الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 1169-1208

التعديل قبل الحكم وبعده قبل التسليم وتقدم عليها بينة الخارج، وإن كانت بينة المنكر غائبة حين رفعنا يده عن المدعى به فجاءت وقد ادعى فيه ملكا مطلقا غير مستند لحال وضع يده وأقام بينة فهي بينة خارج فتقدم على بينة المدعي الأول، وإن ادعى الملك مستندا لما قبل وضع يده وأقامها فهي بينة داخل فتقدم بينة المدعي عليها لاستناد دعوى المنكر إلى حال وضع يده، وإن أقام الخارج بينة أنه اشتراها من الداخل وأقام الداخل بينة أنه اشتراها من الخارج قدمت بينة الداخل؛ لأنه الخارج معنى لإثبات البينة أن المدعي صاحب اليد وأن يد الداخل نائبة عنه، وإن أقام الخارج بينة أنها ملكه وأقام الداخل بينة أنه باعها منه أو وقفها عليه أو أعتقها قدمت البينة الثانية لشهادتها بأمر حدث على الملك خفي على الأولى كقوله: أبرأني من الدين ويقيم به بينة، أما لو قال: لي بينة غائبة بأنه باعه مني أو وقفه علي طولب بالتسليه للمدعي به؛ لأن تأخيره يطول وقد يكون كاذبا، ومتى أرخ كل من البينتين والعين بيديهما في شهادة بملك أو بيد أو أرخت إحداهما فقط فهما سواء، لحديث أبي موسى: "أن رجلين اختصما إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في بعير، فأقام كل واحد منهما شاهدين، فقضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالبعير بينهما نصفين" رواه أبو داود 1، ولأن كلا منهما داخل في نصف العين خارج في نصفها إلا أن تشهد المتأخرة تاريخا بانتقال الملك عن المشهود له بالملك المتقدم، ولا تقدم إحدى البينتين بزيادة نتاج بأن شهدت بأنها بنت فرسه أو ناقته نتجت في ملكه والأخرى شهدت بالملك فقط، ولا تقدم بزيادة سبب ملك بأن شهدت

إحداهما أنه ملكها بالبيع ونحوه والأخرى بالملك فقط بل هما سواء لتساويهما فيما يرجع إلى المختلف فيه وهو ملك العين الآن فتساويا في الحكم، ولا تقدم إحداهما باشتهار عدالة أو كلثرة عدد ولا رجلان على رجل وامرأتين أو على رجل ويمين؛ لأن الشهادة مقدرة بالشرع فلا تختلف بالزيادة، ومتى ادعى أحدهما أنه اشتراها من زيد وهي ملكه وادعى الآخر أنه اشتراها من عمرو وهي ملكه وأقاما بذلك بينتين تعارضتا إن لم تكن بيد أحدهما، ثم إن كانت العين بأيديهما تحالفا وتناصفاها، وإن كانت بيد ثالث لم ينازع أقرع بينهما، فمن قرع حلف وأخذها، وإن كانت بيد أحدهما فهي للخارج ببينته، وإن شهدت إحداهما بالملك والأخرى بانتقاله منه له قدمت الناقلة لشهادتها بأمر زائد على الملك خفي على الأخرى كما تقدم، كتقدم بينة ملك على بينة يد.
الحال الرابع: أن تكون العين المتنازع فيها بيد ثالث، فإن ادعاها لنفسه وأنكرهما حلف لكل منهما يمينا، فإن نكل عنهما أخذاها منه أو بدلها إن تلفت بتفريطه وهو ترك اليمين للأول أشبه ما لو أتلفها واقترعا عليها أو بدلها؛ لأن المحكوم له بالعين غير معين، وإن أقر الثالث بالعين لهما أخذاها منه واقتسماها نصفين وحلف كل منهما يمينا بالنسبة إلى النصف الذي أقر به لصاحبه؛ لأنه يدعيه له كما لو أقر بها لأحدهما فإنه يحلف للآخر وحلف كل من المدعين لصاحبه على النصف المحكوم له به كما لو كانت العين بأيديهما ابتداء، وإن نكل المقر بالعين لهما عن اليمين لكل منهما أخذا منه بدلها واقتسماه أيضا كما لو أقر لكل منهما بالعين، وإن أقر لأحدهما بعينه بالعين جميعها.

حلف المقر له أنه لا حق لغيره فيها وأخذها؛ لأنه بالإقرار له صار كأن العين بيده والآخر مدع عليه وهو ينكره فيحلف له لنفي دعواه، ويحلف المقر للآخر إن طلب يمينه؛ لأنه يمكن أن يخاف من اليمين فيقر له فيغرم له بدلها، فإن نكل عن اليمين أخذ منه بدلها بنكوله وإذا أخذها المقر له فأقام المدعي الآخر بينة أنها ملكه أخذها منه لثبوت ملكه لها، وإن قال من العين بيده: هي لأحدهما وأجهله فصدقاه لم يحلف لتصديقهما له وإلا يصدقاه حلف لهما يمينا واحدة؛ لأن صاحب الحق منهما واحد غير معين، ولا يلزمه اليمين إلا بطلبهما جميعا؛ لأن المستحق منهما لليمين غير معين ويقرع بينهما، فمن قرع حلف وأخذها نصا 1 لحديث: "أن رجلين تداعيا في دابة ليس لواحد منهما بينة، فأمرهما رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يستهما على اليمين أحبا أو كرها" رواه أحمد وغيره 2، ولأن المقر له بها يصير صاحب اليد وهو غير معين فيعين بالقرعة.

فصل

ومن بيده عبد ادعى أنه اشتراه من زيد وادعى العبد أن زيدا أعتقه وأقام كل بينة صححنا أسبق التصرفين إن علم التاريخ، أو ادعى شخص أن زيدا باعه العبد أو وهبه له وادعى آخر مثله وأقام كل منهما بينة بدعواه صححنا أسبق التصرفين إن علم التاريخ لمصادفة التصرف الثاني ملك غيره فوجب بطلانه، وإلا يعلم التاريخ أو اتفق تساقطتا لتعارضهما وعدم المرجح، وكذا إن كان العبد بيد نفسه نصا 1 إلغاء لهذه اليد للعلم بمستندها وهو الدعوى ولم تثبت، كمن بيده عبد ادعى أنه اشتراه من زيد وأنكره زيد فلا يحكم بهذه اليد.
ولو ادعيا زوجية امرأة فأنكرتهما أو أحدهما دون الآخر وأقام كل منهما بينة بدعواه ولو كانت المرأة بيد أحدهما سقطتا لتعارضهما واليد لا تثبت على الحر 2، وإن أقرت لأحدهما لم تقبل؛ لأنها متهمة، وإن كان لأحدهما بينة وحده حكم له بها، وإن ادعاها واحد فصدقته قبل إقرارها؛ لأنها غير متهمة إذن.
ولو أقام كل ممن العين بيده بينة بشرائها من زيد وهي ملكه بكذا واتحد تاريخهما

تحالفا وتناصفاها؛ لأن بينة كل منهما داخلة في أحد النصفين خارجة في الآخر، ولكل منهما أن يرجع على زيد بنصف الثمن الذي دفعه له؛ لأنه لم يسلم له سوى نصف المبيع، ولكل منهما أن يفسخ البيع لتبعض الصفقة عليه ويرجع من فسخ منهما بكل الثمن، ولكل منهما أن يأخذ كل العين بكل الثمن مع فسخ الآخر، وإن سبق تاريخ سنة إحداهما فهي له لصحة عقده بسبقه وللثاني على بائعه الثمن إن كان قبضه منه لتبين بطلان بيعه، وإن أطلق بينتاهما أو أطلقت إحداهما تعارضتا في ملك إذن لا في شراء لجواز تعدد بخلاف الملك، فيقبل من البائع لهما دعواهما لنفسه بيمين واحدة لهما أن العين لم تخرج عن ملكه.
وإن ادعى اثنان ثمن عين بيد ثالث كل منهما يقول: أنه أشتراها منه بثمن سماه فمن صدقه منهما أو أقاء بينة أخذ ما ادعاه من الثمن، وإلا يصدق واحدا منهما ولا أقام واحد منهما بينة حلف لكل منهما يمينا لجواز تعدد العقد، وإن أقاما بينتين وهو منكر دعواهما فإن اتحدا تاريخا تعارضتا وتساقطتا لعدم إمكان الجمع بينهما، ويكون كما لو ادعيا عينا بحد ثالث وأقاما بينتين، وإن اختلف تاريخهما أو أطلقتا أو احداهما عمل بالبينتين؛ لأن الظاهر أنهما عقدان شهد بهما بينتان في عين واحدة على مشتر واحد، وعقد الشراء فيه دليل على اعتراف المشتري للبائع بالملك، ومن الجائز أن يكون اشتراه من الأول، ثم انتقل منه ببيع أو هبة إلى الثاني، ثم اشتراه من الثاني فلا تعارض، ويلزمه الثمنان المدعى بهما.
وإن كانت عين بيد إنسان فادعاها اثنان فقال أحدهما: غصبنيها، وقال

الآخر: ملكنيها أو أقر لي بها وأقاما بينتين فهي لمغصوب منه؛ لأن مع بينته زيادة علم وهو سبب ثبوت اليد، والبينة الأخرى إنما تشهد بتصرفه فيها فلا تعارضها، ولا يغرم المدعى عليه للآخر شيئا لعدم مقتضيه، إذ بطلان التمليك أو الإقرار بثبوت ملك الغير بغير فعله لا يوجب عوضا بخلاف البيع فإنه يوجب رد الثمن؛ لأنه أخذه بغير حق، وإن قال كل من المدعيين: غصبنيها وأقاما بينتين فكما لو ادعى كل منهما أنه اشتراهما منه على ما سبق.
وإن ادعى رب دار أنه أجره بيتا معينا من الدار بعشرة فقال المستأجر: بل أجرتني كل الدار بعشرة، وأقاما بينتين تعارضتا ولا يقتسمان بقية منفعة الدار، قال الشيخ منصور: "قلت: والظاهر أن القول قول المؤجر بيمنه؛ لأنه ينكر إجارة غير البيت".
انتهى 1.

فصل في تعارض البينتين

وهو التعادل من كل وجه، يقال: تعارضت البينتان إذا تقابلتا أي أثبتت كل منهما ما نفته الأخرى حيث لا يمكن الجمع بينهما فيتساقطان، وعارض زيد عمرا إذا أتاه بمثل ما أتى به 1. إذا قال لعبده: متى قتلت فأنت حر فادعى العبد أنه قتل وأنكر ورثته فالقول قولهم إن لم تكن له بينة: لأن الأصل عدم القتل، وإن أقام كل منهما بينة بما ادعاه قدمت بينة العبد وعتق: لأن مع بينته زيادة وهو القتل، وإن لم تكن له بينة فله تحليفهم على نفي العلم.
وإن قال سيد عبدين فأكثر: إن مت في المحرم فسالم حر وإن مت في صفر فغانم حر ثم مات وأقام كل منهما بينة بموجب عتقه تساقطتا؛ لأن كلا منهما تنفى ما أثبتته الأخرى ورقا لجواز موته في غير المحرم وصفر، وإن علم موته في إحدى الشهرين وجهل أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة عتق ورق الآخر، وإن قال: إن مت في مرضي هذا فسالم حر وإن برئت منه فغانم حر ثم مات وأقاما بينتين تساقطتا ورقا لنفي كل منهما ما أثبتته الأخرى، وإن جهل ثم مات ولا بينة أقرع بينهما، فيعتق من خرجت له القرعة؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون بريئا أو لم يبرأ، فيعتق أحدهما على كل حال، وكذا إن أتى بمن بدل في التعارض، وأما في صورة الجهل وعدم البينة فيعتق سالم؛ لأن الأصل دوام المرض وعدم البرء.

وإن شهدت 1 بينة على ميت أنه وصى بعتق سالم وأخرى على أنه وصى بعتق غانم وكل واحد من سالم وغانم ثلث ماله ولم تجز الورثة عتقهما عتق أحدهما بقرعة لثبوت الوصية بعتق كل منهما، والإعتاق بعد الموت كالإعتاق في مرض الموت، وقد ثبت الإقراع بينهما فيه لحديث عمران بن حصين 2، فكذا الإعتاق بعد الموت لاتحاد المعنى فيهما، فإن أجاز الورثة الوصيتين عتقا؛ لأن الحق لهما كما لو أعتقوهما بعد موته.
ومن مات عن ابنين مسلم وكافر فادعى كل منهما أنه مات على دينه فإن عرف أصله من إسلام وكفر قبل قول مدعيه، وإن لا يعرف أصل دينه فميراثه للكافر إن اعترف المسلم بأخوته أو ثبتت ببينة؛ لأن المسلم لا يقر ولده على الكفر في دار الإسلام ولاعترافه بكفر أبيه فيما مضى وادعائه إسلامه فجعل أصل دينه الكفر، والأصل بقاؤه عليه، وإلا يعترف المسلم بأخوته ولا ثبتت ببينة فميراثه بينهما لاستوائهما في اليد والدعوى، وإن جهل أصل دينه وأقام كل منهما بينة بدعواه تساقطتا وتناصفا التركة كما لو لم تكن بينة، وإن قالت بينة: نعرفه مسلما وأخرى نعرفه كافرا ولم تؤرخا وجهل أصل دينه فميراثه للمسلم لإمكان العمل بالبينتين، إذ الإسلام يطرأ على الكفر

وعكسه خلاف الظاهر؛ لأن المرتد لا يقر على ردته، وتقدم البينة الناقلة إذا عرف أصل دينه فيهن؛ لأن معها علما لم تعلمه الأخرى كما تقدم في نظائره، ولو شهدت بينة أنه مات ناطقا بكلمة الإسلام وأخرى أنه مات ناطقا بكلمة الكفر تساقطتا سواء عرف أصل دينه أو لا.
ومن أسلم وادعى تقدم إسلامه على موت مورثه المسلم، أو ادعى تقدم إسلامه على قسم تركته قبل منه ببينة أو تصديق وارث معه لدعواه، وإلا فلا؛ لأن الأصل بقاؤه على كفره فالقول قول أخيه المسلم بيمينه لأنه منكر.
وإن قال من كان كافرا: أسلمت في محرم ومات مورثي في صفر، وقال الوارث: مات قبل محرم ورث لاتفاقهما على الإسلام في المحرم واختلافهما في الموت هل كان قبله أو بعده، والأصل بقاء حياة الأب فالقول قول مدعي تأخر الموت.
ولو خلف حر ابنا حرا وابنا كان قنا فادعى الذي كان قنا أنه عتق وأبوه حي ولا بينة له صدق أخوه في عدم ذلك؛ لأن الأصل بقاء الرق، وإن ثبت عتق برمضان فقال الحر: مات أبي بشعبان وقال العتيق: بل بشوال صدق العتيق؛ لأن الأصل بقاء حياة الأب إلى شوال، وتقدم بينة الحر مع التعارض؛ لأن معها زيادة علم.
وإن شهد اثنان على اثنين بقتل فشهدا على الأولين به فصدق الولي الأولين فقط حكم له بهما لرجحانهما بتصديق المشهود له، وإن صدق الجميع أو الأخيرين أو كذب الجميع أو الأولين فقط فلا شيء له لسقوط شهادة المشهود عليهما لاتهامهما بالدفع عن

أنفسهما بذلك، وتصديق الولي لهما غير معتبر، وكذا لو صدق الجميع بأن قال: قتلوه كلهم؛ لأن كلا من البينتين تدفع عن نفسها القتل بالشهادة فلا تقبل، وكذا لو كذب الجميع؛ لأنه يصير كمن لا بينة له.
وإن شهدت بينة بتلف ثوب وقالت: قيمته عشرون وشهدت أخرف أن قيمته ثلاثون ثبت الأقل لاتفاقهما عليه دون الزائد لاختلافهما فيه، وكذا لو كان بكل قيمة شاهد واحد فيثبت الأقل لما تقدم.

(كتاب الشهادات)

مشتقة من المشاهدة، واحدها شهادة لإخبار الشاهد بما يشاهده، يقال: شهد الشيء إذا رآه 1. وأجمعوا على قبول الشهادة في الجملة 2؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية 3 وحديث: "شاهداك أو يمينه" 4 ولدعاء الحاجة إليها لحصول التجاحد، قال شريح: "القضاء جمر فنحه عنك بعودين -يعني الشاهدين- وإنما الخصم داء والشهود دواء فأفرغ الشفاء على الداء".
5 والشهادة حجة شرعية تظهر الحق ولا توجبه بل الحاكم يلزم به بشرطه، فهي الإخبار بما علمه الشاهد بلفظ خاص كشهدت أو أشهد ويأتي.
(تحملها) أي الشهادة على المشهود به (في غير حق اللَّه) تعالى ما لا كان

حق الآدمي كالبيع والقرض والغصب أو غيره كحد قذف (فرض كفاية) إذا قام به من يكفي سقط عن غيره، فإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه ولو عبدا وليس لسيده منعه لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ 1 قال ابن عباس وقتادة والربيع: "المراد به التحمل للشهادة وإثباتها عند الحاكم" 2 ولدعاء الحاجة إلى ذلك في إثبات الحقوق والعقود كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولئلا يؤدي إلى امتناع الناس من تحملها فيؤدي إلى ضياع الحقوق.
وتطلق الشهادة على التحمل والأداء فيكون الأداء أيضا فرض كفاية قدمه الموفق 3 وجزم [به] 4 جمع، وظاهر الخرقي أنه فرض عين 5، فلذلك قال: (وأداؤها) أي الشهادة (فرض عين) قال في "الفروع" 6: "ونصه أنه فرض عين".
قال في

"الإنصاف" 1: "وهو المذهب".
لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ 2، وخص القلب بالإثم؛ لأنه محل العلم بها، ويجبان إذا دعي إليهما لدون مسافة قصر (مع القدرة) على التحمل أو الأداء (بلا ضرر) يلحقه، فإن كان عليه ضرر في التحمل أو الأداء في بدنه أو ماله أو أهله، أو كان ممن لا يقبل الحاكم شهادته، أو يحتاج إلى التبذل في التزكية لم يلزمه لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ 3، ولأنه لا يلزمه ضر نفسه بنفع غيره، وإن كان الحاكم غير عدل فقال أحمد: "كيف أشهد عند رجل ليس عدلا" 4. وروى الطبراني عن أبي هريرة مرفوعا: "يكون في آخر الزمان أمراء ظلمة، ووزراء فسقة، وقضاة خونة، وفقهاء كذبة، فمن أدرك منكم ذلك الزمان فلا يكون لهم كاتبا، ولا عريفا، ولا شرطيا" 5 فلو أدى شاهد وأبى الآخر وقال: احلف بدلي

أثم، ويختص الأداء بمجلس الحكم.
ولا يقيمها على مسلم بقتل كافر، قاله في "الفروع" 1، وظاهره يحرم، ولعل المراد عند من يقتله به، ومتى وجبت الشهادة وجبت كتابتها لئلا ينساها، وإن دعي فاسق لتحمل الشهادة فله الحضور مع عدم غيره إذ التحمل لا يعتبر له العدالة، فلو لم يؤدها حتى صار عدلا قبلت، ولا يحرم أداء الفاسق الشهادة ولو لم يكن فسقه ظاهرا؛ لأنه لا يمنع صدقه.
(وحرم أخذ أجرة) على الشهادة (و) أخذ (جعل عليها) ولو لم تتعين عليه؛ لأنها فرض كفاية كصلاة الجنازة، و (لا) يحرم أخذ (أجرة مركوب لمتأذ بمشي) إلى محلها من رب الشهادة، ومن عنده شهادة بحد للَّه تعالى كزنا وشرب فله إقامتها وتركها؛ لأن حقوق اللَّه مبينة على المسامحة، والستر مأمور به، ولذلك اعتبر في الزنا أربعة رجال وشدد فيه على الشهود ما لم يشدد على غيرهم طلبا للستر، واستحب القاضي وأصحابه وأبو الفرج والشيخ و"الترغيب" 2: "الترك للترغيب في الستر" وللحاكم أن يعرض للشهود بالتوقف عنها كتعريضه لمقر بحد للَّه ليرجع عن إقراره لتعريض عمر

لزياد 1 بالرجوع، وتقبل الشهادة بحد قديم، ومن عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يقمها حتى يسأله رب الشهادة إقامتها، لحديث: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم ياتي قوم ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون" رواه البخاري 2، وإلا يعلم رب الشهادة بأن له عنده شهادة استحب إعلامه قبل إقامتها، وله إقامتها قبل إعلامه، لحديث: "ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها" رواه مسلم 3، وحمل هذا

الحديث على ما إذا ما لم يعلم رب الشهادة، والأول على ما إذا علم جمعا بينهما، ويحرم على من عنده شهادة بحق آدمي لا يعلمها كتمها للآية فيقيمها بطلبه ولو لم يطلبها حاكم منه لما تقدم، ولا يقدح أداء الشاهد بلا طلب حاكم وبلا طلب مشهود له لم يعلم به فيه كشهادة حسبة للَّه تعالى من غير تقدم دعوى.
(و) حرم (أن يشهد إلا بما يعلمه) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ 1 قال المفسرون: وهو يعلم ما شهد به عن بصيرة وإيقان 2، وقال ابن عباس: "سئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الشهادة قال: ترى الشمس؟ قال: على مثلها فاشهد أو دع" 3 رواه الخلال في جامعه 4، والمراد العلم في أصل المدرك لا في = صاحبها، كتاب الأحكام برقم (2364) سنن ابن ماجة 2/ 792، ومالك، باب ما جاء في الشهادات، كتاب الأقضية برقم (1426) الموطأ ص 471، وأحمد برقم (16592) المسند 5/ 91 - 92.

دوامه، فمدركه العلم الذي تكون له الشهادة يكون (برؤية أو سماع) غالبا لجوازها ببقية الحواس كالذوق واللمس، فإن تحمل الشهادة على من يعرفه بعينه واسمه ونسبه جاز أن يشهد عليه مع حضوره وغيبته، وإن جهل حاضرا جاز أن يشهد عليه في حضرته فقط بمعرفته عينه نصا 1، وإن كان غائبا فلا يشهد حتى يعرف اسمه، فإن عرفه به من يسكن إليه ولو واحدا جاز له أن يشهد عليه ولو امرأة لحصول المعرفة به، ولا تعتبر إشارته إلى حاضر مع ذكر نسبه ووصفه اكتفاء بهما، فإن لم يذكرهما أشار إليه لحصول التعيين.
وإن شهد شاهد بإقرار بحق لم يعتبر لصحة الشهادة ذكر سببه ولا قوله طوعا في = ينظر: طبقات الحنابلة 2/ 12 - 15، والمطلع ص 430 - 431، وسير أعلام النبلاء 14/ 297 - 298، والدر المنضد ص 17.

صحته مكلفا عملا بالظاهر، والرؤية تختص بالفعل كقتل وسرقة وغصب وشرب خمر ورضاع وولادة وعيوب مرئية في نحو مبيع؛ لأنه يمكن الشهادة على ذلك قطعا فلا يرجع إلى غيره.
والسماع ضربان: - الأول: سماع من مشهود عليه كعتق وطلاق وعقد من نكاح وغيره وإقرار بمال ونسب وحد وقود ورق وغير ذلك، فيلزمه الشهادة بما سمع سواء استشهده مشهود عليه أو لا لئلا يمتنع ثبوت الغصب وسائر ما يتضمن العدوان فإن فاعلها لا يشهد بها على نفسه، أو كان الشاهد مستخفيا أو لا، فمن عنده حق ينكره بحضرة من يشهد عليه فسمع إقراره من لا يعلم به المقر جاز أن يشهد عليه بما سمعه منه.
الضرب الثاني: ما ذكره بقوله: (أو استفاضة) ما يشتهر المشهود به بين الناس فيتسامعون به بإخبار بعضهم بعضا، ولا يجوز لأحد أن يشهد باستفاضة إلا إن سمع ما يشهد به (عن عدد يقع به) أي بخبره (العلم)؛ لأن لفظ الاستفاضة مأخوذ من فيض الماء لكثرته 1، قال في "شرح المنتهى" لمصنفه 2: "ويكون ذلك العدد عدد التواتر؛ لأنها شهادة فلا يجوز أن يشهد بها من غير علم لقوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ

مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} " 1 ومن قال: شهدت بالاستفاضة ففرع، ذكره في "الفروع" 2 و"الإنصاف" 3 و"التنقيح" 4، وإنما تصح شهادة الاستفاضة (فيما يتعذر علمه غالبا بغيرها) أي الاستفاضة (كنسب) إجماعا 5، وإلا لاستحالت معرفته إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغير ذلك، ولا يمكن المشاهدة فيه وكولادة (وموت ونكاح) وملك مطلق إذ الولادة قد لا يباشرها إلا المرأة الواحدة، والموت قد لا يباشره إلا الواحد ممن يحضره ويتولى غسله وتكفينه، والملك قد يتقادم سببه، فتوقف الشهادة في ذلك على المباشرة يؤدي إلى التعسر خصوصا مع طول الزمن، وكنكاح عقدا ودواما (وطلاق) وخلع نصا فيهما 6؛ لأنه مما يشيع ويشتهر غالبا، والحاجة داعية إليه، (ووقف) بأن يشهد أن هذا وقف زيد لا أنه

وقفه، (ومصرفه) أي الوقف وما أشبه ذلك، قال الخرقي: "وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه شهد به" 1. ولأن هذه الأشياء تتعذر الشهادة عليها غالبا بمشاهدتها ومشاهدة أسبابها أشبهت النسب، وكونه يمكن العلم بمشاهدة سببه لا ينافي التعذر غالبا.
ومن رأى شيئا بيد إنسان يتصرف فيه مدة طويلة كتصرف مالك من نقض وبناء وإجارة وإعارة فله الشهادة بالملك؛ لأن تصرفه فيه على هذا الوجه بلا منازع دليل على صحة الملك كمعاينة سبب الملك من بيع فيه وارث، وإلا يراه يتصرف كما ذكر فإنه يشهد له باليد والتصرف؛ لأن ذلك لا يدل على الملك غالبا.
(و) من شهد بعقد (اعتبر ذكر شروط مشهود به) للاختلاف فيها، فربما اعتقد الشاهد صحة ما لا يصح عند القاضي، فيعتبر في نكاح يشهد به أنه تزوجها برضاها إن لم تكن مجبرة وذكر بقية الشروط كوقوعه بولي مرشد وشاهدي عدل حال خلوها من الموانع، وفي شهادة رضاع عدد الرضعات وأنه يشرب من ثديها أو من لبن حلب منه للاختلاف في الرضاع المحرم، ولا بد من ذكر أنه في الحولين، فإن شهد أنه ابنها من الرضاع لم يكف، وفي قتل ذكر القاتل وأنه ضربه بسيف فقتله أو جرحه فقتله أو أنه مات من ذلك، ولا يكفي أن يشهد أنه جرحه فمات لجواز موته بغير جرحه، وفي زنا ذكر مزني بها، وأين؟ وكيف؟ وفي أي وقت زنا؟ لاحتمال أن يشهد أحدهما بزنا غير الذي شهد به غيره فلا تلفق وأنه رأى ذكره في فرجها لئلا يعتقد الشاهد ما ليس بزنا

زنا، ويقال: زنت العين واليد والرجل كما تقدم 1. وإن شهد أن هذا ابن أمته لم مجكم له به لجواز أن تكون ولدته قبل أن يملكها حتى يقولا: وأنها ولدته وهي في ملكه وكذا ثمرة شجرته، وإن شهدا أن هذا الغزل من قطنه، أو أن هذا الدقيق من حنطته، أو أن هذا الطير من بيضته حكم له به؛ لأنه لا يتصور أن يكون الغزل أو الدقيق أو الطير من قطنه أو حنطته أو بيضته قبل ملكه للقطن أو الحنطة أو البيضة، ولا يحكم له بالبيضة إن شهدا أن هذه البيضة من طيره حتى يشهدا أنها باضتها في ملكه، أو يشهدا أنه اشترى هذا العبد أو هذا الثوب ونحوه من زيد حتى يقولا: وهو في ملكه.
ومن ادعى إرث ميت فشهد شاهدان أنه وارثه لا يعلمان وارثا غيره، أو قالا: في هذا البلد سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أو لا سلم المال إليه بغير كفيل لثبوت إرثه، والأصل عدم الشريك، ويسلم إليه المال بكفيل إن شهدا بأنه وارثه فقط، ثم إن شهدا لآخر أنه وارثه شارك الأول في إرث الميت، قال الموفق في فتاويه 2: "إنما احتاج إلى بيان لا وارث سواه؛ لأنه يعلم ظاهرا، فإنه بحكم العادة يعلمه جاره ومن يعلم باطن أمره بخلاف دينه على الميت فلا يحتاج إلى إثبات أن لا دين عليه سواه لخفاء الدين، ولأن جهات الإرث يمكن الاطلاع عليها عن يقين".

وإن شهد اثنان أن هذا ابن الميت لا وارث له غيره، وشهد آخران أن هذا ابنه لا وارث له غيره قسم الإرث بينهما ولا تعارض لجواز أن تعلم كل بينة ما لم تعلمه الأخرى، وإن شهدا أنه طلق واحدة من نسائه ونسيا عينها، أو أنه أعتق من أرقائه رقبة ونسيا عينها، أو أنه أبطل من وصاياه واحدة ونسيا عينها لم تقبل شهادتهما؛ لأنها بغير معين فلا يمكن العمل بها، وإن شهد أحدهما بغصب ثوب أحمر والآخر بغصب ثوب أخضر، أو شهد أحدهما أنه غصبه الثوب اليوم والآخر أنه غصبه أمس لم تكمل البينة؛ لأن اختلاف الشاهدين فيما ذكر يدل على تغاير الفعلين، وكذا كل شهادة على فعل متحد في نفسه كقتل زيد إذ لا يكون إلا مرة واحدة أو على فعل متحد باتفاق المشهود له والمشهود عليه، كالغصب إذا اتفقا على أنه واحد وكسرقة ونحوها إذا اختلف الشاهدان في وقت الفعل أو مكانه أو صفة متعلقة به كلونه وآلة قتل ونحوه مما يدل على تغاير الفعلين فلا تكمل البينة للتنافي، وكل من الشاهدين يكذب الآخر فيتعارضان ويسقطان، وإن أمكن تعدد الفعل ولم يشهدا بأنه متحد فبكل شيء شاهد فيعمل بمقتضى ذلك، فإذا ادعى الفعلين وأقام بكل منهما شاهدا، أو حلف مع كل من الشاهدين يمينا ثبتا، ولا تنافي بين شهادة الشاهدين بذلك لتغاير المشهود عليه، ولو كان بدل كل شاهد منهما بينة تامة ثبت كلا الفعلين فيما إذا كان الفعل غير متحد لا في نفسه ولا باتفاقهما لتمام نصاب كل منهما وعدم التنافي إن ادعاهما المشهود له، والا بأن ادعى أحدهما فقط ثبت ما ادعاه دون الآخر وتساقطتا في مسألة اتحاد الفعل في نفسه أو باتفاقهما، وكفعل من قول نكاح وقذف فقط دون

غيرهما من الأقوال، فإذا شهد واحد أنه تزوجها أو قذفه أمس وشهد الآخر أنه اليوم لم تكمل البينة؛ لأن النكاح والقذف الواقعين أمس غير الواقعين اليوم، فلم يبق بكل نكاح أو قذف إلا شاهد، فلم تكمل البينة، ولأن من شرط النكاح حضور الشاهدين فإذا اختلفا في الشرط لم يتحقق حصوله، وكذا لو شهد أحدهما أنه قذفه غدوة أو خارج البلد أو بالعجمية، وشهد الآخر بخلافه؛ لأنه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات، ولو كانت الشهادة بإقرار بفعل أو بغيره ولو نكاحا أو قذفا، أو شهد شاهد واحد بالفعل وآخر على إقراره جمعت وعمل بها لعدم التنافي، ولو شهد أحدهما أنه أقر له بألف وشهد الآخر أنه أقر له بألفين كملت البينة بألف، وله أن يحلف على الألف الآخر مع شاهده ويستحقه حيث لم يختلف السبب ولا الصفة، ولو شهدا لشخص بمائة وشهد آخران له بعدد أقل من المائة دخل الأقل فيها إلا مع ما يقتضي التعدد، كما لو شهد اثنان بمائة قرضا وآخران بخمسين ثمن مبيع فيلزمانه لاختلاف سببهما، ولو شهد واحد بألف وأطلق، وشهد الآخر بألف من قرض كملت شهادتهما حصلا للمطلق على المقيد، وإن شهدا أن عليه ألفا وقال أحدهما: قضاه بعضه بطلت شهادته نصا 1؛ لأن قوله: قضاه بعضه يناقض شهادته عليه بالألف فأفسدها، وإن شهدا أنه أقرضه ألفا ثم قال أحدهما: قضاه نصفه صحت شهادتهما؛ لأنه رجوع عن الشهادة بخمسمائة وإقرار بغلط نفسه أشبه ما لو

قال: بألف بل بخمسمائة.
ولا يحل لمن تحمل شهادة بحق أخبره عدل باقتضاء الحق أو انتقاله بنحو حوالة أن يشهد به نصا، ولو قضاه نصفه ثم جحده بقيته فقال أحمد: "يدعيه كله وتقوم البينة فتشهد على حقه كله ثم يقول للحاكم قضاني نصفه" 1 ومن له بينة بألف فقال لهما: أريد أن تشهدا لي بخمسمائة لم يجز لهما أن يشهدا بالخمسمائة له نصا 2؛ لأن على الشاهد نقل الشهادة على ما شهد، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ 3، ولو شهد اثنان في محفل على شخص أنه طلق أو أعتق، أو على خطيب أنه قال على المنبر أو فعل على المنبر في الخطبة شيئا لم يشهد به غيرهما مع المشاركة في سمع وبصر قبلا لكمال النصاب.
(ويجب إشهاد) اثنين (في نكاح)؛ لأنه شرط فيه فلا ينعقد بدونهما وتقدم 4. (ويسن) إشهاد (في) كل عقد (غيره) من بيع وإجارة وصلح لقوله تعالى: (وَأَشهِدُوَأ إِذَا تَبَايَعَتُم) 5 وحمل على الاستحباب، لقوله تعالى: {فَإِن

أَمِن بَعضُكُم بَعضًا فَليُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِن أَمَنَتَهُ} 1.

فصل في شروط من تقبل شهادته

وهي ستة بالاستقراء: - ذكر الأول منها بقوله: (وشرط في شاهد) أي واحد الشهود (إسلام) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ 1، والكافر ليس من رجالنا، ولأنه غير مأمون، وحديث جابر: "أنه عليه السلام أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض" رواه ابن ماجة 2 ضعيف؛ لأنه من رواية مجالد 3، فلا تقبل من كافر ولو على كافر مثله غير رجلين كتابيين عند عدم مسلم بوصية مسلم ميت بسفر أو كافر، ويحلفهما حاكم وجوبا بعد العصر، لخبر أبي موسى

رواه أبو داود 1؛ لأنه وقت يعظمه أهل الأديان فيحلفان لا نشتري به -أي اللَّه تعالى، أو الحلف، أو تحريف الشهادة- ثمنا ولو كان ذا قربى، وما خانا وما حرفا، وأنها الوصية لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ] 2 إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ...﴾ الآية 3 وقضى به ابن مسعود وأبو موسى الأشعري 4، قا ل ابن المنذر: "وبهذا قال أكابر الماضين".
5

فإن عثر: أي اطلع على أنهما أي الشاهدين الكتابيين استحقا إثما أي كذبا في شهادتهما قام آخران أي رجلان من أولياء الموصي فحلفا باللَّه تعالى لشهادتنا أي يميننا أحق من شهادتهما، ولقد خانا وكتما، ويقضي لهم للآية وحديث ابن عباس قال: "خرج رجل من بني سهم 1 مع تميم الداري 2 وعدي بن بداء 3 فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدموا بتركته

فقدوا جام فضة مخوصا بذهب، فأحلفهما رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم وجد الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا باللَّه لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم فنزلت الآية فيهم" 1 وروى أبو عبيد 2 في "الناسخ والمنسوخ" 3 أن ابن مسعود قضى بذلك في زمن عثمان 4. وأيضا فالمائدة = ينظر: كتاب الثقات 3/ 318، ومعرفة الصحابة 4/ 2196 - 2197، وأسد الغابة 4/ 5 - 6، والإصابة 4/ 387.

آخر سورة نزلت.
(و) الشرط الثاني: (بلوغ) فلا تقبل الشهادة من الصغير ذكرا أو أنثى ولو كان في حال أهل العدالة بأن كان متصفا بما يتصف به العدل.
(و) الثالث: (عقل) وهو نوع من العلوم الضرورية، والعاقل من عرف الواجب عقلا الضروري وغيره، وعرف الممكن والممتنع، كوجود الباري تعالى، وكون الجسم الواحد ليس في مكانين، وأن الواحد أقل من الاثنين، وأن الضدين لا يجتمعان، وعرف ما يضره وينفعه غالبا، فلا تقبل الشهادة من معتوه ومجنون؛ لأنه لا يمكنه تحمل الشهادة ولا أداؤها لاحتياجها إلى الضبط وهو لا يعقله.
(و) الرابع: (نطق) أي كون الشاهد متكلما فلا تقبل الشهادة من أخرس بإشارة؛ لأن الشهادة يعتبر فيها التعيين، وانما اكتفي بإشارة الأخرس في أحكامه كنكاحه وطلاقه للضرورة، (لكن تقبل من أخرس) إذا أداها (بخطه) لدلالة الخط على الألفاظ، (و) تقبل (من) 1 مجنون (يفيق) أحيانا إذا شهد (حال إفاقته)، لأنها شهادة عاقل أشبه من لم يجن.
والخامس: الحفظ فلا تقبل الشهادة من مغفل ولا من معروف بكثرة غلط وكثرة سهو؛ لأنه لا تحصل الثقة بقوله، وتقبل ممن يقل منه ذلك؛ لأنه لا يسلم منه أحد.
(و) السادس: (عدالة) وهي لغة: الاستقامة والاستواء، مصدر عدل بضم

الدال إذ العدل ضد الجور 1، وشرعا: استواء أحوال الشخص في دينه واعتدال أقواله وأفعاله 2. (ويعتبر لها) أي العدالة (شيئان): - (الأول: الصلاح في الدين، وهو) نوعان: (أداء الفرائض) أي الصلوات الخمس والجمعة وما وجب من صوم وحج وزكاة وغير ذلك (برواتبها) أي الصلاة الراتبة، نقل أبو طالب: "الوتر سنة سنها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فمن ترك سنة من سننه -صلى اللَّه عليه وسلم- فهو رجل سوء" 3. فلا تقبل ممن داوم على تركها، فإن تهاونه بها مما يدل على عدم محافظته على أسباب دينه، وربما جرى التهاون بها إلى التهاون بالفرائض، وتقبل ممن تركها في بعض الأحيان.
(و) النوع الثاني: (اجتناب المحارم بأن لا يأتي كبيره ولا يدمن) أي يدوم (علي صغيرة) وفي "الترغيب": بأن لا يكثر منها ولا يصر علي واحدة منها 4 وقد نهي اللَّه تعالي عن قبول شهادة القاذف لكون القذف كبيرة فيقاس عليه كل مرتكب وقال الشيخ تقي الدين: "يعتبر العدل في كل زمن بحسبه لئلا

تضيع الحقوق" 1. والكذب صغيرة فلا ترد الشهادة به إن لم يداوم عليه، إلا الكذب في شهادة زور وعلى نبي ورمي فتن ونحوه فكبيرة، ويجب الكذب في تخليص مسلم من قتل، قال ابن الجوزي: "وكل مقصود محمود لا يتوصل إليه إلا به".
2 ويباح الكذب لإصلاح، وحرب، وزوجة فقط.
والكبيرة ما فيه حد في الدنيا -كالزنا وشرب الخمر- أو وعيد في الآخرة -كأكل مال اليتيم والربا وشهادة الزور وعقوق الوالدين- ونحو ذلك.
والصغيرة ما دون ذلك من المحرمات كالتجسس وسب الناس بغير قذف والنظر المحرم والنبز باللقب، والغيبة والنصيمة من الكبائر فلا تقبل شهادة فاسق بفعل كزان وديوث، أو باعتقاد كمقلد في خلق القرآن، أو في نفي رؤية اللَّه في الآخرة، أو في الرفض أو التجهم ونحوه، كمقلد في التجسيم، وما تعتقده الخوارج والقدرية ونحوهم، ويكفر مجتهدهم أي مجتهد القائلين بخلق القرآن ونحوهم ممن خالف ما عليه أهل السنة والجماعة الداعية.
ولا تقبل شهادة قاذف حد أو لا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ 3 حتى يتوب لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ 4 وتوبته تكذيب نفسه

ولو كان صادقا فيقول: كذبت فيما قلت.
لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر مرفوعا في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ قال: "توبته إكذاب نفسه" 1، وتوبة غير القاذف ندم بقلبه على ما مضى من ذنبه، وإقلاع بأن يترك فعل الذنب الذي تاب منه، وعزم أن لا يعود إلى ذلك الذنب الذي تاب منه، ولا يعتبر مع ذلك إصلاح العمل لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ 2 ومع المغفرة يجب أن تترتب الأحكام لزوال المانع منها وهو الفسق؛ لأنه فسق مع زوال الذنب الذي تاب منه، وإن كان فسق الفاسق بترك واجب فلا بد لصحة توبته من فعله، وإن كان فسقه بترك حق لآدمي كقصاص وحد قذف فلا بد من التمكين من

نفسه ببذلها للمستحق، ويعتبر رد مظلمة فسق بترك ردها كمغصوب ونحوه، فإن عجز نوى رده متى قدر عليه أو يستحل رب المظلمة أو يستمهله.
والتوبة من البدعة الرجوع عنها والاعتراف بها واعتقاد ضد ما كان يعتقده من مخالفة أهل السنة.
ولا تصح التوبة معلقة بشرط، ولا يشترط لصحتها من قذف وغيبة ونميمة وشتم إعلامه والتحلل منه، قال أحمد: "إذا قذفه ثم تاب لا ينبغي أن يقول له: قذفتك هذا يستغفر اللَّه لأن فيه إيذاء صريحا" 1. واذا استحله يأتي بلفظ عام مبهم لصحة البراءة من المجهول.
ومن أخذ بالرخص -أي تتبعها من المذاهب- فسق نصا 2، وذكره ابن عبد البر إجماعا 3، وذكر القاضي في غير متأول ولا مقلد 4 ولزوم التمذهب بمذهب وامتناع الانتقال إلى غيره الأشهر عدمه، ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب فإن تاب وإلا قتل، وإن قال: ينبغي كان جاهلا، ومن كان متبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل

لقوة الدليل أو لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن ولم يقدح في عدالته بلا نزاع، قاله الشيخ تقي الدين.
1 ومن أتى فرعا مختلفا فيه كمن تزوج بلا ولي، أو تزوج بنته من زنا، أو شرب من نبيذ ما لا يسكره إن اعتقد تحريمه ردت شهادته نصا 2؛ لأنه فعل ما يعتقد تحريمه فوجب أن ترد شهادته كما لو كان مجمعا على تحريمه، وإن تأول أي فعل شيئا من ذلك مستدلا على حله باجتهاد أو مقلدا لقائل بحله فلا ترد شهادته.
الشيء (الثاني): مما يستعمل للعدالة (استعمال المروءة) بوزن سهولة أي الإنسانية (بفعل ما يزينه ويجمله) عادة، (وترك ما يدنسه ويشينه) أي يعيبه عادة من الأمور الدنيئة المزرية به، فلا شهادة لمصافع 3 ومتمسخر، ورقاص ومشعبذ، والشعبذة والشعبوذة: خفة في اليدين كالسحر، ومغن، ويكره الغناء -بكسر العين المعجمة والمد- وهو: رفع الصوت بالشعر على وجه مخصوص، ويكره سماعه إلا من أجنبية، فيحرم التلذذ به، وكذا يحرم مع آلة لهو من حيث الآلة، وطفيلي الذي يتبع الضيفان، ومتزي بزي يسخر منه، ولا لشاعر يفرط في مدح بإعطاء أو في ذم بمنع، أو

يشبب بمدح خمر أو بمرد أو بامرأة معينة محرمة، ويفسق بذلك ولا تحرم روايته، ولا شهادة للاعب بشطرنج غير مقلد كمع عوض، أو ترك واجب وفعل محرم إجماعا، أو لاعب بنرد، ويحرمان أي اللعب بالشطرنج والنرد لحديث أبي داود في النرد 1 والشطرنج في معناه 2، أو لاعب بكل ما فيه دناءة حتى في أرجوحة أو رفع ثقيل، وتحرم مخاطرته بنفسه فيه، أو لاعب بحمام طيارة أو مسترعيها من المزارع أو من يصيد بها حمام غيره، ويباح اقتناء الحمام للأنس بصوتها ولاستفراخها ولحمل كتب.
ولا شهادة لمن يأكل بالسوق [كثيرا] 3 لا يسيرا كلقمة وتفاحة ونحوها، ولا

شهادة لمن يمد رجليه بمجمع من الناس، أو يكشف من بدنه ما العادة جارية بتغطيته كصدره وظهره، أو يحدث بمباضعة أهله أو سريته، أو يدخل الحمام بغير مئزر، أو ينام بين جالسين أو يخرج عن مستوى الجلوس بلا عذر، أو يحكي المضحكات ونحوه في كل ما فيه سخف أو دناءة؛ لأن من رضيه لنفسه واستخفه ليس له مروءة، ولا تحصل الثقة بقوله، ولحديث أبي مسعود البدري 1 مرفوعا: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" 2. ومتى وجد شرط قبول الشهادة بأن بلغ صغير أو عقل مجنون أو أسلم كافر أو تاب فاسق قبلت شهادته بمجرد ذلك لزوال المانع.
ولا يشترط في الشهادات الحرية، فتقبل شهادة عبد وأمة في كل ما يقبل فيه حر

وحرة لعموم آيات الشهادة وأخبارها، والعبد داخل فيها فإنه من رجالنا، وهو عدل تقبل روايته وفتواه وأخباره الدينية، ومتى تعينت الشهادة على الرقيق حرم على سيده منعه منها كسائر الواجبات.
ولا يشترط للشهادةكون صناعة الشاهد غير دنيئة عرفا، فتقبل شهادة حجام وحداد وزبال وقمام وكناس يكنس الأسواق وغيرها وكباش يربي الكبش ويناطح به، وقراد يربي القرود ويطوف بها للتكسب، ودباب يفعل بالدب كما يفعل القراد، ونفاط يعلب بالنفط، ونخال أي يغربل في الطريق على فلوس ونحوه، وصباغ ودباغ وجمال وجزار وكساح ينظف الحشوش وحائك وحارس وصائغ ومكار وخدام إذا حسنت طريقتهم لحاجة الناس إلى هذه الصنائع؛ لأن كل أحد لا يليها فلو ردت به الشهادة لأفضى إلى ترك الناس لها فيشق ذلك عليهم.
وكذا تقبل شهادة من لبس غير زي بلد يسكنه أو لبس غير زييه المعتاد بلا عذر إذا حسنت طريقتهم بأن حافظوا على أداء الفرائض واجتناب المعاصي والريب.
وتقبل شهادة ولد الزنا حتى به.
وشهادة أعمى بما سمع إذا تيقن الصوت، وبالاستفاضة وبمرئيات تحملها قبل عماه، وكذا لو لم يعرف مشهود عليه إلا بعينه إذا وصفه للحاكم بما يتميز به، والأصم كالسميع فيما يراه أو سمعه قبل صممه.
ومن شهد بحق عند حاكم ثم عمي أو خرس أو صم أو جن أو مات لم يمنع الحاكم بشهادته إن كان عدلا، وإن حدث به مانع من كفر أو فسق أو تهمة كعداوة

وعصبية قبل الحكم منعه لاحتمال وجود ذلك عند الشهادة، وانتفاؤه حينها شرط للحكم بها غير عداوة ابتدئها مشهود عليه بأن قذف البينة أو قاولها عند الحكومة بدون عداوة ظاهرة سابقة فلا تمنع الحكم لئلا يتمكن مشهود عليه من إبطال الشهادة عليه بذلك، وإن حدث مانع من كفر وفسق وغيرهما بعد الحكم وقبل استيفاء محكوم به يستوفى مال أحد مطلقا ولا قود؛ لأنه إتلاف ما لا يمكن تلافيه.
وتقبل شهادة الشخص على فعل نفسه كحاكم على حكمه بعد عزله وقاسم ومرضعة على قسمته وإرضاعها ولو بأجرة؛ لأن كلا منهم يشهد لغيره فقبل كما لو شهد على فعل غيره، ولحديث عقبة بن الحارث في الرضاع 1 وقيس عليه الباقي.

فصل في موانع الشهادة

(ولا تقبل شهادة بعض عمودي نسبه لبعض)، فلا تقبل شهادة والد لولده وإن سفل من ولد البنين أو البنات وعكسه ولو لم يجر الشاهد بما شهد به نفعا غالبا لمشهود له، كشهادته له بعقد نكاح أو قذف، وتقبل لباقي أقاربه كأخيه وعمه لعموم الآيات، ولأنه عدل غير متهم، قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة 1. ولا تقبل شهادة من يملكه المشهود له أو يملك بعضه إذ القن ينبسط في مال سيده، وتجب نفقته عليه كالأب مع ابنه.
(ولا) تقبل شهادة (أحد الزوجين للآخر) لتبسط كل منهما في مال الآخر واتساعه بسعته ولو في الماضي بأن يشهد أحد الزوجين للآخر بعد طلاق بائن أو خلع.
(ولا) تقبل شهادة (من يجر بها) أي بشهادته (إلى نفسه نفعا) كشهادة الشخص لرقيقه ولو مأذونا له أو مكاتبا أو لمورثه بجرح قبل اندماله؛ لأنه ربما سري الجرح إلى النفس فتجب الدية للشاهد بشهادته فكأنه شهد لنفسه، ولا شهادته لموصيه أو لموكله في ما وكل فيه نصا 2، كمن نوزع في ثوب استأجر أجيرا لخياطته أو صبغه أو قصره

جارٍ التحميل