الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 251-290

(كتاب النكاح)

وهو لغة: الوطء المباح قاله الأزهري 1، وقال الجوهري 2: "النكاح [الوطء] 3 وقد يكون العقد" انتهى 4 وإذا قالوا: نكح فلانة أو بنت فلان أرادوا عقد عليها، وإذا قالوا: نكح زوجته أو أمته لم يريدوا إلا المجامعة؛ لقرينة ذكر زوجته أو أمته.
وهو شرعا: حقيقة في عقد التزويج؛ لصحة نفيه عن الوطء، فيقال: سفاح وليس بنكاح وصحة النفي دليل المجاز وانصراف اللفظ عند الإطلاق إليه وتبادره إلى الذهن دون غيره، مجاز في الوطء لما تقدم 5. وقيل: حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه سبب الوطء 6.

وقيل: حقيقة في مجموعهما فهو من الألفاظ المتواطئة 1. والأشهر أن لفظ النكاح مشترك بين العقد والوطء فيطلق على كل منهما على انفراده حقيقة.
قال في "الإنصاف" 2: "وعليه الأكثر" انتهى.
والمعقود عليه المنفعة كالإجارة، قاله في "الفروع" 3. وأجمعوا على مشروعية النكاح 4 قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ...﴾ الآية 5 وغيرها، وحديث: "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" رواه أحمد وابن حبان 6.

(يسن) النكاح (مع شهوة لمن لم يخف الزنا) من رجل وامرأة لحديث ابن مسعود مرفوعا: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء 1 رواه الجماعة 2، خاطب الشباب؛ لأنهم أغلب شهوة، واشتغاله به أفضل من التخلي لنوافل العبادة، لظاهر قول الصحابة وفعلهم قال ابن مسعود: "لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام، وأعلم أني أموت في آخرها يوما، لي فيهن طول النكاح لتزوجت مخافة الفتنة" 3، وقال ابن عباس لسعيد بن جبير: "تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها = سنن سعيد بن منصور 3/ 1/ 164، والبيهقي، باب استحباب التزوج بالودود الولود، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 81 - 82، والحديث صححه الألباني في الإرواء 6/ 195.

نساء" 1، ولاشتماله على تحصين فرج نفسه وزوجته وحفظها والقيام بها، وإيجاد النسل وتكثير الأمة وتحقيق مباهاته -صلى اللَّه عليه وسلم- وغير ذلك.
ويباح النكاح لمن لا شهوة له أصلا كعنين 2، أو ذهبت شهوته لعارض كمرض وكبر كسائر المباحات لعدم منع الشرع منه، وتخليه لنوافل العبادة أفضل منه في حقه لمنع من 3 تزوجها من التحصين بغيره، وتعريض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يقوم بها.
(ويجب) النكاح بنذر و (على من يخافه) أي الزنا بترك النكاح وقدر على نكاح حرة ولو كان خوفه ذلك ظنا من رجل؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه وصرفها عن الحرام وطريقه النكاح، وظاهر كلام أحمد لا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه 4، واحتج بأنه عليه السلام: "كان يصبح وما عندهم شيء، ويمسي وما عندهم شيء" 5، ولأنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "زوج رجلا لم يقدر على خاتم من حديد، ولا وجد إلا

إزاره ولم يكن له رداء" أخرجه البخاري 1 قال في "الشرح" 2: "هذا في حق من يمكنه التزويج، فأما من لا يمكنه فقد قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ 3 " انتهى.
ونقل صالح 4: "يقترض ويتزوج" 5. ومن أمره به والداه أو أحدهما فليتزوج نصا 6. ويقدم النكاح حين وجوبه على حج واجب زاحمه خشية الوقوع في الحرام، ولا يكتفى في الخروج من وجوب النكاح حيث وجب بالعقد ولا بمرة، بل يكون في مجموع العصر ليحصل الإعفاف وصرف النفس عن الحرام.

ويجوز نكاح مسلمة بدار حرب لضرورة لغير أسير ولا يتزوج منهم، فإن لم تكن ضرورة لم يتزوج ولو مسلمة، ولا يطأ زوجته إن كانت معه نصا 1، ويعزل وجوبا إن حرم نكاحه وإلا استحب.
ويجزئ تسر عن نكاح حيث وجب واستحب لقوله تعالى: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 2 والتخيير إنما يكون بين متساويين 3. (ويسن) لمن أراد نكاحا (نكاح واحدة) إن حصل بها إعفاف ولا يزيد عليها لما فيه من التعريض للحرمة قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ 4 (حسيبة) وهي النسيبة لنجابة ولدها، فإنه ريما أشبه أهلها ونزع إليهم (ودينة) لحديث أبي هريرة مرفوعا: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" متفق عليه 5 (أجنبية)؛ لأن ولدها أنجب، ولأنه [لا] 6 يؤمن الفراق فيفضي مع القرابة لقطيعة الرحم، ويسن أيضا

تخير الجميلة للخبر؛ ولأنه أسكن لنفسه وأغض لبصره وأكمل لمودته، ولذلك شرع النظر قبل النكاح، وعن أبي هريرة قال: "قيل يا رسول اللَّه! أي النساء خير؟ قال: التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره" رواه أحمد والنسائي 1، (بكر) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لجابر: "فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك" متفق عليه 2، (ولود) لحديث أنس مرفوعا: "تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" رواه سعيد 3، ويعرف كون البكر ولودا بكونها من نساء يعرفن بكثرة الأولاد، ولا يسأل عن دينها حتى يحمد له جمالها، قال أحمد: "إذا خطب رجل امرأة سأل عن جمالها أولا، فإن حمد سأل عن دينها، فإن حمد تزوج، وإن لم يحمد يكون رد لأجل الدين، ولا يسأل أولا عن الدين، فإن حمد سأل عن الجمال، فإن لم يحمد ردها للجمال لا للدين".
4 وأراد الإمام أحمد أن يتزوج أو يتسرى فقال: "يكون لهما لحم" يريد كونهما

سمينتين 1، وكان يقال: من أراد أن يتزوج امرأة فليستجد شعرها، فإن الشعر وجه فتخيروا أحد الوجهين، وينبغي أن تكون المرأة من بيت معروف بالدين والقناعة، وأن تكون ذات عقل لا حمقاء، وأن يمنع وزجته من مخالطة النساء فإنهن يفسدنها عليه، وألا يدخل بيته مراهقا، ولا يأذن لها في الخروج، وأحسن النساء التركيات، وأصلحهن الجلب -التي لم تعرف أحدا- 2، وليحذر العاقل إطلاق البصر فإن العين ترى غير المقدور عليه على غير ما هو عليه، وريما وقع من ذلك العشق فيهلك البدن والدين، فمن ابتلي بشيء من ذلك فليفكر في عيوب النساء.
(و) يباح (لمريد خطبة امرأة) بكسر الخاء (مع) غلبة (ظن إجابة نظر إلى ما يظهر 3 منها غالبا) كوجه ورقبة ويد وقدم لحديث: "إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" 4، [و] 5 لحديث جابر مرفوعا: "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل، قال: فخطبت جارية من بني سلمة، فكنت أتخبا لها حتى رأيت منها بعض ما دعاني إلى نكاحها" رواه أحمد وأبو داود 6، وقوله: "إذا ألقى اللَّه عز وجل في

قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها" رواه أحمد وابن ماجة 1، وعن المغيرة بن شعبة 2: "أنه خطب امرأة فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" رواه الخمسة إلا أبا داود 3، ومعنى يؤدم: أي يؤلف ويوفق، والأمر بذلك = الرجل يريد تزوج المرأة...، كتاب النكاح، شرح معاني الآثار 3/ 14، والحاكم، باب إذا خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر...، كتاب النكاح، المستدرك 2/ 165، والبيهقي، باب نظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 84، والحديث قال عنه الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في الإرواء 6/ 200.

[بعد] 1 الحظر فهو للإباحة، ويكون النظر إليها (بلا خلوة إن أمن الشهوة) 2، فإن كان خلوة أو مع خوف ثوران شهوة لم يجز.
(وله) أي الرجل (نظر ذلك) أي ما يظهر غالبا كوجه ورقبة ويد وقدم (ورأس وساق من ذوات محارمه) لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾.. الآية 3 وذوات محارمه من يحرمن عليه أبدا بنسب كأمه وأخته وبنته، أو بسبب مباح كرضاع ومصاهرة كأخته من رضاع وزوجة أبيه وابنه وأم زوجته بخلاف أختها ونحوها لأن تحريمها إلى أمد، وبخلاف أم المزني بها وابنتها، وأم الموطوءة بشبهة وبنتها لأن السبب ليس مباحا.
(و) لرجل وامرأة نظر وجه ورقبة ويد وقدم ورأس وساق (من أمة) معرضة لبيع يريد شراءها كما لو أراد خطبتها بل المستامة أولى؛ لأنها تراد للاستمتاع = حبان، باب ذكر الأمر للمرء إذا أراد خطبة امرأة أن ينظر إليها قبل العقد، كتاب النكاح، برقم (4043) الإحسان 9/ 351، والدارقطني باب المهر، كتاب النكاح، سنن الدارقطني 3/ 252، والحاكم، باب إذا خطب أحدكم امرأة...، كتاب النكاح، المستدرك 2/ 165، والبيهقي، باب نظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 84، والحديث حسنه الترمذي، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 1/ 314.

وغيره، ونقل حنبل: "لا بأس أن يقلبها إذا أراد الشراء من فوق الثياب؛ لأنها لا حرمة لها" 1، وروى أبو حفص 2 أن ابن عمر: "كان يضع يده بين ثدييها، وعلى عجزها من فوق الثياب، ويكشف عن ساقيها" 3، ويباح لعبد امرأة لا مبعض أو مشترك نظر ذلك من مولاته لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ 4 ولمشقة تحرزها منه، وكذا غير أولي الإربة من الرجال، ويباح أن ينظر من الأجنبيات 5 كعنين وكبير ومريض لا شهوة له لقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ 6، ويباح أن ينظر ممن لا تشتهى كعجوز وبرزة وقبيحة ومريضة لا تشتهى وأمة غير مستامة إلى غير عورة صلاة.
ويحرم نظر خصي ومجبوب وممسوح -أي مطقوع الخصيتين ومقطوع الذكر

ومقطوعهما- إلى أجنبية ولو امرأة سيده، قال الأثرم: "استعظم الإمام أحمد دخول الخصيان على النساء" 1 قال ابن عقيل: "لا تباح خلوة النساء بالخصيان ولا بالمجبوبين؛ لأن العضو وإن تعطل أو عدم فشهوة الرجال لا تزول من قلوبهم، ولا يؤمن التمتع بالقبلة وغيرها، ولذلك لا يباح خلوة الرجل بالرتقاء من النساء لهذه العلة" 2. ولشاهد ومعامل نظر وجه مشهود عليها، ووجه من تعامله في بيع أو إجارة أو غيرها ليعرفها بعينها لتجوز الشهادة عليها أو ليرجع عليها بالدرك، وكذا له نظر كفيها لحاجة، ولطبيب 3 ومن يلي خدمة مريض وأقطع يدين ولو أنثى في وضوء واستنجاء نظر ومس حتى الفرج لكن بحضرة محرم أو زوج أو سيد ما دعت إليه حاجة دفعا للحاجة ويستر ما عداه، وكذا حال تخليص من غرق ونحوه، وروي أنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لما حكم سعدا في بني قريظة كان يكشف عن مؤتزرهم" 4 وعن عثمان: أنه أتي بغلام قد

سرق فقال: "انظروا إلى مؤتزره فلم يجدوه أنبت الشعر فلم يقطعه" 1 وكذا يباح للحلاق حلق عانة من لا يحسنه والنظر إلى المحل الذي يحلقه نصا 2، ويباح لامرأة مع امرأة ولو كافرة مع مسلمة ورجل مع رجل ولو أمرد نظر غير عورة، وهي هنا ما بين سرة وركبة، لكن إن كان الأمرد جميلا يخاف الفتنة بالنظر إليه لم يجز تعمد النظر إليه، وروى الشعبي قال: "قدم وفد عبد القيس على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وراء ظهره" رواه أبو حفص 3، ويباح لامرأة [نظر] 4 من رجل إلى غير عورة، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لفاطمة بنت قيس 5: "اعتدي في بيت = شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 2/ 78 - 79، وأصله في الصحيحين.

ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين 1 ثيابك فلا يراك" 2 قالت عائشة: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يسترني بردائه، وأنا أنظر إِلى الحبشة يلعبون في المسجد" متفق عليه 3، ولأنهن لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء لئلا ينظرن إليهم.
ومميز لا شهوة له مع امرأة كامرأة مع امرأة لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ 4 وقوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ 5 فدل على التفريق بين البالغ وغيره.

والمميز ذو الشهوة مع المرأة كمحرم للآية حيث فرق اللَّه بينه وبين البالغ، وبنت تسع مع رجل كمحرم لحديث: "لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار" 1 فدل على صحة صلاة من لم تحض مكشوفة الرأس فيكون حكمها مع الرجال كذوات المحارم، وكالغلام المراهق مع النساء.
وخنثى مشكل في نظر رجل إليه كامرأة ونظره إلى رجل كنظر امرأة إليه، ونظره إلى امرأة كنظر رجل إليها تغليبا لجانب الحظر.
ولرجل نظر لغلام لغير شهوة كالبالغ، ويحرم نظر لشهوة بأن يتلذذ بالنظر، أو مع خوف ثورانها إلى أحد ممن ذكر من ذكر وأنثى وخنثى غير زوجة وسرية، وحرم ابن عقيل وهو ظاهر كلام غيره النظر مع شهوة تخنيث وسحاق ودابة يشتهيها ولا يعف عنها 2. ولمس كنظر بل أولى؛ لأنه أبلغ منه فيحرم اللمس حيث يحرم النظر، وصوت

الأجنبية ليس بعورة، ويحرم تلذذ بسماعه ولو بقراءة القرآن؛ لأنه يدعو إلى الفتنة بها.
ويحرم خلوة غير محرم على الجميع بشهوة ودونها وكرجل يخلو مع عدد من النساء وعكسه بأن يخلو عدد من الرجال بامرأة واحدة.
قال في "الفروع" 1: "ولو بحيوان يشتهي المرأة أو تشتهيه كالقرد، ذكره ابن عقيل وابن الجوزي".
2 ولكل من الزوجين نظر جميع بدن الآخر ولمسه بلا كراهة حتى فرجها نصا 3 لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ 4، ولحديث بهز بن حكيم 5 عن أبيه عن جده قال: "قلت: يارسول اللَّه! عوراتنا ما نأتي منها وما

نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك" رواه الترمذي وحسنه 1، ولأن الفرج محل الاستمتاع فجاز النظر إليه كبقية البدن، كبنت أو ابن دون سبع سنين؛ لأنه لا حكم لعورتهما، روي عن أبي ليلى 2 قال: "كنا جلوسا عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: فجاء الحسن، فجعل يتمرغ عليه، فرفع مقدم قميصه أرآه، فقال: فقبل زبيبه" رواه أبو حفص 3، وكره النظر إلى الفرج حال الطمث -أي الحيض- ويكون أيضا بمعنى الجماع، وزاد في "الرعاية الكبرى": "وحال الوطء" 4. وكذا سيد مع أمتة المباحة له لكل منهما نظر جميع بدن الآخر ولمسه بلا كراهة كما تقدم، والسنة عدم نظر كل منهما إلى فرج الآخر لحديث عائشة

قالت: "ما رأيت فرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قط" رواه ابن ماجة 1، وفي لفظ: "ما رأيته من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا رآه مني" 2، ولأنه أغلظ العورة.
وينظر سيد من أمته غير المباحة له كمزوجة، ومسلم من أمته الوثنية والمجوسية إلى غير عورة، ويحرم نظره إلى ما بين السرة والركبة، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة فإنه عورة" رواه أبو داود 3، ومفهومه إباحة النظر إلى ما عدا ذلك، والمجوسية والوثنية في معنى المزوجة بجامع الحرمة، ومن لا يملك من أمة إلا بعضها كمن لا حق له فيها، وحرم تزين امرأة لمحرم غير زوج وسيد لدعائه إلى الافتتان بها، وكره أحمد مصافحة النساء وشدد حتى لمحرم غير أب 4.

فصل

(وحرم تصريح) وهو ما لا يحتمل غير النكاح (بخطبة معتدة) -بكسر الخاء- ومثلها مستبرأة عتقت بموت سيد ونحوه، كقوله: أريد أن أتزوجك، أو إذا انقضت عدتك تزوجتك، أو زوجينى نفسك لمفهوم قوله تعالى ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ [بِهِ] 1 مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ 2 إذ تخصيص التعريض بنفي الحرج يدل على عدم جواز التصريح، ولأنه لا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها (على غير زوج تحل له) كالمخلوعة والمطلقة دون ثلاث 3 على عوض؛ لأنه يباح له نكاحها في عدتها، أشبهت غير المعتدة بالنسبة إليه، فإن وطئت بشبهة أو زنا في عدتها فالزوج كأجنبي؛ لأنها لا تحل له إذن كالمطلقة ثلاثا.
(و) يحرم (تعريض بخطبة رجعية)؛ لأنها في حكم الزوجات أشبهت التي في صلب النكاح، ويجوز التعريض بخطبة معتدة في عدة وفاة وبائن بطلاق ثلاثا، وبغير الثلاث كالمختلعة والمطلقة على عوض والبائن بفسخ لعنة وعيب ورضاع ونحوه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ 4، والمرأة في

الجواب كالرجل فيما يحل ويحرم، فيجوز للبائن التعريض في الإجابة ويحرم عليها التصريح، وعلى الرجعية التعريض والتصريح ما دامت في العدة، والتعريض من الخاطب مثل أن يقول: "إني في مثلك لراغب" و"لا تفوتيني نفسك" و"إذا انقضت عدتك فأعلميني"، وما أشبه ذلك، وتجيبه: " [ما يرغب] 1 عنك" و"إن قضى شيئا كان" ونحو ذلك، ودخل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على امرأة أبي سلمة وهي متأيمة فقال: "لقد علمت أني رسول اللَّه، وخيرته من خلقه، وموضعي من قومي، وكانت تلك خطبته" رواه الدارقطني 2، فلو صرح الخاطب بالخطبة أو عرض في موضع يحرمان فيه ثم تزوجها بعد حلها وانقضاء عدتها صح نكاحه؛ لأن أكثر ما في ذلك تقديم حظر على العقد.
(و) حرم (خطبة على خطبة مسلم أجيب) ولو تعريضا إن علم الثاني إجابة الأول؛ لحديث أبي هريرة مرفوعا: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك" رواه البخاري 3، ولما فيه من الإفساد على الأول وإيذائه وإيقاع العدواة بينهما، وإن لم يعلم بإجابة الأول، أو ترك الخطبة، أو أخر العقد حتى طالت المدة وتضررت المخطوبة أو أذن للثاني في الخطبة جاز، لحديث ابن عمر يرفعه: "لا يخطب

الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن لخاطب" رواه أحمد والبخاري 1، وكذا لو سكت الخاطب الأول بأن استأذنه الثاني فسكت جاز للثاني؛ لأن سكوته عند استئذانه في معنى الترك، وهذا من المواضع التي يكون السكوت فيها رضا، ومن ذلك سكوت البكر عند الاستئذان للنكاح، وسكوت من بشر بولد ولم ينفه، وصلاة إمام خلف من أم بغير إذنه.
وإن رد الأول ولو بعد إجابته جاز للثاني أن يخطب، ويكره رد الأول بلا غرض صحيح، والتعويل في رد وإجابة على ولي مجبر، وهو الأب ووصيه إن كانت الزوجة حرة [بكرا وكذا سيد أمة] 2 بكرا وثيبا فلا أثر لإجابة المجبرة؛ لأن وليها يملك تزويجها بغير اختيارها، لكن إن كرهت من أجابه وليها وعينت غيره سقط حكم إجابة [عليها دون] 3 وليها لتقديم اختيارها عليه، وإلا تكن مجبرة كحرة ثيب عاقلة تم لها تسع سنين فالتعويل في رد وإجابة عليها دون وليها؛ لأنها أحق بنفسها، فإن خطب كافر كتابية لم تحرم خطبتها على مسلم نصا 4؛ لأن الكافر ليس أخا للمسلم.
(وسن عقده) أي النكاح (يوم الجمعة مساء)؛ لأنه يوم شريف ويوم عيد والبركة في النكاح مطلوبة فاستحب له أشرف الأيام طلبا للبركة، والإمساء به أن يكون

من آخر النهار، وروى أبو حفص العكبري مرفوعا: "أمسوا بالإملاك فإنه أعظم للبركة" 1، ولأن في آخر يوم الجمعة ساعة الإجابة فاستحب العقد فيها لأنه أعظم للبركة وأحرى لإجابة الدعاء لهما، ويكون العقد (بعد خطبة) عبد اللَّه (ابن مسعود) رضي اللَّه عنه، وهي ما رواه قال: "علمنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة: إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال: ويقرأ ثلاث آيات فسرها سفيان الثوري 2 ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ 3 ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ 4 ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الآية 5 رواه الترمذي وصححه 6،

وروي أن أحمد كان إذا حضر عقد نكاح ولم يخطب فيه بخطبة ابن مسعود قام وتركهم 1، وهذا على طريق المبالغة في استحبابها لا على إيجابها، ويجزئ عن هذه الخطبة أن يتشهد ويصلى على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لما روي عن ابن عمر أنه كان إذا دعي ليزوج قال: "الحمد للَّه وصلى اللَّه على سيدنا محمد، إن فلانا يخطب إليكم، فإن أنكحتموه فالحمد للَّه، وإن رددتموه فسبحان اللَّه" 2 ولا يجب شيء من ذلك لما في المتفق عليه: "أن رجلا قال للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: زوجنيها، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: زوجتكها بما معك من القرآن" 3، وعن رجل من بني سليم 4 قال: "خطبت إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمامة بنت عبد المطلب 5 فأنكحني من غير أن يتشهد" رواه أبو = (3277)، المجتبى 6/ 89، وابن ماجة، باب خطبة النكاح، كتاب النكاح برقم (1892)، سنن ابن ماجة 1/ 609، وأحمد برقم (3712) المسند 1/ 648، والدارمي، باب في خطبة النكاح، كتاب النكاح برقم (2202)، سنن الدارمي 2/ 191، والبيهقي، باب ما جاء في خطبة النكاح، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 146، والحديث حسنه الترمذي، وصححه الألباني في الإرواء 6/ 221.

داود 1 ولا بأس بسعي الأب للأيم واختيار الأكفاء لعرض عمر حفصة على عثمان رضي اللَّه عنهم 2. ويسن أن يقال لمتزوج: بارك اللَّه لكما وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية، لحديث أبي هريرة: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا رفأ إنسانا تزوج قال: بارك اللَّه لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير وعافية" رواه الخمسة إلا النسائي 3، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-

لعبد الرحمن بن عوف: "بارك اللَّه لك، أولم ولو بشاة" 1، فإذا زفت الزوجة إليه قال ندبا: اللهم إني أسالك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما فليقل: اللهم إني أسالك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيرا أخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك" رواه أبو داود 2.

(فصل) في أركان النكاح وشروطه

وأركان الشيء أجزاء ماهيته، والماهية لا توجد بدون جزئها، فكذا الشيء لا يتم بدون ركنه 1. والشرط: ما ينتفي المشروط بانتفائه وليس جزءا للماهية 2. (أركانه) -أي النكاح- ثلاثة: إحداها: (الزوجان الخاليان [عن] 3 الموانع) الآتية في باب المحرمات في النكاح، وأسقطه في "المنتهى" وغيره لوضوحه 4. (و) الثاني: (إيجاب بلفظ أنكحتـ) ـك (أو زوجتـ) ـك. (و) الثالث: (قبول بلفظ قبلت أو رضيت فقط، أو مع هذا النكاح أو تزوجتها) ولا ينعقد النكاح إلا بهما مرتبين الإيجاب أولا وهو اللفظ الصادر من قبل الولي أو 5 من يقوم مقامه، ثم القبول بعده وهو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، ولا يصح إيجاب ممن يحسن العربية إلا بلفظ "أنكحت" أو "زوجت" لورودهما في نص القرآن في قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ 6 {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ

آبَاؤُكُمْ} 1، ولا يصح قبول ممن يحسن العربية إلا بلفظ "قبلت تزويجها"، أو "قبلت نكاحها" أو "قبلت هذا النكاح" أو"هذا التزويج" أو "تزوجتها" أو "رضيت هذا النكاح" أو "قبلت" فقط أو "تزوجت"؛ لأن ذلك صريح في الجواب فصح النكاح به كالبيع، أو قال الخاطب للولي: أزوجت؟ فقال: نعم، وقال للمتزوج: أقبلت؟ فقال: نعم.
انعقد النكاح؛ لأن المعنى نعم زوجت، نعم قبلت هذا النكاح؛ لأن المسؤول عنه يكون مضمرا في الجواب معادا فيه بدليل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ 2 أي وجدنا ما وعدنا ربنا حقا 3. ويصح الإيجاب والقبول من هازل وتلجئة لحديث: "ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح، والرجعة" رواه الترمذي 4، وعن الحسن

قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من نكح لاعبا أو طلق لاعبا أو أعتق جاز" 1 وقال عمر: "أربع جائزات إذا تكلم بهن: الطلاق، والعتاق، والنكاح، والنذر" 2 وقال علي: "أربع لا لعب فيهن: الطلاق، والعتاق، والنكاح، والنذر" 3. (ومن جهلهما) أي الإيجاب والقبول (لم يلزمه تعلم) بالعربية؛ لأنه عقد معاوضة كالبيع بخلاف تكبير الصلاة، ولأن القصد هنا المعنى دون اللفظ المعجز بخلاف القراءة، (وكفاه) أي العاجز عنهما بالعربية (معناهما الخاص بكل لسان) أي لغة؛ لأن ذلك في لغته نظير الإنكاح والتزويج ولا يكلف اللَّه نفسا إلا وسعها، ولا يصحان بما لا يؤدي معناهما الخاص كالعربي إذا عدل عن أنكحت أو زوجت إلى غيرهما، وإن أحسن أحدهما العربية وحده أتى بها والآخر بلغته، وترجم بينهما ثقة إن لم يحسن أحدهما لسان الآخر، ولا بد من معرفة الشاهدين لفظ العاقدين.
ولا يصح إيجاب ولا قبول بكتابة ولا إشارة مفهومة إلا من أخرس فيصحان

منه بالإشارة نصا 1، كبيعه وطلاقه، وإذا صحا منه بالإشارة فالكتابة أولى؛ لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار.
ولا يصح نكاح إن تقدم قبول على إيجاب سواء كان بلفظ الماضي كقوله: تزوجت ابنتك فيقول زوجتكها، أو الأمر كقوله: زوجني ابنتك، فيقول: زوجتكها؛ لأن القبول [إنما] 2 يكون للإيجاب، فمتى وجد قبله لم يكن قبولا لعدم معناه كما لو تقدم بلفظ الاستفهام، بخلاف البيع فإنه يصح بالمعاطاة وكل ما أدى معناه، و [يفارق] 3 الخلع؛ لأنه يصح تعليقه على شرط إذا نوف به الطلاق.
وإن تراخى قبول عن إيجاب حتى تفرقا من المجلس أو تشاغلا بما يقطعه عرفا بطل الإيجاب للإعراض عنه بالتفرق أو الاشتغال أشبه ما لو رده، فإن طال الفصل بينهما ولم يتفرقا ولم يتشاغلا بما يقطعه صح العقد؛ لأن حكم المجلس حكم حالة العقد بدليل صحة القبض فيما يشترط لصحته قبضه في المجلس وثبوت الخيار في البيع فيه، ومن أوجب عقدا ولو في غير نكاح ثم جن أو غمي عليه قبل قبول بطل إيجابه بذلك، كبطلا [نه] 4 بموته، ولا يبطل الإيجاب إن نام قبل بقوله إن قبل في المجلس؛ لأن النوم لا يبطل العقود الجائزة 5.

فصل (وشروطه) -أي النكاح- (أربعة): -

أحدها: (تعيين الزوجين) في العقد؛ لأن النكاح عقد معاوضة أشبه البيع، فلا يصح النكاح إن قال الولي: "زوجتك بنتي" وله بنت غيرها حتى يميزها باسمها كفاطمة، أو صفة لا يشاركها فيها غيرها من أخواتها كالكبرى أو الطويلة، أو يشير إليها إن كانت حاضرة كهذه، وإلا يكن له إلا بنت واحدة صح النكاح بقوله: "زوجتك بنتي" ولو سماها بغير اسمها؛ لأنه لا تعدد هنا، وإن سماها باسمها ولم يقل: بنتي لم يصح 1 العقد لاشتراك هذا الاسم وهذه الصفة بينها وبين سائر الفواطم والطوال، أو قال من له بنتان: عائشة وفاطمة: زوجتك بنتي عائشة فقبل، ونويا فاطمة لم يصح؛ لأنهما لم يتلفظا بما يصح العقد بالشهادة عليه فأشبه ما لو قال: زوجتك بنتي فقط أو عائشة فقط، ولأن اسم أختها لا يميزها بل يصرف به العقد عنها كمن سمي له في العقد غير مخطوبته فقبل يظنها إياها 2. (و) الشرط الثاني: (رضاهما) أي الزوجين العاقلين ولو كان الزوج رقيقا نصا 3 إذا كان مكلفا والزوجة حرة ثيبا تم لها تسج سنين، ولها إذن صحيح معتبر،

فيشترط مع ثيوبتها، ويسن مع بكارتها نصا 1؛ لحديث أبي هريرة مرفوعا: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول اللَّه! وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت" متفق عليه 2، وخص بنت تسع لحديث أحمد عن عائشة قالت: "إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة" 3، وروي عن ابن عمر مرفوعا 4، ومعناه في حكم المرأة، ولأنها تصلح بذلك للنكاح وتحتاج إليه أشبهت البالغة، (لكن لأب) دون سائر الأولياء (ووصيه) -أي الأب- (في نكاح تزويج) ابن (صغير) -أي [غير] 5 بالغ- لما روي أن ابن عمر: "زوج ابنه وهو صغير، فاختصموا إلى زيد، فأجازاه جميعا" رواه الأثرم 6، وله تزويجه أكثر من واحدة إن رآه مصلحة بغير رضاه، ولأب أو وصيه تزويج ابن (بالغ معتوه) أو مجنون مطبقا ولو كان بلا شهوة بلا إذنه؛ لأنه غير مكلف أشبه الصغير، ولأنه ربما كان

النكاح دواء له يرجى به شفاؤه، وقد يحتاج إلى الإيواء والحفظ، فإن عدم الأب ووصيه وثم حاجة إلى النكاح زوجهما -أي الابن الصغير والكبير المعتوه-[حاكم] 1؛ لأنه ينظر في مصالحهما بعد الأب ووصيه، ومن يخنق في [بعض] 2 الأحيان إذا بلغ لا يصح تزويجه إلا بإذنه؛ لأنه ممكن، ومن أمكن أن يتزوج لنفسه لم تثبت ولاية تزويجه لغيره كالعاقل، ومن زال عقله ببرسام 3 أو مرض يرجى زواله فكالعاقل، ويصح قبول مميز لنكاحه بإذن وليه.
(و) لأب ووصيه تزويج بنت (مجنونة) ولو كانت بلا شهوة أو ثيبا أو بالغة؛ لأن ولاية الإجبار انتفت عن العاقلة بخيرة نظرها لنفسها بخلاف المجنونة، ويزوجها مع شهوتها كل ولي لحاجتها إلى النكاح، ولدفع ضرر الشهوة عنها وصيانتها عن الفجور وتحصيل المهر والنفقة، وتعرف شهوتها من كلامها وقرائن أحوالها كتتبعها الرجال وميلها إليهم.
(و) لأب ووصيه تزويج بنت (ثيب لها دون تسع) سنين؛ للأنه لا إذن لها معتبر (وبكر طلقا) أي ولو كانت مكلفة؛ لحديث ابن عباس مرفوعا: "الأيم أحق

بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها صماتها" رواه أبو داود 1، فقسم النساء قسمين وأثبت الحق لأحدهما فدل على نفيه عن الآخر وهي البكر، فيكون وليها أحق منها بنفسها، ودل الحديث على أن الاستئمار هنا والاستئذان في الحديث السابق مستحب غير واجب.
ويسن استئذان البكر إذا تم لها تسع سنين مع استئذان أمها؛ لحديث ابن عمر مرفوعا: "آمروا النساء في بناتهن" رواه أبو داود 2. و(كـ) أب ووصيه (سيد مع إمائه) مطلقا كبارا كن أو صغارا أبكارا أو ثيبات أو مدبرات أو أمهات أولاد؛ لأن منافعهن مملوكة له، والنكاح عقد على منفعة أشبه عقد الإجارة 3، (و) مع (عبده الصغر) أو المجنون كابنه وأولى لتمام ملكه، ولا يجبر سيد مكاتبا أو مكاتبة ولو صغيرين؛ لأنهما بمنزلة الخارجين عن ملكه، ولذلك لا يلزمه نفقتهما، ولا يملك إجارتهما ولا أخذ مهر المكاتبة، ويعتبر في نكاح معتق بعضها

إذنها وإذن معتقها وإذن مالك البقية كالشريكين في أمة ويقول كل: زوجتكها، ولا يقول: زوجتك نصيبي منها؛ لأن النكاح لا يقبل التبعيض والتجزء بخلاف البيع والإجارة، (فلا يزوج باقي الأولياء) غير أب أو وصيه (صغرة) دون تسع سنين (بحال) من الأحوال؛ لأنه لا إذن لها وغير الأب أو وصيه لا إجبار له (ولا) يزوج (بنت تسع) سنين فأكثر (إلا بإذنها) نصا 1، لحديث أبي هريرة مرفوعا: "تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت لم تكره" رواه أحمد 2، فدل على أن اليتيمة تزوج بإذنها، وأن لها إذنا صحيحا، وقد انتفى ذلك فيمن لم تبلغ تسعا باتفاق 3 فوجب حمله على من بلغت تسعا جمعا بين الأخبار، (وهو) أي إذنها المعتبر (صمات بكر) لحديث أبي هريرة المتقدم، وعن عائشة أنها قالت: "يا رسول اللَّه! إن

البكر تستحي قال: رضاها صماتها" متفق عليه 1، ولو ضحكت أو بكت كان ذلك إذنا لحديث أبي هريرة مرفوعا: "تستأمر اليتيمة، فإن بكت أو سكتت فهو رضاها، وإن أبت فلا جواز عليها" 2؛ ولأنها غير ناطقة بالامتناع مع سماع الاستئذان فكان ذلك إذنا منها كالصمات، والبكاء يدل على الحياء لا الكراهة، ونطقها أبلغ من صماتها؛ لأنه الأصلي في الإذن، ويعتبر في استئذان من يشترط إذنها تسمية الزوج على وجه تقع المعرفة به لتكون على بصيرة في إذنها في تزويجه، ولا يعتبر تسمية المهر، ومن زالت بكارتها بغير وطء فكبكر 3 (ونطق ثيب) وهي من وطئت في قبل ولو بزنا أو مع عود بكارة بعد وطئها، للحديث: "الثيب تعرب عن نفسها" 4، ولمفهوم حديث: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح

البكر حتى تستأذن، وإذنها أن تسكت" 1؛ لأنه لما قسم النساء قسمين وجعل السكوت إذنا لأحدهما وجب أن يكون الآخر بخلافه.
(و) الشرط الثالث -من شروط النكاح-: (الولي) نصا 2 إلا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ 3، والأصل في اشتراط الولي حديث أبي موسى مرفوعا: "لا نكاح إلا بولي" رواه الخمسة إلا النسائي 4، وصححه أحمد = إذن البكر الصمت وإذن الثيب الكلام، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 123، والحديث صححه الألباني بشواهده في الإرواء 6/ 234 - 235.

وابن معين 1، وعن عائشة مرفوعا: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي لها" رواه الخمسة إلا النسائي 2، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ 3 لا يدل على صحة نكاحها نفسها بل على أن نكاحها إلى الولي؛ لأنها نزلت في معقل بن يسار 4 حين امتنع من تزويج أخته، فدعاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-

فزوجها 1، فلو لم يكن لمعقل ولاية النكاح لما عاتبه تعالى على ذلك، وإنما أضافه إلى النساء لتعلقه بهن وعقده عليهن، فلا يصح من امرأة إنكاحها لنفسها كما تقدم أو إنكاحها لغيرها، فيزوج أمة المحجور عليها وليها ولغير المحجور عليها من يزوج سيدتها بشرط إذن سيدتها؛ لأنه تصرف في مالها ولا يتصرف في مال رشيدة بغير إذنها نطقا ولو كانت السيدة بكرا، ولا إذن لمولاة معتقة في تزويجها لملكلها نفسها بالعتق، ويزوجها بإذنها أقرب عصبتها نسبا كحرة الأصل، فإن عدموا فعصبتها ولاء كالميراث، ويقدم ابن المولاة على أبيها؛ لأن الولاية بمقتضى ولاء العتق، والولاء يقدم فيه الابن على الأب.
(وشروطه) -أي الولي- ستة: أحدها: (تكليف) وهو العقل والبلوغ؛ لأن الولاية يعتبر لها كمال الحال لأنها تنفيذ تصرف في حق غيره، وغير المكلف مولى عليه لقصور نظره، فلا تثبت له ولاية كالمرأة.
قال أحمد: "لا يزوج الغلام حتى يحتلم ليس له أمر" 2. (و) الشرط الثاني: (ذكورة)؛ لأن المرأة لا يثبت لها ولاية على نفسها فعلى غيرها أولى.
(و) الشرط الثالث: (حرية)؛ لأن العبد والمبعض لا يستقلان بولاية على أنفسهما فعلى غيرهما أولى.

(و) الشرط الرابع: (رشد) وهو هنا: معرفة الكفء ومصالح النكاح وليس هو حفظ المال، فإن رشد كل مقام بحسبه.
(و) الشرط الخامس: (اتفاق دين) الولي والمولى عليها 1، فلا ولاية لكافر على مسلمة وكذا عكسه، ولا لنصراني على مجوسية ونحوها؛ لأنه لا توارث بينهما بالنسب إلا أم ولد لكافر أسلمت فيزوجها لمسلم لأنها مملوكلته، ولأنه عقد عليها فيليه كإجارتها، وإلا أمة كافرة لمسلم فله أن يزوجها لكافر لما تقدم، وكذا أمة كافرة لمسلمة فيزوجها ولي سيدتها على ما سبق، وإلا السلطان فيزوج من لا ولي لها من الكوافر لعموم ولايته على أهل دار الإسلام، وهذه من أهل الدار فثبت له الولاية عليها كالمسلمة.
(و) الشرط السادس: (عدالة) نصا 2 لقول ابن عباس: "لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد" 3 قال أحمد: "أصح شيء في هذا قول ابن عباس" 4 يعني وقد روي عن ابن عباس مرفوعا: "لا نكاح [إلا] 5 بولي وشاهدي عدل، وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط فنكاحها باطل" 6؛ ولأنها ولاية نظرية فلا يستبد بها

الفاسق كولاية المال، (ولو) كانت العدالة (ظاهرا) 1 فيكفي مستور الحال كولاية المال (إلا في سلطان) فلا يشترط في تزويجه بالولاية العامة العدالة للحاجة، (و) إلا في (سيد) أمة لأنه يتصرف في ملكه كما لو آجرها.
(ويقدم وجوبا) في نكاح حرة (أب)؛ لأن الولد موهوب لأبيه، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ 2؛ ولأن الأب [أكمل] 3 نظرا وأشد شفقة، (ثم وصيه) -أي الأب- (فيه) في الإنكاح، لأنه بمنزلته، (ثم جد لأب وإن علا) الجد للأب فيقدم على الابن وابنه؛ لأن له إيلادا وتعصيبا فيقدم عليهما كالأب، فإن اجتمع أجداد فأولاهم أقربهم كالجد مع الأب، (ثم ابن) للحرة فابنه (وإن نزل) يقدم الأقرب فالأقرب؛ لحديث أم سلمة: "فإنها لما انقضت عدتها أرسل إليها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطبها فقالت: يا رسول اللَّه! ليس أحد من أوليائي شاهدا، قال: ليس من = من قول ابن عباس، ولم يرفعه إلا عبد اللَّه بن الفضل".
ا. هـ، وقال الألباني: "ضعيف مرفوعا والصحيح موقوف".
إرواء الغليل 6/ 251. وروي الحديث من وجه آخر عن عائشة -رضي اللَّه عنها-: أخرجه ابن حبان، باب ذكر نفي إجازة عقد النكاح بغير ولي وشاهدي عدل، كتاب النكاح برقم (4075)، الإحسان 9/ 386، والدارقطني، كتاب النكاح، سنن الدارقطني 3/ 226 - 227، والبيهقي، باب لا نكاح إلا بشاهدين عدلين، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 125، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 3/ 156: "صحت الرواية فيه عن أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" ا. هـ، وصححه الألباني في الإرواء 6/ 258 - 259 بشواهده.

جارٍ التحميل