أعلى من الجد) كأم أبي الجد وإن علا.
(و) الحادي عشر: (من أدلى بهم) أي بواحد من صنف ممن سبق كعمة العمة أو العم، وخالة العمة أو الخال، أو أخي أبي الأم وعمه وخاله ونحوهم، (وإنما يرثون إذا لم يكن) ثم (صاحب فرض ولا عصبة)، فيرثون (بتنزيلهم منزلة من أدلوا به)، فينزل كل منهم منزلة من أدلى به من الورثة بدرجة أو درجات حتى يصل إلى من يرث فيأخذ ميراثه، فولد بنت لصلب أو لابن وولد أخت كأم كل منهم، وبنت أخ وبنت عم وولد ولد أم كآبائهم، وأخوال وخالات، وأبو أم كأم، وعمات وعم من أم كأب، وأبو أم أب وأبو أم أم وأخواهما وأختاهما وأم أبي جد بمنزلتهم، ثم يجعل نصيب كل وارث بفرض أو تعصيب لمن أدلى به من ذوي الأرحام، لما روي عن علي وعبد اللَّه أنهما: "نزلا بنت البنت بمنزلة البنت، وبنت الأخ بمنزلة الأخ، وبنت الأخت بمنزلة الأخت، والعمة بمنزلة الأب، والخالة بمنزلة الأم" 1، وروي ذلك عن عمر: في العمة والخالة 2 وعن علي أيضا: "أنه نزل
العمة بمنزلة العم" 1، وعن الزهري 2 أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "العمة بمنزلة الأب إذا لم يكن بينهما أب، والخالة بمنزلة الأم إذا لم يكن بينهما أم" رواه أحمد 3.
فإن أدلى جماعة من ذوي الأرحام بوارث واستوت منزلتهم منه بلا سبق كأولاده وكإخوته المتفرقين الذين لا واسطة بينه وبينهم فنصيبه لهم كإرثهم منه، (و) لكن هنا (ذكرهم كأنثاهم)؛ لأنهم يرثون بالرحم المجردة فاستوى ذكرهم كأنثاهم كولد الأم، فبنت أخت وابن وبنت لأخت أخرى، لبنت الأخت الأولى النصف؛ لأنه إرث أمها فرضا وردا، ولبنت الأخت الأخرى وأخيها النصف؛ لأنه إرث أمهما حيث استوت الأختان في كونهما لأبوين أو لأب أو لأم بالسوية بين الأخت وأخيها فتصح من أربعة.
= الآثار 4/ 399 - 400، والدارقطني في سننه 4/ 100، والبيهقي في السنن الكبرى 6/ 216 - 217، وصححه الألباني في الإراواء 6/ 143.
وإن اختلفت منزلتهم ممن أدلوا به جعلته أي المدلى به كالميت لتظهر جهة اختلاف منازلهم وقسمت نصيبه بينهم على حسب منازلهم، كثلاث خالات متفرقات واحدة شقيقة والأخرى لأب والأخرى لأم، وثلاث عمات كذلك، فالثلث الذي كان لأم بين الخالات على خمسة، لأنهن يرثنها كذلك فرضا وردا، والثلثان اللذان كانا للأب تعصيبا بين العصات على خمسة أيضا لما تقدم، والخمسة والخمسة متماثلان فاجتزئ بإحداهما واضرب في ثلاثة أصل المسألة مخرج الثلث تكن خمسة عشر للخالات منها خمسة للخالة؛ من قبل الأبوين ثلاثة، وللخالة من قبل الأب سهم، وللخالة من قبل الأم سهم، كما يرثن الأم لو ماتت عنهن، وللعمات عشرة، للعمة من قبل الأبوين ستة، وللعمة من الأب سهمان، وللعمة من قبل الأم سهمان، ولو كان مع الخالات خال من أم ومع العصات عم من أم، فسهم كل واحد من الفريقين بينهم، كل على ستة، وتصح من ثمانية عشر، للخال والخالات ستة، وللعم لأم والعمات اثنا عشر.
وإن خلف ثلاثة أخوال متفرقين 1 فلذي الأم سدس والباقي لذي الأبوين كما يرثان أختهم كذلك، ولا شيء لذي الأب لسقوطه بذي الأبوين.
ويسقط الأخوال مطلقا أبو الأم كما يسقط الأب الإخوة لإدلائهم به.
وإن خلف ثلاث بنات إخوة متفرقين فكأنه خلف أخا من أبوين وأخا لأب وأخا لأم، فسدس الأخ لأم لبنته والباقي للأخ لأبوين لو كان فهو لبنته، وتسقط بنت الأخ لأب كأبيها لو كان موجودا مع الشقيق.
وإن خلف ثلاث بنات عمومة متفرقين فالكل لبنت العم ذي الأبوين نصا 1 لقيام كل منهن مقام أبيها.
وإن خلف بنت عم لأب وبنت عم لأم وبنت ابن عم فالمال للأولى، وكذا لو خلف بنت عم لأب وبنت عم لأم وبنت بنت عم لأبوين فالمال للأولى، وبنت عم وبنت عمة المال للأولى.
وإن أسقط بعضهم بعضا عمل به، فعمة وبنت أخ المال للعمة لأنها بمنزلة الأب، وبنت الأخ بمنزلة الأخ، والأب يسقط الإخوة.
ويسقط بعيد من وارث بأقرب منه إليه، كبنت بنت بنت وبنت بنت بنت بنت المال للأولى، وكخالة وأم أبي أم المال للخالة؛ لأنها تلقى الأم بأول درجة بخلاف أم أبيها، وكذا بنت بنت بنت وبنت بنت ابن المال للثانية؛ لأنها تلقى بنت الابن الوارثة بأول درجة.
إلا إن اختلفت الجهة فينزل بعيد حتى يلحق بوارث سقط به أقرب أولا، كبنت بنت بنت وبنت أخ لأم الكل لبنت بنت البنت؛ لأن جدتها وهي البنت تسقط الأخ لأم، ونصه في خالة وبنت خالة وبنت ابن عم للخالة الثلث ولبنت ابن العم الثلثان ولا تعطى بنت الخالة شيئا وخالة أب وأم أبي أم الكل للثانية؛ لأنها بمنزلة الأم، والأولى بمنزلة الجدة.
وجهات ذوي الأرحام ثلاث: -
أبوة، ويدخل فيها فروع الأب من الأجداد والجدات السواقط، وبنات
الإخوة والأخوات، وبنات الأعمام والعمات وإن علون.
والثانية: أمومة، ويدخل فيها فروع الأم من الأخوال والخالات، وأعمام الأم وأعمام أبيها وأمها وجدها، وعمات الأم وعمات أبيها وأمها، وأخوال الأم وأخوال أبيها وأمها، وخالات الأم وخالات أبيها وأمها.
والثالثة: بنوة، ويدخل فيها أولاد البنات وأولاد بنات الابن، ووجه الانحصار في الثلاث أن الواسطة بين الإنسان وسائر أقاربه، أبوه وأمه وولده؛ لأن طرفه الأعلى الأبوان لأنه نشأ منهما، وطرفه الأسفل ولده؛ لأنه مبدؤه ومنه نشأ، فكل قريبا إنما هو يدلي بواحد من هؤلاء، فتسقط بنت بنت أخ ببنت عمة؛ لأن الثانية تلقى الميت بثاني درجة والأولى تلقاه بثالث درجة.
ويرث مدل بقرابتين من ذوي الأرحام بهما؛ لأنه شخص له جهتان لا يرجح بهما فورث بهما، كالزوج إذا كان ابن عم فابن بنت بنت هو ابن ابن بنت أخرى مع بنت بنت بنت أخرى لها الثلث وله الثلثان.
(ولزوج أو زوجة معهم) أي مع ذوي الأرحام (فرضه) بالزوجية (بلا حجب) للزوج من النصف إلى الربع، وبلا حجب للزوجة من الربع إلى الثمن بأحد ذوي الأرحام، (ولا عول)؛ لأن فرض الزوجين بنص القرآن فلا يحجبان بذوي الأرحام، وأيضا فذو الرحم لا يرث مع ذي فرض وإنما ورث مع أحد الزوجين لكونه لا يرد عليه، فيأخذ أحد الزوجين فرضه تاما (والباقي لهم) أي لذوي الأرحام كانفرادهم، فلبنت بنت وبنت أخت لا لأم أو بنت أخ لا لأم بعد فرض الزوجية الباقي بالسوية بينهما كما لو انفردا 1، فإن كان معهما زوج أخذ النصف ولكل منهما ربع
وتصح من أربعة، وإن كان معهما زوجة فلها الربع والباقي لهما بالسوية فتصح من ثمانية.
وفي زوج وبنت بنت وخالة وبنت عم للزوج النصف والباقي لذوي الأرحام على ستة فتصح من اثني عشر، للزوج ستة، ولبنت البنت ثلاثة، وللخالة سهم، ولبنت العم سهصان، وإن كان معهم زوجة فلها الربع واحد ويبقى ثلاثة على ستة توافقها بالثلث، فاضرب اثنين في أربعة تصح من ثمانية ولا يعول في توريث ذوي الأرحام من أصول المسائل إلا أصل ستة فيعول إلى سبعة فقط؛ لأن العول الزائد على ذلك إنما يكون لأحد الزوجين وليس من ذوي الأرحام، كخالة وست بنات أخوات متفرقات، فللخالة السدس، ولبنتي الأختين لأبوين الثلثان، ولبنتي الأخت لأم الثلث 1، وكأبي أم وبنت أخ لأم وثلاث بنات أخوات متفرقات، لأب الأم السدس، ولبنت الأخت 2 لأبوين النصف، ولبنت الأخت 3 لأب السدس، ولبنتي الأخ والأخت لأم الثلث.
ومال من لا وارث له معلوم لبيت المال، يحفظه كالمال الضائع؛ لأن كل ميت لا يخلو من بني عم أعلى إذ الناس كلهم بنو آدم، فمن كان أسبق إلى الاجتماع مع الميت في أب من آبائه فهو عصبة لكنه مجهول، فلم يثبت له حكم وجاز صرف ماله في المصالح، ولذلك لو كان له مولى معتق لورثه في هذا الحال، ولم يلتفت إلى هذا المجهول وليسات بيت المال وارثًا وإنما يحفظ المال الضائع وغيره كأموال الفيء فهو جهة ومصلحة.
فصل: في ميراث الحمل
بفتح الحاء يقال: امرأة حامل وحاملة إذا كانت حبلى، فإذا حملت شيئا على ظهرها أو رأسها فهي حاملة لا غير، وحمل الشجر ثمره بكسر الحاء وفتحها 1. (والحمل يرث ويورث) عنه ما ملكه بإرث أو وصية (إن استهل صارخا) نصا 2 لحديث أبي هريرة مرفوعا: "إذا استهل المولود صارخا ورث" رواه أحمد وأبو داود 3، ولابن ماجه مثله مرفوعا 4، والاستهلال: رفع5
الصوت (1)، فصارخا حال مؤكدة، (أو وجد دليل حياته) كإن عطس أو تنفس أو ارتضع أو تحرك حركة طويلة لدلالة هذه الأشياء على الحياة المستقرة فيثبت له حكم الحي كالمستهل، (سوى حركة أو تنفس يسيرين أو اختلاج) (1). قال الموفق: "ولو علم معها حياة؛ لأنه لا يعلم استقرارها لاحتمال كونها كحركة المذبوح" (4).
وإن ظهر بعض الجنين فاستهل ثم انفصل ميتا فكما لو لم يستهل، وإن اختلف ميراث توأمين بالذكورة والأنوثة فكانا من غير ولد الأم واستهل أحدهما دون الآخر وجهلت عينه، عين بقرعة كما لو طلق إحدى نسائه ونسيها.
ومن خلف أما مزوجة بغير أبيه وخلف ورثة لا تحجب ولدها لم توطأ الأم حتى تستبرأ ليعلم أحامل هي حين موت ولدها فيرث منه حملها أو لا، وكذا حرة تحت عبد وطئها وله أخ حر فمات أخوه الحر فيمتنع من وطء زوجته حتى يتبين أهي حامل أم23 = حبان، كتاب الفرائض برقم (6032) الإحسان 13/ 392 - 393، والحاكم، باب إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه، كتاب الفرائض، المستدرك 4/ 349، والبيهقي، باب السقط يغسل ويكفن ويصلى عليه..، كتاب الجنائز، السنن الكبرى 4/ 8 - 9، والحديث قال عنه الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي ا. هـ، وقال شعيب الأرنوؤط محقق الإحسان: "رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن فيه عنعنة أبي الزبير".
لا ليرث الحمل من عمه، فإن وطئت زوجة وجب استبراؤها لذلك ولم تستبرأ، فاتت بولد بعد نصف سنة من وطء لم يرثه؛ لاحتمال حدوثه بعد موته، وإن أتت به لدون نصف سنة من موته ورثه، وكذا إن كف عن وطئها وأتت به لأربع سنين فأقل؛ لأن الظاهر أنها كانت حاملا به قبل الموت.
ومن مات عن حمل يرثه وورثه غيره ورضوا بوقف الأمر على وضعه فهو أولى خروجا من الخلاف، ولتكون القسمة مرة واحدة، (و) إلا بـ (أن طلب الورثة القسمة) لم يجبروا على الصبر (ووقف له) أي الحمل (الأكثر من إرث ذكرين أو أنثيين)؛ لأن ولادة الاثنين كثيرة معتادة فلا يجوز قسم نصيبهما كالواحد وما زاد عليهما نادر فلا يوقف له شيء.
(ويدفع لمن لا يحجبه) الحمل (إرثه كاملا، و) يدفع (لمن ينقصه) الحمل أي يحجبه حجب نقصان (اليقين)، فمن مات عن زوجة وابن وحمل دفع لزوجته الثمن ووقف للحمل نصيب ذكرين؛ لأنه أكثر من نصيب بنتين فتصح المسألة من أربعة وعشرين، للزوجة ثلاثة، ويعطى للابن سبعة، وتوقف أربعة عشر للوضع، وإن مات عن زوجة حامل منه وأبوين فالأكثر هنا إرث أنثيين فتعول المسألة إلى سبعة وعشرين، وتعطى الزوجة منها ثلاثة، وكل من الأبوين أربعة، ويوقف للحمل ستة عشر حتى يظهر أمره، وإن خلف زوجة حاملا منه فقط لم يدفع إليها سوى الثمن؛ لأنه اليقين، ولا يدفع لمن يسقطه الحمل شيء، كمن مات عن زوجة حامل منه وعن إخوة أو أخوات فلا يعطون شيئا؛ لاحتمال كون الحمل ذكرا وهو يسقطهم.
(فإذا ولد) الحمل (أخذ نصيبه) من الوقوف (ورد ما بقي) لمستحقه، (وإن أعوز شيئا) بان ولدت أكثر من ذكرين والموقوف إرثهما (رجع) على من هو في يده.
ومتى زادت الفروض على الثلث فإرث الأنثيين اكثر، وإن نقصت فميراث الذكرين أكثر، وإن استوت كأبوين وحمل استوى ميراث الذكرين والأنثيين، وربما لا يرث الحمل إلا إذا كان أنثى، كزوج وأخت لأبوين وامرأة أب حامل يوقف له سهم من سبعة، وربما لا يرث إلا إذا كان ذكرا كبنت وعم وامرأة أخ لغير أم حامل فيوقف له ما فضل عن فرض البنت.
تتمة في ميراث المفقود: -
من فقدت الشيء فقدا وفقدانا بكسر الفاء وضمها، والفقدان أن تطلب الشيء فلا تجده 1، والمراد هنا 2: من لا تعلم له حياة ولا موت لانقطاع خبره 3.
وله حالان: -
أحدهما: من انقطع خبره لغيبة ظاهرها السلامة؛ كأسر وتجارة وسياحة فينتظر به تتمة تسعين سنة منذ ولد؛ لأن الغالب أنه لا يعيش أكثر من هذا، فإن فقد ابن تسعين سنة اجتهد الحاكم في تقدير مدة انتظاره.
الثاني: من انقطع خبره لغيبة ظاهرها الهلاك كالذي فقد من بين أهله، أو في مفازة مهلكة وهي الأرض التي يكثر فيها الهلاك كدرب الحجاز 4، وكمن فقد بين الصفين حالة الحرب أو غرقت سفينة وغرق قوم ونجا قوم فينتظر به مدة أربع سنين منذ فقد ثم يقسم ماله؛ لأنها مدة يتكرر فيها تردد المسافرين والتجار فانقطاع خبره عن أهله مع غيبته على هذا الوجه يغلب ظن الهلاك، إذ لو كان باقيا لم ينقطع خبره إلى هذه الغاية، ولاتفاق الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين على اعتداد امرأته بعد
تربصها هذه المدة وحلها للأزواج بعد ذلك 1، ويزكى مال المفقود لما مضى قبل قسمه نصًّا 2.
وإن قدم بعد قسم ماله أخذ ما وجده منه بعينه لتبين عدم انتقال ملكه عنه ورجع على من أخذ الباقي ببدله لتعذر رده بعينه.
فإن مات مورث المفقود زمن التربص أخذ من تركته كل وارث غير المفقود اليقين وهو ما لا يمكن أن ينقص عنه مع حياة المفقود أو موته ووقف الباقي حتى يتبين أمر المفقود أو تنقضي مدة الانتظار، فاعمل له مسألة حياة ثم مسألة موت، وانظر بينهما بالنسب الأربع ثم اضرب إحداهما في الأخرى إن تباينتا أو وفقها في الأخرى إن توافقتا، واجتزئ بإحداهما إن تماثلتا وبأكثرهما إن تناسبتا ليحصل أقل عدد ينقسم على كلٍ من المسألتين، ويأخذ وارث منهما اليقين؛ لأن ما زاد عليه مشكوك فيه، فلو مات أبو المفقود وخلف المفقود وزوجة وأما وأخا فمسألة حياته من أربعة وعشرين، للزوجة ثلاثة، وللأم أربعة، وللابن المفقود سبعة عشر، ومسألة موته من اثني عشر، للزوجة ثلاثة، وللأم أربعة، وللأخ خمسة، وهما متداخلان فاجتزئ بالأربعة والعشرين، للزوجة من مسألة الحياة ثلاثة، ومن مسألة الموت ستة فاعطها ثلاثة، وللأم من مسألة حياته أربعة ومن مسألة موته ثمانية فاعطها أربعة، ولا شيء للأخ من مسألة الحياة فلا تعطه شيئا، فإن قدم المفقود أخذ نصيبه وإن لا يقدم
ولم تعلم حياته حين موت مورثه فحكم نصيبه الذي وقف له كبقية ماله الذي لم يخلفه مورثه فيقضى منه دينه في مدة تربصه، وينفق منه على من تلزمه نفقته؛ لأنه إنما يحكم بموته عند انقضاء زمن انتظاره صححه في الإنصاف وغيره (1)، وقيل: يرد إلى ورثة الميت الذي مات في مدة التربص قطع به في المغني والإقناع وقدمه في الرعايتين (2).
تتمة ثانية: في ميراث الخنثى: -
والخنثى: من خنث الطعام إذا اشتبه فلم يخلص طعمه.
وهو: من له شكل ذكر رجل وشكل فرج امرأة، أو ثقب في مكان الفرج يخرج منه البول، وكذا من لا آلة له 3 على ما يأتي.
ولا يكون الخنثى أبا ولا أما ولا زوجا ولا زوجة.
ويعتبر أمره في توريثه مع إشكال كونه ذكرا أو أنثى ببوله من أحدهما 4، فإن12
بال منهما فسبقه من أحدهما، قال ابن اللَّبَّان 1: روى الكلبي 2 عن أبي صالح 3 عن ابن عباس أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن مولود له قُبُل وذَكَر من أين يورث؟ قال: "من حيث يبول" 4، وروي أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أتي بخنثى من الأنصار فقال: "ورِّثوه من أول ما يبول منه" 5 ولأن خروج البول أعم العلامات لوجوده من الصغير والكبير، وسائر العلامات إنما توجد بعد الكبر، وإن خرج البول منهما معا اعتبر أكثرهما، قال ابن
حمدان 1: "قدرًا وعددًا" 2؛ لأنها مزية لأحد العلامتين فاعتبر بها كالسبق، فإن استويا في قدر ما يخرج من كل منهما من البول فهو مُشْكِلٌ: من أشْكَلَ الأمرُ التبس لعدم تمييزه بشيء مما تقدم 3، [و] 4 حكي عن علي والحسن: "أن أضلاعه تُعَدُّ، فإن كانت ستة عشر فهو ذكر، وإن كانت سبعة عشر فهو أنثى" 5، قال ابن اللبَّان: "لو صحّ هذا لما أشكل حاله ولما احتيج إلى مراعاة المبال" 6.
فإن رجي كشف إشكاله لصغر أعطي ومن معه من الورثة اليقين من التركة وهو ما يرثه بكل تقدير، ووقف الباقي حتى يبلغ لتظهر ذكوريته بنبات لحيته أو إمناء من ذكره، أو لتظهر أنوثيته بحيض أو تفلك ثدي أو سقوطه أو إمناء من فرج.
فإن مات الخنثى قبل بلوغ أو بلغ بلا أمارة أخذ نصف إرثه الذي يرثه بكونه ذكرا فقط، كولد أخ الميت أو عمه، فإذا مات شخص عن ولدي أخ لغير أم أحدهما ذكر والآخر خنثى أخذ الخنثى ربع المال؛ لأنه لو كان ذكرا أخذ نصفه فيكون له نصف
النصف وتصح من أربعة، للخنثى واحد، وللذكر ثلاثة، أو أخذ نصف إرثه بكونه أنثى فقط كولد أب خنثى مع زوج وأخت لأبوين إذ لو كان أنثى لأخذ السدس وعالت المسألة به، كان كان ذكرا سقط لاستغراق المال فيعطى نصف السدس وتصح من ثمانية وعشرين، للخنثى سهمان، ولكل من الزوج والأخت ثلاثة عشر، كان ورث الخنثى بالذكورة والأنوثة تساويا كولد الأم فله السدس مطلقًا، أو كان معتقًا فهو عصبة مطلقا؛ لأن المعتِق لا يختلف ميراثه من عتيقه بذلك.
وإن ورث بهما متفاضلا عملت المسألة على أنه ذكر، ثم على أنه أنثى، ثم تضرب إحداهما في الأخرى إن تباينتا، أو وفقها في الأخرى إن توافقتا، وتجتزئ بأحدهما إن تماثلتا، أو بأكثرهما إن تناسبتا وتضربها في اثنين عدد حال الخنثى، ثم من له شيء من إحدى المسألتين فهو مضروب في الأخرى إن تباينتا، أو في وفقها إن توافقتا أو تجمع ماله منهما إن تماثلتا، أو فمن له شيء من أقل العددين فهو مضروب في نسبة أقل المسألتين إلى الأخرى وهو وفق الأكثر، ثم يضاف حاصل الضرب إلى ماله من أكثرهما إن تناسبتا، ويسمى هذا مذهب المنزلين 1، ففي ابن وبنت وولد خنثى مسألة الذكورية من خمسة والأنوثة من أربعة اضرب إحداهما في الأخرى للتباين تكن عشرين ثم في اثنين تبلغ أربعين، للبنت سهم في خمسة وسهم في أربعة يحصل لها تسعة، وللذكر سهمان في خمسة وسهمان في أربعة يجتمع له ثمانية عشر، وللخنثى سهمان في أربعة وسهم في خمسة تكن ثلاثة عشر.
وإن كانا خنثيين أو أكثر نزلتهم بعدد أحوالهم، فللخنثيين أربعة أحوال، وللثلاثة ثمانية، وللأربعة ستة عشر، وهكذا كلما زاد واحد تضاعف عدد أحوالهم، فما بلغ من ضرب المسائل بعضها في بعض عند التباين وإلا ففي الوفق، وتسقط المماثل والداخل في أكثر منه تضربه في عدد أحوالهم وتجمع ما حصل لهم في الأحوال كلها مما صحت منه قبل الضرب في عدد الأحوال، هذا إذا كانوا من جهة واحدة كابن وولدين خنثيين فلهما أربعة أحوال: حال ذكورية والمسألة من ثلاثة، وحال أنوثية وهي من أربعة، وحالان 1 ذكران وأنثى وهما من خمسة خمسة، فالمسائل ثلاثة وأربعة وخمسة وخمسة اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر 2، والحاصل في خمسة بستين وأسقط الخمسة الأخرى للتماثل، ثم اضرب الستين في عدد الأحوال الأربعة يبلغ مائتين وأربعين، ومنها تصح، للابن من الذكورة ثلث الستين عشرون، ومن الأنوثية نصفها ثلاثون، ومن مسألة ذكرين وأنثى خمساها أربعة وعشرون، وكذلك من الأخرى يجتمع له ثمانية وتسعون، ولكل من الخنثيين من الذكورية ثلث الستين عشرون 3، ومن الأنوثية ربعها خمسة عشر، ومن مسألتي ذكرين وأنثى ستة وثلاثون ومجموع ذلك إحدى وسبعون والام حتان بجمع الأنصباء.
وإن كان الخناثى من جهات جمعت مال لكل واحد منهم في الأحوال كلها وقسمته على عددها، فما خرج فهو نصيبه كولد خنثى وولد أخ خنثى وعم، فإن كان الخنثيان ذكرين فالمال للابن، وإن كانا أنثيين فللبنت النصف وللعم الباقي، وإن كان
الولد ذكرا وولد الأخ أنثى فالمال للولد، كان كان ولد الأخ ذكرا والولد أنثى فللولد النصف والباقي لولد 1 الأخ، فالمسألة في حالين من واحد وفي حالين من اثنين، فاكتف باثنين واضربهما في أربعة عدد الأحوال تصح من ثمانية، للولد المال في الحالين والنصف في حالين، ومجموع ذلك أربعة وعشرون فاقسمها على أربعة يخرج ستة، ولولد الأخ النصف أربعة في حال فقط، فاقسمها على أربعة يخرج له واحد، وللعم كذلك.
ولو صالح الخنثى المشكل من معه من الورثة على ما وقف له صح الصلح إن كان بعد بلوغه ورشده.
قال الموفق في "المغني": وجدنا في عصرنا شخصين ليس لهما في قبلهما مخرج لا ذكر ولا فرج، أحدهما ليس في قبله إلا لحمة كالربوة يرشح البول منها على الدوام، والثاني ليس له إلا مخرج واحد بين المخرجين منه يتغوط ومنه يبول، وقال: وحدثت أن في بلاد العجم شخصا ليس له مخرج أصلا 2 لا قبل ولا دبر وإنما يتقيأ ما يأكله وما يشربه، قال: وهذا وما أشبهه في معنى الخنثى لكنه 3 لا يكون اعتباره بمباله، فإن لم يكن له علامة فهو مشكل ينبغي أن يثبت له حكمه في ميراثه وأحكامه كلها 4.
فصل في ميراث الغرقى
ومن عمي موتهم بأن لا يعلم أيهم مات أولا كالهدمى ونحوهم 1 فإذا مات متوارثان بغرق أو هدم أو طاعون أو غير ذلك وجهل أولهما موتا، أو علم ثم نسي وجهلوا عينه ولم يدع ورثة 2 كل سبق موت الآخر ورث كل واحد من الموتى صاحبه، هذا قول عصر 3 وعلي 4 قال الشعبي 5: "وقع الطاعون بالشام عام عمواس 6، فجعل أهل البيت يموتون عن آخرهم، فكتب في ذلك إلى عمر، [فكتب
عمر] 1 أن ورثوا بعضهم من بعض" 2 قال أحمد: أذهب إلى قول عمر 3. وروي عن إياس المزني 4: أن [النبي] 5 -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن قوم وقع عليهم بيت فقال: " [يرث] 6 بعضهم بعضا من تلاد 7 أموالهم" 8 دون ما ورثوه من الميت معهم لئلا يدخله الدور، فيقدر أن أحدهم مات أولا فيورث الآخر منه، ثم يقسم ما ورثه منه على الأحياء من ورثته، ثم يصنع بالثاني كذلك وهكذا.
فإن غرق أخوان ولم يعلم الحال أحدهما مولى زيد والآخر مولى عمرو صار
مال كل واحد منهما لمولى الآخر، وفي زوج وزوجة وابنهما غرقوا ونحوه وخلف الزوج امرأة أخرى غير التي غرقت معه وخلف أيضا أما وخلفت الزوجة ابنا من غيره وأبا، فمسألة الزوج تصح من ثمانية وأربعين، للزوجة الميتة ثلاثة، ومسألتها من ستة لأبيها السدس ولابنها الحي الباقي، فترد مسألتها إلى وفق سهامها بالثلث اثنين، ولابنه الذي مات معه أربعة وثلاثون من مسألة أبيه تقسم على ورثة الابن الأحياء، لأم أبيه من ذلك سدس ولأخيه لأمه سدس، وما بقي وهو ثلثان لعصبته أي الابن، فمسألته من ستة توافق سهامه الأربعة والثلاثين بالنصف فترد الستة لنصفها ثلاثة فتضرب ثلاثة وفق مسألة الابن في وفق مسألة الأم اثنين يحصل ستة، ثم اضرب الستة في المسألة الأولى وهي ثمانية وأربعون تكن مائتين وثمانية وثمانين ومنها تصح، لورثة الزوجة الأحياء وهم أبوها وابنها من ذلك نصف ثمنه ثمانية عشر، لأبيها ثلاثة، ولابنها خمسة عشر، ولزوجته الحية نصف ثمنه ثمانية عشر، ولأمه السدس ثمانية وأربعون، ولورثة ابنه ما بقي من ذلك وهو مائتان وأربعة، لجدته أم أبيه من ذلك سدسه أربعة وثلاثون، ولأخيه لأمه كذلك، ولعصبته الباقي مائة وستة وثلاثون، ومسألة الزوجة من اثني عشر، للزوج الربع ثلاثة، وللأب السدس اثنان، وللابنين ما بقي سبعة، لا ينقسم عليهما، فاضرب اثنين في اثني عشر فتصح من أربعة وعشرين، للزوج منها الربع ستة، وللأب السدس أربعة، ولكل ابن سبعة، فمسألة الزوج من تركة زوجته من اثني عشر، لزوجته الحية الربع ثلاثة، ولأمه الثلث أربعة، وما بقي لعصبته، ومسألة الابن الميت من تركة أمه من ستة، لجدته أم أبيه السدس، ولأخيه لأمه كذلك، والباقي لعصبته، ومسألة الزوج توافق سهامه بالسدس فترد لاثنين، ومسألة الابن تباين سهامه فتبقى بحالها فدخل مسألة الزوج وهو
اثنان في مسألة الابن وهي ستة فاضرب ستة في أربعة وعشرين تكن مائة وأربعة وأربعين، لورثة الزوج الأحياء من ذلك الربع ستة وثلاثون، لزوجته ربعها تسعة، ولأمه سدسها ستة، والباقي لعصبته، ولأب الزوجة سدس المائة وأربعة وأربعين وهو أربعة وعشرون، ولابنها الحي نصف الباقي وهو اثنان وأربعون، ولورثة 1 ابنها الميت كذلك يقسم بينهم على ستة لجدته لأبيه سدسه سبعة، ولأخيه لأمه كذلك، والباقي وهو ثمانية وعشرون لعصبته، ومسألة الابن الميت من ثلاثة لأمه الثلث واحد ولأبيه الباقي اثنان، فمسألة أمه من ستة لا ينقسم عليها الواحد ولا توافقه ومسألة [أبيه] 2 من اثني عشر توافق سهميه بالنصف فترد مسألته لنصفها ستة وهي مناسبة لمسألة الأم فاجتزئ بضرب وفق عدد سهامه وهي ستة في ثلاثة يكن الحاصل ثمانية عشر للأم ثلثها ستة، والباقي للأب اثنا عشر.
وإن ادعى ورثة كل ميت سبق موت صاحبه ولا بينة أو كان لكل واحد بينة وتعارضتا تحالفا ولم يتوارثا نصا 3، وهو قول الصديق 4 وزيد 5 وابن عباس 6
والحسن بن علي 1 وأكثر العلماء 2؛ لأن كلا من الفريقين منكر لدعوى الآخر فإذا تحالفا سقطت الدعوى، فإن لم يثبت السبق لواحد منهما معلوما ولا مجهولا أشبه ما لو علم موتهما معا بخلاف ما لم يدعوا ذلك، كما إذا ماتت امرأة وابنها فقال الزوج: ماتت فورثناها ثم مات ابني فورثته فقال أخوها: بل مات ابنها فورثته ثم ماتت بعده فورثناها حلف كل واحد منهما على إبطال دعوى صاحبه وكان ميراث الابن لأبيه وميراث المرأة لأخيها وزوجها نصفين، ولو عين الورثة موت أحدهما وشكوا هل مات الاخر قبله أو بعده 3 ورث من شك في موته من الميت الآخر الذي عينوا موته؛ لأن الأصل بقاء حياته.
ولو تحقق موتهما معا لم يتوارثا بلا خلاف؛ لأن شرط الإرث حياة الوارث بعد المورث ولم يوجد، ولو مات متوارثان عند الزوال ونحوه كشروق الشمس أو غروبها أو طلوع الفجر من يوم واحد أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب ورث من مات بالمغرب من الذي مات بالمشرق لموته قبله بناء على اختلاف الزوال؛ لأنه يكون بالمشرق قبل كونه بالمغرب، ولو مات عند ظهور الهلال قال في "الفائق" 4: "فتعارض في المذهب والمختار أنه كالزوال" 5.
فصل فى بيان من يرث من المطلقات ومن لا يرث
يثبت الإرث لأحد الزوجين من الآخر في عدة رجعية سواء أطلقها في الصحة أو المرض، قال في "المغني" 1: "بغير خلاف نعلمه"، وروي عن أبي بكر وعثمان وعلي وابن مسعود -رضي اللَّه تعالى عنهم- 2؛ وذلك لأن الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه ويملك إمساكها بالرجعة بغير رضاها وبلا ولي ونحوه، فإن انقضت عدتها فلا توارث، لكن إن كان الطلاق برض موته المخوف وانقضت عدتها ورثته ما لم تتزوج أو ترتد، ويثبت الميراث لها فقط من مطلقها مع تهمته بقصد حرمانها بأن أبانها في مرض موته المخوف ابتداء بلا سؤالها، أو سألته طلاقا أقل من ثلاث فطلقها ثلاثا، أو علقه على ما لا بد لها منه شرعا كالصلاة المفروضة والصوم المفروض، قال في "المحرر" 3: "وكلام أبيها"، أو علقه على ما لا بد لها منه عقلا كأكل ونحوه كشرب ونوم، أو علقه على مرضه، أو على فعل له كإن دخلت الدار فأنت طالق ففعله في المرض المخوف، أو علقه على ترك فعل فمات قبل فعله، ولو كان ذلك قبل الدخول، أو انقضت عدتها قبل موته فترثه ما لم تتزوج غيره، أو ترتد عن الإسلام فلا ترثه ولو أسلمت بعد؛ لأنها فعلت باختيارها ما ينافي نكاح الأول 4، والأصل 5
في إرث المطلقة من مبينها المتهم بقصد حرمانها أن عثمان: ورث بنت الأصبغ الكلبية 1 من عبد الرحمن بن عوف وكان طلقها في مرضه فبتها" 2 واشتهر ذلك في الصحابة ولم ينكر فكان كالإجماع، وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن 3: "أن أباه طلق أمه وهو مريض فمات فورثته بعد انقضاء عدتها" 4، وروى عروة 5 أن عثمان قال لعبد الرحمن: "لئن مت لأورثنها منك قال: علمت ذلك" 6، وما روي عن عبد اللَّه بن الزبير أنه قال: "لا ترث
مبتوتة" 1 فمسبوق بالإجماع السكوتي زمن عثمان 2، ولأن المطلق [قصد] 3 قصدا فاسدا في الميراث فعورض بنقيض قصده كالقاتل.
ويثبت الإرث للزوج فقط من زوجته إن فعلت في مرض موتها المخوف ما يفسخ نكاحها ما دامت معتدة إن اتهمت بقصد حرمانه، كإدخالها ذكر ابن زوجها أو أبيه في فرجها وهو نائم، أو إرضاعها ضرتها الصغيرة ونحوها؛ لأنها أحد الزوجين فلم يسقط فعلها ميراث الآخر كالزوج.
قال الشيخ منصور -رحمه اللَّه تعالى- في "شرح المنتهى" 4: "ومفهومه أنه لو انقضت عدتها انقطع ميراثه وهو مقتضى كلامه في "التنقيح" 5 و"الإنصاف" 6، وظاهر كلامه في "الفروع" 7 كـ"المقنع" 8
و"الشرح" 1 حيث أطلقوا ولو بعد العدة واختاره في "الإقناع" 2 وقال: إنه أصوب مما في التنقيح.
انتهى".
وإلا تتهم الزوجة بقصد حرمانه الإرث بأن دب زوجها 3 الصغير أو ضرتها الصغيرة فارتضع منها وهي نائمة سقط ميراثه منها، كفسخ معتقة تحت عبد ثم ماتت؛ لأن [فسخ] 4 النكاح لدفع الضرر لا للفرار، وكذا لو ثبتت عنة الزوج فأجل سنة ولم يصبها حتى مرضت آخر الحول فاختارت فراقه، ففرق بينهما، انقطع التوارث بينهما.
ويقطع التوارث بين الزوجين إبانة الزوجة في غير مرض الموت المخوف أو فيه بلا تهمة بأن سألته الخلع فأجابها إليه، ومثله الطلاق على عوض أو قبل الدخول، أو سألته الطلاق الثلاث فاجابها إليه أو سألته الطلاق فثلثه، أو علقها 5 على فعل لها منه بد شرعا وعقلا كخروجها من دارها ونحوه، ففعلت عالمة به لانتفاء التهمة منه، فإن جهلت التعليق ورثته؛ لأنها معذورة.
= "المقنع" للإمام موفق الدين المقدسي، اجتهد في جمعه وترتيبه وإيجازه وتقريبه، وسطا بين القصير والطويل، جامعا لأكثر الأحكام، عرية عن الدليل والتعليل، وهو مشتهر عند علماء المذهب، وله عدة شروح.
ينظر: المدخل ص 433. وآخر طبعة له مع الشرح الكبير والإنصاف.
وترث من تزوجها مريض مضارة لورثته لينقص إرث غيرها؛ لأن له أن يوصي بثلث ماله، وكذا لو تزوجت مريضة مضارة لورثتها فيرث منها زوجها.
ومن جحد إبانة امرأة ادعتها عليه، ثم مات لم ترثه إن دامت على قولها إلى موته؛ لإقرارها أنها مقيمة تحته بلا نكاح، فإن أكذبت نفسها قبل موته ورثته لتصادقهما على بقاء النكاح ولا أثر لتكذيبها نفسها بعد موته؛ لأنها متهمة فيه إذن، وفيه رجوع عن إقراره لباقي الورثة.
ومن خلف زوجات نكاح بعضهن فاسد أو منقطع قطعا يمنع الإرث وجهل من يرث منهن أخرج من لا يرث بقرعة والميراث للباقي نص عليه 1؛ لأنه إزالة ملك عن آدمي فتستعمل فيه القرعة عند الاشتباه كالعتق.
وإن طلق واحدة من زوجتين مدخول بهما غير معينة في صحته، ثم قال في مرض موته المخوف: أردت فلانة ثم مات قبل انقضاء العدة ففي "المغني" 2: "لم يقبل قوله؛ لأن الإقرار بالطلاق في المرض كالطلاق فيه".
فإن كان للمريض امرأة أخرى سوى هاتين فلها نصف الميراث وللاثنتين نصفه، وإن طلق متهم أربعا كن معه وانقضت عدتهن منه، وتزوج أربعا سواهن ثم مات ورث منه الثمان ما لم تتزوج المطلقات أو يرتددن 3.
فصل فى الإقرار بمشارك في الميراث
1
إذا أقر كل الورثة وهم مكلفون، ولو أنها 2 بنت أو كانوا ليسوا أهلا للشهادة بوارث مشارك لمن أقر في الميراث كابن للميت يقر بابن آخر أو يقر بوارث مسقط له كأخ أقر بابن للميت ولو كان الابن المقر به من أمة الميت نصا 3 فصدق المقر به مكلفا مقرا، أو كان المقر به صغيرا أو مجنونا ولم يصدقه ثبت نسبه إن كان مجهولا وأمكن كونه من الميت ولم ينازع المقر، فإن نوزع فيه فليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، ولو مع منكر لا يرث من الميت [لمانع] 4 من نحو رق أو قتل، ويثبت أيضا إرثه من الميت إن لم يقم به مانع من نحو رق؛ لأن الوارث يقوم مقام الميت في ميراثه والديون التي له وعليه ودعاويه وبيناته والأيمان التي عليه وله فكذا في النسب.
ويعتبر إقرار زوج ومولى إن ورثا كما لو مات عن بنت وزوج ومولى فأقرت البنت بأخ لها فيعتبر إقرار الزوج والمولى به ليثبت نسبه؛ لأنهما من جملة الورثة.
وإن لم يوجد من ورثة 5 ميت إلا زوج أو زوجة فأقر بولد للميت من غيره فصدقه إمام أو نائبه ثبت نسبه؛ لأن ما فضل عن الزوج والزوجة لبيت المال وهو المتولي لأمره فقام مقام الوارث معه لو كان.
وإن أقر بوارث بعض الورثة وأنكره الباقون، فشهد عدلان منهم أو غيرهم أنه ولد الميت، أو شهدا أن الميت أقر به، أو أنه ولد على فراشه ثبت نسبه وإرثه، وإلا يشهد به عدلان ثبت نسبه من مقر وارث فقط دون الميت وبقية الورثة؛ لأن 1 النسب حق أقر به الوارث على نفسه فلزمه كسائر الحقوق، فلو كان المقر به أخا للمقر ومات المقر عنه وعن بني عم ورثه المقر به؛ لأن بني العم يحجبون بالأخ، وإن مات المقر عنه وعن أخ منكر فإرثه بينهما لاسترائهما في القرب، ويثبت نسبه تبعا من ولد للمقر منكر له فثبتت العمومة؛ لأنها لازمة بثبوت أخوة أبيه.
وإن كان بعض الورثة صغيرا أو مجنونا فصدق إذا بلغ أو عقل على إقرار المكلف من قبل ثبت نسبه لاتفاق جميع 2 الورثة عليه إذن، وإن مات غير مكلف قبل تكليفه ولم يبق غير مقر مكلف ثبت نسب مقر به؛ لأن المقر صار جميع الورثة، وكذا لو كان الوارث ابنين فأقر أحدهما بوارث وأنكر الآخر ثم مات المنكر فورثه المقر ثبت نسب المقر به؛ لأن القر به صار جميع الورثة، أشبه ما لو أقر به ابتداء بعد موت أخيه.
فلو مات المقر به وله وارث غير المقر اعتبر تصديقه للمقر حتى يرث منه؛ لأن المقر إنما يعتبر إقراره على نفسه، وإن لم يصدقه وارث لم يرث منه، ومتى لم يثبت نسب المقر به من ميت بأن أقر به بعض الورثة ولم يشهد بنسبه عدلان أخذ المقر به الفاضل بيد المقر عن نصيبه على مقتضى إقراره إن فضل شيء عن نصيبه، أو أخذ ما في يده كله إن سقط به المقر؛ لإقراره أنه له فلزمه دفعه إليه، فإذا أقر أحد ابنين بأخ
لهما فله ثلث ما بيد المقر لتضمن إقراره 1 أنه لا يستحق أكثر من ثلث التركة، وفي يده نصفها فيفضل بيده سدس للمقر به، وإن أقر ابن ابن للميت بابن 2 له فله كل ما في يده؛ لأنه أقر بما يتحجا به عن الإرث.
فصل فى ميراث القاتل
1 (ومن قتل مورثه) أي باشر قتله (ولو بمشاركة) في قتله (أو سبب) كحفر نحو بئر أو نصب نحو سكين أو وضع حجر أو رش ماء أو إخراج نحو جناح بطريق أو جناية بمضمونه من بهيمة (لم يرثه إن لزمه) أي القاتل بمباشرة أو سبب (قود أو دية أو كفارة)؛ لحديث عمر قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "ليس لقاتل شيء" رواه مالك في الموطأ وأحمد، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا نحوه، رواه ابن اللبان 2، وعن ابن عباس مرفوعا: "من قتل قتيلا فإنه لا يرثه وإن لم يكن له وارث غيره، وإن كان والده أو ولده فليس لقاتل ميراث" رواه أحمد 3. وما لا يضمن بشيء من هذا فلا يمنع الإرث؛ لأنه مأذون فيه أشبه ما لو أطعمه أو سقاه باختياره فأفضى إلى تلفه، وتقدم مستوفى في موانع الإرث 4.
فصل في ميراث الرقيق
1 (ولا يرث رقيق) ولو كان مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد (ولا يورث)؛ لأن فيه نقصا منع كونه موروثا فمنع كونه وارثا، (ويرث 2 مبعض) -أي من بعضه حر وبعضه رقيق- (ويورث ويحجب) ويعصب (بقدر حريته)، وهو قول علي وابن مسعود 3، وقال زيد بن ثابت: "لا يرث ولا يورث" 4، وقال ابن عباس: "هو كالحر 5 في جميع أحكامه" 6، وتقدم حكم إرثه في الموانع أيضا.
(كتاب العتق)
العتق لغة: الخلوص، ومنه عتاق الخيل والطير أي خلاصها، وسمي البيت الحرام عتيقا: لخلوصه من أيدي الجبابرة 1.
وهو شرعا: تحرير الرقبة وتخليصها من الرق 2، وخصت به الرقبة مع وقوعه على جميع البدن؛ لأن ملك السيد له كالغل في رقبته المانع له من التصرف، فإذا أعتق فكأن رقبته أطلقت من ذلك.
وأجمعت الأمة على صحته وحصول القربة به 3 لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 4 وقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (13)﴾ 5 وحديث أبي هريرة مرفوعا: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللَّه تعالى بكل إرب منها إربا منه من النار، حتى إنه ليعتق اليد باليد، والرجل بالرجل، والفرج بالفرج" متفق عليه 6.
وهو من أعظم القرب؛ لأن اللَّه تعالى جعله كفارة للقتل وغيره، وجعله -صلى اللَّه عليه وسلم- فكاكا لمعتقه من النار، ولما فيه من تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق وملك نفسه ومنافعه، وتكميل أحكامه وتمكينه من التصرف في نفسه ومنافعه على حسب اختياره، وأفضل 1 الرقاب للعتق أنفسها عند أهلها وأغلاها 2 ثمنا نصا 3، وعتق ذكر أفضل من عتق أنثى، سواء كان معتقه ذكرا أو أنثى وهما سواء في الفكاك من النار، [وتعدد] 4 ولو من إناث أفضل من واحد ولو ذكرا.
(ويسن عتق من له كسب) لانتفاعه بملك كسبه، (ويكره) عتق (لمن لا قوة له ولا كسب) لسقوط نفقته بإعتاقه فيصير كلا على الناس ويحتاج إلى المسألة، أو يخاف إن أعتق زناه أو فساده فيكره عتقه، وكذا إن خيف ردته ولحوقه بدار الحرب 5 وإن علم ذلك منه أو ظن حرم؛ لأنه وسيلة [إلى] 6 الحرام، ويصح العتق ولو مع علمه ذلك أو ظنه لصدور العتق من أهله في محله أشبه عتق غيره.
ويحصل العتق بقول من جائز التصرف لا بمجرد نية كالطلاق، وينقسم القول = البخاري 8/ 123، ومسلم، باب فضل العتق، كتاب العتق برقم (1509) صحيح مسلم 2/ 1147.
إلى صريح وكناية.
وصريحه: لفظ عتق، وحرية، لورود الشرع بهما فوجب اعتبارهما كيف صرفا، كقوله لقنه: أنت حر أو محرر أو حررتك أو أنت عتيق أو معتق -بفتح التاء- أو أعتقتك فيعتق ولو لم ينوه، قال أحمد في رجل لقي امرأة في الطريق فقال: تنحي يا حرة فإذا هي جاريته قال: قد عتقت عليه، وقال في رجل قال لخدم قيام في وليمة: مروا أنتم أحرار وكان فيهم أم ولده لم يعلم بها قال: هذا به عندي تعتق أم ولده 1.
غير أمر ومضارع واسم فاعل فلا يعتق بذلك، كقوله لرقيقه: حرره، أو أعتقه، أو هذا محرر -بكسر الراء- أو هذا معتق -بكسر التاء- فلا يعتق بذلك؛ لأنه 2 طلب أو وعد أو خبر عن غيره وليس واحد منها صالحا للإنشاء ولا إخبارا 3 عن نفسه فيؤاخذ به.
ويقع العتق من هازل كالطلاق 4، ولا يقع من نائم ونحوه كمغمى عليه ومجنون ومبرسم لعدم عقلهم ما يقولون 5، وكذا حاك وفقيه يكرره فتعتبر إرادة لفظه
لمعناه لا نية النفاذ والقربة، ولا يقع عتق إن قال سيد لرقيقه: أنت حر ونوى بالحرية عفته وكرم أخلاقه وصدقه وأمانته 1، وكذا لو قال: ما أنت إلا حر أي أنك لا تطيعني ولا ترى لي عليك حقا ولا طاعة؛ لأنه نوى بكلامه ما يحتمله 2 فانصرف إليه، وإن طلب استحلافه حلف، ووجه احتمال اللفظ لما أراده أن المرأة الحرة تمدح بمثل هذا، يقال: امرأة حرة أي عفيفة ويقال لكريم الأخلاق: حر، قالت سبيعة 3 ترثي عبد المطلب:
ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة... ويوم على حر كريم الشمائل
وإن قال سيد لرقيقه: أنت حر في هذا الزمن أو في هذا البلد عتق مطلقا؛ لأنه إذا أعتق في زمن أو بلد لم يعد رقيقا في غيرهما 4.
وكناية العتق مع نية، قال الشيخ منصور: "قلت: أو قرينة كسؤال عتق".
5 خليتك، أو أطلقتك، والحق بأهلك، واذهب حيث شئت، ولا سبيل ولا سلطان لي عليك، ولا ملك ولا رق لي عليك، أو لا خدمة لي عليك، وفككت رقبتك، = أخرجه: أبو داود برقم (4403) سنن أبي داود 4/ 141، والترمذي برقم (1423) الجامع الصحيح 4/ 24، وابن ماجة برقم (2042) سنن ابن ماجة 1/ 659، وأحمد برقم (943) المسند 1/ 187.
ووهبتك للَّه، ورفعت يدي عنك إلى اللَّه، وأنت سائبة، أو أنت مولاي، أو أنت سبيل اللَّه، وملكتك نفسك.
ومن الكناية قول السيد لأمته: أنت طالق، أو أنت حرام.
ومما يحصل به العتق قول السيد لمن يمكن كونه أباه من رقيقه بأن كان السيد ابن عشرين سنة مثلا والرقيق ابن ثلاثين فأكثر: أنت أبي، أو قال لرقيقه الذي يمكن كونه ابنه: أنت ابني فيعتق فيهما وإن لم ينوه ولو كان له نسب معروف لجواز كونه من وطء شبهة، ولا يعتق بذلك إن لم يمكن كونه أباه أو ابنه لكبر أو صغر ونحوه ولم ينو 1 عتقه لتحقق كذب هذا القول فلا يثبت به حرية 2، كقوله: هذا الطفل أبي، أو هذه الطفلة أمي، وكما لو قال لزوجته وهي أسن منه: هذه ابنتي، أو قال لها وهو أسن منها: هذه أمي لم تطلق، كذلك هنا، وكقوله لرقيقه: أعتقتك من ألف سنة، وأنت حر من ألف سنة، وكقوله لعبده: أنت بنتي وكقوله لأمته: أنت ابني، لأنه محال معلوم كذبه، وشرط العتق بالقول كونه من مالك جائز التصرف 3.
ويحصل العتق بملك لذي رحم محرم بنسب كأبيه وجده وإن علا، وولد ولده وإن سفل، وأخيه وأخته وولدهما وإن نزل، وعمه وعمته وخاله وخالته، وافقه في دينه أو لا، ولو كان المملوك حملا كمن اشترى زوجة ابنه أو أبيه أو أخيه الحامل
منه، لحديث الحسن 1 عن سمرة 2 مرفوعا: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" رواه الخمسة وحسنه الترمذي 3 وقال: "العمل على هذا عند أهل العلم" 4 وأما حديث: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه" رواه مسلم 5، فقوله: يشتريه
فيعتقه بشرائه كما يقال: ضربه فقتله والضرب هو القتل، وسواء ملكه بشراء أو هبة أو إرث أو غنيمة أو غيرها لعموم الخبر.
ولا يعتق ابن عمه بملكه؛ لأنه ليس بمحرم، ولا يعتق محرم من الرضاع كأمه وأبيه وابنه من رضاع؛ [لأنه] 1 لا نص في عتقهم ولا هم في معنى المنصوص عليه فيبقون على الأصل، وكذا الربيبة وأم الزوجة.
قال الزهري: "جرت السنة بأنه يباع الأخ من الرضاعة" 2.
وأب وابن من زنا كأجنبيين، فلا عتق بملك أحدهما للآخر نصا 3؛ لعدم ثبوت أحكام الأبوة والبنوة من الميراث والحجب والمحرمية [و] 4 وجوب الإنفاق وثبوت الولاية، وكذا أخ أو نحوه من زنا.
ويعتق حمل لم يستثنه معتق أمه لتبعيته لها في البيع والهبة ففي العتق أولى، ولو لم يملكه رب الأمة كما لو اشترى أمة من ورثة ميت موصى بحملها لغيره فأعتقها فيسري العتق إلى الحمل إن كان معتقها موسرا بقيمة الحمل يوم عتقه كفطرة، ويضمن معتقها الحمل لمالكه الموصى له به يوم ولادته حيا، فإن استثنى = الوالدين، كتاب الأدب برقم (3659) سنن ابن ماجة 7/ 1202، وأحمد برقم (7103) المسند 2/ 458، والبيهقي، باب من يعتق بالملك، كتاب العتق، السنن الكبرى 10/ 289.