بفعله ما شرطت عليه لا بعزمه على الفعل قبله لعدم تحقق المخالفة، ولا يسقط ملكها الفسخ إلا بما يدل على رضاها من قول وتمكين مع العلم بفعله ما اشترطت أن لا يفعله، فإن مكنته قبل العلم لم يسقط فسخها؛ لأنه لا يدل على رضاها بترك الوفاء فلا أثر له كإسقاط الشفعة قبل البيع، ومن شرط لزوجته أن لا يخرجها من منزل أبويها فمات أحدهما بطل الشرط؛ لأن المنزل صار لأحد الأبوين بعد أن كان لهما فاستحال إخراجها من منزل أبوبها، فبطل الشرط، وكذا إن تعذر سكنى المنزل لنحو خراب فله أن يسكن بها حيث أراد سواء رضيت أو لا؛ لأنه الأصل والشرط عارض، وقد زال فرجعنا إلى الأصل وهو محض حقه.
(و) النوع الثاني من الشروط في النكاح: (فاسد) وهو ضربان: ضرب (يبطل العقد) من أصله (وهو) أي المبطل للنكاح من أصله (أربعة أشياء): -
أحدها: (نكاح الشغار) -بكسر الشين- وهو: أن يزوجه بنته أو أخته ونحوهما على أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما 1، يقال: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول فسمي هذا النكاح شغارا تشبيها في القبح برفع الكلب رجله ليبول 2، وروي عن عمر وزيد بن ثابت أنهما فرقا فيه بين المتناكحين 3 لحديث ابن عمر أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نهى عن الشغار" متفق عليه 4، ولمسلم مثله عن أبي
هريرة 1، ولأنه جعل كل واحد من العقدين سلفا في الآخر فلم يصح كقوله: "بعني ثوبك على أن أبيعك ثوبي" وليس فساده من قبل التسمية بل لأنه وقفه على شرط فاسد، ولأنه شرط تمليك البضع لغير الزوج فإنه جعل تزويجه مهرا للأخرى فكأنه ملكه إياها بشرط انتزاعها منه، وسواء قال على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى أو لم يقله لحديث ابن عمر مرفوعا: "نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق" متفق عليه 2، وكذا إن جعل بضع كل واحدة منهما مع دراهم معلومة مهرا للأخرى لم يصح لما تقدم، فإن سموا مهرا مستقلا غير قليل ولا حيلة صح النكاح نصا 3 سواء كان المسمى مهر المثل أو أقل، وإن سمى لإحداهما صح نكاحها فقط؛ لأن فيه تسمية وشرطا أشبه ما لو سمى لكل واحدة منهما مهرا.
(و) الثاني من الأربعة الأشياء: نكاح (المحلل) وهو: أن يتزوج المطلقة ثلاثا على أنه إذا أحلها لمطلقها طلقها أو أنه إذا أحلها فلا نكاح بينهما 4، وهو حرام باطل
لحديث: "لعن اللَّه المحلل والمحلل له" رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي 1 وقال: "حسن صحيح والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- منهم عمر وابنه وعثمان" 2، وروي عن علي 3 وابن عباس 4، وقال ابن مسعود:
"المحلل والمحلل له ملعونان على لسان محمد" -صلى اللَّه عليه وسلم- 1، ولابن ماجة عن عقبة بن عامر مرفوعا: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: هو المحلل لعن اللَّه المحلل والمحلل له" 2 أو ينوي التحليل ولم يذكر الشرط في العقد فالنكاح باطل نصا 3 لدخوله في عموم ما سبق، وروى نافع 4 عن ابن عمر أن رجلا قال له: تزوجتها أحلها لزوجها لم يأمرني ولم يعلم قال: "لا إلا نكاح رغبة إن أعجبتك أمسكتها، وإن كرهتها فارقتها، قال: وكنا نعده على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سفاحا،
وقال: لا يزالا زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذا علم أنه [ان] 1 يريد أن يحلها" 2 وهذا قول عثمان 3، وجاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا أيحلها له رجل؟ قال: "من يخادع اللَّه يخدعه" 4، وكذا إن اتفقا على أنه نكاح محلل قبل العقد ولم يذكر في العقد فلا يصح إن لم يرجع عنه وينوي حال العقد أنه نكاح رغبة، فإن حصل ذلك صح لخلوه عن نية التحليل وشرطه، وعليه يحمل حديث ذي الرقعتين 5 وكذا إن زوج عبده بمطلقته ثلاثا بنية هبته أو بعضه أو بيعه أو بعضه منها ليفسخ نكاحها فلا يصح قال أحمد: هذا نهى عنه عمر ويؤدبان جميعا، وعلل
فساده بشيئين، أحدهما: أنه شبه المحلل؛ لأنه إنما زوجها إياه ليحللها له، والثاني: كونه ليس بكفء لها 1، ومن لا فرقة بيده لا أثر لنيته.
(و) الثالث من الأربعة أشياء: نكاح (المتعة) وهو أن يتزوجها إلى أمد أو يشرط طلاقها فيه بوقت كزوجتك ابنتي شهرا أو سنة أو إلى انقضاء الموسم ونحوه، فيبطل نصا 2، لحديث الربيع بن سبرة 3 أنه قال: أشهد على أبي أنه حدث أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نهى عنه في حجة الوداع" وفي لفظ: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حرم متعة النساء" رواه أبو داود 4، ولمسلم عن سبرة: "أمرنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالمتعة عام الفتح حين
دخلنا مكة ثم لم نخرج حتى نهانا عنها" 1 وحكي عن ابن عباس الرجوع عن قوله بجواز المتعة 2، وأما إذن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها فقد ثبت نسخه 3، قال الشافعي: "لا أعلم = "نهى يوم الفتح عن متعة النساء" وأخرجه أبو داود من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر به دون قوله "يوم الفتح" وكذا اللفظ الثاني الوارد في المتن وهو رواية لأحمد.
ينظر: صحيح مسلم 2/ 1026 برقم (1406)، ومسند الإمام أحمد 4/ 407 - 408 برقم (14913، 14919)، وسنن أبي داود 2/ 227 برقم (2573)، والسنن الكبرى للبيهقي 7/ 204. وأما رواية ابن عيينة فهي عند الدارمي وسعيد بن منصور والبيهقي بلفظ: "نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن نكاح المتعة عام الفتح" وأخرجه مسلم وأحمد عن سفيان دون قوله: "يوم الفتح".
ينظر: صحيح مسلم 2/ 1026 برقم (1406)، ومسند الإمام أحمد 4/ 409 برقم (14935)، وسنن سعيد بن منصور 3/ 1/ 251 برقم (847)، وسنن الدارمي 2/ 188 برقم (2196). وأما رواية صالح بن كيسان فوصلها مسلم في صحيحه 2/ 1026 برقم (1406). فهذه الروايات تدل على وهم إسماعيل بن أمية على الزهري وقوله عنه: "في حجة الوداع" وأن الصواب رواية الجماعة عن الزهري: "يوم الفتح".
ينظر السنن الكبرى للبيهقي 7/ 204، والإرواء 6/ 313 - 314.
شيئا أحله اللَّه ثم حرمه ثم أحله ثم حرمه إلا المتعة" 1، أو ينوي طلاقها فيه بوقت بقلبه أو يتزوج الغريب بنية طلاقها إذا خرج فلا يصح لأنه شبيه بالمتعة.
(و) الرابع من الأربعة الأشياء: النكاح (المعلق على شرط غير مشيئة اللَّه تعالى) غير زوجت إن شاء اللَّه، قبلت إن شاء اللَّه، فيبطل النكاح المعلق على شرط مستقبل كزوجتك ابنتي إذا جاء رأس الشهر أو إن رضيت أمها أو إن وضعت زوجتي ابنة فقد زوجتكها؛ لأنه عقد معاوضة فلا يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع، ويصح تعليقه على شرط ماض وعلى شرط حاضر، فالماضي كقوله: زوجت فلانة إن كانت بنتي أو زوجتكها إن كنت وليها أو انقضت عدتها وهما يعلمان ذلك، والشرط الحاضر نحو زوجتكها إن شئت فقال: شئت وقبلت ونحوه فيصح النكاح؛ لأنه ليس بتعليق حقيقة بل توكيد وتقوية.
(و) النوع الثاني من الشروط الفاسدة: (فاسد لا يبطله) أي النكاح فيصح معه (كشرط) الزوج (ألا مهر، أو) أن (لا نفقة) للزوجة، (أو أن يقيم عندها أكثر من ضرتها، أو) أن يقيم عندها (أقل) من ضرتها، أو يشترطا أو أحدهما عدم وطء ونحوه كعزله عنها، أو أن لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة، أو شرط لها النهار دون الليل، = نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، كتاب النكاح برقم (1406)، صحيح مسلم 2/ 1023 - 1025. قال الحافظ ابن حجر: "قال القاضي عياض ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها -يعني المتعة- إلا الروافض، وقال الخطابي تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة... " ا. هـ فتح الباري 9/ 173.
أو شرط على المرأة أن تنفق عليه، أو أن تعطيه شيئا، أو شرطا خيارا في عقد أو في مهر، أو شرطت عليه أنه إن جاءها بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما، أو شرطت عليه أن يسافر بها ولو لحج، أو أن تستدعيه لوطء عند إرادتها، أو أن لا تسلم نفسها إليه إلى مدة كذا فيصح النكاح دون الشرط في هذه الصور كلها لمنافاته مقتضى العقد وتضمنه إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده كإسقاط الشفيع شفعته قبل البيع، وأما العقد نفسه فصحيح؛ لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره فيه ولا يضر الجهل به فلم يبطله كشرط صداق محرم فيه، ولأن النكاح صحيح مع الجهل بالعوض فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد كالعتق، ومن طلق بشرط خيار وقع طلاقه لصدوره من أهله في محله، ولغا الشرط.
وإن شرطها مسلمة أو قال ولي: زوجتك هذه المسلمة أو ظنها مسلمة ولم تعرف بتقدم كفر فبانت كتابية، أو شرطها بكرا أو جميلة أو نسيبة فبانت بخلافه فله الفسخ، (وإن شرط نفي عيب) عن الزوجة (لا يفسخ 1 به النكاح) كشرطها سميعة أو بصيرة (فوجد بها) ذلك العيب (فله الفسخ) أي فهو بالخيار؛ لأنه شرط صفة مقصودة ففاتت أشبه ما لو شرطها حرة فبانت أمة، ولا شيء عليه إن فسخ قبل الدخول، وبعده يرجع بالمهر على الغار، وكذا لو شرطها حسناء فبانت شوهاء، أو بيضاء فبانت سوداء، أو طويلة فبانت قصيرة، أو ذات نسب فبانت دونه لا إن ظن 2 ذلك ولم يشترطه.
ولا خيار له إن شرط صفة فبانت أعلى منها، ومن تزوج أمة فظن أو شرط
أنها حرة فولدت منه فولده حر لاعتقاده حريته باعتقاد حرية أمه، ويفدي ما ولد له حيا لوقت يعيش لمثله لقضاء عمر 1 وعلي وابن عباس 2، لأن الولد نماء الأمة المملوكة فسبيله أن يكون مملوكا لمالكها، وقد فوت رقه باعتقاده الحرية فلزمه ضمانه كما لو فوت رقه بفعله فيفديه بقيمته يوم ولادته، قضى به عمر وعلي وابن عباس؛ لأنه محكوم بحريته عند وضعه، وهو أول أوقات إمكان تقويمه، وقيمته التي تزيد بعد وضعه لم تكن مملوكة لمالك الأمة فلا يضمنها كما بعد الخصومة، ثم إن كان الزوج ممن لا يحل له نكاح الإماء فرق بينهما لظهور بطلان النكاح لفقد شرطه، وإلا فله الخيار، فإن رضي بالمقام معها مع ثبوت رقها فما ولدت بعد فهو رقيق لرب الأمة.
وإن كان المغرور بالأمة عبدا فولده حر أيضا؛ لأنه وطئها معتقدا حريتها أشبه الحر، وعلة رق الولد رق أمه خاصة، ولا عبرة بالأب بدليل ولد الحر من الأمة وولد العبد من الحرة، وهنا يقال: حر بين رقيقين، ويفديه إذا عتق لتعلقه بذمته، ويرجع زوج -حرا كان أو عبدًا- بفداء غرمه على من غره إن كان الغار أجنبيا؛ لأنه ضمن له سلامة الوطء كما ضمن له سلامة الولد، فكما يرجع عليه بقيمة الولد كذلك يرجع عليه بالمهر، وكذا أجرة انتفاعه بها إن غرمها، فإن كان الغار بالزوج سيدها ولم تعتق بذلك بأن لم يكن التغرير بلفظ تحصل به الحرية، أو كان الغار بالزوج إياها نفسها وهي مكاتبة فلا مهر له ولا لها؛ لأنه لا فائدة في أن يجب لأحدهما ما يرجع به عليه، وولدها مكاتب لولا التغرير تبعا لها، فيغرم أبوه قيمته لها إن لم تكن هي الغارة؛ لأنه فوته عليها ويرجع بما يغرمه على من غره.
ولمستحق غرم من سيد وزوجة مكاتبة مطالبة غار لزوج ابتداء دون مطالبة الزوج، والغار من علم رقها أو رق بعضها ولم يبينه، ومن تزوجت رجلا على أنه حر، أو تظنه حرا فبان عبدا فلها الخيار إن صح النكاح بأن كملت شروطه وكان بإذن سيده؛ لأن اختلاف الصفة لا يمنع صحة العقد كما لو تزوج أمة على أنها حرة، فإن اختارت الفسخ لم يحتج إلى حكم حاكم، وإن اختارت إمضاءه فلأوليائها الاعتراض عليها إن كانت حرة لعدم الكفاءة، وإن كانت أمة فلها الخيار أيضا؛ لأنه إذا ثبت الخيار للعبد إذا غر بأمة ثبت للأمة إذا غرت بعبد.
وإن شرطت في زوج صفة ككونه نسيبا، أو عفيفا، أو جميلا، فبان أقل مما شرطت فلا فسخ لها؟ لأنه ليس معتبرا في صحة النكاح أشبه شرطها طوله أو قصره، إلا إذا شرطته حرا فبان عبدا فلها الفسخ كما لو كانت أمة وعتقت تحته فهنا أولى، وكذا شرطها فيه صفة يخل فقدها بالكفاءة كما جزم به في "الإقناع" 1.
ولمن عتقت كلها تحت رقيق كله الفسخ حكاه ابن المنذر وابن عبد البر 2 وغيرهما إجماعا 3، لا إن كان حرا وهو
قول ابن عمر 1 وابن عباس 2؛ لأنها كافأت زوجها في الكمال فلم [يثبت لها الخيار، أو عتقت تحت] 3 حر أو مبعض فلا فسخ، أو عتقا معا فلا فسخ؛ لأنها لم تعتق كلها تحت رقيق، فتقول العتيقة إن اختارت الفسخ: فسخت نكاحي، أو 4 اخترت نفسي، أو اخترت فراقه، وقولها: طلقت نفسي كناية عن الفسخ فينفسخ به نكاحها إن نوت الفرقة؛ لأنه يؤدي معنى الفسخ فصح كونه كناية عنه كالكناية بالفسخ عن الطلاق، وليس فسخها لنكاحها إن نوت به الفرقة طلاقا لحديث: "الطلاق لمن أخذ بالساق" 5، ولها الفسخ ولو متراخيا كخيار العيب ما لم يوجد منها ما يدل على الرضا بالمقام معه، روي عن ابن عمر وأخته حفصة 6 لحديث أبي داود: "أن بريرة عتقت وهي عند مغيث عبد لآل
أبي أحمد 1، فخيرها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال لها: إن قربك فلا خيار لك" 2 وقال ابن عبد البر: "لا أعلم لابن عمر وحفصة مخالفا من الصحابة" 3. ولا يحتاج فسخها لحكم حاكم للإجماع، وعدم احتياجه للاجتهاد كالرد بالعيب في البيع بخلاف خيار العيب في النكاح فإنه محل اجتهاد فافتقر إلى حكم الحاكم كالفسخ للإعسار، فإن عتق قبل فسخ، أو مكنته من وطئها، أو مباشرتها، ولو جاهلة عتقها أو ملك الفسخ بطل خيارها، لحديث الحسن عن عمرو بن أمية 4 قال: سمعت رجالا يحدثون عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "إذا عتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها، إن شاءت فارقت، فإن وطئها فلا خيار لها" رواه أحمد 5 وروى مالك عن
نافع عن ابن عمر: "أن لها الخيار ما لم يمسها" 1، ويجوز لزوجها وطؤها بعد عتقها مع عدم علمها به، ولبنت تسع أو بنت دونها إذا بلغتها 2، ولمجنونة إذا عقلت الخيار دون ولي لأن طريقه الشهوة فلا تدخله الولاية كالقصاص، فإن طلقت قبل فسخ وقع الطلاق؛ لأنه من زوج عاقل يملك العصمة فنفذ كما لو لم تعتق، وبطل خيارها إن كان الطلاق بائنا لفوات محله.
وإن عتقت الرجعية أو عتقت ثم طلقها رجعيا فلها الخيار ما دامت في العدة، ولفسخها فائدة فإنها لا تأمن رجعته إذا لم تفسخ، وإذا فسخت بنت على ما مضى من عدتها؛ لأن الفسخ لا ينافي عدة الطلاق، وتتم عدة حرة؛ لأنها رجعية عتقت في عدتها.
ومتى فسخت بعد دخول فمهرها لسيدها لوجويه بالعقد وهي ملكه حالته، وإن فسخت قبله فلا مهر نصا 3 لمجئ الفرقة من قبلها كما لو ارتدت أو أرضعت من ينفسخ به نكاحها.
ومن شرط معتقها أن لا تفسخ نكاحها ورضيت صح ولزمها؛ لأن العتق بشرط صحيح.
ولمالك زوجين بيعهما، وله بيع أحدهما ولا فرقة بذلك؛ لأنه لا أثر له في النكاح، ويستحب لمن له عبد وأمة متزوجان إذا أراد عتقهما ابتدأ بالرجل لئلا يثبت لها
عليه خيار فتفسخ نكاحه، لحديث عائشة: "أنه كان لها غلام وجارية فتزوجا، فقالت للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أريد أن أعتقهما، فقال لها: ابدئي بالرجل قبل المرأة" 1 وعن صفية بنت أبي عبيد 2 أنها فعلت ذلك وقالت للرجل: "إني بدأت بعتقك لئلا يكون لها عليك خيار" 3. في إعساره لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده، ولهذا أملكت الفسخ بإعساره بالنفقة، ولأن العسرة نقص في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب، وإنما اعتبرت الكفاءة في الرجل دون المرأة؛ لأن الولد بشرف أبيه لا أمه، وقد تزوج رسول اللَّه -
-صلى اللَّه عليه وسلم- بصفية بنت حيي 1، وتسرى بالإماء 2، وموالي بني هاشم لا يشاركونهم في الكفاءة في النكاح نصا، صححه في "الإنصاف" ونقل مهنا 3: "أنهم كفؤ لهم" 4.
(فصل) في حكم العيوب فى النكاح
أي ما يثبت به الخيار منها وما لا خيار به (وعيب نكاح) المثبت للخيار (ثلاثة أنواع) أي أقسام: - (نوع مختص بالرجل) وثبوت الخيار لأحد الزوجين إذا وجد بالآخر عيبا في الجملة روي عن عمر 1 وابنه 2 وابن عباس 3؛ لأنه يمنع الوطء فأثبت الخيار كالجب والعنة، ولأن المرأة أحد العوضين في النكاح فجاز ردها بعيب كالصداق، ولأن الرجل أحد الزوجين فثبت له الخيار بالعيب في الآخر كالمرأة، وأما العمى والزمانة 4 ونحوهما فلا يمنع المقصود بالنكاح وهو الوطء بخلاف الجذام والبرص والجنون ونحوها 5 فإنها توجب نفرة تمنع من قربانه بالكلية و [المجنون] 6 يخاف منه الجناية فهو كالمانع الحسي.
والنوع الذي يختص بالرجل (كجب)، أي قطع الذكر كله أو بعضه بحيث لم يبق منه ما يطأ به أو أشله، فإذا وجدت المرأة زوجها مقطوع الذكر أو أشله فلها الفسخ في الحال، فإن أمكن وطؤه بالباقي فادعاه وأنكرته قبل قولها في عدم إمكانه؛ لأنه يضعف بالقطع، والأصل عدم الوطء، أو وجدته قد قطع خصيتاه أو رض بيضتاه -أي عرقهما حتى ينفسخا- أو سلا؛ لأن فيه نقصا يمنع الوطء ويضعفه، (و) كـ (عنة) أي عجز عن الوطء وربما اشتهاه ولا يمكنه، من عن الشيء إذا اعترض لأن ذكره يعن إذا أراد إيلاجه -أي يعترض- 1.
(ونوع) -أي قسم- من العيوب (مختص بالمرأة) وهو النوع الثاني من العيوب المثبتة للخيار (كسد فرج) بحيث لا يسلكه ذكر، (و) إن كان ذلك بأصل الخلقة فهو (رتق)، والرتق: تلاحم الشفرين خلقة، وإلا يكن بأصل الخلقة فهو قرن وعفل، فهما شيء واحد، وقيل: القرن لحم زائد ينبت في الفرج فيسده، والعفل: ورم يكون في اللحمة التي بين مسلكي المرأة فيضيق منه فرجها فلا ينفذ فيه الذكر، حكاه الأزهري 2. وقيل: القرن عظم، والعفل رغوة فيه تمنع لذة الوطء، ويثبت به الخيار على كل الأقوال، وكبخر في فرج أو قروح سيالة أو كونها فتقاء بانخراق ما بين سبيليها، أو ما بين مخرج بول ومني، أو كونها مستحاضة، فيثبت للزوج الخيار بكل من هذه.
(ونوع مشترك بينهما) -أي بين الرجل والمرأة- وهو النوع الثالث من العيوب المثبتة للخيار (كجنون) ولو أحيانا، وإن زال العقل بمرض فإغماء لا خيار به فإن زال
المرض ودام فجنون، (و) كـ (جذام) ويرص وبخر فم -أي نتنه- ومما يخففه السواك، قال بعضهم: والدواء القوي لعلاجه أن يتغرغر بالصبر ثلاثة أيام على الريق ووسط النهار وعند النوم ويتمضمض بالخردل بعد الثلاثة ثلاثة أيام أخر يفعل ذلك في كل ما يتغير فيه فمه إلى أن يبرأ، وإمساك الذهب في الفم يزيل البخر، وكاستطلاق بول ونجو 1 وباسور وناصور -دآءن بالمقعدة معروفان-، وقرع رأس له ريح منكرة 2، وكون أحدهما خنثى غير مشكل، (فيفسخ بكل من ذلك) لما فيه من النفرة أو النقص أو خوف تعدي أذاه أو تعدي نجاسته، (ولو حدث) ذلك (بعد دخول)؛ لأنه عيب في النكاح يثبت به الخيار مقارنا فاثبته طارئا كالإعسار، ولأنه عقد على منفعة فحدوث العيب بها يثبت الخيار كالإجارة، أو كان بالفاسخ عيب مثله أو مغاير له.
و(لا) يثبت الخيار (بنحو عمى) وعور (وطرشى) وخرس وعرج (وقطع يد أو) قطع (رجل) وقرع لا ريح له، وكون أحدهما عقيما أو نضوا 3؛ لأن ذلك لا يمنع الاستمتاع ولا يخشى تعديه (إلا بشرط) الزوج نفي ذلك فإن بانت بخلافه فله الخيار، ولمحذا لو شرطته حرا أو ظنته وتقدم 4، ولا يثبت خيار في عيب زال بعد عقد
لزوال سببه، ولا لعالم به وقته لدخوله على بصيرة.
(ومن) ادعت عنة زوجها فـ (ثبتت عنته) بإقرار أو بينة أو عدما فطلبت يمينه فنكل ولم يدع وطئا قبل دعواها (أجل سنة) هلالية ولو عبدا (من حين ترفعه إلى الحاكم)؛ لأن العجز قد يكون لعنة وقد يكون لمرض فتضرب له سنة لتمر به الفصول الأربعة فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة وبالعكس، وإن كان من برودة زال في فصل الحرارة، وإن كان من احتراق مزاج زال في فصل الاعتدال، فإن مضت الفصول الأربعة ولم يزل علم أنها خلقة، ولا يحتسب عليه من السنة مدة اعتزال الزوجة له، (فإن) مضت السنة (ولم يطأ) ها -أي الزوجة- (فيها) أي السنة (فلها الفسخ) لما تقدم، وثبوت الخيار لامرأة العنين بعد تأجيله سنة روي عن عمر 1 وعثمان 2 والمغيرة بن شعبة 3 وعليه فتوى فقهاء الأمصار 4؛ لأنه قول من سمي
من الصحابة ولا مخالف لهم، ولأنه عيب يمنع الوطء فأثبت الخيار كالجب، فإن علم أن عجزه عن الوطء لعارض كصغر ومرض يرجى زواله لم تضرب له المدة، وإن قال وطئتها وأنكرت وهي ثيب فقولها إن ثبتت عنته قبل دعواه وطئها لأن الأصل عدم الوطء وقد انضم إليه وجود ما يقتضي الفسخ وهو ثبوت العنة، وإلا تثبت عنته قبل دعواه وطئها فالقول قوله؛ لأن الأصل السلامة، وإن كانت بكرا وثبتت عنته وبكارتها أجل سنة كما لو كانت ثيبا؛ لأن وجود العذرة يدل على عدم الوطء وعليها اليمين إن قال: أزلتها وعادت لاحتمال صدقه، وإن شهد بزوالها لم يؤجل؛ لأنه لم يثبت له حكم العنين وحلف إن قالت: زالت بغيره لاحتمال صدقها، ومن اعترفت بوطء زوجها لها في قبل بنكاح ترافعا فيه ولو مرة، أو في حيض أو نفاس أو إحرام أو ردة أو صوم واجب ولو بعد ثبوت عنته فقد زالت لإقرارها بما يتضمن زوالها وهو الوطء فليس بعنين لاعترافها بما ينافي دعواها، ومجنون تثبت عنته كعاقل في ضرب المدة؛ لأن مشروعية الفسخ لدفع الضرر الحاصل بالعجز عن الوطء، ويستوي فيه المجنون والعاقل، فإن لم تثبت عنته لم تضرب له مدة، ويسقط حق زوجة عنين ومقطوع بعض ذكره بتغييب الحشفة أو قدرها من مقطوعها.
(وخيار عيب على التراخي)؛ لأنه لدفع ضرر متحقق أشبه خيار القصاص، (لكن يسقط) خيار (بما يدل على الرضا) من وطء أو تمكين مع علم = وينظر: بدائع الصنائع 2/ 322 - 323، وبداية المجتهد 2/ 51، والأم 8/ 279، ومسائل الإمام أحمد رواية أبي داود ص 178، ورواية ابن هانئ 1/ 214، ورواية عبد اللَّه ص 344 - 345، وشرح الزركشي 5/ 261.
بالعيب، كما يسقط بقول نحو: أسقطت خياري كمشتري المعيب يسقط خياره بالقول وبما يدل على رضاه بالعيب، ولو جهل الحكم أو زاد العيب أو ظنه يسيرا فبان كثيرا كظنه البرص في قليل من جسدها فبان في كثير منه فيسقط خياره؛ لأنه من جنس ما رضي به، و (لا) يسقط الفسخ (في عنة إلا بقول) امرأة العنين: "أسقطت حقي من الخيار لعنته" ونحوه لأن العلم بعدم قدرته على الوطء لا يكون بدون التمكين فلم يكن التمكين دليل الرضا فلم يبق إلا القول.
(ولا) يصح (فسخ) من له الخيار (إلا بـ) حكم (حاكم)؛ لأنه فسخ مجتهد فيه أشبه الفسخ للإعسار بالنفقة فيفسخه الحاكم بطلب من له الخيار، أو يرده إلى من له الخيار فيفسخه ويكون كحكمه، ويصح فسخ لعيب مع غيبة زوج.
(فإن فسخ) النكاح (قبل دخول فلا مهر) لها سواء كان الفسخ من الزوج أو من الزوجة؛ لأن الفسخ إن كان منها فالفرقة من جهتها، وإن كان منه فإنما فسخ لعيب دلسته بالإخفاء فكأنه منها ولم يجعل فسخها لعيبه كأنه منه لتدليسه؛ لأن العوض من الزوج في مقابلة منافعها فإذا اختارت الفسخ مع سلامة ما عقد عليه رجع العوض إلى العاقد معها، وليس من جهتها عوض في مقابلة منافع الزوج وإنما لها الخيار لما يلحقها من الضرر لا لتعذر ما استحقت عليه في مقابلته عوضا، فلو زوج عبده بجارية آخر وجعل رقبته صداقا لها وأعتقه مالك الجارية وظهر العبد على عيب بها قبل الدخول ففسخ رجع على معتقه مالك الجارية بقيمته لأنه مهرها، (و) إن فسخ النكاح لعيب زوجة أو زوج (بعده) -أي بعد دخول- فـ (لها) -أي الزوجة- (المسمى) في عقد كما لو طرأ العيب بعد الدخول؛ لأنه يجب بالعقد ويستقر بالدخول فلا يسقط بحادث بعده، ولذلك لا يسقط بردتها، ولا بفسخ من جهتها.
(ويرجع) زوج (به) -أي بنظير مسمى- غرمه (على مغر) له من زوجة عاقلة وولي ووكيل، ويقبل قول ولي ووكيل في عدم علمه بالعيب حيث لا بينة بعلمه؛ لأن الأصل عدمه فلا غرم عليه؛ لأن التغرير من غيره، فلو وجد التغرير من زوجة وولي فالضمان على الولى؛ لأنه المباشر، ومن المرأة والوكيل الضمان بينهما نصفان 1 قاله الموفق 2، وكذا لو تزوج رجل امرأة فأدخلوا عليه غيرها فوطئها فعليه مهر مثلها ويرجع به على من غره ويلحقه الولد إن حملت نصا للشبهة، وتجهز إليه امرأته بالمهر الأول نصا 3.
وإن طلقت المعيبة قبل دخول وقبل العلم بالعيب فعليه نصف الصداق ولا يرجع به على أحد، وكذا لو مات أحدهما قبل العلم بالعيب فلا رجوع بالصداق المستقر بالموت على أحد؛ لأن سبب الرجوع الفسخ ولم يوجد.
وليس لولي صغير أو صغيرة أو مجنون أو مجنونة أو سيد أمة تزويجهم بمعيب يرد به في النكاح لوجوب نظره لهم بما فيه الحظ والمصلحة وانتفاء ذلك في هذا العقد، ولا لولي حرة مكلفة تزويجها به بلا رضاها فلو فعل مع علمه بالعيب لم يصح النكاح، وإلا يعلم صح وله الفسح إذا علم، وفي "الإقناع" 4: "يجب الفسخ على ولي غير المكلف والمكلفة وسيد الأمة".
وإن اختارت مكلفة عنينا أو مجبوبا لم يمنعها وليها؛ لأن الحق في الوطء لها دونه، وإن اختارت مجنونا أو مجذوما أو أبرص فلوليها منعها منه؛ لأن فيه عارا عليها وعلى أهلها وضررا يخشى تعديه إلى الولد؛ كمنعها من تزوجها بغير كفؤ، وإن علمت العيب بعد العقد أو حدث به بعده لم تجبر على الفسخ؛ لأن حق الولي في ابتداء العقد لا دوامه، ولهذا لو دعت وليها إلى تزويجها بعبد لم تلزمه إجابتها، ولو عتقت تحت عبد لم يملك إجبارها على الفسخ.
فصل فى حكم نكاح الكفار
وما يقرون عليه لو ترافعوا إلينا أو أسلموا وهو صحيح، وحكمه كنكاح المسلمين فيما يجب به من وقوع الطلاق والظهار والإيلاء ووجوب المهر والنفقة والقسم والإباحة للمطلق ثلاثا بعد نكاح زوج غيره والإحصان، ودليل صحته قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ 1 و ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ 2 فأضاف النساء إليهم، وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة، وقال عليه الصلاة والسلام: "ولدت من نكاح لا سفاح" 3 وإذا ثبتت الصحة ثبتت أحكامها كأنكحة المسلمين، ومنها: وقوع الطلاق لصدوره من أهله في محله كطلاق المسلم، ويحرم عليهم في النكاح ما يحرم على المسلمين.
(ويقر الكفار على نكاح فاسد) إذا خالف أنكحة المسلمين (إن اعتقدوا صحته) في دينهم، ولأن ما لا يعتقدون صحته ليس من دينهم فلا يقرون عليه كالزنا والسرقة ولم يرتفعوا إلينا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ...﴾ الآية 4 فدل على أنهم يخلون وأحكامهم إن لم يجيئوا إلينا، ولأنه -صلى اللَّه عليه وسلم-
أخذ الجزية من مجوس هجر 1 ولم يعترضهم في أنكحتهم مع علمه أنهم يستبيحون نكاح محارمهم 2، فإن أتونا قبل عقد نكاحهم عقدناه على حكمنا بإيجاب وقبول وولي وشاهدي عدل منا كأنكحة المسلمين، (وإن) أتونا بعده أو (أسلم الزوجان) على نكاح لم نتعرض لكيفية العقد، قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معا في حال واحدة أن لهما المقام على نكاحهما ما لم يكن بينهما نسب أو رضاع" 3، وقد أسلم خلق كثير في عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأسلم نساؤهم فأقروا على أنكحتهم ولم يسألهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شروط النكاح ولا كيفيته.
(و) إن كانت (المرأة تباح) للزوج (إذن) -أي حال الترافع أو الإسلام- كعقد في عدة فرغت نصا 4، أو عقد على أخت زوجة ماتت، أو بلا شهود، أو بلا ولي، أو بلا صيغة (أقرا) على نكاحهما لما تقدم، وإن حرم [وقت] 5 ابتداء نكاحها وقت الترافع أو الإسلام كذات محرم أو في عدة لم تفرغ أو كانت حبلى من غيره ولو من زنا
أو استدام نكاح مطلقته ثلاثا ولو معتقدا حلها فرق بينهم؛ لأنه حال يمنع من ابتداء العقد فمنع استدامته كنكاح ذوات المحارم.
وإن أسلم الزوجان معا بأن تلفظا بالإسلام دفعة واحدة فهما على نكاحهما؛ لأنه لم يوجد بينهما اختلاف دين، ولحديث أبي داود عن ابن عباس: "أن رجلا جاء مسلما على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم جاءت امرأته مسلمة بعده، فقال: يا رسول اللَّه! إنها كانت أسلمت معي فردها عليه" 1، أو أسلم زوج كتابيةكتابيا كان أو لا فهما على نكاحهما ولو قبل الدخول؛ لأن المسلم له ابتداء نكاح الكتابية فاستدامته أولى، وإن أسلمت كتابية تحت كافر كتابي أو غيره قبل دخول انفسخ نكاحهما؛ لأنه لا يجوز لكافر ابتداء نكاح مسلمة، أو أسلم أحد زوجين غير كتابيين قبل دخول انفسخ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ 2 ولها نصف المهر إن أسلم الزوج فقط لمجيء الفرقة من قبله بإسلامه، كما لو طلقها، أو أسلما وادعت سبقه بالإسلام فتحلف وتأخذ نصف المهر لما تقدم، ولا تقبل دعواه بسقوطه؛ لأن الأصل خلافه، كان قال الزوج أسلمنا معا فنحن على النكاح فأنكرته فالقول قولها، لأنه الظاهر لبعد اتفاقهما في الإسلام دفعة واحدة، وإن أسلم أحد الزوجين غير الكاتبيين، أو أسلمت كتابية تحت كافر بعد الدخول وقف
الأمر إلى انقضاء العدة، فإن أسلم الثاني قبله فهما على نكاحهما لحديث مالك في الموطأ عن ابن شهاب قال: "كان بين إسلام صفوان بن أمية 1 وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحو من شهر أسلمت يوم الفتح، وبقي صفوان حتى شهد حنينا والطائف وهو كافر، ثم أسلم فلم يفرق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بينهما" 2 واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح، وهذا بخلاف ما قبل الدخول فإنه لا عدة لها فتتعجل البينونة كالمطلقة، وإلا يسلم الثاني قبل انقضاء العدة تبينا فسخ النكاح منذ أسلم الأول منهما لاختلاف الدين، ولا تحتاج لعدة ثانية، فلو وطئ في العدة ولم يسلم الثاني فيها فلها مهر مثلها، وإن أسلم الثاني قبل انقضاء العدة وبعد الوطء فلا مهر، وإن أسلمت قبله فلها نفقة العدة ولو لم يسلم لتمكنه من الاستمتاع بها وإبقاء نكاحها بإسلامه في عدتها أشبهت الرجعية، وإن أسلم قبلها فلا نفقة لأنه لا سبيل له لتلافي نكاحها فأشبهت البائن، ويجب الصداق بكل حال لاستقراره بالدخول وسواء كان بدار الإسلام أو دار الحرب، أو أحدهما في دار الإسلام والآخر في دار الحرب، ومن هاجر إلينا بذمة مؤلدة أو مسلما أو مسلمة والآخر بدار الحرب لم ينفسخ نكاحهما بالهجرة.
(بَابُ الصَّدَاقِ)
بفتح الصاد وكسرها 1، يقال:، صْدَقْتُ المرأةَ ومَهَرْتُهَا، وهو العوض المسمى في عقد نكاح وبعده لمن لم يسم لها فيه 2، وكما يسمى صداقًا يسمى مهرًا، وصَدُقَةً، ونِحْلَةً، وفَرِيْضَةً، وأجْرًا، وعلائق 3، وعُقرًا 4، وحِبَاءً 5، وقد نظم بعضهم منها ثمانية في بيت فقال: صَدَاقٌ وَمَهْرٌ نِخلَةٌ وفَرِيْضَةٌ... حَبَاءٌ وأجْرٌ ثُمَّ عَقْرٌ عَلَائق 6 وهو مشروع في نكاح إجماعًا 7 لقوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ
نِحْلَةً} 1 قال أبو عبيد 2: "يعني عن طيب نفس به كما تطيب النفس بالهبة".
3 وقيل: نحلة من اللَّه للنساء 4؛ ولأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- تزوج وزوج بناته على صدقات ولم يتركه في النكاح 5.
و(يُسَنُّ تَسْمِيَتُهُ) أي الصداق (في العَقْدِ) لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ 6 ولما تقدم من فعله عليه السلام، ولأن تسميته أقطع 7 للنزاع وليست شرطا لقوله تعالى: {لَا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} 1 وروي أنه عليه السلام: "زوج رجلا امرأة ولم يُسَمِّ لها مهرًا" 2. (و) يسن (تَخْفِيْفُهُ) -أي الصداق- لحديث عائشة مرفوعًا: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة" رواه أبو حفص 3، وعن أبي هريرة: "أن رجلا تزوج امرأة من الأنصار فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على كم تزوجتها؟ فقال: على أربع أواق قال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: على أربع أواق! تنحتون الفضة من عُرْضِ 4 هذا الجبل" رواه
مسلم 1، ويستحب أن لا ينقص عن عشرة دراهم، وأن يكون من أربعمائة درهم فضة وهو صداق بنات النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى خمسمائة درهم وهي صداق أزواجه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما روى أبو العجفاء 2 قال: "سمعت عمر يقول: لا تغلوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة كان أولاكم بها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ما أصدق الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- امرأة من نسائه أكثر من ثنتي عشرة أوقية" رواه الترمذي 3، وعن أبى سلمة قال: "سألت عائشة كم كان صداق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: أتدرى ما النش؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية
فتلك خمسمائة درهم" رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي 1، والأوقية كانت أربعين درهما، وإن زاد الصداق على خمسمائة درهم فلا بأس؛ لحديث أم حبيبة 2: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تزوجها وهي بأرض الحبشبة زوجها النجاشي وأمهرها أربعة آلاف وجهزها من عنده وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة 3 فلم يبعث إليها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بشيء" رواه أحمد والنسائي 4، ولو كره لأنكره، وكان له -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يتزوج بلا مهر لقوله تعالى: {
وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ...} الآية 1. (و) لا يتقدر الصداق فـ (كل ما صح ثمنا) في بيع (أو أجرة) في إجارة (صح مهرا) وإن قل لحديث: "التمس ولو خاتما من حديد" 2، وحديث: "لو أن رجلا أعطى امرأة صداقا ملء يده طعاما كانت له حلالا" رواه أبو داود بمعناه 3، وعن = سنن أبي داود 2/ 235، والحاكم، باب مهر أم حبيبة أربعة آلاف، كتاب النكاح، المستدرك 2/ 181 والبيهقي، باب لا وقت في الصداق كثر أو قل، كتاب الصداق، السنن الكبرى 7/ 232، والحديث قال عنه الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/ 396.
عامر بن ربيعة 1: "أن امرأة من فزارة 2 تزوجت على نعلين، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أرضيت من مالك ونفسك بنعلين؟ قالت: نعم، فأجازه" رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه 3، واشترط الخرقي 4: أن يكون له نصف يتمول فلا
يجوز على فلس ونحوه.
وتبعه عليه جمع وصاحب "الإقناع" 1، فيصح النكاح على عين ودين حال ومؤجل ولو على منفعة زوج أو غيره معلومة مدة معلومة، كرعاية غنمها مدة معلومة أو على عمل معلوم كلخياطة ثوبها ورد قنها من محل معين، ومنافع الحر والعبد سوءا لقوله تعالى حكاية عن شعيب وموسى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 2 ولأن منفعة الحر يجوز العوض عنها في الإجارة فجازت صداقا كمنفعة العبد، والقول بأنها ليست مالا ممنوع بأنه يجوز المعاوضة عنها وبها ثم إن لم تكن المنفعة مالا فقد أجريت مجرى المال، فإن كانت المنفعة مجهولة كرد عبدها أين كان وخدمتها فيما شاءت لم تصح التسمية 3 كالثمن في المبيع والأجرة في الإجارة، ويصح النكاح على تعليم معين من فقه أو حديث إن كانت مسلمة أو شعر مباح أو أدب أو صنعة، كخياطة أو كتابة ولو لم يعرف العمل الذي أصدقه إياها ويتعلمه ثم يعلمها إياه لأن التعليم يكون في ذمته = ينظر: طبقات الحنابلة 2/ 75 - 118، وسير أعلام النبلاء 15/ 363 - 364.
أشبه ما لو أصدقها مالا في ذمته لا يقدر عليه حال الإصداق، ويجوز أن يقيم لها من يعلمها، وإن تعلمته من غيره لزمته أجرة تعليمها، وكذا إن تعذر عليه تعليمها أو أصدقها خياطة ثوب فتعذرت عليه كما لو تلف الثوب، وإن أتته بغيرها ليعلمه ما أصدقها لم يلزمه لأن المستحق عليه العمل في عين لم يلزمه إيقاعه في غيرها كما لو استأجرته لخياطة ثوب معين فاتته بغيره ليخيطه لها، ولأن المتعلمين يختلفون في التعليم اختلافا كثيرا، وقد يكون له غرض في تعليمها فلا يلزمه تعليم غيرها، وإن أتاها بغيره ليعلمها لم يلزمها قبوله لاختلاف المعلمين في التعليم، وقد يكون لها غرض في التعلم منه لكونه زوجها، وعليه بطلاقها قبل تعليم ودخول نصف الأجرة وبعد دخول كلها، وإن علمها ثم سقط الصداق لمجيء الفرقة من قبلها رجع بالأجرة، ويرجع مع تنصفه لنحو طلاقها بعد أن علمها وقبل دخول بنصف الأجرة، وإن أصدقها تعليم شيء من القرآن ولو معينا لم يصح؛ لأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ 1 وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 2 والطول: المال 3، وما روي أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- زوج رجلا
على سورة من القرآن ثم قال: "لا تكون لأحد بعدك" رواه البخاري 1، ولأن تعليم القرآن لا يقع إلا قربة لفاعله فلم يصح أن يقع صداقا كالصوم والصلاة، وأما حديث الموهوبة وقوله عليه السلام فيه: "زوجتكها بما معك من القرآن" متفق عليه 2، فقيل معناه زوجتكها لأنك من أهل القرآن، كما زوج أبا طلحة 3 على إسلامه 4 وليس في الحديث الصحيح ذكر التعليم، ويحتمل أن يكون خاصا بذلك
الرجل لحديث البخاري 1، ومن تزوج أو خالع نساء بمهر أو عوض واحد صح وقسم بينهن على قدر مهور مثلهن لأن الصفقة اشتملت على أشياء مختلفة القيمة فوجب تقسيم العوض عليها بالقيمة كما لو اشترى شقصا وسيفا، ولو قال بينهن قسم على عددهن بالسوية؛ لأن إضافته إليهن إضافة واحدة.
(فإن لم يسم) الصداق في العقد وهو تفويض البضع (أو بطلت التسمية) كعلى خمر أو خنزير أو مال مغصوب (وجب مهر) الـ (مثل بعقد) لأن المرأة لا تسلم إلا ببدل ولم يسلم البدل وتعذر رد العوض فوجب بدله كبيعه سلعة عمر فتتلف عند مشتر، ولا يضر جهل يسير في صداق، فلو أصدقها عبدا من عبيده أو دابة من دوابه أو قميصا من قمصانه ونحره صح ولها أحدهم بقرعة نصا 2 لأن الجهالة فيه يسيرة ويملك التعيين فيه بالقرعة بخلاف ما إذا أصدقها عبدا وأطلق، ولو أصدقها قفيزا من حنطة ونحوه صح ولها الوسط لأنه العدل، وإن تزوجها على ألف إِن لم تكن له زوجة أو إن لم يخرجها من دارها أو من بلدها، وعلى ألفين إن كانت له زوجة أو أخرجها صح = الإسلام، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة فخطبها، فقالت: إني قد أسلمت فإن أسلمت نكحتك، فأسلم، فكان صداق ما بينهما" والحديث صححه الألباني في صحيح سنن النسائي 2/ 703.
ذلك، لأن خلو المرأة من ضرة أو سرية تغايرها وتضيق عليها من أكبر أغراضها المقصودة، وكذا بقاؤها بدارها أو بلدها بين أهلها وفي وطنها ولذلك تخفف صداقها لتحصيل غرضها وتغليه عند فواته، وإن أصدقها عتق قن له صح لا طلاق زوجة له أو جعل طلاقها إليها مدة ولو معلومة لحديث ابن عمر مرفوعا: "لا يحل لرجل أن ينكح امرأة بطلاق أخرى" 1 ولأن خروج البضع من الزوج ليس يتمول فهو كما لو أصدقها نحو خمر ولها مهر مثلها لفساد التسمية، ومن قال لسيدته: "أعتقيني على أن أتزوجك" فأعتقته أو قالت ابتداء: "أعتقتك على أن تتزوجني" عتق مجانا فلا يلزمه أن يتزوج بها؛ لأن ما شرطته عليه حق له فلا يلزمه، ومن قال: "أعتق عبدك عني على أن أزوجك ابنتي" فأعتقه على ذلك لزمته قيمته لمعتقه بعتقه ولم يلزمه تزويج ابنته، كقوله لآخر: "أعتق عبدك على أن أبيعك عبدي"، وإن تزوجها على أن يعتق أباها صح نصا 2 فإن تعذر عليه عتقه فلها قيمته، وإن تزوجها على عبد فخرج حرا أو مغصوبا فلها قيمته ويقدر حر عبدا يوم عقد لرضاها بقيمته إن ظنته مملوكا له وكما لو وجدته معيبا فردته، وتخير في عين جعلت لها صداقا كدار وعبد بان جزء منها مستحقا بين أخذ قيمة العين كلها أو أخذ الجزء غير المستحق وقيمة الجزء المستحق لأن الشركة عيب فكان لها الفسخ بها كغيرها من العيوب، أو عين ذرعها فبانت أقل