عمر 4، قال ابن عباس: هو أن تماري صاحبك حتى تغضبه 5.
وسن قلة كلامهما إلا فيما ينفع، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" 6 متفق عليه، وعنه مرفوعًا: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" 7 رواه الترمذي، وغيره وقال: حديث حسن.
فصل في الفدية وبيان أقسامها وأحكامها
وهي مصدر فدى يفدي فداء 1. وشرعًا: ما يجب بسبب نسك، كدم تمتع أو قران، وواجب، بفعل محظور في إحرام، أو ترك واجب، أو بسبب حرم، كصيد الحرم المكي ونباته.
وهي قسمان: قسم على التخيير، وقسم على الترتيب.
وقد ذكر الأول بقوله: (يخيّر بـ) ين (فدية حلق) شعر ثلاث فأكثر، أو إزالته (وتقليم) أظفار، ثلاثة فأكثر (وتغطية رأس) رجل، ووجه امرأة، ولبس رجل مخيطًا (وطيب، بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين) لـ (كل مسكين مدُّ بُر، أو نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير) أو أقط، ومما يأكله أفضل.
وينبغي أن يكون بأدم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 2 وأو للتخيير، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لكعب بن عجرة: العلك آذاك هوام رأسك؟ قال: نعم يا رسول اللَّه، فقال: "احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة" 3 متفق عليه.
وخصت الفدية بالثلاثة، لأنها جمع، واعتبرت في مواضع بخلاف ربع الرأس، وقيس على الحلق باقي المذكورات، لأن تحريمها فيها 4 للترفه، أشبهت الحلق، وغير المذكور ثبت الحكم فيه بطريق التشبيه تبعًا له 5.
النوع الثاني: جزاء الصيد، وقد ذكره بقوله: (وفي جزاء صيد) أي: يخير في جزاء صيد (بين) ذبح (مثل مثلي) من النعم، وإعطائه لفقراء الحرم، أي وقت شاء، فلا يختص بأيام النحر، ولا يجزئه أن يتصدق به حيًا (أو تقويمه) أي المثل، بمحل التلف، أو بقربه (بدراهم يشتري بها) أي الدراهم، التي هي قيمة المثل (طعامًا) نصًّا 1، لأن كل مثلي قوم إنما يقوم مثله، كمالِ الآدمي.
ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم، لأنه ليس من المذكورات في الآية (يجزئ) إخراجه (في فطرة) كواجب في فدية أذى، وكفارة، وهو البر، والشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، وله أن يخرج من طعام عنده يعدل ذلك (فيطعم كل مسكين مُدَّ بر أو نصف صاع من غيره) مما ذكر (أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ 2، وإن بقي دون إطعام مسكين صام عنه يومًا كاملًا، لأن الصوم لا يتبعض، ولا يجب تتابع الصوم، ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء، ويطعم عن بعضه، نصًّا 3، لأنه كفارة واحدة، كباقي الكفارات (و) يخير (بين إطعام أو صيام في) ما اشتراه بقيمته صيد (غير مثلي) إذا قتله، كما تقدم، لتعذر المثل.
القسم الثاني من الفدية: ما يجب مرتبًا.
وهو ثلاثة أنواع:
أحدها دم المتعة والقران، فيجب هدي لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 4، وقيس عليه القارن،
وتقدم 1، (وإن عدم متمتع أو قارن الهدي صام ثلاثة أيام في الحج والأفضل جعل آخرها) أي الثلاثة (يوم عرفة) نصًّا 2، فيقدم الإحرام، ليصومها في إحرام الحج، واستحب له هنا صوم يوم عرفة لموضع الحاجة، وله تقديمها قبل إحرامه بالحج، فيصومها في إحرام العمرة، لأنه أحد إحرامي التمتع، فجاز الصوم فيه، كإحرام الحج، ولجواز تقديم الواجب على وقت وجوبه، إذا وجد سبب الوجوب، كالكفارة بعد الحلف قبل الحنث، وسبب الوجوب هنا قد وُجد، وهو: الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، وعلم منه: أنه لا يجوز صومها قبل إحرام عمرة.
ووقت وجوب صوم الثلاثة كوقت وجوب هدي، لأنها بدله، وهو يجب بطلوع فجر يوم النحر (و) صام (سبعة) أيام (إذا رجع لأهله) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ 3، وإن صام السبعة قبل رجوعه إلى أهله، بعد إحرام بحج، وفراغه منه.
أجزأه صومها.
والأفضل إذا رجع إلى أهله، لكن لا يصح صوم شيء منها أيام منى، نصًّا 4، لبقاء أعمال من الحج.
قالوا: لأن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي من عمل الحج 5.
ومن لم يصم الثلاثة إلا بعد أيام التشريق، صام بعد ذلك عشرة كاملة، وعليه دم لتأخيره واجبًا من مناسك الحج عن وقته، كتأخير رمي جمار عنها، سواء كان لعذر، أو غيره، وكذا إن أخَّر الهدي عن أيام النحر بلا عذر، فيلزمه دم بتأخيره ذلك.
ولا يلزم تتابع، ولا تفريق في صوم الثلاثة، ولا في صوم السبعة، ولا
بين الثلاثة والسبعة إذا قضاها، وكذا لو صام الثلاثة أيام منى، وأتبعها السبعة، ولأن الأمر بها مطلق، فلا يقتضي جمعًا ولا تفريقًا.
ولا يلزم من قدر على هدي بعد وجوب صوم انتقال عنه، شرع فيه، أولًا، اعتبارًا بوقت الوجوب، فقد استقر الصوم في ذمته، فإن أخرج الهدي إذن (1) أجزأه، لأنه الأصل.
النوع الثاني: المحصَر، وقد ذكره بقوله: (والمحصَر) يلزمه هدي لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (2) فـ (إذا لم يجده) أي الهدي (صام عشرة أيام) قياسًا على هدي التمتع، بنية التحلل (ثم حل) وليس له التحلل قبل ذلك، ولا إطعام فيه.
النوع الثالث: فدية الوطء.
يجب به بدنة في حج، قبل التحلل الأول، كما تقدم (3)، فإن لم يجدها، صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع، كدم المتعة، لقضاء الصحابة به.
تتمة
:
من كرر محظورًا من جنس، غير قتل صيد، كأن حلق شعرًا، وأعاده، أو قلَّم أظفاره، وأعاده، ونحو ذلك، قبل التكفير عن أول مرة، فعليه كفارة واحدة للكل، لأن اللَّه تعالى أوجب لحلق الرأس فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع دفعة أو دفعات، وإن كفر للأول، ثم فعله ثانيًا، لزمه كفارة ثانية، كما لو حلف، وحنث، وكفر، ثم حلف، وحنث.
وإذا لبس وغطى رأسه، ولبس الخف، فعليه فدية واحدة، لأن الجميع جنس واحد، وإن كان المحظور من أجناس، فعليه لكل جنس فداء، وعليه في الصيود جزاء بعددها، لقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا123
قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} 1.
ويكفِّر وجوبًا من حلق ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا، أو قلَّم أظفاره كذلك، أو وطئ أو باشر كذلك، وتقدم 2، أو قتل صيدًا ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا.
قال الزهري: تجب الفدية على قاتل الصيد متعمدًا بالكتاب، وعلى المخطئ بالسنة 3 (وتسقط) الفدية (بنسيان) أو جهل، أو إكراه (في لُبس وطيب و) في (تغطية رأس)، لحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" 4 ولأنه يقدر على رد هذه الإزالة، بخلاف الأول، لأنها إتلاف، ومتى زال عذره أزاله في الحال، لحديث يعلى بن أمية، وفيه: "اخلع عنك هذه الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق 5 -أو قال أثر الصفرة- واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك" 6. متفق عليه، ولم يأمره بالفدية مع سؤاله عما يصنع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، فدل على أنه عُذر بجهله، والناسي في معناه.
(وكل هدي أو إطعام) يتعلق بحرم، أو إحرام، كجزاء صيد، وما وجب لترك واجب، أو لفوات حج، أو فعل محظور، كلبس ووطء (فـ) هو (لمساكين الحرم).
قال ابن عباس: الهدي والإطعام بمكة 7. وكذا هدي تمتع وقران،
ومنذور، ونحوها، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 1، وقال في جزاء الصيد: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ 2، وقيس عليه الباقي.
ويلزم ذبحه في الحرم.
قال أحمد: مكة ومنى واحد 3. واحتج الأصحاب 4 بحديث جابر مرفوعًا: "كل فجاج مكة طريق ومنحر" 5. رواه أحمد، وأبو داود.
ويجب تفرقة لحمه، أو إطلاقه لمساكين الحرم، لأن المقصود من ذبحه بالحرم التوسعة عليهم، ولا يحصل بإعطاء غيرهم، وكذا الإطعام.
قال ابن عباس: الهدي والإطعام بمكة 6. ولأنه ينفعهم كالهدي، وهم -أي مساكين الحرم-: المقيم به، والمجتاز، من حاج، وغيره، ممن له أخذ زكاة لحاجة، ولو تبين غناه بعد ذلك، فكزكاة، والأفضل نحر ما وجب بحج بمنى، ونحر ما وجب بعمرة بالمروة، خروجًا من خلاف مالك 7، ومن تبعه 8. = روِّينا عن ابن عباس أنه قال: يتصدق به على مساكين مكة.
وفي حكاية ابن المنذر، عن ابن عباس أنه قال: الدم والطعاء بمكة والصوم حيث شاء.
اهـ
والعاجز عن إيصاله إلى الحرم بنفسه، أو بمن يرسله معه، ينحره حيث قدر، ويفرقه بمنحره، لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ 1 (إلا فدية أذى) وفدية طيب (و) نحوهما: كفدية (لبس [ونحوها]) 2 وتغطية رأس (فحيث وجد سببها) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر كعب بن عجرة بالفدية، بالحديبية 3 وهي من الحل، واشتكى الحسين بن علي -رضي اللَّه عنهما- رأسه فحلقه علي ونحر عنه جزورًا بالسقيا 4. رواه مالك، والأثرم وغيرهما.
وله تفرقتها -أيضًا- في الحرم كسائر الهدايا، ودم إحصار حيث أحصر، من حل أو حرم، نصًّا 5 (ويجزئ الصوم) والحلق (بكل مكان) = في حج.
اهـ من "الذخيرة" للقرافي (3/ 370) وقال في "عقد الجواهر الثمينة" (1/ 460): أما المكان -أي مكان إراقة الدماء- فيختص بجواز الإراقة بالحرم فيما عدا فدية الأذى، وفيه محلان: أحدهما: منى.
وهو: لكل ما نحر في أيامها مما وُقف به بعرفة، دون ما لم يوقف به بعرفة.
وقال ابن الماجشون: يجوز نحره بها، وإن لم يوقف به بعرفة.
والمحل الثاني: مكة.
ولا يشترط في النحر بها الوقوف، ولا أيام منى، بل لو نحر بها ما وقف به بعرفة لكان في إجزائه ثلاثة أقوال.
في الثالث: يخصص الإجزاء بما نحر بعد خروج أيام منى.. اهـ قال ابن مفلح بعد سياق قول مالك: لا ينحر في إلحج إلا بمنى، ولا في العمرة إلا بمكة: وهو متجه.
اهـ من "الفروع" (3/ 465). ينظر: "كفاية المحتاج إلى الدماء الواجبة على الحاج" (ص 467) و"الفروع" لابن مفلح (3/ 465) و"بداية المجتهد" (1/ 462، 463).
لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، فلا فائدة في تخصيصه بالحرم، ولعدم الدليل عليه.
(والدم) المطلق (شاة) تجزئ في أضحية: جذع ضأن له ستة أشهر، أو ثني معز له سنة (أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة) لقوله تعالى في التمتع: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 1، قال ابن عباس: شاة، أو شِركٌ في دم 2. فإن ذبح كاملة فهو أفضل، وتجب كلها، لأنه اختار الأعلى، لأداء فرضه.
وتجزئ بدنة أو بقرة عن سبع شياه مطلقًا، في جزاء الصيد، أو غيره، لحديث جابر: أمرنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نشترك في الإبل، والبقر، كل سبعة منا في بدنة 3. رواه مسلم.
(ويُرجع) بالمبني للمجهول (في جزاء صيد) وهو: ما يستحق بدله، على متلف بفعل، أو سبب (إلى ما قضت فيه الصحابة) رضي اللَّه عنهم، فيجب ما أوجبوا فيه، لأنهم أعرف، وقولهم أقرب إلى الصواب.
وفي الخبر "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" 4. وفيه: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" 5. ومما قضت فيه الصحابة: في
النعامة بدنة.
روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن عباس، ومعاوية 1؛ لأنها تشبهها.
وفي حمار الوحش: بقرة، روي عن عمر 2.
وفي بقرة: بقرة.
روي عن ابن مسعود 3.
وفي إيَّل 4 -بوزن قنّب- وهو ذكر الأوعال.
ذكره في "الإنصاف" 5: بقرة عن ابن عباس 6.
وفي تيتل -بوزن جعفر- الوعل المسن 7: بقرة.
وفي وعل -بفتح الواو مع العين وكسرها وسكونها- تيس الجبل، كما ذكره في "القاموس" 8، وقال في "الصحاح" 9: هو الأروى: بقرة.
يروى عن ابن عمر: في الأروى بقرة 10. وقضى به عمر، وابن عباس 11. = من "تحفة الطالب" (ص 168، 169).
وفي الضبع كبش.
قال الإمام 1: حكم فيها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بكبش 2.
وفي الغزال شاة.
روي عن علي، وابن عمر 3، وروي عن جابر مرفوعًا: "في الظبي شاة" 4 قاله صاحب "المنتهى" في شرحه 5.
وفي وبر -بسكون الباء- جدي، وهو دويبة كحلاء، دون السنور، لا ذنب له 6.
وفي الضب: جدي، قضى به عمر 7. والجدي الذكر من أولاد المعز، له ستة أشهر.
= الآتية: (وفي الضبع كبش..) قال في "شرح المنتهى" (2/ 41): (... الأروى: بقرة.
يروى عن ابن عمر في الأروى: بقرة.
وفي الضبع كبش.
قال الإمام: حكم فيها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بكبش.
انتهى.
وقضى به عمر وابن عباس) اهـ وهو كذلك في "الشرح الكبير" (9/ 8).
وفي يربوع: جفرة لها أربعة أشهر، روي عن عمر، وابن مسعود، وجابر 1.
وفي الأرنب: عناق، وهي الأنثى من أولاد المعز، أصغر من الجفرة.
يروى ذلك عن عمر 2.
وفي الحمامة، وهي: كل ما عبّ الماء، أي وضمع منقاره فيه، وكرع 3، كما تكرع الشاة، ولا يأخذ قطرة، كالدجاج والعصافير، وهدر، أي: صوّت، فيدخل فيه قمري، وفواخت، وراشين، وقطا، ونحو ذلك: شاة، نصًّا 4، قضى به عمر، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، ونافع بن عبد الحارث 5 في حمام الحرم، وقيس [عليه] 6 حمام الإحرام.
روي عن ابن عباس أنه قضى به في حمام الإحرام 7.
(و) يرجع (فيما لم تقض فيه) الصحابة (إلى قول عدليْن) لقوله تعالي: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 8 (خبيريْن) ليحصل المقصود بهما، فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به، من حيث الخلقة، لا القيمة، كقضاء الصحابة، ولا يشترط كونهما، أو أحدهما، فقيهًا، لظاهر الآية.
ويجوز كون القاتل أحدهما، أو هما، فيحكمان على أنفسهما بالمثل، لعموم الآية، ولقول عمر:
احكم يا أربد فيه 1. أي: الضب، الذي وطئه أربد.
قال ابن عقيل: إنما يحكم القاتل إذا قتله خطأ، أو لحاجة أكله، أو جاهلًا تحريمه.
انتهى.
(وما لا مِثْلَ له) من النعم، وهو باقي الطير (تجب قيمته مكانه) أيَ: الإتلاف، كإتلاف مال الآدمي، ولو كان أكبر من الحمام، كأوزٍّ، ونحوه.
وإن أتلف جزءًا من صيد، فاندمل، وهو ممتنع، وله مثل من النعم، ضمن الجزء المتلف بمثله من مثله لحمًا، وإلا يكن له مثل، فإنه يضمنه بنقصه من قيمته.
وعلى جماعة اشتركوا في قتل صيد: جزاء واحد.
روي عن عمر، وابنه، وابن عباس 2، سواء كفروا بالصيام، أو غيره، للآية.
ويجوز إخراج الجزاء بعد الجرح، وقبل الموت.
(وحرم مطلقًا) على المحرم، وغيره، قتل (صيد حرم مكة) إجماعًا 3، لخبر ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرّمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام، بحرمة اللَّه تعالى إلى يوم القيامة..." الحديث، "وفيه: "ولا ينفر صيدها" 4. متفق عليه.
وصغير، وكافر، كغيرهما في الضمان.
ويحرم صيد بحري الحرم، ولا جزاء فيه، لعدم وروده، وإن أرسل حلال كلبه من الحل على صيد بالحل فقتله أو غيره بالحرم، أو فعل ذلك بسهمه، فشطح، فقتل صيدًا بالحرم، لم يضمن، لأنه لم يرم، ولم يرسل كلبه على صيد بالحرم، ولا يحل ما وجد سبب موته، بالحرم تغليبًا للحظر.
(و) حرم (قطع شجره) أي حرم مكة، الذي لم يزرعه آدمي، إجماعًا 1، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ولا يعضد شجرها" 2 (و) حرم قطع (حشيشه) أي الحرم، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ولا يحش حشيشها" 3، حتى الشوك، ولو ضر، لعموم "لا يختلى شوكها" 4، وحتى السواك، ونحوه، والورق، لدخوله في مسمى الشجر، إلا اليابس ممن شجر وحشيش، لأنه كميت، و (إلا الإذخر)، لقول العباس: يا رسول اللَّه، إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم.
قال: "إلا الإذخر" 5 وهو نبت طيب الرائحة، والقين الحداد، وإلا الكمأة، والفقع، لأنهما لا أصل لهما، وإلا الثمرة، لأنها تستخلف، وإلا ما زرعه آدمي من زرع، وبقل ورياحين، إجماعًا 6، نصًّا 7، حتى من الشجر، لأنه أنبته آدمي، كزرع، ولأنه مملوك الأصل، كالأنعام، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يقطع شجرها" المراد: لا يملكه أحد، لأن هذا يضاف إلى مالكه.
ويباح رعي حشيشه، لدعاء الحاجة إليه، أشبه قطع الإذخر، بخلاف الاحتشاش لها (وفيه) أي قطع الشجر والحشيش (الجزاء) فتضمن شجرة قطعت، أو كسرت، صغيرة، عرفًا بشاة، ويضمن ما فوقها، ببقرة، لقول
ابن عباس "في الدوحة 1 بقرة، وفي الجزلة شاة" 2 قال 3: والدوحة الشجرة العظيمة.
والجزلة: الصغيرة.
ويخير بين ذبحها، وتفرقتها، أو إطلاقها، لمساكين الحرم، وبين تقويمها بدراهم، ويفعل بقيمته كجزاء صيد، بأن يشتري طعامًا، يجزئ في فطرة، فيطعم كل مسكين مد بر، أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا.
ويُضمن حشيش، وورق بقيمته، نصًّا 4، لأنه متقوم، ويفعل بقيمته كما سبق.
ويُضمن غصن بما نقص، كأعضاء الحيوان.
ويُضْمن غصن في هواء الحل أصله بالحرم، أو بعض أصله بالحرم، لتبعيته لأصله.
وكره إخراج تراب الحرم، وحجارته إلى الحل، نصًّا 5، قال: لا يخرج من تراب الحرم، ولا يدخل من الحل، كذلك قال ابن عمر، وابن عباس 6. ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل، والإخراج أشد كراهة.
ولا يكره إخراج ماء زمزم، لما روى الترمذي -وقال: حسن غريب- عن عائشة: أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يحمله 7، ولأنه يستخلف، كالثمرة.
وقال أحمد: أخرجه كعبٌ 8. ولم يزد عليه.
ولا يكره وضع الحصى بالمساجد كما في مسجده -صلى اللَّه عليه وسلم- زمنه، وبعده، ويحرم إخراج تراب المساجد، وإخراج طيبها، في الحل والحرم، لتبرُّك وغيره، لأنه انتفاع بالموقوف في غير جهته.
قال أحمد: إذا أراد أن يستشفي بطيب الكعبة، لم يأخذ منه شيئًا، ويلزق عليها طيبًا من عنده، ثم يأخذه (1).
تتمة
:
حد حرم مكة مات كل جهة عليه أنصاب، لم تزل معلومة، فلا حاجة لتسميتها.
ويستحب المجاورة بمكة.
وهي أفضل من المدينة لحديث عبد اللَّه بن عدي بن الحمراء، أنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول، وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: "واللَّه إنك لخير أرض اللَّه وأحب أرض اللَّه إلى اللَّه، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت" 2. رواه أحمد، وغيره.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
قال ابن عقيل: الكعبة أفضل من مجرد الحجرة، فأما والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها فلا واللَّه.
ولا العرش، وحملته، والجنة، لأن بالحجرة جسدًا لو وزن به لرجح 3. وتضاعف الحسنة والسيئة، بمكان فاضل، وزمن فاضل، لقول ابن عباس 4. وسئل أحمد: هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا،1
إلا بمكة، لتعظيم البلد، ولو أن رجلًا بعدن وَهَمَّ أن يقتل عند البيت، أذاقه اللَّه من العذاب الأليم 1.
(و) حرم (صيد حرم المدينة) المشرفة، وتسمى طابة وطيبة 2؛ للخبر 3، والأولى ألا تسمى يثرب، وإن صاده وذبحه؛ صحت تذكيته، = البحرم.
وقيل: كمضاعفة الحسنات خارج الحرم.
قال ابن جماعة: وهذا حرجٌ منفيٌّ بما وضح من القرآن الكريم، قال تعالى -وهو أصدق القائلين- ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وتعظيم الحرم ممكن بغير حرج التضعيف، فلا جرم قلنا بتعظيم الجناية في الحرم حتى غُلِّظت الدية على القاتل فيه.. إلى أن قال.
وأكثر أهل العلم على أن السيئة لا تضاعف بمكة.
اهـ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد قال: رأيت عبد اللَّه بن عمرو بعرفة، ومنزله في الحل، ومسجده في الحرم.
فقلت له: لم تفعل هذا؟ قال: لأن العمل فيه أفضل والخطيئة فيه أعظم.
"الدر المنثور" (6/ 29).
جزم به في "الإقناع" 1.
(و) حرم (قطعُ شجره وحشيشه) لحديث: "إن إبراهيم حرّم مكة، ودعا لأهلها، وإني حرّمت المدينة، كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة" 2. متفق عليه (لغير حاجة علف وفتب ونحوهما) كالمساند، والحرث، مما تدعو إليه الحاجة، لحديث أحمد، عن جابر بن عبد اللَّه: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما حرم المدينة قالوا: يا رسول اللَّه، إنا أصحاب عمل، وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا، فرخِّص لنا.
فقال: "القائمتان، والوسادة، والعارضة، والمسدّ 3، وأما غير ذلك فلا يعضد" 4 رواه أحمد.
والقائمتان اللتان تنصب البكرة عليهما، والعارضة هي التي بين القائمتين، والمسدّ عود البَكَرة.
وعن علي مرفوعًا: "المدينة حرمها ما بين عير إلى ثور، لا يختلى خلالها، ولا ينفر صيدها، ولا يصلح أن تقطع منها شجرة، إلا أن يعلف الرجل بعيره" 1 رواه أبو داود.
ومن أدخلها صيدًا، فله إمساكه، وذبحه، نصًّا 2، لحديث: "يا أبا عمير ما فعل النغير؟ " 3 -بالغين المعجمة- هو طائر صغير، كان يلعب به، متفق عليه (ولا جزاء) فيما حرم من ذلك.
قال أحمد: لم يبلغنا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا أحدًا من أصحابه، حكموا فيه بجزاء 4.
وحرمها: بريدٌ في بريد، نصًّا 5، وهو ما بين ثور، وهو: جبل صغير، يضرب لونه إلى الحمرة، بتدوير، وهو خلف أحد من جهة الشمال.
وعَير، وهو: جبل مشهور بالمدينة، لحديث علي المتقدم 6، وذلك ما بين لابتيها، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما بين لابتيها حرام" 7 متفق عليه، واللابة الحَرَّة، وهي: أرض تركبها حجارة سود.
باب آداب دخول مكة وما يتعلق به من طواف وسعي ونحوهما
يسن الاغتسال لدخولها، كما تقدم 1 و (يسن) دخولها (نهارًا) للخبر 2 (من أعلاهما) أي مكة من ثنية كَدَاء -بفتح الكاف والدال ممدود مهموز- والثنية طريق بين جبلين 3، وسن خروج من أسفلها، من ثنية كُدي -بضم الكاف والتنوين- 4 عند ذي طوى.
(و) يسن دخول (المسجد) الحرام (من باب بني شيبة) وبإزائه الآن الباب المعروف بباب السلام، لحديث جابر: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- دخل مكة ارتفاع الضحى، وأناخ راحلته عند باب بني شيبة، ثم دخل" 5. رواه مسلم، وغيره.
ويقول ما ورد، كما في دخول غيره من المساجد 1 (فإذا رأى البيت رفع يديه) نصًّا 2، لحديث الشافعي، عن ابن جريح: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا رأى البيت رفع يديه (وقال) بعد رفعهما (ما ورد)، ومنه: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، حيِّنا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيمًا، وتشريفًا، وتكريمًا، ومهابة، وبرًا، وزد من عظمه، وشرفه، ممن حجه واعتمره، تعظيمًا، وتشريفًا، وتكريمًا، ومهابة، وبرًّا" 3. رواه الشافعي بإسناده، عن ابن جريج، مرفوعًا.
ويقول: الحمد للَّه رب العالمين كثيرًا، كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والحمد للَّه الذي بلغني بيته، ورآني أهلًا، والحمد للَّه على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام، وقد جئتك لذلك، اللهم تقبل مني، واعف عني، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت.
ذكره الأثرم، وإبراهيم الحربي 4. ويرفع بذلك صوته، لأنه ذكر مشروع، أشبه التلبية.
= رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما قدم في عهد قريش، فلما دخل مكة دخل من هذا الباب الأعظم.
قال البيهقي: روي عن ابن عمر مرفوعًا في دخوله من باب بني شيبة... وإسناده غير محفوظ.
اهـ
(ثم طاف) حال كونه (مضطبعًا) استحبابًا، في كل أسبوعه، نصًّا 1، بأن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، لما روى أبو داود، وغيره، عن يعلى بن أمية، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- طاف مضطبعًا 2. وروي عن ابن عباس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى 3.
وإذا فرغ من طوافه أزاله.
ويطوف (للعمرة المعتمر، و) يطوف (للقدوم) وهو الورد (غيره) أي غير المعتمر، وهو المفرد، والقارن، فتستحب البداءة بالطواف لداخل المسجد الحرام، وهو تحية الكعبة، وتحية المسجد الصلاة، وتجزئ عنها ركعتا الطواف، لحديث جابر: حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا 4. وعن عائشة: حين قدم مكة توضأ، ثم طاف بالبيت 5. متفق عليه.
وروي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم 6 (ويستلم الحجر الأسود) أي يمسحه بيده اليمنى، والاستلام من السلام، وهو التحية، وأهل اليمن = "هداية السالك" (2/ 730). ينظر: "الشرح الكبير" (9/ 78).
يسمون الحجر الأسود: المحيا، لأن الناس يحيونه بالاستلام.
وروى الترمذي مرفوعًا: "إنه نزل من الجنة أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم" 1.
ويبتدئ الطواف منه، لفعله عليه السلام 2 (ويقبِّله) بلا صوت يظهر للقُبلة.
لحديث عمر: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استقبل الحجر، ووضع شفتيه عليه يبكي طويلًا، ثم التفت، فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال: "يا عمر هاهنا تسكب العبرات" 3. رواه ابن ماجه.
ويسجد عليه لفعل ابن عمر، وابن عباس 4. فإن شق استلامه، وتقبيله، لنحو زحام، لم يزاحم، واستلمه بيده، وقبَّلها، روي عن ابن عمر، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس، وأبي سعيد 5. لما روى ابن عباس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- استلمه، وقبل يده 6. رواه مسلم.
فإن شق استلامه بيده، استلمه بشيء، وقبَّله، روي عن ابن عباس موقوفًا 1. (فإن شق) عليه استلامه بشيء أيضًا (أشار إليه) بيده أو بشيء، لحديث البخاري عن ابن عباس قال: طاف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على بعير، فلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده، وكبر 2؛ ولا يقبله أي ما أشار به.
ويستقبل الحجر الأسود بوجهه (ويقول) كلما استلمه، أو أشار إليه (ما ورد) ومنه: بسم اللَّه، واللَّه أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، لحديث عبد اللَّه بن السائب، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقول ذلك عند استلامه 3.
ثم يجعل البيت عن يساره، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- طاف كذلك، وقال: "خذوا عني مناسككم" 4 وليقرب جانبه الأيسر للبيت، فأول ركن يمر به يسمى
الشامي، وهو جهة الشام، ثم الغربي، وهو جهة المغرب، ثم اليماني، جهة اليمن.
(ويرمُل الأفقي) أي غير المحرم من مكة أو قربها، وغير الراكب، وغير حامل معذور، وغير النساء (في هذا الطواف) خاصة، فيسرع المشي، ويقارب الخطى، في ثلاثة أشواط، ثم يمشي أربعة أشواط بلا رمل، حديث عائشة 1. ورواه عنه أيضًا جابر، وابن عباس، وابن عمر.
بأحاديث متفق عليها 2. قال ابن عباس: ورمل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في عُمَرِه كلها، وفي حجه، وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعده 3. رواه أحمد.
ويكون الرمل من الحجَر إلى الحجر، لحديث ابن عمر، وجابر 4. ولا يُقضى رَمَلٌ في الأربعة أشواط، لأنه هيئة فات موضعها، فسقط، كالجهر في الركعتين الأوليين من مغرب وعشاء، ومن لم يتمكن من الرمل، مع الدنو من البيت، للزحام، وأمكنه الرمل إن طاف في حاشية الناس، فالرمل له أولى من الدنو من البيت بلا رمل، وتأخير الطواف للرمل، أو للدنو من البيت، أولى من التقديم، ليأتي به على الوجه الأكمل.
وكلما حاذى الحجر، والركن اليماني، استلمهما ندبًا، لحديث ابن عمر: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يدع أن يستلم الركن اليماني، والحجر في طوافه.
قال نافع: كان ابن عمر يفعله 5. رواه أبو داود، لكن لا يقبل إلا
الحجر الأسود، فإن شق استلامهما أشار إليهما.
ولا يسن استلام الركن الشامي، ولا الغربي، لقول ابن عمر: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان لا يستلم إلا الحجر الأسود، والركن اليماني 1. ويقول كلما حاذى الحجر: اللَّه أكبر.
فقط، لحديث ابن عباس: طاف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على بعير، وكلما أتى الركن أشار بيده، وكبر 2.
ويقول بين الركن اليماني وبين الحجر: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
لحديث أحمد، في "المناسك" عن عبد اللَّه بن السائب أنه سمع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقوله 3. وعن أبي هريرة، مرفوعًا: "وُكِّل به -يعني الركن اليماني- سبعون ألف ملك، فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، قالوا: آمين" 4.
ويقول في بقية الأشواط: اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، رب اغفر وارحم، واهدني السبيل الأقوم، وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم.
وكان عبد الرحمن بن عوف يقول: رب قني شح نفسي 5. ويَذْكُرَ، ويدعو بما أحب، ويصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويقرأ = استلام هذين الركنين، اليماني والحجر، منذ رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يستلمهما لا في شدة ولا رخاء.
القرآن، لحديث "الطواف بالبيت صلاة، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير" 1.
ولا يجزئ الطواف عن حامل معذور، إلا أن ينوي وحده، أو ينويا جميعًا عنه، وحكم سعي راكبًا كطواف، فلا يجزئه إلا لعذر.
وإن طاف على سطح المسجد، توجه الإجزاء، كصلاته إليها، ويجزئ طواف في المسجد من وراء حائل، ولا يجزئ خارجه، أو منكسًا، أو على جدار الحجر -بكسر الحاء- فلا يجزئه، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 2 والحجر منه، لحديث عائشة مرفوعًا: "هو من البيت" 3. رواه مسلم.
وكذا لو طاف على شاذَروان الكعبة -بفتح الذال المعجمة- وهو ما فضل عن جدارها 4، فلا يجزئه لأنه من البيت، فإذا لم يطف به، لم يطف بكل البيت، وإن مس الجدار بيده في موازاة الشاذروان صح طوافه.
وإن طاف طوافًا ناقصًا، أو طاف بلا نية، فلا يجزئه، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" 5. وكالصلاة، أو طاف محدثًا، أو نجسًا -أيضًا- فلا يجزئه، لحديث: "الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه" 6 ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لعائشة حين حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت" 7،
ويلزم الناس انتظار حائض فقط إن أمكن، ويسن فعل سائر المناسك على طهارة.
وإن طاف محرم فيما لا يحل لمحرم لبسه، صح طوافه، لعود النهي لخارج.
ويبتدئ الطواف لحدث فيه تعمَّده، أو سبقه، بعد أن يتطهر، كالصلاة، ويبتدئه لقطع طويل، عرفًا، لأن الموالاة شرط فيه، كالصلاة، ولأنه عليه السلام والى طوافه وقال: "خذوا عني مناسككم" 1، وإن كان قطعه يسيرًا، أو أقيمت صلاة، أو حضرت جنازة، وهو فيه، صلى، وبنى.
ويبتدئ الشوط من الحَجَر، فلا يعتد ببعض شوط قطعه، قاله أحمد 2. وكذا السعي، وعلم مما سبق أنه يشترط لطواف: عقل، ونية، وستر عورة، وطهارة من حدث، لغير طفل لا يميز، وطهارة من خبث، وإكمال السبع، وجعل البيت فيه عن يساره، وكونه ماشيًا مع قدرة، والموالاة بينه، وابتداؤه من الحجر الأسود بحيث يحاذيه، وكونه في المسجد وخارج البيت جميعه.
(فإذا فرغ) من طوافه (صلى ركعتين) نافلة، والأفضل كونهما (خلف المقام) أي مقام إبراهيم، لحديث جابر في صفة حجه -صلى اللَّه عليه وسلم- وفيه: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ 3، فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين.
الحديث، رواه مسلم 4. ولا يشرع تقبيله، ولا مسحه، كصخرة بيت المقدس، ويقرأ فيها بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وسورة الإخلاص، بعد الفاتحة للخبر 5.
وتجزئ مكتوبة عنها (ثم يستلم الحجر) ويسن عوده إلى الحجر (الأسود) بعد الصلاة، فيستلمه، نصًّا 1، لفعله عليه السلام، ذكره جابر في صفة حجه -صلى اللَّه عليه وسلم- 2.
ويسن الإكثار من الطواف ليلًا ونهارًا، وهو للغريب أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام، وله جمع أسابيع، بركعتين لكل أسبوع، وفعلته عائشة، والمسور بن مخرمة 3، ولا تعتبر الموالاة بين الطواف والركعتين، لأن عمر صلاهما بذي طوى 4، وأخرت أم سلمة الركعتين حين طافت راكبة، بأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 5، والأولى أن يركع لكل أسبوع ركعتين عقبه.
ولطائف تأخير سعيه عن طوافه، بطواف، وغيره، فلا تجب الموالاة بينهما، ولا بأس أن يطوف أول النهار، ويسعى آخره (ويخرج إلى الصفا من بابه فيرقاه) أي الصفا (حتى يرى البيت فـ) يستقبله و (يكبِّر ثلاثًا، ويقول ما ورد)، فيقول ثلاثًا: "الحمد للَّه على ما هدانا، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، لحديث جابر في صفة حجه -صلى اللَّه عليه وسلم-: ثم
خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا، قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ 1 فبدأ بما بدأ اللَّه به، فبدأ بالصفا، رقى عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحَّد اللَّه، وكبَّر 2، وقال: وذكر ما تقدم، ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات، لكن ليس فيه: "يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير" 3 ويدعو بما أحب، لحديث أبي هريرة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد اللَّه ويدعو بما شاء أن يدعو 4. رواه مسلم.
ولا يلبي، لعدم نقله (ثم ينزل) من الصفا (ماشيًا إلى العلم الأول) وهو الميل الأخضر في ركن المسجد، فإذا صار بينه وبينه نحو ستة أذرع (فيسعى) ماش سعيًا (شديدًا إلى) العلم (الآخر) ميل أخضر بفناء المسجد، حذاء دار العباس (ثم يمشي ويرقى المروة) مكان معروف (ويقول) مستقبلًا القبلة (ما قاله على الصفا) من تكبير، وتهليل، ودعاء.
ويجب استيعاب ما بينهما، فيلصق عقبه بأصلهما في ابتدائه بكل منهما، ويلصق -أيضًا- أصابعه بما يصل إليه من كل منهما، والراكب يفعل ذلك بدابته، فمن ترك شيئًا مما بينهما، ولو دون ذراع، لم يجزه سعيه.
(ثم ينزل) من المروة (فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، إلى الصفا، يفعله سبعًا، ويحسب ذهابه) سعية (ورجوعه) سعية، يفتتح بالصفا، ويختم بالمروة، للخبر 5، فإن بدأ بالمروة لم يحتسب بذلك
الشوط، ويكثر من الدعاء، والذكر فيما بين ذلك.
قال الإمام: كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم، واعف عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم 1. وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما جُعل رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة؛ لإقامة ذكر اللَّه عز وجل" 2. قال الترمذي: حسن صحيح.
ويشترط للسعي نية، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات" 3، ويشترط له موالاة، قياسًا على الطواف.
ويشترط كونه بعد طواف نسك، ولو مسنونًا، كطواف القدوم، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- سعى بعد طواف، وقال: "خذوا عني مناسككم" 4. فلو سعى بعد طوافه، ثم علمه بلا طهارة، أعاد، ولا يسن السعي بعد كل طواف، ويسن موالاة بين الطواف والسعي، بأن لا يفرق بينهما طويلًا، وتسن له طهارة من حدث وخبث، وسترة، ولا يسن فيه اضطباع، نصًّا 5، والمرأة لا ترقى الصفا ولا المروة، ولا تسعى سعيًا شديدًا، لأنها عورة.
وتسن مبادرة معتمر بالطواف والسعي، لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(ويتحلل متمتع لا هدي معه بتقصير شعره) لأن عمرته تمت بالطواف
والسعي والتقصير، ليحلق رأسه للحج (ومن معه هدي) تحلل (إذا حج) لحديث ابن عمر: تمتع الناس مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج، فلما قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مكة، قال: "من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء أحرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، وليُحلل" 1 متفق عليه.
ومن معه هدي أدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا، والمعتمر غير المتمتع، يحل سواء كان معه هدي، أو لا، في أشهر الحج، أو غيرها.
وإن ترك الحلق أو التقصير في عمرته، ووطئ قبله، فعليه دم، وعمرته صحيحة.
روي أن ابن عباس سئل عن امرأة معتمرة وقع بها زوجها قبل أن تقصِّر.
قال: من ترك من مناسكه شيئًا، أو نسيه، فليرق دمًا، قيل: فإنها موسرة، قال فلتنحر ناقة 2.
(والمتمتع يقطع التلبية إذا أخذ في الطواف) وكذا المعتمر، لحديث ابن عباس مرفوعًا: كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر 3. قال الترمذي: حسن صحيح.
ولا بأس بها سًّرا في طواف القدوم، نصًّا 4، قال الموفق: ويكره الجهر بها، لئلا يخلط على الطائفين 5. وكذا السعي بعده.
فصل في صفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلك
(يسن لمُحِلٍّ بمكة) وبقربها، ولمتمتع حل من عمرته (الإحرام بالحج يوم التروية) وهو ثامن من ذي الحجة، لحديث جابر في صفة حج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وفيه: فلما كان يوم التروية، توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج 1، وسمي الثامن بذلك لأنهم كانوا يتروون فيه الماء، لما بعده، أو لأن إبراهيم أصبح يتروى فيه في أمر الرؤيا.
إلا من متمتع لم يجد هديًا، وأراد الصيام، فيستحب له أن يحرم في السابع، ليصوم ثلاثة أيام في إحرام الحج.
ويسن لمن أحرم من مكة، أو من قربها، أن يكون إحرامه بعد فعل ما يفعله في إحرامه من الميقات، من الغسل، والتنظيف، ونحو ذلك، وبعد طواف، وصلاة ركعتين، ولا يطوف بعده لوداعه، لعدم دخول وقته، والأفضل أن يحرم من المسجد من تحت الميزاب، ويجوز إحرامه من خارج الحرم، ولا دم عليه، نصًّا 2.
(و) يسن (المبيت بمنى) فيخرج إليها قبل الزوال، ندبًا، ويصلي بها الظهر مع الإمام، ويقيم بها إلى الفجر من يوم عرفة، ويصلي مع الإمام، لحديث جابر: وركب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس 3 (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة)، فأقام بنمرة 4 إلى الزوال، فيخطب بها
الإمام أو نائبه خطبة قصيرة، مفتتخة بالتكبير، يعلمهم فيها الوقوف، ووقته، والدفع منه، والمبيت بمزدلفة، لحديث جابر: حتى إذا جاء عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس، أمر بالقصواء فَرُحِلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس 1.
(وكلها) أي عرفة (موقف إلا بطن عُرَنَة) 2، لحديث: "كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عرنة" 3 رواه ابن ماجه.
فلا يجزئ وقوفه فيه، لأنه ليس من عرفة كمزدلفة، وحَدُّ عرفة.
من الجبل المشرف على عُرَنَة، إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي حوائط بني عامر.
ويسن وقوفه بعرفة راكبًا، كفعله -صلى اللَّه عليه وسلم-، بخلاف سائر المناسك (ويجمع فيها) أي في عرفة من يباح له الجمع (بين الظهر والعصر تقديمًا) حتى المنفرد، نصًّا 4.
وسن وقوفه -أيضًا- مستقبلًا القبلة، عند الصخرات، وجبل الرحمة واسمه إلال -على وزن هلال- ويقال له: جبل الدعاء 5، لقول جابر عنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة 6 ما بين يديه واستقبل القبلة 7.
ولا يُشرع صعود جبل الرحمة.
قال شيخ الإسلام إجماعًا 1. فيرفع يديه، ويكثر الدعاء، والاستغفار، والتفرع، ويلح في الدعاء، ولا يستبطئ الاستجابة، ويكرر كل دعاء ثلاثًا، ويكثر من قول: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويسِّر لي أمري.
لحديث: "أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له" 2. رواه مالك في "الموطأ".
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: كان أكثر دعاء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم عرفة: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير 3. رواه الترمذي.
(ووقت الوقوف) بعرفة (من فجر) يوم (عرفة إلى فجر) يوم (النحر) لقول جابر: لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع.
قال أبو الزبير: فقلت له: أقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك؟ قال: نعم 4. فمن حصل في هذا الوقت بعرفة لحظة وهو أهل للحج، ولو مارًّا، أو نائمًا، أو جاهلًا أنها
عرفة، صح حجه، للخبر 1، وكما لو علم بها، وعكسه إحرام وطواف وسعي، فلا يصير من حصل بالميقات محرمًا بلا نية، لأن الإحرام هو النية، كما سبق، وكذا الطواف والسعي، لا يصحان بلا نية، وتقدم.
ومن وقف بها نهارًا، ودفع قبل الغروب، ولم يعد بعده، فعليه دم، لتركه واجبًا، بخلاف واقف ليلًا فقط، فلا دم عليه، لحديث: "من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج" 2.
(ثم يدفع) من عرفة (بعد الغروب) مع الأمير على طريق المأزمين 3،