الحمل معتق أمه لم يعتق 1 وبه قال ابن عمر 2 وأبو هريرة 3، قال أحمد: "أذهب إلى حديث ابن عمر في العتق، ولا أذهب إليه في البيع" 4، ولحديث: "المسلمون على شروطهم" 5؛ ولأنه يصح إفراده بالعتق بخلاف البيع، فصح استثناؤه كالمنفصل، ويفارق البيع في أنه عقد معاوضة يعتبر فيه العلم بصفات المعوض ليعلم هل يقابل العوض أو لا؟ ويصح عتق الحمل دون أمه نصا 6؛ لأن حكمه حكم الإنسان
المنفرد، ولهذا تورث عنه الغرة إن ضرب بطن أمه 1 فأسقطته، كأنه سقط حيا، وتصح الوصية به، وله، ويرث.
ومن ملك بغير إرث جزءا ممن يعتق عليه بملك وهو موسر بقيمة باقيه فاضلة عن حاجته وحاجة من يمونه، كفطرة يوم ملكه عتق عليه كله وعليه ما يقابل جزء شريكه من قيمته كله، فيقوم كاملا لا عتق فيه، وتؤخذ حصة الشريك منها لفعله سبب العتق اختيارا منه فسرى ولزمه الضمان، كما لو وكل من أعتق نصيبه، وإلا يكن موسرا بقيمة باقيه كله عتق ما يقابل ما هو موسر به، فإن لم يكن موسرا بشيء منه عتق ما ملكه 2 فقط، وإن ملك جزأه بإرث لم يعتق عليه إلا ما ملكه 3 فقط، ولو كان موسرا بقيمة باقيه؛ لأنه لم يتسبب إلى إعتاقه، لحصول ملكه بدون فعله وقصده.
ومن مثل ولو بلا قصد فجدع أنف رقيقه أو أذنه أو نحوهما كما لو خصاه أو خرق عضوا منه ككفه بنحو مسلة أو 4 حرق بالنار عضوا منه كأصبعه عتق نصا بلا حكم حاكم 5، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن زنباعا أبا روح 6
وجد غلاما له مع جاريته، فقطع ذكره، وجدع أنفه، فأتى العبد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكر له ذلك، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ما حملك على ما فعلت؟ قال: فعل كذا وكذا، قال: اذهب فانت حر" رواه أحمد وغيره 1، وله ولاؤه نصا 2؛ لعموم: "الولاء لمن أعتق" 3، وكذا لو استكرهه سيده على الفاحشة؛ لأنها من المثلة، أو وطئ سيد أمة مباحة لا يوطأ مثلها لصغرها فأفضاها تعتق عليه، قال ابن حمدان: "ولو مثل بعبد مشترك بينه وبين غيره، عتق نصيبه وسرى العتق إلى باقيه، وضمن قيمة حصة الشريك" ذكره ابن عقيل 4.
ولا يعتق بخدش، وضرب، ولعن؛ لأنه لا نص فيه ولا في معنى المنصوص عليه.
ومال معتق عند عتق لسيد معتق له 1 روي عن ابن مسعود 2 وأبي أيوب 3 وأنس 4 لحديث الأثرم 5 عن ابن مسعود أنه قال لغلامه عمير 6: "يا عمير! إني أريد أن أعتقك عتقا هنيئا، فأخبرني بمالك، فإني سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "أيما = ينظر: كتاب الذيل 1/ 142 - 164، وسير أعلام النبلاء 19/ 443 - 451، والمنهج الأحمد 3/ 78 - 100.
رجل أعتق عبده أو غلامه فلم يخبره بماله فماله لسيده" 1، ولأن العبد وماله كانا للسيد فزال ملكه عن أحدهما فبقي الآخر كما لو باعه، وحديث ابن عمر مرفوعا: "من أعتق عبدا وله مال فالمال للعبد" رواه أحمد وغيره 2 قال أحمد: "يرويه عبيد اللَّه 3 بن أبي جعفر من أهل مصر وهو ضعيف الحديث كان صاحب فقه، فأما
الحديث فليس فيه بالقوي" 1، إلا المكاتب إذا أدى ما عليه فباقي ما بيده له.
ومن أعتق جزءا مشاعا كنصف ونحوه، أو جزءا معينا كيد ونحوها غير شعر وسن وظفر ونحوه من رقيق يملكه عتق كله لحديث: "من أعتق شقصا له من مملوك فهو حر من ماله" 2، ولأن مبنى العتق على التغليب والسراية بخلاف البيع.
ويصح تعليق عتق بصفة 3 كقوله: إن أعطيتني ألفا فأنت حر؛ لأنه تعليق محض، وكذا إن دخلت الدار أو جاء المطر ونحوه، ولا يعتق قبل وجود الصفة؛ لأن العتق معلق بصفة فوجب أن يتعلق بها كالطلاق، ولا يملك السيد إبطاله ما دام ملكه على المعلق عتقه؛ لأنها صفة لازمة ألزمها نفسه فلا يملك إبطالها بالقول كنذر، ولو اتفق السيد والرقيق على إبطاله لم يبطل بذلك، وللسيد أن يطأ أمة علق عتقها بصفة قبل وجودها؛ لأن استحقاق العتق عند وجود الصفة لا يمنع إباحة الوطء كالاستيلاد، بخلاف المكاتبة فإنها اشترت نفسها من سيدها وملكت أكسابها ومنافعها.
وله أن يقف رقيقا علق عتقه بصفة قبلها وأن ينقل ملكه عنه قبلها، ثم إن وجدت وهو في ملك غير المعلق 4 لم يعتق لحديث: "لا طلاق ولا عتاق ولا بيع
فيما لا يملك ابن آدم" 1، ولأنه لا ملك له عليه فلا يقع عتقه كما لو نجزه، وإن عاد ملك المعلق بشرائه أو إرثه ونحوه ولو بعد وجودها حال زواله عادت الصفة، فيعتق إن وجدت في ملكه؛ لأن التعليق والشرط وجدا في ملكه أشبه ما لو [لم] 2 يتخللهما زوال ملكه ولا وجود للصفة حال زواله، ولا يعتق قبل وجود الصفة بكماله كالجعل في الجعالة.
ويبطل التعليق بموت المعلق لزوال ملكه، فقول السيد لرقيقه: إن دخلت الدار بعد موتي فأنت حر لغو.
ويصح: أنت حر بعد موتي بشهر 3 كما لو وصى بإعتاقه فلا يملك وارث بيعه قبله كما لا يملك بيع موصى بعتقه قبله أو موصى به لمعين قبل قبوله، وكسبه بعد موت سيده وقبل انقضاء الشهر للورثة ككسب أم الولد في حياة سيدها.
ومن قال لرقيقه: إن خدمت ابني حتى يستغني فأنت حر فخدمه حتى كبر
واستغنى عن رضاع عتق ولا يشترط علم زمن الخدمة، فمن قال لقنه: أعتقتك على أن تخدم زيدا مدة حياتك صح، لحديث سفينة 1 قال: "كنت مملوكا لأم سلمة فقالت: أعتقتك وأشترط عليك أن تخدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما عشت، فقلت: وإن لم تشترطي علي ما فارقت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما عشت، فأعتقيني واشترطي علي" رواه أحمد وأبو داود واللفظ له والنسائي والحاكم وصححه 2، ولأن القن ومنافعه لسيده فإذا أعتقه واستثنى منافعه فقد أخرج الرقبة وبقيت المنفعة على ما كانت عليه، وإنما شرط علم زمن الاستثناء في البيع؛ لأنه عقد معاوضة والثمن يختلف بطول المدة وقصرها.
ومن قال لرقيقه: إن فعلت كذا فأنت حر بعد موتي ففعله في حياة سيده صار مدبرا لوجود شرط التدبير، فإن لم يفعل حتى مات سيده لم يعتق؛ لأنه جعل ما بعد الموت ظرفا لوقوع الحرية وذلك يقتضي سبق وجود
شرطها؛ لأن الشرط لا بد أن يسبق الجزاء.
ويصح من حر تعليق عتق قن غيره بملكه نحو قوله: إن ملكت فلانا فهو حر، أو قوله: كل مملوك أملكه فهو حر فإذا ملك عتق لإضافته العتق إلى حال يملك عتقه فيه أشبه ما لو كان التعليق وهو في [ملكه] 1، بخلاف: إن تزوجت فلانة فهي طالق؛ لأن العتق مقصود من الملك، والنكاح لا يقصد به الطلاق، وفرق أحمد بأن الطلاق ليس للَّه تعالى وليس فيه قربة إلى اللَّه تعالى 2. فإن قاله رقيق لم يصح عتقه حين التعليق لأنه لا يملك.
ويتبع معتقة بصفة علق عتقها عليها ولدها، فيعتق بعتقها إن كانت حاملا به حال عتقها بوجود الصفة؛ لأن العتق وجد فيها وهي حامل به، أشبهت المنجز عتقها، أو كانت حاملا به حال تعليق العتق؛ لأنه كان حين التعليق كعضو من أعضائها فسرى التعليق إليه، ولا يتبعها في العتق ما حملته ووضعته بين التعليق ووجود الصفة؛ لأنها لم تتعلق به حال التعليق ولا حال العتق 3.
وإن قال لرقيقه: أنت حر وعليك ألف عتق بلا شيء لأنه أعتقه بغير شرط وجعل عليه عوضا لم يقبله ولم يلزمه شيء، وإن قال: أنت حر على ألف أو بألف أو على أن تعطيني ألفا أو بعتك نفسك بألف لم يعتق حتى يقبل؛ لأنه أعتقه على
عوض فلا يعتق بدون قبوله، وعلى تستعمل للشرط والعوض 1، كقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)﴾ 2 وقال تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ 3 وإن قال لرقيقه: أنت حر على أن تخدمني سنة ونحوها يعتق في الحال بلا قبوله وتلزمه الخدمة، وكذا لو استثنى خدمته مدة حياته أو استثنى نفعه مدة معلومة، فيصح لما تقدم من خبر سفينة، وللسيد بيع الخدمة من العبد ومن غيره نصا 4، وإن مات السيد في أئناء الخدمة رجع الورثة عليه بقيمة ما بقى من الخدمة.
وإن قال لقنه: جعلت عتقك إليك فأعتق نفسه في المجلس عتق وإلا فلا، قال في "الفروع" 5: "ويتوجه كطلاق".
وإذا قال: كل مملوك لي أو كل عبد لي أو كل مماليكي أو كل رقيقي حر عتق مدبروه ومكاتبوه وأمهات أولاده وشقص يملكه وعبيد عبده التاجر نصا 6، ولو استغرقهم دين عبده التاجر لعموم لفظه فيهم كما لو عينهم.
وإن قال: عبدي حر أو أمتي حرة أو زوجتي طالق ولم ينو 7 معينا منهم عتق
الكل من عبيده أو إمائه وطلق الكل من زوجاته نصا 1؛ لأنه مفرد مضاف فيعم، قال أحمد في رواية حرب 2: "لو كان له نسوة فقال: امرأته طالق أذهب إلى قول ابن عباس يقع عليهن الطلاق" 3. وليس هذا مثل قوله: إحدى الزوجات طالق كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ 4 وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ 5 وحديث: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" 6 وهي تعم كل صلاة جماعة.
وإن قال: أحد عبدي أو أحد عبيدي أو بعضهم حر ولم يعينه بالنية أو عينه ونسيه أقرع بينهم السيد أو وارثه، فمن خرج فهو حر من حين العتق وكسبه له؛ لأن
مستحق العتق في هذه الصورة واحد لا بعينه، ومتى بان [لناس] 1 أو لجاهل أن عتيقه أخطأته القرعة عتق وبطل عتق المخرج لتبين أن العتيق غيره إذا لم يحكم بالقرعة، فإن حكم بها أو كانت بأمر حاكم عتق؛ لأن في إبطال عتق المخرج نقضا لحكم الحاكم فلا يقبل قوله فيه 2. ولو قال مالك رقيقين: أعتقت هذا لا بل هذا عتقا جميعا، وكذا إقرار وارث بأن مورثه أعتق هذا لا بل هذا فيعتقان لما يأتي في الطلاق 3. وإن أعتق مالك رقيقين أحدهما بشرط فمات أحدهما، أو باعه قبل وجود الشرط عتق الباقي منهم عند وجود شرطه؛ لأنه محل العتق دون الميت أو المبيع، كقوله له ولأجنبي: أحدكما حر فيعتق قنه وحده، وكذا الطلاق إذا قال لزوجتيه: إحداكما طالق غدا مثلا فماتت إحداهما أو بانت قبله، ويأتي موضحا في الطلاق إن شاء اللَّه تعالى 4. ومن أعتق في مرض موته المخوف ونحوه جزءا من رقيق مختص به أو مشترك أو دبره وثلثه يحتمله كله عتق كله بالسراية إلى باقيه من ثلث ام له، ولشريك في مشترك ما يقابل حصته من قيمته يوم عتقه لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ويعطى شركاؤه حصصهم" 5، فلو مات الرقيق الذي أعتق السيد جزأه في مرضه قبل سيده عتق بقدر ثلث مال سيده منه،
كما لو لم يمت فيورث عنه كسبه بما عتق منه، ومن أعتق في مرضه المخوف ستة أرقاء قيمتهم سواء وثلثه يحتملهم، ثم ظهر على معتقهم دين يستغرقهم بيعوا كلهم فيه لتبين بطلان عتقهم بظهور الدين؛ لأنه تبرع بمرض الموت يعتبر خروجه من الثلث فقدم عليه الدين كالهبة 1، وإن استغرق الدين بعضهم بيع منهم بقدره ملام يلتزم وارث بقضائه فيما إذا استغرقهم الدين جميعهم أو بعضهم، فإذا استلزم 2 بقضائه عتقوا؛ لأن المانع من نفوذ العتق الدين فإذا سقط بقضاء الوارث وجب نفوذ العتق، وإن لم يظهر عليه دين ولم يعلم له مال غيرهم ولم تجز الورثة عتق جميعهم عتق ثلثهم فقط، فإن ظهر له بعد ذلك مال يخرجون من ثلثه عتق من أرق منهم من حين أعتقهم الميت لنفوذ تصرف المريض في ثلثه وقد بان أنهم ثلث ماله، وخفاء ما ظهر من المال علينا لا يمنع كون العتق موجودا من حينه وما كسبوه بعد عتقهم لهم، وإن تصرف فيهم وارث ببيع أو غيره فباطل 3، وإلا يظهر له مال غيرهم ولا دين عليه جزأناهم ثلاثة أجزاء كل اثنين جزأ وأقرعنا بينهم بسهم حرية وسهمي 4 رق، فمن خرج له الحرية منهم عتق ورق الباقون لحديث عمران بن حصين: "أن رجلا من الأنصار أعتق ستة مملوكين في مرضه، لا مال له غيرهم، فجزأهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ستة أجزاء، فأعتق اثنين وأرق أربعة" رواه مسلم وأبو داود وغيرهما 5، وروي نحوه عن أبي هريرة
مرفوعا 1، ولأن في تفريق العتق ضررا فوجب جمعه بالقرعة كالقسمة.
وإن كانوا ثمانية فإنه شاء أقرع بينهم بسهمي حرية وخمسة رق وسهم لمن ثلثاه حر، وإن شاء جزأ أربعة أجزاء وأقرع بينهم بسهم حرية وثلاثة رق ثم أعادها بين الستة لإخراج من ثلثاه حر، وكيف أقرع جاز.
وإن أعتق عبدين قيمة أحدهما مائتان والآخر ثلاثمائة جمعت الخمسمائة فجعلتها الثلث لئلا يكون كسر فتعسر النسبة إليه ثم أقرعت بين العبدين لتمييز العتيق منهما، فإن وقعت القرعة على الذي قيمته مائتان ضربتها في ثلاثة مخرج الثلث كما تعمل في مجموع القيمة تكن ستمائة ثم نسبت من المضروب الخمسمائة ثلث تقدير فيعتق خمسة أسداسه؛ لأن الخمسمائة خمسة أسداس الستمائة، وإن وقعت القرعة على العبد الآخر عتق منه خمسة أتساعه؛ لأنك 2 تضرب قيمته ثلاثمائة في ثلاثة تكن تسعمائة فتنسب منها الخمسمائة تكن خمسة أتساعها، وكل ما يأتي من هذا الباب فطريقه أن يضرب في ثلاثة مخرج الثلث ليخرج صحيحا.
= أبي داود 4/ 68، والترمذي، باب ما جاء فيمن يعتق مماليكه عند موته وليس له مال غيرهم، كتاب الأحكام برقم (1364) الجامع الصحيح 3/ 645، والنسائي، باب الصلاة على من يحيف في وصيته، كتاب الجنائز برقم (1958) المجتبى 4/ 64، وابن ماجة، باب القضاء بالقرعة، كتاب الأحكام برقم (2345) سنن ابن ماجة 2/ 786، وأحمد برقم (19449) المسند 5/ 609، والبيهقي، باب عتق العبيد..، كتاب العتق، السنن الكبرى 10/ 285 - 286، ولم أجد عندهم النص على "ستة أجزاء" وإنما "أثلاثا" و"ثلاثة أجزاء".
وإن أعتق مريض عبدا مبهما من أعبد ثلاثة لا يملك غيرهم، فمات أحدهم في حياته أقرع بينه وبين الحيين، فإن وقعت على الميت رقا؛ لأنه إنما أعتق واحد، وإن وقعت على أحدهما عتق إذا خرج من الثلث عند الموت؛ لأن تصرف المريض معتبر من الثلث، ولم يشترطوا فيما إذا وقعت القرعة على الميت خروجه من الثلث؛ لأن قيمة الميت إن كانت وفق الثلث فلا إشكال، وإن كانت أكثر فالزائد على الثلث هلك على مالكه، وإن كانت أقل فلا يعتق من الآخرين شيء؛ لأنه لم يعتق إلا واحد.
(ولا تصح الوصية به) أي بالعتق (بل) يصح (تعليقه بالموت) أقول: الذي يظهر أن هذه العبارة وهي [عدم] 1 صحة الوصية بالعتق غير صحيحة أو على غير الصحيح من المذهب، وهذا المختصر إنما بني على الصحيح؛ لأن صحة الوصية بالعتق إذا خرج من الثلث أشهر من أن تذكر، ولو كانت النسخة بغير كتابة المصنف لقلت تحريفا من الناسخ واللَّه أعلم.
(وهو) أي تعليق العتق بالموت (التدبير)، سمي بذلك؛ لأن الموت دبر الحياة، يقال: دابر يدابر إذا مات 2، ولا تصح الوصية به.
وأجمعوا على صحة التدبير في الجملة 3 وسنده حديث جابر: "أن رجلا أعتق مملوكا عن [دبر] 4 فاحتاج، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: من يشتريه منى؟ فباعه
من نعيم بن عبد اللَّه 1 بثمانمائة درهم، فدفعها إليه وقال: أنت أحوج منه" متفق عليه 2، ويعتبر كونه ممن تصح وصيته فيصح من محجور عليه لسفه وفلس ومميز يعقله، (ويعتبر) خروجه (من الثلث) يوم مصت سيده نصا 3؛ لأنه تبرع بعد الموت بخلاف العتق في الصحة لأنه لم يتعلق به حق الورثة فنفذ من جميع المال كالهبة في الصحة، والاستيلاد أقوى من التدبير لصحته من المجنون، ولا يصح بيع أم الولد 4، فإن اجتمع التدبير والوصية بالعتق تساويا؛ لأنهما جميعا عتق بعد الموت، وإن اجتمع العتق في المرض والتدبير قدم العتق لسبقه.
وإن قال شريكان لعبدهما مثلا: إن متنا فأنت حر فمات أحدهما عتق نصيبه وباقيه يعتق بموت الآخر نصا 5؛ لأنه من مقابلة الجملة بالجملة فينصرف إلى مقابلة البعض بالبعض، كقوله: ركبوا دوابهم ولبسوا أثوابهم أي كل إنسان ركب دابته ولبس ثوبه، وإن احتمله ثلث الأول عتق كله بالسراية كما تقدم آنفا.
وصريح التدبير: لفظ عتق ولفظ حرية معلقين بموته كأنت حر بعد موتي وأنت عتيق بعد موتي، ولفظ تدبير كأنت مدبر وما تصرف منها غير أمر كدبر، ومضارع كيدبر، واسم فاعل كمدبر بكسر الباء، وتكون كنايات عتق منجز كنايات للتدبير إن علقت بالموت.
ويصح التدبير مطلقا غير مقيد ولا معلق كقوله أنت مدبر، ويصح مقيدا كقوله: إن مت عامي أو في مرضي هذا فأنت مدبر فيكون ذلك جائزا على ما قال، فإن مات على الصفة التي قالها عتق إن خرج من الثلث وإلا فلا، ويصح أيضا معلقا كقوله: إذا قدم زيد فأنت مدبر، كان شفى اللَّه مريضي فأنت حر بعد موتى ونحوه، فإن وجد الشرط في حياة سيده صار مدبرا 1 وإلا فلا 2 ويصح مؤقتا كأنت مدبر اليوم أو سنة، فإن مات سيده في تلك المدة عتق وإلا فلا.
ويصح وقف مدبر وهبته وبيعه ولو أمة أو في غير دين نصا 3، وروي مثله عن عائشة 4
قال أبو إسحاق الجوزجاني 1: "صحت أحاديث بيع المدبر باستقامة الطرق 2، فإذا صح الخبر استغني به عن غيره من رأي الناس" 3، ولأنه عتق معلق وثبت بقول المعتق فلم يمنع البيع كقوله: إن دخلت الدار فأنت حر، ولأنه تبرع بمال بعد الموت فلم يمنع البيع في الحياة كالوصية، وما ذكر أن ابن عمر 4 روى أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يباع المدبر ولا يشترى" 5 فلم يصح، ويحتمل أن يراد بعد الموت أو على الاستحباب، ولا يصح قياسه على أم الولد؛ لأن عتقها بغير اختيار سيدها وليس بتبرع، ويكون من رأس المال، وباعت عائشة مدبرة لها سحرتها 6، ومتى عاد المدبر إلى ملك من دبره عاد التدبير لما تقدم في عود الصفة في العتق المعلق، وكذا في الطلاق = 4/ 41، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 4/ 249: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح" ا. هـ، وصححه الألباني في الإرواء 6/ 178.
كما سيأتي 1.
وإن جنى مدبر جاز بيعه في الجناية، وإن فداه سيده بقي تدبيره بحاله، وإن بيع بعضه فباقيه مدبر، وإن مات سيد مدبر قبل بيعه وفدائه عتق إن وفى ثلث السيد بالجناية.
وما ولدت مدبرة بعد التدبير فولدها بمنزلتها، سواء كانت حاملا به حين التدبير أو حملت به بعده 2، لقول عمر وابنه وجابر: "ولد المدبوة بمنزلتها" 3 ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة، ولأن الأم استحقت الحرية بموت سيدها فتبعها ولدها كأم الولد بخلاف التعليق بصفة في الحياة والوصية؛ لأن التدبير آكد من كل منهما ويكون ولدها مدبرا بنفسه، فلو ماتت المدبرة أو زال ملك سيدها عنها لم يبطل التدبير في ولدها فيعتق بموت السيد كما لو كانت باقية، وما ولدته قبل التدبير لا يتبعها فيه كالاستيلاد
والكتابة، فلو قالت مدبرة: ولدت بعد التدبير وأنكر سيدها فقوله أو ورثته 1 بعده؛ لأن الأصل بقاء رق الولد وانتفاء الحرية عنه، وإن لم يف الثلث بمدبرة وولدها أقرع بينها 2 وبين ولدها كمدبرين لا قرابة بينهما ضاق الثلث عنهما.
ولسيد مدبرة وطؤها وإن لم يشترطه حال تدبيرها سواء كان يطؤها قبل تدبيرها أو لا، روي عن ابن عمر: "أنه دبر أمتين له وكان يطأهما" 3، قال أحمد: "لا أعلم أحدا كره ذلك غير الزهري" 4، ولعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 5 وقياسا على أم الولد، وله وطء بنتها إن لم يكن وطن أمها لتمام ملكه فيها، ويبطل تدبيرها بإيلادها؛ لأن مقتضى التدبير العتق من الثلث، والاستيلاد العتق من رأس المال، ولو لم يملك غيرها أو مدينا فالاستيلاد أقوى، فيبطل به الأضعف كملك الرقبة إذا طرأ على النكاح.
ومن كاتب مدبره أو أم ولده أو دبر مكاتبه صح وعتق بأداء ما كوتب عليه وما بقي بيده له وبطل تدبيره، فإن مات سيده قبل أدائه وثلثه يحتمل ما عليه عتق كله
بالتدبير وما بيده للورثة وبطلت المكاتبة، وإلا يحتمل ثلثه ما عليه كله عتق منه بقدر ما يحتمله ثلثه وسقط عنه من المكاتبة بقدر ما عتق منه وهو على كتابته فيما بقي عليه لأن محلها لم يعارضه شيء.
ومن دبر شقصا من رقيق مشترك لم يسر تدبيره إلى نصيب شريكه معسرا كان المدبر أو موسرا؛ لأن التدبير تعليق عتق بصفة فلم يسر كتعليق بدخول الدار، بخلاف الاستيلاد فإنه آكد، فإن مات مدير شقص عتق نصيبه إن خرج من الثلث، فإن أعتقه شريكه الذي لم يدبره سرى عتقه إن كان موسرا إلى الشقص المدبر مضمونا عليه 1 لحديث ابن عمر السابق.
ولو أسلم قن أو مدبر أو مكاتب لكافر، ألزم بإزالة ملكه عنه؛ لئلا يبقى ملك كافر على مسلم مع إمكان بيعه، بخلاف أم الولد، فإن أبى إزالة ملكه عنه باعه الحاكم عليه إزالة لملكه عنه لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ 2، ومن أنكر التدبير فشهد به عدلان أو عدل وامرأتان أو عدل وحلف معه المدبر حكم بالتدبير 3.
ويبطل التدبير بقتل مدبر لسيده 1؛ لأنه استعجل ما أجل له فعوقب بنقيض قصده، كحرمان القاتل الميراث، وأما أم الولد فتعتق مطلقا؛ لئلا يفضي إلى نقل الملك فيها ولا سبيل إليه.
فصل في الكتابة
(وتسن كتابة من علم فيه خيرا) من رقيق للآية 1، والكتابة اسم مصدر بمعنى الجمع لأنها تجمع نجوما 2، ومنه سمي الخراز كاتبا، أو لأن السيد يكتب بينه وبين عبده كتابا بما اتفقا 3 عليه 4.
وهي شرعا: بيع سيد رقيقه نفسه بمال في ذمته مباح معلوم 5، ويصح السلم فيه منجما بنجمين فأكثر يملم قسط كل نجم ومدته، أو بيع السيد رقيقه نفسه بمنفعة على أجلين فأكثر.
ولا يشترط للكتابة أجل له وقع في القدرة على الكسب فيه فيصح توقيت
النجمين بساعتين وجزم في "الإقناع" 1 بخلاف ذلك.
وتصح الكتابة على خدمة مفردة أو على خدمة معها مال إن كان مؤجلا ولو إلى أثناء 2 مدة الخدمة، كأن يكاتبه على خدمته شهرا ودينار 3 يؤديه في أثنائه أو آخره وإذا لم يسم الشهر كان عقب العقد كالإجارة في قول، وإن عين الشهر صح ولو اتصل بالعقد؛ لأن المنع من الحلول في غير الخدمة للعجز عنه في الحال بخلافها، ويصح أن يكون أجل الدينار قبل الخدمة إن لم تتصل بالعقد كأن يكاتبه في المحرم على دينار إلى صفر وعلى خدمة رجب، وإن جعل محله نصفه أو انقضاءه صح.
(وهو) أي الخير الذي تسن كتابة من علم فيه (الكسب والأمانة)، قال [أحمد] 4: "الخير: صدق وصلاح ووفاء بمال الكتابة" 5، والآية 6 محمولة على الندب لحديث: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" 7 ولأنه دعاء إلى
إزالة ملكه بعوض فلم يجبر السيد عليه كالبيع، (وتكره) الكتابة (لمن لا كسب له) لئلا 1 يصير كلا على الناس ويحتاج إلى المسألة.
وتصح كتابة مبعض ومميز؛ لأنه يصح تصرفه وبيعه بإذن سيده فصحت كتابته كالمكلف 2، وإيجاب سيده الكتابة له إذن له في قبولها، ولا تصح الكتابة من المميز بأن يكاتب رقيقه إلا بإذن وليه؛ لأنها تصرف في المال كالبيع، ولا تصح من سيد غير جائز التصرف كسفيه ومحجور عليه للفلس كالبيع.
وتنعقد الكتابة بقول سيد لرقيقه [كاتبتك] 3 على كذا مع قبول الرقيق الكتابة؛ وإن لم يقل فإذا أديت لي فأنت حر؛ لأن الحرية موجب عقد الكتابة فتثبت عند تمامه كسائر أحكامه 4، ومتى أدى المكاتب ما عليه فقبضه سيده أو وليه أو أبرأه سيده أو أبرأه وارث موسر من حقه عتق لأنه لم يبق عليه شيء منها، فإن أدى البعض أو أبرئ منه، برئ منه، وهو على كتابته فيما بقي للخبر 5 وإن كان الوارث معسرا
وأبرأ من حقه عتق نصيبه فقط بلا سراية.
وما فضل بيد مكاتب بعد أداء ما عليه أو إبرائه منه فله؛ لأنه كان له قبل عتقه فبقي على ما كان.
وتنفسخ الكتابة بموت المكاتب قبل أدائه جميع الكتابة سواء خلف وفاء أم لا، وما بيده لسيده نصا 1؛ لأنه مات وهو عبد كما لو لم يخلف وفاء؛ لأنها عقد معاوضة على المكاتب وقد تلف المعقود عليه قبل التسليم فبطل، وقتله كموته سواء قتله سيده أو أجنبي، ولا قصاص إن قتله حر، وإن كان القاتل سيده فلا شيء عليه؛ لأنه لو وجب شيء لكان له وما في يده لسيده لزوال الكتابة لا على أنه إرث، وإن كان القاتل أجنبيا فلسيد قيمته.
ولا بأس أن يعجل الكتابة المؤجلة لسيده، ويضع السيد بعضها، فلو كان النجم مثلا مائة وعجل منه أو صالحه على ستين وأبرأه من الباقي صح؛ لأن مال الكتابة غير مستقر وليس بدين صحيح؛ لأنه لا يجبر على أدائه، ولا تصح الكفالة به = وأخرجه الترمذي من طريق يحيى بن أبي أنيسة عن عمرو بلفظ "من كاتب عبده على مائة أوقية فأداه إلا عشرة أواق، أو قال عشرة دراهم، ثم عجز فهو رقيق" باب ما جاء، في المكاتب... كتاب البيوع برقم (1260) الجامع الصحيح 3/ 561، وقال: "حسن غريب".
وأخرجه ابن ماجة من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو بلفظ "أيما عبد كوتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أوقيات فهو رقيق" باب المكاتب، كتاب العتق برقم (2519) سنن ابن ماجة 2/ 842، ورواه البيهقي في السنن الكبرى 10/ 324.
وما يؤديه إلى سيده كسب عبده، وإنما جعل الشرع هذا العقد وسيلة إلى العتق وأوجب فيه التأجيل مبالغة في تحصيل العتق وتخفيفا عن المكاتب، فإذا عجل على وجه يسقط به بعض ما عليه كان أبلغ في حصول العتق وأخف على العبد، ولهذا فارق سائر الديون، ويفارق الأجانب من حيث إنه عبده فهو أشبه بعبده القن 1، وإن اتفقا على الزيادة في الأجل والدين كأن حل عليه نجم [فقال] 2: أخره إلى كذا وأزيد كذا لم يجز؛ لأنه يشبه ربا الجاهلية المحرم، ويلزم سيدا عجل لمكاتبه كتابته أخذ معجله بلا ضرر عليه في قبضها، فإن أبى أخذها بلا ضرر جعلها إمام في بيت المال وحكم بعتقه، رواه سعيد في سننه عن عمر وعثمان 3، ولأن الأجل حق لمن عليه الدين فإذا قدمه فقد أسقط حقه فسقط كسائر الحقوق، فإن كان على السيد ضرر في قبضها كأن دفعها إليه بطريق مخوف أو احتاجت إلى مخزن كالطعام ونحوه لم يلزمه أخذها؛ لأنه لم يلزمه التزام ضرر لا يقتضيه العقد ولا يعتق ببذله إذا، ومتى بان بعوض دفعه مكاتب لسيده [عيب] 4 فله أرشه إن أمسكه أو عوضه إن رده؛ لأن إطلاق عقد الكتابة يقتضي سلامة عوضها، وقد تعذر رد المكاتب رقيقا فوجب أرش العيب أو عوض المعيب جبرا لما 5 اقتضاه إطلاق العقد، ولم يرتفع عتقه؛ لأنه إزالة ملك بعوض فلا
يبطله رد العوض بالعيب كالخلع 1، ولو أخذ سيده منه حقه ظاهرا ثم قال: هو حر ثم بان ما دفعه مستحقا لم يعتق لفساد القبض وإنما قال: هو حر اعتمادا على صحة القبض، وإن ادعى السيد تحريمه وقال: لا أقبضه لأنه غصب وسرقة ونحوه وأنكره المكاتب قبل قول السيد ببينة، وإلا يكن له بينة حلف العبد أنه ملكه، ثم يلزم السيد رد ما قبضه من المكاتب مدعيا أنه حرام إلى من أضافه إليه إن كان أضافه لمعين بأن قال: غصبه من زيد فيرده إليه؛ لأنه يقبل قوله في حق نفسه وإن لم يقبل على المكاتب، كان نكل مكاتب عن الحلف أن ما بيده ملكه حلف سيده أنه حرام ولم يلزمه قبوله.
ويملك المكاتب كسبه ونفعه وكل تصرف يصلح ماله كبيع وشراء وإجارة واستئجار واستدانة؛ لأن الكتابة وضعت لتحصيل العتق ولا يحصل العتق إلا بأداء عوضه، ولا يمكنه الأداء إلا بالتكسب، وهذا أقوى أسبابه 2، وفي بعض الآثار: "أن تسعة أعشار الرزق في التجارة" 3، وتتعلق استدانته بذمته يتبع بها بعد عتق؛ لأنه لما ملك كسبه صارت ذمته قابلة للاشتغال، ولأنه في يد نفسه فليس من سيده غرور بخلاف المأذون له، وسفره كسفر غريم فلسيده منعه منه.
وللمكاتب أخذ صدقة واجبة ومستحبة لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ 1 وإذا جاز له الأخذ من الواجبة فالمستحبة أولى، ويلزم المكاتب شرط سيده عليه ترك السفر وترك أخذ الصدقة فيملك تعجيزه بسفره أو أخذه الصدقة عند شرط تركهما لحديث: "المسلمون على شروطهم" 2، وكذا لو شرط عليه أن لا يسأل الناس، ولا يصح شرط سيده عليه نوع تجارة كأن يشترط عليه أن لا يتجر إلا في نوع كذا لمنافاته مقتضى العقد.
ويملك المكاتب أن ينفق على نفسه وزوجته ورقيقه وولده التابع له في كتابته من كسبه، فإن عجز عما عليه ولم يفسح سيده كتابته لعجزه لزم السيد نفقة من ذكر؛ لأنهم في حكم أرقائه، وليس للمكاتب النفقة على ولده من أمة لغير سيده ولو ولد بعد الكتابة؛ لأنه تابع لأمه، وبتبعه في كتابته ولده من أمة سيده بشرطه ذلك على سيده للحديث، فإن لم يشترطه فولده قن لسيده تبعا لأمه، ونفقة ولد المكاتب من مكاتبة ولو لسيده على أمه؛ لأنه تابع لها.
ولا يملك المكاتب أن يكفر بمال إلا بإذن سيده؛ لأنه في حكم المعسر؛ لأنه لا يلزمه زكاة ولا نفقة قريب، ولا يسافر لجهاد ولا يتزوج إلا بإذن سيده؛ لأنه عبد فيدخل في عموم حديث: "أيما عبد نكح بغير إذن مواليه فهو عاهر" 3، ولا يتسرى
إلا بإذن سيده؛ لأن ملكه غير تام، ولا يتبرع ولا يقرض ولا يحابي ولا يرهن ولا يضارب ولا يبيع نسأ ولو برهن أو يزوج رقيقه أو يحده أو يعتقه أو يكاتبه إلا بإذن سيده في الكل؛ لأن حق سيده لم ينقطع إذ ربما عجز فعاد إليه كل ما في ملكه، فإن إذن له السيد في شيء من ذلك جاز، والولاء على من أعتقه المكاتب أو كاتبه بإذن سيده فأدى ما عليه للسيد؛ لأن المكاتب كوكيله في ذلك.
ويصح شرط وطن مكاتبته نصا 1؛ لبقاء أصل الملك كراهن يطأ بشرط، لا شرط وطء بنتها، فإن وطئها بلا شرط أو وطئ بنتها التي في ملكه أو وطئ أمتها فلها المهر ولو مطاوعة؛ لأن عدم منعها من وطئه ليس إذنا فيه، وعليه قيمة أمتها إن أولدها لإتلافه لها بمنعها من التصرف فيها، بخلاف بنتها إن أولدها فلا يلزمه قيمتها؛ لأن المكاتبة كانت ممنوعة من التصرف فيها قبل استيلادها فلم يفت عليها شيء باستيلادها، ويؤدب من وطء مكاتبته بلا شرط إن علم التحريم، وتصير مكاتبته أو بنتها أو أمتها أو أمة مكاتبه إن ولدت منه أم ولد؛ لأنها أمته ما بقي عليها درهم، ثم إن أدت عتقت وكسبها لها ولا تنفسخ كتابتها باستيلادها، وإن مات سيدها وبقي = (14613) المسند 4/ 359، والدارمي، باب في العبد يتزوج بغير إذن من سيده، كتاب النكاح برقم (2233) سنن الدارمي 2/ 203، والحاكم، باب إذا تزوج العبد بغير إذن سيده كان عاهرا، كتاب النكاح، المستدرك 2/ 194، والبيهقي، باب نكاح العبد بغير إذن مالكه، كتاب النكاح، السنن الكبرى 7/ 127، والحديث حسنه الترمذي، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 2/ 399، وفي الإرواء 6/ 351.
عليها شيء من كتابتها سقط وعتقت بكونها أم ولد وما بيدها لورثته 1، كما لو أعتقها قبل موته ولو لم تعجز لأنها عتقت بغير أداء، وكذا لو أعتق سيد مكاتبه فله كل ما في يده وكان عتقه فسخا للكتابة، ويصح عتقه في الكفارة إن لم يكن أدى شيئا من كتابته ويأتي 2. (ويجوز بيع المكاتب) ذكرا كان أو أنثى لما روت عائشة: "أن بريرة 3 جاءت تستعينها في كتابتها شيئا فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت ذلك، فذكرت ذلك بريرة لأهلها، فأبوا وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا، فذكرت ذلك لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال لها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: ابتاعي واعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق" متفق عليه 4، قال ابن المنذر: "بيعت بريرة بعلم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهي مكاتبة ولم ينكر ذلك ولا وجه لمن أنكره ولا خبرا يعارضه، ولا أعلم شيئا من الأخبار دل على
عجزها 1، وتأوله الشافعي على أنها كانت قد عجزت 2 وليس في الخبر ما يدل بل قولها: "أعينيني" دل على بقائها على 3 الكتابة.
ويجوز هبة المكاتب والوصية به وولده التابع له في كتابته كهو (ومشتريه) أي المكاتب (يقوم مقام مكاتبه) بكسر التاء يؤدي إليه ما بقي من كتابته، (فإن أدى إليه عتق، وولاؤه لمنتقل إليه)؛ لأن الكتابة عقد لازم فلم تنفسخ بنقل الملك في المكاتب 4، وإن عجز [عن] 5 الأداء عاد قنا؛ لأن حكمه مع بائعه ونحوه كذلك، وإن لم يعلم مشتريه أنه مكاتب فله الرد أو الأرش؛ لأن الكتابة نقص، لأنه لا يقدر على التصرف في منافعه أشبه الأمة المتزوجة.
ولا يجوز بيع ما في ذمة المكاتب من نجوم الكتابة كدين السلم.
والكتابة الصحيحة عقد لازم من الطرفين؛ لأنها بيع، ولا يدخلها خيار مجلس ولا خيار شرط ولا غيرهما.
ولا يصح تعليقها على شرط مستقبل كقوله: إذا جاء رأس الشهر فقد كاتبتك على كذا، كسائر العقود اللازمة، وخرج به الماضي والحاضر كإن كنت عبدي ونحوه
فقد كاتبتك على كذا فتصح.
ولا تنفسخ الكتابة بموت السيد ولا جنونه ولا الحجر عليه 1، ويعتق المكاتب بأداء إلى من يقوم مقام السيد أو إلى وارثه، وإن حل نجم من كتابته فلم يؤده فلسيده الفسخ بلا حكم حاكم، ويلزم السيد إنظاره ثلاثا ليبيع عرضا ولمال غائب دون مسافة قصر يرجو قدومه، والدين حال على مليئ أو المال مودع قصدا لحظ المكاتب والرفق به مع عدم الإضرار بالسيد، وإن حل نجم والمكاتب غائب بلا إذن سيده فله الفسخ، وبإذنه يكتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي به المكاتب يأمره بالأداء أو يثبت عجزه ليفسخ السيد أو وكيله، فإن قدر المكاتب على الوفاء ولم يوكل من يؤدي عنه مع الإمكان ومضى زمن السير عادة فلسيده الفسخ.
ولمكاتب قادر على كسب تعجيز نفسه؛ لأن دين الكتابة غير مستقر عليه، ومعظم القصد بالكتابة تخليصه من الرق فإذا لم يرد ذلك لم يجبر عليه إن لم يملك وفاء لكتابته، فإن ملكه لم يملك تعجيز نفسه لتمكنه من الأداء، وهو سبب الحرية التي هي حق للَّه تعالى فلا يملك إبطالها مع حصول سببها بلا كلفة، ويجبر على الأداء ثم يعتق ولا يعتق بنفس الملك؛ للخبر 2، ولجواز أن يتلف قبل أدائه فيفوت على السيد.
ولسيد الفسخ بعجز عن ربعها؛ لحديث الأثرم عن عمر وابنه وعائشة وزيد ابن ثابت أنهم قالوا: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" 1، وروي أيضا عن أم سلمة 2.
فصل في حكم أمهات الأولاد
(وأم الولد تعتق بموت سيدها من كل ماله) 1 وإن لم يملك غيرها؛ لحديث ابن عباس مرفوعا: "من وطئ أمته فولدت فهي معتقة عن دبر منه" رواه الإمام أحمد وابن ماجة 2، وعنه أيضا قال: "ذكرت أم إبراهيم 3 عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: أعتقها ولدها" رواه ابن ماجة والدارقطني 4.
(وهي) -أي أم الولد- شرعا: (من ولدت ما) -أي إنسان- (فيه صورة ولو) كانت الصورة (خفية من مالك) لها (ولو) لـ (بعضها) ولو جزءا يسيرا، أو كان مالكها أو بعضها مكاتبا إن أدى، فإن عجز عادت قنا 1 (ولو) 2 كانت (محرمة عليه) أي على مالكها كأخته من الرضاع وكمجوسية ووثنية، وكوطئها في نحو حيض (أو) ولدت ما فيه صورة (من أبيه) أي مالكها (إن لم يكن وطئها الابن) نصا 3 فإن كان الابن وطئها لم تصر أم ولد للأب باستيلادها؛ لأنها تحرم عليه أبدا بوطء ابنه لها فلا تحل له بحال، أشبه وطء الأجنبي فلا يملكها ولا تعتق بموته، ويعتق ولدها على أخيه؛ لأنه ذو رحمه، ونسبه لاحق بالأب؛ لأنه من وطئ يدرؤ فيه الحد لشبهة الملك.
وإن وضعت جسما لا تخطيط فيه كالمضغة ونحوها لم تصر به أم ولد؛ لأنه ليس بولد، فإن شهد ثقات من النساء بأن في هذا الجسم صورة خفية تعلقت بها الأحكام؛ لاطلاعهن على ما خفي على غيرهن.
وإن أصابها في ملك غيره بزوجية أو شبهة، ثم ملكها حاملا عتق الحمل؛ لأنه ولده ولم تصر أم ولد نصا 4 لمفهوم الخبر، ولأن الأصل في ولد الأمة الرق، وإن زنا بأمة فحملت منه ثم اشتراها فولدت في ملكه لم يعتق؛ لأنه كأجنبي
منه لا يلحقه نسبه.
ومن ملك أمة حاملا من غيره فوطئها قبل وضعها، حرم عليه بيع الولد ولم يصح ويعتقه نصا 1؛ لأنه قد شرك فيه لأن الماء يزيد في الولد، قال الشيخ تقي الدين: "ويحكم بإسلامه وأنه يسري كالعتق" 2. أي ولو كانت كافرة.
(وأحكامها) -أي أم الولد- (كـ) أحكام (أمة) غير مستولدة في إجارة واستخدام ووطء وسائر أمورها 3؛ لأنها مملوكه أشبهت القن إلا في تدبير، فلا يصح؛ لأنه (لا) 4 فائدة [فيه] 5 إذ الاستيلاد أقوى منه، و (إلا فيما ينقل الملك) [في رقبتها] 6 كبيع فلا يصح بيع أم الولد غير كتابة فتصح كتابتها وتقدم، وكهبة ووصية ووقف؛ لحديث ابن عمر مرفوعا: "نهى عن بيع أمهات الأولاد وقال: لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع بهن السيد ما دام حيا، فإذا مات فهي حرة" رواه الدارقطني ورواه مالك في "الموطأ" 7.
(أو يراد له) -أي لنقل الملك- كرهن فلا يصح رهنها؛ لأن القصد منه البيع في الدين ولا سبيل إليه.
وولدها من غير سيدها بعد إيلادها كهي؛ لأن الولد يتبع أمه حرية ورقا فكذا في سبب الحرية، قال [أحمد] 1: قال ابن عمر وابن عباس وغيرهما: "ولدها بمنزلتها" 2 إلا أنه لا يعتق بإعتاقها؛ لأنها عتقت بغير السبب الذي تبعها فيه ويبقى عتقه موقوفا على موت سيده، ولا يعتق أيضا بموتها قبل سيدها.
= قال: "غلط فيه بعض الرواة عن عبد اللَّه بن دينار فرفعه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو وهم لا يحل ذكره".
السنن الكبرى 10/ 143 وذكر عبد الحق في أحكامه كما في نصب الراية 3/ 290 حديث ابن عمر هذا ثم قال: "يروى من قول ابن عمر ولا يصح مسندا".
وتعقبه ابن قطان وقال: "هذا حديث يرويه عبد العزيز بن مسلم القسملي وهو ثقة عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر واختلف فيه... وعندي أن الذي أسنده خير ممن وقفه.
نصب الراية 3/ 289. قال الحافظ ابن حجر: قال الدارقطني الصحيح وقفه على ابن عمر عن عمر، وكذا قال البيهقي وعبد الحق".
التلخيص الحبير 4/ 217، وضعف رفعه أيضا الألباني في الإرواء 6/ 188. ومما يرجح وقفه أن الإمام مالك أخرجه من طريق نافع عن عبد اللَّه بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: "أيما وليدة ولدت من سيدها، فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورثها وهو يستمتع بها فإذا مات فهي حرة" برقم 1509 الموطأ ص 510، وكذا رواه الدارقطني والبيهقي من هذا الطريق.
ينظر: سنن الدارقطني 4/ 134، والسنن الكبرى 10/ 348.
وإن أسلمت أم ولد لكافر منع من غشيانها لتحريمها عليه بإسلامها وحيل بينه وبينها لئلا يغشاها، ولا تعتق بإسلامها بل يبقى ملكه عليها على ما كان قبل إسلامها، ويجبر على نفقتها إن عدم كسبها لوجوبها عليه لأنه مالكها، فإن كان لها كسب فنفقتها فيه، فإن فضل منه شيء فلسيدها، فإن أسلم حلت له، وإن مات كافرا عتقت بموته؛ لعموم الأخبار 1.
فصل
(ومن أعتق رقبة أو عتقت عليه) بملك أو سبب (فله عليها الولاء، وهو أنه يصر عصبة لها مطلقا)، ذكرا كان المعتق أو أنثى لحديث: "الولاء لمن أعتق" متفق عليه 1، ولكن يكون ذلك (عند عدم عصبة النسب) وتقدم تقريره في كتاب الفرائض 2.