دفن ويخرج، نصًّا 1، ويحرم دفن في ملك غيره، ما لم يأذن مالك، ويباح نبش قبر حربي، لأن موضع مسجده -صلى اللَّه عليه وسلم- كان قبورًا للمشركين، فأمر بنبشها، وجعلها مسجدًا 2، ولا يباح نبش قبر مسلم مع بقاء رُمَّته 3، إلا لضرورة، كأن دفن في ملك الغير بلا إذنه، والأولى له تركه إذن، وإن كُفن بغصب، نبش وأخذ مع بقائه، ليرد إلى مالكه، إن تعذر غرمه من تركته، وإلا لم ينبش لهتك حرمته، مع إمكان دفع الضرر بدونها.
ويجب نبش من دفن بلا غسل أمكن، تداركًا للواجب، ويجوز نبش ميت لغرض صحيح، كتحسين كفنه، لحديث جابر، قال: أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عبد اللَّه بن أبي بعدما دفن، فاخرجه، فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه 4. متفق عليه.
ويجوز نبشه، لنقله لبقعة شريفة، ومجاورة صالح، لما في "الموطأ" لمالك: أنه سمع غير واحد يقول: إن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، ماتا بالعقيق، فحملا إلى المدينة، ودفنا بها 5، إلا شهيدًا دفن بمصرعه، فلا يجوز نقله، لحديث جابر مرفوعًا: "ادفنوا القتلى في مصارعهم" 6.
وإن ماتت حامل بمن ترجى حياته، حرم شق بطنها للحمل، مسلمة كانت أو ذمية، لأنه هتك حرمة متيقنة، لإبقاء حياة متوهمة، إذ الغالب أن
الولد لا يعيش، واحتج أحمد 1، بحديث عائشة مرفوعًا: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي" 2 رواه أبو داود، وأخرج النساء من ترجى حياته، فإن تعذر عليهن إخراجه لم تدفن حتى يموت، ولا يوضع عليه ما يموته، وإن خرج بعضه حيًّا شق للباقي، فإن مات قبل إخراجه، أخرج ليغسل ويكفن، ولا يشق بطنها، فإن تعذر إخراجه غسل ما خرج منه، لأنه في حكم السقط، ولا تيمم للباقي، لأنه حمل، وصلي عليه معها، بشرط أن يكون له أربعة أشهر فأكثر.
وإن ماتت كافرة حامل بمسلم لم يصل عليها، ودفنها مسلم مفردة إن أمكن، وإلا فمعنا، وتدفن على جنبها الأيسر، مستدبرة القبلة، ليكون الجنين على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة.
(وأي قُربة فُعلت وجُعل ثوابها لمسلم) لا كافر (حي أو ميت نفعـ) ـتـ (ـه) كالدعاء، والاستغفار، وواجب تدخله النيابة، وصدقة التطوع إجماعًا 3، وكذا العتق، وحج التطوع، والقراءة، والصلاة، والصيام.
قال أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير، من صدقة، أو صلاة، أو غيره، للأخبار 4. ومنها ما روى أحمد، أن عمر سأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه ذلك" 5. وروى أبو جعفر عن الحسنين أنهما كانا يعتقان عن علي بعد موته 6، وأعتقت عائشة عن
أخيها عبد الرحمن بعد موته، ذكره ابن المنذر 1.
ولا يشترط في الإهداء، ونقل الثواب، نيته به ابتداء، بل يتجه حصول الثواب له قبل ابتداء بالنية له قبل الفعل، وظاهره لا يشترط أن يقول: إن كنت أثبتني على هذا فاجعل ثوابه لفلان، ولا يضر كونه أهدى ما لا يتحقق حصوله، لأنه يظنه ثقة بوعد اللَّه، وحسنًا للظن، ولو صلى فرضًا وأهدى ثوابه لميت، لم يصح في الأشهر، وإهداء القرب مستحب، قال في "الفنون" والمجد: حتى للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 2.
روى البيهقي، عن ابن مسعود، وعائشة، أن "موت الفجاءة راحة للمؤمن، وأخذة آسفٍ للفاجر" 3 ورواه مرفوعًا -أيضًا-.
(وسن لرجال زيارة قبر مسلم) نصًا 4، ذكرًا كان أو أنثى، لحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الموت" 5 وللترمذي:
"فإنها تذكر الآخرة" 1، وهذا التعليل يرجح أن الأمر للاستحباب، وإن كان واردًا بعد الحظر.
(و) سن (القراءة عنده) 2 أي القبر والذكر (و) فعل (ما يخفف عنه) أي الميت (ولو بجعل جريدة رطبة في القبر) للخبر 3، وأوصى به بريدة، ذكره البخاري 4. وسن أن يقف زائر قريبًا منه عرفًا.
وتباح زيارة مسلم لقبر كافر، ولا يسلم عليه، ولا يدعو له، بل يقول: أبشر بالنار، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ 5 المراد به عند أكثر المفسرين: الدعاء والاستغفار له 6. = الموت (4/ 70). وأصله عند مسلم، كتاب الأضاحي (3/ 1563) عن بريدة بن الحصيب بلفظ: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".
وتكره زيارة القبور لنساء؛ لحديث أم عطية: نهينا عن زيارة القبور ولم يعزم علينا 1. متفق عليه، فإن علمن أنه يقع منهن محرم حرمت، إلا زيارتهن لقبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقبري صاحبيه -رضوان اللَّه عليهما- فتسن، كرجال لعموم "من حج فزارني" 2 ونحوه.
ولا يمنع كافر من زيارة قبر قريبه المسلم، كعكسه.
(و) سن (قول زائر) لقبر (ومارٍّ به) أو بقبور: ("السلام عليكم دار قوم مؤمنين) أو يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين (وإنا إن شاء اللَّه بكم) لـ (لاحقون، يرحم اللَّه المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل اللَّه لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم) 3 للأخبار، وقوله: إن شاء اللَّه، للتبرك أو في الموت على الإسلام، أو في الدفن عندهم، ونحوه مما أجيب به، إذ الموت محقق فلا يعلق بأن.
ويخير في السلام على حي بين تعريف وتنكير، لصحة النصوص بهما، = للكرماني (1/ 461) و"فتح القدير" (2/ 408). وقد أخرج الطبراني والبزار -كما في "مجمع الزوائد" (1/ 117، 118) -: عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: "حيثما مررت بقبر كافر، فبشره بالنار" قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
اهـ وينظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1/ 56).
وهو سنة عين من منفرد، ومن اثنين فأكثر سنة كفاية، لحديث: "أفشوا السلام" 1 وما بمعناه، والأفضل أن يسلموا كلهم، ولا يجب إجماعًا 2، ويكره في الحمام، وعلى من يأكل، أو يقاتل، أو يبول، أو يتغوط، أو يخطب، أو يتلو، أو يذكر، أو يلبي، أو يحدِّث، أو يعظ، أو يستمع لهم، أو يقرر فقهًا، أو يدرس، أو يبحث في العلم، أو يؤذن، أو يقيم، أو يتمتع بأهله، أو يشتغل بالقضاء ونحوهم.
ورده إن لم يكره ابتداؤه: فرض كفاية، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا تعين عليه، ومن سلم في حالة لا يستحب فيها السلام، لم يستحق جوابًا.
ورد السلام سلام حقيقة، لأنه يجوز بلفظ سلام عليكم، ولا تجب زيادة الواو فيه، وفي "الإقناع" 3 تجب.
ولا تسن زيادة على: ورحمة اللَّه وبركاته، في ابتداء ورد، وتجوز زيادة أحدهما على الآخر، والأولى لفظ الجمع، وإن كان المسلَّم عليه واحدًا، ولا يسقط برد غير المسلم عليه، ومن بُعث معه السلام بلَّغه وجوبًا إن تحمله، ويجب الرد عند البلاغ.
ويستحب أن يسلم على الرسول، فيقول: عليك وعليه السلام، كتشميت عاطس حمد اللَّه تعالى، وكإجابته لمن شمته، فكل منهما فرض كفاية، لأن التشميت تحية، فحكمه كالسلام، ولهذا لا يشمت الكافر، كما لا يبتدأ بالسلام، فيقال لعاطس حمد اللَّه: يرحمك اللَّه، أو يرحمكم اللَّه، ويجيب بقوله: يهديكم اللَّه ويصلح بالكم، أو يغفر اللَّه لنا ولكم، فإن لم يحمد لم يشمت، لحديث أبي هريرة: "فإذا عطس أحدكم فحمد اللَّه، فحق على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك اللَّه" 4. ولا يشمت أكثر من ثلاث في مجلس واحد، والاعتبار
بفعل التشميت، لا بعدد العطسات، ويعلَّم صغير الحمد للَّه إذا عطس، ثم يقال له: يرحمك اللَّه، أو بورك فيك، ومن عطسى فلم يحمد، فلا بأس بتذكيره.
ويسمع الميت الكلام، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بالسلام عليهم 1، ولم يكن ليأمر بالسلام على من لا يسمع.
وقال الشيخ تقي الدين: استفاضت الآثار بمعوفة الميت بأحوال أهله، وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يعرض عليه، وجاءت الآثار بأنه يرى -أيضًا- وبأنه يدريَ بما فعل عنده، ويُسَرُّ بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا 2. ويعرف الميت زائره يوم الجمعة قبل طلوع الشمس 3. وفي "الغنية" 4: يعرفه كل وقت وهذا الوقت آكد.
وقال ابن القيم: الأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء علم به المزور، وسمع سلامه وأنس به ورد عليه، وهذا عام في حق الشهداء وغيرهم، وأنه لا توقيت في ذلك، وهو أصح من أثر الضحاك الدال على التوقيت 5، انتهى.
يشير إلى ما روي عن الضحاك قال: من زار قبرًا يوم السبت، قبل طلوع الشمس، علم الميت بزيارته، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: [لمكان يوم الجمعة.
و] 6 لما روى ابن أبي الدنيا، عن محمد بن واسع قال: بلغني أن الموتى يعلمون من زارهم يوم الجمعة، ويومًا قبله، ويومًا بعده 7.
وسن لمصاب بموت نحو قريب أن يسترجع، فيقول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها.
وقال الآجري وجماعة: ويصلي ركعتين 1، قال في "الفروع" 2: وهو متجه فعله ابن عباس وتلى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ 3.
(وتعزية) المسلم (المصاب بالميت سنة) ولو كان صغيرًا، قبل دفن، وبعده، لحديث: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه اللَّه عز وجل من حلل الجنة" 4. رواه ابن ماجه، وعن ابن مسعود مرفوعًا: "من عزى مصابًا فله كمثل أجره 5. رواه ابن ماجه، والترمذي، وقال: غريب.
وتحرم تعزية كافر، والتعزية: التسلية، والحث على الصبر، والدعاء للميت والمصاب 6. وتكره تعزية رجل لشابة، مخافة الفتنة.
والتعزية إلى ثلاثة أيام بلياليهن، فلا يعزى بعدها، لأنها مدة الإحداد المطلق.
قال المجد 7: إلا إذا كان غائبًا، فلا بأس بتعزيته إذا حضر.
فيقال في تعزية مسلم مصاب بمسلم: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاك، وغفر = "الشعب".
لميتك.
ولمسلم مصاب بكافر: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاك، لأن الغرض الدعاء للمصاب وميته، إلا إذا كان كافرًا فيمسك عن الدعاء له، والاستغفار، لأنه منهي عنه 1، وكره تكرار التعزية، نصًّا 2، وكره جلوس لها 3، ويَرُدُّ معزى على من ىاه بقوله: استجاب اللَّه دعاءك، ورحمنا وإياك.
وسن أن يصلح لأهل الميت طعام، يبعث به إليهم، ثلاثًا، لحديث: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم" 4. رواه أبو داود، والترمذي، وحسنه.
ولا يصلح الطعام لمن يجتمع عند أهل الميت، فيكره، لأنه إعانة على مكروه، وهو الاجتماع عندهم.
قال أحمد: هو من أفعال الجاهلية، وأنكره شديدًا 5. ولأحمد وغيره وإسناده ثقات عن جرير: كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة 6. كما يكره فعل أهل الميت ذلك للناس.
ويكره ذبح عند قبر، وأكل منه، لحديث أنس: "لا عقر في الإسلام" 1. رواه أحمد، وأبو داود، قال أحمد: كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورًا، فنهى -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك 2. وفي معنى الذبح عنده: الصدقة عنده، فإنه محدث، وفيه رياء، قاله الشيخ منصور في "شرح المنتهى" 3، انتهي.
(ويجوز البكاء عليه) أي الميت قبل موته، وبعده، للأخبار، وأخبار النهي محمولة على بكاء معه ندب أو نياحة 4. قال المجد 5: أو أنه كره كثرة البكاء والدوام عليه.