الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات تأليف عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الحنبلي ... - 1240 هـ تحقيق الدكتور عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم الجزء الأول
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات 1
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
غاية في كلمة
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
جميع الحقوق محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
1424 هـ - 2003 م
جميع الحقوق محفوظة 2003 م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه.
ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن مسبق من الناشر.
مقدمة:
إن الحمد للَّه نحمده ونستعيه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد
فقد يسر اللَّه تعالى لي، ولأخي الشيخ الدكتور عبد اللَّه بن محمد البشر، الانتهاء من تحقيق كتاب: "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" لمؤلفه الشيخ عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الحنبلي، وذلك لنيل درجة الدكتوراة في الفقه المقارن، من المعهد العالي للقضاء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد حظينا في هذا العمل بإشراف صاحب الفضيلة الشيخ العلامة عبد العزيز ابن عبد اللَّه آل الشيخ -مفتي عام المملكة العربية السعودية- حفظه اللَّه ونفع بعلومه.
وقد كان نصيبي من تحقيق هذا الكتاب: قسمه الأول، من أوله إلى آخر باب الهبة.
وأكمل أخي الشيخ الدكتور عبد اللَّه البشر الكتاب إلى آخره.
ورغبة منا في عموم نفع الكتاب، أقدمنا على طباعته، مع مراعاة حذف لبعض التعليقات، وتصحيح لبعض الأخطاء.
وسأقتصر في هذه المقدمة على الحديث عن المؤلِّفِ ومؤلَّفِه.
أسأل اللَّه أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يجزي مؤلفه ومحققيه خير الجزاء.
وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد.
الفصل الأول: مؤلف الكتاب
، وفيه عشرة مباحث:
المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده.
المبحث الثاني: نشأته وطلبه للعلم.
المبحث الثالث: أهم أعماله.
المبحث الرابع: صفاته.
المبحث الخامس: عقيدته ومذهبه.
المبحث السادس: وفاته ورثاء الناس له.
المبحث السابع: شيوخه.
المبحث الثامن: تلاميذه.
المبحث التاسع: مكانته العلمية.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الجوانب العلمية.
المطلب الثاني: وصفه من حيث التقليد والاجتهاد.
المبحث العاشر: مؤلفاته عامة ومنهجه فيها.
المبحث الأول اسمه، ونسبه، ومولده
هو عثمان بن عبد اللَّه بن جمعة بن جامع بن عبد ربه، الأنصاري، الخزرجي.
وعبد ربه هذا، عُرفَ باسم: عُبَيْد.
وأصل هذه الأسرة من المدينة المنورة، قدِمَ جَدُّهم: جامع بن عبد ربه هو وأخوه من المدينة إلى بلدة القصب من إقليم نجد، ثم انتقلا من القصب إلى بلدة جلاجل، وفيها وُلد ابنه: جمعه، فلما كبر جمعة رحل إلى الشام لطلب العلم، فطلب حتى أصبح عالمًا، وهو: جدُّ المؤلف الشيخ عثمان (1).
أما عن مولده، فلم أر من ذكر تاريخ ولادته، ولا مكانها، وأظنها في "الأحساء" حيث هو معدود في أهلها، على ما سيأتي.
المبحث الثاني نشأته، وطلبه للعلم
أسرة آل جامع أسرة عِلم، حيث فيها علماء كثر: فجدُّهم جمعة من العلماء الذين رحلوا إلى الشام من نجد للاستفادة، وقد رافقه في هذه الرحلة ابن عم له هو: عبد الرحمن للغرض نفسه 2. كان لهذه الأسرة أثر كبير على تَدَيُّن الشيخ عثمان وحبه للعلم.1
ولم تحدثنا مصادر ترجمته عن بداية نشأته.
إلا أنه أخذ العلم في مدينة الأحساء عن علمائها الكبار، الشيخ محمد بن فيروز (1)، وأبيه الشيخ عبد اللَّه بن فيروز، لازم الأول ملازمة تامة، حتى تخرج على يديه، وعرف بالتتلمذ عليه، بل أجازه شيخه إجازة مدح تحصيله فيها، وأثنى على فهمه وإدراكه، حيث قال فيها:
(وقرأ على الوالد قليلًا من "مختصر المقنع" ثم اشتغل على يد الفقير في الفقه، والفرائض، والعربية، ففتح اللَّه عليه، وأدرك إدراكًا تامًا، مع حسن السيرة، والورع، والعفاف، والكرم، والعبادة، والصلاح...) اهـ (2)
كما أنه رحل رحلات لطلب العلم:
فقد رحل إلى مكة المكرمة، والمدينة المنورة، حيث درس فيهما على العلماء: الفقه، والمواريث، والحساب، والأدب (3).
كما سافر إلى الشام، وحلب (4).
المبحث الثالث أهم أعماله
1 - القضاء:
تولى القضاء في البحرين، وفي الزبير.
أما قضاؤه في البحرين فقد باشره سنين عديدة، إلى أن توفي بها، سنة 1240 هـ. ولم يذكر من ترجمه متى كان ذهابه إلى البحرين.
لكن وقفت على وثيقة وقف وثقها هو، مهرها بخاتمه، في 27 ربيع الأول سنة 1236 هـ. جاء فيها:
(حرره عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الحنبلي، القاضي في محروسة1234
البحرين عفا اللَّه عنه وعن جميع المسلمين بمنه وكرمه.
حرر في 27 ربيع 1 سنة 1236) 1.
وقد نص المترجمون للمؤلف على أن توليه قضاء البحرين كان بطلب من أهلها، وجهوه إلى شيخه ابن فيروز، فأرسله إليهم.
قال ابن حميد 2:
ثم طلبه أهل البحرين من شيخه المذكور، ليكون قاضيًا لهم، ومفتيًا، ومدرسًا، فأرسله إليهم، فباشره سنين عديدة، بحسن السيرة، والورع والعفة والديانة والصيانة، وأحبه عامتهم وخاصتهم.
اهـ
أما قضاؤه في الزبير، فقد أشار إليه عثمان بن سند في كتابه "سبائك العسجد" 3 فقال: سكن الزبير وتولى القضاء فيه.
اهـ
فلعل ذلك كان قبل توليه قضاء البحرين.
2 - الإفتاء، والتدريس:
أثبت ذلك ابن حميد في "السحب الوابلة" 4 وقد باشر ذلك في البحرين.
3 - الإمامة والخطابة:
تولى الإمامة والخطابة في مسجد "النجادى" بالزبير.
وقام بهذه الوظيفة خير قيام 5.
وجامع "النجادى" لا يتولى إمامته وخطابته إلا من تولى القضاء والإفتاء وتدريس علوم الشريعة (1).
المبحث الرابع صفاته
أما صفاته الخَلْقيَّه: فلم أقف على من ذكرها من مترجميه.
أما صفاته الأخرى:
فإن اجتهاده في العبادة صفة تستوقف من ترجمه، مما يعني أن الرجل كان مجتهدًا في الطاعة، حريصًا على كثرة العبادة، ولما مدحه عثمان بن سند في ترجمته، قال فيه شعرًا منه:
إذا قرأ القرآن سالت دموعه... ولاح على الخدين منه خشوعه
إذا اسودَّ جنح الليل قام مصليًا... وقعقع من خوف الإله ضلوعه 2
كما وصفه شيخه الشيخ محمد بن فيروز في إجازته له، فقال:
وأدرك إدراكًا تامًّا، مع حسن السيرة، والورع، والعفاف، والكرم، والعبادة، والصلاح.
اهـ 3.
وقال ابن حميد 4 في ترجمته:
الفقيه، النبيه، الورع، الصالح.
اهـ
ووصفه عثمان بن سند في "سبائك العسجد" 5 بأنه تصدر في السادة1
الحنبلية، وفاق مشايخه بلا ارتياب.
اهـ
كما أن المؤلف شاعر، شعره شعر الفقهاء، وبينه وبين الشاعر المعروف: عبد الجليل ياسين، مساجلات شعرية (1).
ومما نقل من شعره:
إلهي بعفو يا رب أطمع... فلا تخزني يومًا به الخلق تجمع
وخذ بيدي ذات اليمين وأعطني... كتابي باليمنى فعفوك أوسع (2)
المبحث الخامس عقيدته، ومذهبه
أما مذهبه الفقهي فهو المذهب الحنبلي.
أثبت ذلك هو بخط يده في عنوان كتابه "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" حيث جاء فيه:
جمع الفقير إلى عفو ربه الغني عثمان بن عبد اللَّه بن جامع النجدي الحنبلي.
عفا اللَّه عنه وعن جميع المسلمين بمنه وكرمه 3. اهـ
وكذا جاء في بعض الوثائق التي حررها بيده 4.
وقد اتفق من ترجمه على ذلك 5.
أما عقيدته:
فهو مناوئ للدعوة الإصلاحية دعوة الحق التي قام بها الشيخ الإمام12
شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب -رحمه اللَّه تعالى رحمة واسعة- كيف لا يكون كذلك وشيخه ابن فيروز ألدُّ أعداء الدعوة، وحامل لواء الطعن فيها.
ومن ثمراته في ذلك: المؤلف -عفا اللَّه عنهما- فقد تأثر بشيخه، حتى كان غيضه على الدعوة وأهلها ليفيض في عبارته التي جاءت في ثنايا مؤلَّفه هذا، فشانه بها، حيث قال في كتاب الصلاة (ص 207) عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (طاغية العارض) وقد رددت عليه هناك، فأغنى عن إعادته.
وهذا يدل على خلل في العقيدة عنده، لأن المعارضة للشيخ محمد بن عبد الوهاب إنما هي معارضة لما وضحه وقرره من عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة، فالطعن فيه دلالة على سوء عقيدة الطاعن.
وهذا منهج للسلف -رضي اللَّه عنهم- يعرفون سوء عقيدة المرء بطعنه في علماء السنة وقدحه فيهم.
أخرج اللالكائي في "السنة" 1 عن أحمد بن عبد اللَّه بن يونس أنه قال:
امتحن أهل الموصل بمعافى بن عمران، فإن أحبوه فهم أهل السنة، وإن أبغضوه فهم أهل بدعة، كما يمتحن أهل الكوفة بيحيى.
وعن قتيبة أنه قال: إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه -وذكر قومًا آخرين- فإنه على السنة.
ومن خالف هؤلاء فاعلم أنه مبتدع.
قلت: محمد بن عبدالوهاب في زمنه كأحمد بن حنبل في زمنه.
ومما يكشف عقيدة المؤلف أنه ذكر في الكتاب (ص 205، 206) عبد القادر الجيلاني، فقال: شيخنا.
ويعني بذلك أنه على الطريقة الصوفية المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني -رحمه اللَّه تعالى- وهي مشتملة على
بدع معروفة، وخرافات مرفوضة (1).
المبحث السادس وفاته، ورثاء الناس له
أرَّخ ابن حميد وفاته بسنة (1240 هـ) (2) وفي "علماء نجد" (3) لابن بسام أن وفاته كانت بالبحرين.
المبحث السابع شيوخه
أخذ المؤلف العلم في عدة بلدان هي: الأحساء، موطنه، ومكة، والمدينة، وسافر -أيضًا- إلى الشام، وحلب.
وقد تلقى عن جماعة من أهل العلم في تلك البلدان.
بيد أنه لم يُسَمَّ من شيوخه سوى:
1 - عبد اللَّه بن محمد بن عبد الوهاب بن فيروز، من وهبة تميم، نجدي الأصل، حيث أن آل فيروز انتقلوا من بلدة أشيقر بالوشم إلى الأحساء 4. ولد في 6 شعبان سنة 1105 هـ كما ذكر ذلك ابنه محمد 5.
هو من فحول العلماء، أثنى على معرفته بعقيدة الإمام أحمد: الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في "المقامات" 6: ثم إن شيخنا رحمه اللَّه123
تعالى -يعني الشيخ محمد بن عبدالوهاب-: رحل إلى الأحساء، وفيها فحول العلماء، منهم عبد اللَّه بن فيروز -أبو محمد الكفيف- ووجد عنده من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ما سُرَّ به، وأثنى على عبد اللَّه هذا بمعرفته بعقيدة الإمام أحمد.. اهـ
وقال ابن حميد 1: مَهَرَ في الفقه وأصوله، وأصول الدين، وغيرهما، ودرَّس، وأفتى، وأجاب على أسئلة عديدة بأجوبة سديدة، وكان دينًا، صينًا، تقيًّا، نقيًّا، ذا أوراد وتأله وعبادة.
اهـ وكانت وفاته في رجب، سنة 1175 هـ، كما أثبته الغزي في "طبقاته" 2 ونقل ابن بسام 3 عن ابنه محمد أنه توفي فجر يوم الأحد، السادس من رجب، في السنة المذكورة.
وقد درس عليه المؤلف الشيخ عثمان، كما أثبت ذلك محمد بن فيروز في إجازته له.
حيث قال:
وقرأ على الوالد قليلًا من "مختصر المقنع" 4 اهـ
2 - محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الوهاب بن فيروز.
ابن للسابق، ولد في المبرَّز التابع لمدينة الأحساء في 18 ربيع الأول 1142 هـ وكفَّ بصره بالجدري، وهو ابن ثلاث سنين 5. أخذ العلم عن والده، وعن الشيخ محمد بن عفالق، والشيخ محمد حياة السندي المدني، وغيرهم.
عالم متقن، سيما في الفقه، درس على يده خلق كثير من أهل الأحساء، وغيرهم، وتخرَّجوا عليه 6.
وممن تخرج عليه المؤلف الشيخ عثمان، حيث لازمه ملازمة تامة.
قال عنه ابن فيروز: ثم اشتغل على الفقير في الفقه والفرائض والعربية، ففتح اللَّه عليه (1). اهـ
3 - قرأ المؤلف على علماء في مكة، والمدينة (2)، ولم يسمِّ المترجمون له هؤلاء العلماء.
المبحث الثامن تلاميذه
نص المترجمون على أن المؤلف قد قام بالتدريس في البحرين، وفي الزبير -أيضًا- (3) إلا أنهم لم يسموا أحدًا ممن درس على يده.
حتى أنهم لم يذكروا ابنه عبد اللَّه من تلاميذه، بل جاء في ترجمة عبد اللَّه بن عثمان بن جامع:
أخذ العلم هو ووالده عن الشيخ محمد بن فيروز (4).
المبحث التاسع مكانته العلمية
، وفيه مطلبان
المطلب الأول: الجوانب العلمية.
برز المؤلف في علم الفقه، خصوصًا الحنبلي.
ومؤلفه هذا يدل على عنايته الفائقة بالفقه الحنبلي، وإدراكه فيه إدراكا جيدًا، وقد أثنى عليه في هذا الجانب جماعة من المتمكنين فيه:
فشيخه محمد بن فيروز يثني عليه بقوله:1234
ثم اشتغل على الفقير -يعني نفسه- في الفقه والفرائض والعربية، ففتح اللَّه عليه، وأدرك إدراكًا تامًّا.
اهـ (1)
وقال عثمان بن سند النجدي ثم البصري (2) اهـ:
تصدَّر في السادة الحنبلية (3).
وقال ابن حميد في "السحب الوابلة" (4):
الفقيه، النبيه، الورع، الصالح.
اهـ
كما أن المؤلف له إلمام بالفرائض والنحو، كما أشار إلى ذلك شيخه ابن فيروز.
كما أن له إلمامًا بعلم الحساب، والأدب.
أشار إلى ذلك ابن سند في ترجمته له (5).
المطلب الثاني: وصفه من حيث التقليد والاجتهاد.
ليس المؤلف من أهل الاجتهاد، بل هو مقلدٌ، وكتابه هذا واضح في أن المؤلف متقيد بالمذهب، وليس له اجتهادات فقهية، لا في المذهب، ولا خارج المذهب.
المبحث العاشر مؤلفاته عامة ومنهجه فيها
لم يذكر المترجمون للمؤلف مؤلفات سوى كتابه: "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" وسيأتي الحديث عنه مفصلًا.12345
الفصل الثاني الكلام عن الكتاب المحقق
. وفيه عشرة مباحث:
المبحث الأول: إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف، ووصف المخطوطة وبيان مكان وجودها.
المبحث الثاني: تعريف موجز بالكتاب.
المبحث الثالث: منزلته بين كتب الفقه بعامة وبين كتب مذهبه بخاصة.
المبحث الرابع: منهجه في الكتاب.
المبحث الخامس: مصادره في الكتاب.
المبحث السادس: الكتاب من حيث التبعية والاستقلال.
المبحث السابع: اختياراته الفقهية في الكتاب.
المبحث الثامن: محاسن الكتاب.
المبحث التاسع: الملحوظات على الكتاب.
المبحث العاشر: الأبواب والفصول التي يتناولها التحقيق.
المبحث الأول إثبات نسبة الكتاب إلى المؤلف ووصف المخطوطة وبيان مكان وجودها
كتاب "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات" ألفه الشيخ عثمان قطعًا.
وأدلة ذلك: أن الكتاب بخط مؤلفه.
وذلك واضح بعد المقارنة بين خط الكتاب وبعض الوثائق التي كتبها ومهرها بخاتمه.
وقد أثبت ذلك الشيخ محمد بن ناصر العجمي في كتابه "نوادر مخطوطات علامة الكويت الشيخ عبد اللَّه بن خلف الدحيان في مكتبة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية" 1 حيث قال في وصف النسخة:
نسخها المؤلف في يوم الجمعة في غرة ذي الحجة الحرام سنة 1224 هـ بمدينة المبرز في الأحساء، وقد شارك أحد النساخ في بعض الورقات من الكتاب.
كما أن الذي جعلني أجزم أنه بخط المؤلف ثلاثة أمور:
(أ) خط المؤلف.
فقد سبق في مخطوطة "التيسير" للداني (ص 29) تملك له على هذا المخطوط بخطه، وبالموازنة بينهما تبين أنه نفس الخط.
(ب) كثرة الضرب بالقلم على بعض السطور والكلمات والتصحيح في الحاشية بنفس الخط.
(ب) تاريخ نسخ الكتاب في حياة المصنف.
اهـ قلت: وفي بلد المؤلف الأحساء كان النسخ -أيضًا-.
وقد أثبت المترجمون له أن هذا الكتاب من تأليفه.
نص على ذلك شيخه ابن فيروز، وابن حميد، وابن سند، وابن بسام في "علماء نجد" وغيرهم 2.
وقال ابن حميد في "الدر المنضد في أسماء كتب مذهب الإمام أحمد" (1): عثمان بن جامع النجدي: [له] شرح "أخصر المختصرات": جلد كبير.
اهـ
وهذه المخطوطة منسوخة بخط نسخي مقروء.
كتبها المؤلف في الأحساء.
وانتهى منها في يوم الجمعة من شهر اللَّه المحرم سنة 1224 هـ. وفي بعض الصفحات خط مغاير لخط المؤلف لعله أحد النساخ يعينه في النسخ.
وعدد ورقاتها (375) ورقة.
في كل ورقة (25) سطرًا، وطول الورقة في عرضها 22 15 سم.
وقد كتب المتن والتبويبات بالحمرة.
وفي بعض الصفحات أثر بلل من ماءٍ أو ندى.
وهي محفوظة في مكتبة الشيخ عبد اللَّه بن خلف الدحيان (2). ثم انتقلت إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت.
وهي مسجلة عندهم تحت رقم (39) (3).
المبحث الثاني تعريف موجز بالكتاب
اسم الكتاب الذي سماه به مؤلفه: "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات".123
فهو شرح على متن من متون الحنابلة، هو:
"أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل" تأليف الشيخ محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي الحنبلي.
ولد بدمشق سنة 1006 هـ تقريبًا.
قال الغزي 1: وكان من كبار أصحاب الشهاب أحمد بن أبي الوفا الوفائي المقدم ذكره في الحديث والفقه، ثم زاد عليه في معرفة فقه المذاهب زيادة على مذهبه، فكان يقرئ في المذاهب الأربعة.. انتهت إليه رئاسة العلم بالصالحية بعد وفاة الشيخ علي القبردي.. اتفق أهل عصره على تفضيله وتقديمه.
اهـ بتصرف.
ألف مؤلفات في المذهب بديعة، منها:
1 - "مختصر الإفادات في ربم العبادات والآداب وزيادات" 2.
2 - متن "كافي المبتدي" 3 ثم اختصر هذا المتن في:
3 - "أخصر المختصرات" 4 وهو الكتاب المشروح بـ "الفوائد المنتخبات" لعثمان بن جامع.
وشرح -أيضًا- بكتاب "كشف المخدرات
والرياض المزهرات شرح أخصر المختصرات في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل الشيباني رضي اللَّه عنه" لزين الدين عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أحمد البعلي 1.
توفي ابن بلبان -رحمه اللَّه تعالى- ليلة الخميس 9 رجب سنة 1083 هـ 2.
ومتن "أخصر المختصرات" له مكانة عالية عند الحنابلة.
قال العلامة ابن بدران في وصفه 3:
تأملته فوجدته: سهل العبارة، واضح المعاني.
وهو على صغر حجمه إذا تأمله الذكي لا يحتاج في فهمه إلى موقف، وينتفع به الصغير والكبير.
وهو من المتون المعتمدة في المذهب.
اهـ
وقال الغزي 4: له مختصر في الفقه في المذهب: صغير الحجم كثير الفائدة.
اهـ
فبان بذلك أن كتاب "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات": شرح لمتن مهم جدًا في فقه الحنابلة، لعلو منزلة مؤلفه، وقوة تحريره، وسهولة عبارته.
وقد قام المؤلف بشرح غريب هذا المتن، والاستدلال للأحكام الواردة فيه، والعناية بالتعليل، مقتصرًا على بيان مذهب الحنابلة.
ويذكر أحيانًا الخلاف في المذهب، وأحيانًا الخلاف بين سائر المذاهب الفقهية الأربعة.
وسيأتي بيان ذلك في الحديث عن منهج المؤلف في كتابه.
المبحث الثالث منزلته بين كتب الفقه بعامة، وبين كتاب مذهبه بخاصة
الكتاب أثنى عليه جماعة، منهم من هو حنبلي المذهب، ومنهم من ليس حنبليًّا، إلا أن ثناءهم عليه مقيد بمدحه بين سائر كتب المذهب الحنبلي.
فهذا شيخه ابن فيروز -وهو من المتقنين للمذهب- يقول في إجازته للمؤلف:
وشرح أخصر المختصرات للشيخ البلباني شرحًا مبسوطًا، وجمع من الفوائد زبدة كتب المذهب 1. اهـ
وقال عثمان بن سند، المالكي المذهب، في كتابه "سبائك العسجد" 2 عن المؤلف:
وشرح "أخصر المختصرات" في المذهب، شرحًا أبان عن فضله وأعرب.
اهـ
وقال ابن حميد في "السحب الوابلة" 3:
وصنَّف "شرح أخصر المختصرات" شرحًا مبسوطًا، نحو ستين كراسًا، جمع فيه جمعًا غريبًا.
اهـ
فثناء هؤلاء العارفين بالمذهب على مؤلفه هذا يدل على أن لكتابه منزلة بين كتب المذهب.
المبحث الرابع منهجه في الكتاب
أشار المؤلف في مقدمة كتابه إلى أن غالب اعتماده في شرحه على: شرحي الإقناع، والمنتهى، وحاشيتيهما.
الجميع للعلامة الشيخ منصور البهوتي -رحمه اللَّه تعالى-.
وقد اعتمد المؤلف فعلًا على هذه الكتب، خصوصًا "شرح منتهى الإرادات" فقلَّ أن يخرج المؤلف عن عبارته وسياقه.
ولذا جعلت "شرح منتهى الإرادات" كالنسخة الأخرى للكتاب، أقابل عليها، وأكشف من خلالها ما لم يتضح لي في المخطوط، سيما بعض الصفحات التي نابها شيء من الماء أو الندى.
وإذا خرج المؤلف عن عبارة "شرح المنتهى" فإنه ينقل تقريرًا لشيخه ابن فيروز.
كما في (ص 99، 60، 381) وغيرها وهو قليل جدًا.
ويبدأ المؤلف بذكر المتن لأخصر المختصرات، مميزًا بلون أحمر، وقد وضعته أنا بين قوسين في هذا المطبوع، ثم يشرح المؤلف عبارة الماتن، وذلك بما يلي:
أ - لغويًّا، وهو قليل.
ب - يورد الأدلة من الكتاب، والسنة، والآثار.
وقلَّ أن يرد مسألة إلا ويستدل لها المؤلف.
جـ - يورد التعليلات للأحكام، خصوصًا إذا لم يكن هناك أدلة منصوصة في المسألة.
وقد يورد المؤلف خلافًا في المذهب دون ترجيح، كما في (ص 224) (ص 107) وقد يورد الخلاف مرجحًا، كما في (ص 226)، كما أنه يورد
أحيانًا أقوال بقية الأئمة الأربعة كما في (ص 564).
وقد يورد أقوالًا لأئمة المذاهب مخالفة للمذهب وينتصر للمذهب، كما في (ص 770).
ويورد الخلاف مطلقًا كما في (ص 9) و (ص 269) و (ص 337) وينقل المؤلف عن بعض العلماء غير الحنابلة، وذلك لتوضيح حديث، أو مسألة لا تتعلق بصلب موضوع الفقه، كما في نقله عن ابن العربي المالكي (ص 8) في موضوع عدد أسماء النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وكما في نقله عن النووي في "شرح مسلم" و"التبيان" (ص 8، 284، 343) وغيرها.
ويهتم المؤلف بإيراد الإجماعات، منصوصة أحيانًا إلى من حكاها، كما في (ص 336، 444) حيث نقل عن ابن المنذر.
و (ص 140، 444) كما نقل عن ابن عبد البر.
وأحيانًا يورد الإجماع دون ذكر من حكاه (ص 97، 112). ويعزو المؤلف -أحيانًا- إلى بعض كتب المذهب، كالمغني، والشرح الكبير، والإنصاف، وغيرها، كما في (ص 402، 436، 869، 892) إلا أن المؤلف إنما ينقل عنها بواسطة: "شرح منتهى الإرادات" أو "كشاف القناع".
ويورد اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، تبعًا لما يورده في "شرح منتهى الإرادات" كما في (ص 425).
المبحث الخامس مصادره في الكتاب
أشار المؤلف في مقدمة كتابه أنه يعتمد غالبًا على أربعة كتب، كلها من تأليف الشيخ العلامة منصور البهوتي -رحمه اللَّه تعالى-:
1 - "كشاف القناع عن متن الإقناع".
2 - "شرح منتهى الإرادات".
3 - "حاشية الإقناع".
4 - "حاشية على المنتهى" المسماة: "إرشاد أولي النهى لدقائق المنتهى".
وقد تبين لي -كما قدمت- أن غالب اعتماده على "شرح منتهى الإرادات" من بين هذه الأربعة.
وجميع ما ورد من كتب غيرها، كالمغني، والشرح الكبير، والإنصاف، والفروع، والمبدع، وغيرهما، إنما ينقله بواسطة الشيخ منصور البهوتي في أحد كتابيه "شرح منتهى الإرادات" و"كشاف القناع عن متن الإقناع" كما تقدم.
المبحث السادس الكتاب من حيث التبعية والاستقلال
تبع المؤلف الشيخ منصور البهوتي في عبارته وأسلوبه ومعلوماته التي أودعها كتابه "شرح منتهى الإرادات" ولم يخرج عن ذلك إلا قليلًا نادرًا.
فوظيفة المؤلف تنزيل عبارة البهوتي على ترتيب متن "أخصر المختصرات".
وهذه إحدى طرق التأليف، سيما عند الفقهاء.
فكتاب "شرح منتهى الإرادات" هو مختصر لكتاب "معونة أولي النهى شرح المنتهى" للفتوحي، كما أشار إلى ذلك البهوتي في المقدمة 1. حيث قال: ولخصته من شرح مؤلِّفه -يعني "معونة أولي النهى"- وشرحي على الإقناع.
اهـ
والمؤلف قد ظهرت شخصيته العلمية في القدرة على صياغة العبارة من "شرح منتهى الإرادات" ملائمة لمتن: "أخصر المختصرات" إذ يحتاج إلى تقديم جمُل وتأخير أخرى، وهكذا، ولا يقوى على ذلك إلا من له خبرة ودربة في الفقه.
فالكتاب ليس له استقلالية كاملة، بل هو أشبه بالاختصار والتهذيب لكتاب "شرح منتهى الإرادات" وإضافة بعض المعلومات من: "كشاف القناع عن متن الإقناع" و"حاشية المنتهى" و"حاشية الإقناع" الجميع للعلامة منصور البهوتي.
المبحث السابع اختياراته الفقهية في الكتاب
له -رحمه اللَّه تعالى- بعض الاختيارات، من ذلك:
أنه لما ذكر مسألة تكرار السورة في ركعتين، وأورد حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كرر سورة الزلزلة في ركعتين.
قال: قلت: والذي يظهر -واللَّه أعلم- أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كررها لسبب فضلها.. اهـ ينظر (ص 183) وقد تعقبته هناك.
المبحث الثامن محاسن الكتاب
الكتاب: وحيدُ المؤلِّف، وصاحب الواحد يبدع غالبًا.
لقد اجتهد المؤلف في تحرير الكتاب وتهذيبه، وذلك واضح من كثرة الانتقال إلى الهامش لإثبات معلومة، أو تصحيح خطأ كتابي.
وهذا دليل على مراجعة المؤلف له مرات عديدة.
ويظهر -واللَّه أعلم- أن الشيخ محمد بن فيروز له إشراف على الكتاب، وذلك لأن التأليف كان بالأحساء زمن ابن فيروز، والمؤلف تلميذ خاص له، فلعل التصحيحات في الهامش توجيه من الشيخ ابن فيروز.
ولذا فإن ابن فيروز مدح الكتاب مدح من سمعه كاملًا.
فقال: وشرح أخصر المختصرات للشيخ البلباني شرحًا مبسوطًا، وجمع من الفوائد زبدة كتب المذهب.
اهـ 1
وهذا الثناء من شيخ المؤلف يعد من مناقب الكتاب، لأن ابن فيروز من المتقنين للمذهب الحنبلي.
ومما يعد من محاسن هذا الكتاب تصريح مؤلفه في مقدمته بأنه اعتمد
على كتب الشيخ منصور البهوتي: "كشاف القناع" و"شرح منتهى الإرادات" و"حاشيتيهما" وذلك أداء للأمانة، ونسبة للفضل إلى أهله.
كما أن المؤلف يُعنى بالاستدلال للمسائل، ويكثر من ذلك.
ولا يغفل الحكم على الأحاديث التي يُبنى حكم المسألة على تصحيحها وتضعيفها، أحيانًا.
المبحث التاسع الملحوظات على الكتاب
لا يخلو عمل الإنسان من نقص، ولا يسلم أحد من خطأ، إلا من عصم اللَّه تعالى.
وكتاب "الفوائد المنتخبات" عليه ملحوظات هي:
1 - لا يخرج المؤلف عن نصوص: "شرح منتهى الإرادات" و"كشاف القناع" كلاهما للبهوتي، فإذا خرج فإنه يأتي بما هو ضعيف جدًا، أو مرفوض تمامًا:
ففي (ص 99) لما ذكر الفقهاء: (وتخييره بين الدينار ونصفه، كتخيير المسافر بين القصر والإتمام) قال المؤلف: تنبيه: وقد ذكر في "الإنصاف" أن الكمال دينار.
فإن قيل: فما معنى تشبيهه بتخيير المسافر بين القصر والإتمام، مع أن القصر في السفر مباح أفضل من الإتمام.
وهنا الكمال الدينار، فما معنى تشبيهه بذلك؟
أجاب شيخنا محمد بن عبد اللَّه بن فيروز: أنه لا يلزم منه كون المشبه كالمشبه به.
انتهى.
ثم ألقى اللَّه في روعي شاهدًا من القرآن العزيز، وهو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.. ﴾ فعلمت يقينًا صحة ما أجاب به شيخنا.
ثم وقفت بعد ذلك على قول أبي تمام:
لا تنكروا ضربي له من دونه.. إلخ.
فحمدت اللَّه على فهم هذه الدقيقة.. اهـ
أقول: لما خرج المؤلف ليته خرج إلى قضايا مهمة لفهم دقائقها، وتوضيح غامضها.
أما هذه فإن كون المشبه ليس كالمشبه به، من بدايات المعلومات لدى طلاب العلم، وليست بهذا الخفاء الذي صورها به المؤلف.
2 - حقده الشديد على الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه اللَّه- دفعه إلى تخبطه في قضية الدعاء بعد المكتوبة.
فانظر إليه حيث تكلم في (ص 205) عن مسألة: دعاء الإمام بعد كل مكتوبة.
فلما قررها واستدل لها بكل باطل، قال (ص 207): فحينئذ تبين لك فساد ما ذهب إليه.. ابن عبد الوهاب من نهيه عن رفع اليدين بالدعاء بعد الفراغ من الأذكار الواردة بعد أدبار الصلوات الكتوبة.
ثم ذكر أن الشيخ استند على كلام ابن القيم في "زاد المعاد" ثم وافق المؤلف ابن القيم.
فياللَّه العجب: كيف يصنع الحسد بأصحابه.
تكلم أولًا عن مسألة الدعاء بعد الكتوبة واستدل لها.
وهذا هو نفسه الذي ذمه ابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب! ! ثم انتقل إلى صورة ثانية وهي الدعاء بعد الأذكار، وسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب بها، ثم نقل كلام ابن القيم الذي صرح هو أن ابن عبد الوهاب اعتمد عليه، وقال: هو رد على ابن عبد الوهاب! ! فهل هذا جهل في التصور، أم حقد قاد إلى التلبيس؟ وقد رددت عليه هناك فليرجع إليه.
3 - ينسب إلى "شرح منتهى الإرادات" وغيره، بعض العبارات، وهي بخلاف ذلك كما في (ص 226) و (ص 237) وغيرها، وهو مثبت في هوامش الكتاب.
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد للَّه الذي جعل الفقه في الدين من أفضل القربات لعباده، وشرح صدر من أراد هدايته للإسلام، فأمده بإمداده.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أتم اللَّه به النعمة وأكمل به الدين، وعلى آله وأصحابه الذين أوضحوا لنا الأحكام على أحسن وجه، وأتم تبيين.
أما بعد، فيقول الفقير إلى عفو ربه العلي عثمان بن عبد اللَّه بن جامع النجدي الحنبلي: إني لما وقفت على الكتاب الموسوم بـ "أخصر المختصرات"، للإمام المحقق الشيخ محمد البلباني الحنبلي -رفع اللَّه له الدرجات- 1 وجدته مع كونه في غاية الاختصار يشتمل على جل المسائل الكبار، ولا يستغني طالب العلم عن حفظه، لكن لم أجد له شرحًا يوضح الغامض 2 من لفظه؛ فاستخرت اللَّه -سبحانه وتعالى- على أن أعلق عليه شرحًا يميط النقاب عن وجوه مخدراته، ويبرز ما وراء الحجاب من خبياته، ويحرر مسائله، ويجرد دلائله، ضامًّا إليه من الفوائد الجليلات بحسب ما يمنحه مفيض النعم الجليات والخفيات.
وغالب امتدادي في هذا الشرح المبارك من شرحي "الإقناع" و"المنتهى" و"حاشيتيهما" 3 -أمد اللَّه روح مؤلفهما بالرحمة والرضوان،
وأسكنه أعلى غرف الجنان-.
وإن لم أكن أهلًا لهذا الشأن، ولا من فرسان ذلك الميدان، لكن الظن بالله -سبحانه وتعالى- على المعونة جميل، لا حول ولا قوة إلا به، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وسميته بـ "الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات"، واللَّه أسأل أن ينفع به كل من اعتنى به، وأن يرحمني والمسلمين ويجيرنا من عذابه.
قال الشيخ -رحمه اللَّه تعالى-:
(بسم اللَّه الرحمن الرحيم)
ابتدأ كتابه -رحمه اللَّه تعالى- بها اقتداء بالكتاب العزيز، وعملًا بقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، فهو أبتر".
وفي رواية "فهو أقطع" 3 ومعناه ناقص البركة.
(الحمد للَّه): الحمد لغة هو: الوصف بالجميل الاختياري على وجه التعظيم، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا.
وفي الاصطلاح: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم؛ بسبب كونه منعمًا على الحامد أو غيره.
والشكر لغة هو: الحمد اصطلاحًا.
واصطلاحًا: صرف العبد جميع = الإقناع" جميعها لمنصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن البهوتي.
العالم الكبير، شيخ المذهب ومحرره، رحل إليه الناس من الآفاق لأجل أخذ مذهب الإمام أحمد.
ولد سنة (1000 هـ) وتوفي سنة (1051 هـ). "خلاصة الأثر" (4/ 426)، "النعت الأكمل" (210)، "عنوان المجد في تاريخ نجد" (2/ 206)، "السحب الوابلة" (3/ 1131)، و"الدر المنضد" لابن حميد (ص 56، 57).
ما أنعم اللَّه به عليه لما خلق لأجله 1.
(المفقِّه) أي: المفهم (من شاء من خلقه) ممن أراد به الخير (في الدين) والدين: ما شرعه اللَّه تعالى من الأحكام، قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين" 2.
(والصلاة) التي هي من اللَّه الرحمة 3، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدمي التضرع والدعاء.
(والسلام): أي السلامة من النقائص والرذائل، أو الأمان (على نبينا) أي: ورسولنا (محمد) بالجر بدل من نبينا، والنبي: إنسان أوحي إليه بشرع، وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بذلك فرسول أيضًا، فالنبي أعم من الرسول 4، والنبيء بالهمز من النبأ، أي: الخبر؛ لأنه مخبر
عن اللَّه تعالى، وبلا همز -وهو الأكثر- من النبوة، وهي: الرفعة؛ لأن النبي مرفوع الرتبة 5.
ومحمد: اسم من أسماء نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي كما نقل بعضهم عن أبي بكر بن العربي 6، والنووي 7 رحمهما اللَّه تعالى ألفُ اسمٍ 8، سمي به؛ = وليس برسول.
اهـ
لكثرة خصاله الحميدة، وسمي به قبله سبعة عشر شخصًا بخلاف أحمد، فلم يُسَمَّ به قبله أحد.
تتمة
:
الصلاة عليه -صلى اللَّه عليه وسلم- مستحبة بتأكد يوم الجمعة وليلتها، وكذا كلما ذكر اسمه، وقيل بوجوبها إذًا 6. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ = بعضهم أن يجمع له عليه الصلاة والسلام ألف اسم.
اهـ من ذلك كتاب أبن فارس اللغوي "أسماء رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ومعانيها" توجد منه نسخة في المكتبة الظاهرية، ناقصة الآخر.
حققها ماجد الذهبي، ونشرها في مجلة "عالم الكتب" (العدد 334 محرم 1408 هـ). ومنها: كتاب ابن دحية "المستوفى في أسماء المصطفى" ذكره حاجي خليفة في "كشف الظنون" (2/ 1675)، والبغدادي في "هدية العارفين" (5/ 86). وينظر: "الشفا" للقاضي عياض (1/ 311)، و"الوفا بأحوال المصطفى" لابن الجوزي (1/ 103).
وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} 6، وروي عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "من صلى عليّ في كتاب، لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب" 7.
(الأمين) بالجر أيضًا، أي: أمين اللَّه على وحيه، قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء" 8. (المؤيد) أي: المقوّى (بكتابه) أي بكتاب اللَّه تعالى الذي أنزله عليه نجومًا 9 في.... = والراجح قول الجمهور، لقوة الدليل الصارف عن الوجوب، وهو فعل الصحابة مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في مخاطبته.
ولو كانت الصلاة عليه واجبة كلما ذكر لى يسعهم ترك ذلك، ولكان قد أنكر عليهم -صلى اللَّه عليه وسلم- ترك ذلك.
ينظر: "جلاء الأفهام" لابن القيم (ص 382 - 397)، و"القول البديع" للسخاوي (ص 20 - 24)، و"روح المعاني" للألوسي (22/ 81).
ثلاثة 6 وعشرين سنة على الصحيح 7، الذي نسخ جميع الكتب.
(المبين) صفة لكتابه، والمبين: الظاهر أمره في الإعجاز، أو الواضحة معانيه والمبينة لمن تدبرها أنها من عند اللَّه (المتمسك بحبله المتين) أي: بدينه الإسلام أو بكتابه، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "القرآن حبل اللَّه المتين" 8 استعار له الحبل؛ من حيث أن التمسك به سبب النجاة عن الردى، كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة عن التردي.
(وعلى آله): وهم أتباعه على دينه إلى يوم القيامة على الصحيح 9،
نص عليه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- 2. = مريم المعروف باب مع وهو متهم.
ورواه البيهقي في "سننه" (2/ 152) من طريق آخر ثم قال: هذا لا يحل الاحتجاج بمثله، نافع السلمي أبو هرمز بصري كذبه يحيى بن معين وضعفه أحمد بن حنبل وغيرهما من الحفاظ.
اهـ وقد ضعَّف العلامة ابن القيم هذا القول، وصحح أن الآل من تحرم عليهم الصدقة، كما في "جلاء الأفهام" (ص 223) والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة" أخرجه البخاري (2/ 133 - 134) وهو في مسلم (2/ 751) بلفظ: "إنا لا نأكل الصدقة" ومنها ما رواه مسلم في "صحيحه" (4/ 1873) عن زيد بن أرقم أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "... وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب اللَّه فيه الهدى: النور فخذوا بكتاب اللَّه واستمسكوا به" فحث على كتاب اللَّه ورغَّب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم اللَّه في أهل بيتي... " ثلاث مرات.
فقال حصين بن سبرة: مَن أهل بيته؟ يا زيد: أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته.
ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده.
قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس.
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه (3/ 1557) عن عائشة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال عند ذبح أضحيته: "باسم اللَّه.
اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد" وحقيقة العطف المغايرة، وأمته -صلى اللَّه عليه وسلم- أعمُّ من آله.
وهذا القول هو الصحيح، وعليه الجمهور.
ينظر: "فتح الباري" (11/ 160) قال ابن القيم في "الجلاء" (228): وأما من زعم أن "الآل" هم الأتباع، فيقال: لا ريب أن الأتباع يطلق عليهم لفظ "الآل" في بعض المواضع بقرينة، ولا يلزم من ذلك أنه حيث يقع لفظ "الآل" يراد به الأتباع، لما ذكرنا من النصوص.
اهـ
(وصحبه أجمعين) جمع صاحب، بمعنى الصحابي: وهو من اجتمع بالنبي محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- مؤمنًا ومات على ذلك 7. وعطفهم على الآل من عطف الخاص على العام، وفي الجمع بينهم مخالفة لأهل البدع كالروافض 8 -قبحهم اللَّه تعالى- لأنهم يوالون الآل دون الصحب.
(وبعد) يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى غيره، ويستحب الإتيان بها في الخطب والمكاتبات اقتداء به -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فإنه كان يأتي بها في خطبه ونحوها، كما صح ذلك عنه 9. وقيل: إنها فصل الخطاب المشار إليه في الآية 10، = روى عنه الأئمة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن المديني، وابن معين، وعباس الدوري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وحرب بن إسماعيل، والكوسج، والأثرم، وإبراهيم، الحربي، وبقي بن مخلد.
ومن شيوخه الذين رووا عنه: عبد الرزاق، والحسن بن موسى، وأبو عبد اللَّه الشافعي.
صبر يوم المحنة، وصنَّف المسند، توفي سنة 241 هـ. ينظر: "سير أعلام النبلاء" (11/ 177) و"طبقات الحنابلة" (1/ 4).
والصحيح أنه الفصل بين الحق والباطل.
والمعروف بناؤها على الضم، وأجاز بعضهم رفعها ونصبها منونة، وفتحها بلا تنوين على تقدير المضاف إليه 7. (فقد سنح) أي: عرض (بخلدي) بفتح الخاء واللام، بمعنى البال والنفس والقلب، كما ذكره في "القاموس" 8 (أن أختصر كتابي المسمى بكافي المبتدي) الاختصار: الإيجاز، والمختصر الموجز.
وهو: تقليل اللفظ وتكثير المعاني 9. قال علي -رضي اللَّه عنه-: خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيملّ 10. انتهى (الكائن في فقه الإمام) أي: المقتدى به.
والفقه لغة: الفهم 11. واصطلاحًا: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل أو القوة القريبة 12. والفقيه: من عرف جملة غالبة، كذلك بالاستدلال.
(أحمد) بدل = فإنه لم يكن ذلك منه بالعربية على هذا النظم، وإنما كان بلسانه، واللَّه أعلم.
اهـ
من الإمام (بن محمد بن حنبل) الشيباني -رضي اللَّه عنه- المجتمع نسبه بنبينا -صلى اللَّه عليه وسلم- في نزار (الصابر لحكم الملك المبدي) 5 حين حبس وضرب على القول بخلق القرآن، فلم يُجِبْ إلى ذلك وصبر لحكم اللَّه تعالى (ليقرب تناوله على المبتدئين) من صغار الطلبة.
والقريب ضد البعيد (ويسهل حفظه) بسبب اختصاره (على الراغبين) في العلوم (ويقل حجمه على الطالبين) فلا تضعف هممهم عنه لكثرته.
(وسمّيته) أي: هذا الكتاب (أخصر المختصرات؛ لأني لم أقف على) كتاب (أخصر منه) أي: من هذا الكتاب (جامع لمسائله في فقهنا) معشر الحنابلة، (من المؤلفات) والتأليف: إيقاع الألفة بين الأجزاء (واللَّه أسأل) لا غيره (أن ينفع به قارئيه) من غير حفظ، (وحافظيه) على ظهر قلب، (وناظريه) من غير قراءة ولا حفظ (إنه حقيق) 6 أي: خليق (بإجابة الدعوات) لأنه -سبحانه وتعالى- أمر بذلك، قال عز من قائل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ 7 (و) اللَّه أسأل (أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم) لأنه -سبحانه وتعالى- لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، وهو أغنى الشركاء عن الشرك، كما ورد في الحديث الشريف: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري، فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك" 8، وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر".
= (1/ 46)، و"مقدمة في بيان المصطلحات الفقهية على المذهب الحنبلي" للهندي (ص 6).
قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء" 6. واللَّه أسأل أن يجعله (مقربًا لديه) 7، أي: عنده (في جنان النعيم) لعدم انقطاع ثوابه ما دام الناس ينتفعون بعلمه.
(وما توفيقي 8 إلا باللَّه) التوفيق: تسهيل سبيل الخير والطاعة، وقيل: هو أن لا يكلك اللَّه إلى نفسك طرفة عين.
وقيل غير ذلك.
والتوفيق عزيز جدًّا ولهذا لم يذكر في القرآن إلا في موضع واحد في سورة هود 9.
(عليه توكلت): أي اعتمدت، (وإليه أنيب) أي أرجع فيما ينزل من النوائب، وقيل في المعاد 10.
(كتاب) هو من المصادر السيالة التي توجد شيئًا فشيئًا.
يقال كتبتُ كتابًا وكُتبًا وكتابة، ومعناه لغة الجمع، من تَكَتَّبَ بنو فلان إذا اجتمعوا.
= (2/ 1405) عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: قال اللَّه عز وجل... الحديث.
واللفظ لابن ماجه.
وفي الأصل: هو للذي عمله.
والمثبت من سنن ابن ماجه.