الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 291-330

أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك، فقالت: قم يا عمر ابن أبي سلمة 1، فزوج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فزوجه" رواه النسائي 2، قال الأثرم: "قلت لأبي عبد اللَّه عمر بن أبي سلمة حين زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمه أم سلمة: أليس كان صغيرا؟ قال: ومن يقول كان صغيرا؟ أليس فيه بيان؟ " 3، ولأنه عدل من عصبتها فثبت له ولاية تزويجها كأخيها، (وهكذا) يرتب الأولياء في التزويج (على ترتيب الميراث) فيقدم بعد الابن وإن نزل أخ لأبوين ثم أخ لأب فابن أخ لأبوين، فابن أخ لأب وإن سفلا، فعم لأبوين فعم لأب ثم بنوهما كذلك وإن سفلوا، ثم أقرب عصبة نسب كالإرث، ولا ولاية لغير العصبات كالأخ لأم والعم لأم والخال وبنيهم وأبي الأم، ونحوهم نصا 4

لقول علي: "إذا بلغ النساء نص الحقائق فالعصبة أولى" 1 يعني: إذا أدركن 2؛ ولأن من ليس من عصبتها شبيه بالأجنبي منها.
(ثم) يلي نكاح حرة بعد عصبة النسب (المولى المنعم) أي المعتق؛ لأنه يرثها ويعقل عنها فكان له تزويجها وقدم عليه عصبة النسب كما قدموا في الإرث، (ثم أقرب عصبته) أي المولى المنعم كالميراث (فسبا ثم) أقرب عصبته (ولاء) وهكذا، (ثم السلطان) وهو الإمام الأعظم أو نائبه، قال أحمد: "والقاضي أحب إلي من الأمير في هذا" 3. ولو كان السلطان أو نائبه من بغاة إذا استولوا على بلد فيجري فيه حكم سلطانهم وقاضيهم مجرى الإمام وقاضيه، قال الشيخ تقي الدين: "تزويج الأيامى فرض كفاية إجماعا" 4. فإن أباه حاكم إلا بظلم كطلبه جعلا لا يستحقه صار وجوده كعدمه، فإن عدم الكل زوجها ذو سلطان في مكانها كعضل أوليائها مع عدم إمام و 5 نائبه في مكانها، والعضل: الامتناع من تزويجها 6 يقال: داء عضال إذا أعيا الطبيب

دواءه وامتنع عليه 1، فإن تعذر ذو سلطان في مكانها وكلت عدلا في ذلك المكان يزوجها، قال أحمد في دهقان قرية 2: "يزوج من لا ولي لها إذا احتاط لها في الكفء والمهر إذا لم يكن في الرستاق 3 قاض" 4؛ لأن اشتراط الولي في هذه الحال يمنع النكاح بالكلية.
(فإن عضل الأقرب، أو لم يكن أهلا) للولاية [كإن] 5 كان فاسقا ونحوه (أو كان مسافرا فوق [مسافة] 6 قصر) لا دونها (زوج حرة) ولي (أبعد، و) زوج (أمة) غاب سيدها أو تعذرت مراجعته بنحو أسر (حاكم)؛ لأن له النظر في مال الغائب ونحوه، وإن زوج حاكم مع وجود ولي لم يصح، أو زوج ولي أبعد بلا عذر للأقرب لم يصح النكاح؛ إذ لا ولاية للحاكم والأبعد مع من هو أحق منهما أشبها الأجنبي، فلو كان الأقرب عند تزويج الحاكم أو الأبعد لا يعلم أنه غصبة ثم علم بعد العقد لم يعد، أو كان المعهود عدم أهلية الأقرب، لصغر ونحوه ولم يعلم أنه صار أهلا ببلوغه ونحوه ثم علم بعد العقد لم يعد، أو كان الأقرب مجنونا مثلا ولم يعلم عند التزويج أنه عاد أهلا ثم علم أنه عاد أهلا بعد تزويجها لم يعد، أو كان الأقرب غائبا وقدم بعد العقد لم يعد، ويلي كتابي نكاح موليته الكتابية حتى من مسلم.

وإن استوى وليان فأكثر في درجة كإخوة كلهم لأبوين أو لأب أو بني إخوة كذلك أو أعمام أو بنيهم كذلك صح التزويج من كل واحد منهم 1، والأولى تقديم أفضلهم علما ودينا، فإن استووا في الفضل فأسن؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لما تقدم إليه محيصة 2 وحويصة 3 وعبد الرحمن بن سهل 4 وكان أصغرهم فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: كبر كبر -أي قدم الأكبر- فتقدم حويصة" 5؛ ولأنه أحوط للعقد في اجتماع شروطه والنظر في الحظ، وإن تشاحوا أقرع بينهم في الحق، فإن سبق غير من قرع فزوج وقد أذنت لكل منهم صح التزويج لصدوره من ولي كامل الولاية، وإن زوج

وليان مستويان درجة موليتهما لاثنين وجهل السبق مطلقا أو علم سابق ثم نسي أو علم السبق وجهل السابق منهما فسخهما حاكم نصا 1؛ لأن أحدهما صحيح ولا طريق للعلم به ولا مرجح لأحدهما على الآخر، وإن طلقا لم 2 يحتج للفسخ، فإن عقد عليها أحدهما بعد لم ينقص بهذا الطلاق عدده؛ لأنه لم يتعين وقوع الطلاق، وإن أقرت بسبق لأحدهما لم يقبل نصا 3، وإن علم وقوع العقدين معا بطلا فلا يحتاجان إلى فسخ ولا توارث فيهما، كان لم يعلم وقوعهما معا فلها نصف المهر على أحدهما بقرعة، فمن 4 خرجت عليه القرعة أخذت منه نصف المسمى؛ لأن عقد أحدهما صحيح وقد انفسخ قبل الدخول فوجب عليه نصف المهر، وأما إذا علم وقوعهما معا فلا شيء لها عليهما، وإن ماتت في غير الأخيرة قبل فسخ الحاكم نكاحهما فلأحدهما نصف ميراثها إن لم يكن لها ولد بقرعة فيأخذه من خرجت له القرعة بلا يمين؛ لأنه يقول: لا أعرف الحال، وإن مات الزوجان فإن كانت أقرت بسبق لأحدهما فلا إرث لها من الآخر، وهي تدعي ميراثها ممن أقرت له بالسبق، فإن كان ادعى ذلك أيضا قبل موته دفع إليها إرثها منه، وإلا فلا يدفع إليها شيء إن أنكر ورثته سبقه، ولها تحليفهم أنهم لا يعلمون أنه السابق فإن نكلوا قضي عليهم، كان لم تكن أقرت بسبق لأحدهما ورثت من أحدهما بقرعة، فمن خرجت عليه فلها إرثها منه، وروى حنبل

عن أحمد: في رجل له ثلاث بنات زوج إحداهن من رجل ثم مات الأب ولم [يعلم] 1 أيتهن زوج؟ يقرع فأيتهن أصابتها القرعة فهي زوجته، وإن مات الزوج فهي التي ترثه 2، ومن زوج عبده الصغير بأمته جاز أن يتولى طرفي العقد، أو زوج ابنه الصغير ونحوه بنت أخيه، أو زوج وصي في نكاح صغيرا بصغيرة تحت حجره، أو زوج ابنه بصغيرة وهو وصي عليها صح أن يتولى طرفي العقد، وكذا ولي عاقلة تحل له كابن عم ومولى وحاكم إذا أنت له في تزويجها صح أن يتولى طرفي العقد، لما روي عن البخاري عن عبد الرحمن بن عوف قال لأم حكيم بنت قارظ 3: "أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم.
قال: قد تزوجتك" 4؛ ولأنه يملك الإيجاب والقبول فجاز أن يتولاهما كما لو زوج أمته عبده الصغير، وكذا لو وكل زوج وليا وعكسه أو وكلا واحدا جاز أن يتولى طرفي العقد، كما يجوز ذلك في سائر العقود كالبيع والإجارة، ولا يشترط في تولي طرفي العقد الجمع بين الإيجاب والقبول، بل يكفي زوجت فلانة بنت فلان فلاتا وينسبه بما يتميز به، أو يقول: تزوجتها إن كان هو الزوج، أو كان وكيله فيقول: تزوجتها لموكلي فلان إلا بنت عمه وعتيقته المجنونتين إذا أراد تزوجهما، فيشترط ولي غيره إن كان أو حاكم؛ لأن الولي اعتبر للنظر للمولى

عليه والاحتياط له ولا يجوز له التصرف 1 في ما هو مولى عليه لمكان التهمة، كالوكيل في البيع لا يبيع لنفسه فيزوجه ولي غيره ولو أبعد منه إن وجد وإلا فالحاكم لتنتفي التهمة.
ومن قال لأمته التي يحل له نكاحها لو كانت حرة من قن أو مدبرة أو مكاتبة أو معلق عتقها بصفة أو أم ولده: "أعتقتك وجمعلت عتقك صداقك"، أو "جعلت عتق أمتي صداقها"، أو "جعلت صداق أمي عتقها" جاز، أو قال: "قد أعتقتها وجعلت عتقها صداقها"، أو قال: "أعتقتها على أن عتقها صداقها"، أو قال: "أعتقتك على أن أتزوجك" أو"عتقي صداقك" أو"عتقك صداقك" صح العتق والنكاح في هذه الصور كلها وإن لم يقل تزوجتك أو تزوجتها لتضمن قوله: وجعلت عتقها ونحوه صداقها ذلك، والأصل فيه حديث أنس: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها" رواه أحمد وغيره 2، وعن صفية قالت: "أعتقني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وجعل عتقي صداقي" رواه الأثرم 3، وله بإسناده عن علي أنه كان يقول: "إذا أعتق الرجل أم ولده فجعل عتقها صداقها، فلا بأس بذلك 4 "، وكذا

لو قال: أعتقتها وتزوجتها على ألف ونحوه إن كان الكلام متصلا ولو حكما وكان بحضرة شاهدين عدلين، فإن قال: أعتقتك وسكت سكوتا يمكنه الكلام فيه، أو تكلم بأجنبي ثم قال: وجعلت عتقك صداقك ونحوه لم يصح النكاح لصيرورتها بالعتق حرة، فيحتاج أن يتزوجها برضاها بصداق جديد، وكذا إن كان لا بحضرة شاهدين لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي 1 عدل" ذكره أحمد في رواية ابنه عبد اللَّه 2، ومن طلقت قبل الدخول وقد جعل عتقها أو عتق بعضها صداقها رجع عليها بنصف قيمة ما أعتق منها نصا 3، وإن سقط لرضاع ونحوه رجع بكلها وتجبر

على الإعطاء إن كانت مليئة وتجبر على الكسب غير المليئة، وإن قال لأمته: زوجتك لزيد وجعلت عتقك صداقك ونحوه صح على قياس ما سبق.
(و) الشرط الرابع -من شروط النكاح-: (شهادة رجلين مكلفين) أي عاقلين بالغين (عدلين ولو ظاهرا)؛ لأن الغرض من الشهادة إعلان النكاح وإظهاره، ولذلك يثبت بالاستفاضة، فإذا حضر من يشتهر بحضوره صح فلا ينقض النكاح ولو بان الشاهدان فاسقين لوقوع النكاح في القرى والبوادي وبين عامة الناس ممن لا يعرف حقيقة العدالة، فاعتبار ذلك يشق فاكتفي بظاهر الحال فيه، قال الشيخ منصور: "قلت: وكذا لا ينقض إن بأن الولي فاسقا" انتهى 1. (سميعين ناطقين) مسلمين ولو أن الزوجة ذمية، غير متهمين لرحم بأن لا يكونا من عمودي نسب الزوجين والولي، فلا تصح شهادة أبي الزوجة أوجدها فيه ولا ابنها وابنه فيه، وكذا أبو الزوج وجده وابنه وابن ابنه وإن نزل للتهمة، وكذا الولي وابنه، ولا يشترط كون الشاهدين بصيرين لأنها شهادة على قول أشبهت الاستفاضة، ويعتبر أن يتيقن الصوت بحيث لا يشك في العاقدين كما يعلمه من رآهما، ولو أنهما عدوا الزوجين أو أحدهما أو الولي لأنه ينعقد بهما نكاح غير هذين الزوجين فانعقد نكاحهما كسائر العدول، ولا يبطل العقد تواصل بكتمانه؛ لأنه لا يكون مع الشهادة مكتوما وإنما شرطت الشهادة في النكاح احتياطا للنسب خوف الإنكار لحديث عائشة مرفوعا: "لا بد في النكاح من حضور أربعة: الولي، والزوج، والشاهدان" رواه

الدارقطني 1، وعن ابن عباس مرفوعا: "البغايا اللواتي يزوجن أنفسهن بغير بينة" رواه الترمذي 2، ولأنه عقد يتعلق به حق غير المتعاقدين وهو الولد فاشترطت فيه الشهادة لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه، ويكره كتمان النكاح قصدا ولو أقر رجل وامرأة أنهما متناكحان بولي وشاهدي عدل مبهمين ثبت النكاح بإقرارهما، ولا تشترط الشهادة بخلو الزوجة من الموانع للنكاح كالعدة والردة؛ لأن الأصل عدمها، ولا إذنها لوليها في العقد، والاحتياط الإشهاد قطعا للنزاع، وإن ادعى زوج إذنها لوليها في العقد وأنكرت صدقت قبل دخول زوج بها مطاوعة لا بعده؛ لأن دخوله بها كذلك دليل كذبها.
(والكفاءة شرط للزومه) -أي للزوم النكاح- لا لصحته على الصحيح كما

قال به أكثر العلماء 1؛ لما روت عائشة: "أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة 2 تبنى سالما 3 وأنكحه ابنة أخيه 4 الوليد بن عتبة 5 وهو مولى لامرأة من الأنصار" رواه البخاري 6، "وأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد فنكحها

بأمره" متفق عليه 1، وعن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي 2 عن أمه 3 قالت: "رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف 4 تحت بلال" رواه الدارقطني 5، (فيحرم تزويجها) -أي المرأة- (بغيره) -أي بغير الكفء- ويفسق به الولي (إلا برضاها) فإذا رضيت صح النكاح، ولمن لم يرض من أوليائها الفسخ فهي حق للمرأة والأولياء كلهم القريب والبعيد، ويملكه الأبعد مع رضا الأقرب.
والزوجة دفعا لما يلحقه

منـ[لحوق] 1 العار، فلو زوج الأب بنته برضاها بغير كفء فللإخوة الفسخ نصا 2، ولو زالت الكفاءة بعد العقد فللزوجة الفسخ دون سائر أوليائها كعتقها تحت عبد؛ لأن حق الأولياء في ابتداء العقد لا في استدامته، وخيار الفسخ لفقد الكفاءة على التراخي، فلا يسقط إلا بإسقاط عصبة أو بما يدل على رضا الزوجة من قول أو فعل، كأن مكنته عالمة بأنه غير كفء فيسقط خيارها فقط.
والكفاءة لغة: المماثلة والمساواة 3، ومنه حديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" 4 -أي تتساوى- فدم الوضيع منهم كدم الرفيع، وهي معتبرة هنا في خمسة أشياء: - أحدها: دين، فلا تزوج عفيفة عن زنا بفاجر أي فاسق بقول أو فعل أو اعتقاد؛ لأنه مردود الشهادة والرواية وذلك نقص في إنسانيته فليس كفؤ العدل لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾ 5.

الثاني: منصب، وهو النسب فلا تزوج عربية بعجمي، ولا بولد زنا لقول عمر: "لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء" رواه الدارقطني 1، ولأن العرب يعتمدون الكفاءة في النسب ويأنفون من نكاح الموالي ويرون ذلك نقصا وعارا، والعرب قريش وغيرهم بعضهم لبعض أكفاء.
والثالث: حرية، فلا تزوج حرة ولو عتيقة بعبد ولا بمبعض قاله الزركشي 2، لأنه منقوص بالرق؛ [لأنه] 3 ممنوع من التصرف في كسبه غير مالك له، ولأن ملك السيد له يشبه ملك البهيمة فلا يساوي الحرة لذلك.
والرابع: الصناعة، بأن لا يكون صاحب صناعة دنيئة، فلا تزوج بنت بزاز 4 -أي تاجر في البز- بحجام، ولا بنت تانئ 5 -أي صاحب عقار- بحائك

وكساح ونحوه 1؛ لأنه نقص في عرف الناس أشبه نقص النسب، وفي حديث: "العرب بعضهم لبعض أكفاء إلا حائكا أو حجاما" 2، قيل لأحمد: وكيف تأخذ به وأنت تضعفه؟ قال: "العمل عليه" 3 أي أنه يوافق العرف.
الخامس: يسار، بحسب ما يجب لها فلا تزوج موسرة بمعسر؛ لأن عليها ضررا.

(فصل) في المحرمات في النكاح

وهن 1 ضربان: [ضرب] 2 يحرم على الأبد، وهن 3 أقسام خمسة ذكر الأول بقوله: (ويحرم أبدا) بالنسب سبع: - 1 - (أم وجدة) مطلقا (وإن علت) لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ 4، وأمهاتك كل من انتسبت إليها بولادة سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة -وهي التي ولدتك- أو مجازا -وهي التي ولدت من ولدتك وإن علت- ومنه جدتاك أم أبيك وأم أمك وجدتا أبيك وجدتا أمك وجدات أجدادك وجدات جداتك 5 وإن علون وارثات كن أو غير وارثات، ذكر أبو هريرة هاجر أم إسماعيل فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تلك أمكم يا بني ماء السماء" 6 وهم طائفة من العرب 7، وفي

الدعاء المأثور "اللهم صل على أبينا آدم وأمنا حواء" 1. 2 - (وبنت) الصلب، (وبنت ولد) ذكرا كان أو أنثى (وإن سفلت) وارثات كن أو غير وارثات لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ 2 ولو كن منفيات بلعان أو من زنى لدخولهن في عموم اللفظ، والنفني بلعان لا يمنع احتمال كونها خلقت من مائه، وكذا يقال في الأخوات وغيرهن مما يأتي من الأقسام، ويكفي في التحريم أن يعلم أنها بنته ونحوها ظاهرا وإن كان النسب لغيره.
3 - (وأخت مطلقا) أي لأبوين أو لأب أو لأم 3. 4 - (وبنتها) -أي بنت الأخت من أي جهة-، (وبنت ولدها) ذكرا كان أو أنثى لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ 4 (وإن سفلت) كما تقدم.
5 - (وبنت 5 كل أخ) شقيق أو لأب أو لأم، (وبنتها) أي بنت بنت = السماء، وقال القاضي: الأظهر عندي أن المراد بذلك الأنصار خاصة ونسبنهم إلى جدهم عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأدد وكان يعرف بماء السماء، وهو المشهور بذلك، والأنصار كلهم من ولد حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور، واللَّه أعلم" ا. هـ. ينظر: صحيح مسلم بشرح النووي 15/ 125.

الأخ، (وبنت ولدها وإن سفلت) 1 لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ 2. 6 - (وعمة) من كل جهة.
7 - (وخالة) من كل جهة (مطلقا) كذلك وإن علتا لقوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ كعمة أبيه وعمة أمه وعمة العم لأب وعمة الخالة لأب وخالة العمة لأم، ولا تحرم عمة العم لأم ولا عمة الخالة لأم ولا خالة العمة لأب لأنها أجنبية، فتحرم كل قريبة سوى بنت عم وبنت عمة وبنت خال وبنت خالة وإن نزلن لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ الآية 3. القسم الثاني من المحرمات على الأبد: المحرمات بالرضاع ولو كان الإرضاع محرما كمن أكره امرأة على إرضاع طفل فأرضعته، فتحرم عليه؛ لوجود سبب التحريم.
(ويحرم برضاع ما يحرم بنسب) فكل امرأة حرمت من النسب حرم مثلها بالرضاع، حتى من ارتضعت من لبن ثاب منه من زنى، كبنته من زنى نص عليه في رواية عبد اللَّه 4؛ لحديث ابن عباس أنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أريد على ابنة حمزة فقال: إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاع، فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم"، وفي

لفظ: "من النسب" متفق عليه 1، وعن علي مرفوعا: "إن اللَّه حرم من الرضاع ما حرم من النسب" رواه أحمد والترمذي وصححه 2؛ ولأن الأمهات والأخوات منصوص عليهن في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ 3 والباقيات يدخلن في عموم لفظ سائر المحرمات، فيدخل في البنات بنات الرضاعة وفي بنات الأخ والأخت بناتهما من الرضاعة، وفي العمات والخالات العمة والخالة من الرضاع، حتى في مصاهرة فتحرم زوجة أبيه وزوجة ولده من رضاع كما تحرم عليه زوجة أبيه وزوجة ابنه من نسب، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ احتراز عمن تبناه، ولا يحرم على رجل أم أخيه من رضاع ولا أخت ابنه من رضاع فتحل مرضعة وبنتها لأبي مرتضع وأخيه من نسب، وتحل أم مرتضع وأخته من نسب [لأبيه وأخيه من رضاع] 4، والشارع إنما حرم من الرضاع ما حرم من النسب لا ما يحرم بالمصاهرة.
القسم الثالث: المحرمات بالمصاهرة وهن أربع ذكر الأولى والثانية

بقوله: (ويحرم بعقد حلائل عمودي نسبه) أي زوجات آبائه وأبنائه، سميت امرأة الرجل حليلة؛ لأنها تحل إزار زوجها ومحللة له، ومثلهن حلائل آبائه وأبنائه من رضاع فيحرمن بمجرد عقد، قال في "الشرح" 1: "لا نعلم في هذا خلافا".
ويدخل فيه زوجات الجد وإن علا وارثا كان أو غيره ولا تحرم بناتهن، فتحل له ربيبة والده وولده وأم زوجة والده وولده لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 2. (و) الثالثة: (أمهات زوجته وإن علون) من نسب ومثلهن من رضاع فيحرمن بمجرد العقد نصا 3 لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ 4 والمعقود عليها من نسائه فتدخل أمها في عموم الآية، قال ابن عباس: "أبهموا ما أبهم القرآن" 5 أي عمموا حكمها في كل حال ولا تفصلوا بين المدخول بها وغيرها، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "من تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج بربيبته ولا يحل له أن يتزوج أمها" رواه أبو حفص 6.

والرابعة: الربيبة (و) يحرم (بدخول ربيبة) وهي بنت زوجته (وبنتها وبنت ولدها وإن سفلت) من نسب أو رضاع لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ 1 قريبات كن أو بعيدات في حجره أو لا؛ لأن التربية لا تأثير لها في التحريم، وأما قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فقد خرج مخرج الغالب لا الشرط فلا يصح التمسك بمفهومه، فإن ماتت الزوجة قبل دخول أو أبانها بعد خلوة وقبل وطء لم يحرمن بناتها للآية، والخلوة لا تسمى دخولا، وتحل زوجة ربيب بانت منه لزوج أمه، وتحل بنت زوج أم لابن امرأته، وتحل زوجة زوج أم لابنها، ويحل لأنثى ابن زوجة ابن لها، وزوج زوجة أب أو زوج زوجة ابن لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ والتحريم في مصاهرة بتغييب حشفة أصلية في فرج أصلي ولو 2 دبرا أو بشبهة أو زنا بشرط حياتهما، فلو أولج ذكره في فرج ميتة أو أدخلت امرأة حشفة ميت في فرجها لم يؤثر في تحريم المصاهرة، ويشترط كون مثلهما يطأ ويوطأ فلو أولج ابن دون عشر سنين حشفته في فرج امرأة أو أولج ابن عشر فأكثر حشفته في فرج بنت دون تسع لم يؤثر في تحريم المصاهرة، وكذا تغييب بعض الحشفة واللمس والقبلة والمباشرة دون الفرج فلا = النكاح برقم (10821)، المصنف 6/ 276، والبيهقي، باب ما جاء في قول اللَّه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ الآية، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 160، والحديث قال عنه الترمذي: "لا يصح من قبل إسناده"، وضعفه الألباني في الإرواء 6/ 286.

يؤثر ذلك في تحريم المصاهرة، ومقتضاه أيضا أن تحمل المرأة ماء أجنبي لا يؤثر في تحريم الصاهرة وجزم به في "الإقناع" 1، ويحرم بوطء ذكر ما يحرم بوطء امرأة فلا يحل لكل لائط وملوط به أم الآخر ولا بنته؛ لأنه وطء في فرج فنشر الحرمة كوطء المرأة، وقال في "الشرح" 2: "الصحيح أن هذا لا ينشر الحرمة فإنه غير منصوص عليهن في التحريم فيدخلن في قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ " انتهى.
القسم الرابع من المحرمات على الأبد: المحرمة باللعان نصا 3، فمن لاعن زوجته ولو في نكاح فاسد أو بعد إبانة لنفي ولد حرمت أبدا ولو أكذب نفسه.
الخامس من المحرمات على الأبد: زوجات نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم- فيحرمن على غيره أبدا لقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ 4 ولو من فارقها في حياته؛ لأنها من زوجاته وهن أزواجه دنيا وأخرى كرامة له -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(و) الضرب الثاني من المحرمات في النكاح: المحرمات (إلى أمد)، وهن نوعان: نوع يحرم لأجل الجمع فتحرم عليه (أخت معتدته) قبل انقضاء عدتها؛ لأنها في حكم الزوجة، (أو) أخت (زوجته) من نسب أو رضاع حرتين كانتا أو أمتين، أو حرة وأمة سواء قبل الدخول أو بعده لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ 5، ويحرم الجمع بين امرأة وعمتها أو خالتها وإن علتا من كل جهة من

نسب أو رضاع لحديث: "لا تجمعوا بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" متفق عليه 1، وفي رواية أبي داود: "لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أختها، ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى" 2، ولما فيه من العداوة بين الأقارب وإفضاء ذلك إلى قطيعة الرحم، وعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 3 مخصوص بما ذكر من الحديث الصحيح.
ويحرم الجمع بين خالتين كأن يتزوج كل من رجلين بنت الآخر وتلد له بنتا

فالمولودتان 1 كل منهما خالة الأخرى لأب، أو بين عمتين كان يتزوج كل من رجلين أم 2 الآخر 3 فتلد له بنتا فكل من المولودتين عمة الأخرى لأم، فيحرم الجمع بينهما أو بين عمة وخالة، كأن يتزوج رجل امرأة وابنه أمها وتلد كل منهما بنتا فبنت الابن خالة بنت الأب، وبنت الأب عمة بنت الابن فيحرم الجمع بينهما، ويحرم الجمع بين امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا والأخرى أنثى حرم نكاحه لها لقرابة أو رضاع؛ لأن المعنى الذي لأجله حرم الجمع إفضاؤه إلى قطيعة الرحم، لما في الطباع من التنافس بين الضرائر، وألحق بالقرابة الرضاع لحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"، ولا يحرم الجمع بين أخت شخص من أبيه وأخته من أمه ولو في عقد واحد؛ لأنه لو كانت 4 إحداهما ذكرا حلت له الأخرى، والشخص في المثال خال وعم لولدهما، ولا يحرم الجمع بين مبانة شخص وبنته من غيرها؛ لأنه وإن حرمت إحداهما على الأخرى لو قدرت ذكرا لم يكن تحريمها إلا للمصاهرة؛ لأنه لا قرابة بينهما ولا رضاع، فمن تزوج أختين أو نحوهما في عقد أو عقدين معا بطلا؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما ولا مزية لإحداهما على الأخرى فبطل فيهما، وكذا لو تزوج خمس زوجات في عقد واحد، وإن تزوجهما في زمنين بطل متأخر فقط دون الأول؛ لأنه لا جمع فيه كعقد على نحو أخت في عدة أخرى ولو بائنا، فإن جهل أسبق العقدين فسخهما الحاكم إن لم يطلقهما، لبطلان النكاح في أحدهما وتحريمها عليه، ولا تعرف

المحللة له فقد اشتبها عليه ونكاح إحداهما صحيح ولا تتيقن بينونتها منه إلا بطلاقهما أو فسخ نكاحهما فوجب ذلك كما لو زوج الوليان وجهل السابق منهما، وإن أحب أن يفارق إحداهما ثم يجدد عقد الأخرى ويمسكها فلا بأس كما ذكره في "الشرح" 1، ولإحداهما إذا عقد عليهما في زمنين وجهل أسبقهما وطلقهما أو فسخ نكاحهما قبل الدخول [نصف] 2 مهرها بقرعة، وله العقد على أحدهما في الحال، وإن أصاب إحداهما أقرع بينهما، فإن خرجت المصابة فلها ما سمى لها ولا شيء للأخرى، وإن وقعت لغير المصابة فلها نصف ما سمي لها وللمصابة مهر مثلها بما استحل من فرجها، وله نكاح المصابة في الحال لا الأخرى حتى تنقضي عدة المصابة، وإن أصابهما فلإحداهما المسمى وللأخرى مهرا لمثل يقترعان عليهما، ولا ينكح إحداهما حتى تنقضي عدة الأخرى.
ومن ملك أخت زوجته أو عمتها أو خالتها صح، وحرم أن يطأها حتى يفارق زوجته وتنقضى عدتها لئلا يجمع ماءه في رحم أختين ونحوهما وذلك لا يحل لحديث: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يجمع ماءه رحم أختين" 3، ومن ملك أختين أو امرأة وعمتها أو خالتها معا ولو في عقد واحد صح وله وطء أيهما شاء؛ لأن الأخرى لم تصر فراشا، كما لو ملك إحداهما وحدها ويحرم به الأخرى

نصا 1، ودواعي الوطء كالوطء لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ فإنه يعم الوطء والعقد جميعا، ولأنها امرأة صارت فراشا فحرمت أختها كالزوجة حتى يحرم الموطوءة بإخراج لها أو لبعضها عن ملكه، ولو ببيع؛ للحاجة إلى التفريق أو هبة مقبوضة لغير ولده أو تزويج بعد استبراء، ولا يكفي مجرد تحريم الموطوءة لأنه يمين مكفرة وتحريمها لعارض متى شاء أزاله بالكفارة فهو كالحيض ونحوه، ولا كتابتها؛ لأنه سبيل من استباحتها بما لا يقف على غيرها، ولا رهنها؛ لأن منعه من وطئها لحق المرتهن لا لتحريمها، ولهذا يحل له وطؤها بإذنه، ولأنه يقدر على فكها متى شاء، ولا يكفي بيعها بشرط خيار له لأنه يقدر على استرجاعها متى شاء بفسخ البيع، فلو خالف ووطئ الأخرى قبل إخراج الموطوءة أولا أو بعضها عن ملكه لزمه أن يمسك عنهما حتى يحرم إحداهما بإخراج عن ملكه كما تقدم، وحديث: "إن الحرام لا يحرم الحلال" غير صحيح ذكره في "الشرح" 2، ومن تزوج أخت سريته ولو بعد إعتاقها زمن استبرائها لم يصح النكاح؛ لأنه عقد تصير به المرأة فراشا فلم يجز أن يرد على فراش الأخت كالوطء، ويفارق النكاح شراء أختها ونحوها

لأنه يكون للوطء وغيره بخلاف النكاح، ولهذا صح شراء الأختين في عقد وشراء من تحرم برضاع أو غيره، وله نكاح أربع سوى أخت سريته ونحوها؛ لأن تحريمها لمعنى لا يوجد في غيرها، وإن تزوجها بعد تحريم السرية واستبرائها ثم رجعت إليه السرية بنحو بيع فالنكاح بحاله، ولا تحل له السرية حتى تبين الزوجة وتنقضي عدتها، وكذا لا يحل له وطء الزوجة حتى يحرم السرية كما تقدم.
ومن وطئ امرأة بشبهة أو زنا حرم في عدتها نكاح أختها أو نحوها ووطؤها إن كانت زوجة أو أمة له، ويحرم أن يزيد على ثلاث 1 غيرها بعقد أو وطء، ولا يحل [له] 2 نكاح موطوءة بشبهة في عدتها إلا من واطئ، فيحل له أن يتزوجها؛ لأن منعها من النكاح، لإفضائه إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب وهو مأمون هنا، ولا يحل نكاح موطوءة بشبهة لواطئ غيره إن لزمتها عدة من غيره حتى تنقضي العدتان كما في "المحرر" وغيره 3 قال ابن نصر اللَّه 4: "والقياس أن له نكاحها إذا دخلت في عدة وطئه"، وصاحب "المغني" أشار إليه 5.

وليس له 1 جمع أكثر من أربع زوجات؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لغيلان بن سلمة 2 حين أسلم وتحته عشر نسوة: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" وقال نوفل بن معاوية 3: أسلمت وتحتي خمس نسوة فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فارق واحدة منهن" رواهما الشافعي في "مسنده" 4، فإذا منع من استدامة ما زاد على

أربع فالابتداء 1 أولى وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ 2 أريد به التخيير بين اثنتين وثلاث وأربع كما قال تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ 3 ولم يرد أن لكل تسعة أجنحة ولو أراده لقال: تسعة، ولم يكن للتطويل معنى، ومن قال خلاف 4 ذلك فقد جهل اللغة العربية.
إلا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فكان له أن يتزوج بأي عدد شاء تكرمة له من اللَّه تعالى، ومات عن تسع 5، ونسخ تحريم المنع بقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ 6. = والحديث الثاني: عن نوفل بن معاوية الديلي، أخرجه الإمام الشافعي في المسند، كتاب أحكام القرآن 2/ 16، وفي الأم، باب ما جاء في نكاح المشرك كتاب النكاح 5/ 175، والبيهقي، باب من يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 184، وضعفه الألباني في الإرواء 6/ 295.

وليس لعبد جمع أكثر من زوجتين؛ لما روى أحمد بإسناده عن محمد بن سيرين 1 "أن عمر سأل الناس كم يتزوج العبد؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: اثنتين، وطلاقه اثنتين" 2، وظاهره أنه كان بمحضر من الصحابة وغيرهم ولم ينكر وهو يخصص عموم الآية مع أن فيها ما يدل على إرادة الأحرار، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 3، ولأن مبنى النكاح على التفضيل، ولهذا فارق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فيه أمته.
ولمن نصفه حر فأكثر جمع ثلاث زوجات نصا 4، ثنتان 5 بنصفه الحر [و] 6 واحدة بنصفه الرقيق، فإن كان دون نصفه حر فله نكاح ثنتين فقط.
ومن طلق واحدة من نهاية جمعه كحر طلق واحدة من أربع أو عبد طلق

واحدة من اثنتين حرم تزوجه بدلها حتى تنقضي عدتها نصا 1؛ لأن المعتدة في حكم الزوجة إذ العدة أثر النكاح فلو جاز له أن يتزوج غيرها لكان جامعا أكثر مما يباح له بخلاف موتها فله نكاح غيرها في الحال نصا 2؛ لأنه لم يبق لنكاحها أثر، وإن قال مطلق واحدة من نهاية جمعه: "أخبرتني بانقضاء عدتها" فكذبته وأمكن انقضاؤها فله نكاح بدلها ونكاح أختها؟ لأنه لا يقبل قولها عليه، ولأنها متهمة في ذلك بإرادة منعه نكاح غيرها وتسقط الرجعة إن كان الطلاق رجعيا مؤاخذة له بإقراره بانقضاء عدتها ولا تسقط السكنى والنفقة؛ لأنهما حق لها عليه يدعي سقوطه وهي منكرة له والأصل معها فالقول قولها فيه دونه.
(و) النوع الثاني من المحرمات إلى أمد: المحرمات لعارض يزول، فتحرم (زانية) على زان وغيره (حتى تتوب) من الزنا (وتنقضي عدتها) لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ 3 لفظه لفظ الخبر والمراد النهي، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 4 أي العفائف فمفهومه أن غير العفيفة لا تباح، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي 5

كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغي يقال لها: عناق، وكانت صديقته، قال: فجئت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقلت: يا رسول اللَّه! أنكح عناقا؟ قال: فسكت عني فنزلت: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فدعاني فقرأها علي وقال: لا تنكحها" رواه أبو داود وغيره 1، وتوبة الزانية بأن تراود على الزنا فتمتنع لما روي أنه قيل لعمر: "كيف تعرف توبتها؟ قال: يريدها على ذلك فإن طاوعته فلم تتب، وإن أبت فقد تابت" 2 فصار أحمد إلى قول عمر 3، وقيل: توبتها كتوبة غيرها ندم وإقلاع وعزم على ألا تعود من غير مراودة، واختاره الموفق وغيره وقال: لا ينبغي امتحانها بطلب الزنا منها بحال، وقدمه في "الفروع" 4، فإذا تابت وانقضت عدتها حل نكاحها للزاني وغيره عند أكثر أهل العلم منهم أبو بكر وعمر

وابنه وابن عباس وجابر 1، وروي عن ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة أنها لا تحل للزاني بحال 2، فيحتمل أنهم أرادوا بذلك ما قبل التوبة أو قبل استبرائها فيكون كقولنا.
(و) تحرم (مطلقته ثلاثا) بكلمة أو كلمات (حتى يطأها زوج غيره بشرطه) أي

بنكاح صحيح ويطلقها وتنقضي عدتها لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 1 والمراد بالنكاح هنا الوطء لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لامرأة رفاعة 2 لما أرادت أن ترجع إليه 3 بعد أن طلقها ثلاثا تزوجت بعبد الرحمن بن الزبير 4 -بفتح الزاي وكسر الموحدة- "لا حتى تذوقي عسيلته" 5 وتحرم محرمة حتى تحل من إحرامها؛ لحديث: "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب" رواه الجماعة إلا البخاري 6، ولم يذكر الترمذي الخطبة 7.

(و) تحرم (مسلمة على كافر) حتى يسلم لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ 1 وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ 2، (و) تحرم (كافرة على مسلم) ولو عبدا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ 3 وقوله ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وقوله ﴿وَ [لَا] 4 تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ 5 حتى تسلم فتحل للمسلم لزوال المانع، (إلا حرة كتابية) ولو حربية أبواها كتابيان فتحل للمسلم أيضا لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ 6 فهو مخصص لما تقدم، وأهل الكتاب من دان بالتوراة والإنجيل خاصة ولو من بني تغلب ومن في معناهم من نصارى العرب ويهودهم وعلم منه عدم حل المجوسية ونحوها للمسلم ولو اختارت دين أهل الكتاب، وكذا لو تولدت بين كتابي ومجوسية تغليبا للحظر، وكذا الدروز 7 ونحوهم لا تحل مناكحتهم ولا

ذبائحهم، ومنع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من نكاح كتابية إكراما له كما منع من نكاح أمة مطلقا 1. (و) يحرم (على حر مسلم) نكاح (أمة مسلمة ما لم يخف عنت عزوبة لحاجة متعة أو) حاجة (خدمة) امرأة له لكبر أو مرض أو غيرهما، ولو كان خوف عنت العزوبة مع صغر زوجته الحرة أو غيبتها أو مرضها (ويعجز عن طول) أي مال حاضر يكفي لنكاح (حرة) ولو كتابية ولو وجد من يقرضه أو رضيت الحرة بتأخير صداقها أو بدون مهر مثلها أو تفويض بضعها (أو) يعجز عن (ثمن أمة) فتحل له الأمة المسلمة بهذين الشرطين خوف العنت، وعدم الطول لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ 2 والصبر عن نكاحها مع الشرطين أولى لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ويقبل قوله في وجود الشرطين ولو كان بيده مال فادعى أنه وديعة أو مضاربة، ولا يبطل نكاحها إذا تزوجها بالشرطين إن أيسر، ولو نكح حرة عليها أو زال خوف العنت ونحوه وقال علي: "إذا تزوج الحرة على الأمة قسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة" 3، وله إن لم تعفه واحدة نكاح أخرى إلى أربع، وكذا له أن يتزوج أمة على حرة إن لم تعفه بشرطه، ولا يكون = ينظر: الموسوعة الميسرة للمذاهب والأديان المعاصرة ص 223.

ولد الأمة حرا إلا باشتراط الزوج حريته، فإن اشترطها فحر لحديث: "المسلمون على شروطهم" 1، وإن نكح أمة ثم ادعى فقد أحد الشرطين فرق بينهما وعليه المسمى بعد الدخول مطلقا، ونصفه قبله إن لم يصدقه سيدها.
ويباح لقن ومدبر ومكاتب ومبعض نكاح أمة ولو كانت لابنه الحر حتى لو تزوجها على حرة.
(و) يحرم (على عبد) ولا يصح منه نكاح (سعدته) ولو ملكت بعضه حكاه ابن المنذر إجماعا 2، لأن أحكام الملك والنكاح تتناقض إذ ملكها إياه يقتضي وجوب نفقته عليها وأن يكون بحكمها، ونكاحه إياها يقتضي عكس ذلك.
ويباح لأمة [نكاح] 3 عبد ولو كان العبد لابنها لقطع رقها التوارث بينها وبين ابنها فهو كالأجنبي منها.
(و) يحرم (على سيد) ولا يصح منه نكاح (أمته)؛ لأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البضع فلا يجتمع معه عقد أضعف منه، (و) لا (أمة ولده) من النسب؛ لأن له فيها شبهة الملك، ويحرم أيضا (على حرة) نكاح (قن ولدها) لما تقدم.
وإن ملك أحد الزوجين الآخر أو بعضه بشراء أو إرث أو هبة 4 ونحوها انفسخ النكاح لتنافي أحكام الملك والنكاح كما تقدم، أو ملك ولد أحد الزوجين أو مكاتبه أو

مكاتب ولده الزوج الآخر أو بعضه 1 انفسخ النكاح لما سبق، فلو بعثت إليه زوجته حرمت عليك ونكحت غيرك وعليك نفقتي ونفقة زوجي فقد ملكت زوجها وتزوجت ابن عمها وهذا الفسخ لا ينقص به عدد الطلاق، فلو أعتقته ثم تزوجها لم يحسب بتطليقة.
ومن جمع في عقد بين مباحة ومحرمة كأيم ومزوجة صح في الأيم؛ لأنها محل قابل للنكاح أضيف إليها عقد صادرمن أهله [لم] 2 يجتمع معها فيه مثلها فصح كما لو انفردت به، وفارق العقد على الأختين؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى، وهنا قد تعينت التي بطل فيها النكاح ولها من المسمى بقدر مهر مثلها منه، ومن جمع في عقد بين أم وبنت صح في البنت دون الأم؛ لأنه عقد تضمن عقدين يمكن تصحيح أحدهما دون الآخر فصح فيما يصح وبطل فيما يبطل، إذ لو فرضنا سبق عقد الأم ثم بطلانه ثم عقد على البنت صح نكاح البنت بخلاف عكسه فإذا وقعا معا فنكاح البنت أبطل نكاح الأم لأنها تصير أم زوجته، ونكاح الأم لا يبطل نكاح البنت؛ لأنها تصير رييبته من زوجة لم يدخل بها.
(ومن حرم وطؤها بعقد) نكاح (حرم) وطؤها (بملك يمين)؛ لأنه إذا حرم النكاح لكونه طريقا إلى الوطء فهو نفسه أولى بالتحريم (إلا أمة كتابية) فيحرم نكاحها لا وطؤها بملك لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 3، ولأن 4 نكاح الأمة الكتابية إنما حرم لأجل إرقاق الولد وبقائه مع كافرة وهذا معدوم في ملك اليمين.

(فصل) في الشروط فى النكاح

وهي ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر مما له فيه غرض، ومحل المعتبر منها صلب العقد، وكذا لو اتفقا عليه قبله في ظاهر المذهب قاله الشيخ تقي الدين، وقال: على هذا جواب أحمد في مسائل الحيل 1؛ لأن الأمر بالوفاء بالشروط والعقود والعهود يتناول ذلك تناولا واحدا، قال في "الإنصاف" 2: "وهو الصواب الذي لا شك فيه".
فإن لم يقع الشرط إلا بعد لزوم العقت لم يلزم نصا 3.

(والشروط في النكاح نوعان): -

أحدهما: (صحيح) لازم للزوج فليس له فكه بدون إبانتها وهو ما لا ينافي مقتضى العقد، فإن بانت منه انفكت الشروط (كشرط زيادة في مهرها) قدرا معينا، وكذا لو شرطت عليه نفقة ولدها وكسوته مدة معينة وتكون من المهر، أو شرط كون مهرها من نقد معين، أو ألا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج أو يتسرى عليها، وأن لا يفرق بينها وبين أبويها أو أولادها، أو أن ترضع ولدها الصغير، أو أن يطلق ضرتها، أو أن يبيع أمته؛ لأن لها فيه قصدا صحيحا، ويروى

صحة الشرط في النكاح وكون الزوج لا يملك فكه عن عمر 1 وسعد ابن أبي وقاص 2 وغيرهما، ويؤيده حديث: "إن أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج" متفق عليه 3 وحديث: "المسلمون على شروطهم" 4 وهو قول من سمي من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم، وروى الأثرم: "أن رجلا تزوج امرأة وشرط لها دارها، ثم أراد نقلها فخاصموه إلى عمر، فقال [لها] 5 عمر: لها شرطها، فقال الرجل: إذن يطلقننا النساء فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط" 6، ويصح جمع بين شرطين هنا بخلاف البيع، (فإن لم يف) زوج لها (بذلك) أي بما اشترطت (فلها الفسخ) لما تقدم من قول عمر ولم يلتفت إلى قول الزوج "إذن تطلقنا النساء"، وكالبيع على التراخي؛ لأنه لدفع ضرر أشبه خيار القصاص

جارٍ التحميل