الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 1089-1128

كان يحضرها 1 وأمر بحضورها 2 وقال: "ومن لم يجب فقد عَصَى اللَّه ورسوله" 3، ولا يجيب قومًا ويدع قومًا بلا عُذر، ومتى كثرت وازدحمت تركها كلها، فإن كانَ في بعضها عُذْرٌ كمنكر ونحوه أجاب من لا عذر له في تركها، ويوصي وجوبًا الوكلاء والأعوان ببابه بالرفق بالخصوم وقلة الطمع، ويجتهد أن يكونوا شيوخًا أو كُهولًا من أهل الدِّين والعفة والصِّيانة ليكونوا أقل شرًّا، فإن الشَّباب شعبة من الجنون، والحاكم تأتيه النساء، وفي اجتماع الشباب بهنَّ مفسدةٌ.
ويباح لقاضٍ وفي "المبدع" 4: "والأشهر أنه يُسَنُّ أن يتخذ كاتبًا؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم-

استكتب زيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان 1 وغيرهما، ولكثرة اشتغال الحاكم ونظره في أمر الناس فلا يمكنه تولي الكتابة بنفسه وشرط كون الكاتب مُسْلِمًا لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ

خَبَالًا} 1 وقال عمر: "لا تُؤَمِّنوْهُمْ وقد خَوَّنَهُم اللَّهُ، ولا تُقَرِّبُوْهمْ وقد أَبْعَدَهُمُ اللَّه، ولا تُعِزُّوْهُمْ وقد وقد أَذَلَّهُم اللَّه" 2، عدلًا؛ لأنه موضع أمانة، ويسن كونه حافظًا عالمًا؛ لأن فيه إعانة على أمره، وكونه حرًا خُرُوجًا من الخلاف، وكونه جيد الخط؛ لأنه أكمل، وكونه عارفًا، قاله في "الكافي" 3 لئلا يفسد ما يكتبه بجهله، ويجلس بحيث يشاهد القاضي ما يكتبه؛ لأنه أمكن لإملائه عليه وأبعد للتُّهْمَةِ، ويجعل القاضي القِمَطْرَ -بكسر القاف وفتح الميم وسكون الطاء أعجمي مُعَرَّبٌ- وهو ما يجمع فيه القضايا 4 مختومًا بين يديه ليحفظ عن التغيير، ويُسَنُّ حكمه بحضرة شهودٍ ليستوفي بهم الحقوق، وتثبت بهم الحجج والمحاضر 5، ويحرم عليه تعيين قوم بقبول الشهادة بحيث لا يقبل غيرهم لوجوب قبول شهادة من تثبت عدالته.
ولا يصح (ولا يَنفُذُ حُكْمُهُ) أي القاضي (على عَدُوّهِ) كالشهادة عليه بل يُفْتِيْ

عليه؛ لأنه لا إلزام في الفتيا بخلاف القضاء، (ولا) يَصِحُّ ولا ينفذ حكم (لنفسهِ ولا لِمَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ) كزوجته وعمودي نسبه كالشهادة ولو كانت الخصومة بين ولديه أو بين والده وولده لعدم قبول شهادته لأحدهما على الآخر، فإن عرضت للقاضي ولمَنْ تُرَدُّ شهادته له حكومة تحاكم إلى بعض خلفائه أو بعض رعيته، فإن عُمَرَ حاكم أبيًّا إلى زيد بن ثابت 1 وحاكم رجلًا عراقيًّا إلى شريحٍ وحاكم عليٌّ رجلًا يهوديًّا إلى شُريحٍ 2 وحاكم عثمانُ طَلْحَةَ إلى جبير بن مطعمٍ 3، وله استخلاف من لا يصح حكمه له كحكمه لغيرهم بشهادتهم وكحكمه عليهم.
ويُسَنُّ للقاضي أن يبدأ بالنظر بأمر المحبوسين؛ لأن الحبس عذابٌ وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه، فينفذ ثقةً إلى الحبس فيكتب أسماءهم وأسماء من حبسهم وفيم، ذلك كله في رقعةٍ مُنْفردة لِئَلَّا يتكرر النَّظر في حال الأول لو كتبوا في رقعة واحدة، ويخرج واحدة من الرقاع بالاتفاق كالقرعة ثم ينادي بالبلد أن القاضي ينظر في حال المحبوسين في كذا، فمن له خصم محبوس فليحضر، فإذا جلس لموعدهم نظر ابتداءً في رقاع المحبوسين، فيخرج رقعة منها ويقال: هذه رقعة فلان فمن خصمه، فمن حضر له خصم نظر بينهما، فإن كان حبس لتعدل البينة فإعادته إلى

الحبس مبنية على حبسه في ذلك، والأصح حبسه إن كان في غير حَدٍّ، فيعاد للحبس، ويقبل قول خصمه في أن القاضي حبسه بعد تكميل البينة وتعديلها؛ لأن الظاهر أنه إنما حبسه لحق ترتيب عليه، وإن ذكر مَحبوسٌ أنَّهُ حبس بقيمة كلبٍ أو خَمْر ذمي وصدقه 1 خلي سبيله؛ لأنه لا دين عليه 2 وإن كذبه 3 وقال: بل بحق واجب غير هذا فقول غريم؛ لأنه الظاهر، وإن بَانَ حبسه في تهمةٍ أو تعزيرٍ كافتياتٍ على القاضي قبله [خلاه] 4 أو أبقاه في الحبس بقدر ما يرى.
فإطلاق القاضي وإذنه ولو في قضاء دين أو في نفقةٍ ليَرْجِعَ، ووضع ميزاب وبناء ووضع خشب على جدار جار وأمره بإراقة نبيذ وقرعةٍ حكم يرفع الخلاف إن وإن، وذكر الشيخ تقي الدين أنه لو أذن أو حكم لأحدٍ باستحقاق عقدٍ أو فسخٍ لم يحتج بعد ذلك إلى حكمه بصحته بلا نزاع، وكذا نوع من فعله كتزويج يتيمةٍ بالولاية العامة وشراء عينٍ غَائبةٍ مَوصُوفةٍ بما يكفي في سَلَمٍ لقضاء دين نحو غائب وممتنع حكم يرفع الخلاف.
وحكمه بشيء -كبيع عبد أعتقه من أحاط الدين مسألة- حكم بلازمه وهو بطلان العتق في المثال؛ لأنه لصحة البيع فلا يحكم غيره بخلافه؛ لأنه نقض لحكمه.

وإقراره غيره على فعل مختلف فيه، وثبوت شيء عنده ليس حكمًا به، بخلاف إثبات صفة العدالة وأهلية وصيَّةٍ فهو حُكمٌ.
وتنفيذ الحكم يتضمن الحكم بصحة الحكم المنفذ قاله ابن نصر اللَّه، وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنَّه حكم 1. والحكم بالصحة يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعًا، فمن ادَّعَى أنه ابتاع من المدعى عليه عينًا، واعترف له بذلك لم يجز للحاكم الحكم بصحة البيع بمجرد ذلك حتى يدعى المدعي أنه باعه العين المذكورة وهو مالك لها، ويقيم البينة بذلك.
والحكم بالمُوْجب -بفتح الجيم- حكمٌ بموجب الدعوى الثابتة ببينة أو غيرها كالإقرار والنكول، فالدعوى المشتملة على ما يقتضي صحة العقد المدعى به من نحو بيع وإجارة الحكم فيها بالموجب حكم بالصحة؛ لأنها من موجبه كسائر آثاره قال الوليُّ العراقي 2: فيكون الحكم فيها بالموجب حينئذ أقوى مطلقًا لسعته وتناوله الصحة وآثارها.
والدعوى غير المشتملة على ذلك كإن أدعى أنه باعه العين فقط الحكم فيها

بالموجب ليس حكمًا بالصِّحَّةِ إذ مُوْجب الدعوى حينئذ حصول صورة بيع بينهما، ولم تشتمل الدعوى على ما يقتضي صحته حيث لم يذكرهر أن العين كانت للبائع ولم تقم به بينة وصحة العقد تتوقف على ذلك، بخلاف ما سبق، لا يقال: هو أيضًا في الأولى لم يدع الصِّحة فكيف يحكم له بها؛ لأن دعواها وإن لم تكن صريحةً فهي واقعةٌ ضمنًا؛ لأنها مقصود المشتري، والحكم بالإقرار ونحوه كالحكم بموجبه، إذ معناه إلزام المقر بما أقر به وهو أثر إقراره ولا يحكم بالصِّحَّة، نقله الولي العراقي عن شيخه البُلْقِيْنِيْ 1 وقال: لا يظهر لهذا معنًى فليتأمل.
2 وقد رجع الشيخ إلى ما ذكر أولًا من أن الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة.
ومن لم يعرف خصمه أو أنكره المحبوس بأن قال: حبست ظلمًا ولا حق علي ولا خصم لي نودي بذلك في البلد 3، فإن لم يعرف خصمه بعد ذلك حلفه حاكمٌ وأطلقه، ومع غيبة خصمه يبعث إليه ليحضر، ومع تأخره بلا عذر يخلي

سبيله، والأولى بكفيلٍ.
ثم إذا تم آمر المحبوسين نظر في أمر أيتام ومجانين ووقوف ووصايا لا ولي لهم ولا ناظر؛ لأن هذه أموال يتعلق بها حفظها وصرفها في وجوهها فلا يجوز إهمالها، ولا نظر له مع الولي أو الناظر الخاص لكن له الاعتراض إن فعل ما لا يسوغ، فلو نفذ القاضي الأول وصية موسى إليه أمضاها الثاني؛ لأن الظاهر أن الأول لم ينفذها إلَّا بعد معرفة أهليته.
ويحرم أن ينقض من حكم قاض صالح للقضاء شيئًا لئلا يؤدي إلى نقض الحكم بمثله غير ما خالف نص كتاب اللَّه تعالى أو سنة متواترة أو آحاد كالحكم بقتل مسلم بكافر، وكالحكم بجعل من وجد عين ماله عند من حجر عليه بفلس أسوة الغرماء فينقض؛ لأنه لم يصادف شرطه، إذ شرط الاجتهاد عدم النص، لخبر معاذ بن جبل 1، ولأنه مفرط بترك الكتاب والسنة، أو خالف إجماعًا قطعيًّا فينقض؛ لأن المجمع عليه

ليس محلا للاجتهاد بخلاف الإجماع السكوتي، أو خالف ما يعتقده بأن حكم بما لا يعتقد صحته فيلزم نقضه لاعتقاد بطلانه، فإن اعتقده صحيحًا وقت الحكم ثم تغير اجتهاده ولا نص ولا إجماع لم ينقض لقضاء عمر في المشركة حيث أسقط الإخوة من الأبوين ثم شرك بينهم ويين الإخوة للأم بعد، وقال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي 1، وقضى في إرث الجد بقضايا مختلفة 2، ولئلا يؤدي إلى نقض الاجتهاد بمثله، وإن تغير اجتهاده قبل الحكم عمل بالأخير لاعتقاده بطلان ما قبله، ولا ينقض حكم بتزويج المرأة نفسها ولو مع حضور وليها لاختلاف الأئمة في صحته، وحديث: "لا نكاح إلا بوليٍّ وشَاهِدَيْ عَدلٍ" تقدم ما فيه 3، ولا ينقض حكم لمخالفة قياس؛ لأن من أحكام الشريعة ما ثبت على خلاف القياس، ولا لعدم علمه الخلاف في المسألة المحكوم 4 فيها؛ لأن علمه ذلك لا أثر له في صحة الحكم حيث وافق الشرع، ولا إن حكم بينة خارج وجهل = قال عنه الترمذي: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصلٍ" ا. هـ، وأورده الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير 4/ 182 - 183 مع بيان أوجه ضعفه.

علمه ببينة تقابلها، أو حكم [ببيِّنة] 1 داخل وجهل علمه بسبب بينة تقابلها حيث وقع الحكم على وفق الشرع 2. وما قلنا: أنه ينقض فالناقض له حاكمه إن وإن موجودًا، فيثبت عنده السبب المقتضي للنقض وينقضه وجوبًا، ولا يعتبر لصحة نقضه طلب رب الحق نقضه؛ لأنه حق للَّه تعالى، وينقضه إن بَانَ بمن شهد عنده ما لا يرى معه قبول الشهادة ككون الشاهد من عمودي نسب مشهودٍ، وكذا كل ما صادف وما حكم به مختلف فيه [-صِفَةٌ) 3 لِمَا الأُوْلَى- أي 4 أن لا يرى القاضي الحكم معه كبيع عبد تبين أنه منذور عتقه نذر تَبَرُّر ولم يعلم قاضٍ عند حكم فينقضه إذا ثبت عنده.
وتنقض أحكام من لا يصلح للحكم لفقد بعض الشُّروط وإن وافقت الصواب؛ لأن حكمه غير صحيح فوجوده كعدمه، وهذا في غير قضاة الضرورة، ولا ينقض من أحكامهم ما وافق الصواب كما اختاره الشَّيْخُ تقي الدِّين 5؛ لأنها ولاية شرعية وإلا تعطلت الأحكام.

(ومن اسْتَعْدَاهُ) أي القاضى (على خَصْمٍ في البلدِ) الذي به القاضي (بما) أي شيء (تتْبَعُهُ الْهِمَّةُ لَزِمَهُ) أي القاضي (إحضاره) أي الخصم ولو لم يحرر المستعدي الدعوى نَصًّا 1 أو لم يعلم أن بينهما معاملة لئلا تضيع الحقوق ويقر الظلم، وقد يثبت حق الأدنى على الأرفع منه لنحو غصب أو شراء ولا يوفيه ثمنه أو إيداع أو إعارة ولا يرد إليه، فإن لم يعد عليه ذهب حقه وهو أعظم ضررًا من حُضُور مجلس الحكم فإنه لا نقص فيه، وقد حضر عمرُ وأبيٌّ عند زيد بن ثابت، وللمُستَعْدَى عليه أن يوكل إن كره الحضور، ومن طلبه خصمه أو حاكم حيث لزمه إحضاره بطلبه منه لمجلس الحكم لزمه الحضور، فإن حَضَرَ وإلا أعلم القاضي الوالي، ومتى حضر فله تأديبه بما يراه من انتهار أو ضرب، ويعتبر تحرير الدعوى فيما إذا استعدى على حاكم معزول ومن في معناه من ذوي المناصب كالخليفة والعالم الكبير والشيخ المتبوع صيانة له عن الابتذال، ثم يراسله القاضي، فإن خرج من العهدة وإلا أحضره.
(إلا غَيْرَ بَرْزَةٍ) وهي المخدرة التي لا تبرز لقضاء حوائجها إذا استعدي عليها (فَتُوَكِّلُ كمريض ونحوه) ممن له عذر (وإِنْ وَجَبَـ) ـت عليها (يَمِيْنٌ أَرْسَلَ) الحاكم (مَنْ) أي أمينا معه شاهدان (يُحَلِّفُهَا) بحضرتهما.
ومن ادَّعى على غائبٍ بموضع من عمل القاضي لا حاكم به بعث القاضي إلى ثقةٍ يتوسط بينهما قطعًا للنِّزاع، فإن تعذر حرر دعواه ثم أحضره ولو بَعُد مكانه إذا كان

بعمله.
ومن قال لحاكمٍ: حكمتَ علي بشهادة فاسقين عمدًا فأنكر القاضي لم يحلف لئلا يتطرق المدعى عليهم على إبطال ما عليهم من الحقوق بذلك وفيه ضرر عظيم، واليمين إنما تجب للتهمة، والقاضي ليس من أهلها.
وإن قال قاضٍ معزولٍ عدلٍ لا يُتَّهَمُ: كانتُ حكمتُ في ولايتي لفلان على فلان بكذا وبَيَّنَهُ وهو ممن يسوغ الحكم له قُيلَ نَصًّا 1 ولو لم يذكر مستنده في حكمه من نحو بينة أو إقرار، ولو أن العادة تسجيل أحكامه وضبطها بشهود؛ لأن عزله لا يمنع قبول قوله، قال القاضي مجد الدين 2 ما لم يشتمل قوله على إبطال حكم حاكم آخر فلا يقبل إذن، فلو حكم حنفي برجوع واقف على نفسه وأخبر حنبلي أنه حكم بصحة ذلك الوقف قبل حكم الحنفي برجوعه لم يقبل، نقله المحب ابن نصر اللَّه في "حواشي الفروع" 3. وإذا أخبر حاكمٌ حاكمًا بحكمٍ أو ثبوتٍ ولو في غير عملهما قبل وعمل به

الْمُخْبَرُ -بفتح الباء- إذا بلغ عمله كما لو أخبره بعد عزله وأوْلَى، ويجوز للمُخْبَرِ -بفتح الباء- أن يعمل بأخبار الآخر مع حضوره وهما بعملهما إذا أخبره بالثبوت عنده بلا حكمٍ؛ لأنه كنقل الشهادة فاعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة على الشَّهادة، بخلاف ما لو حكم وأخبر به أوكانا أو أحدهما بغير عملهما، وكذا إخبار أمير جهاد وأمين صدقة وناظر وقف بعد عزله بأمرٍ صدر منه حال ولايته فيقبل منه حيث يقبل في ولايته، قال في "الانتصار": كل من صحّ منه إنشاء أمر صحّ إقراره به.
1

فَصْلٌ فِي طَرِيْق الحُكْمِ وَصِفَتِهِ

وطريقُ كل شيء ما يتوصل به إليه (1). والحُكْمُ لغةً: المنع (2). واصطلاحًا:

فصل

الخصومات، أو الإلزام بحكمٍ شرعيٍّ لعقد رفع إليه فحكم به بلا خصومة 3، وسُمِّيَ القاضي حاكمًا لأنه يَمنعُ الظالم من ظلمه.
وإذا حضره خصمان استحب أن يجلسهما بين يديه لحديث أبي داود "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم" 4 وقال علي حين خاصم اليهودي في درعه إلى شريح: "لولا أن خصمي يهودي لجلست معه12

بين يديك" 1، ولأنه أمكن للحاكم في العدل بينهما.
فإذا جلسا فله أن يسكت حتى يبدأ 2 وله أن يقول: أيُّكُما المدعي؛ لأنه لا تخصيص في ذلك لأحدهما، ومن سبق بالدَّعْوَى قدمه على خصحه لترجحه بالسبق، فإذا قال خصمه: أنا المدعي لم يلتفت القاضي إليه وقال له: أجب دعواه، ثم إن ادعيا معا قدم من قرع فإذا انتهت حكومته ادعى الآخر، ولا تسمع دعوى مقلوبة نحو أدَّعِيْ على هذا أنه يدعي عليَّ دينارًا مثلًا، فاستحلفنى له أنه لا حق له علي، سميت مقلوبة؛ لأن المدعي فيها يطلب أن يعطى المدعى عليه والمدعي في غيرها يطلب أن يأخذ من المدعى عليه فانقلب فيها القصد المعتاد، ولا تسمع دعوى حسبةٍ بحق اللَّه تعالى كعبادة من صلاة أو زكاة أو حج ونحوها وحَدٍّ وكفارةٍ ونذر وجزاء صيد قتله محرمًا أو في الحرم، وتسمع بلا دعوى بينة بذلك وبعتق ولو أنكر معتوق العتق لحق اللَّه تعالى، وكذا تسمع بطلاق وبوقف ووصية على غير معين، وبوكالة وإسناد وصية من غير حضور خصم 3 ولو كان بالبلد، ولا تسمع بينة بحق آدمي معين قبل دعواه، ولا تسمع يمينه إلا بعد دعواه وبعد شهادة الشاهد إن كان حيث يقضي بالشاهد واليمين، وأجاز بعض أصحابنا سماع الدعوى والبينة لحفظ

وقف وغيره بالثَّبات بلا خصم 1، وأجازه الحنفية 2، وبعض الشافعية 3، وبعض أصحابنا بخصم مُسَخَّرٍ 4 أي ينصب لينازع صورة، قال الشيخ تقي الدين: "وعلى أصلنا وأصل مالك إما أن تثبت الحقوق بالشهادة على الشهادة وقاله بعض أصحابنا، وإما أن يسمعها ويحكم بلا خصم وذكره بعض المالكية وبعض الشافعية، وهو مقتضى كلام أحمد وأصحابه في مواضع لأنا نسمعها على غائب وممتنع وميت، فسماعها مع عدم خصم أولى، فإن المشتري مثلًا قبض المبيع وسلم الثمن فلا يدعي ولا يدعى عليه، وإنما الغرض الحكم لخوف خصم مستقبل وحاجة الناس خصوصًا فيما فيه شبهة أو خلاف لرفعه".
5 قال المنقّح: "وعمل الناس عليه" 6. أي على ما قاله الشيخ تقي الدين فيما يقع من عقود البيوع والإجارات والأنكحة وغيرها، حيث يرفع للحاكم وتشهد به البينة فيحكم به بلا خصمٍ، قال الشيخ منصور: "قلت: ولا ينقض الحكم لذلك وإن كان الأصح خلافه، لما تقدم

أنه لا ينقض إلا ما خالف نص كتاب [أو] 1 سنة أو إجماعًا".
2 وتصح الدعوى بالقليل ولو لم تتبعه الْهِمَّةُ بخلاف الاستعداء للمشقة.
ويشترط لصحة الدعوى شروط: - أحدها: ما أشار إليه بقوله: (وشُرِطَ كَوْنُ مُدَّعٍ ومُنْكِرٍ جَائِزَيْ التَّصَرُّفِ)؛ لأن قول غيره غير معتبر لكن تصح على سفيه فيما يؤآخذ به حال سفهه وبعد فك حجره كطلاقه وقذفه ونحوه؛ لأن إقراره به معتبر لعدم التهمة، ويحلف إذا أنكر فيما يحلف الرشيد في مثله.
(و) الشرط الثاني: (تحرِيرُ الدَّعْوَى) لترتب الحكم عليها، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "إنما أقضي على نحو ما أسْمَعُ" 3، ولا يمكن الحكم عليها مع عدم تحريرها، فلو كانت الدعوى بدين على ميت ذكر موته وحرر الدين، فإن كان أثمانًا ذكر جنسه ونوعه وقدره وحرر التركة، وفي "المغني" 4: "أو أن المدعى عليه وصل إليه من تركة مورثه ما يفي بدينه ويقبل قول وارثٍ في عدم التركة، ويكفيه أن

يحلف أنه ما وصل إليه من تركة مورثه شيءٌ، ولا يلزمه أن يحلف أنه لم يخلف شيئًا؛ لأنه قد يحلف شيئًا لم يصل إليه فلا يلزمه الإيفاء".
(و) الشرط الثالث: (عِلْمُ مُدَّعًى بهِ) ليتمكن الحاكم من الإلزام به إذا ثبت (إلا فِيما نُصَحِّحُهُ) معاشر الحنابلة (مَجْهُولًا كوَصِيَّةٍ) بمجهولٍ بأن ادعى أنه وصى له بدابةٍ أو بشيءٍ ونحو ذلك، وكإقرار بمجهولٍ بأن ادَّعى أنه أقر له بمجهول فتصح وإذا ثبت طُولب مدعى عليه بالبيان، وكخلع أو طلاقٍ على مجهولٍ كإن سألته الخلع أو الطلاق على أحد دوابها ويتنازعان.
والشرط الرابع: كون الدّعوى 1 مصرحًا بها، فلا يكفي: لي عنده كذا حتى يقول: وأنا مطالبه.
والشرط الخامس: أن تكون الدعوى متعلقةً بالحال، فلا تصح بدين مؤجل لإثباته؛ لأنه لا يملك الطلب به قبل أجله، وتصح الدعوى بتدبير وكتابة واستيلاد لصحة الحكم بها وإن تأخر أثرها.
الشرط السادس: أن تكون الدعوى منفكة عمَّا يكذبها، فلا تصح بأنه قتل أو سرق من عشرين سنةً وسنُّه دونها ونحوه، ولا يشترط ذكر سبب الاستحقاق لعينٍ أو دين لكثرة سببه وقد يخفى على المدعي، ويعتبر تعيين مدعى به إن حضر بالمجلس لنفي اللبس بالتعيين، ويعتبر إحضار عين مدعى بها إن كانت بالبلد لتعين بمجلس الحكم نفيًا للبس، ولو ثبت أن العين المدعى بها بيده ببينة أو نكول حبس حتى يحضرها لتقع

الدعوى على عينها أو حتى يدعي تلفًا فيصدق للضرورة؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته وتكفي القيمة، وإن كانت العين المدعى بها غائبة عن البلد، أو كانت تالفةً، أو كانت في الذمة ولو غير مثلية كالبيع في الذمة بصفة، وكواجب الكسوة وصفها مدع كسَلَمٍ، والأولى ذكر قيمتها أيضًا، ويكفي في الدعوى ذكره نقد البلد إن اتحد وذكر قيمة جوهر ونحوه مما لا يصح فيه السَّلَمُ لعدم انضباط صفاته، وإن ادعى عقارًا غائبًا عن البلد ذكر موضعه وحدوده وتكفي شهرة عقار عندهما وعند حاكم عن تحديده، ولو قال مدعٍ: أطالبه بثوب غصبه قيمته [عشرة] 1 فيرده إن كان باقيًا وإلا فقيمته، أو أطالبه بثوب قيمته عشرة أخذه مني ليبيعه بعشرين فيعطنيها إن كان باعه أو الثوب إن كان باقيًا أو قيمته إن تلف صح ذلك اصطلاحا مع ترديد 2 الدعوى للحاجة، (فَإِنْ ادَّعَى عَقْدًا) ولو غير نكاح كبيع وإجارة (ذَكَرَ شُرُوْطَهُ) للاختلاف في الشروط، وقد لا يكون صحيحًا عند القاضي فلا يتأتَّى الحكم بصحته مع جهله، إلا إن ادعى زوج استدامة الزوجية فلا يشترط ذكر شروط النكاح؛ لأنه لم يدع عقدًا وإنما يدعي خروجها عن طاعته، ويجزئ عن تعيين المرأة المدعى نكاحها إن غابت ذكر اسمها ونسبها، وإن ادّعته المرأة وأدَّعت معه نفقةً ومهرًا ونحوهما سمعت دعواها؛ لأنها تدَّعي حقًا لها تضيفه إلى سبب أشبه سائر الدعاوي، وإلا تدعي سوى النكاح فلا تسمع دعواها؛ لأنه حق للزوج فلا تسمع دعواها بحق لغيرها، ومتى

جحد الزوج الزوجية ونوى به الطلاق لم تطلق بمجرد 1 ذلك؛ لأن إنكاره النكاح ليس بطلاق ولو نواه؛ لأن الجحود هنا لعقد النكاح لا لكونها امرأته، ومن ادعى قتل مورثه ذكر وكونه عمدًا أو شبهه أو خطأ ويصفه، وأن القاتل انفرد بقتله أو شارك فيه، (أَوْ) ادعى (إرثًا ذَكَرَ سَبَبَهُ) وُجوبًا لاختلاف أسباب الإرث، (أَوْ) ادعى (مُحَلى بأَحَدِ النَّقْدَيْنِ قَوَّمَهُ بـ) النقد (الآخَرِ)، فإن ادعى محلى بذهب قَوَّمَهُ بفضةٍ، وإن ادعى محلى بفضة قومه بذهب لئلا يفضي تقويمه بجنسه إلى الربا، (أَوْ) ادعى محلى (بِهِمَا)، أو مَصُوغًا منهما مُبُاحًا تزيد قيمته عن وزنه (فبِأَيِّهِمَا) أي النقدين (شَاء) يقوم للحاجة أي انحصار الثمنية فيهما، وإذا ثبت أعطي عروضا.
(وَإذَا حَرَّرَهَا) أي الدعوى فللحاكم سؤال خصم عنها وإن لم يسأل المدعي الحاكم سؤاله، (فَإنْ أَقَرَّ الْخَصْمُ) بالدعوى (حُكِمَ عليهِ بسؤالِ مُدّعٍ)؛ لأن الحق له فلا يستوفيه الحاكم إلا بمسألته، فيقول الحاكم للمدعى عليه: أخرج من حقه، أو قضيت عليك له، أو ألزمتك بحقه، أو حكمت عليك بالخروج منه ونحوه.
وإن أنكر مدعى عليه الدعوى بأن قال مدعى عليه لمدع قرضًا أو ثمنًا: ما أقرضني، أو ما باعني، أو ما يستحق عليَّ ما ادعاه ولا شيئًا منه، أو قال: لا حق له علي صح الجواب لنفيه عين ما ادعى به؛ لأن قوله: "لا حق له" نكرة

في سياق النفي، فتعم 1 كل حق ما لم يعترف له بسبب الحق، فلا يكون قوله: ما يستحق علي ما ادعاه ولا شيئًا منه وما بعده جوابًا، فلو ادعت امرأة مهرها على معترف بزوجيتها فقال: لا تستحق عليَّ شيئًا لم يصح الجواب ولزمه المهر إن لم يقم بينة بإسقاطه، وكذا لو ادعت عليه نفقة أو كسوة، ولهذا لو أقرَّتْ مَريضةٌ في مرض الموت أن لا مهر لها على زوجها لم يقبل منها إلا ببينة أنها أخذته نَصًّا، نقله مهنّا 2، أو أنها أسقطته عنه في الصحة، ولو قال مدعٍ: لي عليك مائة فقال: ليس لك مائة اعتبر قوله ولا شيئًا منها؛ لأن نفي المائة لا ينفي ما دونها كيمين، فلا يكفي الحلف على نفي المائة، فإن نكل عن اليمين عمَّا دون المائة حكم عليه بمائة إلا جزء، ومن أجاب مدعٍ استحقاقَ مبيع بقوله هو ملكي اشتريته من زيد مثلا وهو ملكه لم يمنع ذلك رجوعه على بائعه بثمن المبيع المستحق إذا أثبته ربه، قال في "تصحيح الفروع" 3: "وهو الصواب لا سيما إن كان المشتري جاهلًا أو الإضافة إلى ملكه في الظاهر، والوجه الثاني: ليس له الرجوع لاعترافه له بالملك وهو بعيد" انتهى.
ولو قال مدعى عليه لمدعٍ دينارًا: لا تستحق عليَّ حبة صحَّ الجواب ويعم حبات

الدينار؛ لأنها تكرة في سياق النفي، ويعم ما دون الحبة من باب الفَحْوَى 1. ولمدع أنكر خصمه أن يقول: لي بينة، وللحاكم إن لم يقل المدعي ذلك أن يقول له: ألك بينة؟ لما روي: "أن رجلين 2 اختصما إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حضرمي وكندي، فقال الحضرمي: يا رسول اللَّه! إن هذا غلبني على أرضي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي، فليس له فيها حقٌّ، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه" 3 وهو حديث حسن صحيح قاله في "شرح المنتهى" لمصنفه 4.

فإن قال مدع سأله الحاكم: ألك بينة؟ فقال: نعم قال له: إن شئت أحضرها، فإذا أحضرها لم يسألها الحاكم عمَّا عندها حتى يسأله المدعي ذلك؛ لأن الحق له فلا يتصرف فيه بلا إذنه، ولم يلقنها الحاكم الشهادة بل إذا مسألة المدعي سؤاله البينة قال: من كان عنده شهادة فليذكرها إن شاء، ولا يقول لهما: اشْهَدَا؛ لأنه أمر، وكان شريح يقول للشاهدين: "ما أنا دعوتكما ولا أنهاكما أن ترجعا، ولا يقضي على هذا المسلم غيركما، وإني بكما اليوم أقضي، وبكما أتقي يوم القيامة" 1 فإذا شهدت عنده البينة سمعها، وحرم عليه ترديدها، ويكره له طلب زلتها وانتهارها لئلا يكون وسيلة إلى الكتمان، ولا يكره قوله لمدعى عليه: ألك فيها دافع أو مطعن؟ بل يستحب قوله: قد شهدا عليك، فإن كان لك قادحٌ فبينه لي، وقيّده في "الْمُذْهَبِ" 2 و"الْمُسْتَوْعِبِ" 3: بما إذا ارتاب منها، فإن لم يأت بقادحٍ واتضح للحاكم الحكم وكان الحق لمعين وسأله الحكم لزمه فورًا، ويحرم الحكم ولا يصح مع علم الحاكم بضده أو مع ليس قبل البيان، ويأمر بالصلح لقوله تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ

النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} 1، ومع علمه ضده أو مع لبس لم يره شيئًا يحكم به، ويحرم الاعتراض على القاضي لتركه تسمية الشهود، قال في "الفروع" 2: "وذكر شيخنا أن له طلب تسمية البينة ليتمكن من القدح بالاتفاق، ويتوجه مثله حكمت بكذا ولو لم يذكر مستنده".
من بينة أو إقرار أو نكول فيحرم الاعتراض عليه لذلك.
وله الحكم ببينة وبإقرار في مجلس حكمه وإن لم يسمعه غيره نصًّا، نقله حرب 3؛ لأن مستند قضاء القاضي هو الحجج الشرعية، وهي البينة أو الإقرار، فجاز له الحكم بهما إذا سمعها في مجلسه وإن لم يسمعه أحد، لحديث أم سلمة مرفوعًا: "إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إليَّ، ولعل أن يكون بعضكم ألْحَنَ بحجته من بعضٍ فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" رواه الجماعة 4، فجعل مستند قضائه ما يسمعه

لا غيره، ولأنه إذا جاز الحكم بشهادة غيره فبسماعه أولى، ولئلا يؤدي إلى ضياع الحقوق، ولا يحكم قاضٍ بعلمه في غير هذه المسألة ولو في غير حد للخبر 1، ويقول الصديق: "لو رأيت حدا على رجل لم آخذه حتى تقوم البينة" 2، ولأن تجويز القضاء بعلم القاضي يؤدي إلى تهمته وحكمه بما يشتهي مع الإحالة على علمه لكن يجوز الاعتماد على سماعه بالاستفاضة؛ لأنها من أظهر البيان، ولا يتطرق [إلى] 3 الحاكم تهمة إذا استند إليها، فحكمه بها حكم بحجة لا بمجرد علمه الذي لا يشاركه فيه غيره، ذكره في "الطُّرُق الحكمية" 4، = سنن أبي داود 3/ 301، والترمذي، باب ما جاء في التشديد على من يُقضى له بشيء ليس له أن يأخذه، كتاب الأحكام برقم (1339) الجامع الصحيح 3/ 624، والنسائي، باب الحكم بالظاهر، كتاب آداب القضاة برقم (5401) المجتبى 8/ 233، وابن ماجة، باب قضية الحاكم...، كتاب الأحكام برقم (2317) سنن ابن ماجة 2/ 777، وأحمد، برقم (25952) المسند 7/ 413.

ويعمل بعلمه في عدالة بينة وجرحها بغير خلاف لئلا يتسلسل الاحتياج إلى معرفة المزكين أو جرحهم، فلو لم يعمل بعلمه في ذلك لاحتاج كل من المزكين إلى مزكين ثم يحتاجون أيضًا إلى مزكين وهكذا.
ومن جاء من المدعين ببينةٍ فاسقةٍ استشهدها الحاكم لئلا يفضحها وقال لمدعٍ: زدني شهودًا ولم يقبلها لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ 1. (وَإِنْ أَنْكَرَ) مدعًى عليه (و) الحال أن (لا بَيِّنَةَ) بأن قال المدعي: ما لي بينة (فقولُهُ) أي المنكر (بيمينِهِ)، فيعلم المدعيَ حاكمٌ بذلك، لحديث وائل بن حجر: "أن رجلًا من حضرموت، ورجلًا من كندة، أتيا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال الحضرمي: إن هذا غلبني على أرضي ورثتها من أبي، وقال الكندي: أرضي في يدي لا حق له فيها، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: شاهداك أو يمينه، فقال: إنه لا يتورع من شيءٍ، قال: ليس لك إلا ذلك" رواه مسلم 2، = "الطرق الحكمية في السياسة الشرعيَّة" للإمام المحقق أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر الدمشقي ابن القيم الجوزية المتوفى سنة 751 هـ، وهو كتابٌ مشهورٌ ومطبوعٌ في مجلد بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، دار الكتب العلميَّة.

فإن سأل 1 إحلافه 2 ولو علم عدم قدرته على حقه -ويكره له إحلافه إذن لئلا يضطر إلى اليمين الكاذبة- أحلف على صفة جوابه نصًّا 3، لا على صفة الدعوى؛ لأنه لا يلزمه أكثر من ذلك الجواب فيحلف عليه، وإذا حلف خلى سبيله، وتحرم دعواه عليه ثانيًا، وتحليفه أيضًا كبريء.
ولا يعتد بيمين إلا بأمر حاكم بسؤال مدع طوعًا، فإن حلف بلا أمر حاكم، أو حلفه حاكم بلا سؤال مدعٍ أو بسؤاله كرهًا لم تسقط عنه اليمين.
ولا يصل اليمين منكر باستثناء لأنه يزيل حكمها، وتحرم تورية وتأويل في حلف بأن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره إلا لمظلوم فيجوز له التورية والتأويل لدفع الظلم.
ويحرم حلف معسر خاف حبسًا أنه لا حق له علي ولو نوى الساعة، ويحرم حلف من عليه دين مؤجل أراد غريمه منعه من سفر فأنكر وحلف لا حق له عليَّ ولو نوى الساعة نصًّا 4، ولا يحلف مدعى عليه في شيءٍ مختلف فيه لا يعتقده نصًّا، وحمله الموفّق على الورع، ونقل عن أحمد: لا يعجبني نحو إن باع شافعي لحمًا متروك التسمية عمدًا لحنبلي بثمن في الذمة وطالبه به وأنكر مجيبًا لا حق لك

علي، وتوقف أحمد في اليمين فيمن عامل بحيلة ربوية إذا أنكر الآخذ الزيادة.
1. ومن توجهت عليه اليمين فلم يحلف وامتنع قال له حاكم: إن حلفت وإلا قضيت عليك بالنكول نصًّا 2، ويسن تكراره ثلاثًا قطعًا لحجته، (فَإِنْ نَكَلَ) عن اليمين فلم يحلف (حُكِمَ عَلَيْهِ) أي حكم عليه قاضٍ (بـ) شرط (سؤالِ مُدَّعٍ) الحكم عليه (في مالٍ وما يُقْصَدُ بهِ) المال كالبيع وأجله وخياره ورهن وإجارة وشركة ونحو ذلك.
(ويُسْتَحْلَفُ في كُلِّ حَقٍّ آدميٍّ) من مال وما قصد به المال مما يثبت بشهادة رجل وامرأتين (سِوَى نِكَاحٍ ورَجْعَةٍ ونَسَب ونحوها) كطلاق وقذف وقصاص مما ليس بمال ولا يقصد به المال فلا يستحلف فيه، و (لا) يستحلف (في حَقِّ اللَّه) تعالى (كحدِّ) زنًا وشربٍ (وعبادةٍ) من صلاة أو زكاة أو حج ونحوها.
(واليَمِيْنُ الْمَشْرُوْعَةُ) في قطع النزاع هي اليمين (باللَّه) تعالى (وَحْدَهُ) الذي لا يسمى به غيره نحو: واللَّه، والرحمن، وخالق الخلق، ورازق العالمين، ونحو ذلك، (أَوْ بِصفةٍ) 3 من صفاته تعالى، كوجه اللَّه، وعظمته، وكبريائه، وعزته، ونحو ذلك، (ويُحْكَمُ بالبيِّنة بعد

التَّحليف)؛ لأنها لا تبطل بالاستحلاف كما لو غابت عن البلد، وإن كان لمدعٍ شاهد واحد بالمال وأقامه عرفه القاضي أن له أن يحلف مع شاهده ويستحق، فإن قال: لا أحلف وأرضى بيمينه استحلف له وانقطع النزاع، فإن عاد المدعي وقال: أحلف مع شاهدي لم يسمع منه، نقله في "الشرح" 1، وإن وجد مدع مع شاهده آخر فشهد عند القاضي بحقه كملت بينته وقضى له بها، وإن قال مدع: لي بينة وأريد يمينه فإن كانت حاضرةً بالمجلس فليس له إلا أحدهما، لحديث: "شاهداك أو يمينه" 2، وأوْ 3 للتخيير فلا يجمع بينهما، ولإمكان فصل الخصومة بالبينة فلا يشرع غيرها مع إرادة مدع إقامتها وحضورها، وإلا تكن البينة حاضرة بالمجلس فله تحليفه ثم إقامة البينة لقول عمر: "البينة الصادقة أحب إليَّ من اليمين الفاجرة" 4 ويلزم من صدق البينة فجور اليمين المتقدمة فتكون أولى.
وإن سأل مدع ملازمة مدعى عليه حتى يقيم البينة أجيب في المجلس حيث أمكن إحضارها فيه؛ لأنه من ضرورة إقامتها، ولا ضرر فيه على المدعى عليه، بخلاف ما إذا بعدت أو لم يمكن إحضارها فإن إلزامه الإقامة إلى حضورها يحتاج إلى حبس أو ما يقوم مقامه ولا سبيل إليه، فإن لم تحضر البينة في المجلس صرفه ولا ملازمة لغريمه

نصًّا 1؛ لأنه لم يثبت له حق يحبس به ولا يقيم به كفيلًا، ولئلا يتمكن كل ظالم من حبس من شاء من الناس بلا حق.
وإن سكت مدعى عليه أو قال: لا أقر ولا أنكر، أو قال: لا أعلم قدر حقه ولا بينة قال الحاكم: إن أجبت وإلا جعلتك ناكلًا وقضيت عليك بالنكول، ويسن تكراره ثلاثًا، فإن أجاب وإلا قضى عليه.
ولو قال مدعى عليه في جواب من ادعى ألفًا: إن ادعيت ألفا برهن كذا في بيدك أجبتك وإلا فلا حق علي فجوابه صحيح، أو قال: إن ادعيت هذا الألف بثمن كذا بعتنيه ولم أقبضه فنعم، وإلا فلا حق لك علي فجواب صحيح، لا إن قال: لي مخرج مما ادعاه فليس جوابًا صحيحًا؛ لأن الجواب إما إقرار أو إنكار وليس هذا واحدًا منهما.
وإن قال مدعى عليه: في حساب أريد أن أنظر فيه وسأل الإنظار أنظر ثلاثة أيام، ويلازمه المدعي فيها لإمكان ما يدعيه وتكليفه الإقرار في الحال إلزام له بما لا يتحققه؛ لأنه يجوز أن يكون له حق لا يعلم قدره أو يخاف أن يحلف كاذبًا، وأن لا يكون عليه حق فيقر بما لا يلزمه فوجب إنظاره مما لا ضرر على المدعي في إنظاره إليه وهو ثلاثة أيام جمعًا بين الحقين، أو قال مدعى عليه بعد ثبوت الدعوى عليه ببينة: قضيته أو أبرأني من المدعى به ولي بينة به وسأله الإنظار لزمه

إنظاره ثلاثة أيام فقط؛ لأن إلزامه في الحال تضييق عليه، وإنظاره أكثر من ذلك تأخير للحق عن مستحقه بلا ضرورة، فجمع بين الحقين، وللمدعي ملازمته زمن الإنظار لئلا يهرب، ولا ينظر إن قال: في بينة تدفع دعواه؛ لأنه لم يبين سببه 1، فإن عجز عن البينة حلف المدعي على نفي ما ادعاه واستحق ما ادعى به، فإن نكل عن اليمين حكم عليه بنكوله وصدق المدعى عليه؛ لأن الدعي إذن منكر وجبت عليه يمين فنكل عنها فحكم عليه بالنكول كما لو كان مدعى عليه ابتداءً، هذا إن لم يكن المدعى عليه أنكر سبب الحق، فأما إن كان أنكره ثم ثبت فادعى قضاءً أو إبرأءً سابقًا إنكاره ما ادعاه من ذلك فلو ادعى عليه ألفًا من قرض أو ثمن مبيع فقال: ما اقترضت منه وما اشتريت منه فثبت أنه اقترض أو أشترى 2 منه ببينة أو إقرار فقال: قضيته قبل هذا الوقت أو أبرأني لم يقبل ذلك منه وإن أقام به بينة نصًّا 3؛ لأن إنكار الحق يقتضي نفي القضاء أو الإبراء منه؛ لأنهما لا يكونان إلا عن حقٍ سابقٍ فيكون مكذبا لنفسه، وإن ادعى قضاء أو إبراء بعد إنكاره قبل منه ببينة؛ لأن قضاءه بعد إنكاره كالإقرار به، فيكون قاضيًا لما هو مقرٌّ به، فتسمع دعواه به كغير المنكر، وإبراء المدعي بعد إنكاره إقرار بعدم استحقاقه فلا تنافي، وإن قال مدعى عليه بعين جوابًا

لمدعيها: وإنت بيدك أو لك أمس لزمه إثبات سبب زوال يده، وإن عجز عن إثباته حلف مدع على بقائه، وإن العين لم تخرج عنه بوجه وأخذها، وإن قال مدع: لا أعلم لي بينة ثم أتى بها سمعت؛ لأنه يجوز أن تكون له بينة لا يعلمها ثم علمها، ونفي العلم لا ينفيها 1 فلا تكذيب لنفسه، أو قال عدلان: نحن نشهد لك فقال: هذه بينتي سمعت لما سبق، ولا تسمع إن قال: ما لي بينة ثم أتى بها نصًّا 2؛ لأنه مكذب لها، أو قال: كذب شهودي، أو قال: كل بينة أقيمها فهي زُوْرٌ أو بَاطِلَة أو لا حق لي فيها فلا تسمع بينته بعد ولا تبطل دعواه بذلك؛ لأنه لا يلزم من بطلان الدليل بطلان المدعى فله تحليف خصمه لاحتمال أنه محق ولم يشهد عليه، ولا ترد البينة بذكر السبب إذا سكت عنه المدعي في دعواه لعدم المنافاة إذن، بل بذكر سبب ذكر المدعي غيره، كإن طالبه بألف قرضا فأنكره فشهدت بألف من ثمن مبيع أو أجرة أو غصب للتنافي.
ومتى شهدت بينة بغير مدعى به كإن ادعى دينارا فشهدت بدراهم فهو مكذب لها

نصًّا 1، فلا تسمع، وفي "المستوْعِب" 2 و"الرِّعاية" إن قال: "أستحقه وما شهدوا به وإنما ادعيت بأحدهما لأدعي بالآخر وقتا آخر ثم ادعاه ثم شهدوا به قبلت".
3 ومن ادعى شيئًا أنه له الآن لم تسمع بينته إن شهدت أنه كان له أمس أو أنه كان في يده أمس لعدم التطابق حتى تَبين سبب يد الثاني نحو غاصبة أو مستعيرة، بخلاف ما لو شهدت البينة أنه وإن ملكه بالأمس اشتراه من رب اليد فإنه يقبل.
وقال الشيخ تقي الدين: "إن قال: ولا أعلم له مزيلًا قُبِلَ وقال: لا يعتبر في أداء الشهادة قوله، وأن الدين باقٍ في ذمة الغريم بل يحكم الحاكم باستصحاب الحال إذا ثبت عنده سبب الحق إجماعًا" 4. ومن ادُّعِيّ عليه بشيء فأقر بغيره لزمه ما أقر به إذا صدقه المقر له، لحديث: "لا عذر لمن أقر" 5 والدّعوى بحالها

نصا 1، فله إقامة البينة بها أو تحليفه.
(وشرط في بينة عدالة ظاهرا، و) كذا (في كثر عقد نكاح باطنا أيضًا) لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 2 وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 3 وقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ 4 والفاسق لا يؤمن كذبه، وأما في عقد النكاح فتكفي العدالة له ظاهرا فلا يبطل لو بانا فاسقين وتقدم 5, واختار الخرقي وأبو بكر وصاحب "الروضة" تقبل شهادة كل مسلم لم يظهر منه ريبة 6؛ لقبوله عليه الصلاة والسلام شهادة الأعرابي برؤية الهلال 7، وقول

عمر: "المسلمون عدول" 1، ولأن ظاهر المسلم العدالة لأنها أمر خفي سببها الخوف من اللَّه تعالى ودليله الإسلام، فإذا وجد اكتفي به ما لم يقم دليل على خلافه، فإن جهل إسلامه رجع إلى قوله والعمل على الرواية = له، باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان، كتاب الصوم برقم (2340) سنن أبي داود 2/ 302، والترمذي، باب ما جاء في الصوم بالشهادة، كتاب الصوم برقم (691) الجامع الصحيح 3/ 74، والنسائي، باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان..، كتاب الصيام برقم (2112 - 2113) المجتبى 4/ 131 - 132، وابن ماجة، باب ما جاء في الشهادة على رؤية هلال رمضان، كتاب الصيام برقم (1652) سنن ابن ماجة 1/ 529، والدرامي، باب الشهادة على رؤية هلال رمضان، كتاب الصوم برقم (1692) سنن الدارمي 2/ 9، وابن حبان، باب ذكر إجازة الشاهد الواحد إذا كان عدلا على رؤية هلال رمضان، كتاب الصوم برقم (3446) الإحسان 8/ 229 - 235، والدارقطني، كتاب الصيام، سنن الدارقطني 2/ 158، والحاكم، باب من صام يوم الشك..، كتاب الصوم، المستدرك 1/ 424، والبيهقي، باب الشهادة على رؤية هلال رمضان، كتاب الصيام، السنن الكبرى 4/ 211، من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس به.
والحديث قال عنه الترمذي: "حديث ابن عباس فيه اختلاف... وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك عن عكرمة عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مرسلا".
ا. هـ، ورجح النسائي إرساله، وقال الحاكم: "قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة واحتج مسلم بأحاديث سماك بن حرب.
وهذا الحديث صحيح ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.

الأولى، وقولهم: ظاهر المسلم العدالة ممنوع بل الظاهر عكسه؛ لأن العادة إظهار الطاعة وإسرار المعصية، وقول عمر معارض بما روي عنه أنه أتي بشاهدين فقال لهما: "لست أعرفكما ولا يضركما أني لم أعرفكما" 1 والأعرابي الذي قبل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- شهادته صحابي والصحابة عدول.
(و) شرط (في مزك معرفة) خبرة مزك باطنة بصحبة أو معاملة من (جرح وتعديل، و) شرط (معرفة حاكم خبرته) أي المزكي (الباطنة) كالمعرفة المتقدمة، ويكفي في تزكية الشاهد عدلان يقول كل منهما: أشهد أنه عدل ولو لم يقل: أرضاه لي وعلي؛ لأنه إذا كان عدلا لزم قبوله على مزكيه وغيره، ولا يكفي قوله: لا أعلم إلا خيرا، (وتقدم بينة جرح) على بينة تعديل؛ لأن الجارح يخبر بأمر باطن خفي على العدل، وشاهد العدالة يخبر بأمر ظاهر، ولأن الجارح مثبت للجرح، والمعدل ناف له والمثبت مقدم على النافي، وإذا عصى في بلده فانتقل منه فجرحه اثنان في بلده وعدله اثنان في البلد الذي انتقل إليه قدمت التزكية، ويكفي فيها الظن بخلاف الجرح، قاله في "المبدع" 2، وتعديل خصم وحده لشاهد عليه تعديل له؛ لأن البحث عن عدالته لحقه، ولأن إقراره بعدالته إقرار بما يوجب الحكم عليه لخصمه فيؤخذ بإقراره وكذا تصديقه للشاهد تعديل له، ولا تصح التزكية في واقعة واحدة يقول مزك: أشهد أنه عدل في شهادته في هذه القضية

فقط، ومن ثبتت عدالته مرة لزم البحث عنها مرة أخرى مع طول المدة بين الشهادتين؛ لأن الأحوال تتغير مع طول الزمن، (فمتى جهل حاكم حال بينة) فلم يعلم قوة ضبطها ودينها (طلب التزكية) أي طلب من يزكيها (مطلقا) من غير تقييد.
بحال دون حال، (ولا يقبل فيها) أي التزكية (و) لا (في الجرح ونحوهما إلا رجلان)، فلا يقبل في ذلك شهادة النساء؛ لأنها شهادة فيما ليس بمال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال غالبا أشبه الشهادة في القصاص، فإذا ارتاب الحاكم من عدلين لزمه البحث عما شهدا به بسؤال كل واحد منهما منفردا عن كيفية تحمله ومتى وأين، ويسأله هل تحمل الشهادة وحده أو مع صاحبه، فإن اتفقا وعظهما وخوفهما، لحديث أبي حنيفة قال: "كنت عند محارب بن دثار 1 وهو قاضي الكوفة، فجاء رجل فادعى على رجل حقا فأنكره، وأحضر الدعي شاهدين شهدا له، فقال المشهود عليه: والذي تقوم به السماء والأرض لقد كذبا علي، وكان محارب بن دثار متكئا فاستوى جالسا وقال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: إن الطير لتخفق بأجنحتها، وترمي ما في حواصلها من هول يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار، فإن صدقتما فاثبتا، وإن كذبتما فغطيا رؤوسكما

وانصرفا، فغطيا رؤوسهما وانصرفا" 1، فإن ثبتا بعد وعظهما حكم بشهادتهما بسؤال مدع وإلا يثبتا لم يقبلهما، وإن أقام بينة بدعواه وسأل حبس خصمه في غير حد حتى تزكى بينته أجيب ثلاثة أيام ويقال له: إن جئت بالمزكين فيها وإلا أطلقناه، أو أقام بينة وسأل كفيلا به في غير حد، أو جعل مدعى به بيد عدل حتى تزكى بينته، أو أقام شاهدا بمال وسأل حبسه حتى يقيم الآخر أجيب ثلاثة أيام لتمكنه من البحث فيها فلا حاجة لأكثر منها بل في حبسه أكثر منها ضرر كثير، وإن جرح البينة خصم أو أراد جرحها كلف بينة وينتظر ثلاثة أيام لقول عمر في كتابه لأبي موسى الأشعري: "واجعل لمن ادعى حقا غائبا أمدا ينتهى إليه فإن أحضر بينته أخذت له حقه وإلا استحللت القضية عليه فإنه أنفى للشك وأجلى للفهم 2 " 3 ويلازمه المدعي في الثلاثة

أيام لئلا يهرب فيضيع حقه وظاهره أنه لا يحبس فيها فإن أتى بها وإلا حكم عليه.
ولا يسمع جرح لم يبين سببه بذكر قادح فيه عن رؤية، ويعرض جارح بزنا أو لواط، فإن صرح ولم تكمل بينة حد.
وإن جهل حاكم لسان خصم ترجم له من يعرفه قال أبو جمرة 1 -كنت أترجم بين الناس وبين ابن عباس 2 وأمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- زيد بن ثابت فتعلم كتاب اليهود قال: "حتى كنت أكتب للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كتبه وأقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه" رواه أحمد والبخاري 3، ولا يقبل في ترجمة وجرح وتعديل في زنا أو لواط إلا أربعة رجال عدول كشهود الأصل، ويعتبر فيمن رتبه الحاكم يسأل سرا عن الشهود لتزكية

أو جرح شروط الشهادة الآتية، وتجب الشافهة فيمن يعدل أو يجرح ونحوه، فلا تكفي كتابته أنه عدل أو ضده ونحوه كالشهادة، وإذا رتب الحاكم [من يسأل] 1 عن الشهود كتب أسماءهم وصنائعهم ومعايشهم وموضع مساكنهم وصلاتهم ليسأل عنهم أهل سوقهم ومسجدهم وجيرانهم، وكتب حلاهم كأسود أو أبيض أو أنزع أو أغم أشهل أو أكحل أقنى الأنف أو أفطس رقيق الشفتين أو غليظهما طويل أو قصير أو ربعة للتمييز، ويكتب المشهود له أو عليه وقدر الحق فيكتب لكل ممن يرسله رقعة بذلك، وينبغي أن يكونوا غير معروفين لئلا يستمالوا بنحو هدية، وأن لا يكونوا من أهل الأهواء والعصبية، وأن يكونوا أصحاب عفة من ذوي العقول الوافرة براء من الشحنة والبغضة، فإذا رجعوا فأخبر اثنان بالعدالة قبل الشهادة، وإن أخبرا بالجرح ردهما، وإن أخبر أحدهما بالجرح والآخر بالعدالة بعث آخرين، فإن عادا وأخبرا بالتعديل تمت بينته وسقط الجرح؛ لأن بينته لم تتم، وإن أخبرا بالجرح ثبت وسقط التعديل، ومن نصب للحكم بجرح أو تعديل أو لسماع بينة قنع الحاكم بقوله وحده إذا قامت البينة عنده؛ لأنه حاكم أشبه غيره من الحكام، ومن سأله حاكم عن تزكية من شهد عنده أخبره وجوبا بالواقع وإلا لم يجب عليه؛ لأنه لم يتعين عليه.

جارٍ التحميل