الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 49-90

وقال ابن ضويان في "رفع النقاب" 1 عن ابن جامع: "قاضي البحرين من تلامذة ابن فيروز، شرح أخصر المختصرات مجلد ضخم".
ا. هـ. فهذا الثناء دليل على المنزلة التي بلغها هذا الكتاب من بين كتب المذهب.
وإن مما يُعلي منزلة هذا الكتاب ويبرز أهميته أن مؤلفه -رحمه اللَّه- جعل غالب امتداده في هذا الشرح من شرحي الإقناع والمنتهى وحاشيتيهما، ولا تخفى مكانه كتابي "كشاف القناع" و"شرح منتهى الإرادات" لكونهما من الكتب المعتمدة في المذهب.

المبحث الرابع منهجه في الكتاب

قال ابن جامع في مقدمة هذا الكتاب: "لما وقفت على الكتاب المرسوم بـ "أخصر المختصرات" الإمام المحقق الشيخ البلباني الحنبلي، وجدته مع كونه في غاية الاختصار يشتمل على جل المسائل الكبار، ولا يستغني طالب العلم عن حفظه، لكن لم أجد له شرحًا يوضح الغامظ من لفظه، فاستخرت اللَّه سبحانه وتعالى على أن أعلق عليه شرحًا يميط النقاب عن وجوه مخدراته، ويبرز ما وراء الحجاب من خبياته، ويحرر مسائله ويجرد دلائله ضامًا إليه من الفوائد الجليلات بحسب ما يمنحه مفيض النعم، الجليات والخفيات، سالكًا في جمع المسائل بأوجز عبارة وألطف إشارةٍ أبدع المسالك ولم أرسل عنان العلم إلا في كتابي الحج والفرائض لمسيس الحاجة إلى ذلك، وغالب امتدادى في هذا الشرح المبارك من شرحي الإقناع والمنتهى وحاشيتيهما".
ا. هـ. كما أن ابن جامع اعتنى في كتابه هذا بتأصيل المسائل، فيذكر الأدلة من الكتاب والسنة والآثار والإجماع وذلك غالبًا، مع إيراده لبعض التعليلات، كما اهتم بذكر أقوال الصحابة -رضي اللَّه عنهم- في كثيرٍ من المسائل مع إيراد أقوال الأئمة الأربعة في بعضها، كما تميز هذا الكتاب بوفرة المصادر التي أفاد منها وهي تعتبر في غالبها من الكتب المعتمدة في المذهب، مما أعطى الكتاب قوةً علميَّةً، كما أنه يتصرف في بعض العبارات الواردة في "شرح المنتهى" و"كشاف القناع" بتقديم أو

تأخير حسن ما يظهر لابن جامع -رحمه للَّه- من ترتيب أو مناسبة فقهية، أو يتصرف بالزيادة أو النقص في بعض عباراتها، كما اهتم بنقل اختيارات شيخ الإسلام في بعض المسائل، كما عني بتخيج بعض الأحاديث ونقل كلام أهل العلم في القول بالصحة أو الضعف، إضافة إلى اهتمامه بالتعاريف اللغوية سواء في بداية كل كتاب أو باب أو فصل أو عند ورود بعض الألفاظ الغريبة، بل وينص في بعضها على من قال به من أهل اللغة، مع اهتمامه بالتعاريف الشرهية والاصطلاحية في الغالب، كما أن هذا الكتاب لم يخل من إيراد بعض الأبيات الشعرية والاستدلال بها في بعض المناسبات، إضافة إلى الاهتمام بذكر بعض البلدان والمواقع.

المبحث الخامس مصادره في الكتاب

إن ما يبرز أهمية أي كتاب ويبين مكانته العلمية ويعلي شأنه هي المصادر التي استقى منها المؤلف مادة الكتاب، فبقوة تلك المصادر تكون قوة الكتاب، ومن خلال دراستي لكتاب "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" وجدت أن معظم مادة هذا الكتاب قد أخذت من أمهات الكتب التي تعتبر من أعمدة المذهب الحنبلي، إضافة إلى استفادته من كتب أخرى خارج المذهب.
وإليك المصادر التي استفاد منها ابن جامع في جمع مادة كتابه: - 1 - أحكام النساء، للإمام عبيد اللَّه بن محمد بن حمدان العكبري، المعروف بابن بطة المتوفى سنة (387 هـ). 2 - أعلام الموقعين عن رب العلمين، للإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر الدمشقي، المعروف بابن قيم لجوزية المتوفى سنة (751 هـ). 3 - الاختيارات العلمية في اختيارات شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: تأليف العلامة علي بن محمد بن علي البعلي الدمشقي، المعروف بـ (ابن اللحام) المتوفى سنة (803 هـ). 4 - الإرشاد إلى سبيل الرشاد، لمحمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي، أبو علي، القاضي، المتوفى سنة (428 هـ).

5 - الإفصاح عن معاني الصحاح، للوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي، المتوفى سنة (560 هـ). 6 - الإقناع، للعلامة المحقق موسى بن أحمد الحجاوي المقدسي، المتوفى سنة (968 هـ). 7 - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للعلامة، القاضي علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، المتوفى سنة (885 هـ). 8 - الانتصار في المسائل الكبار، للإمام العلامة محفوظ بن أحمد بن حسن الكلوذاني، أبو الخطاب البغدادي، المتوفى سنة (510 هـ). 9 - تجريد العناية في تحرير أحكام النهاية، تأليف الشيخ علي بن محمد بن علي البعلي، الدمشقي، ويعرف بابن اللحام، المتوفى سنة (803 هـ). 10 - الترغيب، من تأليف الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الصقال الطيبي مفتي العراق، المتوفى سنة (599 هـ). 11 - تصحيح الفروع، للعلامة المجتهد القاضي علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، المتوفى سنة (885 هـ). 12 - تصحيح المحرر، للشيخ عز الدين أحمد بن إبراهيم بن نصر اللَّه الكناني، المتوفى سنة (876 هـ). 13 - التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع، للعلامة المجتهد القاضي علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، المتوفى سنة (885 هـ).

14 - الجامع في الفقه، للإمام، شيخ الحنابلة في عصره، أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي الخلال، المتوفى سنة (311 هـ). 15 - حاشية التنقيح، للشيخ موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي، صاحب الإقناع، المتوفى سنة (968 هـ). 16 - الحاوي الصغير، للشيخ عبد الرحمن بن عمر بن أبي القاسم، البصري، أبو طالب، نور الدين، المتوفى سنة (684 هـ). 17 - حواشي الفروع، تأليف العلامة، أحمد بن نصر اللَّه بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح، المتوفى (844 هـ). 18 - رسالة الشباك، لابن الهائم أحمد بن محمد بن عماد الدين، أبو العباس، المصري، المقدسي، الشافعي، الفرضي، المتوفى سنة (815 هـ). 19 - الرعايتين كبرى وصغرى، كلاهما لأحمد بن حمدان بن شبيب الحراني الحنبلي المتوفى سنة (695 هـ)، والرعاية الكبري هي المرادة حال الإطلاق عند علماء المذهب.
20 - الروضة، لم أقف على مؤلفها.
21 - زاد المسافر من تأليف العلامة عبد العزيز بن جعفر بن أحمد أبو بكر، المعروف بغلام الخلال، المتوفى سنة (311 هـ). 22 - زاد المعاد في هدي خير العباد، للعلامة الإمام شمس الدين أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية، المتوفى سنة (751 هـ).

23 - الشرح، وهو الشرح الكبير، للعلامة، الفقيه، عبد الرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي، أبو الفرج، شمس الدين، المتوفى سنة (682 هـ)، وإذا أطلق "الشرح" عند الحنابلة فالمراد هذا الكتاب.
24 - شرح الإقناع، وهو "كشاف القناع عن متن الإقناع"، للعلامة، الورع، الفقيه، منصور بن يونس بن صلاح بن حسن بن أحمد البهتوي، أبو السعادات، المتوفى سنة (1051 هـ). 25 - شرح المجد، واسمه "منتهى الغاية في شرح الهداية"، لمجد الدين أبو البركات، عبد السلام بن عبد اللَّه بن الخضر بن محمد الحراني ابن تيمية، المتوفى سنة (653 هـ). 26 - شرح المحرر، للفقيه، عبد المؤمن بن عبد الحق القطيعي، البغدادي، صفي الدين، المتوفى سنة (739 هـ). 27 - شرح منازل السائرين، واسمه "مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين"، تأليف العلامة، الإمام، شمس الدين، أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية، المتوفى سنة (751 هـ). 28 - شرح المنتهى، "شرح منتهى الإرادات"، للعلامة منصور بن يونس البهتوي، محقق المذهب، المتوفى سنة (1051 هـ). 29 - الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، للإمام، المحقق، أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر الدمشقي ابن القيم الجوزية المتوفى سنة (751 هـ).

30 - الغاية، واسمه "غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى"، للشيخ مرعي بن يوسف بن أبي بكر الكرمي، المقدسي، زين الدين، المتوفى سنة (1033 هـ). 31 - الغنية، "الغنية لطالبي طريق الحق"، تأليف الشيخ عبد القادر الجيلاني، المتوفى سنة (561 هـ). 32 - الفائق، لأحمد بن الحسن بن عبد اللَّه بن الشيخ أبي عمر المقدسي شرف الدين المعروف بابن قاضي لجبل، المتوفى سنة (771 هـ). 33 - الفتاوى المصرية، لشيخ الإسلام، العلامة، تقي الدين، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، أبو العباس، المتوفى سنة (728 هـ). 34 - الفروع، للشيخ شمس الدين، محمد بن مفلح بن محمد المقدسي، أبو عبد اللَّه، المتوفى سنة (763 هـ). 35 - الفصول، ويسمى "كفاية المفتي"، تأليف أبي الوفاء، علي بن عقيل بن محمد البغدادي، المتوفى سنة (513 هـ). 36 - القاموس، "القاموس المحيط والقابوس الوسيط في اللغة"، تأليف القاضي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، المتوفى سنة (817 هـ). 37 - القواعد، "القواعد الفقهية"، تأليف العلامة عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي، الدمشقي، المتوفى (سنة 795 هـ). 38 - الكافي، لموفق الدين عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي، ثم الدمشقي، المتوفى سنة (620 هـ).

39 - المبدع، "المبدع في شرح المقنع" للقاضي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح، المتوفى سنة (884 هـ). 40 - المحرر، تأليف الشيخ عبد السلام بن عبد اللَّه بن تيمية الحراني، أبو البركات، مجد الدين، المتوفى سنة (652 هـ). 41 - المذهب في المذهب، لعبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي، أبو الفرج، المتوفى سنة (597 هـ). 42 - المستوعب، تأليف العلامة، محمد بن عبد اللَّه بن الحسين بن إدريس السامري، أبو عبد اللَّه، المتوفى سنة (616 هـ). 43 - المعارف، تأليف عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة (246 هـ). 44 - المغني، لموفق الدين، عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي، ثم الدمشقي، المتوفى سنة (620 هـ). 45 - المقنع، لموفق الدين، عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي، ثم الدمشقي، المتوفى سنة (620 هـ). 46 - المنتخب، تأليف أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي، تقي الدين، أبو بكر.
47 - المنتهى، "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات" تأليف محمد بن أحمد الفتوحي، تقي الدين، المعروف بابن النجار، المتوفى سنة (972 هـ).

48 - المنور، "المنور في راجح المحرر" تأليف أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي، تقي الدين، أبو بكر، المتوفى سنة (327 هـ). 49 - الناسخ المنسوخ، "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن" تصنيف الإمام، القاضي أبو عبيد القاسم بن سلام، المتوفى سنة (224 هـ). 50 - النظم، واسمه: "عقد الفرائد وكنز الفوائد" تأليف محمد بن عبد القوي بن بدران بن عبد اللَّه المقدسي، أبو عبد اللَّه، شمس الدين، المتوفى سنة (699 هـ). 51 - النكت، "النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر"، تأليف محمد بن مفلح ابن محمد المقدسي، شمس الدين، أبو عبد اللَّه، المتوفى سنة (763 هـ). 52 - الوجيز، تأليف الشيخ الحسين بن يوسف بن محمد بن أبي السري الدجيلي، البغدادي، المتوفى سنة (732 هـ). ومما يجدر التنبيه عليه هنا أنه ليس بالضرورة أن يكون ابن الجامع -رحمه اللَّه- قد رجع إلى هذه المصادر كلها: لأن "شرح منتهى الإرادات" و"كشاف القناع" اللذين هما أصل كتاب قد أشار إلى المصادر نفسها في الغالب، فقد يكون ابن جامع نقلها تبعا للبهوتي ولم يطلع عليها

المبحث السادس الكتاب من حيث التبعية والاستقلال

الكتاب في الجملة تابع لكتابي "كشاف القناع" و"شرح منتهى الإرادات" وحاشيتيهما، وهذا ما اتضح لي من خلال دراسة هذا الكتاب، بل إن اعتماده الأكبر على "شرح منتهى الإرادات"، ويؤكد هذا ما قرره أيضًا ابن جامع -رحمه اللَّه- في مقدمة كتابه هذا حيث قال ما نصه: "وغالب امتدادي في هذا الشرح المبارك من شرحي الإقناع والمنتهي وحاشيتيهما".
فالمؤلف تبع البهوتي في الصياغة والمعلومات التي ذكرها، وقام بتنزيل عبارة البهوتي على ترتيب المتن المشروح وهو "أخصر المختصرات"وهذه من طريق التأليف.
وله أيضًا استقلالية ظهرت في شخصية المؤلف العلمية في القدرة على صياغة العبارة من "شرح منتهى الإرادات" ملاءمة لمتن "أخصر المختصرات"، وبتصرفه في بعض العبارات الواردة في "شرح المنتهى" و"كشاف القناع" بتقديم أو تأخير حسب ما يظهر له من ترتيب أو مناسبة فقهية، أو يتصرف بالزيادة أو النقص في العبارات.
فالكتاب ليس له استقلالية كاملة، بل هو أشبه بالاختصار والتهذيب.

المبحث السابع اختياراته الفقهية في الكتاب

المؤلف -رحمه اللَّه- له اختيارات فقهية ظهرت في الكتاب أذكر منها على سبيل المثال ما يلي: - في مسألة استبراء الإماء عند قوله: ولا يجب استبراء بملك أنثى من أنثى أو ذكر؛ لأنه لا فائدة فيه.
قال -رحمه اللَّه-: قلت: ولعله إن كان البائع الذكر استبرأها وإلا فلا بد من الاستبراء إن أرادت تزويجها واللَّه أعلم 1. وفيها إذا ألقى بنفسه إلى التهلكة قال: قلت: فعلى هذا لا يصلي عليه الإمام الأعظم ولا القاضي... 2 وفي مسألة من قال لغيره: اقتلني، أو قال له: اجرحني ففعل، فهدر قال: قلت: والظاهر أن عليه الكفارة.
3

المبحث الثامن محاسن الكتاب

امتاز هذا الكتاب بعدة مزايا لعل من أهمها: - 1 - عنايته بالمذهب، مع الإشارة أحيانا إلى الروايات المشهورة إن وجدت في المسألة.
2 - أصالة مصادره مع تنوعها.
3 - قوة الاستقلال، مع التقصي في ذلك.
4 - عنايته بالأدلة الشرعية.
5 - وضوح مسائله.
6 - أمانته في النقل، فبتتبعي لما أورده من نقول من كتب أخرى لاحظت دقته في النقل.
7 - مقارنته لبعض المسائل الواردة في المذهب بالمذهب الأخرى، مع النص على من قال به من الأئمة أو أصحابهم، مع إحالته أحيانا إلى مصادر أصلية لمذاهبهم.
8 - اهتمامه بنقل الإجماع في كثير من المسائل 1. 9 - اهتمامه باختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض المسائل 2.

10 - اشتماله على الكثير من الآثار عن الصحابة والتابعين.
11 - أمانة المؤلف المتمثلة في تصريحه في مقدمة كتابه هذا بأنه اعتمد على كتابي "كشاف القناع" و"شرحي منتهى الإرادات" وحاشيتيهما، وجميعها للشيخ منصور البهوتي، في جمع مادة كتابه، حيث نسب الفضل لأهله.

المبحث التاسع الملحوظات على الكتاب

لا شك أن عمل البشر معرض للنقص والوقوع في الخطأ، وهذا الكتاب كغيره من الكتب التي تخضع للنقد والتمحيص، فأبرز الملحوظات ما يلي: - 1 - كثرة السقط سواء من الكلمات أو الأحرف.
2 - إغفاله لبعض الأدلة في بعض المسائل مع أنها موجودة في كتب المذهب 1. 3 - إستدلاله في بعض المسائل بأدلة ليست نصا في المسألة، مثال ذلك: استدلاله على حرمة الزنا بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اجتنبوا السبع الموبقات" مع أن الزنا لم يذكر في الحديث 2. 4 - التصحيف أو التغير في بعض العبارات التي ينقلها من بعض المصادر، وقد يختلف المعني بذلك أو يحصل به التناقض مع ما قبله أو بعده، أو عدم استقامة العبارة.
فعلى سبيل المثال: مسألة استثناء الحمل في العتق، قال: "فإن استثنى الحمل معتق أمه لم تعتق... " فهذا متناقض مع ما قبله وبعده

فالصحيح: لم يعتق 1. 5 - توسعه في كتاب الفرائض، وإن كان قد نبه على ذلك في المقدمة.
6 - وجود أخطاء في بعض الآيات.
2

المبحث العاشر الأبواب والفصول التي يتناولها التحقيق

كتاب الوصايا، الفرائض، العتق، الكتابة، النكاح، الصداق، الخلع، الطلاق، الرجعة، الإيلاء، الظهار، اللعان، العدد، الرضاع، النفقات، الحضانة، الجنايات، شروط وجوب القصاص، الجراح فيها دون النفس، الديات، القسامة، الحدود، الزنا، القذف، القطع في السرقة، قطاع الطريق، البغاة، حكم المرتد، السحر، الأطعمة، الذكاة، الصيد، الأيمان، النذر، القضاء، شروط القاضي، آداب القاضي، طريق الحكم وصفته، القسمة، الدعاوى والبينات، الشهادات، اليمين في الدعاوى، الإقرار.

الفصل الثالث دراسة عشرين مسألة فقهة مقارنة تحدد بمعرفة المشرف

نظرًا لطول الكتاب، ولضيق الوقت فقد تقدمت إلى عمادة المعهد العالي للقضاء طالبًا التخفيف فوافق مجلس المعهد -مشكورًا - على حذف هذا الفصل وهو دراسة العشرين مسألة.

(كتاب الوصايا)

من وصيت الشي إذا وصلته؛ لأن الميت وصل ماكان في من أمر حياته بما بعده من أمر مماته، ووصى وأوصى بمعنى واحد.
وهي لغة: الأمر 1، قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ 2 وقال: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ 3. وشرعا: الأمر بالتصرف بعد الموت 4؛ كوصيته إلى من يغسله، أو يصلي عليه، أو يتكلم على صغار أولاده، أو يزوج بناته ونحوه، والوصية بمال: التبرع به بعد الموت بخلاف الهبة 5. والوصية جائزة بالإجماع 6 لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية 7، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين

إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" متفق عليه 1، ولا يشترط فيها القربة لصحتها لمرتد وحربي بدار حرب كالهبة.
وتصح مطلقة ومقيدة ما دام عقله ثابتا ولو كان كافرا أو فاسقا أو امرأة أو قنا فيما عدا المال 2 أو أخرس بإشارة.
وتصح من مميز بلفظ وبخط ثابت أنه خط موص، ويجب العمل بوصية ثبتت بشهادة أو إقرار ورثة ولو طالت مدتها ما لم يعلم رجوعه عنها، وعن أنس: "كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان أنه شهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللَّه يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا اللَّه، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا اللَّه ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ 3 " رواه سعيد 4.

(ويسن لمن ترك مالًا كثيرا عرفا) فلا يتقدر بشيء (الوصية بخمسه) أي المال روي عن أبي بكر وعلي -رضي اللَّه عنهما- قال أبو بكر: "رضيت بما رضي اللَّه تعالى لنفسه" 1 يعني في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ 2. وتسن لقريب فقير غير وارث؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ 3، وكالصدقة عليهم في الحياة؛ لأنها صدقة وصلة رحم وإلا يكن له قريب فقير وترك خيرا فالمستحب أن يوصي لمسكين وعالم فقير ودين ونحوهم، (وتحرم الوصية ممن يرثه = وسعيد هو: ابن منصور بن شعبة، الحافظ، الإمام، أبو عثمان، الخراساني -صاحب السنن- عاش ثمانين سنة أو أكثر، توفي بمكة في شهر رمضان سنة 227 هـ. ينظر: الجرح والتعديل 4/ 68، وسير أعلام النبلاء 10/ 586، وتذكرة الحفاظ 2/ 416 - 417، وطبقات الحفاظ ص 182.

غير أحد الزوجين بأكثر من الثلث لأجنبي أو لوارث بشيء) مطلقا نصا 1، سواء كانت في صحته أو مرضه، أما تحريم الوصية لغير وارث بزائد على الثلث فلقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لسعد حين قال: أوصي بمالي كله؟ قال: "لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير" الحديث متفق عليه 2، وأما تحريمها لوارث بشيء فلحديث: "إن اللَّه تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث"، رواه الخمسة إلا النسائي 3 من حديث عمرو بن خارجة 4، (وتصح) هذه الوصية المحرمة (موقوفة على الإجازة) أي إجازة

الورثة 1؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة" رواه الدارقطني 2، ولأن المنع لحق الورثة فإذا رضوا بإسقاطه نفذ، وتصح لولد وارثه، فإن قصد نفع الوارث لم يجز فيما بينه وبين اللَّه تعالى، ولو وصى لكل وارث بمعين من ماله بقدر إرثه صح، أجاز الورثة أولا 3، وسواء كان ذلك في الصحة أو في المرض، أو وصى بوقف ثلثه على بعضهم صح مطلقا كما تقدم.
4 (وتكره) الوصية (من فقير وارثه محتاج) 5، وتصح ممن لا وارث له مطلقا بجميع ماله، روي عن ابن مسعود 6؛ لأن المنع من الزيادة على الثلث لحق الوارث = ينظر: أسد الغابة 4/ 220 - 221، وتهذيب الكمال 21/ 599 - 601، والإصابة 4/ 517 - 518.

وهو معدوم 1، فلو ورثه زوج أو زوجة ورد الوصية بالكل بطلت في قدر فرضه من ثلثي المال، فيأخذ وصي الثلث، ثم يأخذ ذو الفرض فرضه من ثلثي المال، ثم تتم الوصية منهما، ويجب على من عليه حق بلا بينة ذكره.
(فإن لم يف الثلث بالوصايا تحاصوا فيه) ودخل النقص على كل بقدر وصيته (كمسائل العول) 2، وإن كان وصية بعضهم عتقا لتساويهم في الأصل وتفاوتهم في المقدار 3. (وتخرج الواجبات) أي يخرج وصي فوارث -جائز التصرف- فحاكم الواجبات (من دين) على ميت لآدمي أو للَّه تعالى، (و) من (حج) واجب، (و) من (زكاة)، ومن وصية بعتق في كفارة تخيير (من رأس المال) متعلق بتخرج (مطلقا)، ولو لم يوص به لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ 4. (وتصح) الوصية (لعبده بمشاع) من ماله (كثلث) وربع، وتصح وصيته لعبده بنفسه ورقبته، (ويعتق) كله بقبوله إن خرج من الثلث، وإلا يخرج كله من الثلث عتق (منه بقدره) أي الثلث إن لم تجز الورثة عتق باقيه، (فإن) كانت الوصية بالثلث

مثلا و (فضل) منه (شيء) بعد عتقه (أخذه)، فلو وصى له بالثلث وقيمته مائة وله سواه خمسمائة عتق وأخذ مائة؛ لأنها تمام الثلث الموصى به، ولا تصح لعبده بمعين لا يدخل هو فيه كدار وفرش وثوب، ولا تصح الوصية لعبد غيره؛ لأنه لا يملك 1. (و) تصح الوصية (بحمل) ولحمل (تحقق وجوده) حين الوصية 2 بأن تضعه أمه حيا لدون أربع سنين من الوصية إن لم تكن فراشا لزوج أو سيد، أو تضعه لأقل من ستة أشهر فراشا كانت أو لا من حين الوصية فتصح؛ لأنها تعليق على خروجه حيا، والوصية قابلة للتعليق بخلاف الهبة، فإن انفصل ميتا بطلت.
وطفل من لم يميز وظاهره من ذكر وأنثى، وصبي وغلام ويافع ويتيم: من لم يبلغ، ولا يشمل اليتيم ولد زنا، ومراهق: من قارب البلوغ، وشاب وفتى: منه 3 إلى ثلاثين سنة، وكهل: منها إلى خمسين، وشيخ: منها إلى سبعين ثم هرم إلى آخر عمره.
وإن وصى بشيء في أبواب البر صرف في القرب، ولو قال: ضع ثلثي حيث أراك اللَّه فله صرفه في أي جهة من جهات القرب، والأفضل صرفه إلى فقراء أقارب

الموصي غير الوارثين، فإلى محارمه من الرضاع، فإلى جيرانه.
وإن وصى أن يحج عنه بألف صرف الألف من الثلث إن كان الحج تطوعا في حجة بعد أخرى يدفع إلى كل 1 قدر ما يحج به حتى ينفد، وإن قال: يحج عني حجة بألف دفع الكل إلى من يحج به؛ لأنه مقتضى وصيته، فإن عينه فأبى بطلت في حقه ويحج عنه بأقل ما يمكن من نفقة مثله والبقية للورثة.
ولو وصى بعتق نسمة بألف فاعتقوا نسمة بخمسمائة لزمهم عتق نسمة أخرى بخمسمائة؛ حيث احتمل الثلث الألف تنفيذا لوصيته.
وإن وصى لأهل سكته فلأهل زقاقه 2 حال الوصية نصا 3، ولجيرانه تناول أربعين دارا من كل جانب نصا 4، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الجار أربعون دارا هكذا وهكذا وهكذا وهكذا" 5 وجار المسجد من سمع أذانه، لقول علي في

حديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، قال: من سمع النداء" 1. وإن وصى لأقرب قرابته أو لأقرب الناس إليه أو لأقربهم رحما وله أب وابن أو له جد وأخ فهما سواء، والأخ لأبوين أحق من الأخ للأب فقط، والإناث كالذكور في القرابة، فالابن والبنت سواء، والأخ والأخت سواء، والأب أولى من ابن الابن، ومن الجد ومن الإخوة.
و(لا) تصح الوصية (لكنيسة وبيت نار) أو مكان من أماكن الكفر سواء كانت ببنائه أو بشيء ينفق عليه؛ لأنه معصية، فلم تصح الوصية به، كوصيته بعبده أو أمته للفجور (وكتب التوراة والإنجيل ونحوهما) كالزبور والصحف، فلا تصح الوصية لها؛ لأنها منسوخة، وفيها تبدل، والاشتغال بها غير جائز 2، وقد غضب

النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين رأى مع عمر شيئًا مكتوبا من التوراة 1. ولا تصح الوصية لملك -بفتح اللام- واحد الملائكة ولا لميت؛ لأنهما لا يملكان 2. وتصح لفرس زيد ولو لم يقبله ويصرف في علفه، فإن مات الفرس فالباقي لورثة الموصي لتعذر صرفه إلى الموصى له.
وإن وصى بثلثه لوارث ولأجنبي أو لكل منهما بشيء معين فرد الورثة فللأجنبي السدس في الأولى والمعين الموصى له به في الثانية لعدم المانع، وبطلت وصية الوارث لعدم إجازتها، وإن وصى لهما بثلثيه فرد الورثة نصفها وهو ما جاوز الثلث فالثلث بينهما؛ لأن الوارث يزاحم الأجنبي مع الإجازة، فإذا ردوا تعين أن يكون الباقي بينهما ذكره القاضي 3.

ومن وصي له ولملك أو لحائط بالثلث فله الجميع نصا 1؛ لأن من أشركه معه لا يملك، وإن وصى له وللَّه أو لرسوله فنصفان، وما للَّه أو لرسوله يصرف في المصالح العامة كالفيء.
(وتصح) الوصية (بمجهول) كعبد وثوب؛ لأن الموصى له شبيه بالوارث من جهة انتقال شيء من التركة إليه مجانا، والجهالة لا تمنع الإرث فلا تمنع الوصية، ويعطى ما يقع عليه الاسم، فإن اختلف الاسم بالحقيقة الوضعية والعرف فتغلب الحقيقة على العرف؛ لأنها الأصل، ولهذا يحمل عليها كلام اللَّه تعالى وكلام رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشاة وبعير وثور اسم لذكر وأنثى.
ويشمل لفظ الشاة الضأن والمعز والصغير؛ لعموم حديث: "في أربعين شاة شاة" 2، وسواء قال: وصيت بثلاث أو ثلاثة من غنمي أو إبلي أو بقري ونحوه؛ لأن اسم الجنس يذكر ويؤنث، وحصان وجمل وحمار وبغل وعبدلذكر = ينظر: طبقات الحنابلة 2/ 193 - 231، وسير أعلام النبلاء 18/ 89 - 92.

فقط، وحجر بكسر الحاء وأتان 1 وناقة وبقرة للأنثى، وفرس ورقيق لهما، والدابة اسم لذكر وأنثى من خيل وبغال وحمير، ولم تغلب الحقيقة هنا؛ لأنها صارت مهجورة فيما عدا الأجناس الثلاثة، أشار إليه الحارثي 2، لكن إن قرن به ما يصرفه إلى أحدها كدابة يقاتل عليها، أو يسهم لها انصرف إلى الخيل، أو دابة ينتفع بظهرها ونسلها خرج منه البغال؛ لأنه لا نسل لها.
وتصح الوصية بـ (معدوم)؛ لأنه يجوز ملكه بالسلم والمضاربة والمساقاة 3 فجاز بالوصية، كوصيته بما تحمل أمته أو شجرته أبدا، أو مدة معينة، أو وصيته بمائة درهم لا يملكها، فإن حصل شيء مما وصى به أو قدر على المائة أو شيء منها عند موته فهو لموصى له بمقتضى الوصية مع الأجازة، أو إذا خرج من الثلث إلا حمل الأمة فله

قيمته لئلا يفرق بين ذوي الرحم في الملك.
وتصح الوصية بغير مال، ككلب مباح النفع، وكزيت متنجس لغير مسجد، ولا تصح بما لا نفع فيه مباح، كخمر وميتة ونحوهما، وتصح بمبهم كثوب ويعطى ما يقع عليه الاسم.
(و) تصح الوصية (بما لا يقدر على تسيمه)، كآبق وشارد وطير بهواء وحمل ببطن ولبن بضرع؛ لإجراء الوصية مجرى الميراث، وهذه تورث عنه 1. (وما حدث) لموص (بعد الوصية) من مال (يدخل فيها) ولو بنصب أحبولة 2 قبل موته فيقع فيها صيد بعده فيدخل ثلث المال المستحدث فيها؛ لأنه ترثه ورثته، ويقضى منه دينه أشبه ما ملكه قبل الوصية.
(وتبطل) الوصية (بتلف معين وصي به) قبل موت موص أو بعده قبل قبولها؛ لأن حق موصى له لم يتعلق بغير العين فإذا ذهبت زال حقه بخلاف إتلاف وارث أو غيره له إذا قبل موصى له، فإن على متلفه ضمانه له، وإن تلف المال كله بعد موص غير معين وصى به فهو لموصى له؛ لعدم تعلق حق الورثة به لتعيينه.
(وإن وصى بمثل نصيب وارث معين) بالتسمية كقوله: ابني فلان أو بالإشارة كبنتي هذه أو بذكر نسبته منه كقوله: ابن من بني أو بنت من بناتي (فله) أي الموصى له (مثله) أي مثل نصيب ذلك الوارث بلا زيادة ولا نقصان، (مضموما إلى المسألة) أي مسألة الورثة لو لم تكن وصية.
وإن وصى بمثل نصيب من لا يرث لمانع أو حجب فلا شيء لموصى له؛ لأنه لا

نصيب له فمثله لا شيء له.
(و) إن وصى (بمثل نصيب أحد ورثته) فـ (له مثل ما لأقلهم)، كمن له ابن وبنت فللموصى له مثل نصيب البنت لأنه المتيقن، فإن لم يكن له إلا بنت ووصى بمثل نصيبها فله نصف، ولها نصف، وإن وصى بضعف نصيب ابنه فللموصى له مثلاه؛ لقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ 1 قال الأزهري 2: "الضعف: المثل فما فوقه" 3، وإن وصى بضعفيه فله ثلاثة أمثاله، وبثلاثة أضعافه فله أربعة أمثاله 4 وهلم جرا.
(و) إن وصى (بسهم من ماله) فـ (له) أي الموصى له بالسهم (السدس) بمنزلة سدس مفروض؛ لما روى ابن مسعود: "أن رجلًا أوصى لرجل بسهم من

ماله، فأعطاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- السدس" 1، ولأن السهم في كلام العرب السدس، قاله إياس بن معاوية 2، فتنصرف الوصية إليه، ولأنه قول علي وابن مسعود ولا مخالف لهما من الصحابة 3، ولأن السدس أقل سهم مفروض يرثه ذو قرابة فتنصرف الوصية إليه إن لم تكمل فروض المسألة كأم وبنتين مسألتهم من ستة، وترجع بالرد إلى خمسة ويزاد عليها السهم الموصى به فتصح من ستة للموصى له سهم وللأم سهم ولكل بنت

سهمان، أو كان الورثة عصبة فله سدس كامل وإن كملت فروض المسألة كأبوين وبنتين أعيلت به وتصح من سبعة، وإن عالت المسألة بدون السهم الموصى به كأن خلف أما وأخوين منها وأختين لأب أعيل معها.
وإن كانت الوصية بجزء معلوم كثلث وربع أخذ من مخرجه فيكون صحيحا، ويقسم الباقي على مسألة الورثة؛ لأنه حقهم، فإذا كان كله ابنان ووصى بثلثه صحت من ثلاثة أو له ثلاثة بنين ووصى بربعه صحت من أربعة ونحو ذلك، إلا أن يزيد الجزء الموصى به على الثلث ولم تجز الورثة الزائد فيفرض له الثلث وتقسم الثلثين على مسألة الورثة كما لو وصى له بالثلث فقط، وإن كانت بجزأين كثمن وتسع أخذا من مخرجهما سبعة عشر وتصح من اثنين وسبعين، ويقسم الباقي على المسألة، وهكذا لو كانت الوصية بأكثر من جزأين.
(و) إن وصى له (بشيء أو) بـ (حظ أو) بـ (جزء) أو قسط أو نصيب فـ (يعطيه الوارث ما شاء) مما يتمول.
قال في "المغني" 1: "ولا أعلم فيه خلافا؛ لأن كل شيء جزء ونصيب وحظ وشيء، وكذلك إن قال: أعطوا فلانا من مالي أو ارزقوه؛ لأن ذلك لا حد له في اللغة ولا في الشرع".

(فصل) في الموصى إليه

وهو المأذون له في التصرف بعد الموت في المال وغيره مما للموصي التصرف فيه حال الحياة، وتدخله النيابة بملكه وولايته الشرعية 1. ولا بأس بالدخول في الوصية 2 لفعل الصحابة -رضي اللَّه عنهم-، فروي عن أبي عبيدة: "أنه لما عبر الفرات 3 أوصى إلى عمر" 4، "وأوصى إلى الزبير ستة من الصحابة منهم عثمان وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف" 5، وقياس قول

أحمد أن عدم الدخول فيها أولى لما فيها من الخطر وهو لا يعدل بالسلامة شيئا 1. (ويصح الإيصاء إلى كل مسلم مكلف رشيد عدل) إجماعا 2 (ولو) كانت عدالته (ظاهرا) أو كان عاجزا، ويضم إليه قوي أمين، أو كان قنا، أو أم ولد، ولو كانا لموص لصحة استنابتهما في الحياة أشبها الحر، ويقبلان إن كانا لغير موص بإذن سيد؛ لأن منافعهما مملوكة لغيره.
(و) يصح الإيصاء (من كافر إلى مسلم) إن لم تكن تركته خمرا أو خنزيرا ونحوهما.
(و) يصح الإيصاء من كافر إلى كافر (عدل في دينه)؛ لأنه يلي على غيره بالنسب، فيلي بالوصية كالمسلم 3. وإن قال موص: ضع ثلثي حيث شئت، أو أعطه لمن شئت، أو تصدق به على من شئت لم يجز له أخذه ولا دفعه إلى أداربه الوارثين ولو كانوا فقراء؛ لأنه متهم في حقهم.
قال الحارثي: "والمذهب جواز الدفع إلى الولد والوالد ونحوهم" 4 واختاره صاحب "المحرر" 5 لاندراجه تحت اللفظ، والتهمة لا أصل لها، فإن هذه

العبارة تستعمل في الرضا بصرف الوصي إلى من يختاره كيف كان، ولا يجوز للوصي أيضا دفع الثلث إلى ورثة الموصي ولو كانوا فقراء؛ لأن الوصي نائب الميت فلم يكن له الدفع إلى من لا يدفع المستنيب إليه.
(ولا يصح) الإيصاء (إلا في) تصرف (معلوم) ليعلم موصى إليه ما وصي به إليه ليتصرف فيه كما أمر (يملك الموصي فعله)؛ لأنه أصيل والوصي فرعه، ولا يملك الفرع مالا يملكه الأصل، كوصية في قضاء دين، وتفريق وصية، ورد أمانة، وغصب، ونظر في أمر غير مكلف من أولاده، وتزويج مولياته، ويقوم وصيه مقامه في الإجبار، ولا تصح الوصية باستيفاء دينه مع رشد وارثه وبلوغه لانتقال المال إلى من لا ولاية له عليه، ومن وصي في فعل شيء لم يصر وصيا في غيره.
(ومن مات بمحل لا حاكم فيه ولا وصي) كمن مات ببرية (فلمسلم) حضر (حوز تركته وفعل الأصلح فيها من بيع) لما يراه منها كسريع الفساد؛ لأنه موضع ضرورة لحفظ مال المسلم عليه؛ إذ في تركه إتلاف له، (و) من (غيره) أي البيع لما لا يسرع فساده، (و) له (تجهيزه منها) أي تركته إن كانت (ومع عدمها) يجهزه (منه) أي من عنده (ويرجع عليها) أي تركته حيث وجدت، (أو على من تلزمه نفقته) -غير الزوج- إن لم تكن له تركة (إن نواه) أي الرجوع؛ لأنه قام عنه بواجب (أو استأذن) من كان عند ميت ببلد ولا شيء معه يجهز به (حاكما) في تجهيزه فله الرجوع على تركته إن كانت، أو على من تلزمه نفقته لئلا يمتنع الناس من فعله مع الحاجة إليه 1.

(كتاب الفرائض)

جمع فريضة بمعنى مفروضة، ولحقتها الهاء للنقل من المصدر إلى الاسم، كالحفيرة ونحوها، من الفرض بمعنى التوقيت، ومنه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ 1، أو الإنزال، ومنه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ الآية 2، أو الإحلال، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ 3، أو بمعنى التقدير، ومنه: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 4، وغير ذلك 5. وهي شرعا: العلم بقسمة المواريث، ومعرفة الحساب الموصل إلى قسمتها بين مستحقيها 6، ويسمى القائم بهذا العلم العارف به: فارضا، وفريضا كعالم وعليم، وفرضيا بفتح الراء وسكونها 7، وأجاز ابن الهائم 8 أن يقال: فرائضي

أيضا، وإن قال جماعة: إنه خطأ.
والفريضة شرعا: نصيب مقدر لمستحقه 1. وقد حث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على تعلم هذا العلم وتعليمه في جملة أحاديث، منها حديث ابن مسعود مرفوعًا: "تعلموا الفرائض، وعلموها الناس، فإني امرؤ 2 مقبوض، وإن الطلم سيقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف اثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما" رواه أحمد وغيره 3، وعن أبي هريرة مرفوعا: "تعلموا الفرائض، وعلموها الناس، فإنها نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول علم ينزع من أمتي" رواه ابن ماجة والدارقطني 4. = ينظر: الضوء اللامع 2/ 157، وشذرات الذهب 7/ 108، والأعلام 1/ 226.

(أسباب الإرث): -

الأسباب: جمع سبب، وهو لغة: ما يتوصل به إلى غيره 1. واصطلاحا: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته 2. والإرث بمعنى الميراث والوراثة، وهو لغة: البقاء، وانتقال الشيء من قوم إلى آخرين 3. وشرعا: بمعنى التركة أي الحق المخلف عن ميت 4، ويقال له: التراث، وتاؤه منقلبة عن واو.
وأسباب الإرث ثلاثة متفق عليها 5: - أحدهما: (رحم) أي قرابة 6، وهي الاتصال بين شخصين بالاشتراك في ولادة = تعليم الفرائض، كتاب الفرائض برقم (2091) الجامع الصحيح 4/ 360 - 361، والحاكم، باب تعلموا الفرائض وعلموها الناس، كتاب الفرائض، المستدرك 4/ 332، والبيهقي، باب الحث على تعلم الفرائض، كتاب الفرائض، السنن الكبرى 6/ 209، والحديث قال الترمذي: "فيه اضطراب".
ا. هـ، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: "في سنده حفص وهو واه بمرة".
ا. هـ. وقال الحافظ ابن حجر: "مداره على حفص بن عمر، وهو متروك" ا. هـ. التلخيص الحبير 3/ 79.

جارٍ التحميل