الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 768-807

المجوسي 1، وألحق به باقي المشركين لأنهم دونه، وأما قوله عليه السلام: "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب" 2 فالمراد في حقن دمائهم وأخذ الجزية منهم، ولذلك لا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم، وجراحه وأطرافه بالنسبة إلى ديته نصًّا 3، كما أن جراح المسلم بالحساب من ديته، ودية أنثى ممن تقدم ذكره من الكفار كنصف دية ذكرهم، قال في "الشرح" 4: "لا نعلم فيه خلافا".
وتغلظ دية خطأ في كل من حرم مكة وإحرام وشهر حرام ثلث دية نصًّا 5 وهو

من المفردات، لما روى أبو نجيح 1: "أن امرأة وطئت في الطواف، فقضى عثمان فيها بستة آلاف وألفين تغليظًا للحرم" 2، وعن ابن عباس: "في رجل قتل في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام ديته اثنا عشر ألف درهم، وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف" 3، وهذا في مظنّة الشهرة ولم ينكر، ومع اجتماع حالات التغليظ كلها يجب ديتان، قال في "الشرح" 4: "وظاهر كلام الخرقي أن الدية لا تغلظ بشيء من [ذلك] 5 ". وهو ظاهر الآية والأخبار، وعلم منه أنه لا تغليظ في القتل عمدًا ولا في قطع طرف، وإن قتل مسلم كافرًا ذميًا أو معاهدًا عمدًا أضعفت ديته على المسلم لإزالة القود، قضى به عثمان، رواه عنه أحمد 6، فظاهره

الإضعاف في جراحه، وفي "الوجيز" 1: "يضعف".
ولم يتعرض له في "الإنصاف" 2. (ودِيَةُ رَقِيْقٍ) ذكرا أو أنثى أو خنثى صغيرا أو كبيرا ولو مدبرا أو أم ولد أو مكاتبا (قِيْمَتُهُ) عمدًا كسان القتل أو خطأ من حر أو غيره، وسواء ضمن باليد أو الجناية ولو كانت قيمته فوق دية حر لأنه مال متقوم فضمن بكمال قيمته كالفرس، وضمان الحر ليس بضمان مال، ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته التي يزيد بها قيمته لو كان رقيقا وإنما يضمن بما قدره الشرع، وضمان الرقيق ضمان مال يزيد بزيادة المالية وينقص بنقصانها.
(وجرحُهُ) أي الرقيق (إِنْ كَانَ مُقَدَّرًا مِنَ الْحُرِّ فَهو مقدَّرٌ منه مَنْسُوبًا إلى قِيمتِهِ)، ففي لسانه قيمته كاملة، وفي يده نصفها، وفي موضحة نصف عشر قيمته سواء نقص بجنايته أقل من ذلك أو أكثر منه، (وإِلَّا) يكن فيه مقدر من الحر كالعُصْعُصِ 3

وخَرْزَةِ الصُّلْب 1 (فـ) على جان (مَا نَقَصَهُ) بجنايته (بعد بُرْءٍ)؛ لأن الأرش جبر لما فات بالجناية وقد انجبر بذلك فلا يزاد عليه كغيره من الحيوانات، فلو جنى على رأسه أو وجهه دون موضحة ضمن بما نقص ولو أنه أكثر من أرش موضحة كسائر الأموال إذا نقصها، ودية من نصفه حر نصف دية حر ونصف قيمته وكذا جراحه.
(ودِيةُ جَنِيْنٍ) ولو أنثى (حُرٍّ) مسلم، والجنين: الولد في البطن من الإجنان وهو الستر لأنه أجنه بطن أمه أي ستره 2، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ 3، أو ما تصير به قِنٌّ أمَّ ولد، وهو ما تَبَيَّنَ فيه خلق إنسان ولو خفيا إن ظهر أو ظهر بعضه ميتا، ولو كان ظهوره بعد موت أمه بجنايته عمدا أو خطأ فسقط في الحال أو بقيت متالمة حتى سقط -فإن لم يسقط كأن قتل حاملا ولم يسقط جنبنها فلا شيء فيه- ولو كان إسقاطها بفعلها بشرب دواء أو كانت أمة والجنين حر لغرور أو شرط أو اعتاقه وحده -فتقدر أمه حرة- (غُرَّة) خبر: دية جنين، وتتعدد بتعدده وهي عبد أو أمة، وأصلها الخيار سمي بها العبد والأمة لأنهما من أنفس الأموال.
ووجه وجوب الغرة في الجنين حديث أبي هريرة قال: "اقتتلت امرأتان من هذيلٍ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقضى أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على

عاقلتها، وورثها ولدها ومن معه" متفق عليه 1. (مَوْرُوثَةٌ عنهُ) أي الجنين، كأنه سقط حيًا ثم مات لأنها بدله، ولأنها دية آدمي حر فوجب أن تورث عنه كسائر الديات فلا حق فيها لقاتل؛ لأنه لا يرث المقتول ولا لكامل رقّ؛ لأنه مانع للإرث.
(قِيْمَتُهَا عُشْرُ دِيةِ أُمِّهِ) صفة لغرة أي خمس من الإبل روي ذلك عن عمر وزيد 2؛ لأنه أقل ما قدره الشرع في الجناية وهو أرش الموضحة.
ولا يقبل فيها معيب ولا من له دون سبع سنين؛ لأنه لا يحصل به المقصود من الخدمة، فإن أعوزت الغرة فقيمتها من الدية.

(و) في جنين (قِنٍّ) ولو أنثى (عُشرُ قِيْمَتِها) أي أمه كما لو جنى عليها موضحة.
وإن كان الجنين قِنًّا وأمُّهُ حُرةً بأن أعتقها سيدها (و) استثناه فـ (تُقَدَّرُ) أمه الـ (حرة أمةً) كعكسه ويؤخذ عُشر قيمتها يوم جناية عليها نقدًا كسائر أروش الأموال.
ولا يجب مع غرة ضمان نقص أم، وفي جنين محكوم بكفره كجنين ذمية من ذمي لاحق به غرة قيمتها عشر دية أمه قياسًا على جنين الحرة السلمة.
وإن سقط الجنين حيا لوقت يعيش لمثله وهو نصف سنة فصاعدًا ولو لم يستهل ثم مات بسبب جناية ففيه دية كاملة، كما لو كانت الجناية عليه بعد ولادته حيا.
وإن اختلف الجاني ووارث الجنين في خروجه حيا ولا بينة فقول جانٍ بيمينه؛ لأنه منكر لما زاد عن الغرة، والأصل براءته منه، وإن أقاما بينتين بذلك قدمت بينة الأم، وإن ثبتت حياته وقالت لوقت يعيش لمثله وأنكر جانٍ فقولها.
وإن ادعت امرأة على آخر أنه ضربها فألقت جنينها فأنكر الضرب فقوله بيمينه؛ لأن الأصل عدمه، وإن أقر بالضَّرب أو قامت به بينة وأنكر أن تكون أسقطت فقوله بيمينه أنه لا يعلم أنها أسقطت لا على البَتِّ؛ لأنه على فعل الغير.
وإن ثبت الإسقاط والضرب وادعى إسقاطها من غير الضرب فإن كانت أسقطت عقب الضرب فقولها بيمينها إحالة للحكم على ما يصلح أن يكون سببا له، وكذا لو أسقطت بعده بأيام وكانت متألمة إلى الإسقاط وإلا فقوله بيمينه.

وفي جنين دابةٍ ما نقص أمه نصًّا 1، كقطع بعض أجزائها، قال في "القواعد" 2: "وقياسه جنين الصيد في الحرم والإحرام".

فصل

(وإن جنى رقيق) عبد أو أمة ولو مدبرا أو أم ولد أو معلقا عتقه بصفة (خطأ أو عمدا) لا قود فيه كجائفة، أو عمدا فيه قود (واختير المال) أي اختاره ولي الجناية تعلق برقبته، (أو أتلف مالا بغير إذن سيده) تعديا لم تلغ جنايته ولا إتلافه؛ لأنها جناية آدمي فوجب اعتبارها كجناية الحر وكالصغير والمجنون وأولى، ولا يمكن تعلقها بذمة الرقيق لأنه يفضي إلى إلغائها أو تأخير حق المجني عليه إلى غير نهاية، ولا بذمة السيد لأنه لم يجن فتعين تعلقها برقبة الرقيق لأن ذلك موجب جناية كالقصاص، وإذا تعلق برقبته (خير) سيده (بين فدأئه بأرش الجناية) إن كان أقل من قيمته (أو تسليمه لوليها) أي ولي الجناية، فيملكه أو يبيعه ويدفع ثمنه لولي الجناية، فإن كان أرش الجناية أكثر من قيمته لم يكن على السيد أكثر من قيمته إلا أن يكون السيد أمره بالجناية أو أذن له فيها، فيلزمه الأرش كله كما لو استدان بإذن سيده.

﴿فصل﴾ فى دية الأعضاء ومنافعها

(ومن أتلف ما في الإنسان منه) شيء (واحد كأنف) ولو مع عوجه بأن قطع مارنه (ففيه ديه نفسه) نصا 1، فإن كان من ذكر حر مسلم ففيه ديته، وإن كان من حرة مسلمة ففيه ديتها، وإن كان من خنثى مشكل ففيه ديته على ما تقدم، وكذكر ولو لصغير نصا 2، أو لشيخ فإن ففيه دية نفسه، وكلسان ينطق به كبير أو يحركه صغير ببكاء ففيه دية نفسه لحديث عمرو بن حزم مرفوعا: "وفي الذكر الدية وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية، وفي اللسان الدية" رواه أحمد والنسائي ولفظه له 3، ولأن في إتلافه إذهاب منفعة الجنس.

(أو) أتلف ما في الإنسان منه (اثنان أو أكثر فكذلك) ففيه الدية كاملة، (وفي أحد ذلك نسبته منها) كالعينين ولو مع حول أو عمش 1، وسواء الصغيرتان والكبيرتان لعموم حديث عمرو بن حزم، ومع بياض بالعينين أو بأحدهما ينقص البصر تنقص الدية بقدره، وكالأذنين، قضى به عمر وعلي 2، وكالشفتين إذا استوعبتا وفي البعض بقسطه من ديتها بقدر الآخر، وكاللحيين وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان؛ لأن فيهما نفعا وجمالا وليس في البدن مثلهما، وكثندوتي رجل -بالثاء المثلثة- وهما له بمنزلة ثديي المرأة، فإن ضممت الأول همزته، وإن فتحته لم تهمز فالواحدة مع الهمزة فعللة ومع الفتح فعلوة 3، وكأنثييه ففيهما الدية وفي إحداهما نصفها، وكثديي أنثى وإسكتيها بكسر الهمزة وفتحها وهما شفراها أي حافتا فرجها ففيهما الدية؛ لأن = ذكر كتبة المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم-، كتاب التاريخ برقم (6559) الإحسان 14/ 507، والحاكم، باب زكاة الذهب، كتاب الزكاة، المستدرك 1/ 397، والبيهقي، مفرقا في: باب دية الأنف، وباب دية اللسان، وباب دية الذكر والأنثيين، كتاب الديات، السنن الكبرى 8/ 87 - 89، 97. وحديث عمرو بن حزم تقدم الكلام عليه، وهذا جزء منه.

فيهما نفعا وجمالا، وإن جنى عليهما فأشلهما فالدية كما لو أشل الشفتين، وسواء الرتقاء وغيرها، وكاليدين والرجلين لأن في إتلافهما إذهاب منفعة الجنس، وقدم أعرج ويد أعسم 1 ويد مرتعش كصحيح للتساوي في البطش.
وفي الأليتين الدية كاملة وإن لم يصل القطع إلى العظم، وفي منخريه ثلثا الدية، وفي حاجز ثلثها لاشتمال المارن على ثلاثة أشياء منخرين وحاجز فوجب توزيع الدية على عددها كالأصابع، وإن قطع أحد المنخرين ونصف الحاجز ففي ذلك نصف الدية، وإن شق الحاجز بينهما ففيه حكومة.
وفي الأجفان الأربعة الدية، وفي أحدها ربعها؛ لأنها أعضاء فيها جمال ظاهر ونفع كامل لأنها تكن العين وتحفظها من الحر والبرد، ولولاها لقبح منظر العين، وأجفان عين الأعمى كغيرها لأن ذهاب البصر عيب في غير الأجفان.
وفي أصابع اليدين أو الرجلين الدية، وفي إصبع يد أو رجل عشرها لحديث الترمذي وصححه عن ابن عباس مرفوعا: "دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل إصبع" 2، وفي البخاري عنه مرفوعا قال: "هذه وهذه

سواء" 1 يعني الخنصر والإبهام.
وفي الأنملة ولو مع ظفر إن كانت من إبهام يد أو رجل نصف عشر الدية؛ لأن في الإبهام مفصلين ففي كل مفصل نصف عقل الإبهام، وفي الأنملة من غير الإبهام ثلث عشر الدية؛ لأن فيه ثلاثة مفاصل فتوزع ديته عليها.
(وفي الظفر) إن لم يعد أو عاد أسود (بعيران) أي خمس دية إصبع نصا 2، روي عن ابن عباس ذكره ابن المنذر 3 ولم يعرف له مخالف من الصحابة.
= سواء، كتاب الديات، السنن الكبرى 8/ 92، والحديث قال عنه الترمذي: "حسن صحيح غريب"، وصححه الألباني في الإرواء 7/ 316 - 317.

وفي سن أو ناب أو ضرس قلع بسنخه 1 أو الظاهر منه فقط ولو كان من صغير ولم يعد أو عاد أسود واستمر أو عاد أبيض ثم أسود بلا علة خمس من الإبل، روي عن عمر وابن عباس 2، وفي حديث عمرو بن حزم مرفوعا: "في السن خمس من الإبل" رواه النسائي 3، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "في الأسنان خمس" رواه أبو داود 4، وهو عام فيدخل فيه الناب

والضرس، ويؤيده حديث ابن عباس مرفوعا: "الأصابع سواء، والأسنان سواء، والثنية سواء، هذه وهذه سواء" رواه أبو داود 1، ففي جميع الأسنان مائة وستون بعيرا لأنها اثنان وثلاثون، أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربعة أنياب وعشرون ضرسا في كل جانب خمسة عشرة من فوق وخمسة من تحت.
وفي سنة واحده حكومة، وفي سن أو ظفر عاد قصيرا أو متغيرا أو أبيض ثم أسود لعلة حكومة؛ لأنها أرش كل ما لا مقدر فيه وتأتي 2. وتجب دية يد ورجل بقطع من كوع ومن كعب لفوات نفعهما المقصود منهما بالقطع من ذلك، ولا شيء لزائد لو قطعا من فوق ذلك، كأن قطعت اليد من المنكب أو الرجل من الساق نصا 3؛ لأن اليد اسم للجميع إلى المنكب لقوله = 2/ 379، والدارمي، باب دية الأسنان، كتاب الديات برقم (2374) سنن الدارمي 2/ 256، والدارقطني، كتاب الحدود والديات وغيره، سنن الدارقطني 3/ 210، والبيهقي، باب دية الأسنان، كتاب الديات، السنن الكبرى 8/ 89، والحديث حسن إسناده الألباني في الإرواء 7/ 320.

تعالى: [﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ والرجل إلى الساق لقوله تعالى] 1 ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ 2، ولما نزلت آية التيمم مسحت الصحابة إلى المناكب 3، وأما قطعهما بالسرقة من الكوع والكعب فلحصول المقصود به ولذلك وجبت ديتهما بقطعهما منه، وكذلك الذكر يجب بقطعه من أصله كما يجب بقطع الحشفة، وإن قطع يده من الكوع ثم قطعها من المرفق وجب في المقطوع ثانيا حكومة.
وفي مارن أنف وحشفة ذكر وحلمة ثدي دية كاملة؛ لأنه الذي يحصل به الجمال في الأنف، وحشفة الذكر وحلمة الثدي بمنزلة الأصابع من اليدين.
وفي تسويد سنن وظفر وأذن بحيث لا يزول التسويد دية ذلك العضو كاملة لإذهابه جماله.
وفي إذهاب نفع عضو ديته كاملة كما لو قطعه لصيرورته كالمعدوم.

وفي قطع نصف ذكر بالطول نصف ديته، وقيل: بل دية كاملة واختاره في "الإقناع" 1 وغيره 2. وفي عضو ذهب نفعه وبقيت صورته حكومة.

فصل

(وتجب) الدية (كاملة في كل حاسة) أي القوة الحاسة يقال: حس وأحس أي علم وأيقن وبالألف أفصح وبها جاء القرآن 1، قال الجوهري: "الحواس المشاعر الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس" 2، لحديث: "وفي السمع الدية"، 3، ولأن عمر: "قضى في رجل ضرب رجلا فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات والرجل حي" ذكره أحمد 4، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، ولأن كلا منها يختص بنفع أشبه السمع.
(وكذا) تجب الدية كاملة في (كلام)، وفي بعض الكلام

بحسابه من الدية، (و) في (عقلي) قال بعضهم بالإجماع 1 لما في كتاب عمرو بن حزم 2، وروي عن عمر وزيد 3، ولأنه أكبر المعاني قدرا وأعظمها نفعا إذ به يتميز الإنسان عن البهائم وبه يهتدي للمصالح ويدخل في التكليف، وهو شرط للولايات وصحة التصرفات والعبادات.
وتجب كاملة في حدب -بفتح الحاء والدال المهملتين مصدر حدب بكسر الدال أي صار أحدب- لذهاب الجمال؛ لأن انتصاب القامة من الكمال والجمال، وبه شرف الآدمي على سائر الحيوانات.
وتجب كاملة في صعر بفتح المهملتين بأن يضرب فيصير وجهه في جانب نصا 4، وأصل الصعر داء يأخذ البعير في عنقه فيلتوي منه عنقه 5، قال تعالى:

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ 1 أي لا تعرض عنهم بوجهك تكبرا 2. وتجب كاملة في صيرورة المجني عليه لا يستمسك غائطا أو بولا لأن كلا منهما منفعة كبيرة ليس في البدن مثلها أشبه السمع والبصر، فإن فاتت المنفعتان ولو بجناية واحدة فديتان.
(و) تجب كاملة في (منفعة أكل) لأنه نفع مقصود أشبه الشم، (و) تجب كاملة في منفعة (مشي) لأنه نفع مقصود أشبه الكلام، (و) تجب كاملة في منفعة (نكاح) كإن كسر صلبه فذهب نكاحه، روي عن علي 3؛ لأنه نفع مقصود أشبه المشي.
وتجب كاملة في ذهاب منفعة صوت ومنفعة بطش.
وتجب في إذهاب بعض يعلم بقدره، وإلا يعلم فحكومة، ويقبل قول مجني عليه في نقص سمعه وبصره بيمينه لأنه لا يعلم إلا من جهته، وإن ادعى نقص إحدى عينيه عصبت التي يدعي نقص ضوئها وأطلقت الأخرى، ونصب له شخص ويتباعد عنه حتى تنتهي رؤيته فيعلم الموضع، ثم تشد الصحيحة وتطلق الأخرى، وينصب له شخص ثم يذهب حتى تنتهي رؤيته فيعلم، ثم يدار الشخص إلى جانب آخر ويصنع كذلك ثم يعلم عند المسافتين ويذرعان ويقابل بينهما، فإن استوتا فقد صدق وله من الدية بقدر ما بين الصحيحة والعليلة من الرؤية، وإن

اختلفت المسافتان فقد كذب، روى ابن المنذر نحوه عن عمر 1. وإن اختلف جان ومجني عليه في ذهاب بصر أري أهل الخبرة بذلك، لأنهم أدرى به وامتحن بتقريب شيء إلى عينه وقت غفلته، فإن حركها فهو يبصر لأن طبع الآدمي الحذر على عينيه، وإن بقيتا بحالهما دل على أنه لا يبصر.
وإن اختلفا في ذهاب سمع أو شم أو ذوق صيح به وقت غفلته 2 إن اختلفا في ذهاب سمعه، وأتبع بمنتن إن اختلفا في ذهاب شمه، وأطعم الشيء المر إن اختلفا في ذهاب ذوقه، فإن فزع من الصياح أو عبس للمنتن أو المر سقطت دعواه لتبين كذبه وإلا صدق بيمينه؛ لأن الظاهر صحة دعواه.
(ومن وطئ زوجة يوطأ مثلها لمثله) بأن لم تكن صغيرة ولا نحيفة (فخرق) بوطئه (ما بين مخرج بول ومني، أو) خرق (ما بين السبيلين فـ) هو (هدر) لحصوله من فعل مأذون فيه كأرش بكارتها، وكما لو أذنت في قطع يدها فسرى القطع إلى نفسها، (وإلا) تكن الزوجة يوطأ مثلها لمثله فوقع ذلك (فـ) عليه أرش (جائفة إن استمسك بول) ثلث الدية لقضاء عمر في الإفضاء بثلث الدية 3، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، (وإلا) يستمسك بول (فـ) عليه

(الدية) كاملة لإبطاله نفع المحل الذي يجتمع فيه البول وعليه المهر المسمى في النكاح؛ لأنه تقرر بالدخول مع أرش الجناية المذكور، ويجب أرش بكارة حكومة مع فتق بغير وطء لعدوانه بذلك الفعل، وإن التحم ما أرشه مقدر كجائفة وموضحة وما فوقها ولو على غير شين لم يسقط أرشه لعموم النصوص.
(وفي كل) واحد (من) الشعور الأربعة وهي: (شعر) إلى (رأس و) شعر (حاجبين و) شعر (أهداب العينين و) شعر (لحية الدية)، روي عن علي وزيد بن ثابت: "في الشعر الدية" 1، ولأنه أذهب الجمال على الكمال كأذني الأصم وأنف الأخشم بخلاف اليد الشلاء فليس جمالها كاملا.
(و) في (حاجب نصفها) أي الدية لأن فيه منه شيئين، (و) في (هدب ربعها) لأن فيه منها أربعة، (و) في (شارب حكومة) نصا 2، وفي بعض كل من الشعور

الأربعة بقسطه من الدية بقدر المساحة كالأذنين، وسواء كانت هذه الشعور كثيفة أو خفيفة جميلة أو قبيحة من صغير أو كبير كسائر ما فيه دية من الأعضاء.
(وما عاد) من شعر (سقط ما فيه) من دية أو بعضها أو حكومة كما تقدم في سنن ونحوها إذا عادت، وإن عادت بعد أخذ ما فيه رده.
وإن قلع جفنا بهدبه فدية الجفن فقط لتبعية الشعر له في الزوال كالأصابع مع الكف، وإن قلع لحيين بأسنانهما فعليه دية الكل فلا تدخل دية الأسنان في دية اللحيين لأن الأسنان ليست متصلة باللحيين بل مغروزة فيها وكل من اللحيين والأسنان ينفرد باسمه عن الآخر، واللحيان يوجدان قبل الأسنان ويبقيان بعد قلعها، وإن قطع كفا بأصابعه لم يجب غير دية يد لدخول الكل في مسمى اليد كقطع ذكر بحشفة.
وفي كف بلا أصابع، وفي ذراع بلا كف، وفي عضد بلا ذراع في كل واحد ثلث ديته أي الكف شبهه أحمد بعين قائمة 1، وكذا تفصيل رجل، ومقتضي تشبيه الإمام بالعين القائمة أن في ذلك حكومة، ومشى عليه في "الإقناع" 2، وقال في حاشية "التنقيح" 3 أنه المذهب وعليه جمهور الأصحاب.

(وفي عين الأعور دية كاملة) قضى به عمر وابنه وعلي وعثمان 1، ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة، ولأنه أذهب البصر كله فوجب عليه جميع ديته كما لو أذهبه من العينين لأنه يحصل بعين الأعور ما يحصل بعيني الصحيح لرؤيته الأشياء = ينظر: السحب الوابلة 3/ 1134 - 1135.

البعيدة وإدراكه الأشياء اللطيفة.
(وإن قلعها) أي عين الأعور (صحيح) العينين (أقيد) أي قلعت عينه (بشرطه) السابق لما تقدم، (وعليه) أي الصحيح (أيضا) معه أي القود من نظيرتها (نصف الدية)؛ لأنه أذهب بصر الأعور كله، ولا يمكن إذهاب بصره كله لما فيه من أخذ عينين بعين واحدة، وقد استوفى نصف البصر تبعا لعينه بالقود وبقي النصف الذي لا يمكن القصاص فيه فوجبت ديته.
(وإن قلع) الأعور (ما يماثل صحيحته) أي عينه الصحيحة (من) شخص (صحيح) العينين (عمدا فـ) على الأعور (دية كاملة) ولا قود عليه في قول عمر وعثمان 1، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة؛ لأن القصاص يفضي إلى استيفاء جميع البصر، وهو إنما أذهب بعض بصر الصحيح، فلما امتنع القصاص وجبت الدية لئلا تذهب الجناية مجانا، وكانت كاملة؛ لأنها بدل القصاص الساقط عنه رفقا به، ولو اقتص منه ذهب ما لو ذهب بالجناية لوجبت فيه دية كاملة، وإن قلع الأعور ما يماثل عينه الصحيحة خطأ فنصف الدية كما لو قلعها صحيح، وكذا لو قلع ما لا يماثل صحيحته، وإن قلع الأعور عيني صحيح عمدا فالقود أو الدية فقط لأنه أخذ جميع بصره ببصره.
(و) يد (الأقطع) ورجله (كغيره) إن قطعت يده الأخرى أو رجله ولو عمدا

ففيها نصف ديته ذكرا كان أو أنثى، مسلما كان أو كافرا، حرا أو رقيقا، كبقية الأعضاء؛ لأن أحد هذين العضوين لا يقوم مقامهما بخلاف عين الأعور، ولو قطع الأقطع يد صحيح أو رجله أقيد بشرطه السابق لوجود الموجب وانتفاء المانع.

فصل في الشجاج وكسر العظام

والشجة: جرح الرأس والوجه، سميت بذلك لقطعها الجلد، وفي غيرهما يسمى جرحا لا شجة، وهي باعتبار أسمائها المنقولة عن العرب عشر 1 مرتبة، خمس منها فيها حكومة، وخمس فيها مقدر.
فالخمس التي فيها مقدر: - 1 - أولها: ما ذكره بقوله: (وفي الموضحة) وهي التي توضح العظم أي تبرزه ولو بقدر رأس إبرة فلا يشترط وضوحه للناظر، والوضح البياض، سميت بذلك لأنها أبدت بياض العظم، وفيها نصف عشر الدية (خمس من الإبل) لما في حديث عمرو بن حزم: "وفي الموضحة خمس من الإبل" 2، وسواء كانت في الرأس أو الوجه

لعموم الأحاديث، وروي عن أبي بكر وعمر 1، وهي إن عمت رأسا أو لم تعمه ونزلت إلى وجه موضحتان لأنه وضحة في عضوين، فلكل حكم نفسه، وإن أوضحه موضحتين بينهما حاجز فعليه عشر من الإبل؛ لأنهما موضحتان، فإن ذهب الحاجز بفعل جان أو سراية صارا واحدة، كما لو أوضح الكل بلا حاجز، وإن اندملتا ثم أزال الحاجز بينهما فعليه خمس عشرة بعيرا لاستقرار أرش الأولتين عليه باندمالهما ثم لزمه أرش الثالثة.
2 - ثم يلي الموضحة الهاشمة، وقد ذكرها بقوله: (و) في (الهاشمة) أي التي توضح العظم وتهشمه أي تكسره (عشر) من الإبل، روي عن قبيصة بن ذؤيب 2 عن زيد بن ثابت 3، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، وقول الصحابي فيما يخالف القياس توقيف، فإن هشمه هاشمتين بينهما حاجز ففيهما عشرون بعيرا، فإن زال الحاجز فعلى ما تقدم تفصيله، والهاشمة الصغيرة كالكبيرة.
3 - ثم تليها المنقلة، وقد ذكرها بقوله: (و) في (المنقلة): وهي التي توضح وتهشم

وتنقل العظم (خمسة عشر) بعيرا حكى ابن المنذر إجماع أهل العلم 1، وفي كتاب عمرو بن حزم: "وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل" 2، فإن كانتا منقلتين فعلى ما سبق.
4 - ثم يليها المأمومة التي تصل إلى جلدة الدماغ، وتسمى الآمة، قال ابن عبد البر: "أهل العراق يقولون لها: الآمة، وأهل الحجاز المأمومة".
3، وتسمى أيضًا: أم الدماغ لوصولها إلى الجلدة التي تحوط الدماغ، وقد ذكرها بقوله: (و) في (المأمومة ثلث الدية) لما في كتاب عمرو بن حزم مرفوعًا: "وفي المأمومة ثلث الدية"، 4، وعن ابن

عمر مثله 1 (كالجائفة) وهي: ما يصل إلى باطن جوف من جرح كداخل بطن وظهر وصدر وحلق ومثانة وبين خصيتين وداخل دبر، لما في كتاب عمرو بن حزم: "وفي الجائفة ثلث الدية" 2، وإن جرح جانبا فخرج من جانب آخر فجائفتان نصا 3، لما روى سعيد بن المسيب: "أن رجلا رمى رجلا بسهم فأنفذه، فقضى = 1/ 397، والبيهقي، باب المأمومة، كتاب الديات، السنن الكبرى 8/ 82، وصححه الألباني في الإرواء 7/ 327.

أبو بكر بثلثي الدية" أخرجه سعيد في سننه 1، ولا يعرف له مخالف من الصحابة فهو كالإجماع.
5 - (و) كـ (الدامغة) أي: التي تخرق جلدة الدماغ ففيها ثلث الدية أيضًا لما في كتاب عمرو بن حزم في المأمومة، والدامغة أولى، وصاحبها لا يسلم غالبا.
6 - (وفي الحارصة): -بالحاء والصاد المهملتين- التي تحرص الجلد أي تشقه ولا تدميه، حكومة.
7 - (و) في (البازلة): الدامعة -بالعين المهملة- التي تدمي الجلد يقال: بزل الشيء إذا سال 2، وسميت دامعة لقلة سيلان الدم منها تشبيها له بخروج الدمع من العين، حكومة.
8 - (و) في (الباضعة): التي تبضع اللحم أي تشقه بعد الجلد، ومنه -البضع- حكومة.
9 - (و) في (المتلاحمة): أي الغائصة في اللحم، مشتقة من اللحم لغوصها فيه حكومة.

10 - (و) في (السمحاق): التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة تسمى السمحاق، سميت الجراحة الواصلة إليها بها ففي كل من هذه الخمس (حكومة) لأنه لا توقيف فيها من الشرع ولا قياس يقتضيه، وعن مكحول 1 قال: "قضى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الموضحة بخمس من الإبل ولم يقض فيما دونها".
2

فصل

وفي كسر ضلع جبر لم تتغير صفته بعير، وكذا ترقوة جبرت كما كانت ففيها بعير نصا 1، وفي الترقوتان بعيران لما روى سعيد بسنده عن زيد بن أسلم 2 عن عمر بن الخطاب: "في الضلع جمل، وفي الترقوة جمل" 3، والترقوة: العظم المستدير حول العنق من ثغرة النحر إلى الكتف لكل إنسان ترقوتان 4، وإلا يجبر الضلع والترقوة مستقيمين ففي كل منهما حكومة، وفي كسر كل عظم من زند وعضد وفخذ وساق وذراع بعيران نصا 5، لما روى سعيد عن عمرو بن شعيب أن عمرو بن العاص: "كتب إلى عمر في أحد الزندين إذا كسر، فكتب إليه عمر أن

فيه بعيرين، وإذا كسر الزندان ففيهما أربع من الإبل" 1، ومثله لا يقال من قبل الرأي، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، وألحق بالزند في ذلك باقي العظام المذكورة؛ لأنها مثله.
وفيما عدا ما ذكر من جرح ومن كسر عظم ككسر خرزة صلب وكسر عصعص وكسر عظم عانة حكومة؛ لأنه لا مقدر فيها.
والحكومة: أن يقوم مجني عليه كأنه رقيق لا جناية به، ثم يقوم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة بالجناية فله على جان كنسبة نقص القيمة من الدية 2، فيجب فيمن قوم لو كان رقيقا صحيحا بعشرين، ومجنيا عليه بخمسة عشر ربع ديته لنقصه بالجناية ربع قيمته لو كان رقيقا وهكذا.
ولا يبلغ بحكومة محل له مقدر شرعا مقدره، فلا يبلغ بها أرش موضحة في شجة دونها كالسمحاق، ولا دية إصبع أو دية أنملة فيما دونهما، ولا يقوم مجني عليه حتى يبرأ ليستقر الأرش، فلو لم تنقصه الجناية حال برء قوم حال جريان دم لئلا تذهب الجناية على معصوم هدرا، فإن لم تنقصه الجناية أيضًا أو زادته حسنا كقطع سلعة أو ثؤلول فلا شيء فيها لأنه لا نقص فيها.

(فصل) في العاقلة وما تحمله من الدية

والعاقلة: من غرم 1 ثلث دية فأكثر بسبب جناية غيره 2، سموا بذلك لأنهم يعقلون، يقال: عقلت فلانا إذا أعطيته ديته، وعقلت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته، وأصله من عقل الإبل، وهي الحبال التي تثنى بها أيديها، ذكره الأزهري 3، وقيل: من العقل أي المنع؛ لأنهم يمنعون عن القاتل، أو لأنها تعقل لسان ولي المقتول 4. (وعاقلة جان) ذكرا وأنثى (ذكور عصبته نسبا وولاء) حتى عمودي نسبه، وحتى من بعد كابن ابن عم جد جان، لحديث أبى هريرة قال: "قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن ميراثها لبنتيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها" متفق عليه 5، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى أن يعقل عن المرأة عصبتها من كانوا، ولا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها" رواه

الخمسة إلا الترمذي 1، ولأن العصبة يشدون أزر قريبهم وينصرونه فاستوى قريبهم وبعيدهم في العقل، ولأن الأب والابن أحق بنصرته من غيرهما فوجب أن يحملا عنه كالإخوة وبني الأعمام، وأما حديث: "لا يجني عليك ولا تجني عليه" 2 أي إثم جنايتك لا يتخطاك إليه وإثم جنايته لا يتخطاه إليك كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ 3. وإذا ثبت العقل في عصبة النسب فكذا عصبة الولاء لعموم الخبر، وأما الأخ

للأم وذوو الأرحام والنساء فليسوا من العاقلة بلا خلاف؛ لأنهم ليسوا من أهل النصرة، لكن لو عرف نسبه من قبيلة ولم يعلم من أي بطونها لم يعقلوا عنه.
ويعقل عاصب هرم غني وأعمى وغائب كضدهم 1. (ولا عقل على فقير) أي من لا يملك نصابا عند حلول الحول فاضلا عنه كحج وكفارة ظهار ولو كان معتملا؛ لأنه ليس من أهل المواساة كالزكاة، ولأنها وجبت على العاقلة تخفيفا على الجاني فلا تثقل على من لا جناية منه، (و) لا على (غير مكلف) كصغير ومجنون؛ لأنهما ليسا من أهل النصرة والمعاضدة، ولا على امرأة 2 ولو معتقة أو خنثى مشكل لما تقدم، ولا على قن؛ لأنه لا مال له.
(و) لا على (مخالف دين جان) لفوات النصرة، ولا تعاقل بين ذمي وحربي لانقطاع التناصر بمنهما، ويتعاقل أهل ذمة اتحدت مللهم كما يتوارثون.
وخطأ إمام وحاكم في حكمهما في بيت المال لا تحمله عاقلتهما لأنه يكثر فيجحف بالعاقلة، ولأن الإمام والحاكم نائبان عن اللَّه فيكون أرش خطئهما في مال اللَّه تعالى كخطأ وكيل فإنه لا ضمان عليه فيما تلف منه بلا تعد ولا تفريط بل يضيع على موكله.
(ولا تحمل) العاقلة (عمدا) وجب به قود أو لا (ولا صلحا) عن إنكار (ولا

اعترافا) بأن يقر جان على نفسه بجناية خطأ أو شبه عمد توجب ثلث دية فأكثر وتنكر العاقلة، ولا تحمل قيمة دابة أو قن أو قيمة طرفه، ولا تحمل 1 قيمة جنايته لحديث ابن عباس مرفوعًا: "لا تحمل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا" 2، وروي عن ابن عباس موقوفا 3، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، ولأن القاتل عمدا غير معذور فلا يستحق المواساة ولا التخفيف، ولأن الصلح يثبت بفعله واختياره فلا تحمله العاقلة كالاعتراف لأنه متهم في مواطأة المقر لعهم بالقتل ليأخذ الدية من عاقلته فيقاسمهم إياها، ولأن العبد يضمن ضمان المال أشبه سائر الأموال.
(ولا) تحمل (ما دون ثلث الدية) كثلاث أصابع وأرش موضحة لقضاء عمر أنها لا تحمل شيئا حتى يبلغ عقل المأمومة، ولأن أصل الضمان على الجاني لأنه المتلف خولف في ثلث الدية فأكثر لإجحافه بالجاني لكثرته، فبقي ما عداه على الأصل، إلا غرة جنين مات مع أمه أو بعدها بجناية واحدة فتحمل الغرة تبعا لدية

الأم نصا 1 لاتحاد الجناية.
وتحمل العاقلة شبه عمد لحديث أبى هريرة: "اقتتلت امرأتان من هذيل" وتقدم 2، ولأنه نوع قتل لا يوجب القصاص أشبه الخطأ، ويكون ما وجب في شبه عمد مؤجلا في ثلاث سنين كواجب بخطأ لما روي عن عمر وعلي: "أنهما قضيا بالدية على العاقلة في ثلاث سنين" 3، ولا مخالف لهما في عصرهما، ولأنها تحمله مواساة فاقتضت الحكمة تخفيفه عليها، ويجتهد حاكم في تحميل كل من العاقلة لأنه لا نص فيه فرجع فيه إلى اجتهاده كتقدير النفقة فيحمل

كلا منهم ما يسهل عليه نصا 1؛ لأن ذلك مواساة للجاني وتخفيف عنه فلا يشق على غيره.
ويبدأ في تحميل عاقلة بالأقرب فالأقرب كالإرث، فيقسم على الأباء والأبناء ثم الإخوة ثم بني الإخوة ثم الأعمام ثم بنيهم، وهكذا أبدا حتى تنقرض عصبة النسب ثم المولى المعتق ثم عصبته الأقرب فالأقرب كالميراث، لكن تؤخذ من بعيد لغيبة قريب، وإن اتسعت أموال الأقربين للدية لم يتجاوزهم وإلا انتقل إلى من يليهم.
وما أوجب ثلث دية فقط أخذ في رأس الحول؛ لأن العاقلة لا تحمل حالا، وما أوجب ثلثيها فأقل أخذ في رأس الحول ثلث والتتمة في رأس آخر.

فصل في كفارة القتل

من الكفر بفتح الكاف أي الستر لأنها تستر الذنب وتغطيه 1. وأجمعوا على وجوبها في الجملة 2 لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية 3. (ومن قتل نفسا محرمة) ولو نفسه أو نفس قنه لعموم الآية، أو كان مستأمنا؛ لأنه آدمي قتل ظلما لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآية (غير عمد) بأن قتلها خطأ أو شبه عمد، (أو شارك فيه) أي القتل (فعليه الكفارة) للآية، وألحق يالخطأ شبه العمد؛ لأنه في معناه بخلاف العمد المحض، ولو كان القاتل كافرا أو قنا أو صغيرا أو مجنونا لأنها حق مالي يتعلق بالفعل أشبهت الدية، وأيضا هي عبادة مالية أشبهت الزكاة، وسواء قتل بمباشرة أو سبب كحفر بئر تعديا ولو كان القتل بها بعد موت المتسبب لعموم قوله تعالى: {وَمَنْ

جارٍ التحميل