الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 848-887

(وشروطه) أي حد الزنى (ثلاثة): - أحدها: (تغييب حشفة أصلية) ولو من خصي أو تغييب قدرها لعدمها (في فرج أصلي لآدمي ولو دبرا) لذكر أو أنثى، لحديث ابن مسعود: "أن رجلا جاء إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إني وجدت امرأة في البستان فأصبت منها كل شيء غير أني لم أنكحها، فافعل بي ما شئت، فقرأ عليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ 1 رواه النسائي 2، فلا حد بتغييب بعض الحشفة، ولا بتغييب ذكر خنثى مشكل، ولا بتغييب في فرجه، ولا بالقبلة والباشرة دون الفرج، ولا بإتيان المرأة المرأة، ويعزر في ذلك كله، وأما الرجل المذكور في حديث ابن مسعود فقد جاء تائبا كما يدل عليه = 3/ 1324، وأبو داود، باب المرأة التي أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- برجمها من جهينة، كتاب الحدود برقم (4440) سنن أبي داود 4/ 151 - 152، والنسائي، باب الصلاة على المرجوم، كتاب الجنائز برقم (1957) المجتبى 4/ 63، وأحمد برقم (19360) المسند 5/ 593، والدارمي، باب الحامل إذا اعترفت بالزنا، كتاب الحدود برقم (2325) سنن الدارمي 2/ 235.

ظاهر حاله، على أن للإمام ترك التعزير إذا رآه كما في "المغني" 1 و"الشرح" 2. (و) الشرط الثاني: (انتفاء الشبهة) لحديث: "ادرؤا الحدود بالشبهات ما استطعتم" 3 فلو وطئ زوجته أو سريته في حيض أو نفاس أو دبرها فلا حد عليه؛ لأنه وطء صادف ملكا، أو وطئ أمته المحرمة برضاع أو غيره كموطؤة ابنه أو أم زوجته أو أمته المزوجة أو المعتدة أو المرتدة أو المجوسية أو أمة له فيها شرك أو لولده أو لمكاتبه أو لبيت المال، أو وطئ في نكاح مختلف فيه، أو في ملك يختلف فيه يعتقد تحريمه كنكاح متعة أو بلا ولي أو في شراء فاسد بعد قبضه، أو وطئ امرأة وجدها على فراشه أو بمنزله ظنها امرأته أو أمته، أو ظن أن له فيها شركا، أو جهل تحريم الزنى لقرب إسلامه أو لنشوئه ببادية فلا حد، لحديث عائشة مرفوعا: "ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإِمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" 4.

وإن وطئ مكلف امرأة في نكاح باطل إجماعا مع علمه ببطلانه كنكاح مزوجة أو معتدة من غير زنا، أو خامسة أو ذات محرم من نسب أو رضاع أو مصاهرة حد لا بإكراه على شيء من ذلك.
(و) الشرط الثالث: (ثبوته) أي الزنى وله صورتان، ذكر الأولى منهما بقوله: (بشهادة أربعة رجال عدول) يشهدون عليه (في مجلس واحد) ولو جاءوا متفرقين (بزنا واحد) متعلق بشهادة (مع وصفه) أي الزنى، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ الآية 1، وقوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ 2، فيجوز لهم النظر إليهما حال الجماع لإقامة الشهادة عليهما، واعتبر كونهم رجالا؛ لأن الأربعة اسم لعدد المذكور، ولأن في شهادة النساء شبهة لتطرق الاحتمال إليهن، وعدولا كسائر الشهادات، وكونها في مجلس: "لأن عمر حد الثلاثة = عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-... ويزيد بن زياد الدمشقي ضعيف في الحديث" ا. هـ، والحديث قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: قال النسائي يزيد بن زياد شامي متروك".
ا. هـ، ثم أخرج الترمذي من طريق وكيع عن يزيد بن زياد نحوه ولم يرفعه: وكذا ابن أبي شيبة في المصنف 9/ 569 - 570 برقم (8551)، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 238. قال الألباني في الإرواء 8/ 25: "هو ضعيف مرفوعا وموقوفا، فإن مداره على يزيد بن زياد الدمشقي وهو متروك كما في التقريب".
وينظر: التقريب ص 601.

الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا لما تخلف الرابع" 1، ولولا اعتبار اتحاد المجلس لم يحدهم لاحتمال أن يكملوا برابع في مجلس آخر، ومعنى وصفهم للزنا أن يقولوا: رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة 2 والرشاء في البئر 3، ويكفي أنهم رأوا ذكره في فرجها والتشبيه تأكيد.
فإن شهدوا في مجلسين فأكثر بأن شهد البعض ولم يشهد الباقي حتى قام الحاكم من مجلسه حد الجميع للقذف لما تقدم عن عمر، ولا ينافيه كون المجلس لم يذكر في الآية؛ لأن العدالة أيضا ووصف الزنى لم يذكرا فيها مع اعتبارهما لدليل آخر.
أو شهد بعضهم بالزنا وامتنع بعض أو لم يكملها بعضهم حد من شهد منهم للقذف، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، وجلد عمر أبا بكرة 4 وصاحبيه حين لم يكمل الرابع شهادته بمحضر من الصحابة ولم ينكر.

أو كان الشهود أو بعضهم لا تقبل شهادتهم فيه لعمى أو فسق أو لكون أحدهم زوجا حدوا للقذف، لعدم كمال شهادتهم كما لو لم يكمل العدد، وكما لو بأن مشهود عليه مجبوبا أو بانت مشهود عليها رتقاء للقطع بكذبهم.
وإن شهدوا عليها بالزنا فتبين أنها عذراء لم تحد هي لثبوت بكارتها، ووجودها يمنع من الزنى ظاهرا, ولا يحد الرجل للشبهة ولا الشهود؛ لأن الشهادة كملت مع احتمال صدقهم، فإنه يحتمل أن يكون وطئها ثم عادت عذرتها.
أو كان الشهود الأربعة مستوري الحال، أو مات أحدهم قبل وصفه فلا يحدون لمفهوم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ وقد جيء هنا بالأربعة ولا تحد هي ولا الرجل.
وإن شهد أربعة بزنا فرجعوا كلهم أو رجع بعضهم قبل حد ولو بعد حكم لم يحد مشهود عليه للشبهة، وإن رجع بعضهم بعد حد حد راجع عن شهادته فقط؛ لأن إقامة الحد كحكم فلا ينقض برجوع الشهود أو بعضهم، لكن يحد الراجع لإقراره بالقذف إن طالب به مقذوف قبل موته وإلا فلا.
وإن شهد أربعة بزناه بفلانة فشهد أربعة آخرون أن الشهود هم الزناة بها دون المشهود عليه حد الأربعة للقذف وللزنا؛ لأنهم شهدوا بزنا لم يثبت فهم قذفة وثبت عليهم الزنى بشهادة الآخرين.
وإذا كملت الشهادة بحد ثم مات الشهود أو غابوا لم يمنع ذلك إقامة الحد كسائر الحقوق، واحتمال رجوعهم ليس شبهة يدرأ بها الحد لبعده.
وإن حملت من لا لها زوج ولا سيد لم تحد بذلك العمل بمجرده لكن تسأل

ولا يجب سؤالها لما فيه من إشاعة الفاحشة، وهو منهي عنه، فإن ادعت إكراها أو وطءا بشبهة أو لم تقر بالزنا أربعا لم تحد، وروى سعيد: "أن امرأة رفعت إلى عمر ليس لها زوج وقد حملت، فسألها عمر فقالت: إني امرأة ثقيلة الرأس، وقع علي رجل وأنا نائمة فما استيقظت حتى فرغ فدرأ عنها الحد" 1، وروي عن علي وابن عباس: "إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل" 2. وذكر الصورة الثانية بقوله: (أو) بـ (إقراره) أي المكلف بالزنا (أربع مرات) لحديث ماعز بن مالك: "اعترف عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الأولى والثانية والثالثة ورده، فقيل له: إنك إن اعترفت عنده الرابعة رجمك، فاعترف الرابعة فحبسه، ثم سأل عنه فقالوا: لا نعلم إلا خيرا، فأمر به فرجم" 3 حتى ولو كان الاعتراف أربعا في مجالس لأن

ماعزا أقر أربع مرات عنده عليه السلام في مجلس واحد، والغامدية أقرت عنده بذلك في مجالس، رواه مسلم والدارقطني 1 من حديث = وله شواهد من حديث جابر بن سمرة، وعبد اللَّه بن عباس، وبريدة بن الخصيف -رضي اللَّه عنهم- لكن ليس في شيء منها: (إنك إن اعترفت عنده الرابعة رجمك).
فأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه مسلم، باب من اعترف على نفسه في الزنى، كتاب الحدود برقم (1692) صحيح مسلم 3/ 1319 - 1320، وأحمد برقم (20343) المسند 6/ 97. وحديث ابن عباس أخرجه أيضا مسلم، في الموضع السابق، برقم (1693)، وأبو داود، باب رجم ماعز، كتاب الحدود برقم (4425 - 4426) سنن أبي داود 4/ 147، وأحمد بالأرقام (2203، 2869، 3020) المسند 1/ 406، 516، 539. وحديث بريدة أخرجه أيضا مسلم في الموضع السابق، برقم (1695)، وأحمد برقم (22433) المسند 6/ 476.

بريدة 1. (مع ذكر حقيقة الوطء) لحديث ابن عباس: "لما أتى ماعز بن مالك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا يا رسول اللَّه، قال: أنكتها؟ لا يكني قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه" رواه البخاري وأبو داود 2، وفي حديث أبي هريرة قال للأسلمي: "أنكتها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزنى؟ قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، قال: فأمر به فرجم" رواه الدارقطني 3، ولأن الحد يدرأ بالشبهة

فلا تكفي فيه الكناية.
ولا يعتبر أن يصرح بمن زنى بها فلو أقر أنه زنى بفلانة فكذبته فعليه الحد دونها, لحديث أبي داود عن سهل بن سعد مرفوعا 1. (بلا رجوع) متعلق بإقراره، أي بأن لا يرجع مقر بزنا حتى يتم الحد، فإن رجع عن إقراره، أو هرب ترك وتقدم 2، ولو شهد أربعة على إقراره به أربعا [فأنكر] 3، أو صدقهم دون أربع فلا حد عليه لرجوعه، ولا حد على من شهد عليه لكمالهم في النصاب.
= الرحمن بن الصامت وهو مجهول".
الإرواء 8/ 24، وأورده في ضعيف سنن أبي داود ص 440 - 441.

فصل في حد القذف

وهو لغة: الرمي بقوة 1 ثم غلب على الرمي بزنى أو لواط أو شهادة بأحدهما ولم تكمل البينة.
وهو محرم إجماعا 2 لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ..﴾ الآية 3، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَات..﴾ الآية 4 وحديث: "اجتنبوا السبع الوبقات" متفق عليه 5. (والقاذف) وهو مكلف مختار ولو أخرس وقد قذف بإشارة (محصنا) ولو مجبوبا أو كانت مقذوفة ذات محرم من قاذف، أو كانت رتقاء لعموم الآية والأخبار.
(يجلد) قاذف (حر ثمانين) جلدة لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، (و) يجلد قاذف (رقيق نصفها) أربعين جلدة، (و) يجلد قاذف (مبعض

بحسابه)، فمن نصفه حر ونصفه رقيق يجلد قاذفه ستين؛ لأنه حد يتبعض.
ولا يجب حد قذف على أبوين وإن علوا لولد وإن سفل كما لا يجب قود.
والحق في حد القذف للآدمي كالقود فلا يقام بلا طلبه، لكن لا يستوفيه مقذوف بنفسه، ويسقط بعفوه ولو بعد طلبه به كما لو عفى قبله.
وكذا يسقط بإقامة البينة بما قذفه به وبتصديق مقذوف له فيه، وبلعانه إن كان زوجا.
ومن قذف غير محصن ولو قنه عزر ردعا له عن أعراض المعصومين وكفا له عن إيذائهم.
(والمحصن هنا) أي في باب القذف (الحر المسلم العاقل العفيف) عن الزنى ظاهرا ولو كان تائبا منه؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وملاعنة وولدها وولد زنا كغيرهم نصا 1، فيحد بقذف كل منهم إن كان محصنا.
(وشرط كون مثله يطأ أو يوطأ) وهو ابن عشر فأكثر وبنت تسع فأكثر للحوق العار لهما، و (لا) يشترط (بلوغه) أي المقذوف، ولا يحد قاذف غير بالغ حتى يبلغ ويطالب به بعد بلوغه إذ لا أثر لطلبه قبل بلوغه لعدم اعتبار كلامه ولا طلب لوليه عنه؛ لأن الغرض منه التشفي فلا يقوم غيره مقامه فيه كالقود، وكذا لو جن مقذوف أو أغمي عليه قبل طلبه فلا يستوفى حتى يفيق ويطالب به، وإن جن أو أغمي عليه بعده أقامه الإِمام أو نائبه على القاذف لوجود شرطه وانتفاء مانعه.
ومن قال لمحصنة: زنيت وأنت صغيرة، فإن فسره بدون تسع سنين

عزر، أو قاله لذكر صغير فسره بدون عشر سنين عزر، وإلا يفسره بدون ذلك حد لأنه لا يشترط بلوغ مقذوف.

فصل

وللقذف صريح وكناية، فصريحه: يا منيوكة إن لم يفسره بفعل زوج أو سيد، ويا منيوك يا زان يا عاهر، أو قد زنيت أو زنى فرجك، أو يا لوطي.
وقوله لشخص: لست لأبيك، ولست بولد فلان قذف لأمه إلا أن يكون المقول له ذلك منفيا بلعان لم يستلحقه ملاعن بعد نفيه ولم يفسره قائل ذلك بزنا أمه فلا يكون قذفا لها.
وقوله: ما أنت ابن فلانة ليس بقذف مطلقا إذ الولد من أمه بكل حال.
وقوله لولده: لست بولدي كناية في قذف أمه نصا 1؛ لأن الوالد إذا أنكر شيئًا من أحوال ولده يقول له ذلك كثيرا، يريد بذلك أنه لا يشبهه لا أنه ليس مخلوقا من مائه، فلا يكون قذفا لأمه مع الاحتمال إلا مع إرادته أنه ليس منه بخلاف الأجنبي.
وقوله: أنت أزنى الناس أو أزنى من فلانة أو فلان صريح في المخاطب فقط، لاستعمال أفعل في المنفرد بالفعل كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ 2، وقوله: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ

أَحَقُّ بِالْأَمْنِ} 1، وقولهم العسل أحلى من النحل.
وكنايته والتعريض به: زنت يداك أو زنت رجلاك، لحديث: "العينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه" 2، ويا خنيث يا نظيف يا عفيف، ولامرأة: يا قحبة يا فاجرة يا خبيثة، ولامرأة شخص: قد فضحته وغطيت رأسه أو نكست رأسه وجعلت له قرونا وعلقت عليه أولادا من غيره وأفسدت فراشه.
وقوله لعربي: يا نبطي يا فارسي يا رومي، وقوله لأحدهم: يا عربي، وقوله لمن يخاطبه 3: يا حلال ابن حلال ما يعرفك الناس بالزنى، أو ما أنا بزان أو ما أمي بزانية، أو يسمع من يقذف شخصا فيقول له: صدقت، أو صدقت فيما قلت، أو أخبرني فلان أنك زنيت، أو أشهدني فلان أنك زنيت ويكذبه فلان، قال أحمد في رواية حنبل: لا أرى الحد إلا على من صرح بالقذف أو الشتيمة.
4 فإن فسره بمحتمل غير القذف كقوله: أردت بالنبطي نبطي اللسان ونحوه

وبالرومي رومي الخلقة، وبقول أفسدت فراشه: أي أحرقته أو أتلفته، وبقولي: علقت عليه أولادا من غيره التقطت أولادا ونسبتهم إليه، وبمخنث أي فيه طباع التأنيث أي التشبه بالنساء، وبقحبة أنها تتصنع للفجور ونحوه قبل منه وعزر لارتكابه معصية لا حد فيها ولا كفارة.
(و) كما (يعزر بنحو) قوله: (يا كافر، يا ملعون، يا أعور، يا أعرج) يا فاسق، يا فاجر، يا حمار، يا تيس، يا رافضي، يا خبيث البطن أو يا خبيث الفرج، يا عدو اللَّه، يا كذاب، يا خائن، يا شارب الخمر، يا مخنث، يا قرنان 1، يا قواد ونحوها يا ديوث 2، قال إبراهيم الحربي 3: الديوث الذي يدخل الرجال على امرأته.
4 والقواد عند العامة: السمسار في الزنى.
وإن قذف أهل بلدة أو جماعة لا يتصور الزنى منهم عزر لأنه لا عار عليهم

بذلك للقطع بكذب القاذف.

فصل في التعزير

وهو لغة: المنع، ومنه التعزير بمعنى النصرة 1، كقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ 2 لمنع الناصر المعادي والمعاند لمن ينصره.
واصطلاحا: التأديب لأنه يمنع مما لا يجوز فعله 3. (ويجب التعزير) على كل مكلف، نص عليه في سب صحابي 4، وكحد، وكحق آدمي طلبه (في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة)، كمباشرة دون فرج، وإتيان امرأة امرأة، وسرقة لا قطع فيها لفقد حرز ونقص نصاب، وكجناية لا قود فيها كصفع ووكز، وكقذف بغير زنا كقوله: يا فاسق، يا شاهد زور، ونحو ذلك، وكلعنه وليس لمن لعن ردها على من لعنه، وكدعاء عليه وشتمه بغير فرية، وكقوله: اللَّه أكبر عليك، وخصمك اللَّه، وكذا ترك الواجبات، ولا يحتاج في إقامة تعزير إلى مطالبة؛ لأنه مشروع للتأديب، فيعزر من سب صحابي ولو كان له وارث ولم يطالب به، وفي سقوطه

بعفو مجني عليه خلاف.
(ومرجعه) أي التعزير (إلى اجتهاد الإِمام) ولا يزاد فيه على عشرة نصا 1، لحديث أبي بردة 2 مرفوعا: "لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود اللَّه" متفق عليه 3, وللحاكم نقصه عن العشرة؛ لأنه عليه السلام قدر أكثره ولم يقدر أقله فيرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم بحسب حال الشخص.
ويشهر لمصلحة نقله عبد اللَّه في شاهد زور 4. ويكون التعزير أيضا بالحبس والصفع والتوبيخ والعزل عن الولاية وإقامته من المجلس حسب ما يراه الحاكم، ويصلبه حيا, ولا يمنع من أكل ووضوء ويصلي بالإيماء ولا يعيد.
ويحرم تعزير بحلق لحية وقطع طرف وجرح؛ لأنه مثلة، وبأخذ مال أو إتلافه؛ لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عمن يقتدى به.

ولا يحرم تعزير بتسويد وجه ولا بأن ينادى عليه بذنبه، ويطاف به مع ضربه، قال أحمد في شاهد الزور 1 فيه عن عمر: "يضرب ظهره، ويحلق رأسه، ويسخم 2 وجهه، ويطاف به ويطال حبسه" 3. ومن قال لذمي: يا حاج أو لعنه بغير موجب أدب.
ومن عرف بأذى الناس حتى بعينه حبس حتى يموت أو يتوب، ونفقته من بيت المال ليدفع ضرره، وقال المنقح: لا يبعد أن يقتل العائن إذا كان يقتل بعينه غالبا، وأما ما أتلفه فيغرمه انتهى.
4 وفي "شرح منازل السائرين" لابن القيم 5: إن كان ذلك بغير اختياره بل غلب على نفسه لم يقتص منه وعليه الدية، وإن عمد ذلك وقدر على رده وعلم أنه يقتل به ساغ للوالي أن يقتله بمثل ما قتل به فيعينه إن شاء كما هو أعان المقتول، وأما قتله بالسيف قصاصا فلا؛ لأن هذا

ليس مما يقتل غالبا ولا هو مماثل للجناية، وفرق بينه وبين الساحر من وجهين قال: وسألت شيخنا عن القتل بالحال هل يوجب القصاص؟ فقال: للولي أن يقتله بالحال كما قتل به.
ويعزر بعشرين سوطا بشرب مسكر في نهار رمضان مع الحد، لما روى أحمد: "أن عليا أتي بالنجاشي 1 قد شرب خمرا في رمضان، فجلده ثمانين الحد، وعشرين سوطا لفطره في رمضان" 2, ومن وطئ أمة امرأته حد ما لم تكن أحلتها له فيجلد مائة إن علم التحريم، لحديث أبي داود عن حبيب بن سالم 3: "أن رجلا يقال له: عبد الرحمن بن حبيب وقع على جارية

امرأته، فرفع إلى النعمان بن بشير 1 وهو أمير على الكوفة فقال: لأقضين فيك بقضية رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوها أحلتها فجلده مائة" 2، وإن ولدت منه لم يلحقه نسبه لانتفاء الملك والشبهة، ولا يسقط حد بإباحة في غير هذا الموضع، ومن وطئ أمة له فيها شرك عزر بمائة سوط إلا سوطا نصا 3، لينتقص عن حد الزنا, وللحاكم نقص التعزير فيما سبق بحسب اجتهاده.
ومن استمنى من رجل أو امرأة لغير حاجة حرم وعزر عليه؛ لأنه معصية، وإن فعله خوفا من الزنا أو اللواط فلا شيء عليه، ولا يباح إلا إذا لم يقدر

على نكاح ولو لأمة، وقياسه المرأة فلا يباح لها إلا إذا لم يرغب أحد في نكاحها.

فصل في حد المسكر

وهو اسم فاعل من السكر، وهو اختلاط العقل.
1 (وكل شراب مسكر) خمر (يحرم) شرب قليله وكثيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ 2، وحديث ابن مسعود مرفوعا: "إن اللَّه قد حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده شيء فلا يشرب ولا يبع، فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها" رواه مسلم مختصرا 3، وأجمع المسلمون على تحريم الخمر 4، لكن اختلفوا فيما يقع عليه اسمه.
(مطلقا) أي سواء كان من العنب أو الشعير أو غيرهما، لحديث: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" رواه أحمد وأبو داود 5، وعن عائشة

مرفوعا: "كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" رواه أبو داود والترمذي وقال: "حسن صحيح" 1، والفرق -بالتحريك-: مكيال يسع ستة عشر رطلا 2، وعن ابن عمر مرفوعا: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" رواه أحمد وغيره 3، وعن عمر: "نزل تحريم = 3/ 327، ومسلم، باب بيان أن كل مسكر خمر...، كتاب الأشربة برقم (2003) صحيح مسلم 3/ 1587 - 1588، والترمذي، باب ما جاء في شارب الخمر، كتاب الأشربة برقم (1861) الجامع الصحيح 4/ 256، والنسائي، باب إثبات اسم الخمر لكل مسكر من الأشربة، كتاب الأشربة برقم (5585) المجتبى 8/ 297، وابن ماجة، باب كل مسكر حرام، كتاب الأشربة برقم (3390) سنن ابن ماجة 2/ 1124.

الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والبر والشعير، والخمر ما خامر العقل" متفق عليه 1. ولو شربه لعطش لم يجز؛ لأنه لا يحصل به ري بخلاف ماء نجس فيجوز شربه لعطش عند عدم غيره، ولا يجوز استعماله لدواء (إلا لـ[دفع] 2 لقمة غص بها) ولم يجد غيره (مع خوف تلف) فيجوز لأنه مضطر، (ويقدم عليه) أي الخمر في دفع لقمة غص بها (بول) لوجوب 3 الحد باستعمال المسكر دون البول، ويقدم عليهما ماء نجس؛ لأن أصله مطعوم بخلاف البول.
(فإذا شربه) أي المسكر أو شرب ما خلط به ولم يستهلك فيه أو استعط (أو احتقن به) أو أكل عجينا لت به (مسلم مكلف) لا صغير ولا مجنون (عالما أن كثيره يسكر) -ويصدق إن قال: لم أعلم- (مختارا) -فإن أكره عليه لم يحد-، وصبره على الأذى أفضل من شربها مكرها نصا 4، وكذلك كل ما جاز لمكره، وإن أكره بالقتل تعين عليه الفعل ولم يجز له التخلف؛ لأنه إلقاء بنفسه إلى التهلكة، أو وجد مسلم سكران، أو تقيأ الخمر (حد)؛ لأنه لم يسكر، أو تقيأها إلا وقد شربها (حر) وجد منه شيء مما تقدم (ثمانين) جلدة، لما روى الجوزجاني

والدارقطني وغيرهما أن عمر: "استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، فضرب عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام" 1، وعن علي أنه قال في المشورة: "إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفتري" 2، (و) حد (قن نصفها) أي أربعين جلدة، ذكرا كان أو أنثى ولو مكاتبا أو مدبرا أو أم ولد، ولو ادعى شاربه جهل وجوب الحد حيث علم التحريم.
ويعزر من وجد منه رائحة الخمر ولا يحد لاحتمال أنه تمضمض بها أو ظنها ماء فلما صارت في فيه مجها ونحوه.
ويعزر من حضر شربها لحديث ابن عمر مرفوعا: "لعن اللَّه الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه" رواه أبو داود 3، ولا تقبل دعوى الجهل بالتحريم ممن

نشأ بين المسلمين؛ لأنه لا يكاد يخفى، بخلاف من نشأ ببادية بعيدة وحديث عهد بالإسلام فيقبل منه ذلك لاحتمال صدقه.
(ويثبت) شرب مسكر (بإقراره) به (مرة كقذف)؛ لأن كلا منهما لا يتضمن إتلافا، بخلاف زنا وسرقة، (أو) بـ (شهادة عدلين) على الشرب أو الإقرار به ولو لم يقولا: شرب مختارا عالما بتحريمه لأنه الأصل، ويقبل رجوع مقر به فلا يحد وتقدم 1. (وحرم عصير) عنب (ونحوه إذا غلا) كغليان القدر بأن قذف بزبده نصا 2، وظاهره ولو لم يسكر؛ لأن علة التحريم الشدة الحادثة فيه وهي توجد بوجود الغليان، وعن أبي هريرة قال: "علمت أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصوم، فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء، ثم أتيته به فإذا هو ينش 3 فقال: اضرب بهذا الحائط فإن هذا شراب من لا يؤمن باللَّه واليوم الآخر" رواه أبو = 2/ 1121 - 1122، وأحمد برقم (4772) المسند 2/ 103، والبيهقي، باب ما جاء في تحريم الخمر، كتاب الأشربة والحد فيه، السنن الكبرى 8/ 287، والحديث صححه الألباني في الإرواء 8/ 50، وفي صحيح سنن أبي داود 2/ 700.

داود والنسائي 1. (أو) أي وحرم عصير (أتى عليه ثلاثة أيام) بلياليهن وإن لم يغل نصا 2، لحديث: "اشربوا العصير ثلاثا ما لم يغل" 3، وعن ابن عمر في العصير: "اشربه ما لم يأخذه شيطانه، قيل: وفي كم يأخذه شيطانه؟ قال: ثلاثا" حكاه أحمد وغيره 4، ولحصول الشدة في الثلاث غالبها وهي خفية تحتاج لضابط والثلاث تصلح لذلك فوجب اعتبارها بها.
وإن طبخ عصير قبل تحريم حل إن ذهب بطبخه ثلثاه فأكثر نصا 5،

وذكره أبو بكر إجماع المسلمين 1؛ لأن أبا موسى: "كان يشرب من الطلاء 2 ما ذهب ثلثاه، وبقي ثلثه" رواه النسائي 3 وله مثله عن عمر 4 وأبي الدرداء 5, ولذهاب أكثر رطوبته فلا يكاد يغلي فلا يحصل فيه الشدة بل يصير كالرب 6. ويكره الخليطان كنبيذ تمر مع زبيب أو بسر مع تمر أو رطب، لحديث جابر مرفوعا: "نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا، ونهى أن ينبذ البسر والرطب جميعا" رواه الجماعة إلا الترمذي 7.

ولا يكره انتباذ في دباء -بضم الدال وتشديد الباء- أي القرع، ولا في حنتم أي جرار خضر، ولا في نقير أي ما حفر من خشب كقصعة وقدح، ولا في مزفت أي ملطخ بالزفت 1 لحديث بريدة مرفوعا: "كنت نهيتكم عن الشرب إلا في ظروف الأدم 2، فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا" رواه أحمد ومسلم 3. = سنن أبي داود 3/ 333، والترمذي، باب ما جاء في خليط البسر والتمر، كتاب الأشربة برقم (1876) الجامع الصحيح 4/ 263 - 264، والنسائي، باب خليط البسر والتمر، كتاب الأشربة برقم (5556) المجتبى 8/ 290، وابن ماجة، باب النهي عن الخليطين، كتاب الأشربة برقم (3395) سنن ابن ماجة 2/ 1125، وأحمد برقم (14501) المسند 4/ 338.

ومن تشبه بشراب الخمر في مجلسه وآنيته حرم وعزر ولو كان المشروب لبنا.

فصل في القطع في السرقة

أجمعوا عليه 1 لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ 2 وحديث عائشة مرفوعا: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا" 3، إلى غيره من الأخبار.
(ويقطع السارق بثمانية شروط): - أحدها: (السرقة) لأنه تعالى أوجب القطع على السارق فإذا لم توجد السرقة لم يكن الفاعل سارقا، (وهي): أي السرقة (أخذ مال معصوم خفية) من مالكه أو نائبه، مأخوذة من استراق السمع ومسارقة النظر إذا استخفى بذلك 4، فيقطع الطرار وهو: من بط جيبا أو كما

أو غيرهما 1 وأخذ منه نصابا، وكذا يقطع جاحد عارية قيمتها نصاب لحديث ابن عمر: "كانت مخزومية 2 تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بقطع يدها" رواه أحمد وغيره 3، وعن عائشة مثله، رواه أحمد ومسلم 4. ولا يقطع جاحد وديعة ولا منتهب لحديث جابر: "ليس على المنتهب قطع" رواه أبو داود 5 ولا مختلس 6 ولا غاصب ولا خائن لحديث: "ليس

على الخائن والمختلس قطع" رواه أبو داود والترمذي 1، وإذا لم يقطع الخائن والمختلس فالغاصب أولى.
(و) الشرط الثاني: (كون سارق مكلفا)؛ لأن غير المكلف مرفوع عنه القلم، (مختارا) لأن المكره معذور، (عال بمسروق و) بـ (تحريمه) أي المسروق عليه فلا قطع على سارق منديل بطرقه نصاب مشدود لم يعلمه، ولا بسرقة جوهر يظن قيمته دون نصاب فبانت أكثر؛ لأنه لا يرفه إلا خواص الناس.
(و) الشرط الثالث: (كون مسروق مالا)؛ لأن غير المال ليس له حرمة المال ولا يساويه فلا يلحق به، والأخبار مقيدة للآية، (محترما)؛ لأن غير المحترم كمال الحربي تجوز سرقته.
ولو كان المسروق من غلة وقف وليس السارق من مستحقيه؛ لأنه مال محترم لغيره.
= ينظر: معجم مقاييس اللغة 2/ 208، ولسان العرب 6/ 65.

ولا يقطع إن سرق من سارق أو غاصب ما سرقه أو غصبه؛ لأنه لم يسرقه من مالكه ولا نائبه.
وما أصله الإباحة كملح وكلأ ونحوهما كغيره فيقطع سارقه إذا بلغت قيمته نصابًا للعمومات سوى ماء فلا يقطع بسرقته؛ لأنه لا يتمول عادة، وسوى سرجين 1 نجس لأنه ليس بمال.
ويقطع بسرقة كتب علم؛ لأنها مال حقيقة، ويقطع بسرقة قن نائم أو أعجمي ولو كانا كبيرين وبسرقة قن صغير أو مجنون مطلقًا، لما روي عن عائشة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أتي برجل يسرق الصبيان، ثم يخرج بهم فيبيعهم في أرض أخرى، فأمر رسول اللَّه بيده فقطعت" 2. ولا يقطع بسرقة مكاتب ولا أم ولد ولا حر ولو صغيرًا؛ لأنه ليس بمال، ولا بسرقة مصحف؛ لأن المقصود منه ما فيه من كلام اللَّه تعالى ولا يحل أخذ العوض

عنه 1، ولا بسرقة ما على مصحف أو صغير من حلي ونحوه ككيس مصحف وثوب صبي ولو بلغت قيمته نصابًا؛ لأنه تابع لما لا يقطع بسرقته، ولا بسرقة كتب بدع وتصاوير كسائر الكتب المحرمة؛ لأنها واجبة الإتلاف، ولا بسرقة آلة لهو ونحو ذلك؛ لأنه معصية كالخمر، ولا بآنية فيها خمر أو ماء لاتصالها بما لا قطع فيه.
(و) الشرط الرابع: (كونه) أي المسروق (نصابا وهو) أي نصاب السرقة (ثلاثة دراهم فضة) خالصة أو تخلص من فضة مغشوشة (أو ربع مثقال ذهبا) ويكفي الوزن من الفضة الخالصة أو التبر 2 الخالص ولو لم يضربا فلا يقطع بسرقة ما دون ذلك، لحديث: "لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا" رواه أحمد ومسلم وغيرهما 3، وحديث عائشة مرفوعًا: "اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثني عشر درهمًا" رواه أحمد 4 وهذان يخصصان عموم الآية، وأما حديث

أبي هريرة مرفوعًا: "لعن اللَّه السارق يسرق العمل فتقطع لده، ويسرق البيضة فتقطع يده" متفق عليه 1 فيحمل على حبل يساوي ذلك، وكذا البيضة يحمل أن يراد بها بيضة السلاح وهي تساوي ذلك جمعًا بين الأخبار، ويكمل أحدهما بالآخر، فلو سرق درهمًا ونصف درهم من خالص الفضة وثمن دينار من خالص الذهب قطع؛ لأنه سرق نصابًا.
(أو ما) تبلغ (قيمته أحدهما) أي نصابي الذهب والفضة من غيرهما كثوب ونحوه يساوي ذلك، لحديث ابن عمر: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قطع يد = المدينة، فلقيت أَبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو عامل على المدينة، قال: (أتيت بسارق فأرسلت إلى خالتي عمرة بنت عبد الرحمن أن لا تعجل في أمر هذا الرجل حتى آتيك فاخبرك ما سمعت من عائشة في أمر السارق، قال: فأتتني وأخبرتني أنها سمعت عائشة تقول..) الحديث قال الألباني في الإرواء 8/ 61: "محمد بن راشد هذا هو المكحولي فيه ضعف من قبل حفظه".
وأخرج الدارقطني في سننه 3/ 189 في كتاب الحدود من طريق خالد بن مخلد نا عبد اللَّه بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور عن يزيد بن عبد اللَّه بن عبد الهادي عن أبي بكر بن حزم عن عروة عن عائشة به مرفوعا نحوه.
فزاد في السند عروة.
قال الألباني في الإرواء 8/ 61: "وبذلك اتصل السند وصح".
وللحديث شاهد عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- مرفوعًا وفيه (أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم) رواه الجماعة، يأتي بعده.

سارق سرق برنسا من صفة النساء 1 قيمته ثلاثة دراهم" رواه أحمد وغيره 2، وعن ابن عمر أَيضًا: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قطع في مجن 3 قيمته ثلاثة دراهم" رواه الجماعة 4، وفي رواية: "لا تقطع يد السارق في ما دون ثمن

المجن قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار" رواه النسائي 1، وهذا يدل على أن كلا من النقدين أصل، والمجن الترس.
وتعتبر القيمة حال إخراجه من الحرز اعتبارا بوقت السرقة؛ لأنه وقت الوجوب لوجود السبب فيه لا ما حدث بعد، فلو نقصت قيمة مسروق بعد إخراجه قطع لوجود النقص بعد السرقة، كما لو نقصت قيمته باستعماله.
ولا يقطع إن أتلفه في حرزه باكل أو غيره أو نقصه بذبح أو غيره فنقصت قيمته عن النصاب ثم أخرجه فلا يقطع لما تقدم.
وإن ملكه سارق ببيع أو هبة أو نحوهما بعد إخراجه من حرزه لم يسقط القطع بعد رفعه للحاكم، وليس للمسروق منه العفو عن السارق نصا 2، لحديث صفوان بن أمية 3: "أنه نام على ردائه في المسجد، فأخذ من

تحت رأسه، فجاء بسارقه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأمر بقطعه، قال صفوان: يا رسول اللَّه لم أرد هذا، ردائي عليه صدقة، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: فهلا قبل أن تأتيني به" رواه ابن ماجه والجوزجاني 1. وإن سرق فرد خف قيمة كل منهما منفردًا درهمان وقيمتهما معا عشرة لم يقطع؛ لأنه لم يسرق نصابًا، وعليه -إن تعذر رد الفرد- ثمانية دراهم قيمة الفرق المتلف درهمان ونقص التفرقة ستة دراهم، وهذا جزء من كتاب واحد [ونظائره كـ] 2 مصراعي باب.
ويضمن متعد ما في وثيقة من نحو دين أتلفها إن تعذر استيفاؤه بدون إحضارها، وإن كانت عنده أمانة وتلفت بلا تعد ولا تفريط لم يضمن.
وإن اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا كلهم لوجود سبب القطع منهم، كالقتل حتى من لم يخرج منهم نصابًا كاملا لاشتراكهم في هتك الحرز وإخراج النصاب، ولو لم يقطع بعضهم لشبهة أو غيرها قطع الباقي.
ويقطع سارق نصاب لجماعة لوجود السرقة والنصاب كما لو كان رب المال واحدا.
وإن هتك اثنان حرزا وفي خلاه وأخرج أحدهما المال دون الآخر قطعًا

جارٍ التحميل