الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 775-814

ولا يصح أن يبيع ولي أو يشتري أو يرهن من مالهم لنفسه، لأنه مظنة التهمة، إلا الأب، فله ذلك، لأن التهمة منتفية بين الوالد وولده، إذ من طبعه الشفقة عليه، وترك حظ نفسه لحظه.
وللأب ولغيره من الأولياء مكاتبة قنه، وعتقه على مال، وتزويجه لمصلحة، وإذنه في تجارة، وسفر بمال مع أمن بلد، وطريق، لجريان العادة به، ولأب وغيره مضاربة بمالهم بنفسه، لحديث ابن عمرو 1 مرفوعًا: "من ولي يتيما له مال، فليتجر به، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة".
وروي موقوفًا على عمر، وهو أصح 2. ولمحجور ربحه كله، لأنه نماء ملكه، فلا يستحقه غيره إلا بعقد، ولا يعقدها الولي لنفسه للتهمة، ولولي دفع مال محجور عليه لغيره مضاربة بجزء معلوم من ربحه، لأن عائشة -رضي اللَّه عنها- أبضعت مال محمد بن أبي بكر 3.

ولوليٍّ بيع مال موليه نساء، وله قرضه ولو بلا رهن لمصلحة، وله شراء أضحية لمحجور عليه موسر، نصًّا 1. وله مداواته لمصلحة، ولو بأجرة، نصًّا 2. وله ترك صبي بمكتب لتعلم خط ونحوه بأجرة، لأنه من مصالحه، وله شراء لعب غير مصورة لصغيرة تحت حِجْرِهِ من مالها، نصًّا 3، للتمرن، وله -أيضًا- تجهيزها إذا زوجها، أو كانت مزوجة بما يليق بها من لباس وحلي وفرش على عادتهن في ذلك البلد، وله خلط نفقة موليه بماله إذا كان أرفق به، وله بيع عقاره لمصلحة، نصًّا 4، ولو بلا ضرورة، أو زيادة على ثمن مثله.
ولولي صغير وسفيه ومجنون، غير حاكيم وأمينه؛ الأكل لحاجة من مال موليه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 5، ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلًا أتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إني فقير وليس لي شيء، ولي يتيم، فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف" 6. رواه أبو بكر.
ولا يأكل الحاكم ولا أمينه شيئًا، لاستغنائهما بما لهما في بيت المال، فيأكل من يباح له الأقل من أجرة مثله وكفايته، ولا يلزمه عوضه إذا أيسر؛ لأنه عوض عن عمله، ولظاهر الآية، ومع عدم الحاجة يأكل من

مالهم ما فرضه له حاكم، فإن لم يفرض له شيئًا لم يأكل منه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ 1. ولناظرِ وقفٍ ولو لم يحتج أكْل منه بمعروف، إلحاقًا له بعامل الزكاة، فإن شرط له الواقف شيئًا فله ما شرطه (ويتكبل قوله) أي الولي (بعد فك حجر) عن محجور عليه (في) وجود (منفعة) أي غبطة في بيع عقار (و) وجود (ضرورة) في ذلك (و) في (تلف) مال، أو قدر نفقة، ولو على عقار محجور عليه، أو كسوة لمحجور عليه، أو لزوجته، أو رقيقه، ونحوه، فيقبل قول الولي في ذلك، لأنه أمين ما لم تخالفه عادة وعرف، فيرد للقرينة، ويحلف ولي حيث قبل قوله، لاحتماد صدق الآخر.
و(لا) يقبل قول ولي (في دفع مال بعد رشد) أو بعد عقل، لأنه قبض المال لمصلحته، أشبه المستعير (إلا) أن يكون الدفع (من) ولي (متبرع) فيقبل قوله في دفع المال إذن، لأنه قبض المال لمصلحة المحجور عليه فقط، أشبه الوديع، ولا يقبل قول ولي في قدر زمن إنفاق إلا ببينة، لأن الأصل عدم ما يدَّعيه.
وليس لزوج حرة رشيدة حجر عليها في تبرع زائد على ثلث مالها.
ولولي حر مميز، وسيد قيت مميز، أن يآذن له أن يتَّجر، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ 2 ولأنه عاقل محجور عليه، فصح تصرفه بإذن وليه وسيده، كالعبد الكبير والسفيه، وكذلك يصح أن يأذن له أن يدّعي على خصم، وأن يقيم بينة على الخصم، وأن يحلِّفه إذا أنكر.
(ويتعلق) جميع (دَين) قن (مأذون له) في تجارة إن استدان فيما أذن له فيه، أو غيره (بذمة سيد) لأنه غر الناس بإذنه له، وكذا ما اقترضه ونحوه بإذن سيده، لأنه تصرف لسيده (و) يتعلق (دَين غيره) أي غير المأذون له في

تجارة، بأن اشترى في ذمته، أو اقترض بغير إذن سيده، وتلف ما اشتراه، أو اقترضه بيده، أو بيد سيده، برقبته.
(و) يتعلق (أرش جناية قن وقِيَم متلفاته برقبته) فيفديه سيده بالأقل من الدين أو قيمته، أو يبيعه ويعطيه أو يسلمه لرب الدين.

تتمة

: ويجوز للرقيق المأذون له هدية مأكول، وإعارة دابة، وعمل دعوة، وتصدق بيسير بلا إسراف في الكل، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- "كان يجيب دعوة المملوك" 1. ولرقيق غير مأذون له في تجارة أن يتصدق من قوته بما لا يضر به، كرغيف ونحوه، كفلس وبيضة، لجريان العادة بالمسامحة فيه، ولزوجة، وكل متصرف في بيتٍ كأجير، الصدقة منه بلا إذن صاحبه، بنحو ذلك، لحديث عائشة مرفوعًا: "إذا أنفقت المرأة من طعام زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجر ما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا" 2. متفق عليه، ولم يذكر إذنًا، ولأن العادة السماح وطيب النفس به، إلا أن يمنع رب البيت منه، أو يكون رب البيت بخيلًا، ويشك في رضاه، فيحرم الإعطاء من ماله بلا إذنه، لأن الأصل عدم رضاه إذن.

فصل في الوكالة

بفتح الواو وكسرها، اسم مصدر بمعنى التوكيل.
وهي لغة: التفويض، تقول: وكلت أمري إلى اللَّه -أي: فوضته إليه واكتفيت به- وتطلق -أيضًا- بمعنى الحفظ ومنه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾ 1 أي: الحفيظ.
2 وهي شرعًا: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة 3. (وتصح الوكالة) مطلقة، ومنجزة، ومؤقتة، كأنتَ وكيلي شهرًا أو سنة، وتصح معلقة، نصًّا 4، كقوله: إذا قدم زيد فبع هذا، أو إذا دخل رمضان فافعل كذا، هاذا طلب أهلي منك شيئًا فادععه لهم ونحوه، وتصح (بكل قول) أو فعل (يدل على إذن) نصًّا 5، كبع عبدي فلانًا، أو اعتقه، ونحوه، أو فوضت إليك أمره، أو جعلتك نائبًا عني في كذا، أو أقمتك مقامي، لأنه لفظ دل على الإذن فصح، كلفظها الصريح.
قال في "الفروع" 6: ودل كلام القاضي على انعقادها بفعلٍ دالٍّ كبيع، وهو ظاهر كلام الشيخ فيمن دفع ثوبه إلى قصار أو خياط، وهو أظهر، كالقبول.

(و) يصح (قبولُها) أي الوكالة (بكل قول أو فعل يدل 1 عليه)، لأن وكلاءه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم ينقل عنهم سوى امتثال أوامره، ولأنه أذن في التصرف، فجاز قبوله بالفعل، كأكل الطعام، ولو كان القبول متراخيًا عن الإذن، فلو بلغه أن زيدًا وكله في بيع عبده منذ سنة، فقبل، أو باعه من غير قولٍ؛ صح لأن الإذن قائم، ما لم يرجع عنه.
(وشُرط كونهما) أي: الموكل والوكيل (جائزي التصرف) لأن غير جائز التصرف ممنوع من التصرف لنفسه، فلا يصح منه أن يتوكل لغيره، ولا أن يوكله (ومن) يصح (له تصرف في شيء فله توكل) فيه (وتوكيل فيه) لأن النائب فرع عن المستنيب سوى أعمى، ونحوه، كمن يريد شراء عقار لم يره، إذا وكل عالمًا بالمبيع فيما يحتاج لرؤية، كجوهر، وعقار، فيصح، وإن لم يصح منه ذلك بنفسه، لأن منعهما التصرف في ذلك لعجزهما عن العلم بالمبيع، لا لمعنى فيهما يقتضي منع التوكيل.
فلا يصح أن يوجب نكاحًا عن غيره، مَنْ لا يصح منه إيجابه لموليته، لنحو فسق، لأنه إذا لم يجز أن يتولاه أصالة، لم يجز بالنيابة، كالمرأة، ولا يصح أن يقبله لغيره، من لا يصح منه قبوله لنفسه، ككافر يتوكل في قبول نكاح مسلم لمسلمة، سوى قبول نكاح أخته ونحوها لأجنبي تحل له، وسوى قبول حر واجد الطَوْلَ 2 نكاح أمة لمن تباح له، وسوى توكل غني في قبض زكاة لفقير، وسوى طلاق امرأة نفسها وغيرها بوكالة؛ فيصح، لأنها إذا ملكت طلاق نفسها بجعله لها، ملكت طلاق غيرها بالوكالة.
ولا تصح وكالة في بيع ما سيملكه، أو في طلاق من يتزوجها، لأن الموكل لا يملكه حين التوكيل، ويصح: إن ملكت فلانًا فقد وكلتك في عتقه، لأنه يصح تعليقه على ملكه، بخلاف: إن تزوجت فلانة فقد وكلتك في طلاقها.

ولو قال من ادَّعى عليه وكيل غائب، عن دين ثابت: موكلك أخذَ حقه، لم يقبل قوله إلا ببينة، لأنه مقرٌّ، مدع الوفاء، ولا يؤخر الطلب حتى يحضر الموكل، ليحلف أنه لم يأخذه منه، لأنه وسيلة لتأخير حق متيقن لمشكوك فيه، أشبه ما لو ذكر المدَّعى عليه أن له بينة غائبة عن البلد بالوفاء، فلا يؤخر الحق لحضورها.
(وتصح) الوكالة (في كل حق آدمي) متعلق بمالٍ وما يجري مجراه، من عقدٍ كبيع، وهبة، وإجارة، ونكاح، وفسْخٍ لنحو بيع، وطلاق، ورجعة، وتملك مباح، وصلح، وإقرار، وعتق، وإبرار، ولو لأنفسهما إن عيِّنا 1. و(لا) تصح وكالة في (ظهار) لأنه قول منكر وزور محرم أشبه بقية المعاصي (و) لا (لعان وأيمان) ونذر، وإيلاء، وقسامة، لتعلقها بعين الحالف والناذر، فلا تدخلها النيابة، كالعبادات، ولا في قسم لزوجات، ولا في شهادة، ولا في التقاط، ولا في دفع جزية، ولا في معصية، ولا في رضاع.
وتصح في بيع ماله كله أو ما شاء منه، وتصح في المطالبة بحقوقه كلها أو ما شاء منها، وفي الإبراء منها أو ما شاء منها.
ولا تصح في عقد فاسد، أو في كل قليل وكثير، لأنه يدخل فيه كل شيء من هبة ماله، وطلاق نسائه، وغير ذلك، فيعظم الغرر والضرر.
(و) تصح الوكالة (في كل حق للَّه تعالى تدخله النيابة) من إثبات حد واستيفائه، لحديث: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها".
فاعترفت، فأمر بها، فرجمت 2، متفق عليه.
ومِنْ عبادة تتعلق بالمال،

كتفرقة صدقة ونذر وزكاة، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يبعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها 1، وحديث معاذ 2 يشهد به.
ويصح قوله: أخرج زكاة مالي من كالك، لأنه اقتراض من مال وكيل، وتوكيل له في إخراجه.
وتصح وكالة في فعل حج وعمرة، فيستنيب من يفعلهما عنه مطلقًا في النفل، ومع العجز في الفرض، على ما سبق في الحج 3، وتدخل ركعتا طواف تبعًا.
ولا تصح وكالة في عبادة بدنية محضة، كصلاة، وصوم، وطهارة من حدث، لتعلقها ببدن من هي عليه.
ولوكيل توكيل فيما يعجز عنه لكثرته، ولو في جميعه، لدلالة الحال على الإذن فيه، وفي ما لا يتولى مثله بنفسه، كالأعمال الدنية في حق أشراف الناس المترفعين عنها عادة، لأن الإذن إنما ينصرف لما جرت به العادة، ولا يصح أن يوكل وكيل فيما يتولى مثله بنفسه ويقدر عليه، لأنه لم يؤذن له في التوكيل، ولا تضمنه الإذن له، فلم يجز كما لو نهاه، إلا بإذن موكل فيجوز، لأنه عقد أذن له فيه، أشبه سائر العقود، قال في "الفروع" 4: ولعل ظاهر ما سبق: يستنيب نائب في اهج لمرض، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، -رحمهما اللَّه تعالى 5 -. = الحدود (3/ 1325) عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني.

ويتعين على وكيل حيث جاز له: أن يوكل أمين، فلا يجوز له استنابة غيره 1 إلا مع تعيين موكل، وإن وكل أمينًا فخان، فعليه عزله، لأن إبقاءه تفريط وتضييع.
وكذا وصي له أن يوكل، وحاكم له أن يستنيب.
= لكن هل له الاستنابة في الجميع، أو في القدر المعجوز عنه خاصة؟ على وجهين، الأول اختيار صاحب "المغني" والثاني: قول القاضي وابن عقيل.
اهـ من "القواعد" لابن رجب (2/ 24). ومذهب الحنفية أن لا يوكل الوكيل إلا بإذن، واستثنوا بعض الصور منها: دفع الزكاة، وقبض الدين إذا وكل من في عياله.
ومذهب المالكية -أيضًا- أنه لا يوكل الوكيل إلا بإذن، غير أنهم استثنوا: أن يكون وكيلًا بها.
واستثنوا -أيضًا- ما إذا وكل على ما لا يستطيع أن يقوم به منفردًا، فيوكل من يساعده في العمل، لا من يستقل بالعمل وحده.
ومذهب الشافعية: ليس لوكيل أن يوكل بلا إذن إن تأتى منه ما وُكِّل فيه.
وإن لم يتأت لكونه لا يحسن أو لا يليق به فله التوكيل.
ولو كثر وعجز عن الإتيان به فالمذهب أنه يوكل فيما زاد على الممكن.
هذا مجمل مذاهب الفقهاء، وفي هذه المسألة، ولهم تفاصيل كثيرة فيها، وليس هذا موضع بسط لها.
واحتج من منع: بأنه لم يأذن له بالتوكيل ولا تضمنه إذنه، فلم يجز، كما لو نهاه، ولأنه استئمان فيما يمكنه النهوض فيه، فلم يكن له أن يوليه من لم يأمنه عليه، كالوديعة.
واحتج من أجاز إذا مرض أو غاب -كالرواية الثانية عن الإمام أحمد- وهو قول ابن أبي ليلى: أن الوكيل له أن يتصرف بنفسه، فملكه بنائبه، كالمالك.
قال في "المغني": والأول أولى.
ولا يشبه الوكيل المالك، فإن المالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، بخلاف الوكيل.
اهـ وهذا هو الصواب -إن شاء اللَّه تعالى-.
ينظر: "رد المحتار" (8/ 265، 266) و"تحفة الفقهاء" (2/ 387) و"مواهب الجليل" (7/ 191) و"التاج والإكليل" (7/ 191) و"روضة الطالبين" (4/ 313) و"مغني المحتاج" (2/ 226) و"المغني" (7/ 207 - 209) و"الشرح الكبير" (13/ 455) و"الفقه الإسلامي وأدلته" (5/ 99) و"الوكالة" لطالب قائد (ص 259).

وقول موكل لوكيله: وكل عنك.
يصح، فإن فعل فالوكيل وكيل وكيله، ينعزل بموت الأول، وعزله.
ووكل عني، أو وكلَ ويطلقُ، فوَكَّلَ، فهو وكيل موكله، فلا ينعزل بموت الوكيل الأول، ولا بعزله، فلا يملك الأول عزله، لأنه ليس وكيله، وإن مات الموكل، أو جُنَّ، ونحوه، انعزلا، سواء كان أحدهما فرع الآخر، أو لا.
ولا يوصي وكيل مطلقًا، ولا يعقد مع فقير، أو قاطع طريق، إلا بإذن موكل، لأنه تغرير بالمال، ولا يبيع نَسَاء إلا بإذن، فإن فعل لم يصح، لأن الإطلاق ينصرف إلى الحلول، ولا يبيع بغير نقد، فإن فعل لم يصح، ولا بغير نقد البلد، أو غالبه إن جَمَعَ 1 نقودًا، أو الأصلح إن تساوت رواجًا، إلا إن عينه موكل، لأن إطلاق الوكالة إنما يملك به الوكيل فعل الأحظ لموكله.
وإن وكل عبد غيره في بيع أو شراء، ونحوه من عقود المعاوضات، ولو في شراء نفسه من سيده، صح ذلك إن أذن فيه سيده، وإن لم يأذن له لم يصح، للحجر عليه فيمالا يملكه العبد.
وعلم منه صحة توكيله فيما يملكه بلا إذن سيده، كطلاق، ورجعة، وصدقة بنحو رغيف.
(وهي) أي الوكالة (وشركة، ومضاربة، ومساقاة، ومزارعة، ووديعة، وجعالة ومسابقة، وعارية، (عقود جائزة) من الطرفين (لكلٍّ) من المتعاقدين (فسخها) أي هذه العقود، وتبطل بموت وجنون مُطبق، لكن لو وكل ولي يتيم، أو ناظر وقف، ثم مات؛ لم يبطل بموته، لأنه متصرف على غيره.
وتبطل وكالة بسكر يفسق به 2 فيما ينافيه 3، كإيجاب نكاح ونحوه، وبفلس موكل فيما حجر عليه فيه، وبردته (ولا يصح بلا إذن) موكل (بيع

وكيل لنفسه) بأن يشتري ما وكل في بيعه من نفسه لنفسه (ولا) يصح (شراؤه منها) أي من نفسه (لموكله) بأن وُكل في شراء شيء، فاشتراه من نفسه لموكله، لأنه خلاف العرف في ذلك، وللحوق التهمة له بذلك، وإن أذن له في ذلك؛ صح.
ويتولى طرفي العقد فيهما، كأب الصغير ونحوه، إذا باع من ماله لولده، أو اشترى منه له (وولده) أي الوكيل (ووالده ومكاتبه) ونحوهم ممن ترد شهادته له، كزوجته، وابن بنته وأبي أمه (كنفسه) فلا يجوز للوكيل البيع لأحدهم، ولا الشراء منه مع الإطلاق، لأنه يتهم في حقهم، ويميل إلى ترك الاستقصاء عليهم في الثمن، كتهمته في حق نفسمه، بخلاف نحو أخيه وعمه، وكذا حاكم، وأمينه، ووصي، وناظر وقف، ومضارب، قال المنقح: وشريك عنان، ووجوهٍ 1. فلا يبيع أحد منهم لنفسه وولده ووالده ونحوه، ولا يشتري من نفسه ولا من ولده ووالده، لما تقدم.
(وإن باع) وكيل في بيع، أو باع مضارب (بدون ثمن مثل) أو بدون ما قدر له (أو اشترى بأكثر منه) أي ثمن المثل أو بأكثر مما قدر له (صح) البيع أو الشراء، لأن من صح بيعه وشراؤه بثيت، صح منه بأزيد (وضمن) وكيل، وكذا مضارب (زيادةً) عن ثمن مثل، (أو) عن مقدر في شرائه، وضمنا (نقصًا) في بيع عن ثمن مثل أو عن مقدر، ولا يضمنان ما يتغابن به عادة، كالدرهم في عشرة فيما لم يقدر، لعسر التحرز منه، ويضمنان جميع النقص فيما قدر، وفيما لا يتغابن به عادة، كاثنين في عشرة، لأنه تفريص بترك الاحتياط، وطلب الأحظ.
وفي بقاء العقد، وتضمين المفرط جَمْعُ ما بين المصالح.
ولا يضمن قن أذن له سيده في بيع وشراء، فباع بأنقص، أو اشترى

بأزيد لسيده، كما لو أتلف ماله، ولا يضمن صغير أذِنَ له وليه في التجارة، فباع بأنقص، أو اشترى بأزيد لمسه، كما لو أتلف مال نفسه، وإن باع وكيل أو مضارب بأزيد مما قدر لهما، أو من ثمن المثل، أو اشتريا بأنقص، صح، لوقوعه بالمأذون فيه وزيادة تنفع ولا تضر.
(ووكيل) في بيع (مبيع يسلمه) أي: يملك تسليمه لمشتريه (ولا) يملك أن (يقبض ثمنه) لأنه قد يوكل في البيع من لا يؤمن على قبض الثمن.
وكذا الوكيل في النكاح لا يملك قبض المهر (إلا بقرينة) تدل على ذلك، كأن كان عرف البلد قبض الوكيل لثمن ما باعه، فيقبضه (ويسلِّم وكيل الشراء الثمن) وإن أخره بلا عذرٍ، فتلف، ضمنه.
(ووكيل) في (خصومة لا يقبض) أي لا يكون وكيلًا في القبض، لأن الإذن لم يتناوله نطقًا، ولا عرفًا، وقد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض، وليس لوكيل خصومة إقرار على موكله مطلقًا، نصًّا 1، كإقراره عليه بقود وقذف، وكالولي (و) وكيل في (قبض) دَين أو عين (يخاصِم) لأنه لا يتوصل إلى القبض إلا بالإثبات، فالإذن فيه إذن فيه عرفًا.
(والوكيل أمين لا يضمن) ما تلف بيده (إلا بتعد أو تفريط) لأنه نائب الموكِّل في اليد والتصرف، فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك، وسواء كات متبرعًا أو بجُعْلٍ، فإن فرَّط أو تعدى ضمن (ويُقبل قوله) أي الوكيل (في نفيهما) أي التعدي والتفريط، بيمينه، لأنه أمين، ولا يكلَّفُ بينةً، لأنه مما تتعذر إقامة البينة عليه، ولئلا يمتنع الناس من الدخول في الأمانات مع الحاجة إليها، ويقبل إقراره على موكله في كل ما وكل فيه، من بيع وغيره، ولو نكاحًا، لأنه يملك التصرف فيه، فقبل قوله فيه كولي المجبرة.
(و) يُقبل قول وكيل في (هلاك) عين، أو ثمنها، إذا قبضه، وقال موكله: لم يتلف (بيمينه) لأنه أمين، ولو كان بجعل (كـ) ما يقبل (دعوى)

وكيل (متبرع ردَّ العين أو) رد (ثمنها) لموكل، لأنه قبض العين لنفع مالكها لا غير، كالمودع، لا وكيل بجُعْلٍ فلا يقبل قوله في الردّ، لأن في قبضه نفعًا لنفسه، أشبه المستعير و (لا) يقبل قوله في ردها (لورثته) أي الموكل لأنهم لم يأمنوه، ولا في ردها إلى غير من ائتمن، ولو بإذن الموكل، كأن أذن له في دفع دينار لزيد قرضًا، فقال الوكيل: دفعته له، وأنكره زيد فلا يقبل في الكل (إلا ببينة).
ولا يقبل قول ورثة وكيل في دفع لموكل، لأنه لم يأتمنهم، ولا يقبل قول أجير مشترك كصبّاغ، وصائغ، وخياط، في رد العين.
وظاهره: أنه يقبل قول أجير خاص، وأطلق في "الإقناع" 1 أنه لا يقبل قول أجير في الرد، ولا قول مستأجر نحو دابة في ردها، ولا مضارب، ومرتهن، وكل من قبض العين لحظ نفسه كالمستعير.
ودعوى الكل تلفًا بحادث ظاهر، كحريق، ونهب، ونحوهما، لم يقبل، إلا ببينة تشهد بالحادث الظاهر؛ لعدم خفائه.
وإن قال وكيل لموكله: أذنت لي في البيع نَسَاء، أو بغير ناقد البلد، أو بعرض، وأنكره موكل، فقول وكيل.
أو اختلفا في صفة الإذن، بأن قال: وكلتني في شرائه بعشرة، فقال الموكل: بل بخمسة، أو وكلتني في شراء عبد، قال: بل أمة، أو أنْ أبيعه من زيد، قال: بل من عمرو، أو قال موكل: أمرتك ببيعه نسيئة برهن أو ضامن، وأنكره وكيل، ولا بينة، فالقول قول وكيل بيمينه، لأنه أمين.
وإن باع الوكيل السلعة وقال للموكل: بذلك أمرتني، فقال: بل أمرتك برهنها، صُدِّق ربها، فاتت أو لم تفت، لأن الاختلاف هنا في جنس التصرف، وإن اختلفا في أصل الوكالة، فقول منكر، لأن الأصل عدم الوكالة، ويصح: بع ثوبي هذا بكذا، فما زاد عنه فلك، نصًّا 2.

ومن عليه حق من دين أو عين، فادّعى إنسان أنه وكيل ربه في قبضه، أو أنه أحيل به عليه، فصدقه، لم يلزمه دفع إليه، لأنه لا يبرأ به، لجواز إنكار رب الحق، أو ظهوره حيًا في الوصية، وإن كذبه لم يستحلف، لعدم الفائدة، إذ لا يقضى عليه بالنكول، وإن دفعه للمدعي ذلك، فأنكر صاحب الحق الوكالة، أو الحوالة، حلف أنه لم يوكله، ولا أحاله، لاحتمال صدق المدعي، ورجع رب الحق على دافع وحده، إن كان المدفوع دينًا، لعدم براءته بدفعه لغير ربه، أو وكيله، والأن الذي أخذه مُدّعِي الوكالة، أو الحوالة، عين مال الدافع في زعم رب الحق، فتعين رجوعه على الدافع، فإن نكل لم يرجع بشيء.
وفي مسألة الوصية يرجع بظهوره حيًا، ويرجع دافع على مُدّعٍ لوكالة، أو حوالة، أو وصية، بما دفعه مع بقائه، لأنه عين ماله، أو يرجع ببدله مع تلف بتعديه، أو تفريطه، لأنه بمنزلة الغاصب، فإن تلف بيد مدعي الوكالة بلا تعد، ولا تفريط، لم يضمنه، ولم يرجع عليه دافع بشيء، لأنه مقر بأنه أمين، حيث صدقه في دعواه الوصية، أو الوكالة.
وأما دعوى حوالة فيرجع دافع على قابض مطلقًا.
وإن كان المدفوع لمدعي وكالة أو وصية عينًا، كوديعة ونحوها، ووجدها ربها بيد الغاصب أو غيره، أخذها، وإلا يجدها، ضمَّن أيهما شاء، لأن القابض قبض ما لا يستحقه، والدافع تعدى بالدفع إلى من لا يستحقه، فتوجهت المطالبة على كلٍّ منهما.
ويرجع دافع لم يصدق على مدفوع إليه مطلقًا، سواء كان دَينًا أو عينًا، بقي أو تلف، لأنه لم يقر بوكالة، ولم تثبت ببينة، ومجرد التسليم ليس تصديقًا.

فصل في الشركة

بفتح الشين مع كسر الراء وسكونها، وبكسر الشين مع سكون الراء 1. وهي جائزة بالإجماع 2، لقوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ 3، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يقول اللَّه تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما" 4 رواه أبو داود.
وتكره شركة مسلم مع كافر، كمجويصي، نصًّا 5، لأنه لا يأمن معاملته بالربا، وبيع الخمر، ونحوه، ولا تكره مع كتابي، لا يلي التصرف، لحديث الخلال، عن عطاء قال: نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم 6. ولانتفاء المحظور بتولي المسلم التصرف.

(والشركة: خمسة أضرب) جمع ضرب -أي صنف 1 - أحدها: (شركة عنان) ولا خلاف في جوازها، بل في بعض شروطها، سميت بذلك لاستوائهما في المال والتصرف، كالفارسين يستويان في السير، فإن عناني 2 فرسيهما يكونان سواء.
أو مَنْ عنَّ الشيء إذا عرض، لأنه عنَّ لكل منهما مشاركة صاحبه 3. (وهي) أي شركة العنان (أن يُحضِر كلُّ) واحد (من عدد) اثنين فأكثر (جائز التصرف) فلا تعقد مع صغير ولا سفيه، ولا على ما في الذمة (من ماله) فلا تعقد بنحو مغصوب (نقدًا) ذهبًا، أو فضة، مضروبًا، ولو بسكة 4 كفار (معلومًا) قدرًا وصفة، ولو مغشوشًا قليلًا، أو كان من جنسين كذهب وفضة، أو كان متفاوتًا بأن، أحضر أحدهما مائة والآخر مائتين (ليعمل) متعلق بِيُحْضِر (فيه)، أي المال جميعه (كلٌّ) من له فيه شيء (على أن له من الربح جزءًا مشاعًا معلومًا) ولو أكثر من نسبة ماله، كأن جعل لرب السدس نصف الربح لقوة حذقه، أو يقال: على أن الربح بيننا، فيستوون فيه، لإضافته إليهم إضافة واحدة بلا ترجيح، أو ليعمل فيه البعض على أن يكون له أكثر من ربح ماله، وتكون الشركة إذًا عنانًا ومضاربةً، ولا تصح إن أحضر كل منهم مالًا على أن يعمل فيه بعضهم، وله من الربح بقدر ما له، لأنه إبضاع لا شركة، وهو دفع المال لمن يعمل فيه بلا عوض.
ولا تصح إن عقدوها على أن يعمل أحدهم بدون ربح ماله، لأن من لا يعمل لا يستحق ربح مال غيره ولا بعضه، وفيه مخالفة لموضوع الشركة.

وتنعقد الشركة بما يدل على الرضى، من قول، أو فعل يدل على إذن كل منهما للآخر في التصرف وائتمانه، ويغني لفظ الشركة عن إذن صريح بالتصرف، لدلالته عليه، وينفذ التصرف من كلٍّ بحكم الملك في نصيبه، وبحكم الوكالة في نصيب شريكه، ولا يشترط خلط أموالهما، فما تلف منها قبل خلط فهو من ضمان الجميع.
ولا تصح الشركة إن لم يذكر الربح في العقد، كالمضاربة، لأنه المقصود منها، فلا يجوز الإخلال به، وإن أقر بعضهم بمتعلق بالشركة، كأجرة دلَّال، وحمّال، ومخزن، ونحوه، فهو من مال الجميع، والخسارة في مال الشركة بقدر ما لكل من الشركاء، سواء كانت لتلف، أو نقصان ثمن، أو غيره، لأنها تابعة للمال.
ومن قال من شريكين: عزلت شريكي، صح تصرف المعزول في قدر نصيبه فقط، وصح تصرف العازل في جميع المال، لعدم رجوع المعزول عن إذنه.
ولو قال أحدهما: فسخت الشركة انعزلا، لأن فسخ الشركة يقتضي عزل نفسه من التصرف في مال صاحبه، وعزل صاحبه من التصرف من مال نفسه، وسواء كان المال نقدًا أو عرضًا، ويقبل قول منكر القسمة إذا ادعاها صاحبه، لأن الأصل عدمها.
ولا تصح شركة عنان ولا مضاربة بنقرة (1) لم تضرب لأنها كالعروض، ولا بمغشوش غشًا كثيرًا، ولا فلوس ولو ناقتين، لأنها كالعروض، بل الفلوس عروضٌ مطلقًا.

تتمة

: لكل من الشركاء أن يبيع ويشتري، ويأخذ ويعطي، ويطالب ويخاصم، ويحيل ويحتال، ويرد بعيب للحظ ولو رضي شريكه، وأن يقر بالعيب، وأن يقايل، وأن يؤجر ويستأجر، وأن يبيع نَسَاءً، وأن يودع1

لحاجة، وأن يرهن ويرتهن، وأن يفعل كل ما فيه حظ للشركة، وليس له أن يكاتب قنًّا من الشركة، أو يزوجه، أو يعتقه ولو بمال، إلا بإذن، ولا أن يهب من مال الشركة، أو يقرض، أو يحابي، أو يضارب، أو يشارك بالمال، أو يخلطه بغيره، أو يأخذ به سفتجة (1)، بأن يدفع من مال الشركة إلى إنسان، ويأخذ منه كتابًا إلى وكيله ببلد آخر، ليستوفي منه، أو يعطيها؛ بأن يشتري عرضًا، ويعطي بثمنه كتابًا إلى وكيله ببلد آخر، ليستوفي منه.
ولا أن يستدين عليها إلا بإذن شريكه في الكل.
وإن قال: اعمل برأيك، ورأى مصلحة؛ جاز الكل، وما استدان بدون إذن فعليه، وربحه له.

تتمة

: والاشتراط فيها نوعان: صحيح، كشرط أن لا يتجر إلا في نوع كذا، أو أن لا يتجر إلا في بلد بعينه، أو أن لا يبيع إلا بنقد كذا، أو أن لا يسافر بالمال.
ونوع فاسد، وهو قسمان: مفسد لها، وهو: ما يعود بجهالة الربح، كشرط دراهم لزيدٍ الأجنبي، والباقي من الربح لهما، واشتراط ربح ما يشتري من رقيق لأحدهما وما يشتري من ثياب للآخر، ونحو ذلك، فتفسد الشركة، والمضاربة به، لإفضائه إلى جهل حق كل منهما من الربح، أو إلى فواته.
وقسم فاسد غير مفسد: كاشتراط أحدهما على الآخر ضمان المال إن تلف بلا تعد ولا تفريط، أو أن ما عليه من الخسارة أكثر من قدر ماله، أو أن يعطيه ما يختار من السلع برأس ماله، أو أن لا يفسخ الشركة مدة كذا، ونحو ذلك، فهذه الشروط كلها فاسدة، لتفويتها المقصود من عقد الشركة، والشركة، أو المضاربة، صحيحة.1

وإذا فسدت الشركة قسم ربح شركة عنان ووجوه على قدر المالين، وقسم أجر ما تقبلاه من عمل في شركة أبدان بالسوية، وتوزيع وضيعة على قدر ما لكل، ورجع كل من لشريكين في عنان ووجوه وأبدان بأجرة نصف عمله، ومن تعدى من الشركاء، بمخالفة، أو إتلاف، ضمن كالغاصب، وربح مالٍ لربه، نصًّا 1، لأنه نماء مال تصرف فيه غير مالكه بغير إذنه، فكان لمالكه.
وعقد فاسد في مضاربة، وشركة، ووكالة، ووديعة، ورهن، وهبة، وصدقة، وهدية، ووقف، كعقد صحيح في ضمان وعدمه، فلا يضمن منها ما لايضمن في العقد الصحيح.
الضرب (الثاني: المضاربة) من الضرب في الأرض، أي السفر فيها للتجارة، وهذه تسمية أهل العراق.
وأهل الحجاز يسمونها: قراضًا، من قرض الفأر الثوب أي قفعه، كأن رب المال اقتطع للعامل قطعة من ماله، وسلمها له واقتطع له قطعة من ربحها 2. وحكى ابن المنذر الإجماع على جوازها 3. ولحاجة الناس إليها.
(وهي) شرعًا 4: (دفع ماك) أي نقد مفروب، غير مغشوش كثيرًا، لما تقدم 5 أو ما في معنى الدفع، كوديعة، وعارية، وغصب، إذا قال ربها لمن هي تحت يده: ضارب بها على كذا.
(معين) أي المال فلا يصح: ضارب بأحد هذين الكيسين، تساوى ما فيهما أو اختلف، علما ما فيهما، أو

جهلاه، لأنه عقد تمنع الجهالة صحته (معلوم) قدره، فلا تصح بصبرة دراهم أو دنانير، لأنه لابد من الرجوع إلى رأس المال عند الفسخ ليعلم الربح، ولا يمكن ذلك مع الجهل (لمن يتجر فيه) أي المال، وهو متعلق بدفعٍ (بجزءٍ) متعلق (بيتَّجر) (معلوم مُشاع من ربحه) كنصفه أو ربعه.
(وإن ضارب) العامل (لآخر) أي أخذ مضاربة لشخص آخر (فأضر) اشتغاله بالعمل في مال الثاني ربَّ المال (الأول، حرُم) عليه ذلك، لأنه يمنعه مقصود المضاربة من طلب النماء والحظ، فإن لم يضر الأول، بأن كان مال الثاني يسيرًا لا يشغله عن العمل في مال الأول جاز (و) إن ضارب لآخر بحيث يضر الأول (رد) العامل (حصته) من ربح المضاربة الثانية (في الشركة) الأولى، نصًّا 1، فيدفع لرب المضاربة الثانية نصيبه من الربح، ويؤخذ نصيب العامل، فيضم لربح مضاربة الأول، ويقسمه مع ربها على ما اشترطاه، لأنه استحقه بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول.
ورده في "المغني" كما ذكره صاحب "المنتهى" في "شرحه" 2.

ولا يصح لرب المال الشراء من مال المضاربة لنفسه، نصًّا 1، لأنه ملكه كشرائه من وكيله وعبده المأذون، وإن اشترى شريك نصيب شريكه؛ صح، لأنه ملك غيره.
ولا نفقة لعامل في مال المضاربة، لأنه دخل على العمل بجزء، فلا يستحق غيره، إلا بشرطٍ، نصًّا 2، كالوكيل.
وقال الشيخ، وابن القيم: أو عادة 3. ويصح شرطها سفرًا وحضرًا، لأنها في مقابلة عمله، وإن شُرطت مطلقة، واختلفا فيها، فله نفقة مثله عرفًا، وإن تعدد رب المال، فهي على قدر ما لكلٍّ.
وللعامل التسِّري من مال المضاربة بإذن رب المال، فإذا اشترى أمة للتسري ملكها، وصار ثمنها قرضًا عليه لرب المال، لخروجه من المضاربة، مع عدم وجود ما يدل على التبرع به من رب المال، وإن وطئ عامل أمة من المال بغير إذن عزر، نصًّا 4، لأن ظهور الربح مبني على التقويم، وهو غير متحقق، لاحتمال أن السلعة تساوي أكثر مما قومت به، فهو شبهة في درء الحد، وإن لم يظهر ربح، وعليه المهر، وإن ولدت منه، وظهر ربح، صارت أم ولد، وولده حر، وعليه قيمتها، وإن لم يظهر فهي وولدها ملك لرب المال.
= يضارب لآخر.
وهو صحيح، وهو المذهب مطلقًا، وعليه أكثر الأصحاب.
اهـ من "الإنصاف" (14/ 96). وما قرره المؤلف -تبعًا للمتن- هو من مفردات المذهب.
ينظر "المنح الشافيات" (2/ 416) و"الفتح الرباني بمفردات ابن حنبل الشيباني" (2/ 19).

ولا يطأ رب المال أمة من المضاربة ولو عدم الربح، لأنه ينقصها إن كانت بكرًا، أو يعرضها للتلف والخروج من المضاربة، ولا حد عليه، لأنها ملكه، وإن ولدت منه خرجت من المضاربة، وحسبت قيمتها عليه، فإن كان فيه ربح فلعامل حصة منه.
ولا ربح لعامل حتى يستوفى رأس المال (وإن تلف رأس المال أو) تلف (بعضه بعد تصرف) عامل في المضاربة (أو) ربح في أحد سلعتيه و (خسر) في الأخرى (جبر) رأس المال (من ربح) إن كان (قبل قسمة) الربح ناضًّا 1، أو قبل تنضيضه، مع محاسبة، نصًّا 2. فإن تقاسما الربح والمال ناضٌّ، أو تحاسبا بعد تنضيض المال، وأبقيا المضاربة، فهي مضاربة ثانية، فما ربح بعد ذلك لا يجبر به وضيعة الأول، ولو قسم رب المال والعامل الربح، أو أخذ أحدهما منه شيئًا بإذن صاحبه، والمضاربة بحالها، ثم خسر، كان على العامل رد ما أخذه من الربح، لأنا تبينَّا أنه ليس بربح، ما لم تنجبر الخسارة، نصًّا 3. وتفسخ مضاربة فيما تلف من مالها قبل عمل، ويصير الباقي رأس المال، فإن تلف الكل، ثم اشترى العامل للمضاربة شيئًا، فهو كفضولي، وإن تلف بعد شرائه في ذمته، وقبل نقد ثمن فالمضاربة بحالها، ويطالب العامل ورب المال، بالثمن لتعلق حقوق العقد برب المال، ومباشرة العامل، وإن دفعه عامل بنية الرجوع، رجع به على رب المال، للزومه له أصالة.
والعامل بمنزلة الضامن.
وتحرم قسمة الربح والعاقد باق إلا باتفاقهما، لأنه وقاية لرأس المال، فلم يجبر ربه على القسمة، لأنه لا يأمن

الخسران فيجبره بالربح، ولا العامل، لأنه لا يأمن أن يلزمه ما أخذه في وقت لا يقدر عليه، فإن اتفق على قسمه أو بعضه، جاز، لأنه ملكهما، كالشريكين.

تتمة

: العامل أمين يصدق بيمينه في قدر رأس مال، وفي ربح وعدمه، وفي هلاك وخسران، وفيما يذكر أنه اشتراه لنفسه، أو للمضاربة، وفي نفي ما يدَّعي عليه من خيانة، أو تفريط، لأن الأصل عدمهما.
وإذا شرط العامل النفقة، ثم ادعى أنه أنفق من ماله بنية الرجوع، فله ذلك سواء، كان المال بيده، أو رجع إلى ربه، كالوصي إذا ادّعى النفقة على اليتيم.
وإذا اشترى العامل شيئًا، وقال المالك: كنت نهيتك عنه، وأنكر.
فقوله، لأن الأصل معه.
ولو أقر عامل بربح، ثم ادعى تلفًا، أو خسارة، قُبِلَ قوله، لأنه أمين، ولا يقبل قوله إن ادعى غلطًا، أو كذبًا، أو نسيانًا، أو اقتراضًا تمم به رأس المال بعد إقراره به لربه، كأن قال عامل: هذا رأس مال مضاربتك.
ففسخ ربها، وأخذه.
فادعى العامل أن المال كان خسر، وأنه خشي إن وجده ناقصًا يأخذه منه، فاقترض ما تممه به، ليعرضه عليه تامًا، فلا يقبل قواسه فيه، لأنه رجوع عن إقرار بحق لآدمي.
ولا يقبل قوله في رد مال المضاربة إلى ربه بلا بينة، نصًّا 1، لأنه قبضه لنفع له فيه، أشبه المستعير، والقول قول المالك في ذلك.
ويقبل قول مالك في صفة خروجه عن يده، كأن قال: أعطيتك ألفا قراضًا، على النصف من ربحه.
وقال العامل: بل قرضًا لا شيء لك من ربحه، فقول رب المال، لأن الأصل بقاء ملكه عليه، فإذا حلف، قسم الربح بينهما، وإن خسر المال، أو

تلف، فقال ربه: كان قرضًا.
وقال العامل: كان قراضًا، أو بضاعة، فقول ربه -أيضًا- لأن الأصل في قبض مال الغير الضمان، فلو أقاما بينتين، قُدِّمَتْ بينة عامل، لأن معها زيادة علم، ولأنه خارج.
وإن قال رب المال: كان بضاعة.
وقال العامل: كان قراضًا، حلف كل منهما على إنكار ما ادعاه خصمه، وكان له أجر عمله، لا غير.
ويقبل قول مالك بعد ربح في قدر ما شرط لعامل، فإن أقاما بينتين، قدمت بينة عامل -أيضًا- ويصح دفع عبد، أو دابة، أو قِربة، أو قِدْر، أو آلة حرث، ونحو ذلك لمن يعمل به بجزء من أجرته.
ويصح خياطة ثوب، ونسج غزل، وحصاد زرع، ورضاع قن، واستيفاء مال، وبناء دار، وطاحون، ونجر باب 1، ونحو ذلك، بجزء مشاع منه، لأنها عين تنمى بالعمل عليها، فصح العقد عليها ببعض نمائها.
ويصح دفع دابة، أو نحل، أو عبد، أو أمة، لمن يقوم به مدة معلومة بجزء منه، كربعه، أو خمسه، والنماء ملك لهما، على حسب ملكيهما، لا بجزء من نماء كدَرٍّ، ونسل، وصوف، وعسل، ونحو ذلك، لحصول نمائه بغير عمل، وله أجر مثله.
والضرب (الثالث: شركة الوجوه، وهي أن يشتركا) بلا مال (في ربح ما يشتريان في ذممهما بجاهيهما) أي بوجوههما، وثقة التجار بهما 2 والجاه والوجه واحد، يقال: فلان وجيه ذو جاه.
3 وهي جائزة لاشتمالها على مصلحة بلا مضرة، ولا يشترط لصحتها ذكر جنس ما يشتريانه، ولا ذكر قدره، ولا ذكر وقت الشركة.
فلو

قال أحدهما للآخر: كلما اشتريت من شيء فبيننا، وقال له الآخر كذلك، صح العقد، ولا يعتبر ذكر شروط الوكالة، لأنها داخلة في ضمن الشركة، بدليل المضاربة، وشركة العنان.
(وكلٌّ) من شريكي الوجوه (وكيل الآخر) في بيع وشراء (وكفيله بالثمن) لأن مبناها على الوكالة والكفالة.
وملكٌ فيما يشتريان كما شرطا، لحديث: "المؤمنون عند شروطهم" 1 وربحٌ كما شرطا، من تساو وتفاضل لأن أحدهما قد يكون أوثق عند التجار، وأبصر بالتجارة، ولأنها منعقدة على عمل وغيره، فكان ربحها على ما شرطا، كشركة العنان.
والخسران بتلفٍ، أو بيعٍ بنقص عما اشتري به، على قَدْرِ الملك، فمن له الثلثان مثلًا فعليه ثلثا الوضيعة، وهكذا، سواء كان الربح بينهما كذلك، أو لا، وتصرفهما كتصرف شريكي عنان، على ما سبق 2. والضرب (الرابع: شركة الأبدان) سميت بذلك: لاشتراكهما في عمل أبدانهما 3. (وهي) نوعان: أحدهما (أن يشتركا فيما يتملكان بأبدانما من مباح كاصطياد ونحوه) كاحتشاش، وتلصص على دار الحرب، واحتج أحمد بأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد أشرك بين عمَّار وسعد وابن مسعود.
فجاء سعد بأسيرين، ولم يجيئا بشيء 4. كان ذلك في غزوة بدر، وكانت غنائمها لمن

أخذها، قبل أن يشرك اللَّه تعالى بينهم 1. (أو) أن يشتركا فيما (يتقبَّلان في ذممهما من عمل، كخياطة) وحدادة وقصارة، وهذا هو النوع الثاني.
ولو قال أحدهما: أنا أتقبل، وأنت تعمل، والأجرة بيننا؛ صح، لأن تقبل العمل يوجب الضمان على المتقبِّل، ويستحق به الربح، فصار كتقبله المال في المضاربة، والعمل يستحق به العامل الربح، كعمل المضارب، فينزَّل منزلة المضاربة (فما تقبله أحدُهما) من عمل (لزمهما عمله، وطولبا به) لأن مبناها على الضمان، فكأنها تضمنت ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه، ولكل من الشريكين طلب أجرة عمل، ولو تقبله صاحبه، ويبرأ مستأجر بدفعها لأحدهما، وتلفها بيد أحدهما بلا تفريط: عليهما، لأن كلًّا وكيل الآخر، ولا يشترط لصحتها اتفاق صنعة الشريكين، فلو اشترك حداد ونجار، أو خياط وقصار، فيما يتقبلان في ذممهما من عمل، صح، لاشتراكهما في كسب مباح، أشبه ما لو اتفقت الصنائع.
ولا يشترط اصحة الشركة معرفة الصنعة لواحد منهما.
(وإن ترك أحدهما) أي الشريكين (العمل) لعذر (أو لا) لعذر، بأن كان حاضرًا صحيحًا (فالكسب بينهما) على ما شرطا (ويلزم من عُذِر) بنحو مرض في ترك عمل مع شريكه (أو لم يَعْرف العمل أن يقيم مقامه) في العمل = فإنه لم يسمع منه.
اهـ

(بطلب شريك) له بذلك لدخولهما على العمل، فلزمه أن يفي بمقتضى العقد، وللآخر الفسخ إن امتنع، أو لم يمتنع.
ولا تصح شركة دلَّالين، لأن الشركة الشرعية لا تخرج عن الوكالة والضمان، ولا وكالة هنا، لأنه لا يمكن توكيل أحدهما على بيع مال الغير، ولا ضمان، لأنه لا دين بذلك يصير في ذمة واحد منهما، ولا تقبُّل عمل 1. والضرب (الخامس شركة المفاوضة، وهي) لغة: الاشتراك في كل شيء 2، وشرعًا 3: (أن يفوض كل) من اثنين فأكثر (إلى صاحبه كل تصرف مالي) من بيع، وشراء في الذمة، ومضاربة، وتوكيل، ومسافرة

بالمال، وارتهان، وتقبل ما يرى من الأعمال.
أو 1 (يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما فتصح؛ إن لم يدخلا فيها كسبًا نادرًا) أو غرامة، لأنها لا تخرج عن أضرب الشركة التي تقدمت (وكلها جائزة.
ولا ضمانَ فيها إلا بتعدٍّ أو تفريط) 2. وإن أدخلا فيها كسبًا نادرًا، كوجدان لقطة، أو ركاز، أو ما يحصل من ميراث، أو أدخلا فيها ما يلزم أحدهما من ضمان غصب، أو أرش جناية، أو ضمان عارية، ونحو ذلك، فهي حينئذ فاسدة، لأنه عقد لم يرد الشرع بمثله، ولما فيه من كثرة الغرر، لأنه قد يلزم فيه ما لا يقدر الشريك عليه، ولكل من الشريكين في هذا القسم ما يستفيده، وله أجرة عمله.

فصل في المساقاة

من السقي 1 (وتصح المساقاة على شجر) مغروس معلوم (له ثمر يؤكل) لمن يعمل عليه، بجزء مشاع معلوم من ثمره النامي بعمله، وسواء النخل، والكَرمُ، والرمان، والجوز، واللوز، والزيتون، وغيرها، لحديث ابن عمر قال: عامل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
متفق عليه 2. (و) تصح المساقاة على (ثمرة موجودة بجزء) مشاع معلوم (منها) لأنه إذا جاز في المعدوم مع كثرة الغرر، فعلى الموجود مع قلته أولى.
وتصح المغارسة، وهي: دفع (شجر) معلوم، له ثمر مأكول بلا غرس، مع أرض لمن (يفرسه ويعمل عليه حتى يثمر بجزء) مشاع معلوم (من الثمرة أو) من (الشجر) عينه (أو منهما) أي من الشجر والثمرة 3. فإن

لم يكن الغراس من رب الأرض، فسدت على المذهب 1، وربُّ الأرض بالخيار بين تكليف رب الغراس أخذه، ويضمن له نقصه، وبين تملكه بقيمته، إلا أن يختار ربه أخذه، وإن اتفقا على إبقائه بأجرة، جاز.
وإن دفع أرضًا وشجرًا لمن يعمل عليه بجزء من الأرض والشجر لم يصح، كما لو جعل له في المساقاة جزءًا من الشجر (فإن فسخ مالك) المساقاة، أو مات (قبل ظهور ثمرة) وبعد عمل (فلعامل أجرته) لاقتضاء = "الاختيارات" (ص 219).

العقد العوض المسمى، ولم يرض العامل بإسقاط حقه منه (أو) فسخ (عامل) المساقاة، أو هرب قبل ظهور ثمرة (فلا شيء له) لإسقاط حقه برضاه، كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح (وتُملك الثمرة بظهورها فعلى عامل تمام عمل إذا فسخت بعده) أي بعد ظهور الثمرة فيما ساقا عليه، والثمر بينهما، على ما شرطا في العقد.
وإن بان الشجر المساقى عليه مستحقًّا لغير المساقي، بعد عمل عامل فيه، فلربه أخذه وثمره، لأنه عين ماله، ولا شيء عليه للعامل، لأنه لم يأذن، وله أجر مثله على الغاصب، لأنه غرَّه واستعمله.
(وعلى عامل) في مساقاة ومغارسة ومزارعة (كلُّ ما فيه نمو أو صلاح) لثمر وزرع، من سقي بماء حاصل، لا يحتاج إلى حفر بئر، ولا إدارة دولاب، وإصلاح طريقة (وحصاد ونحوه) كدياس، وتشميس ما يحتاج إليه، وإصلاح محله، وحفظ ثمرة، وزرع إلى قسمه (وعلى رب أصل حفظـ) ـه، ونحوه، كسدِّ حائط، وإجراء نهر، وحفر بئر، وثمن دولاب، وما يديره من بهائم، وشراء ما يلقح به من طلع فحالٍ، وتحصيل زبلٍ، وسباخ 1، لأن هذا كله ليس من العمل، فهو على رب المال.
(وعليهما) أي العامل ورب المال (بقدر حصتيهما جذاذ) نصًّا 2، ويصح شرطه على عامل، نصًّا 3، ولا يصح أن يشترط على أحدهما ما على الآخر كلة أو بعضه، ويفسد العقد به، لمخالفته مقتضاه، ويتبع في الكُّلَفِ السلطانية 4 العرفُ، ما لم يكن شرط، فيعمل به.
وما طلب من قرية من

وظائف سلطانية ونحوها؛ فعلى قدر الأموال، وإن وضعت على الزرع فعلى ربه، وعلى العقار على ربه، ما لم يشترطه على مستأجر 1. والخراج على رب المال، لأنه على رقبة الأرض، أثمر الشجر أو لم يثمر، ولأنه أجرة الأرض فكان على من هي ملكه.
وكره حصاد وجذاذ ليلًا، نصًّا 2، خشية ضرر.
(وتصح المزارعة بجزء معلوم مما يخرج من الأرض) كثلث، وربع، ونحو ذلك (بشرط علم) جنس (بذر) ولو تعدد البذر (و) علم (قدره، و) بشرط (كونه) أي البذر (من رب الأرض) نصًّا 3. واختاره عامة الأصحاب، وعنه: ما يدل على أنه لا يشترط ذلك، وصححه في "المغني" وغيره، وجزم به في "المختصر" 4، فإن كان في الأرض شجر، فزارعه على الأرض، وساقاه على الشجر، صح، سواء قل بياض الأرض، أو كثر.
نص عليه 5. وقال: قد دفع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خيبر على هذا 6. وإن آجره الأرض وساقاه على الشجر، صح، كجمع بين إجارة وبيع، ما لم يكن حيلة على بيع الثمرة قبل وجودها، أو قبل بدو صلاحها، كان آجره الأرض بأكثر من أجرتها، وساقاه على الشجر بجزء مثلًا من ألف جزء، فيحرم ذلك، ولم يصح كل من الإجارة، والمساقاة.
= وأثره في فقه المعاملات المالية عند الحنابلة" (2/ 1027).

وإن شرط رب المال لعامل نصف هذا النوع، أو الجنس من ثمر أو زرع، وربع الآخر، وجهل قدرهما، بأن جهلاهما، أو جهلهما أحدهما، أو شرط أن سقى العامل سيحًا 1، أو زرع شعيرًا، فله الربع، وإن سقى بكلفة، أو زرع حنطة، فله النصف، أو قال له: اعمل، ولك الخمسان إن لزمتك خسارة، وإلا فلك الربع، أو شرطا أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسمان الباقي؛ لم يصح، للجهالة.
وإن قال: ساقيتك هذا البستان بالنصف، على أن أساقيك الآخر بالربع، فسدتا، لأنه شرط عقد في عقد، فهو في معنى بيعتين في بيعه المنهي عنه، كما لو شرطا لأحدهما قفزانًا معلومة، أو دراهم معلومة، أو زرع ناحية معينة، أو ثمر شجر ناحية معينة.
وإذا فسدت المزارعة، فالزرع لرب البذر.
أو المساقاة، فالثمرة لرب الشجر، لأنه عين ماله، ينقلب من حال إلى حال، وينمو، كالبيضة تحضن فتصير فرخًا، وعليه الأجرة -أي أجرة مثل العامل- لأنه بذل منافعه بعوض لم يسلم له، فرجع إلى بدله، وهو أجر المثل، وإن كان رب البذر هو العامل، فعليه أجرة مثل الأرض.

فصل في الإجارة

من الأجر وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرًا، لأنه تعالى يعوض العبد على الطاعة، أو صبره عن المعصية 1، وهي ثابتة بالإجماع 2، وسنده من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 3، ومن السنة حديث عائشة في خبر الهجرة، قالت: "واستأجر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر رجلًا من بني الدَّيْل 4 هاديًا خِرِّيتًا".
والخريت: الماهر بالدلالة 5. رواه البخاري 6. والحاجة داعية إليها.

وهي لغة: المجازاة 1. وشرعًا: عقد على منفعة مباحة معلومة، تؤخذ شيئًا فشيئًا 2. (وتصح الإجارة بثلاثة شروط): أحدها: (معرفة منفعة) لأنها المعقود عليها، فاشترط العلم بها كالبيع: إما بعرف كسكنى دار شهرًا، وخدمة آدمي سنة، فلا تحتاج إلى ضبط، كالسكنى فيخدمه نهارًا، ومن الليل ما يكون من خدمة أوساط الناس، أو بوصف، كحمل زُبْرَة حديد 3 وزنها كذا إلى محل كذا، لأن المنفعة إنما تعرف بذلك، فإن كان كتابًا، فوجد المحمول إليه غائبًا، فله الأجرة، لذهابه، ورده.
وفي "الرعاية" 4: إن وجده ميتًا، فالمسمى فقط.
أو بناء حائط، فيذكر طوله، وعرضه، وسمكه، وآلته، لاختلاف الغرض، فلو بناه، ثم سقط، فله الأجرة، لأنه وفَّى بالعمل، إلا إنا كان سقوطه بتفريطه.
وتصح إجارة أرض معينة، برؤية، لا وصف، لأن الأرض لا تنضبط به، لزرع، أو غرس، أو بناء معلوم.
أو لزرع، أو غرس، أو بناء ما شاء، أو لزرع، أو لغرس، أو لبناء، ويسكت، فله زرع وغرس وبناء ما شاء، كأنه استأجرها لأكثر ذلك ضررًا.
وإن كانت الإجارة لركوب: اشترط مع ذكر الموضع المركوب إليه، معرفة راكب، برؤية، أو صفة، وذكر كوب كمبيع، إن لم يكن مرئيًا، لاختلاف المقاصد بالنظر إلى أجناس المركوب، من كونه فرسًا، أو

بعيرًا، أو بغلًا، أو حمارًا، ومعرفةُ ما يركب به من سرج أو غيره، ومعرفة كيفية سيره من هملاج 1 وغيره لا ذكوريته وأنوثته، أو نوعه.
(و) الشرط الثاني: (إباحتها) أي المنفعة، أي كون نفع معقود عليه مباحًا مطلقًا، بلا ضرورة، بخلاف جلد ميتة، وإناء من ذهب أو فضة، لأنه لا يباح إلا عند الضرورة، لعدم غيره، مقصودًا عرفًا، يستوفى من عين مؤجرة، دون استهلاك الأجزاء، بخلاف شمع لشعل وصابون لغسل مقدورًا عليه، بخلاف ديك ليوقظه لصلاة، ولا يصح، نصًّا 2، لأنه لا يقف على فعل الديك، ولا يمكن استخراجه منه بضرب ولا غيره.
وتجوز إجارة كتاب لنظر، وقراءة ونقل، لا مصحف، فلا تجوز إجارته، لأنه لا يجوز بيعه.
وتصح إجارة حائط لحمل خشب معلوم، وبئر يستقى منها أيامًا معلومة، لأن فيها نفعًا مباحًا بمرور الدلو، والماء يؤخذ على أصل الإباحة، وحيوان لصيد، وقرد لحراسة.
ولا تصح إجارة كلب، أو خنزير، لأنه لا يصح بيعهما.
ويصح استئجار عَنْبرٍ وصَنْدَل ونحوه، لشمٍّ مدةَ معينة، لأنه نفع مباح، كالثوب للبس.
ولا يصح استئجار ما يسرع فساده من الطيب، كالرياحين، لتلفها من قريب، تشبه المطعومات.
ولا تصح إجارة على زنا، أو زمر، أو غناء، أو نَوحٍ، ونَسْخٍ كتب بدعةٍ، وشِعْر محرم، ونحوه، لأن المنفعة المحرمة لا تقابل بعوض في بيع، فكذا في إجارة.

ولا تصح إجارة فحل الضراب، لنهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن عسب الفحل 1، متفق عليه.
ولا تصح إجارة في امرأة ذات زوج بلا إذنه، لتفويت حقه باشتغالها عنه، بما استؤجرت له.
(و) الشرط الثالث: (معرفة أجرة) لأنه عوض في عقد معاوضة، فاعتبر علمه، كالثمن، ولخبر: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره" 2 ويصح أن تكون الأجرة معينة، وأن تكون في الذمة.
ويصح استئجار دارٍ بسكنى دارٍ أخرى، مدة معلومة، للعلم بالعوض.
ويصح استئجار حلي للبس، بأجرة من جنسه أو غيره (إلا أجيرًا ومرضعًا) 3 أمًّا أو غيرها (بطعامهما وكسوتهما) فيصح، وإن لم يوصفا، وكذا لو استأجرهما بدراهم معلومة وشرط معها طعامهما وكسوتهما، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 4 فأوجب لهن النفقة والكسوة على الرضاع، ولم يفرق بين المطلقة وغيرها، بل الزوجة تجب نففتها وكسوتها بالزوجية، وإن لم ترضع، وهما في تنازع في صفة طعام أو

كسوة، أو قدرهما؛ كزوجة، فلهما نفقة، وكسوة مثلهما.
وسن لموسر استرضع أمةً لولده عند فطامه: إعتاقها، وحرةٍ إعطاؤها عبدًا أو أمةً، لحديث أبي داود، عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج عن أبيه قال: قلت: يا رسول اللَّه ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال: الغُرَّةُ: العبد أو الأمة 1. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال الشيخ تقي الدين: لعل هذا بالمتبرعة بالرضاع 2. (وإن دخل حمَّامًا، أو) ركب (سفينة، أو أعطى ثوبه خياطًا) ليخيطه (ونحوه) كأن أعطى ثوبه صبَّاغًا ليصبغه، أو قصارًا ليقصره، أو أعطى حدادًا حديدًا ليضربه سيفًا، ونحوه، أو استعمل حمّالًا، أو حلاقًا، أو دلالًا بلا عقد معه (صح، ووه أجرة مثل) ولو لم تجر عادة بأخذه أجرة، لأنه عمل له بإذنه ما لمثله أجرة، ولم يتبرع، وهذا في المنتصب لذلك، وإلا فلا شيء له إلا بعقد، أو شرط، أو تعريض.
وإن أكرى دابة، وقال لمستأجرها: إن رددتها اليوم فبخمسة، وإن رددتها غدًا فبعشرة، صح نصًّا 3. (وهي) أي الإجارة (ضربان) أحدهما: (إجارة) منفعة (عين وشرط) لها شروط خمسة: أحدها: (معرفتها) أي العين المؤجرة للعاقدين، برؤية، أو صفة، كالمبيع، لاختلاف الغرض باختلاف العين وصفاتها.
(و) الشرط الثاني: (قدرة) مؤجر (على تسليمها) أي العين المؤجرة كمبيع، لأنها بيع منافع أشبهت بيع الأعيان، فلا تصح إجارة آبق، ولا

شارد، ولا مغصوب ممن لا يقدر على أخذه، كما لا يصح بيعه.
(و) الشرط الثالث: (عقد في غير مرضع 1 على نفعها) أي العين المؤجرة (دون أجزائها) فلا تصح إجارة الطعام للأكل، ولا الشمع للشعل، ولا الصابون للغسل، كما تقدم 2. ولا تصح إجارة حيوان ليرضعه ولده، أو قنه أو يأخذ لبنه، ولا أن يستأجره ليأخذ صوفه، أو شعره، أو وبره، لأن مورد عقد الإجارة النفع، والمقصود ههنا العين، وهي لا تملك ولا تستحق بإجارة.
ويصح استئجار الآدمية للرضاع، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 3 والفرق بينها وبين البهائم أنه يحصل منها عمل من وضع الثدي في فم المرتضع، بخلاف البهيمة، وللضرورة.
(و) الشرط الرابع: (اشتمال) العين المؤجرة (على النفع)، فلا تصح إجارة بهيمة زمنةٍ 4 للحمل، أو الركوب، ونحو ذلك، ولا لقلع سن سليم، أو قطع يد سليمة، ولا تصح إجارة أرض لا تنبت للزرع.
(و) الشرط الخامس: (كونها) أي المنفعة، مملوكة المؤجر أو مأذونًا له فيها) لأنها بيع المنافع، فاشترط فيها ذلك، كالبيع.
وتصح إجارة مستأجر العين، لمن يقوم مقامه في استيفاء النفع، أو لمن دونه في الضرر، ولا يجوز أن يؤجرها لمن [هو] 5 أكثر ضررًا منه، ولا لمن يخالف ضررُه ضررَه.
وإن كان المأجور حرًّا، فليس لمستأجره أن يؤجره، لأنه لا تثبت يد غيره عليه، وإنما هو يسلم نفسه إن كان كبيرًا، أو يسلمه وليه إن كان صغيرًا.

وتصح إجارة العين المؤجرة لمؤجرها بمثل الأجرة، وبزيادة، ولو لم يقبض المستأجر المأجور، ما لم تكن حيلة لعينةٍ بأن أجرها بأجرة حالة، ثم استأجرها بأكثر منه مؤجلًا، فلا يصح، لما سبق، في مسألة العينة 1، وليس للمؤجر الأول مطالبة المستأجر الثاني بالأجرة، لأن غريم الغريم ليس بغريم.
وتصح إجارة وقف، فإن مات المؤجر انفسخت، إن كان المؤجَر الموقوف عليه ناظرًا بأصل الاستحقاق، وإن جعل له الواقف النظر، أو تكلم بكلام يدل عليه، فله النظر بالاستحقاق والشرط، ولا تبطل الإجارة بموته.
(وإجارة العين قسمان) أحدهما: أن تكون (إلى أمد معلوم) كإجارة الدار شهرًا، أو الأرض عامًا، أو الآدمي للخدمة، والرعي، والخياطة، أو للنسخ مدة معينة، ويسمى الأجير فيها الخاص 2، وهو من قُدِّر نفعه بالزمن، ويشترط أن يكون الأمد معلومًا (يغلب على الظن بقاؤها) أي العين المؤجرة (فيه) وإن طال، لأن المعتبر كون المستأجر يمكنه استيفاء المنفعة منها غالبًا، ولا فوق بين الوقف والملك، ولا يشترط أن تلي مدة الإجارة العقد، فتصح إجارة عين لسنة خمس في سنة أربع، ولو كانت العين مؤجرة، أو موهونة، أو مشغولة بنحو زرع وقت عقد، إن قدر مؤجر على تسليم ما آجره عند وجوبه.
القسم (الثاني): إجارة العين (لعمل معلوم كإجارة دابة) معينة، أو موصوفة (لركوب، أو حمل إلى موضع معين) وله ركوب مؤجرة إلى موضع مثله، في طويق مماثلة للطريق المعقود عليها، مسافةً وسهولة، وأمنًا.
(الضرب الثاني) من ضربي الإجارة: (عقد على منفعة في الذمة، في

جارٍ التحميل