(باب الخلع)
- بضم المعجمة وسكون اللام- 1، وهو: فراق زوج زوجته بعوض يأخذه الزوج منها أو من غيرها بألفاظ مخصوصة 2، سمي بذلك لأن المرأة تخلع نفسها من الزوج كما تخلع اللباس من بدنها، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ 3.
(ويباح) الخلع (لسوء عشرة) بين الزوجين بأن صار كل منهما كارها للآخر لا يحسن صحبته، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 4، (و) يباح الخلع فى لمـ (بغضة) زوجها تخشى أن لا تقيم حدود لا له في حقه، لحديث ابن عباس: "جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس 5 إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسول اللَّه! ما أعيب علية من خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم.
فقال رسول اللَّه
-صلى اللَّه عليه وسلم-: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" رواه البخاري 1، فأمره عليه السلام بذلك دليل إباحته، وبه قال عمر 2 وعثمان 3 وعلي 4 ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة 5. (و) يباح الخلع إذا كرهت الزوج (لكبر أو قلة دين) أو ضعف ونحو ذلك وخافت إثما، وتسن إجابتها إذا سألت الخلع على عوض حيث أبيح الخلع، لأمره عليه السلام لثابت بن قيس بقوله: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" إلا مع محبته لها فيسن صبرها عليه وعدم افتدائها منه دفعا لضرره، ولا تفتقر صحة الخلع إلى حكم حاكم نصا 6. (ويكره) الخلع (مع استقامة) حال الزوجين، أما الكراهة فلحديث: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة" رواه
الخمسة إلا النسائي 1، ولأنه عبث، وأما الصحة فلعموم قوله تعالى: ﴿لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ 2.
ويحرم ولا يصح الخلع إن عضلها بأن ضربها أو ضيق عليها، أو منع حقها من نفقة أو كسوة أو قسم ونحوه لتختلع منه، لقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآية 3؛ ولأنها مكرهة إذا على بذل العوض بغير حق فلم يستحق أخذه منها للنهي عنه، وهو يقتضي الفساد، ويقع الطلاق رجعيا إن أجابها بلفظ طلاق أو خلع مع نية الطلاق، ولا تبين منه لفساد العوض.
ويباح عضل الزوج لها لتفتدي منه لزناها نصا 4 لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ 5 والاستثناء من النهي إباحة، ولأنه لا يأمن أن تلحق به ولدا
من غيره، وإن أدبها لنشوزها أو تركها فرضا فخالعته لذلك صح الخلع وأبيح له عوضه؛ لأنه بحق.
ويصح الخلع ويلزم ممن يقع طلاقه، مسلما كان أو ذميا، حراكان أو عبدا، كبيرا أو صغيرا يعقله؛ لأنه إذا ملك الطلاق وهو مجرد إسقاط لا تحصيل فيه فلأن يملكه محصلا لعوض أولى.
(وهو) -أي الخلع- (بلفظ خلع أو فسخ أو مفاداة) ولم ينو به طلاقا (فسخ) لا ينقص به عدد الطلاق، روي ذلك عن ابن عباس 1، وروي عن عثمان وعلي وابن مسعود أنه طلقة بائنة بكل حال 2، لكن ضعف أحمد الحديث عنهم فيه
وقال: "ليس لنا في الباب شيء أصح من حديث ابن عباس أنه فسخ" 1، واحتج ابن عباس بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ 2 ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 3 فذكر تطليقتين، والخلع وتطليقة بعدهما، فلو كان الخلع طلاقا لكان رابعا، ولأن الخلع فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته، فكانت فسخا كسائر الفسوخ، وأما كون فسخت صريحا فيه فلأنها حقيقة فيه، وأما خلعت فلثبوت العرف به، وأما فاديت فلقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
(و) هو (بلفظ طلاق أو نيته) -أي الطلاق- (أو كنايته طلقة بائنة)، وكنايات الخلع باريتك، وأبرأتك، وأبنتك، فمع سؤال الخلع وبذل عوضه يصح الخلع بصريح وكناية بلا نية، لأن الصريح لا يحتاج إليها، وقرينة الحال من السؤال والبذل تقوم مقام النية مع الكناية، وإلا فلا بد من النية مع الكناية كلطلاق ونحوه، وتعتبر الصيغة من المتخالعين، فلا خلع بمجرد بذل مال وقبوله بلا لفظ من زوج؛ لأن الخلع أحد نوعي الفرقة فلم يصح بدون لفظ كالطلاق بعوض، ولأن أخذ المال قبض لعوض فلم يقم بمجرده مقام الإيجاب كقبض أحد العوضين في البيع، وحديث جميلة امرأة ثابت رواه البخاري وفيه: "اقبل
الحديقة وطلقها تطليقة" وفي رواية: "فأمره ففارقها" 1 ومن لم يذكر الفرقة، فقد اقتصر على بعض القصة، وعليه يحمل كلام أحمد وغيره 2، والصيغة من الزوج: خلعتك، أو فسخت نكاحك على كذا، ومنها: رضيت، أو نحوه.
ويصح الخلع بكل لغة من أهلها كالطلاق، ولا يصح معلقا على شرط كقوله لزوجته: إن بذلت لي كذا فقد خالعتك، إلحاقا بعقود المعاوضات لاشتراط العوض فيه، وإن تخالعا هازلين فلغو ما لم يكن بلفظ طلاق أو نيته، ويلغو شرط رجعة في خلع كقوله: خالعتك على كذا بشرط أن لي رجعتك في العدة، أو ما شئت، وشرط خيار في خلع كخلعتك على كذا بشرط أن لي الخيار، أو على أن لي الخيار إلى كذا، أو يطلق، لأنه ينافي مقتضاه دون الخلع فلا يلغو لذلك كالبيع بشرط فاسد، ويستحق الزوج العوض المسمى لصحة الخلع وتراضيهما على عوضه.
ولا يقع بمعتدة من خلع طلاق لأنه قول ابن عباس وابن الزبير 3 ولا يعرف لهما مخالف في عصرهما، ولأنها لا تحل له إلا بعقد جديد، وحديث: "المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة" 4 لا يعرف له أصل، ولا ذكره أصحاب السنن، ومن خولع جزء منها كنصفها أو يدها لم يصح الخلع لأنه فسخ.
فصل
(ولا يصح) الخلع (إلا بعوض)؛ لأنه فسخ، ولا يملك الزوج فسخ النكاح بلا مقتضى بخلافه على عوض فيصير معاوضة فلا يجتمع له العوض والمعوض، ولو قالت: بعني عبدك فلانا واخلعني بكذا، ففعل صح وكان بيعا وخلعا بعوض واحد؛ لأنهما عقدان يصح إفراد كل منهما بعوض فصح جمعهما كبيع ثوبين.
(ويكره) خلع زوجة (بأكثر مما أعطاها)، روي عن عثمان 1 لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث جميلة: "ولا تزدد" رواه ابن ماجة 2، وعن عطاء عنه عليه السلام: "أنه كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها" رواه أبو حفص بإسناده 3، ولا يحرم ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقالت الربيع بنت
معوذ 1: "اختلعت من زوجي بما دون عقاص 2 رأسي فأجاز ذلك علي" 3.
(ويصح بذله) -أي عوض الخلع- (ممن يصح تبرعه) وهو المكلف غير المحجور عليه بخلاف المحجور عليه؛ لأنه بذل ماله في مقابلة ما ليس بمال ولا منفعة أشبه التبرع، وسواء كان بذله (من زوجة أو أجنبي) ولو ممن شهدا بطلاقها وردا لمانع كالمبذول في افتداء أسير، فيصح قول رشيد لزوج امرأة: اخلعها على كذا علي، أو اخلعها على كذا عليها وأنا ضامن، فإن أجابه الزوج صح ولزمه عوض لالتزامه له، ولا يلزمها العوض إن لم تأذن، ويصح سؤالها زوجها الخلع على مال أجنبي بإذنه وبدونه إن ضمنته بأن قالت: اخلعني على عبد زيد وأنا ضامنته صح؛ لأنها باذلة للبدل ومال الغير لاغ، وإن لم تضمنه لم يصح الخلع لتصرفها في مال غيرها بغير إذنه، كبذل الأجنبي مالها بدون إذنها.
وإن قال أبو امرأة: طلق بنتي وأنت بريء من مهرها ففعل فالطلاق رجعي لخلوه من
العوض، ولم يبرأ بإبراء أبيها لأنه ليس له، ولم يرجع على الأب بشيء لأنه أبرأه مما ليس له أشبه الأجنبي، ولا تطلق إن قال الزوج: طلقتها إن برئت من مهرها، لأنه لا يبرأ منه بذلك.
(ويصح) الخلع (بمجهول) 1 لأنه إسقاط لحقه من البضع وليس تمليك شيء، والإسقاط يدخله المسامحة ولهذا جاز بلا عوض بخلاف النكاح، وأبيح لها افتداء نفسها لحاجتها إليه، فوجب ما رضيت ببذله دون ما لم ترصنه، فلو خالعها على ما في يدها أو بيتها من دراهم أو متاع فله ما بهما من ذلك، فإن لم يكن بيدها شيء فله ثلاثة دراهم لأنها أقل الجمع فهي المتيقنة، أو لم يكن ببيتها شيء فله ما يسمى متاعا كالوصية، وإن كان بيدها دون الثلاثة فلا شيء له غيره.
(و) يصح الخلع بـ (معدوم) 2 كعلى ما تحمل شجرتها أو ما تحمل أمتها ونحوها، أو ما في بطنها كالوصية، وله ما يحصل من ذلك، لكن قياس ما سبق في الوصية له قيمة ولد الأمة لتحريم التفريق، فإن لم يحصل منه شيء وجب فيه مطلق ما تناوله الاسم، ويجب فيما إذا خالعها على شيء يجهل مطلقا كثوب ونحوه مطلق ما تناوله الاسم، وإن خالعها على هذا الثوب الهروي فبان مرويا 3 أو معيبا، أو على هذا العبد السندي فبان هنديا أو زنجيا فليس له غيره لوقوع الخلع على عينه، ويصح على
هروي في الذمة، وعليها أن تعطيه سليما؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة.
و(لا) يصح الخلع (بلا عوض، ولا) بعوض (محرم) يعلمانه 1 كخمر أو خنزير، فيقع الخلع رجعيا بنية طلاق؛ لأن الخلع من كنايات الطلاق، فإذا نواه به وقع، وقد خلا عن العوض فكان رجعيا، فإن لم ينو به طلاقا فلغو: وإن لم يعلماه محرما كعلى عبد فبان حرا أو مستحقا، أو على خل فبان خمرا أو مستحقا صح الخلع وله بدله؛ لأن الخلع معاوضة بالبضع فلا يفسد بفساد العوض كالنكاح، وإن بان معيبا فله أرشه أو قيمته.
ويحرم الخلع (ولا) يصح (حيلة لإسقاط) يمين (طلاق)؛ لأن الحيل خداع لا تحل ما حرم اللَّه، ولا يسقط ما بين متخالعين من حقوق نكاح كمهر ونفقة أو قرض بسكوت عنها حال خلع، فيتراجعان بما بينهما من الحقوق؛ لأن ذلك لا يسقط بلفظ الطلاق فلا يسقط بالخلع كسائر الحقوق، ولا يسقط ما بينهما من نفقة عدة حامل ولا بقية ما خولع ببعضه كسائر الفسوخ، وكالفرقة بلفظ الطلاق.
(وإذا قال) لزوجته: (متى) أعطيتني ألفا فأنت طالق، (أو) قال لها: (إذا) أعطيتني (أو إن أعطيتني ألفا فأنت طالق) لزم التعليق من جهته، فليس له إبطاله، فأي وقت أعطته على صفة يمكنه القبض ألفا فأكثر وازنه بإحضاره للزوج وإذنها في قبضه، وإن لم يقبضه بيده ولو مع نقص في العدد اكتفاء بتمام الوزن (طلقت بـ) مجرد (عطيته) الألف (ولو تراخت) العطية لوجود الصفة وملكه، لأنه إعطاء شرعي يحنث به من حلف لا يعطي فلانا شيئا إذا فعله معه، فإن هرب الزوج قبل عطيتها أو
قالت: يضمنه لك زيد، أو أجعله قصاصًا مما لي عليك، أو أعطته به رهنًا، أو أحالته به، أو نقصت الألف وزنًا، أو أعطته سبيكة لم يقع لعدم وجود الصفة.
(وإِنْ قَالت) لزوجها: (اخْلَعْنِي بألفٍ أوْ على ألفٍ) أو ولك ألف، أو قالت له: طلقني بألفٍ أو على ألفٍ أو لك ألف، أو قالت له: إن خلعتني فلك ألف أو فأنت برئ من ألف، أو قالت له: إن طلقتني فلك ألف، أو أنت برئ من ألف (فَفَعَلَ) أي فقال لها: خلعتك أو طلقتك جوابًا لقولها: اخلعني أو طلقني ولو لم يذكر الألف مع قوله: خلعتك أو طلقتك (بَانَتْ) منه (وَاسْتَحَقَّهَا) -أي الألف-؛ لأن قوله: خلعتك أو طلقتك جوابا لما استدعته منه، والسؤال كالمعاد في الجواب، أشبه ما لو قال: بعني عبدك بألف فقال: بعتكه ولم يذكر الألف، ويكون من غالب نقد البلد إن ثم نقود إن أجابها على الفور، ولها الرجوع قبل إجابته لأنه إنشاء منها على سبيل المعاوضة فلها الرجوع قبل تمامه بالجواب كالبيع.
فَصْلٌ
ومن سئل الخلع على شيء فطلق لم يستحقه؛ لأنها استدعت منه فسخًا فلم يجبها إليه وأوقع طلاقا لم تطلبه ولم تبذل فيه عوضًا ووقع طلاقه رجعيًا، لأنه لم يبذل فيه عوض.
ومن سئل الطلاق على عوض فخَلَعَ ولم ينو به الطلاق لم يصح خلعه الذي هو فسخ لخلوه عن العوض، لأنه مبذول في الطلاق لا فيه، وإن قالت لزوجها: طلقني بألف إلى شهر أو بعد شهر لم يستحقه إلا بطلاقها بعده، لأنه إذا طلقها قبله فقد اختار إيقاع الطلاق بلا عوض فيقع رجعيًا، أما في الأولى فَلأَنَّ إلى تكون بمعنى مِنْ الابتدائية ودل عليه أن الطلاق لا غاية لانتهائه وإنما الغاية لابتدائه، وأما في الثانية فواضح، وإن قالت: طلقني بألف إلى شهر أو بعد شهر، فقال لها: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق استحق العوض، ووقع الطلاق بائنًا عند رأس الشهر.
ومن قالت لزوجها: طلقني واحدة بألف، أو على ألف، أو طلقني ولك ألف، فطلقها أكثر استحقه، لإيقاع ما استدعته وزيادة، لوجود الواحدة في ضمن الثنتين والثلاث.
ولو أجاب قولها: طلقني واحدة بألف ونحوه بقوله أنت طالق وطالق وطالق بانت منه بالأولى لوقوعها في مقابلة العوض، ولم يقع ما بعدها.
وإن قالت: طلقني ثلاثًا بألف فطلق أقل لم يستحق شيئًا؛ لأنه لم يجبها إلى ما سألته، وإن لم يكن بقي من الثلاث إلا ما أوقعه ولو لم تعلم بذلك استحق الألف؛ لأنها حصلت ما يحصل بالثلاث من البينونة والتحريم.
ولو قال لزوج امرأتاه: طلقنا بألف فطلق واحدة منهما بانت بقسطها من الألف، فيقسط على مهر مثليهما، ولو قالته إحداهما فقال: أنت طالق فرجعي ولا شيء له، لأنها جعلت الألف في مقابلة طلاقهما ولم يحصل.
فَصْلٌ
إذا خالعت الزوجة في مرض موتها المخوف فالخلع صحيح؛ لأنه معاوضة فصح في المرض كالبيع، ومتى اختلف المسمى في الخلع وإرثه منها فله الأقل من المسمى، أو إرثه منها، لأنها متهمة في قصد إيصال شيء من مالها إليه بغير عوض على وجه لم تكن قادرة عليه وهو وارث لها، فبطل الزائد، كما لو أوصت له به أو أقرت، وأما قدر الميراث فلا تهمة فيه، فإنها لو لم تخالعه لورثه، وإن صحت من موضها فله جميع ما خالعها عليه كما لو خالعها في الصحة.
وإن طلقها في مرض موته ثم وصى لها أو أقر لها بزائد عن إرثها لم تستحق الزائد إن لم تجز الورثة للتهمة؛ لأنه لم يكن له سبيل إلى إيصال ذلك إليها وهي في حباله فطلقها ليوصله إليها فمنع منه كالوصية بها، وإن خالعها في مرض موته المخوف وحاباها فمن رأس المال؛ لأنه لو طلقها بلا عوض صح فمعه أولى.
ومن وكل في خلع امرأته ولم يعين عوضًا فخالع الوكيل بأنقص من مهرها ضمن النقص وصح الخلع، لانصراف الإذن إلى إزالة ملكه عن البضع بالعوض المقدر شرعًا وهو مهرها، فإذا أزاله بأقل منه ضمن النقص، كالوكيل المُطْلَقِ في البيع إذا باع بدون ثمن المثل، وإن عين الزوج له العوض فنقص منه لم يصح الخلع، لأنه إنما أذن فيه بشرط ما قدره من العوض فإذا لم يوجد المقدر لم يوجد الشرط فيشبه خلع الفضولي، وإن زاد من وكلته الزوجة وأطلقت في خلعها على مهرها، أو زاد من عينت له العوض عليه صح الخلع ولزمته الزيادة، لأن الزوجة رضيت بدفع العوض
الذي يملك الخلع به عند الإطلاق، أو بالقدر المأذون فيه مع التقدير، والزيادة لازمة للوكيل لبذله لها في الخلع فلزمته كما لو لم يكن وكيلًا، وإن وكل الزوجان واحدا صح أن يتولى طرفي الخلع، وإن خالف وكيل ما أمر أن يخالع به جنسًا أو حلولًا أو نقدًا لبلد لم يصح الخلع؛ لأن المُوَكِّلَ لم يأذن فيه، والوكيل لم يوجد السبب بالنسبة إليه.
فَصْلٌ
وإن قال لزوجته: خالعتك بألف مثلًا فأنكرته أو قالت: إنما خالعك غيري بانت منه يإقراره، وتحلف على نفي العوض لأنها منكرة والأصل براءتها، وإن قالت: خالعتني بألف لكن ضمنه غيري لزمها الألف؛ لأنها مقرة بالخلع مدعية على الغير ضمان العوض، فلزمها العوض لإقرارها، ولا تسمع دعواها على الغير.
(ولَيْسَ لَهُ) هذا الضمير عائد على غير مذكور أي ليس لأب (خُلعُ زوجةِ ابنهِ الصَّغِير) أو المجنون (ولا طَلاقُها)، ولا لسيدِ صغيرٍ ولا مجنون أن يطلق عنهما، لحديث: "الطلاق لمن أخذ بالساق" 1، (ولا) لأبٍ خلعُ (ابنتهِ الصَّغِيرةِ) أو المجنونة أو السفيهة (بشيءٍ مِنْ مَالِهَا) ولا طلاقها بشيء من مالها؛ لأنه إنما يملك التصرف بما يملكه فيه بما لها فيه الحظ، وليس في هذا حظ بل فيه إسقاط حقها الواجب لها، والأب وغيره من الأولياء في ذلك سواء.
وإن خالعت أمة زوجها ولو مكاتبة بلا إذن سيدها لم يصح، لعدم أهليتها في التصرف في المال بلا إذن سيدها، فإن لم بإذنه صح إذًا لعوض مبذول منه لا منها، وتسلمه مكاتبة مأذونة مما بيدها، فإن لم يكن بيدها شيء فهو في ذمة سيدها.
أو خالعت زوجها محجورة لسفه أو صغر أو جنون لم يصح الخلع ولو أذن فيه ولي؛ لأنه لا إذن له في التبرع، ويقع الخلع إذن بلفظ طلاق أو نيته رجعيًا، لخلوه عن العوض، ولا يبطل إبراء من ادعت سفهًا حالة الخلع بلا بينةٍ، كمن باع شيئًا ثم ادعى
سفهًا ونحوه حالته.
(وإِنْ عَلَّقَ) زوج (طَلاقَهَا على صِفَةٍ) 1 كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا مثلًا، (ثُمَّ أَبَانَهَا) بخلع أو طلقة أو ثلاث (فَوُجِدَت) الصفة حال البينونة (أو لا، ثُمَّ نَكحَهَا فَوُجِدَت) الصفة بأن دخلت الدار وهي في عصمته، أو في عدة طلاق رجعي (طَلُقَت) نصًّا 2؛ لكان عقد الصفة ووجودها وجدا في النكاح أشبه ما لو لم تتخلله بينونة، كما لو بانت بما دون الثلاث عند مالك وأبي حنيفة، (وكَذَا) إن علق رب قن (عِتْق) ـه بصفة ثم باعه فوجدت الصفة، أو لم توجد ثم ملكه فوجدت الصفة وهو في ملكه عتق لما تقدم.
(كِتَابُ الطَّلاقِ)
وهو لغةٌ: التَّخْلِيَةُ 1 قال ابن الأنباري 2: "من قول العرب: أطْلَقْتُ النَّاقة فطَلُقَتْ إذا كانت مشدوده فأزلت الشد عنها وخليتها، فشبه ما يقع بالمرأة بذلك لأنها كانت متصلة الأسباب بالزوج 3، وقال الأزهري: "طَلَّقْتُ المرأةَ فطَلُقَتْ، وأطْلَقْتُ النَّاقةَ من العِقَالِ فانْطَلَقَت، هذا الكلام الجيد" 4. وشرعًا: حل قيد النكاح أو بعضه بالطلاق الرجعي 5. وأجمعوا على مشروعيته للكتاب والسنة 6، ولأنه قد يقع بين الزوجين من التنافر والتباغض ما يوجب المخاصمة الدائمة، فلزوم النكاح إذنْ ضَررٌ في حقهما، ومفسدةٌ محضةٌ بلا فائدةٍ، فوجب إزالتها بالترك ليتخلص كل من الضرر.
(ويكره) الطلاق (بلا حاجة) لإزالته النكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها، ولحديث: "أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق" 1، (ويباح) الطلاق (لها) أي الحاجة إليه كسوء خلق المرأة، والتضرر بها من غير حصول الغرض بها.
(ويسن) الطلاق (لتضررها) -أي الزوجة- (بـ) استدامة (الوطء)، كحال الشقاق وما يحوج المرأة إلى المخالعة ليزيل ضررها، (و) يسن الطلاق أيضًا لـ (تركها صلاة وعفة ونحوهما)، كتفريطها في حقوق اللَّه تعالى إذا لم يمكنه إجبارها عليها، ولأن فيه نقصا لدينه، ولا يأمن إفساد فراشه وإلحاقها به ولدا من غيره إذا لم تكن عفيفة، وله عضلها إذن والتضييق عليها لتفتدي به لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ 2، والزوجة كهو، فيسن لها أن تختلع منه إن ترك حقا للَّه تعالى كصلاة وصوم.
ويحرم الطلاق في حيض أو طهر أصابها فيه، ويجب على مول بعد التربص إن أبى الفيئة ويأتي 3، فينقسم الطلاق إلى أحكام التكليف الخمسة، ولا يجب على ابن طاعة أبويه ولو كانا عدلين في طلاق زوجته؛ لأنه ليس من البر، ولا طاعتهما في منع من
تزويج نصا 1 لما سبق.
(ولا يصح) الطلاق (إلا من زوج)، لحديث: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" 2، (ولو) كان الزوج (مميزا يعقله) فيصح طلاقه كالبالغ لعموم الخبر، ولحديث: "كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمعلوب على عقله" 3، وعن علي: "اكتموا الصبيان النكاح" 4 فيفهم أن فائدته أن لا يطلقوا، ولأنه طلاق من عاقل صادف محل الطلاق أشبه طلاق البالغ، ويعتبر لوقوع الطلاق إرادة لفظه لمعناه فلا يقع طلاق لفقيه يكرره لتعليم، ولا حاك طلاقا ولو عن نفسه.
(ومن عذر بزوال عقله) بنحو جنون أو إغماء أو برسام أو نشاف 5 ولو بضربه نفسه
فطلق لم يقع طلاقه، لحديث: "كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله"، وحديث: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" 1 ولأن الطلاق قول يزيل الملك فاعتبر له العقل كالبيع، وكذا لا يقع طلاق آكل بنج ونحوه لتداو أو غيره نصًّا، لأنه لا لذة فيه، وفرق أحمد بينه وبين السكران فالحقه بالمجنون 2، وكذا لا يقع طلاق مَنْ غَضِبَ حتى أغمي عليه أو اغشي عليه لزوال عقله أشبه المجنون، ويقع الطلاق ممن أفاق من جنون أو إغماء فذكر أنه طلق نصًّا 3؛ لأنه إذا ذكر أنه طلق لم يكن زائل العقل حينه، قال الموفق: "وهذا واللَّه أعلم في من جنونه بذهاب معرفته بالكلية وبطلان حواسه، فأما من كان جنونه لنشافٍ أو كان مُبَرْسَمًا فإن ذلك يسقط حكم تصرفه مع أن معرفته غير ذاهبة بالكلية، فلا يضر ذكره للطلاق إن شاء اللَّه تعالى" انتهى 4، ويقع الطلاق ممن شرب طوعًا مسكرًا أو نحوه مما يحرم استعماله بلا = ينظر: المطلع ص 240، ومعجم لغة الفقهاء ص 479.
حاجة إليه، كالحشيشة المسكرة؛ لأن الشيخ تقي الدين ألحقها بالشراب المسكر حتى في الحد، وفرق بينها وبين البنج بأنها تشتهى 1 وتطلب 2، ولو خلط في كلامه أو سقط تمييزه بين الأعيان كان صار لا يعرف ثوبه من ثوب غيره، ويؤاخذ بسائر أقواله وبكل فعل يعتبر له العقل كإقرار وقذف وظهار وإيلاء وقتل وسرقة وزنا ونحو ذلك؛ لأن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحد بالقذف، ولأنه فرط بإزالة عقله فيما يدخل فيه ضرر على غيره فألزم حكم تفريطه عقوبة له، ولا يقع الطلاق ممن أكره على شرب مسكر ونحوه لم يأثم بسكره بأن لم يتجاوز ما أكره عليه، (أو أكره) على الطلاق ظلما، كضرب وخنق وعصر ساق ونحوه، ولا يرفع ذلك عنه حتى يطلق، (أو هدد) هو أو ولده (من قادر) على ما هدد به بسلطنة أو تغلب، كلص وقاطع طريق، بقتل أو قطع طرف أو ضرب كثير، قال الموفق والشارح: "فإن كان يسيرا في حق [من] 3 لا يبالي به فليس بإكراه، وإن كان في ذوي المروءات على وجه يكون إخراقا لصاحبه وغضا له وشهرة في حقه فهو كالضرب الكثير في حق غير" انتهى 4، أو هدد بحبس أو أخذ مال يضره كثيرا وظن إيقاع ما هدد به (فطلق لذلك لم يقع) طلاقه، لحديث عائشة مرفوعا: "لا طلاق ولا عتق في إغلاق" رواه أحمد وغيره 5، والإغلاق:
الإكراه؛ لأن المكره مغلق عليه في أمره مضيق عليه في تصرفه كمن أغلق عليه باب، ولأنه قول أحمل عليه بلا حق أشبه كلمة الكفر، وتجب الإجابة مع التهديد بقتل أو قطع طرف من قادر يغلب على الظن إيقاعه به إن لم يطلق لئلا يلقي بيده إلى التهلكة المنهي عنه، وروى سعيد وأبو عبيد: "أن رجلا على عهد عمر تدلى بحبل يشتار عسلا فأقبلت امرأته فجلست على الحبل فقالت: لتطلقها ثلاثا وإلا قطعت الحبل، فذكرها اللَّه تعالى والإسلام فأبت فطلقها ثلاثا، ثم خرج إلى عمر فذكر ذلك له، فقال له: ارجع إلى أهلك فليس هذا طلاقا" 1 وكمكره ظلما من سحر ليطلق، قاله 2 الشيخ تقي الدين، واقتصر عليه في الفروع 3 قال في "الإنصاف" 4: "قلت: بل هو من أعظم الإكراهات"، إلا من شتم أو أهين بالشتم = الطلاق، سنن الدارقطني 4/ 36، والحاكم، باب ثلاث جدهن جد..، كتاب الطلاق، المستدرك 2/ 198، والبيهقي، باب ما جاء في طلاق المكره، كتاب الخلع والطلاق، السنن الكبرى 7/ 357، والحديث قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، وخالفه الذهبي وقال: "محمد بن عبيد لم يحتج به مسلم"، وحسن الحديث الألباني في الإرواء 7/ 113 بكثرة طرقه.
ليطلق فليس كمكره بل يقع طلاقه، لأن ضرره يسير، ومن قصد إيقاع الطلاق وقد أخره عليه دون دفع الإكراه وقع طلاقه، أو أكره على طلاق معينة فطلق غيرها، أو أكره على طلقة فطلق أكثر وقع طلاقه؛ لأنه غير مكره عليه، ولا يقع طلاق إن أكره على طلاق مبهمة من نسائه فطلق معينة، أو ترك التأويل بلا عذر لعموم الخبر، وينبغي له إذا أكره على الطلاق وطلق أن يتأول خروجا من الخلاف.
وإكراه على عتق وعلى يمين باللَّه وعلى ظهار كإكراه على طلاق فلا يؤاخذ بشيء منها في حال لا يؤاخذ فيها بالطلاق، ولا يقال: لو كان الوعيد إكراها لكنا مكرهين على العبادات فلا ثواب، لأن أصحابنا قالوا: يجوز أن يقال: إننا مكرهون عليها والثواب بفضله لا مستحقا عليه عندنا، ثم العبادات تفعل للرغبة ذكره في "الانتصار" 1، ويقع الطلاق في النكاح المختلف في صحته كالنكاح بولاية فاسق أو بشهادة فاسقين، أو نكاح الأخت في عدة أختها ونحو ذلك؛ لأن الطلاق إزالة ملك بني على التغليب والسراية فجاز أن ينفذ في العقد الفاسد إذا لم يكن في نفوذه إسقاط لحق الغير، كالعتق ينفذ في الكتابة الفاسدة بالأداء كما ينفذ في الصحيحة، ويكون الطلاق في الفاسد بائنا فلا يستحق عوضا سئل عليه ما لم يحكم بصحته فيكون كالصحيح المتفق عليه، ولا يكون الطلاق في نكاح مختلف فيه بدعيا في حيض فيجوز فيه، لأن الفاسد لا يجوز استدامته كابتدائه ولا يسمى طلاق بدعة، ولا يصح خلع في نكاح فاسد لخلوه عن العوض، لأنه إذا كان الطلاق بائنا بلا عوض فلا يستحق عوضا ببذله؛ لأنه لا مقابل للعوض، ولا يقع طلاق في نكاح باطل إجماعا، كمعتدة وخامسة.
فصل
(ومن صح طلاقه) من بالغ ومميز يعقله (صح توكيله فيه و) صح (توكله) فيه؛ لأن من صح تصرفه في شيء تجوز فيه الوكالة بنفسه صح توكيله وتوكله فيه، ولأن الطلاق إزالة ملك فصح التوكيل والتوكل فيه كالعتق، ولوكيل لم يحد له حد أن يطلق متى شاء كالوكيل في البيع، ولا يطلق وقت بدعة من حيض أو طهر وطئ فيه فإن فعل حرم ولم يقع صححه الناظم 1، وقيل: يحرم ويقع، قدمه في "الرعايتين" و"الحاوي الصغير" 2 ذكره في "الإنصاف" 3 وجزم بوقوعه في "الإقناع" 4، وليس لوكيل أن يطلق أكثر من طلقة واحدة إلا أن يجعله الموكل له، ولا يملك وكيل بإطلاق موكل تعليق طلاق على شرط لأنه لم يؤذن فيه صريحا ولا عرفا، وإن وكل اثنين لم ينفرد أحدهما بالطلاق إلا بإذن صاحبه.
(ويصح توكيل امرأة في طلاق نفسها) متراخيا كـ (و) كيل (غيرها)، ويبطل برجوع زوج عنه وبما يدل عليه كوطئ، ولا تملك زوجة به أكثر من واحدة إلا أن جعله لها فتملك ما جعله لها لأن الحق له في ذلك، وإن قال لها: طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة أو ثنتين وقعت لأنها مأذونة فيه وفي غيره، وتملك الثلاث إذا قال: طلاقك بيدك؛ لأنه مفرد مضاف فيعم، وإن قال لزوجته: اختاري من ثلاث ما شئت لم يكن لها أن تختار أكثر من ثنتين لأن من للتبعيض.
فصل في سنة الطلاق وبدعته
(والسنة) لمن أراد الطلاق (أن يطلقها) أي زوجته (واحدة) رواه البخاري عن علي 1 -رضي اللَّه عنه- (في طهر لم يجامعـ) ـها (فيه) -أي الطهر- ثم يدعها فلا يطلقها ثانية حتى تنقضى عدتها من الأولى، إذ المقصود من الطلاق فراقها وقد حصل فراقها بالأولى، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 2 قال ابن مسعود وابن عباس: "طاهرات من غير جماع" 3 إلا طلاقا في طهر متعقب في رجعة من طلاق في حيض فهو طلاق بدعة، لحديث ابن عمر: "أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فتغيظ فيه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها
فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر اللَّه عز وجل أن تطلق لها النساء" رواه الجماعة إلا الترمذي 1. (وإن طلق) زوجة (مدخولا بها في حيض) أو نفاس (أو طهر جامع فيه) ولم يستبن حملها (فـ) هو طلاق (بدعه محرم)، أو علقه على أكلها ونحوه مما يعلم وقوعه حالة الحيض والطهر الذي أصابها فيه فهو طلاق بدعة محرم، (ويقع) نصا 2، لحديث ابن عمر، قال نافع: "وكان عبد اللَّه طلقها تطليقة فحسبت من طلاقها وراجعها كما أمره رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" 3، ولأنه طلاق من مكلف في محل الطلاق فوقع كطلاق الحامل، (لكن تسن رجعتها) من طلاق البدعة للخبر، وأقل أحوال الأمر
الاستحباب، وليزول 1 المعنى الذي حرم الطلاق لأجله، فإن راجعها وجب إمساكها حتى تطهر لحديث: "ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر" 2، فإذا طهرت سن إمساكها حتى تحيض ثانية ثم تطهر، ولو قال لها: إن قدم زيد أو قمت فأنت طالق، فوجد حال حيض طلقت للبدعة ولا إثم، وإن طلق ثلاثا بكلمة حرم نصا ووقعت 3، ويروى ذلك عن عمر 4 وعلي 5 وابن مسعود 6 وابن عباس 7 وابن
عمر 1، وعن مالك بن الحارث 2 قال: "جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا.
فقال: إن عمك عصى اللَّه وأطاع الشيطان، فلم يجعل له مخرجا" 3 ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ 4 ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ 5 ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ 6 ومن جمع الثلاث لم يبق له أمر يحدث ولم يجعل اللَّه له مخرجا ولا من أمره يسرا، وروى النسائي بإسناده عن محمود بن لبيد 7 قال: "أخبر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن رجلا طلق ثلاث طلقات جميعا، فغضب ثم قال: أيلعب بكتاب اللَّه وأنا بين
أظهركم؟ حتى قام رجل فقال: يا رسول اللَّه! ألا أقتله؟ " 1 وفي حديث ابن عمر قال: "قلت: يا رسول اللَّه! أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟، قال: إذن عصيت وبانت منك امرأتك" 2 ولا فرق في ذلك بين ما قبل الدخول أو بعده، روى ذلك عن ابن عباس 3، وأبي هريرة 4، وابن عمر 5، وعبد اللَّه بن عمر 6، وعبد اللَّه بن
مسعود 1، وأنس 2، وهو قول أكثر أهل العلم من التابعين والأئمة من بعدهم 3، وكذا لو طلق ثلاثا بكلمات في طهر لم يصبها فيه، أو في أطهار قبل رجعة حرم ذلك نصا 4 لما تقدم، لا إن طلق اثنتين فلا يحرم لأنهما لا يمنعان من رجعة فلم يسد المخرج على نفسه، لكنه فوت على نفسه طلقة جعلها اللَّه له من غير فائدة تحصل له بها فكان مكروها كتضييع المال، قاله في "الشرح" 5، ولا بدعة في الثلاث بعد رجعة أو عقد، كإن طلقها طلقة ثم راجعها أو عقد عليها ثم طلقها أخرى ثم واجعها أو عقد عليها ثم طلقها الثالثة.
(ولا سنة ولا بدعة) لا في زمن ولا عدد (لـ) زوجة (مستبين حملها و) لا لزوجة (صغيرة أو آيسة) لأنها لا تعتد بالأقراء فلا تختلف عدتها، (و) [لا] 6 لزوجة (غير مدخول بها)، لأنها لا عدة لها فتنضر بتطويلها، فلو قال الزوج لإحداهن: أنت طالق للسنة أو للبدعة طلقت في الحال؛ لأن طلاقها لا يتصف بذلك فتلغو الصفة
ويبقى الطلاق بدون الصفة فيقع في الحال، أو قال لإحداهن: أنت طالق للسنة طلقة وللبدعة طلقة وقعتا في الحال لما سبق، ويدين في غير آيسة إذا قال: أردت إذا صارت من أهل السنة أو البدعة لادعائه محتملا، ويقبل ذلك منه حكما لأنه فسر كلامه بما يحتمله وهو أعلم بنيته، وإن قاله لزوجة -لها سنة وبدعة وهي المدخول بها غير الحامل ذات الحيض- فواحدة تقع في الحال، لأنها لا تخلو من أحد الحالين فتقع المعلقة بها وتقع الأخرى في ضد حالها إذن، لأنها معلقة على ضد تلك الحال، أو قال لها: أنت طالق للسنة فقط، في طهر لم يطأها فيه وقع في الحال لوصفه الطلقة بصفتها فوقعت في الحال، أو قاله في حيض طلقت إذا طهرت لوجود الصفة، وفي طهر وطئ فيه طلقت إذا طهرت من الحيضة المستقبلة لما سبق.
فصل
وإن قال: أنت طالق أحسن الطلاق، أو أجمله أو أقربه أو أعدله أو أكمله أو أفضله ونحو ذلك، كالسنة 1، فإن كانت في طهر لم يصبها فيه وقع في الحال، وإلا وقع إذا صارت من أهل السنة والحسن والكمال والفضل لأنه في ذلك الوقت مطابق للشرع موافق للسنة.
وأنت طالق أبشع الطلاق أو أقبحه أو أفحشه أو أردأه أو أنتنه ونحو ذلك كالبدع، فإن كانت حائضا أو في طهر وطيء فيه وقع في الحال، وإلا فإذا صارت في زمن البدعة؛ لأن حسن الأفعال وقبحها إنما هو جهة الشرع، فما حسنه فهو حسن وما قبحه فهو قبيح 2، وإلا فالطلاق في نفسه في الزمانين واحد، إلا أن ينوي أحسن أحوالك أو أقبحها: أن تكوني مطلقة فيقع في الحال.
وإن قال لزوجته: أنت طالق طلقة حسنة قبيحة، أو طالق في الحال للسنة وهى حائض، أو في طهر وطئ فيه، أو أنت طالق في الحال للبدعة في طهر لم يطأها فيه طلقت في الحال إلغاء لقوله للسنة والبدعة.
ويباح خلع وطلاق بسؤال الزوجة ذلك على عوض زمن بدعة؛ لأن المنع منه لحق المرأة، فإذا رضيت بإسقاط حقها زال المنع.
فصل في صريح الطلاق وكنايته
فالصريح في الطلاق وغيره: ما لا يحتمل غيره بحسب الوضع العرفي من كل شيء وضع له اللفظ، والكناية: ما يحتمل غيره ويدل على معنى الصريح.
(ويقع) الطلاق ممن أتى (بصريح) غير حاك ونحوه (مطلقا) ولو كان هازلا أو لاعبا، قال ابن المنذر: "أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن هزل الطلاق وجده سواء".
1 فيقع باطنا وظاهرا، لحديث أبي هريرة مرفوعا: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة"، راوه الخمسة إلا النسائي 2، وكان فتح تاء أنت لأنه واجهها بالإشارة فسقط حكم اللفظ، أو كأن لم ينو الطلاق؛ لأن إيجاد 3 هذا اللفظ من العاقل دليل إرادته، والنية لا تشترط للصريح لعدم احتمال غيره 4.
وإن أراد أن يقول: طاهرا ونحوه فسبق لسانه بطالق، أو أراد أن يقول: طلبتك فسبق لسانه بطلقتك دين ولم يقبل حكما، أو قال: طالقا وأراد من وثاق، أو من زوج كان قبله، أو من نكاح سبق هذا النكاح وادعى ذلك، أو قال: أنت طالق وقال: أردت إن قمت فتركت الشرط، أو قال: أنت طالق إن قمت، ثم قال: وأردت وقعدت فتركته ولم أرد طلاقا دين فيما بينه وبين اللَّه؛ لأنه أعلم بنيته ولم يقبل منه ذلك حكما؛ لأنه خلاف الظاهر عرفا، فتبعد إرادته كما لو أقر بعشرة ثم قال: أردت
زيوفا 1.
ومن قيل له: أطلقت امرأتك؟ أو قيل له: امرأتك طالق؟ فقال: نعم.
وأراد الكذب طلقت وإن لم ينو الطلاق؛ لأن نعم صريح في الجواب، والجواب الصريح بلفظ الصريح صريح، إذ لو قيل له: ألزيد عليك ألف؟ فقال: نعم، بيان إقرارا.
ولو قيل له: أخليتها؟ ونحوه من الكنايات فقال: نعم فكناية إن نوى الطلاق وقع وإلا فلا، أو قيل له: ألك امرأة؟ فقال: لا وأراد الكذب لم تطلق؛ لأنه كناية تفتقر إلى النية ولم توجد مع إرادة الكذب، وكذا إن نوى ليس لي امرأة تعفني وتخدمني ونحوه، وإني كمن لا امرأة له ولم ينو شيئا، فإن نوى الطلاق وقع.
وإن قيل لعالم بالنحو: ألم تطلق امرأتك؟ فقال: نعم لم تطلق؛ لأنه إثبات لنفي الطلاق، وتطلق امرأة غير النحوي لأنه لا يفرق بينهما في الجواب، وإن قال العالم بالنحو أو في غيره لقوله: ألم تطلق امرأتك؟: بلى طلقت لأنه نفي، ونفي النفي إثبات فكأنه قال: طلقتها.
ومن قامت عليه بينة فأقر بوقوع طلاق ثلاث لتقدم يمين منه توهم وقوع الطلاق عليه فيها ونحوه ثم استفتى فأفتي أنه لا شيء عليه لم يؤاخذ بإقراره لمعرفة مستنده في إقراره بوقوع الطلاق ويقبل قوله، قال الشيخ تقي الدين: "بيمينه أن مستنده في إقراره بذلك إن كان ممن يجهله مثله" 2.
وإن أخرج زوجته من دارها أو لطمها أو أطعمها أو ألبسها ونحوه وقال: هذا طلاقك طلقت وكان صريحا نصا 1 فلو فسره بمحتمل كإن نوى أن هذا سبب طلاقك في زمن بعد هذا الوقت قبل حكما لعدم ما يمنع منه لاحتماله.
من كتب صريحا طلاق امرأته بما يبين وقع وإن لم ينوه؛ لأن الكتابة صريحة فيه، لأنها حروف يفهم منها المعنى، فإذا أتى بالطلاق وفهم منها وقع كاللفظ، ولقيام الكتابة مقام قول الكاتب، ولو قال كاتب الطلاق: لم أود إلا تجويد خصي، أو غم أهلي قبل؛ لأنه أعلم بنيته وقد نوى محتملا غير الطلاق أشبه ما لو نوى باللفظ غير الإيقاع، وإذا أراد غم أهله بتوهم الطلاق دون حقيقته لا يكون ناويا للطلاق.
ويقع الطلاق بإشارة مفهومة من أخرس لقيامها مقام نطقه، فلو لم يفهمها إلا بعض [الناس] 2 فهي كناية بالنسبة إليه، وتأويله مع صريح إشارة مفهومة كتأويل غير أخرس مع نطق بصريح طلاق، وعلم مما تقدم أن الطلاق لا يقع إلا بلفظ وكناية أو إشارة وكتابة لأخرس بما يبين طلاق كناطق وأولى، فأما القادر على الكلام فلا يصح طلاقه بإشارة ولو كانت مفهومة لقدرته على النطق.
وصريح الطلاق بلسان العجمي بهشتم 3 -بكسر الموحدة والهاء وسكون الشين المعجمة وفتح التاء المثناة فوق-؛ لأنها في لسانهم موضوعة للطلاق يستعملونها فيه أشبه لفظ الطلاق بالعربية، ولو لم تكن صريحة في لسانهم لم يكن فيه صريح في
الطلاق، ولا يضر كونها بمعنى خليتك، فإن طلقتك كذلك إلا أنه لما كان موضوعا ومستعملا فيه كان صريحا، فمن قال 1 عارفا معناه وقع ما نواه من طلقة وأكثر فإن لم ينو شيئا فواحدة كصريحه بالعربية، فإن زاد بسيار وقع ثلاثا.
وإن أتى به وبصريح الطلاق من لا يعرف معناه لم يقع عليه شيء كأنه لم يرد بلفظه معناه لعدم علمه.
(و) يقع ممن أتى (بكنايته مع النية) وكنايته 2 نوعان: -
ظاهرة: وهي الألفاظ الموضوعة للبينونة لأن معنى الطلاق فيها أظهر.
وخفية: وهي الألفاظ الموضوعة لطلقة واحدة ما لم ينو أكثر.
فالظاهرة خمسة عشر: أنت خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة، وأنت حرة، وأنت الحرج -بفتح الحاء والراء- أي الإثم، وحبلك على غاربك، وتزوجى من شئت، وحللت للأزواج، ولا سبيل لي عليك، أو لا سلطان لي عليك، وأعتقتك، وغطي شعرك، وتقنعى.
والخفية عشرون: اخرجى، واذهبي، وذوقي، وتجرعي، وخليتك، وأنت مخلاة، وأنت واحدة، ولست لي بامرأة، أو اعتدي، واستبرئي، واعتزلي، والحقي بأهلك، ولا حاجة لي فيك، وما بقي شيء، وأغناك اللَّه، وإن اللَّه قد طلقك، واللَّه قد أراحك منى، وجرى القلم، ولفظ فراق وسراح وما تصرف منهما غير ما استثني من لفظ الصريح.
ولا يقع الطلاق بكناية ولو ظاهرة إلا مع النية لقصور رتبتها عن الصريح فوقف عملها
على النية تقوية لها لتلحقه فيـ[العمل] 1، ولاحتمالها غير معنى الطلاق فلا تتعين له بدون نيته، وتكون مقارنة للفظ، فإن وجدت في ابتدائه وعزبت عنه في باقيه وقع الطلاق اكتفاء بها في أوله كسائر ما تعتبر له النية من صلاة وغيرها.
ولا يشترط لكناية نية طلاق حال خصومة أو غضب أو سؤال طلاقها اكتفاء بدلالة الحال، فلو لم يرده أو أراد غيره إذن دين فيما بينه وبين اللَّه ولم يقبل حكما لتأثير دلالة الحال في الحكم، كما يحمل الكلام الواحد على المدح تارة والذم أخرى بالقرائن، وكذا لو قال على خصومة: ليست أمي بزانية كان تعريضا بالقذف لمخاصمه، وفي غير خصومة يكون تنزيها لأمه عن الزنا، فتقوم دلالة الحال مقام القول فيه، فلا يقبل منه ما يخالفه لأنه خلاف الظاهر، ويقع بكناية ظاهرة ثلاث طلقات وإن نوى واحدة؛ لأنه قول علماء الصحابة منهم ابن عباس وأبو هريرة وعائشة 2، وكان أحمد يكره الفتيا في الكناية الظاهرة مع ميله إلى أنها ثلاث 3، ويقع بكناية خفية طلقة رجعية في مدخول بها؛ لأن مقتضاه الترك كصريح الطلاق دون البينونة، فإن نوى أكثر من واحدة وقع؛ لأنه لفظ لا ينافي العدد فوجب وقوع ما نواه به.
وقوله: كلي واشربي، واقعدي وقومي، وقربي، وبارك اللَّه عليك، وأنت مليحة