حاشية البجيرمي على شرح المنهج = التجريد لنفع العبيدصفحات 2-41
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حاشية البجيرمي على شرح المنهج = التجريد لنفع العبيد

  • عَلَم: البجيرمي
  • الكتاب: التجريد لنفع العبيد = حاشية البجيرمي على شرح المنهج (منهج الطلاب اختصره زكريا الأنصاري من منهاج الطالبين للنووي ثم شرحه في شرح منهج الطلاب)
  • المؤلف: سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
  • الناشر: مطبعة الحلبي
  • الطبعة: بدون طبعةتاريخ النشر: 1369هـ - 1950م
  • عدد الأجزاء: 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «شرح منهج الطلاب» لزكريا الأنصاري، بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

خِطْبَة الْكتاب

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قَالَ

سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا

[حاشية البجيرمي]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِمَنْ اصْطَفَى لِدِينِهِ خُلَاصَةَ الْعَالَمِينَ، وَهَدَى مَنْ أَحَبَّهُ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، حَمْدًا نَسْلُكُ بِهِ مِنْهَاجَ الْعَارِفِينَ، وَنُمْنَحُ بِهِ دُخُولَ رِيَاضِ الشَّاكِرِينَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةَ الْمُوقِنِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَهْجَةُ الْمُوَحِّدِينَ، وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى الْحَاوِي لِجَمِيعِ فَضَائِلِ الْمُرْسَلِينَ، مَنْ نَبَّهَ الْعُقُولَ لِتَحْرِيرِ تَنْقِيحِ أَحْكَامِ الدِّينِ، الْبَحْرِ الْمُحِيطِ الْقُدْوَةِ الْعُظْمَى فِي الْعَالَمِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ هُدَاةِ الْأُمَّةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَبَعْدُ، فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى مَوْلَاهُ الرَّاجِي عَفْوَ مَا اقْتَرَفَهُ وَجَنَاهُ " سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبُجَيْرَمِيُّ " الشَّافِعِيُّ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَحْبَابِهِ: قَدْ سَأَلَنِي بَعْضُ أَصْدِقَائِي الْفُضَلَاءُ أَنْ أَجْمَعَ مَا كَتَبْته عَلَى نُسْخَتَيْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَحَاشِيَتَيْ الشبراملسي عَلَيْهِ بِمَا تَحَرَّرَ مِنْ حَوَاشِيهِ فِي الطُّرُوسِ وَقَرَّرَتْهُ شُيُوخِي فِي الدُّرُوسِ، فَأَجَبْته لِذَلِكَ وَإِنْ كُنْت لَسْت أَهْلًا لِتِلْكَ الْمَسَالِكِ، وَسَمَّيْته: التَّجْرِيدَ لِنَفْعِ الْعَبِيدِ وَأَسْأَلُ اللَّهَ النَّفْعَ بِهِ كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَمَتَى أَطْلَقْت شَيْخَنَا فَالْمُرَادُ بِهِ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الْعَشْمَاوِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَنَا وَلَهُ جَمِيعَ الْمَسَاوِئِ، آمِينَ.

(قَوْلُهُ قَالَ سَيِّدُنَا إلَخْ) هَذِهِ الْخُطْبَةُ بَلْ وَسَائِرُ خُطَبِ كُتُبِهِ وَضَعَهَا لَهُ وَلَدُهُ الشَّيْخُ مُحِبُّ الدِّينِ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ وَكَانَ مُشَارِكًا لِوَالِدِهِ فِي أَخْذِ الْعِلْمِ عَلَى مَشَايِخِهِ مَاتَ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ غَرِيقًا فِي بَحْرِ النِّيلِ وَكَانَ مَوْتُهُ سَبَبًا لِعَمَى وَالِدِهِ وَلَهُ وَلَدٌ أَصْغَرُ مِنْهُ يُسَمَّى جَمَالَ الدِّينِ وَهُوَ الَّذِي أَعْقَبَ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءَ النُّجَبَاءَ اهـ إطْفِيحِيٌّ.
وَأَصْلُ قَالَ قَوَلَ بِالْفَتْحِ لَا بِالْكَسْرِ وَإِلَّا لَكَانَ مُضَارِعُهُ يُقَالُ كَيَخَافُ مُضَارِعُ خَافَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ بَابِ فَهِمَ يَفْهَمُ وَيَكُونُ أَصْلُ مُضَارِعِهِ يَقُولُ بِفَتْحِ الْوَاوِ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ لِمَا قَبْلَهَا ثُمَّ قُلِبَتْ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا الْآنَ، وَلَا بِالضَّمِّ وَإِلَّا لَكَانَ لَازِمًا لِأَنَّ فِعْلَ الْمَضْمُومِ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ، وَلَا بِالسُّكُونِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَوْزَانِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ: وَافْتَحْ وَضُمَّ وَاكْسِرْ الثَّانِيَ مِنْ ... فِعْلٍ ثُلَاثِيٍّ وَزِدْ نَحْوَ ضَمِنْ وَلِفَقْدِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِقَلْبِ الْوَاوِ أَلِفًا، وَقَدْ اشْتَمَلَتْ خُطْبَةُ ابْنِ الْمُؤَلِّفِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ سَجْعَةً اثْنَتَانِ عَلَى الْمِيمِ وَخَمْسَةٌ عَلَى الْهَاءِ وَأَرْبَعَةٌ عَلَى النُّونِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الشَّرْحِ ثَلَاثَ بَسْمَلَاتٍ الْأُولَى: لِابْنِ الْمُؤَلِّفِ وَالثَّانِيَةُ: لِلشَّارِحِ وَالثَّالِثَةُ: لِلْمَتْنِ، وَلَمْ يَأْتِ ابْنُ الْمُؤَلِّفِ بِالْحَمْدَلَةِ اكْتِفَاءً بِرَاوِيَةِ «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ»

وَقَوْلُهُ: سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا، أَقُولُ: فِي حِفْظِي قَدِيمًا أَنَّهُ لَا يُقَالُ: سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا وَإِنَّمَا يُقَالُ: مَوْلَانَا

قَاضِي الْقُضَاةِ

شَيْخُ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ

مَلِكُ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ سِيبَوَيْهِ زَمَانِهِ فَرِيدُ عَصْرِهِ وَوَحِيدُ دَهْرِهِ

حُجَّةُ النَّاظِرِينَ

[حاشية البجيرمي]

وَسَيِّدُنَا كَمَا فِي قَوْلِ الْخَنْسَاءِ فِي أَخِيهَا صَخْرٍ: وَإِنَّ صَخْرًا لِمَوْلَانَا وَسَيِّدُنَا وَكَأَنَّ وَجْهَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْلَى يُطْلَقُ عَلَى السَّيِّدِ وَعَلَى الْعَبْدِ وَلَوْ أُخِّرَ عَنْ السَّيِّدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ، وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا سَبَقَ لَنَا تَقْرِيرُهُ وَهُوَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ طَرِيقُ التَّرَقِّي فِيمَا إذَا كَانَ الْأَبْلَغُ أَخَصَّ مِمَّا دُونَهُ وَمُشْتَمِلًا عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: عَالِمٌ نِحْرِيرٌ غُنَيْمِيٌّ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ.
اهـ. ع ش. وَأَجَابَ شَيْخُ شَيْخِنَا عَبْدُ رَبِّهِ بِأَنَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِالرِّفْعَةِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّيِّدِ هُنَا هُوَ الَّذِي يُفْزَعُ إلَيْهِ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَوْلَى النَّاصِرُ وَالنُّصْرَةُ تَكُونُ بَعْدَ الْفَزَعِ لِأَنَّ الشَّيْخَ يُفْزَعُ لَهُ فِي تَحْقِيقِ الْعُلُومِ وَيَنْصُرُنَا بِذَلِكَ عَلَى مَنْ يُجَادِلُنَا، وَيُطْلَقُ السَّيِّدُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَنْ سَادَ فِي قَوْمِهِ أَيْ: شَرُفَ عَلَيْهِمْ مِنْ السُّودَدِ وَهُوَ الشَّرَفُ وَعَلَى مَنْ تَفْزَعُ النَّاسُ إلَيْهِ فِي الشَّدَائِدِ وَعَلَى مَنْ كَثُرَ سَوَادُهُ أَيْ: جَيْشُهُ وَعَلَى الْحَلِيمِ الَّذِي لَا يَسْتَفِزُّهُ الْغَضَبُ وَعَلَى الْمَالِكِ وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَوْصَافُ مُجْتَمَعَةً فِي الشَّيْخِ اهـ شَيْخُنَا حِفْنِيٌّ.

(قَوْلُهُ: قَاضِي الْقُضَاةِ) أَيْ: لِأَنَّهُ كَانَ قَاضِيًا بِمِصْرَ وَجَمِيعَ قُضَاتِهَا تَحْتَ أَمْرِهِ قِيلَ: إنَّهُ تَوَلَّى الْقَضَاءَ عَشْرَ سِنِينَ وَعَمِيَ عَشْرَ سِنِينَ لِيَكُونَ عَمَى كُلَّ سَنَةٍ كَفَّارَةً لِمِثْلِهَا مِنْ مُدَّةِ الْقَضَاءِ وَكَوْنُ عَمَاهُ كَفَّارَةً لَا يُنَاسِبُ مَقَامَهُ لِأَنَّهُ كَانَ عَادِلًا فِي حُكْمِهِ؛ فَالْحَقُّ أَنَّ عَمَاهُ بِسَبَبِ بُكَائِهِ عَلَى وَلَدِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقِيلَ: إنَّهُ تَوَلَّى الْقَضَاءَ عِشْرِينَ سَنَةً وَعَمِيَ كَذَلِكَ وَفِي نُسْخَةٍ: قَاضِي قُضَاةِ الْأَنَامِ وَهِيَ مُنَاسِبَةٌ لِمَا بَعْدَهَا.

(قَوْلُهُ: شَيْخُ) إمَّا مَصْدَرُ شَاخَ أَوْ وَصْفٌ لَهُ سَمَاعِيٌّ وَالْقِيَاسُ شَائِخٌ كَضَرَبَ فَهُوَ ضَارِبٌ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: كَفَاعِلٍ صُغْ اسْمَ فَاعِلٍ إذَا ... مِنْ ذِي ثَلَاثَةٍ يَكُونُ كَغَذَا وَذَكَرَ فِي الْقَامُوسِ فِي جَمْعِهِ أَحَدَ عَشَرَ جَمْعًا خَمْسَةٌ مَبْدُوءَةٌ بِالشِّينِ شُيُوخٌ بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِهَا وَشِيَخَةٌ بِكَسْرِ الشِّينِ مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِهَا وَشِيخَانٌ كَغِلْمَانٍ وَخَمْسَةٌ مَبْدُوءَةٌ بِالْمِيمِ مَشَايِخُ وَمَشْيَخَةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ فِيهِمَا وَمَشْيُوخَاءُ مَعَ وَاوٍ بَعْدَ الْيَاءِ وَحَذْفِهَا، وَوَاحِدَةٌ مَبْدُوءَةٌ بِالْهَمْزَةِ وَهِيَ أَشْيَاخٌ وَالْجَمْعُ الَّذِي هُوَ مَشَايِخُ بِالْيَاءِ، وَلَا يَجُوزُ هَمْزَةُ لِأَنَّ الْيَاءَ أَصْلِيَّةٌ فِي الْمُفْرَدِ، وَهِيَ إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ لَا تُقْلَبُ هَمْزَةً فِي الْجَمْعِ كَمَعَايِشَ فَهَذَا مِنْ قَبِيلِ مُحْتَرَزِ قَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ: وَالْمَدُّ زِيدَ ثَالِثًا فِي الْوَاحِدِ ... هَمْزًا يُرَى فِي مِثْلِ كَالْقَلَائِدِ وَتَصْغِيرُهُ شُيَيْخٌ بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِهَا وَقِيلَ: شُوَيْخٌ بِقِلَّةٍ قِيلَ: لَقَّبَهُ بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْخَضِرُ حِينَ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ حَافِيًا إلَى الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ وَدَخَلَ وَرَآهُ فِيهِ، وَقِيلَ الْمُلَقِّبُ لَهُ بِذَلِكَ الْقُطْبُ لَمَّا أَرَادَ الْمُجَاوِرُونَ ضَرْبَهُ أَيْ: الْقُطْبَ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ لِصٌّ، وَكَانَ مَعَهُمْ الشَّيْخُ فَالْتَفَتَ إلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: وَأَنْتَ مِثْلُهُمْ يَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ

(قَوْلُهُ مَلِكُ الْعُلَمَاءِ) أَيْ: الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَالْمَلِكِ فَالْكَلَامُ عَلَى التَّشْبِيهِ أَوْ الِاسْتِعَارَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي نَحْوِ زَيْدٌ أَسَدٌ ع ش وَعِبَارَتُهُ عَلَى م ر الْمَلِكُ مِنْ الْمُلْكِ بِالضَّمِّ، وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْمَالِكُ مِنْ الْمِلْكِ بِالْكَسْرِ وَهُوَ التَّعَلُّقُ بِالْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ اهـ. وَالْعُلَمَاءُ: جَمْعُ عَلِيمٍ كَكُرَمَاءُ جَمْعُ كَرِيمٍ (قَوْلُهُ: الْأَعْلَامِ) أَيْ: كَالْأَعْلَامِ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا أَوْ كَالْأَعْلَامِ جَمْعُ عَلَمٍ بِمَعْنَى الْجَبَلِ، وَالْمُرَادُ الَّذِينَ هُمْ كَالْجِبَالِ فِي الثَّبَاتِ وَعَدَمِ التَّزَلْزُلِ وَفِي الْمُخْتَارِ الْعَلَمُ: بِفَتْحَتَيْنِ الْعَلَامَةُ وَهُوَ أَيْضًا الْجَبَلُ وَعَلَمُ الثَّوْبِ وَالرَّايَةُ ع ش (قَوْلُهُ: سِيبَوَيْهِ زَمَانِهِ) أَيْ: كَسِيبَوَيْهِ فِي زَمَانِهِ فِي الِاشْتِهَارِ بِالْفَضْلِ فَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى فِي وَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أَوْ اسْتِعَارَةٌ لِأَنَّ الْعَلَمَ إذَا اشْتَهَرَ بِوَصْفٍ تَجْرِي فِيهِ الِاسْتِعَارَةُ كَحَاتِمٍ وَسَحْبَانَ، فَإِنْ قِيلَ سِيبَوَيْهِ اشْتَهَرَ بِالنَّحْوِ وَهَذَا بِالْفِقْهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: رَافِعِيُّ زَمَانِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ اشْتِهَارَهُ بِالْفِقْهِ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ بِخِلَافِ اشْتِهَارِهِ بِالنَّحْوِ فَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: سِيبَوَيْهِ زَمَانِهِ (قَوْلُهُ: فَرِيدُ عَصْرِهِ) أَيْ: الْمُنْفَرِدُ فِي عَصْرِهِ أَيْ: لَمْ يُشَارِكْهُ أَحَدٌ فِي مَرْتَبَتِهِ وَالْعَصْرُ وَالْأَوَانُ مُتَرَادِفَانِ وَقِيلَ: الْعَصْرُ مِنْ حِينِ الِاشْتِهَارِ وَالْأَوَانُ مِنْ حِينِ الْوِلَادَةِ وَكَذَا الدَّهْرُ.
وَالْعَصْرُ مُثَلَّثُ الْعَيْنِ مَعَ سُكُونِ الصَّادِ وَبِضَمِّ الْعَيْنِ وَالصَّادِ فَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ

(قَوْلُهُ: حُجَّةُ الْمُنَاظِرِينَ) يَعْنِي أَنَّ كَلَامَهُ حُجَّةٌ لِلْمُنَاظِرِينَ

لِسَانُ الْمُتَكَلِّمِينَ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي الْعَالَمِينَ زَيْنُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ

أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا الْأَنْصَارِيُّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّتِهِ وَنَفَعَنَا وَالْمُسْلِمِينَ بِبَرَكَتِهِ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى أَفْضَالِهِ

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ

[حاشية البجيرمي]

كَالْأَدِلَّةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْأَحْكَامُ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ مَا يَقُولُهُ هُوَ الْمَنْقُولُ.
ع ش وَالْمُنَاظِرِينَ مِنْ الْمُنَاظَرَةِ وَهِيَ لُغَةً: مُقَابَلَةُ الْحُجَّةِ بِالْحُجَّةِ فَإِنْ كَانَتْ لِإِحْقَاقِ الْحَقِّ فَمَحْمُودَةٌ، وَإِلَّا فَمَذْمُومَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَاصْطِلَاحًا: النَّظَرُ بِالْبَصِيرَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي السُّنَّةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إظْهَارًا لِلصَّوَابِ.
. اهـ. ح ف

(قَوْلُهُ: لِسَانُ الْمُتَكَلِّمِينَ) أَيْ: الَّذِي هُوَ لَهُمْ كَاللِّسَانِ الَّذِي يَنْطِقُونَ بِهِ مُبَالَغَةً فِي أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ التَّكَلُّمَ بِدُونِ النَّظَرِ فِي كَلَامِهِ وَالْأَخْذِ مِنْهُ.
ع ش وَالْمُرَادُ بِالْمُتَكَلِّمِ الْحَاصِلُ مِنْهُ الْكَلَامُ فَيَشْمَلُ عُلَمَاءَ التَّوْحِيدِ وَغَيْرَهُمْ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمُنَاظِرِينَ شَيْخُنَا ح ف (قَوْلُهُ: مُحْيِي السُّنَّةِ) أَيْ: مُظْهِرُ خَفِيَّهَا فَفِي الْكَلَامِ إمَّا اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ الْإِظْهَارِ بِالْإِحْيَاءِ وَاسْتِعَارَتِهِ لَهُ ثُمَّ اشْتَقَّ مِنْهُ مُحْيِي أَوْ بِالْكِنَايَةِ بِتَشْبِيهِ السُّنَّةِ بِالْمَيِّتِ بِجَامِعِ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ وَإِثْبَاتِ مَا يُنَاسِبُهُ وَهُوَ مُحْيِي أَيْ: الْإِحْيَاءُ الَّذِي فِي ضِمْنِهِ تَخْيِيلٌ تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: زَيْنُ الدِّينِ) أَيْ: مُزَيِّنُ الدِّينِ وَفِي الْمُخْتَارِ الزِّينَةُ: مَا يَتَزَيَّنُ بِهِ وَالزَّيْنُ: ضِدُّ الشَّيْنِ وَقَدَّمَ اللَّقَبَ عَلَى الِاسْمِ لِاشْتِهَارِهِ مِثْلُ ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [النساء: 171] أَوْ جَرْيًا عَلَى عَادَةِ الْمُؤَرِّخِينَ.

(قَوْلُهُ: الْأَنْصَارِيُّ) فَإِنْ قُلْت: الْأَنْصَارُ جَمْعُ قِلَّةٍ وَهْم أُلُوفٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْقِلَّةَ وَالْكَثْرَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرَانِ فِي نَكِرَاتِ الْجُمُوعِ، أَمَّا فِي الْمَعَارِفِ فَلَا فَرْقَ أَوْ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ جَمْعَ الْقِلَّةِ فِي الْكَثْرَةِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ: النُّصَيْرِيُّ أَوْ النَّاصِرِيُّ لِأَنَّهُ إذَا أُرِيدَ النِّسْبَةُ إلَى الْجَمْعِ رُدَّ إلَى مُفْرَدِهِ وَالْأَنْصَارُ: جَمْعُ نَصِيرٍ أَوْ نَاصِرٍ.
أُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَصِرْ الْجَمْعُ كَالْعَلَمِ وَإِلَّا نُسِبَ إلَى لَفْظِهِ وَالْأَنْصَارُ صَارَ كَالْعَلَمِ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَقَدْ كَانَ خَزْرَجِيًّا، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَالْوَاحِدُ اُذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ ... مَا لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ وَبَلَدُهُ اسْمُهَا سُنَيْكَةُ بِالشَّرْقِيَّةِ وَإِنَّمَا لَمْ يُنْسَبْ الشَّيْخُ إلَيْهَا لِمَا قِيلَ إنَّهُ كَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَكْرَهُ النِّسْبَةَ إلَيْهَا ع ش (قَوْلُهُ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ) أَيْ: جَعَلَ الرَّحْمَةَ لَهُ كَالْغِمْدِ لِلسَّيْفِ، وَالْمَقْصُودُ الْمُبَالَغَةُ فِي عُمُومِ الرَّحْمَةِ لَهُ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْغِمْدَ أَيْ: الْجِرَابَ لَا يَعُمُّ السَّيْفَ كُلَّهُ فَفِي كَلَامِهِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ التَّعْمِيمَ بِالتَّغْمِيدِ وَاسْتَعَارَهُ لَهُ وَاشْتَقَّ مِنْهُ تَغَمَّدَهُ بِمَعْنَى عَمَّهُ.
(قَوْلُهُ فَسِيحَ جَنَّتِهِ) أَيْ: وَاسِعَ جَنَّتِهِ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، وَالصِّفَةُ كَاشِفَةٌ لِأَنَّ الْجَنَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا وَاسِعَةً (قَوْلُهُ بِبَرَكَتِهِ) أَيْ: بِعُلُومِهِ وَمَعَارِفِهِ وَفِي الْمُخْتَارِ وَالْبَرَكَةُ: النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ وَالتَّبْرِيكُ: الدُّعَاءُ بِالْبَرَكَةِ.
ع ش

(قَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى أَفْضَالِهِ) إلَى آخِرِ الشَّرْحِ هَذَا مَقُولُ الْقَوْلِ فَجُمْلَةُ الشَّرْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِقَالَ.
اهـ. (فَائِدَةٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ أَيْ: مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ عَلَى كُلِّ شَارِعٍ فِي تَصْنِيفٍ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ: الْبَسْمَلَةُ، وَالْحَمْدَلَةُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّشَهُّدُ، وَيُسَنُّ لَهُ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ تَسْمِيَةُ نَفْسِهِ وَتَسْمِيَةُ كِتَابِهِ وَالْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِبَرَاعَةِ الِاسْتِهْلَالِ.
اهـ عَبْدُ الْبَرِّ عَلَى التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ عَلَى إفْضَالِهِ) هُوَ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَهُوَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِالْحَمْدِ وَالتَّقْدِيرُ الْحَمْدُ عَلَى إفْضَالِ اللَّهِ لِلَّهِ إلَّا أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِخْبَارِ إلَّا أَنْ يُلَاحَظَ الْمُضَافُ فَقَطْ شَوْبَرِيُّ مُلَخَّصًا وَكَوْنُهُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا أَوْلَى لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ حُمِدَ عَلَى الذَّاتِ أَوَّلًا وَعَلَى الْفِعْلِ ثَانِيًا بِخِلَافِهِ عَلَى الثَّانِي فَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ إلَّا حَمْدٌ وَاحِدٌ وَعَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ وَاخْتَارَهَا عَلَى اللَّامِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْحَمْدَ مُسْتَعْمَلٌ عَلَى الْمَحْمُودِ عَلَيْهِ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ وَعَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ عِبَارَةِ شَرْحِ الْأَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى إنْعَامِهِ إلَى قَوْلِهِ عَلَى إفْضَالِهِ إشَارَةً لِلرَّدِّ عَلَى الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ع ش وَأَيْضًا مَادَّةُ الْإِفْضَالِ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّيْءِ النَّفِيسِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْفَاعِلِ وَمِنْهُ قَوْلُ سُلَيْمَانَ فِي قِصَّةِ عَرْشِ بِلْقِيسَ ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: 40] بِخِلَافِ مَادَّةِ الْإِنْعَامِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ شَوْبَرِيُّ

(قَوْلُهُ وَالصَّلَاةُ) اسْمُ مَصْدَرٍ إذْ مَصْدَرُ صَلَّى التَّصْلِيَةُ لَكِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ وَأَمَّا مَصْدَرُ سَلَّمَ فَالتَّسْلِيمُ كَمَا فِي الْآيَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَظَرًا لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ لَفْظَيْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فِي كَوْنِهِمَا مِنْ أَسْمَاءِ الْمَصَادِرِ.
شَوْبَرِيٌّ وَقَوْلُهُ لَكِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَعَلَّ الْمُرَادَ لَمْ يُسْمَعْ بِمَعْنَى الصَّلَاةِ أَيْ: الدُّعَاءِ بِخَيْرٍ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ سَمِعَ فِي الْعَذَابِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: 94] وَلَمْ يُعَبِّرْ بِالْمَصْدَرِ فِي جَانِبِ

عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ

وَصَحْبِهِ وَآلِهِ (وَبَعْدُ)

فَقَدْ كُنْتُ اخْتَصَرْتُ مِنْهَاجَ الطَّالِبِينَ

فِي الْفِقْهِ

تَأْلِيفُ الْإِمَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

فِي كِتَابٍ

[حاشية البجيرمي]

الصَّلَاةِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَاؤُمِ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى دُخُولِ النَّارِ قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: 31] (قَوْلُهُ عَلَى سَيِّدِنَا) مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلَامِ عَلَى اخْتِيَارِ الْبَصْرِيِّينَ، وَمُتَعَلِّقُ الصَّلَاةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالصَّلَاةِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ ذِكْرُ مُتَعَلِّقِ السَّلَامِ عَلَى الْأَصَحِّ.
شَوْبَرِيُّ وَقَالَ: ع ش مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ كَائِنَانِ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّنَازُعِ، وَإِنْ جَرَى بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِي الْمَصَادِرِ، وَقِيلَ: يَجْرِي فِيهَا اهـ

(قَوْلُهُ وَصَحْبِهِ وَآلِهِ) قَدَّمَ الصَّحْبَ عَلَى الْآلِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ ثَبَتَتْ بِخَبَرِ «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ» وَالصَّلَاةُ عَلَى الصَّحْبِ إنَّمَا هِيَ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ جُمْلَةَ الصَّحْبِ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَةِ الْآلِ إذْ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَوْ يُقَالُ قَدَّمَهُ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآلِ الْأَتْبَاعُ فَيَكُونُ أَعَمَّ مِنْ الصَّحْبِ فَيَكُونُ فِي تَأْخِيرِهِ فَائِدَةٌ بِخِلَافِ تَأْخِيرِ الصَّحْبِ ع ش

(قَوْلُهُ فَقَدْ كُنْت) أَتَى بِكُنْتُ مَعَ اخْتَصَرْت لِتَوَغُّلِهَا فِي الْمُضِيِّ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: فَقَدْ اخْتَصَرْت لِتَوَهُّمِ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُضَارِعِ أَوْ بِمَعْنَى شَرَعْت فِي الِاخْتِصَارِ كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا وَهَذَا مَاضٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْجَوَابَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَأَقُولُ: قَدْ كُنْت إلَخْ.
وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يَجِبُ حَذْفُ الْفَاءِ مِنْ جَوَابٍ أَمَّا إذَا كَانَ قَوْلًا مَحْذُوفًا كَمَا قَالَهُ الْأُشْمُونِيُّ وَغَيْرُهُ فِي شَرْحِ قَوْلِ مَتْنِ الْخُلَاصَةِ: وَحَذْفُ ذِي الفاقل فِي نَثْرٍ إذَا ... لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا وَشَاهِدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: 106] أَيْ: فَيُقَالُ لَهُمْ: أَكَفَرْتُمْ وَأُجِيبَ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ جَوَّزَ ذِكْرَ الْفَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَهَا قَوْلٌ مَنْبُوذٌ يَكْثُرُ الْحَذْفُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَيَجِبُ عِنْدَ الْأُشْمُونِيِّ وَغَيْرِهِ

(قَوْلُهُ فِي الْفِقْهِ) فِي هَذِهِ الظَّرْفِيَّةِ إشْكَالٌ حَاصِلُهُ أَنَّ الْمِنْهَاجَ كَغَيْرِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الْكُتُبِ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ، وَالْفِقْهُ كَغَيْرِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الْعُلُومِ اسْمٌ لِلْمَلَكَةِ أَوْ الْإِدْرَاكِ أَوْ الْمَسَائِلِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ وَلَا مَعْنَى لِظَرْفِيَّةِ نَحْوِ الْمَسَائِلِ لِلْأَلْفَاظِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِوُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّ فِي بِمَعْنَى عَلَى فَهُوَ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمَدْلُولِ لِلدَّالِّ وَالْمَعْنَى اخْتَصَرْت مِنْهَاجَ الطَّالِبِينَ الدَّالَّ عَلَى الْمَسَائِلِ الْمَخْصُوصَةِ أَوْ الْمُحَصِّلَ لِلْإِدْرَاكَاتِ الْمَخْصُوصَةِ أَوْ الْمَلَكَةِ ع ش وَقَوْلُهُ أَوْ الْمُحَصِّلُ إلَخْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْفِقْهَ إنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمَسَائِلِ فَفِي بِمَعْنَى عَلَى إنْ كَانَ بِمَعْنَى الْإِدْرَاكِ أَوْ الْمَلَكَةِ فَفِي بِمَعْنَى اللَّامِ فَقَوْلُهُ بِمَعْنَى عَلَى فِيهِ قُصُورٌ وَهُوَ أَيْ: قَوْلُهُ فِي الْفِقْهِ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لِأَنَّ مِنْهَاجَ الطَّالِبِينَ خَاصٌّ بِالْفِقْهِ وَاَلَّذِي فِي الْأُصُولِ لِلْبَيْضَاوِيِّ يُقَالُ لَهُ: مِنْهَاجٌ فَقَطْ.

(قَوْلُهُ مُحْيِي الدِّينِ) نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي حِلٍّ مَنْ قَالَ عَنِّي مُحْيِي الدِّينِ وَهَذَا مِنْ وَرَعِهِ وَتَوَاضُعِهِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حُرْمَةَ إطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ عَلَيْهِ حَلَبِيٌّ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ صَرَّحَ بِأَنَّ مَدْحَهُ بِحَقٍّ يُؤْذِيهِ لَا يَحْرُمُ مَدْحُهُ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ «الْغِيبَةُ ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ» لِأَنَّ مُرَادَهُمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا يُكْرَهُ شَرْعًا، وَأَمَّا إذَا كَرِهَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ، فَلَا يُلْتَفَتُ لِكَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ بِالْغِيبَةِ أَشْبَهُ كَشَخْصٍ كَرِيمٍ كَرِهَ مَدْحَهُ بِالْكَرَمِ خَوْفًا عَلَى مَالِهِ مِنْ الظَّلَمَةِ.
اهـ إطْفِيحِيٌّ عَنْ الشَّوْبَرِيِّ (قَوْلُهُ النَّوَوِيِّ) نِسْبَةً إلَى نَوَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الشَّامِ.

(قَوْلُهُ فِي كِتَابٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَوَضَعْته أَيْ: الْمُخْتَصَرَ الْمَأْخُوذَ مِنْ الِاخْتِصَارِ فِي كِتَابٍ فَالْمَظْرُوفُ فِي الْكِتَابِ هُوَ أَثَرُ الِاخْتِصَارِ لَا نَفْسُهُ إذْ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الِاخْتِصَارِ الَّذِي هُوَ تَقْلِيلُ اللَّفْظِ مَظْرُوفًا فِي الْكِتَابِ وَهُوَ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْأَجْزَاءِ فِي الْكُلِّ أَوْ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ أَوْ أَرَادَ بِالْمُخْتَصَرِ الْمَعْنَى وَفِي الْكِتَابِ اللَّفْظُ شَوْبَرِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ.
وَقَوْلُهُ وَهُوَ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْأَجْزَاءِ فِي الْكُلِّ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ ظَرْفِيَّةُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ وَهَذَا السُّؤَالُ لَا يَرِدُ لِأَنَّ الْكِتَابَ اسْمٌ لِمَا أَخَذَهُ مِنْ الْمِنْهَاجِ وَلِمَا ضَمَّهُ إلَيْهِ فَهُوَ حِينَئِذٍ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْجُزْءِ فِي الْكُلِّ وَسَمَّاهُ كِتَابًا مَعَ أَنَّهُ حِينَ الِاخْتِصَارِ لَيْسَ مَوْجُودًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ أَوْ مِنْ بَابِ

سَمَّيْتُهُ بِمَنْهَجِ الطُّلَّابِ، وَقَدْ سَأَلَنِي بَعْضُ الْأَعِزَّةِ عَلَيَّ مِنْ الْفُضَلَاءِ الْمُتَرَدِّدِينَ إلَيَّ أَنْ أَشْرَحَهُ شَرْحًا

يَحِلُّ أَلْفَاظَهُ وَيُجَلِّ حُفَّاظَهُ وَيُبَيِّنُ مُرَادَهُ

وَيُتَمِّمُ مُفَادَهُ؛ فَأَجَبْته إلَى ذَلِكَ بِعَوْنِ الْقَادِرِ الْمَالِكِ وَسَمَّيْته بِفَتْحِ الْوَهَّابِ بِشَرْحِ مَنْهَجِ الطُّلَّابِ.

وَاَللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَيْ أُؤَلِّفُ

وَالِاسْمُ

[حاشية البجيرمي]

التَّجْرِيدِ لَعَلَّ مُرَادَهُ بِهِ التَّجْرِيدُ الْبَيَانِيُّ وَهُوَ أَنْ يُنْتَزَعَ مِنْ شَيْءٍ شَيْءٌ مُمَاثِلٌ لَهُ فِي صِفَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت: 28] فَقَدْ انْتَزَعَ مِنْ الْمُخْتَصَرِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمِنْهَاجِ كِتَابًا وَجَعَلَهُ مَظْرُوفًا فِيهِ لَكِنَّ التَّجْرِيدَ لَا يَظْهَرُ إلَّا إذَا كَانَ الْكِتَابُ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمِنْهَاجِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ سَمَّيْته بِمَنْهَجِ الطُّلَّابِ) فَقَدْ اخْتَصَرَ الِاسْمَ وَالْمُسَمَّى (قَوْلُهُ وَقَدْ سَأَلَنِي) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ عَلَيَّ) بَيْنَ عَلَيَّ وَإِلَيَّ الْجِنَاسُ الْمُضَارِعُ وَهُوَ اخْتِلَافُ الْكَلِمَتَيْنِ بِحَرْفَيْنِ مُتَقَارِبَيْ الْمَخْرَجِ، وَبَيْنَ مُرَادٍ وَمُفَادٍ الْجِنَاسُ اللَّاحِقُ وَهُوَ اخْتِلَافُهُمَا بِحَرْفَيْنِ مُتَبَاعِدَيْ الْمَخْرَجِ وَبَيْنَ يَحِلُّ وَيَجِلُّ الْجِنَاسُ الْمُصَحَّفُ تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ أَنْ أَشْرَحَهُ شَرْحًا) الشَّرْحُ الْأَوَّلُ: بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَهُوَ التَّأْلِيفُ وَالثَّانِي: بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ الْأَلْفَاظُ الْمَخْصُوصَةُ الَّتِي هِيَ الشَّرْحُ اصْطِلَاحًا.

(قَوْلُهُ يَحِلُّ أَلْفَاظَهُ) أَيْ: تَرَاكِيبَهُ بِبَيَانِ فَاعِلِهِ وَمَفْعُولِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَالضَّمَائِرِ وَقَدْ شَبَّهَ فَكَّ التَّرَاكِيبِ بِحَلِّ الشَّيْءِ الْمَعْقُودِ ثُمَّ أَطْلَقَ الْحَلَّ عَلَى الْفَكِّ وَاشْتَقَّ مِنْهُ الْفِعْلَ فَصَارَتْ الِاسْتِعَارَةُ فِي الْمَصْدَرِ أَصْلِيَّةً وَفِي الْفِعْلِ تَبَعِيَّةً، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً مَكْنِيَّةً أَوْ مَجَازًا مُرْسَلًا لِأَنَّ التَّبْيِينَ لَازِمٌ لِلْحَلِّ شَوْبَرِيٌّ قَالَ ح ل: وَفِيهِ أَنَّ هَذَا مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ الْمَنْهَجَ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ.
لَا يُقَالُ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ: أَلْفَاظًا هِيَ هُوَ.
لِأَنَّا نَقُولُ: قَالَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ: الْإِضَافَةُ الْبَيَانِيَّةُ لَا تَأْتِي فِي الْإِضَافَةِ لِلضَّمِيرِ وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ مِنْ إضَافَةِ كُلٍّ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ إلَى كُلِّهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَحِلُّ كُلَّ تَرْكِيبٍ مِنْ تَرَاكِيبِ جُمْلَةِ الْأَلْفَاظِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ أَرْكَانُ الْبَيْعِ اهـ وَقَوْلُهُ مِنْ إضَافَةِ كُلٍّ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: مِنْ إضَافَةِ كُلٍّ مِنْ الْأَجْزَاءِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ إلَى كُلِّهِ وَلَمْ يَقُلْ إلَى كُلَّيْهِ اهـ (قَوْلُهُ وَيُجِلُّ حُفَّاظَهُ) أَيْ: يُصَيِّرُهُمْ أَجِلَّاءً أَيْ: عُظَمَاءَ وَالْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِهِ وَيُتَمِّمُ مُفَادَهُ لِأَنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ قَدَّمَهُ لِأَجْلِ السَّجْعِ.
(قَوْلُهُ وَيُبَيِّنُ مُرَادَهُ) أَيْ: الْمُسْتَفَادَ مِنْ تَرَاكِيبِهِ، وَلَمَّا كَانَ النَّظَرُ إلَى الْمُفْرَدَاتِ سَابِقًا عَلَى النَّظَرِ لِلْمُرَكَّبَاتِ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ يَحِلُّ أَلْفَاظَهُ وَإِلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ وَيُبَيِّنُ مُرَادَهُ وَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ.
شَوْبَرِيٌّ

(قَوْلُهُ وَيُتَمِّمُ مُفَادَهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أَفَادَ مَزِيدُ الثُّلَاثِيِّ يَعْنِي الَّذِي اُسْتُفِيدَ مِنْهُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ أَيْ: فَائِدَتِهِ وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ فَتْحَ الْمِيمِ أَيْضًا وَلَا يَخْفَى حُسْنُ ذِكْرِ التَّبْيِينِ فِي جَانِبِ الْمُرَادِ، وَالتَّتْمِيمِ فِي جَانِبِ الْمُفَادِ لِاحْتِيَاجِ الْمُرَادِ إلَى الْكَشْفِ وَالْإِيضَاحِ لِخَفَائِهِ وَالْمُفَادِ إلَى تَكْمِيلِ وَتَتْمِيمِ النَّقْصِ بِذِكْرِ نَحْوِ قَيْدٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ مِنْ كَلَامِ السَّائِلِ وَالتَّمَامُ ضِدُّ النَّقْصِ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ فَأَجَبْته) أَيْ: بَادَرْت إلَى إجَابَتِهِ لِذَلِكَ أَخْذًا مِنْ الْفَاءِ أَيْ: بِالْوَعْدِ وَالْعَزْمِ عَلَيْهِ أَوْ بِالشُّرُوعِ فِيهِ (قَوْلُهُ بِعَوْنِ) أَيْ: مُسْتَعِينًا عَلَى إنْجَازِ مَا وَعَدْته بِعَوْنِ الْقَادِرِ الْمَالِكِ.
(قَوْلُهُ بِشَرْحِ) مُتَعَلِّقٌ بِفَتْحِ ع ش وَهَذَا التَّعَلُّقُ قَبْلَ جَعْلِهِ عَلَمًا، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ جُزْءٌ مِنْ الْعَلَمِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ وَهَذَا الْعَلَمُ مُرَكَّبٌ مِنْ سِتِّ كَلِمَاتٍ

(قَوْلُهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) مَعْطُوفٌ عَلَى هُوَ حَسْبِي بِنَاءً عَلَى جَوَازِ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ امْتِنَاعُهُ فَعَلَيْهِ يُقَدَّرُ فِي الْمَعْطُوفِ مُبْتَدَأٌ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَيُجْعَلُ خَبَرًا عَنْهُ بِالتَّأْوِيلِ الْمَشْهُورِ فِي وُقُوعِ الْإِنْشَاءِ خَبَرًا أَيْ: وَهُوَ مَقُولٌ فِيهِ نِعْمَ الْوَكِيلُ وَحِينَئِذٍ فَهِيَ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مِثْلِهَا أَوْ جُمْلَةٌ نِعْمَ الْوَكِيلُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى حَسْبِي وَهُوَ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُضَمَّنٍ مَعْنَى الْفِعْلِ فَلَمْ يَكُنْ فِي قُوَّةِ الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ جَوَّزَ عَطْفَ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ فِي الْجُمَلِ الَّتِي لَهَا مَحَلٌّ مِنْ الْإِعْرَابِ لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَ الْمُفْرَدِ وَخَرَجَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاوَ مِنْ الْحِكَايَةِ لَا مِنْ الْمَحْكِيِّ.
شَوْبَرِيٌّ بِاخْتِصَارٍ وَقَدْ يُقَالُ: " مَا " هُنَا لَا مَحَلَّ لَهَا مِنْ الْإِعْرَابِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ جُمْلَةَ وَهُوَ حَسْبِي حَالِيَّةٌ، وَحَسْبِي بِمَعْنَى كَافِي أَيْ: يَكْفِينِي وَالْوَكِيلُ بِمَعْنَى الْمُوَكَّلِ إلَيْهِ أُمُورُ خَلْقِهِ

(قَوْلُهُ أَيْ: أُؤَلِّفُ) بَيَانٌ لِمَا هُوَ الْأَوْلَى فِي مُتَعَلِّقِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مِنْ كَوْنِهِ فِعْلًا مُؤَخَّرًا خَاصًّا وَفِي تَقْدِيرِ الْمُتَعَلِّقِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْبَاءَ غَيْرُ زَائِدَةٍ وَهُوَ

مُشْتَقٌّ مِنْ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ

وَاَللَّهُ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ

وَالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صِفَتَانِ مُشَبَّهَتَانِ بُنِيَتَا لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ رَحِمَ وَالرَّحْمَنُ أَبْلَغُ مِنْ الرَّحِيمِ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى كَمَا فِي قَطَعَ وَقَطَّعَ

[حاشية البجيرمي]

الْأَصَحُّ.
ع ش

(قَوْلُهُ مُشْتَقٌّ) أَيْ: مَأْخُوذٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْفٍ (قَوْلُهُ مِنْ السُّمُوِّ) وَقِيلَ: مِنْ الْوَسْمِ قَالَ حَجّ زِيَادَةً عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَقِيلَ: مِنْ السُّمَا فَوَزْنُهُ عَلَى الْأَوَّلِ افْعٌ وَعَلَى الثَّانِي اعْلٌ وَعَلَى الثَّالِثِ افْلٌ ع ش فَأَصْلُهُ عَلَى الْأَوَّلِ سُمُوٌّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ لِلْمِيمِ بَعْدَ نَقْلِ سُكُونِهَا لِلسِّينِ فَحُذِفَتْ أَيْ: الْوَاوُ وَأُتِيَ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ تَوَصُّلًا لِلنُّطْقِ بِالسَّاكِنِ، وَعِوَضًا عَنْ الْوَاوِ وَقَوْلُهُ وَقِيلَ: مِنْ الْوَسْمِ أَيْ: مِنْ فِعْلِهِ وَهُوَ وَسْمٌ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَالِاشْتِقَاقَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْأَفْعَالِ

(قَوْلُهُ وَاَللَّهُ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ) أَيْ: بِالْغَلَبَةِ إلَّا أَنَّهُ قَبْلَ حَذْفِ الْهَمْزَةِ وَالْإِدْغَامِ غَلَبَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ وَبَعْدَ ذَلِكَ غَلَبَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ.
ح ف عَلَى الْأُشْمُونِيِّ.
وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ وَاَللَّهُ عَلَمٌ أَيْ: بِالْغَلَبَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ إنْ جُعِلَ عَلَمًا عَلَى ذَاتِهِ ابْتِدَاءً وَبِالْغَلَبَةِ التَّحْقِيقِيَّةِ إنْ رُوعِيَ أَصْلُهُ أَيْ: إلَهٌ وَلَمْ يَجْعَلْ ذَاتَه تَعَالَى مَقْصُودَةً بِالْوَضْعِ مِنْهُ لِسَبْقِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ التَّحْقِيقِيَّةَ هِيَ غَلَبَةُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا اخْتَصَّ بِهِ بِأَنْ سَبَقَ لَهُ اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْر مَعْنَى الْعَلَمِيَّةِ، وَأَمَّا الْغَلَبَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ فَهِيَ اخْتِصَاصُ اللَّفْظِ بِمَعْنًى مَعَ إمْكَانِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِهِ بِحَسَبِ الْوَضْعِ لَكِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا تَقْدِيرِيَّةٌ أَوْ تَحْقِيقِيَّةٌ لِأَنَّهَا بِالنَّظَرِ إلَى مَا قَبْلَ الْعَلَمِيَّةِ تَحْقِيقِيَّةٌ، وَإِلَى مَا بَعْدَ الْعَلَمِيَّةِ تَقْدِيرِيَّةٌ ع ش اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ وَهُوَ إلَهٌ وَالْإِلَهُ، فَالْأَوَّلُ غَلَبَتُهُ تَحْقِيقِيَّةٌ وَالثَّانِي تَقْدِيرِيَّةٌ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ إلَّا فِي اللَّهِ، وَأَمَّا اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ فَلَيْسَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ لَا التَّحْقِيقِيَّةِ وَلَا التَّقْدِيرِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى كُلِّيٍّ ثُمَّ يَغْلِبُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ كَانَتْ تَحْقِيقِيَّةً وَإِلَّا فَتَقْدِيرِيَّةٌ، وَاَللَّهُ لَيْسَ بِكُلِّيٍّ وَلَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ تَعَالَى.

(قَوْلُهُ وَالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صِفَتَانِ مُشَبَّهَتَانِ) أَيْ: بِحَسَبِ الْوَضْعِ وَقَوْلُهُ بُنِيَتَا أَيْ: اُشْتُقَّتَا لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ: لِأَجْلِ إفَادَةِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ: بِحَسَبِ الِاسْتِعْمَالِ وَيَجْعَلُ إفَادَتَهُمَا الْمُبَالَغَةَ بِحَسَبِ الِاسْتِعْمَالِ لَا بِحَسَبِ الصِّيغَةِ، وَالْوَضْعِ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ فِي جَعْلِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ مَعَ كَوْنِهِمَا صِفَتَيْنِ مُشَبَّهَتَيْنِ تَنَافٍ وَأَيْضًا صِيَغُ الْمُبَالَغَةِ مَحْصُورَةٌ فِي خَمْسَةٍ وَرَحْمَنُ لَيْسَ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ مِنْ رَحِمَ) أَيْ: مِنْ مَادَّتِهِ بَعْدَ جَعْلِهِ لَازِمًا وَنَقْلِهِ إلَى فُعْلٍ بِالضَّمِّ أَوْ تَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ كَمَا فِي فُلَانٍ يُعْطِي ع ش وَقِيلَ: مِنْ مَصْدَرِهِ وَهَذَا إذَا كَانَ لَفْظُ رَحِمَ مَفْتُوحُ الْأَوَّلِ مَكْسُورُ الثَّانِي فَإِنْ جُعِلَ مَضْمُومَ الْأَوَّلِ سَاكِنَ الثَّانِي مَصْدَرَ الرُّحْمِ بِضَمِّ الْحَاءِ فَلَا إشْكَالَ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشِّهَابُ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ اهـ رَشِيدِيٌّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 81] أَيْ: رَحْمَةً وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ لِلتَّنْزِيلِ وَلَا لِلنَّقْلِ وَاشْتِقَاقِ رَحْمَنُ مِنْ رُحُمٍ بِالضَّمِّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ؛ لِأَنَّ فُعُلَ الْمَضْمُومَ الْعَيْنِ لَا تَأْتِي مِنْهُ الصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ قِيَاسًا إلَّا عَلَى وَزْنِ فُعْلٍ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَفَعِيلٍ بِكَثْرَةٍ وَأَفْعَلُ وَفَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ كَمَا قَالَ النَّاظِمُ: وَفَعْلٌ أَوْلَى وَفَعِيلٌ بِفَعُلْ ... كَالضَّخْمِ وَالْجَمِيلِ وَالْفِعْلُ جَمُلْ وَأَفْعُلٌ فِيهِ قَلِيلٌ وَفُعَلْ اهـ مِنْ الْمَلَوِيِّ عَلَى الْمَكُودِيِّ وَيَرُدُّ عَلَى كَلَامِ الْمَلَوِيِّ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مَا كَانَ وَزْنًا لِاسْمِ الْفَاعِلِ يَكُونُ وَزْنًا لِلصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الدَّوَامُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ أَبْلَغُ) أَيْ: أَزْيَدُ فِي الْمَعْنَى الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِهِمَا وَهُوَ الرَّحْمَةُ أَيْ: الرَّحْمَةُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهَا بِالرَّحْمَنِ أَزْيَدُ مِنْ الرَّحْمَةِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِالرَّحِمِ أَيْ: أَعْظَمُ مَعْنًى مِنْ مَعْنَى الرَّحِيمِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى الرَّحِيمِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ وَفِيهِ بِنَاءُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِنْ الرُّبَاعِيِّ، وَهُوَ بَالِغٌ وَهُوَ إنَّمَا يُصَاغُ مِنْ الثُّلَاثِيِّ (قَوْلُهُ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى) أَيْ: بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصِّفَاتِ الْجَبَلِيَّةِ فَخَرَجَ نَحْوُ شَرَهٍ وَنَهَمٍ لِأَنَّ الصِّفَاتِ الْجَبَلِيَّةَ لَا تَتَفَاوَتُ، وَالثَّانِي: أَنْ يَتَّحِدَ اللَّفْظَانِ فِي النَّوْعِ فَخَرَجَ حَذِرٍ وَحَاذِرٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَّحِدَا فِي الِاشْتِقَاقِ فَخَرَجَ زَمَنٌ وَزَمَانٌ إذْ لَا اشْتِقَاقَ فِيهِمَا اهـ

وَلِقَوْلِهِمْ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمُ الْآخِرَةِ وَقِيلَ رَحِيمُ الدُّنْيَا

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا) أَيْ دَلَّنَا

(لِهَذَا) التَّأْلِيفِ

(وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ)

وَالْحَمْدُ لُغَةً الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ عَلَى جِهَةِ التَّبْجِيلِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ

[حاشية البجيرمي]

مَدَابِغِيٌّ عَلَى الْخَطِيبِ (قَوْلُهُ وَلِقَوْلِهِمْ) أَيْ: السَّلَفِ فَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَدِيثٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ حَدِيثٌ، وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ لِشُمُولِ الرَّحْمَنِ لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاخْتِصَاصِ الرَّحِيمِ بِالْآخِرَةِ أَوْ الدُّنْيَا فَالْأَبْلَغِيَّةُ بِحَسَبِ كَثْرَةِ أَفْرَادِ الْمَرْحُومِينَ وَقِلَّتِهَا فَهِيَ مَنْظُورٌ فِيهَا لِلْكَمِّ، وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا» فَلَا يُعَارِضُ مَا ذَكَرَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَبْلَغِيَّةُ بِالنَّظَرِ لِلْكَيْفِ.
اهـ حَلَبِيٌّ

(قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إلَخْ) هَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى هَذَا التَّأْلِيفِ الْعَظِيمِ ذِي النَّفْعِ الْعَمِيمِ الْمُوَصِّلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ إلَى الْفَوْزِ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ بِجَهْدِهِ وَاسْتِحْقَاقِ فِعْلِهِ فَاقْتَدَى بِأَهْلِ الْجَنَّةِ حَيْثُ قَالُوا ذَلِكَ فِي دَارِ الْجَزَاءِ الْمَجْعُولَةِ خَاتِمَةَ أَمْرِهِمْ قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: هَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إلَى مَا وَصَلُوا إلَيْهِ مِنْ حُسْنِ تِلْكَ الْعَطِيَّاتِ، وَعَظِيمِ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّاتِ بِجَهْدِهِمْ وَاسْتِحْقَاقِ فِعْلِهِمْ وَإِنَّمَا ذَلِكَ ابْتِدَاءً فَضْلٌ مِنْهُ تَعَالَى.
اهـ (قَوْلُهُ أَيْ: دَلَّنَا) اقْتَصَرَ فِي تَفْسِيرِ الْهِدَايَةِ عَلَى الدَّلَالَةِ فَشَمِلَتْ الدَّلَالَةَ الْمُوَصِّلَةَ إلَى الْمَقْصُودِ وَغَيْرَهَا وَذَلِكَ هُوَ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةُ، وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّهَا الدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ ع ش أَيْ: فَالدَّلَالَةُ هُنَا مُوَصِّلَةٌ لِمَا وُجِدَ مِنْهُ وَهُوَ الْبَسْمَلَةُ وَالْحَمْدَلَةُ وَغَيْرُ مُوَصِّلَةٍ لِمَا سَيُوجَدُ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْخُطْبَةُ مُتَقَدِّمَةً فَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْ الْكِتَابِ فَالدَّلَالَةُ مُوَصِّلَةٌ

(قَوْلُهُ لِهَذَا التَّأْلِيفِ) إنْ قِيلَ: لِمَ فَسَّرَ اسْمَ الْإِشَارَةِ هُنَا بِالْفِعْلِ؟ أَيْ: الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ التَّأْلِيفُ وَفِيمَا يَأْتِي بِالْمَفْعُولِ الَّذِي هُوَ الْمُؤَلَّفُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَبَعْدُ فَهَذَا قُلْنَا ثُمَّ آثَرَ التَّفْسِيرَ بِمَا ذَكَرَ لِأَنَّهُ وَصَفَ بِأَوْصَافٍ تُعَيِّنُ ذَلِكَ، وَهُنَا وَإِنْ جَازَ الْأَمْرَانِ فَهَذَا أَوْلَى لِيُوَافِقَ الْحَمْدَ عَلَى النِّعْمَةِ بِلَا وَاسِطَةٍ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَثَرِ فَإِنَّهُ بِوَاسِطَةِ الْفِعْلِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْجَلَالُ بِقَوْلِهِ فِي خُطْبَةٍ الْأَصْلُ النِّعْمَةُ بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
وَفِيهِ أَنَّ الْحَمْدَ إنَّمَا هُوَ عَلَى هِدَايَةِ اللَّهِ لِلشَّيْخِ وَهِيَ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ فُسِّرَ اسْمُ الْإِشَارَةِ بِالْمَصْدَرِ أَوْ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ فَلَمْ يَظْهَرْ لِهَذَا التَّغَايُرِ الَّذِي أَشَارَ لَهُ الْمُحَشِّي كَبِيرُ فَائِدَةٍ.

(قَوْلُهُ وَمَا كُنَّا إلَخْ) اقْتِبَاسٌ وَهُوَ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُتَكَلِّمُ كَلَامَهُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الْحَدِيثِ لَا عَلَى أَنَّهُ مِنْهُ وَلَا يَضُرُّ فِيهِ التَّغْيِيرُ لَفْظًا وَمَعْنًى لِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الْقُرْآنِ لِلنَّعِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ أَيْ: لِسَبَبِهِ كَقَوْلِهِ إنْ كُنْت أَزْمَعْتَ عَلَى هَجْرِنَا ... مِنْ غَيْرِ مَا جُرْمٍ فَصَبْرٌ جَمِيلُ وَإِنْ تَبَدَّلْتَ بِنَا غَيْرَنَا ... فَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَغَيْرِهِ لَئِنْ أَخْطَأْتُ فِي مَدِيحِك ... مَا أَخْطَأْتَ فِي مَنْعِي لَقَدْ أَنْزَلْتُ حَاجَاتِي ... بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ وَكَقَوْلِهِ مِنْ بَحْرِ الرَّمَلِ الْمَجْزُوءِ: قَالَ لِي إنَّ رَقِيبِي سَيِّئُ الْخُلْقِ فَدَارِهْ ... قُلْت دَعْنِي وَجْهَكَ الْجَنَّةُ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهْ وَجَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ أَيْ: لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا

(قَوْلُهُ لُغَةً) مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: فِي اللُّغَةِ أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ (قَوْلُهُ بِاللِّسَانِ) ذُكِرَ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لِأَنَّ الثَّنَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ آلَةُ النُّطْقِ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ الْجَارِحَةِ الْمَعْرُوفَةِ (قَوْلُهُ عَلَى الْجَمِيلِ) عَلَى تَعْلِيلِيَّةٌ وَقَوْلُهُ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ عَلَى بِمَعْنَى مَعَ فَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ بِعَامِلٍ وَاحِدٍ وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ وَالْجَمِيلُ بِحَسَبِ اعْتِقَادِ الْحَامِدِ وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ جَمِيلًا فِي الْوَاقِعِ (قَوْلُهُ عَلَى جِهَةِ التَّبْجِيلِ) بِأَنْ يَكُونَ الثَّنَاءُ بَاطِنًا بِأَنْ يَعْتَقِدَ اتِّصَافَ الْمَحْمُودِ بِمَا أَثْنَى عَلَيْهِ بِهِ وَظَاهِرًا بِأَنْ لَا يُخَالِفَهُ أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ حَلَبِيٌّ.
(قَوْلُهُ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ إلَخْ) أَيْ: سَوَاءٌ وَقَعَ فِي مُقَابَلَةٍ وَلِأَجْلِ الْفَضَائِلِ فَهَذَا تَعْمِيمٌ فِي الْمَحْمُودِ عَلَيْهِ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا يُبْطِلُ التَّقْيِيدَ بِالِاخْتِيَارِيِّ بِنَاءً عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَضَائِلِ وَالْفَوَاضِلِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ الصِّفَاتُ الَّتِي

بِالْفَضَائِلِ أَمْ بِالْفَوَاضِلِ، وَعُرْفًا فِعْلٌ يُنَبِّئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى الْحَامِدِ أَوْ غَيْرِهِ.

وَابْتَدَأْت بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ

[حاشية البجيرمي]

لَا يَتَعَدَّى أَثَرُهَا وَبِالثَّانِي الصِّفَاتُ الَّتِي يَتَعَدَّى أَثَرُهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ إدْخَالُ صِفَاتِ الْبَارِي الذَّاتِيَّةِ فَإِنَّ الثَّنَاءَ عَلَيْهَا حَمْدٌ بِاعْتِبَارِ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا وَهُوَ مُتَعَلِّقَاتُهَا كَالْمَقْدُورَاتِ لِلْقُدْرَةِ كَمَا نَقَلَهُ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: الِاخْتِيَارِيُّ وَلَوْ حُكْمًا حَلَبِيٌّ، وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الِاخْتِيَارِيَّ لَا يَشْمَلُ صِفَاتِ اللَّهِ لِإِشْعَارِهِ بِالْحُدُوثِ.
وَأَجَابَ شَيْخُنَا الْجَوْهَرِيُّ أَيْضًا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاخْتِيَارِيِّ مَا لَيْسَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ فَيَشْمَلُ صِفَاتِ الْبَارِي اهـ وَسَوَاءٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَالْفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أَيْ: تَعَلُّقُهُ بِالْفَضَائِلِ وَبِالْفَوَاضِلِ سَوَاءٌ فِي أَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى كُلِّ حَمْدٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَوَاءٌ مُبْتَدَأً وَمَا بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ بِهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاعْتِمَادِ فِي إعْمَالِ الْوَصْفِ لِأَنَّ سَوَاءٌ بِمَعْنَى مُسْتَوٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَوَاءٌ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَأَنَّ أَدَاةَ الشَّرْطِ مُقَدَّرَةٌ وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ دَلِيلُ الْجَوَابِ أَوْ هِيَ نَفْسُهُ عَلَى الْخِلَافِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ تَعَلُّقَ الثَّنَاءِ بِالْفَضَائِلِ أَمْ بِالْفَوَاضِلِ فَالْأَمْرَانِ سَوَاءٌ.
. اهـ. ع ش عَلَى م ر وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ كَوْنُ أَمْ بِمَعْنَى الْوَاوِ لِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ شَيْئَيْنِ مَعَ أَنَّ أَمْ لِأَحَدِهِمَا فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَحَذْفٌ (قَوْلُهُ بِالْفَضَائِلِ) جَمْعُ فَضِيلَةٍ أَيْ: النِّعَمِ اللَّازِمَةِ كَالشُّجَاعَةِ وَالْعِلْمِ لِأَنَّ الِاتِّصَافَ بِهِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَعَدِّي أَثَرِهِمَا لِلْغَيْرِ.
وَالْفَوَاضِلُ جَمْعُ فَاضِلَةٍ وَهِيَ النِّعَمُ الْمُتَعَدِّيَةُ كَالْإِحْسَانِ وَالْكَرَمِ شَوْبَرِيٌّ.
فَإِنْ قُلْت كُلٌّ مِنْ الْكَرَمِ وَالْعِلْمِ إنْ أُرِيدَ بِهِمَا الْمَلَكَةُ كَانَا قَاصِرَيْنِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِمَا الْأَثَرُ كَانَا مُتَعَدِّيَيْنِ قُلْت: الْمُرَادُ بِالْمُتَعَدِّيَةِ هِيَ الَّتِي يَتَوَقَّفُ تَحَقُّقُ مَعْنَاهَا عَلَى وُصُولِ أَثَرِهَا لِلْغَيْرِ وَالْقَاصِرَةُ نَقِيضُهَا إذَا عَرَفْت ذَلِكَ عَلِمْتَ أَنَّ الشَّخْصَ يَتَّصِفُ بِالْعِلْمِ وَإِنْ لَمْ يُعَلِّمْ أَحَدًا كَالْقُطْبِ وَلَا يَتَّصِفُ بِالْكَرَمِ إلَّا بَعْدَ الْإِعْطَاءِ اهـ فَنَرَى عَلَى الْمُطَوَّلِ وَعِبَارَةُ الْإِطْفِيحِيِّ قَوْلُهُ بِالْفَضَائِلِ كَالشَّجَاعَةِ وَالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ مِنْ الْمَلَكَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهَا لِتَكُونَ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا كَالْخَوْضِ فِي الْمَهَالِكِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى الْعَدُوِّ فِي الْمَعَارِكِ وَالتَّعْلِيمِ لِأَنَّ الشَّجَاعَةَ مَثَلًا كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْمَلَكَةِ تُطْلَقُ عَلَى آثَارِهَا اهـ (قَوْلُهُ وَعُرْفًا) قِيلَ: الْعُرْفُ وَالِاصْطِلَاحُ مُتَسَاوِيَانِ وَقِيلَ: الِاصْطِلَاحُ هُوَ الْعُرْفُ الْخَاصُّ وَهُوَ مَا تَعَيَّنَ نَاقِلُهُ وَالْعُرْفُ إذَا أُطْلِقَ فَالْمُرَادُ بِهِ الْعَامُّ وَهُوَ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ نَاقِلُهُ وَعَلَى كُلٍّ فَالْمُرَادُ مِنْ الْعُرْفِ وَالِاصْطِلَاحُ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنًى غَيْرِ لُغَوِيٍّ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَفَادًا مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ بِأَنْ أُخِذَ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ وَقَدْ يُطْلَقُ الشَّرْعِيُّ مَجَازًا عَلَى مَا كَانَ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَلَيْسَ مُسْتَفَادًا مِنْ الشَّارِعِ اهـ ع ش وَقَوْلُ الْمُحَشِّي بِأَنْ أُخِذَ إلَخْ تَصْوِيرٌ لِلْمَنْفِيِّ (قَوْلُهُ يُنْبِئُ) أَيْ: يَدُلُّ وَيُشْعِرُ لَوْ اُطُّلِعَ عَلَيْهِ ع ش (قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ) تَعْلِيلٌ أَيْ: لِأَجْلِ أَنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى الْحَامِدِ وَفِيهِ دَوْرٌ لِأَنَّ الْحَامِدَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَمْدِ فَيَقْتَضِي تَوَقُّفَ كُلٍّ عَلَى الْآخَرِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ لَفْظِيٌّ لَا يَضُرُّ فِيهِ ذَلِكَ أَوْ يُسْلَكُ فِيهِ التَّجْرِيدُ بِأَنْ يُرَادَ بِالْحَامِدِ الذَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ وَصْفِهَا بِكَوْنِهَا حَامِدَةً أَوْ يُقَالُ: قَوْلُهُ عَلَى الْحَامِدِ أَوْ غَيْرِهِ تَعْمِيمٌ خَارِجٌ عَنْ التَّعْرِيفِ.
شَيْخُنَا ح ف قَالَ سم: إذَا صَرَفَ الْعَبْدُ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ سُمِّيَ شَكُورًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13] وَإِذَا صَرَفَهَا فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ سُمِّيَ شَاكِرًا قَالَ شَيْخُنَا ع ش: وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُ صَرْفِهَا كُلِّهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ بِمَنْ حَمَلَ جِنَازَةً مُتَفَكِّرًا فِي مَصْنُوعَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ نَاظِرًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ لِئَلَّا يَزِلَّ بِالْمَيِّتِ مَاشِيًا بِرِجْلَيْهِ إلَى الْقَبْرِ شَاغِلًا لِسَانَهُ بِالذِّكْرِ وَأُذُنَهُ بِاسْتِمَاعِ مَا فِيهِ ثَوَابٌ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.
اهـ إطْفِيحِيٌّ (قَوْلُهُ أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ لِلْغَيْرِ خُصُوصِيَّةٌ بِالْحَامِدِ كَوَلَدِهِ أَوْ صَدِيقِهِ أَوْ لَا ع ش

(قَوْلُهُ وَابْتَدَأْت بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ) أَيْ: لَا بِغَيْرِهِمَا كَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَيْ: بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْوَجْهِ الَّذِي جَاءَا عَلَيْهِ وَهُوَ جَمْعُهُمَا مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ جَمْعَهُمَا كَذَلِكَ سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَجَمَعْت بَيْنَ الِابْتِدَاءَيْنِ إلَخْ أَيْ: وَبِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْوَجْهِ الَّذِي جَاءَا عَلَيْهِ مَجْمُوعَيْنِ وَهُوَ

اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَعَمَلًا بِخَبَرِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَفِي رِوَايَةٍ «بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» أَيْ مَقْطُوعُ الْبَرَكَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ

[حاشية البجيرمي]

تَقْدِيمُ الْبَسْمَلَةِ وَتَأْخِيرُ الْحَمْدَلَةِ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَقَدَّمْتُ الْبَسْمَلَةَ ح ل (قَوْلُهُ اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ) خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْكُتُبِ مَبْدُوءَةٌ بِالْبَسْمَلَةِ لِحَدِيثِ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَاتِحَةِ كُلِّ كِتَابٍ» فَهُوَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ السُّيُوطِيّ: إنَّهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِأَنَّ «النَّبِيَّ كَانَ يَكْتُبُ أَوَّلًا بِسْمِ اللَّهِ أَيْ: يَأْمُرُ بِكِتَابَتِهَا فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: 110] أَمَرَ بِكِتَابَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ النَّمْلِ أَمَرَ بِكِتَابَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» لِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهَا بِهَذَا التَّرْتِيبِ، وَاللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمَا فِي النَّمْلِ تَرْجَمَةٌ عَمَّا فِي كِتَابِ بِلْقِيسَ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِكِتَابَةِ ذَلِكَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِوُجُودِهَا فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ فَلَا يُنْتِجُ ذَلِكَ كَوْنَهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
(قَوْلُهُ وَعَمَلًا) عَبَّرَ فِي جَانِبِ الْقُرْآنِ بِالِاقْتِدَاءِ وَفِي جَانِبِ الْحَدِيثِ بِالْعَمَلِ لِكَوْنِ الْقُرْآنِ يُقْتَدَى بِهِ إذَا لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بِذَلِكَ لَا تَصْرِيحًا وَلَا ضِمْنًا وَالْحَدِيثُ مُتَضَمِّنٌ لِلْأَمْرِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: ابْدَءُوا بِالْبَسْمَلَةِ فِي كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ.
(قَوْلُهُ بِخَبَرِ) هُوَ بِلَا تَنْوِينٍ لِإِضَافَتِهِ إلَى مَا بَعْدَهُ إضَافَةً بَيَانِيَّةً أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ، وَبِالتَّنْوِينِ عَلَى إبْدَالِ مَا بَعْدَهُ مِنْهُ أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هُوَ كُلُّ أَمْرٍ.
شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ ذِي بَالٍ) أَيْ: حَالٍ يُهْتَمُ بِهِ شَرْعًا مَقْصُودًا لِذَاتِهِ، فَخَرَجَ نَحْوُ الْبَسْمَلَةِ وَلَيْسَ ذِكْرًا مَحْضًا وَلَا جَعَلَ الشَّارِعُ لَهُ مَبْدَأً غَيْرَ الْبَسْمَلَةِ، وَمَعْنَى اهْتِمَامِ الشَّارِعِ بِهِ طَلَبَهُ إيَّاهُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا أَوْ تَخْيِيرُهُ فِيهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: وَلَيْسَ مُحَرَّمًا وَلَا مَكْرُوهًا فَلَا حَاجَةَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
(قَوْلُهُ لَا يُبْدَأُ فِيهِ) سُئِلَ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ عَنْ حِكْمَةِ الْإِتْيَانِ بِفِي الظَّرْفِيَّةِ مَعَ أَنَّ الْمَعْنَى يَسْتَقِيمُ بِدُونِهَا قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا أَتَى بِهَا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الِابْتِدَاءِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي الْأَثْنَاءِ وَحَذْفُهَا لَا يُفِيدُ ذَلِكَ اهـ إطْفِيحِيٌّ وَقَدْ يُقَالُ: لَفْظُ يُبْدَأُ يُبْعِدُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي سَبَبِيَّةٌ وَالتَّقْدِيرُ لَا يُبْدَأُ بِبَسْمِ اللَّهِ بِسَبَبِهِ وَلِأَجْلِهِ فَيَقْتَضِي أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالْبَسْمَلَةِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ لِأَجْلِ الْأَمْرِ لَا لِأَجْلِ غَيْرِهِ فَإِذَا كَانَ شَارِعًا فِي السَّفَرِ مَعَ الْأَكْلِ وَبَسْمَلَ لِأَجْلِ السَّفَرِ فَلَا تَحْصُلُ الْبُدَاءَةُ بِالْبَسْمَلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَكْلِ لِأَنَّهَا إنَّمَا هِيَ لِأَجْلِ السَّفَرِ وَبِسَبَبِهِ لَا بِسَبَبِ الْأَكْلِ شَيْخُنَا ح ف. (قَوْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ هَذِهِ رِوَايَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ إلَخْ ع ش (قَوْلُهُ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ) بِالرَّفْعِ فَإِنَّ التَّعَارُضَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ رَفْعُ الْحَمْدِ لِأَنَّهُ لَوْ قُرِئَ بِالْجَرِّ كَانَ بِمَعْنَى رِوَايَةٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَلَا تَعَارُضَ عَلَيْهَا لِأَنَّ مَعْنَاهَا بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَتَسَاوِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَوْنِ رِوَايَةِ الْبَسْمَلَةِ بِبَاءَيْنِ، وَكَوْنِ الْبَاءِ صِلَةً لِيُبْدَأَ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلِاسْتِعَانَةِ مُتَعَلِّقَةً بِحَالٍ مَحْذُوفَةٍ لَمْ يَحْصُلْ تَعَارُضٌ لِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِشَيْءٍ لَا تُنَافِي الِاسْتِعَانَةَ بِآخَرَ وَأَنْ يُرَادَ بِالِابْتِدَاءِ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الِابْتِدَاءُ الْحَقِيقِيُّ، وَالْمُرَادُ الْحَمْدُ الْعُرْفِيُّ كَمَا قَالَهُ سم فَيَحْصُلُ بِالْقَلْبِ.
(قَوْلُهُ أَيْ: مَقْطُوعُ الْبَرَكَةِ) أَشَارَ إلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْجُذَامِ فِيهِ مَجَازٌ ثُمَّ إنْ كَانَتْ عَلَاقَتُهُ الْمُشَابَهَةَ بِأَنْ شَبَّهَ نَقْصَ الْبَرَكَةِ بِقَطْعِ الْعُضْوِ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ أَصْلِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَاقَتُهُ اسْتِعْمَالَ الْمَلْزُومِ وَهُوَ قَطْعُ الْعُضْوِ فِي اللَّازِمِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْقَطْعِ ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى قَطْعِ الْبَرَكَةِ فَمَجَازٌ مُرْسَلٌ ع ش (قَوْلُهُ فَهُوَ أَجْذَمُ) هُوَ اسْمُ فَاعِلٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَاقِصُ الْبَرَكَةِ فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أَوْ فِيهِ اسْتِعَارَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِأَنْ شُبِّهَ النَّاقِصُ بِالْأَجْذَمِ وَاسْتُعِيرَ الْأَجْذَمُ لِلنَّاقِصِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ النَّاقِصِ فَالْمُشَبَّهُ الْأَمْرُ الْكُلِّيُّ الَّذِي هُوَ النَّاقِصُ لَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا يُبْدَأُ فِيهِ حَتَّى يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ قَالَ ع ش عَلَى م ر: فَالْمُشَبَّهُ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ مَحْذُوفٌ وَالْأَصْلُ هُوَ نَاقِصٌ كَأَجْذَمَ فَحَذَفَ الْمُشَبَّهَ وَهُوَ نَاقِصٌ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُشَبَّهِ بِهِ فَصَارَ الْمُرَادُ مِنْ الْأَجْذَمِ النَّاقِصَ لَكِنَّ قَوْلَهُ أَيْ: مَقْطُوعُ الْبَرَكَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بَرَكَةَ فِيهِ أَصْلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ فِيهِ بَرَكَةٌ قَطْعًا إلَّا أَنَّهُ نَاقِصٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَنْفِيَّ الْبَرَكَةُ التَّامَّةُ أَيْ: مَقْطُوعُ الْبَرَكَةِ التَّامَّةِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ الْقُرْآنُ مَثَلًا مَقْطُوعَ الْبَرَكَةِ عِنْدَ عَدَمِ ابْتِدَاءَهُ بِالْبَسْمَلَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ مَا تَقَرَّرَ؟ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي ذَلِكَ مَعْنَاهَا أَنْ تَدْفَعَ

وَحَسَّنَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ وَجَمَعْت بَيْنَ الِابْتِدَاءَيْنِ عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ وَإِشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا إذْ الِابْتِدَاءُ حَقِيقِيٌّ وَإِضَافِيٌّ، فَالْحَقِيقِيُّ حَصَلَ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْإِضَافِيُّ حَصَلَ بِالْحَمْدَلَةِ وَقَدَّمْت الْبَسْمَلَةَ عَمَلًا بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ.

وَالْحَمْدُ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ سَوَاءٌ أَجُعِلَتْ أَلْ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَمْ لِلْجِنْسِ أَمْ لِلْعَهْدِ.

(وَالصَّلَاةُ) وَهِيَ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَمِنْ الْمَلَائِكَة اسْتِغْفَارٌ وَمِنْ الْآدَمِيِّينَ

[حاشية البجيرمي]

عَنْ الْقَارِئِ الشَّيْطَانَ الَّذِي يُوَسْوِسُهُ فِي الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَحْمِلَ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ مَحْمَلِهِ أَوْ يَلْهُوَ عَنْهُ لَا أَنَّهُ يُوجِبُ لِلْقُرْآنِ ضِدَّ كَمَالٍ وَشَرَفٍ بَلْ ذَلِكَ عَائِدٌ إلَى الْقَارِئِ.
(قَوْلُهُ وَحَسَّنَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ) أَيْ: نَقَلَ تَحْسِينَهُ عَنْ غَيْرِهِ فَلَا يُنَافِي مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ: إنَّ التَّحْسِينَ فِي عَصْرِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ وَجَمَعْت بَيْنَ الِابْتِدَاءَيْنِ) وَلَمْ أَكْتَفِ بِأَحَدِهِمَا، وَهَذَا السُّؤَالُ نَاشِئٌ مِنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَابْتَدَأْت إلَخْ وَقَوْلُهُ وَقَدَّمْت نَاشِئٌ مِنْ هَذَا الثَّانِي وَهَذَا أَوْلَى مِنْ كَلَامِ الْحَلَبِيِّ (قَوْلُهُ فَالْحَقِيقِيُّ حَصَلَ بِالْبَسْمَلَةِ) وَيَلْزَمُهُ الْإِضَافِيُّ، وَقَوْلُهُ وَالْإِضَافِيُّ أَيْ: الْمَحْضُ قَالَ ع ش عَلَى م ر نَقْلًا عَنْ سم عَلَى الْبَهْجَةِ: وَحَاصِلُ هَذَا الْجَوَابِ دَفْعُ التَّعَارُضِ بِحَمْلِ الِابْتِدَاءِ فِي خَبَرِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى الْحَقِيقِيِّ وَفِي خَبَرِ الْحَمْدَلَةِ عَلَى الْإِضَافِيِّ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّعَارُضَ كَمَا يَنْدَفِعُ بِهَذَا يَنْدَفِعُ بِعَكْسِهِ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى إيثَارِ هَذَا؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُهُ وَقَدَّمْتُ الْبَسْمَلَةَ إلَخْ اهـ (قَوْلُهُ وَقَدَّمْت الْبَسْمَلَةَ) لَا يُقَالُ: هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ وَابْتَدَأْت بِالْبَسْمَلَةِ إلَخْ لِأَنَّا نَقُولُ: ذَاكَ الْغَرَضُ مِنْهُ الِابْتِدَاءُ بِالْقِرَاءَةِ بِهِمَا وَهَذَا الْغَرَضُ مِنْهُ بَيَانُ سَبَبِ تَقْدِيمِ الْبَسْمَلَةِ وَإِنْ حَصَلَ فِي الْأَوَّلِ ضِمْنًا فَلْيُتَأَمَّلْ.
شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ عَمَلًا بِالْكِتَابِ) عَبَّرَ فِي جَانِبِ الْكِتَابِ أَوَّلًا: بِالِاقْتِدَاءِ وَثَانِيًا: بِالْعَمَلِ لَعَلَّهُ لِلتَّفَنُّنِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعَمَلِ مَا يَشْمَلُ الِاقْتِدَاءَ لِأَنَّهُمَا كَالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ إذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا وَإِذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا.
(قَوْلُهُ وَالْإِجْمَاعِ) أَيْ: إجْمَاعِ الْأُمَّةِ الْفِعْلِيِّ.

(قَوْلُهُ كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ) أَيْ: لِلْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ إذَا كَانَ مُعَرَّفًا بِأَلْ يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى الْخَبَرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ الْمَالِكِيُّ بِقَوْلِهِ مُبْتَدَأٌ فَاللَّامُ جِنْسٍ عُرِّفَا ... مُنْحَصِرٌ فِي مُخْبِرٍ بِهِ وَفَا وَإِنْ عَرِيَ عَنْهَا وَعُرِّفَ الْخَبَرْ ... بِاللَّامِ مُطْلَقًا فَبِالْعَكْسِ اسْتَقَرْ وَقَدْ تَعَقَّبَ فِي قَوْلِهِ فَاللَّامُ جِنْسٍ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِهَا لَا يَصِحُّ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى تَعْرِيفِ الْمُبْتَدَأِ بِاللَّامِ مُطْلَقًا فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ: سَوَاءٌ أَجُعِلَتْ أَلْ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ إلَخْ وَيَرُدُّ عَلَى قَوْلِهِ كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ اتِّحَادُ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى كَالِاخْتِصَاصِ الَّذِي أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى وَالْحَمْدُ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسُ الْأَمْرِ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ الْمُتَلَفَّظُ بِهَا أَوْ أَنَّ الْكَافَ بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ: لِإِفَادَةِ الْجُمْلَةِ لَهُ.
اهـ (قَوْلُهُ أَمْ لِلْجِنْسِ) وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ وَالشَّائِعُ فِي هَذِهِ الْمَقَامَاتِ لِأَنَّهُ كَدَعْوَى الشَّيْءِ بِالدَّلِيلِ إذْ الْمَعْنَى جَمِيعُ أَفْرَادِ الْحَمْدِ مُخْتَصَّةٌ بِاَللَّهِ؛ لِأَنَّ جِنْسَ الْحَمْدِ مُخْتَصٌّ بِهِ وَالْمُرَادُ بِالْجِنْسِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَاهِيَّةُ.
ع ش

(قَوْلُهُ وَهِيَ مِنْ اللَّهِ) أَيْ: إذَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ وَيُقَالُ مِثْلُهُ فِيمَا بَعْدَهُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةً وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارًا مَعَ حَصْرِهِمْ الْمَوْضُوعَ اللُّغَوِيَّ فِي الدُّعَاءِ بِخَيْرٍ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَصْرَ إضَافِيٌّ أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ فَلَا يُنَافِي وُجُودَ مَعْنًى آخَرَ كَالرَّحْمَةِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ فَوَاضِحٌ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ دُعَاءٌ اهـ أُجْهُورِيٌّ وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ مَعْنَاهَا لُغَةً مَا مَرَّ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَهُوَ مَا هُنَا.
وَقَالَ فِي دَقَائِقِ الْمِنْهَاجِ: إنَّ إطْلَاقَهَا عَلَى الرَّحْمَةِ إطْلَاقٌ شَرْعِيٌّ وَلُغَوِيٌّ عَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ.
(قَوْلُهُ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ) أَيْ: بِلَفْظِهِ أَوْ مُرَادِفِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِاسْتِغْفَارَ بِخُصُوصِ صِيغَتِهِ لِحَدِيثِ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ.» شَوْبَرِيٌّ وَبِرْمَاوِيٌّ وَعِبَارَةُ الرَّشِيدِيِّ قَوْلُهُ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ يُنْظَرُ مَا مَعْنَى اسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ.
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ وَهُوَ مَعْصُومٌ.
فَإِنْ قُلْت: الْمُرَادُ الِاسْتِغْفَارُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ طَلَبُ السَّتْرِ وَقَصْدُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذَّنْبِ فَيَرْجِعُ إلَى الْعِصْمَةِ.
قُلْت بَعْدَ تَسْلِيمِهِ: إنَّمَا يَظْهَرُ فِي اسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ فِي حَيَاتِهِ أَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا وَإِنْ كَانَ حَيًّا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي دَارِ تَكْلِيفٍ.
فَإِنْ قُلْت: الْمُرَادُ مِنْ اسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ مُطْلَقُ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ.
قُلْت فَمَا حِكْمَةُ الْمُغَايَرَةِ فِي التَّعْبِيرِ بَيْنَ دُعَائِهِمْ وَدُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ؟ اهـ بِحُرُوفِهِ وَأُجِيبَ عَنْ أَصْلِ الْإِشْكَالِ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ.
(قَوْلُهُ وَمِنْ الْآدَمِيِّينَ)

تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ.

(وَالسَّلَامُ) بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ (عَلَى مُحَمَّدٍ) نَبِيِّنَا (وَآلِهِ) هُمْ مُؤْمِنُو بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ (وَصَحْبِهِ) هُوَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ وَهُوَ مَنْ اجْتَمَعَ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَطْفُ الصَّحْبِ عَلَى الْآلِ الشَّامِلِ لِبَعْضِهِمْ لِتَشْمَلَ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَاقِيَهُمْ وَجُمْلَتَا الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ خَبَرِيَّتَانِ لَفْظًا إنْشَائِيَّتَانِ مَعْنًى وَاخْتَرْت اسْمِيَّتَهُمَا عَلَى فِعْلِيَّتِهِمَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ (الْفَائِزِينَ مِنْ اللَّهِ بِعُلَاهُ) صِفَةٌ لِمَنْ ذُكِرَ.

(وَبَعْدُ) يُؤْتَى بِهَا لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إلَى آخَرَ وَأَصْلُهَا

[حاشية البجيرمي]

الْأَوْلَى وَمِنْ غَيْرِهِمَا لِيَشْمَلَ الْجِنَّ (قَوْلُهُ تَضَرُّعٌ) هُوَ السُّؤَالُ مَعَ خُضُوعٍ وَذِلَّةٍ وَالدُّعَاءُ أَعَمُّ مِنْهُ

(قَوْلُهُ بِمَعْنَى التَّسْلِيمِ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ السَّلَامَ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ الْمُرَادُ فَدَفَعَهُ بِمَا ذَكَرَ؛ فَيَكُونُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَصْدَرِ وَلَمْ يُؤَوِّلْ الصَّلَاةَ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ التَّصْلِيَةُ لِأَنَّهَا الْإِحْرَاقُ بِالنَّارِ أَوْ دُخُولِهَا وَذَلِكَ كُفْرٌ (قَوْلُهُ مُحَمَّدٍ) اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ مُحَمَّدٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ رَسُولًا فَقَالَ: فِيهِ ثَلَاثُ مِيمَاتٍ وَإِذَا بَسَطْتَ كُلًّا مِنْهَا قُلْتَ م وم وم عِدَّتُهَا بِحِسَابِ الْجُمَلِ الْكَبِيرِ تِسْعُونَ فَيَحْصُلُ مِنْهَا مِائَتَانِ وَسَبْعُونَ وَإِذَا بَسَطْت الْحَاءَ وَالدَّالَ قُلْت دَالٌ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ وَحَاءٌ بِتِسْعَةٍ فَالْجُمْلَةُ مَا ذَكَرَ فَفِي اسْمِهِ الْكَرِيمِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ جَمِيعَ الْكَمَالَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْمُرْسَلِينَ مَوْجُودَةٌ فِيهِ شَيْخُنَا مَلَوِيٌّ (قَوْلُهُ نَبِيِّنَا) لَمَّا كَانَ لَفْظُ مُحَمَّدٍ مُشْتَرَكًا بَيْنَ نَبِيِّنَا وَغَيْرِهِ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ نَبِيِّنَا.
ع ش (قَوْلُهُ مُؤْمِنُو بَنِي هَاشِمٍ) أَيْ: وَبَنَاتُهُ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ وَكَذَا يُقَالُ مِثْلُهُ فِي بَنِي الْمُطَّلِبِ وَلَا يُشْكِلُ بِأَوْلَادِ بَنَاتِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا مِنْ الْآلِ لِأَنَّهُمْ يُنْسَبُونَ لِآبَائِهِمْ ع ش (قَوْلُهُ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبِهِ) أَتَى بِالضَّمِيرِ احْتِرَازًا مِنْ صَاحِبِنَا فَإِنَّهُ مَنْ طَالَتْ عِشْرَتُهُ وَعِنْدَ الْأَخْفَشِ هُوَ جَمْعٌ لَهُ كَرَكْبٍ وَرَاكِبٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُرَادُهُ الْجَمْعُ اللُّغَوِيُّ فَلَا مُخَالَفَةَ.
(قَوْلُهُ بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الصَّاحِبَ مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ وَالصَّحَابِيُّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ.
ح ل (قَوْلُهُ مَنْ اجْتَمَعَ) أَيْ: اجْتِمَاعًا مُتَعَارَفًا بِأَنْ يَكُونَ بِالْأَبْدَانِ فِي عَالَمِ الدُّنْيَا ع ن فَيَشْمَلُ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَالْمَلَائِكَةَ وَعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مَرَّاتٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ حَيٌّ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَمْ يَجْتَمِعْ إلَّا بِأَرْوَاحِهِمْ أُجْهُورِيٌّ.
(قَوْلُهُ بِنَبِيِّنَا) أَيْ: بَعْدَ رِسَالَتِهِ وَقَدْ تَنَازَعَهُ " اجْتَمَعَ " وَ " مُؤْمِنًا ". (قَوْلُهُ وَعَطَفَ الصَّحْبَ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْعَطْفِ الْعَطْفُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ ذِكْرُ الشَّيْءِ بَعْدَ شَيْءٍ آخَرَ وَإِلَّا فَالْعَطْفُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَوَّلِ إذَا تَكَرَّرَتْ الْمَعْطُوفَاتُ عَلَى الصَّحِيحِ فَالْعَطْفُ عَلَى مُحَمَّدٍ لَا عَلَى الْآلِ أَوْ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ ع ش (قَوْلُهُ الشَّامِلِ) أَيْ: الْآلِ لِبَعْضِهِمْ أَيْ: الصَّحْبِ وَقَوْلُهُ بَاقِيهمْ أَيْ: بَاقِي الصَّحْبِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِآلٍ.
شَوْبَرِيٌّ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ الْآلُ مِنْ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُو بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَأَمَّا إذَا بَنَيْنَا عَلَى أَنَّهُمْ مُؤْمِنُو أُمَّتِهِ فَفَائِدَةُ ذِكْرِهِمْ الِاهْتِمَامُ بِشَأْنِهِمْ لِزِيَادَةِ فَضْلِهِمْ فَيَكُونُ بَيْنَ الْآلِ وَالصَّحْبِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ عَلَى هَذَا وَوَجْهِي عَلَى الْأَوَّلِ وَالسِّرُّ فِي طَلَبِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى الْآلِ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ السَّبَبُ فِي حُصُولِ سَعَادَةِ الدَّارَيْنِ لِلْعِبَادِ لِأَنَّ السَّعَادَةَ مَنُوطَةٌ بِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ وَالْعَمَلِ بِهَا وَوُصُولُهَا إلَيْنَا إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ آلِهِ وَصَحْبِهِ.
(قَوْلُهُ خَبَرِيَّتَانِ إلَخْ) وَيَجُوزُ فِي جُمْلَةِ الْحَمْدِ أَنْ تَكُونَ خَبَرِيَّةً لَفْظًا وَمَعْنًى لِأَنَّ الْحَمْدَ لُغَةً: الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ وَالْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ مَالِكٌ أَوْ مُسْتَحِقٌّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ ثَنَاءٌ عَلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا، وَأَمَّا جُمْلَةُ الصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لُغَةً: الدُّعَاءُ وَالْإِخْبَارَ بِهَا لَيْسَ دُعَاءً وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ فِيهَا أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْغَرَضُ مِنْهَا تَعْظِيمُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَذَلِكَ حَاصِلٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ.
(قَوْلُهُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ) أَيْ: عَلَى أَنَّ ثُبُوتَ الْحَمْدِ لِلَّهِ دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْحَامِدَ يُنْشِئُ الْحَمْدَ دَائِمًا وَعَطْفُ الدَّوَامِ عَلَى الثَّبَاتِ تَفْسِيرٌ يُقَالُ: ثَبَتَ الْأَمْرُ ثَبَاتًا أَيْ: دَامَ بِخِلَافِ الثُّبُوتِ فَإِنَّهُ أَعَمُّ.
فَإِنْ قُلْت كَيْفَ ذَلِكَ وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثُبُوتِ الِانْطِلَاقِ لِزَيْدٍ؟ قُلْت: أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّيْخَ إنَّمَا نَفَى دَلَالَةَ الِاسْمِيَّةِ فَلَا يُنَافِي اسْتِفَادَةَ الدَّوَامِ مِنْهَا بِوَاسِطَةِ الْعُدُولِ عَنْ الْفِعْلِيَّةِ إلَى الِاسْمِيَّةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ: وَاخْتَرْت إلَخْ أَوْ بِمَعُونَةِ الْمَقَامِ.
(قَوْلُهُ بِعُلَاهُ) اسْمُ مَصْدَرٍ لِأَعْلَى أَيْ: بِإِعْلَائِهِ إيَّاهُمْ أَوْ جَمْعُ عُلْيَا وَيَكُونُ مَعْنَاهُ الرُّتَبُ الْعَلِيَّةُ

(قَوْلُهُ يُؤْتَى بِهَا لِلِانْتِقَالِ) أَيْ: إذَا جِيءَ بِهَا تَكُونُ لِلِانْتِقَالِ أَيْ: فَلَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لَهُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ الِانْتِقَالُ يَتَعَيَّنُ الْإِتْيَانُ بِهَا فَيُعَدُّ تَرْكُهَا عَيْبًا أَوْ خَطَأً لِأَنَّ الِانْتِقَالَ كَمَا يَحْصُلُ بِهَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهَا كَ ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ [ص: 55] وَاللَّامُ بِمَعْنَى عِنْدَ أَوْ الْمَعْنَى لِإِرَادَةِ الِانْتِقَالِ (قَوْلُهُ وَأَصْلُهَا) أَيْ: الثَّانِي أَيْ: مَا حَقُّ التَّرْكِيبِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فَالْأَصَالَةُ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ شَيْئًا حُذِفَ

أَمَّا بَعْدُ بِدَلِيلِ لُزُومِ الْفَاءِ فِي حَيِّزِهَا غَالِبًا لِتَضَمُّنِ أَمَّا مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْأَصْلُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَالصَّلَاةِ وَالسِّلَامِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ.

(فَهَذَا) الْمُؤَلَّفُ الْحَاضِرُ ذِهْنًا (مُخْتَصَرٌ) مِنْ الِاخْتِصَارِ

[حاشية البجيرمي]

مِنْ التَّرْكِيبِ وَاخْتُصِرَ فِيهِ فَالْوَاوُ نَائِبَةٌ عَنْ أَمَّا وَاخْتُصَّتْ الْوَاوُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ حُرُوفِ الْعَطْفِ بِالنِّيَابَةِ عَنْ أَمَّا لِأَنَّهَا أُمُّ الْبَابِ وَلِأَنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِئْنَافِ كَأَمَّا اهـ مَلَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ بِدَلِيلِ إلَخْ) وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذَا الدَّلِيلِ أَنَّ لُزُومَ الْفَاءِ لَمْ يُعْهَدْ لِشَيْءٍ مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ غَالِبًا إلَّا لِأَمَّا فَلَمَّا وَجَدْنَا ذَلِكَ اللُّزُومَ مَعَ وَبَعْدُ عَلِمْنَا أَنَّ أَصْلَهَا أَمَّا بَعْدُ وَإِنَّمَا لَزِمْتهَا لِتَضَمُّنِ أَمَّا مَعْنَى الشَّرْطِ فَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةِ لِيَتِمَّ الِاسْتِدْلَال وَيَظْهَرُ التَّعْلِيلُ فِي قَوْلِهِ لِتَضَمُّنِ إلَخْ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ لُزُومِ الْفَاءِ) الْمُرَادُ بِاللُّزُومِ: الذِّكْرُ لَا عَدَمُ الِانْفِكَاكِ لِئَلَّا يُنَافِيَ قَوْلَهُ بَعْدُ غَالِبًا ح ف أَوْ الْمُرَادُ اللُّزُومُ الْعُرْفِيُّ كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ لَا الْعَقْلِيُّ.
(قَوْلُهُ فِي حَيِّزِهَا) أَيْ: فِي قُرْبِ حَيِّزِهَا (قَوْلُهُ لِتَضَمُّنِ إلَخْ) عِلَّةٌ لِمُقَدَّرٍ أَيْ: وَالْفَاءُ تَلْزَمُ أَمَّا لِتَضَمُّنِ أَمَّا إلَخْ مَعَ ضَعْفِهَا بِالنِّيَابَةِ فَجُبِرَتْ بِلُزُومِ الْفَاءِ.
ع ش (قَوْلُهُ مَعْنَى الشَّرْطِ) أَيْ: التَّعْلِيقِ وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ وَالْأَصْلُ أَيْ: الْأَوَّلُ فَقَدْ قَامَتْ أَمَّا مَقَامَ أَدَاةِ الشَّرْطِ الَّتِي هِيَ مَهْمَا وَفِعْلِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ يَكُنْ وَلِقِيَامِهَا مَقَامَ فِعْلِ الشَّرْطِ وَأَدَاتِهِ لَزِمَهَا مَا يَلْزَمُ فِعْلَ الشَّرْطِ وَهُوَ وُجُودُ الْفَاءِ فِي جَوَابِهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَكَانَ مِنْ حَقِّ أَمَّا أَنْ يَلْزَمَهَا مَا يَلْزَمُهُمَا لِقِيَامِهَا مَقَامَهَا وَاَلَّذِي يَلْزَمُ مَهْمَا الِاسْمِيَّةُ لِأَنَّهَا مُبْتَدَأٌ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ لَكِنْ لَمَّا تَعَذَّرَ لُحُوقُ الِاسْمِيَّةِ لِأَمَّا جِيءَ بِاسْمٍ بَعْدَهَا وَهُوَ بَعْدَ إقَامَةِ اللَّازِمِ فِي الْجُمْلَةِ مَقَامَ الْمَلْزُومِ.
ح ل وَيَكُنْ تَامَّةٌ وَفَاعِلُهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى مَهْمَا أَوْ مِنْ شَيْءٍ بِزِيَادَةِ مِنْ عَلَى رَأْيِ بَعْضِهِمْ وَإِنَّمَا كَانَ أَصْلُهَا خُصُوصَ مَهْمَا لَا غَيْرِهَا مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ لِمَا فِي مَهْمَا مِنْ الْإِبْهَامِ لِأَنَّهَا تَقَعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عَاقِلًا وَغَيْرَهُ زَمَانًا وَغَيْرَهُ، وَهَذَا الْإِبْهَامُ يُنَاسِبُ هُنَا لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّعْلِيقُ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مَا فَلِهَذَا بَيَّنَهَا بَيَانًا عَامًا بِقَوْلِهِ مِنْ شَيْءٍ قَصْدًا لِلْعُمُومِ وَإِنْ كَانَ شَأْنُ الْبَيَانِ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا بِخِلَافِ غَيْرِ مَهْمَا مِنْ الْأَدَوَاتِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْأَشْيَاءِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَوَّضُوا أَمَّا عَنْ مَهْمَا وَعَوَّضُوا الْوَاوَ عَنْ أَمَّا وَلَمْ يُعَوِّضُوا الْوَاوَ عَنْ مَهْمَا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ لِأَنَّ الْوَاوَ حَرْفٌ مُفْرَدٌ فَلَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى النِّيَابَةِ عَنْ شَيْئَيْنِ، وَأَمَّا حَرْفٌ مُرَكَّبٌ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْمُفْرَدِ.
انْتَهَى.
(قَوْلُهُ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الشَّرْطِ وَالْأَوْلَى جَعْلُهَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْجَزَاءِ لِأَنَّ الْجَوَابَ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُعَلَّقًا عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مُطْلَقٍ وَالتَّعْلِيقُ عَلَى الْمُطْلَقِ أَقْرَبُ لِتَحَقُّقِهِ فِي الْخَارِجِ مِنْ التَّعْلِيقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ.

(قَوْلُهُ فَهَذَا) أَيْ: فَأَقُولُ: هَذَا مُخْتَصَرٌ، فَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ لِيَكُونَ مُسْتَقْبَلًا وَنَزَّلَ الْمَعْقُولَ مَنْزِلَةَ الْمَحْسُوسِ بِأَنْ شَبَّهَهُ بِهِ وَأَشَارَ لَهُ بِهَذَا لِشِدَّةِ اسْتِحْضَارِهِ عِنْدَهُ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَا فِي الذِّهْنِ مُجْمَلٌ وَمُسَمَّى الْمُخْتَصَرِ أَلْفَاظٌ مُفَصَّلَةٌ بِكَوْنِهَا طَهَارَةً وَغَيْرَهُ، فَلَا مُطَابَقَةَ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، وَأُجِيبَ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ فِي كَلَامِهِ، وَالتَّقْدِيرُ فَمُفَصَّلُ هَذَا وَاعْتَرَضَ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ غَيْرَ نُسْخَةِ الْمُؤَلِّفِ.
وَأُجِيبَ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ ثَانٍ وَالتَّقْدِيرُ فَمُفَصَّلُ نَوْعِ هَذَا كَذَا قِيلَ وَلَا حَاجَةَ لِهَذَا كُلِّهِ لِأَنَّ الذِّهْنَ يَقْبَلُ الْمُفَصَّلَ كَالْمُجْمَلِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَلَى كَلَامِ الرَّمْلِيِّ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ اسْتِحْضَارِ الْأَرْكَانِ تَفْصِيلًا وَتَقْدِيرِ نَوْعٍ لَا يَحْتَاجُ لَهُ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ أَسْمَاءَ الْكُتُبِ مِنْ حَيِّزِ عِلْمِ الشَّخْصِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مِنْ حَيِّزِ عِلْمِ الْجِنْسِ وَهُوَ الرَّاجِحُ فَلَا يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرِهِ لِأَنَّ عِلْمَ الْجِنْسِ اسْمٌ لِلْحَقِيقَةِ وَهِيَ لَهَا أَفْرَادٌ تَشْمَلُ جَمِيعَ النُّسَخِ الْمَنْقُولَةِ مِنْ نُسْخَةِ الْمُؤَلِّفِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ الْحَاضِرُ ذِهْنًا) أَيْ: وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْخُطْبَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ وَضْعِ الْكِتَابِ ح ل فَالْإِشَارَةُ لِلْأَلْفَاظِ الذِّهْنِيَّةِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى الْمَعَانِي عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ السَّبْعَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مُخْتَارًا دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النُّقُوشَ لِعَدَمِ تَيَسُّرِهَا لِكُلِّ شَخْصٍ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَدْلُولًا وَلَا جُزْءَ مَدْلُولٍ فَبَطَلَ أَرْبَعُ احْتِمَالَاتٍ وَهِيَ النُّقُوشُ فَقَطْ، وَالنُّقُوشُ مَعَ الْأَلْفَاظِ وَالنُّقُوشُ مَعَ الْمَعَانِي وَالثَّلَاثَةُ؛ وَلِأَنَّ الْمَعَانِيَ لِكَوْنِهَا مُتَوَقِّفَةً فِي الْغَالِبِ عَلَى الْأَلْفَاظِ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَدْلُولًا وَلَا جُزْءَ مَدْلُولٍ أَيْضًا فَبَطَلَ احْتِمَالَانِ وَهُمَا الْمَعَانِي فَقَطْ وَالْمَعَانِي مَعَ الْأَلْفَاظِ فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ لِلْأَلْفَاظِ الذِّهْنِيَّةِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى الْمَعَانِي وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا فَلَيْسَتْ مَقْصُودَةً، وَهَذَا الْمُخْتَارُ مِنْ السَّبْعَةِ وَهُوَ الْأَلْفَاظُ لَكِنَّهَا

وَهُوَ تَقْلِيلُ اللَّفْظِ وَتَكْثِيرُ الْمَعْنَى

(فِي الْفِقْهِ) وَهُوَ لُغَةً الْفَهْمُ وَاصْطِلَاحًا الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُكْتَسَبِ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ

[حاشية البجيرمي]

مَشْرُوطَةٌ بِدَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي (قَوْلُهُ وَهُوَ تَقْلِيلُ إلَخْ) أَيْ: اصْطِلَاحًا ع ش. (قَوْلُهُ وَتَكْثِيرُ الْمَعْنَى) لَيْسَ بِقَيْدٍ

(قَوْلُهُ فِي الْفِقْهِ) مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْجُزْءِ فِي الْكُلِّ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ: فِي دَالِّ الْفِقْهِ أَوْ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْأَلْفَاظِ فِي الْمَعَانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَعَانِيَ قَوَالِبُ لِلْأَلْفَاظِ بِالنَّظَرِ لِلْمُتَكَلِّمِ لِأَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ الْمَعَانِيَ أَوَّلًا، وَأَمَّا بِالنَّظَرِ لِلسَّامِعِ فَالْأَلْفَاظُ قَوَالِبُ لِلْمَعَانِي لِأَنَّهُ يُفْهِمُ الْمَعَانِيَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمَسْمُوعَةِ وَقِيلَ: إنَّ فِي بِمَعْنَى عَلَى فَشَبَّهَ الدَّالَّ وَالْمَدْلُولَ بِالظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: مِنْ فَقِهَ بِكَسْرِ عَيْنِهِ أَيْ: فَهِمَ فَإِنْ صَارَ سَجِيَّةً لَهُ ضُمَّتْ وَإِنْ سَبَقَ غَيْرَهُ فُتِحَتْ.
اهـ (قَوْلُهُ الْفَهْمُ) هُوَ ارْتِسَامُ صُورَةِ مَا فِي الْخَارِجِ فِي الذِّهْنِ (قَوْلُهُ الْعِلْمُ) بِمَعْنَى الظَّنِّ الْقَوِيِّ لِأَنَّهُ لِقُرْبِهِ مِنْ الْعِلْمِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُهُ، وَإِلَّا فَالْعِلْمُ بِمَعْنَاهُ لَا يَقَعُ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ شَوْبَرِيٌّ فَأَحْكَامُ الْفِقْهِ كُلُّهَا ظَنِّيَّةٌ، وَالْمَسَائِلُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا لَيْسَتْ فِقْهًا لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ عَدُّهُمْ الْإِجْمَاعَ مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ، وَالْمُرَادُ بِالظَّنِّ مَلَكَتُهُ أَيْ: الْمَلَكَةُ الَّتِي يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى ظَنِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَهُوَ مَجَازٌ عَلَى مَجَازٍ، وَعَلَاقَةُ الْأَوَّلِ الْمُجَاوَرَةُ الذِّهْنِيَّةُ وَعَلَاقَةُ الثَّانِي السَّبَبِيَّةُ والمسببية، لِأَنَّ الْمَلَكَةَ سَبَبٌ لِلظَّنِّ وَالْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ النِّسَبُ التَّامَّةُ كَمَا هُوَ أَحَدُ إطْلَاقَاتِ الْحُكْمِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَيْ: الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِجَمِيعِ النِّسَبِ التَّامَّةِ فَأَلْ اسْتِغْرَاقِيَّةٌ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْمِلْ الْحُكْمَ عَلَى إدْرَاكِ وُقُوعِ النِّسْبَةِ أَوَّلًا، وُقُوعُهَا كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِأَنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنَى عَيَّنَ الْعِلْمَ فَلَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِهِ وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى خِطَابِ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَالِ الْمُتَكَلِّمِينَ لِئَلَّا يَقَعَ التَّكْرَارُ فِي قَوْلِهِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ خِطَابَ اللَّهِ لَا يَكُونُ إلَّا شَرْعِيًّا.
فَإِنْ قُلْتَ: إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ جَمِيعَهَا لَا يَكُونُ التَّعْرِيفُ جَامِعًا لِثُبُوتِ لَا أَدْرِي عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَهْم فُقَهَاءُ فَقُلْنَا: الْمُرَادُ بِالْعِلْمِ التَّهَيُّؤُ لَهُ لَا حُصُولُهُ بِالْفِعْلِ، وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ حَصَلَ لَهُمْ الْعِلْمُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَمَا قَالَهُ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ.
وَقَوْلُهُ الْعَمَلِيَّةِ أَيْ: الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبَةٌ وَأَنَّ الْوِتْرَ مَنْدُوبٌ فَقَوْلُنَا النِّيَّةُ وَاجِبَةٌ مَسْأَلَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مَوْضُوعٍ وَمَحْمُولٍ وَنِسْبَةٍ وَالْفِقْهُ اسْمٌ لِلْعِلْمِ بِالنِّسْبَةِ، وَهَذِهِ النِّسْبَةُ عَمَلِيَّةٌ أَيْ: مُتَعَلِّقَةٌ بِصِفَةِ عَمَلٍ فَالْعَمَلُ هُوَ النِّيَّةُ وَصِفَتُهُ الْوُجُوبُ وَهَذِهِ النِّسْبَةُ تَعَلَّقَتْ بِالْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ النِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ التَّفْصِيلِيَّةِ أَيْ: الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَحْكَامٍ مَخْصُوصَةٍ فَخَرَجَ بِالْأَحْكَامِ الْعِلْمُ بِالذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ وَالْبَيَاضِ وَالْمُرَادُ بِالذَّوَاتِ مَا لَوْ وُجِدَ فِي الْخَارِجِ كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ كَمَا قَالَهُ النَّجَّارِيُّ وَعَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّ مَاهِيَّةَ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ مِنْ الذَّوَاتِ أَوْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ تَصَوُّرُ أَفْرَادِهِ وَقَوْلُهُ الشَّرْعِيَّةِ خَرَجَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَبِأَنَّ النَّارَ مُحْرِقَةٌ وَخَرَجَ بِالْعَمَلِيَّةِ الْعِلْمِيَّةُ أَيْ: الِاعْتِقَادِيَّةُ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يُرَى فِي الْآخِرَةِ أَيْ: لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِكَيْفِيَّةِ ذَاتٍ فَقَوْلُهُ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ إلَخْ فَالْحُكْمُ فِيهِ ثُبُوتُ الْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ وَالْعِلْمُ بِهَذَا الثُّبُوتِ تَوْحِيدٌ وَأَمَّا الْعِلْمُ بِوُجُوبِ اعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ فَهُوَ فِقْهٌ وَالْأَوَّلُ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ اهـ سم عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ (قَوْلُهُ الْمُكْتَسَبُ) خَرَجَ بِهِ عِلْمُ جِبْرِيلَ مَثَلًا فَإِنَّهُ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ ح ل وَدَخَلَ فِيهِ عِلْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاشِئُ عَنْ اجْتِهَادٍ فَهُوَ فِقْهٌ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهُ عَنْ اجْتِهَادٍ وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ دَلِيلًا فَلَا يُسَمَّى فِقْهًا قَالَهُ الْكَمَالُ الْمَقْدِسِيُّ فَقَوْلُ ع ش: إنَّ قَوْلَهُ مِنْ أَدِلَّتِهَا خَرَجَ بِهِ عِلْمُ جِبْرِيلَ وَعِلْمُ النَّبِيِّ أَيْ: الْحَاصِلُ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مُكْتَسِبَيْنِ مِنْ الْأَدِلَّةِ بَلْ عِلْمُ جِبْرِيلَ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَعِلْمُ النَّبِيِّ مِنْ الْوَحْيِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ هُمَا خَارِجَانِ بِالْمُكْتَسَبِ.
اهـ (قَوْلُهُ التَّفْصِيلِيَّةِ) أَيْ: بِوَاسِطَةِ الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ وَلَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَةِ هَذَا اهـ خَضِرٌ وَكَيْفِيَّةُ الِاكْتِسَابِ بِأَنْ يُقَالَ: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: 72] أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ يُنْتِجُ ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: 72] لِلْوُجُوبِ " وَلَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ " نَهْيٌ وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ يُنْتِجُ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لِلتَّحْرِيمِ فَيُجْعَلُ الدَّلِيلُ الْإِجْمَالِيُّ كُبْرَى لِلْقِيَاسِ كَمَا بَيَّنَهُ الْمَحَلِّيُّ

وَمَوْضُوعُهُ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ عُرُوضُ الْأَحْكَامِ لَهَا

وَاسْتِمْدَادُهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَسَائِرِ الْأَدِلَّةِ الْمَعْرُوفَةِ

وَفَائِدَتُهُ امْتِثَالُ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ الْمُحَصِّلَانِ لِلْفَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ

(عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ) الْمُجْتَهِدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ (الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ) أَيْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي الْمَسَائِلِ مَجَازًا عَنْ مَكَانِ الذَّهَابِ

(اخْتَصَرْت فِيهِ

[حاشية البجيرمي]

فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ أَيْ: بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُكْتَسِبُ لِلْخِلَافِيِّ أَيْ: الشَّخْصِ الَّذِي نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْخِلَافِ وَالْجِدَالِ لِيَذُبَّ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ مِنْ الْمُقْتَضِي وَالنَّافِي الْمُثْبَتِ بِهِمَا مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْفَقِيهِ كَالشَّافِعِيِّ لِيَحْفَظَهُ عَنْ إبْطَالِ خَصْمِهِ كَالْحَنَفِيِّ فَعِلْمُهُ أَيْ: الْخِلَافِيُّ مَثَلًا بِوُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَبِعَدَمِ وُجُوبِ الْوِتْرِ لِوُجُودِ النَّافِي لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ لِأَنَّهُ مُكْتَسَبٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ وَقَوْلُهُ مِنْ الْمُقْتَضِي مُتَعَلِّقٌ بِالْمُكْتَسِبِ قَالَ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ هَذَا إنْ قُلْنَا: إنَّ الْخِلَافِيَّ يَسْتَفِيدُ عِلْمًا بِثُبُوتِ الْوُجُوبِ وَانْتِفَائِهِ مِنْ مُجَرَّدِ تَسَلُّمِهِ مِنْ الْفَقِيهِ وُجُودَ الْمُقْتَضِي أَوْ النَّافِي وَإِجْمَالًا وَأَنَّهُ يُمْكِنُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حِفْظُهُ عَنْ إبْطَالِ الْخَصْمِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ عِلْمًا وَيُمْكِنُهُ الْحِفْظُ الْمَذْكُورُ حَتَّى يَتَعَيَّنَ الْمُقْتَضِي أَوْ النَّافِي فَيَكُونُ هُوَ الدَّلِيلُ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ كَانَ فِقْهًا وَالصَّوَابُ أَنَّ قَيْدَ التَّفْصِيلِيَّةِ لَيْسَ لِإِخْرَاجِ عِلْمِ الْخِلَافِيِّ بَلْ هُوَ تَصْرِيحٌ بِاللَّازِمِ فَهُوَ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ دُونَ الِاحْتِرَازِ كَقَوْلِهِ مِنْ أَدِلَّتِهَا؛ لِأَنَّ عِلْمَ الْخِلَافِيِّ خَارِجٌ بِقَوْلِهِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعِلْمُ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَالْخِلَافِيُّ لَيْسَ حَاصِلًا عِنْدَهُ الْعِلْمُ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَخَارِجٌ أَيْضًا بِقَوْلِهِ الْمُكْتَسَبُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْمُسْتَنْبَطُ وَهُوَ لَا يُسْتَنْبَطُ انْتَهَى.
ح ف

(قَوْلُهُ وَمَوْضُوعُهُ) ذَكَرَ مِنْ الْمَبَادِئِ سِتَّةً وَهِيَ الِاسْمُ وَالْحَدُّ وَالْمَوْضُوعُ وَالِاسْتِمْدَادُ وَالْفَائِدَةُ وَالْغَايَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ الْمُحَصِّلَانِ لِلْفَوَائِدِ إلَخْ.
وَحُكْمُهُ الْوُجُوبُ الْعَيْنِيُّ أَوْ الْكِفَائِيُّ وَوَاضِعُهُ الْأَئِمَّةُ الْمُجْتَهِدُونَ

(قَوْلُهُ وَسَائِرِ الْأَدِلَّةِ) أَيْ: بَاقِيهَا كَالِاسْتِصْحَابِ وَالِاسْتِقْرَاءِ كَاسْتِقْرَاءِ الشَّافِعِيِّ النِّسَاءَ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَغَالِبِهِمَا، وَأَكْثَرِهِمَا وَالِاسْتِحْسَانِ كَاسْتِحْسَانِ الشَّافِعِيِّ التَّحْلِيفَ عَلَى الْمُصْحَفِ

(قَوْلُهُ نَوَاهِيهِ) أَيْ: مُنْهَيَاتِهِ

(قَوْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ إلَخْ) أَيْ: كَائِنًا ذَلِكَ الْفِقْهُ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ كَيْنُونَةَ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لِحُصُولِهِ فِي ضِمْنِهِ وَقَدْ تُجْعَلُ عَلَى بِمَعْنَى فِي لِيَكُونَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ بَدَلًا مِنْ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ، وَقَبْلَهُ فَإِنْ قُلْت كَانَ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ مُخْتَصَرًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَلِمَ زَادَ قَوْلَهُ فِي الْفِقْهِ؟ قُلْت: أَشَارَ لِمَدْحِ مُخْتَصَرِهِ وَمِنْ وَجْهَيْنِ عُمُومِ كَوْنِهِ فِي الْفِقْهِ وَخُصُوصِ كَوْنِهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ قَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِ الْفِقْهِ وَإِنَّمَا نَسَبَ لِجَدِّهِ الثَّالِثِ لِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ بْنُ صَحَابِيٍّ إذْ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ.
(قَوْلُهُ فِي الْمَسَائِلِ) مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْجُزْءِ فِي الْكُلِّ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ هِيَ النِّسَبُ التَّامَّةُ وَالْمَسْأَلَةُ كِنَايَةٌ عَنْ مَوْضُوعٍ وَمَحْمُولٍ وَنِسْبَةٍ (قَوْلُهُ مَجَازًا) قَالَ: بَعْضُهُمْ هُوَ حَالٌ مِنْ مَا ذَهَبَ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ لَفْظٌ لِأَنَّهُ كَلِمَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ إلَخْ، وَمَا ذَهَبَ مَعَانٍ بِدَلِيلِ تَبْيِينِهِ بِالْأَحْكَامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ: حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ مَدْلُولَ مَجَازٍ وَالْأَوْلَى كَوْنُهُ حَالًا مِنْ مَذْهَبِ الَّذِي فِي الْمَتْنِ أَيْ: حَالَ كَوْنِ الْمَذْهَبِ أَيْ: لَفْظِهِ مَجَازًا أَيْ: مَنْقُولًا عَنْ مَكَانِ الذَّهَابِ وَذَلِكَ التَّشْبِيهُ اخْتِيَارُهُ لِلْأَحْكَامِ بِسُلُوكِهِ الطَّرِيقَ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ اسْمُ السُّلُوكِ وَهُوَ الذَّهَابُ لِاخْتِيَارِ الْأَحْكَامِ وَاشْتُقَّ مِنْهُ الْمَذْهَبُ فَيَكُونُ اسْتِعَارَةً تَبَعِيَّةً هَذَا مُرَادُهُ وَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً لِجَوَازِ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ مَجَازٌ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَإِنْ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً بَعْدَ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ عَنْ مَكَانِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ: مَنْقُولًا عَنْ مَكَان اهـ ح ف

(قَوْلُهُ اخْتَصَرْت فِيهِ) أَيْ: جَمَعْت فِيهِ مَعَانِيَ الْمِنْهَاجِ ع ش وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ مُخْتَصَرَ الْإِمَامِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: مَعَانِي مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ أَيْ: الْمَقْصُودِ مِنْ مَعَانِيهِ، وَإِلَّا فَمِنْ جُمْلَتِهَا حِكَايَةُ الْخِلَافِ وَالشَّيْخُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فَالظَّرْفِيَّةُ هُنَا مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمَعَانِي فِي الْأَلْفَاظِ كَمَا أَشَارَ لَهُ ع ش وَقَالَ الْمَلَوِيُّ اخْتَصَرْت فِيهِ أَيْ: فِي ذَلِكَ الْمُؤَلَّفِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْمُخْتَصَرِ الْمُرَادُ بِهِ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْمِنْهَاجِ وَمَا ضَمَّهُ إلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ ظَرْفِيَّةُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْمِنْهَاجِ مَظْرُوفَةٌ فِي مَسَائِلِ الْمَنْهَجِ وَفِي الْإِطْفِيحِيِّ إتْيَانُهُ بِالظَّرْفِيَّةِ يَقْتَضِي تَسْمِيَتَهُ بِالْمُخْتَصَرِ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ فِيهِ كَلَامَ الْمِنْهَاجِ فَلَوْ قَالَ: اخْتَصَرْته مِنْ مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ لَانْدَفَعَ ذَلِكَ الْإِيهَامُ وَالْإِشْكَالُ ظَاهِرًا إذَا كَانَتْ الْخُطْبَةُ مُتَقَدِّمَةً عَلَى

مُخْتَصَرَ الْإِمَامِ أَبِي زَكَرِيَّا النَّوَوِيِّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (الْمُسَمَّى بِمِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ، وَضَمَمْت إلَيْهِ مَا يُسِّرَ مَعَ إبْدَالِ غَيْرِ الْمُعْتَمَدِ بِهِ) أَيْ بِالْمُعْتَمَدِ (بِلَفْظٍ مُبِينٍ) وَسَأُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ غَالِبًا فِي مَحَالِّهِ (وَحَذَفْت مِنْهُ الْخِلَافَ رَوْمًا) أَيْ طَلَبًا (لِتَيْسِيرِهِ عَلَى الرَّاغِبِينَ) فِيهِ (وَسَمَّيْته بِمَنْهَجِ الطُّلَّابِ) الْمَنْهَجُ وَالْمِنْهَاجُ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ (رَاجِيًا) أَيْ مُؤَمِّلًا (مِنْ اللَّهِ) تَعَالَى (أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ أُولُو الْأَلْبَابِ) جَمْعُ لُبٍّ وَهُوَ الْعَقْلُ (وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ) وَهُوَ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ وَتَسْهِيلُ سَبِيلِ الْخَيْرِ وَتَسْهِيلُ سَبِيلِ الْخَيْرِ (لِلصَّوَابِ) أَيْ لِمَا يُوَافِقُ الْوَاقِعَ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ (وَ) أَسْأَلُهُ (الْفَوْزَ) أَيْ الظَّفَرَ بِالْخَيْرِ (يَوْمَ الْمَآبِ)

[حاشية البجيرمي]

التَّأْلِيفِ فَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ فَلَا إشْكَالَ.
(قَوْلُهُ مُخْتَصَرَ الْإِمَامِ) سَمَّاهُ مُخْتَصَرًا لِأَنَّهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ الْمُحَرَّرِ وَهُوَ مِنْ الْوَجِيزِ وَهُوَ مِنْ الْوَسِيطِ وَهُوَ مِنْ الْبَسِيطِ وَهُوَ مِنْ النِّهَايَةِ شَرْحٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ عَلَى مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ الْأُمِّ وَالْوَجِيزِ وَالْوَسِيطِ وَالْبَسِيطِ لِلْغَزَالِيِّ تِلْمِيذِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ بَابِلِيٌّ (قَوْلُهُ الْمُسَمَّى بِمِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ) أَسْمَاءُ الْكُتُبِ مِنْ حَيِّزِ عِلْمِ الْجِنْسِ وَأَسْمَاءُ الْعُلُومِ مِنْ حَيِّزِ عِلْمِ الشَّخْصِ عَلَى مَا هُوَ التَّحْقِيقُ ز ي (قَوْلُهُ وَضَمَمْت إلَيْهِ) أَيْ: إلَى مَا اخْتَصَرْته مِنْ مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ شَوْبَرِيٍّ أَوْ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِمُخْتَصَرِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ عِبَارَةً عَنْ مَجْمُوعِ مَعَانِي الْمِنْهَاجِ وَزِيَادَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مِنْ ضَمِّ الْجُزْءِ إلَى كُلِّهِ فَهُوَ مِنْ التَّجْرِيدِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لِأَنَّهُ جَرَّدَ اللَّفْظَ عَنْ بَعْضِ مَدْلُولِهِ، وَهُوَ مَا ضَمَّ إلَيْهِ وَقَصَدَ بِهِ التَّنْبِيهَ عَلَى شَرَفِ هَذَا الْجُزْءِ بِكَوْنِهِ يَسُرُّ (قَوْلُهُ مَعَ إبْدَالِ إلَخْ) فِيهِ إدْخَالُ الْبَاءِ فِي حَيِّزِ الْإِبْدَالِ عَلَى الْمَأْخُوذِ، وَإِدْخَالُهَا فِي حَيِّزِ الْإِبْدَالِ عَلَى الْمَأْخُوذِ فِي حَيِّزِ بَدَلَ وَتَبَدَّلَ وَاسْتَبْدَلَ عَلَى الْمَتْرُوكِ هُوَ الْفَصِيحُ وَخَفِيَ هَذَا التَّفْصِيلُ عَلَى مَنْ اعْتَرَضَ هَذَا الْمَتْنَ وَأَصْلَهُ بِآيَةِ: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ﴾ [البقرة: 108] ، وَقَدْ تَدْخُلُ فِي حَيِّزِ بَدَّلَ وَنَحْوَهُ عَلَى الْمَأْخُوذِ كَمَا فِي قَوْلِهِ وَبُدِّلَ طَالِعِي نَحْسِي بِسَعْدِي ز ي (قَوْلُهُ بِهِ أَيْ: بِالْمُعْتَمَدِ) يَعْنِي فِي الْحُكْمِ وَلَوْ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا عِنْدَ غَيْرِهِ أَوْ مَا يَعْتَمِدُهُ الْحُذَّاقُ فِي التَّعْبِيرِ فَيَشْمَلُ مَا هُوَ أَعَمُّ وَمَا هُوَ أَوْلَى وَمَا جَمَعَ الصِّفَتَيْنِ.
ح ل (قَوْلُهُ بِلَفْظٍ) مُتَعَلِّقٌ بِإِبْدَالٍ، وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ أَوْ الْمُصَاحَبَةِ (قَوْلُهُ مُبَيِّنٍ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَبَانَ بِمَعْنَى وَضَّحَ أَوْ مِنْ أَبَانَ بِمَعْنَى أَوْضَحَ وَهُوَ الْقِيَاسُ أَيْ: مُوَضِّحٌ لِلْمُرَادِ بِلَا خَفَاءٍ وَفِي الْمِصْبَاحِ بِأَنَّ الْأَمْرَ يُبَيَّنُ وَلَا يَكُونُ إلَّا لَازِمًا وَأَبَانَ إبَانَةً بِمَعْنَى الْوُضُوحِ وَيُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا.
ع ش (قَوْلُهُ وَسَأُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: الْمَذْكُورِ مِنْ الضَّمِّ وَالْإِبْدَالِ وَقَدَّمَ الْإِبْدَالَ عَلَى الْحَذْفِ لِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِبَيَانِ الْمُعْتَمَدِ وَذِكْرُهُ أَقْوَى مِنْهُ بِالْحَذْفِ.
(قَوْلُهُ وَحَذَفْت مِنْهُ الْخِلَافَ) أَيْ: تَرَكْتُهُ.
ح ل وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي مِنْهُ عَائِدٌ عَلَى مُخْتَصَرِهِ أَمَّا لَوْ عَادَ عَلَى مُخْتَصَرِ الْإِمَامِ فَالْحَذْفُ بَاقٍ عَلَى مَعْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ حَذَفَهُ حِينَ اخْتَصَرَهُ لَكِنَّ فِيهِ تَشْتِيتٌ لِلضَّمَائِرِ لِأَنَّ الضَّمَائِرَ السَّابِقَةَ عَائِدَةٌ عَلَى مُخْتَصَرِهِ.
ح ف (قَوْلُهُ الرَّاغِبِينَ) أَيْ: الْمُنْهَمِكِينَ عَلَى الْخَيْرِ طَلَبًا لِحِيَازَةِ مَعَالِيهِ ز ي (قَوْلُهُ بِمَنْهَجِ الطُّلَّابِ) فَقَدْ اخْتَصَرَ الِاسْمَ كَمَا اخْتَصَرَ الْمُسَمَّى ثُمَّ اشْتَهَرَ الْآنَ بِالْمَنْهَجِ اقْتِصَارًا عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ الْعَلَمِ مَعَ دُخُولِ أَلْ عَلَيْهِ مَلَوِيٌّ وَالطُّلَّابُ جَمْعُ طَالِبٍ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ ... وَصْفَيْنِ نَحْوَ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا اهـ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ جَمْعُ طَلَّابٍ بِفَتْحِ الطَّاءِ مُبَالَغَةُ طَالِبٍ لَا يَظْهَرُ اهـ (قَوْلُهُ رَاجِيًا) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ فَاعِلِ اخْتَصَرْت وَمَا بَعْدَهُ فَيَكُونُ حُذِفَ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي أَوْ بِالْعَكْسِ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّنَازُعِ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْإِضْمَارَ وَالْحَالُ نَكِرَةٌ (قَوْلُهُ أَنْ يَنْتَفِعَ) أَتَى بِالْمُضَارِعِ الْمُصَدَّرِ بِأَنَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَالِ انْتِفَاعٌ بِهِ وَقَالَ: وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ مَطْلُوبٌ فِي الْحَالِ كَالِاسْتِقْبَالِ فَلِذَا أَتَى فِيهِ بِالْمَصْدَرِ الصَّرِيحِ كَمَا فِي الْإِطْفِيحِيِّ وَلِيُنَاسِبَ مَا بَعْدَهُ أَيْضًا وَهُوَ الْفَوْزُ وَجُمْلَةُ وَأَسْأَلُهُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى رَاجِيًا وَالتَّقْدِيرُ وَسَائِلًا.
(قَوْلُهُ وَهُوَ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ إلَخْ) يُوهِمُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ وَاحِدٌ ثُمَّ إنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلتَّوْفِيقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَالْمُرَادُ هُنَا إلْهَامُ مُوَافَقَةِ الصَّوَابِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ وَخَلْقُ الْقُدْرَةِ فِي الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ مَجْبُولًا طَبْعًا وَاخْتِيَارًا عَلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ إطْفِيحِيٌّ بِاخْتِصَارٍ.
(قَوْلُهُ وَتَسْهِيلُ سَبِيلِ الْخَيْرِ) هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَّا إذَا لَمْ نُرِدْ بِالْقُدْرَةِ الْعَرْضَ الْمُقَارِنَ لِلْفِعْلِ بِأَنْ أُرِيدَ بِهَا سَلَامَةُ الْآلَاتِ فَإِنْ أَرَدْنَا ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّ تِلْكَ الْقُدْرَةَ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي الْكَافِرِ.
(قَوْلُهُ لِلصَّوَابِ) فِيهِ أَنَّ التَّوْفِيقَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْخَيْرِ فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ لِلصَّوَابِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَ مُتَعَلِّقَاتِهِ، أَوْ أَنَّهُ سَلَكَ التَّجْرِيدَ بِأَنْ جَرَّدَ التَّوْفِيقَ عَنْ كَوْنِهِ فِي خَيْرٍ (قَوْلُهُ وَالْفِعْلِ) كَالصَّلَاةِ وَمَعْنَى كَوْنِهَا تُوَافِقُ الْوَاقِعَ أَنْ

أَيْ الرُّجُوعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

(كِتَابُ الطَّهَارَةِ) هُوَ لُغَةً الضَّمُّ وَالْجَمْعُ يُقَالُ كَتَبَ كَتْبًا وَكِتَابَةً وَكِتَابًا وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَبْوَابٍ وَفُصُولٍ غَالِبًا، وَالطَّهَارَةُ لُغَةً النَّظَافَةُ وَالْخُلُوصُ

[حاشية البجيرمي]

تَكُونَ مُسْتَكْمِلَةً لِلْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ (قَوْلُهُ: أَيْ: الرُّجُوعِ) فَالْمَآبُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وَفِي الْمِصْبَاحِ: آبَ مِنْ سَفَرِهِ يَئُوبُ أَوْبًا وَمَآبًا: رَجَعَ وَالْإِيَابُ: اسْمٌ مِنْهُ فَهُوَ آيِبٌ وَآبَ إلَى اللَّهِ رَجَعَ عَنْ ذَنْبِهِ وَتَابَ فَهُوَ أَوَّابٌ مُبَالَغَةً

[كِتَابُ الطَّهَارَةِ]

وَقَدْ افْتَتَحَ الْأَئِمَّةُ كُتُبَهُمْ بِالطَّهَارَةِ لِخَبَرِ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ» مَعَ افْتِتَاحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذِكْرَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ بِالصَّلَاةِ، وَلِكَوْنِهَا أَعْظَمَ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي قَدَّمَهَا عَلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ اهـ شَرْحُ.
م ر (قَوْلُهُ هُوَ لُغَةً) أَيْ: مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَوْ حَالَ كَوْنِهِ لُغَةً أَوْ أَعْنِي لُغَةً أَوْ فِي اللُّغَةِ فَالنَّصْبُ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ الْحَالِ أَوْ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ أَوْ بِنَزْعِ الْخَافِضِ عَلَى مَا فِيهِ لَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ سَمَاعِيٌّ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ شَوْبَرِيٌّ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَالٌ فَهُوَ حَالٌ مِنْ النِّسْبَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْمُبْتَدَإِ وَالْخَبَرِ أَوْ مِنْ الضَّمِيرِ الْمَحْذُوفِ مَعَ فَاعِلِهِ أَيْ: أَعْنِيه لُغَةً.
اهـ (قَوْلُهُ وَالْجَمْعُ) عَطْفُ أَعَمَّ عَلَى أَخَصَّ ع ش فَالْكِتَابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنًى جَامِعٍ أَوْ مَجْمُوعٍ فِيهِ.
(قَوْلُهُ كَتْبًا) مَصْدَرٌ مُجَرَّدٌ، وَكِتَابَةً وَكِتَابًا مَصْدَرَانِ مَزِيدَانِ، وَالْأَوَّلُ: مَزِيدٌ بِحَرْفَيْنِ وَالثَّانِي: بِحَرْفٍ وَقَدَّمَ الْمَزِيدَ بِحَرْفَيْنِ لِشُهْرَتِهِ شَوْبَرِيٌّ لَعَلَّ الْمُرَادَ شُهْرَتُهُ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ فَلَا يَرُدُّ أَنَّ الْمَزِيدَ بِحَرْفٍ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
(قَوْلُهُ مِنْ الْعِلْمِ) أَيْ: مِنْ دَالِّ الْعِلْمِ فَلَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ السَّيِّدُ: مِنْ أَنَّ الْمُخْتَارَ فِي أَسْمَاءِ الْكُتُبِ وَالْأَبْوَابِ وَالْفُصُولِ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ وَالْإِضَافَةُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ إضَافَةِ الدَّالِّ لِلْمَدْلُولِ أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْعَامِّ لِلْخَاصِّ وَهِيَ بِمَعْنَى اللَّامِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ سم فِي شَرْحِ الْغَايَةِ، وَقَوْلُهُ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَبْوَابٍ إلَخْ لَيْسَ مِنْ تَتِمَّةِ التَّعْرِيفِ بَلْ الْكِتَابُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُشْتَمِلَةً عَلَى مَا ذَكَرَ كَكِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَلَوْ حَذَفَهَا لَكَانَ أَوْلَى لِإِيهَامِ تَوَقُّفِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهَا لَكِنْ هَذَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ غَالِبًا إطْفِيحِيٌّ وَقَالَ فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ: الْبَابُ اصْطِلَاحًا: اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْكِتَابِ وَالْفَصْلِ فَإِنْ جَمَعْت الثَّلَاثَةَ قُلْت: الْكِتَابُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَبْوَابٍ وَفُصُولٍ، وَالْبَابُ: اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى فُصُولٍ وَالْفَصْلُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى مَسَائِلَ فَالْكِتَابُ كَالْجِنْسِ الْجَامِعِ لِأَبْوَابٍ جَامِعَةٍ لِفُصُولٍ جَامِعَةٍ لِلْمَسَائِلِ، فَالْأَبْوَابُ أَنْوَاعُهُ، وَالْفُصُولُ أَصْنَافُهُ، وَالْمَسَائِلُ أَشْخَاصُهُ اهـ فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ كَالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ، وَالطَّهَارَةُ مَصْدَرُ طَهَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ يَطْهُرُ بِضَمِّهَا فِيهِمَا، فَالْمَاضِي مَفْتُوحُ الْعَيْنِ وَمَضْمُومُهَا إذَا كَانَ لَا بِمَعْنَى اغْتَسَلَ، وَأَمَّا طَهُرَ بِمَعْنَى اغْتَسَلَ فَمُثَلَّثُ الْهَاءِ وَفِي مُضَارِعِهِ لُغَتَانِ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ شَيْخُنَا ع ش إطْفِيحِيٌّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّهَارَةَ قِسْمَانِ عَيْنِيَّةٌ وَحُكْمِيَّةٌ فَالْعَيْنِيَّةُ هِيَ مَا لَا تَتَجَاوَزُ مَحَلَّ سَبَبِهَا كَمَا فِي غَسْلِ الْيَدِ مَثَلًا مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِنَّ الْغَسْلَ لَا يَتَجَاوَزُ مَحَلَّ إصَابَةِ النَّجَاسَةِ وَالْحُكْمِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تَتَجَاوَزُ مَحَلَّ مَا ذَكَرَ كَمَا فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ مِنْ الْحَدَثِ فَإِنَّ مَحَلَّ السَّبَبِ الْفَرْجُ مَثَلًا حَيْثُ خَرَجَ مِنْهُ خَارِجٌ، وَقَدْ وَجَبَ غَسْلُ غَيْرِهِ وَهُوَ الْأَعْضَاءُ شَوْبَرِيٌّ وَلَهَا وَسَائِلُ وَمَقَاصِدُ فَوَسَائِلُهَا أَرْبَعٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْوَسَائِلِ الْمُقَدِّمَاتُ الَّتِي عَبَّرَ بِهَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَهِيَ الْمِيَاهُ وَالْأَوَانِي وَالِاجْتِهَادُ وَالنَّجَاسَةُ وَلَمَّا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُوجِبَةً لِلطَّهَارَةِ عُدَّتْ مِنْ الْوَسَائِلِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَمَقَاصِدُهَا أَرْبَعٌ: الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ، وَلَمْ يَعُدُّوا التُّرَابَ مِنْ الْوَسَائِلِ كَالْمِيَاهِ وَلَا الْأَحْدَاثَ مِنْهَا كَالنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لَمَّا كَانَ طَهَارَةَ ضَرُورَةٍ لَمْ يَعُدْ مِنْ الْوَسَائِلِ وَلَمَّا لَمْ تَتَوَقَّفْ الطَّهَارَةُ عَلَى سَبْقِ حَدَثٍ كَالْمَوْلُودِ إذَا أُرِيدَ تَطْهِيرُهُ لِلطَّوَافِ بِهِ لَمْ يَعُدُّوا الْحَدَثَ مِنْهَا أَيْضًا كَمَا قَالَهُ ع ش إطْفِيحِيٌّ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْوَسَائِلَ الْحَقِيقِيَّةَ الْمَاءُ وَالتُّرَابُ وَالْحَجَرُ وَالدَّابِغُ.
(قَوْلُهُ وَالْخُلُوصُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ ع ش أَيْ: لِأَنَّ النَّظَافَةَ تَشْمَلُ الْحِسِّيَّةَ كَالْأَنْجَاسِ وَالْمَعْنَوِيَّةَ كَالْعُيُوبِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ» أَيْ: مُنَزَّهٌ عَنْ النَّقَائِصِ.
اهـ وَقِيلَ: عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ لِأَنَّ الْخُلُوصَ مِنْ الْأَدْنَاسِ يَشْمَلُ الْحِسِّيَّةَ وَالْمَعْنَوِيَّةَ،

مِنْ الْأَدْنَاسِ، وَشَرْعًا: رَفْعُ حَدَثٍ أَوْ إزَالَةُ نَجَسٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَعَلَى صُورَتِهِمَا كَالتَّيَمُّمِ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَهِيَ شَامِلَةٌ لِأَنْوَاعِ الطِّهَارَاتِ، وَبَدَأْت بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي آلَتِهَا فَقُلْت (إنَّمَا يُطَهَّرُ مِنْ مَائِعٍ مَاءٍ مُطْلَقٍ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَاءً بِلَا قَيْدٍ) وَإِنْ رَشَحَ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ الْمَغْلِيِّ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ وَغَيْرُهُ أَوْ قَيْدٌ لِمُوَافَقَةِ الْوَاقِعِ كَمَاءِ الْبَحْرِ بِخِلَافِ الْخَلِّ وَنَحْوِهِ، وَمَا لَا يُذْكَرُ إلَّا مُقَيَّدًا

[حاشية البجيرمي]

وَالنَّظَافَةُ خَاصَّةٌ بِالْحِسِّيَّةِ أَوْ عَطْفُ سَبَبٍ عَلَى مُسَبَّبٍ أَوْ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ.
اهـ (قَوْلُهُ وَشَرْعًا) عَبَّرَ عَنْ مَعْنَى الطَّهَارَةِ الْمُقَابِلِ لِلُّغَوِيِّ بِقَوْلِهِ وَشَرْعًا وَعَنْ مَعْنَى الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ وَاصْطِلَاحًا بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ هِيَ مَا تُلْقِي مَعْنَاهَا مِنْ الشَّارِعِ وَأَنَّ مَا لَمْ يُتَلَقَّ مِنْ الشَّارِعِ يُسَمَّى اصْطِلَاحًا، وَإِنْ كَانَ فِي عِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ بِأَنْ اصْطَلَحُوا عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي مَعْنًى فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَتَلَقَّوْا التَّسْمِيَةَ بِهِ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ نَعَمْ قَدْ يَسْتَعْمِلُونَ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ كَمَا قَالَهُ سم فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْبَهْجَةِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ فِيمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ مُطْلَقًا.
ع ش (قَوْلُهُ رَفْعُ حَدَثٍ) هَذَا أَحَدُ إطْلَاقَيْنِ لِلطَّهَارَةِ وَهُوَ مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ وَالْإِطْلَاقُ الثَّانِي حَقِيقِيٌّ، وَهُوَ زَوَالُ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ.
ع ن أَيْ: الطَّهَارَةُ ذَاتُ رَفْعِ حَدَثٍ كَوُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ أَوْ يُؤَوَّلُ رَفْعٍ بِرَافِعٍ وَإِلَّا فَالطَّهَارَةُ لَيْسَتْ نَفْسَ الرَّفْعِ وَإِنَّمَا هُوَ نَاشِئٌ عَنْهَا لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ وَهُوَ إزَالَتُهُ نَاشِئٌ عَنْ الْوُضُوءِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ أَوْ إزَالَةُ نَجِسٍ بِأَنْ يُقَالَ: ذَاتُ إزَالَةٍ وَهُوَ الْغُسْلُ أَوْ يُؤَوَّلُ إزَالَةُ بِمُزِيلٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغُسْلَ مُزِيلٌ، وَأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ نَفْسَ الْإِزَالَةِ، وَإِنَّمَا الْإِزَالَةُ نَاشِئَةٌ عَنْهَا لِأَنَّهَا نَاشِئَةٌ عَنْ الْغُسْلِ اهـ شَيْخُنَا.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الطَّهَارَةَ تُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَهُوَ الْفِعْلُ وَعَلَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ أَثَرُهُ وَالْأَوَّلُ: مَجَازِيٌّ وَالثَّانِي: حَقِيقِيٌّ وَإِنَّمَا عَرَّفَهَا الشَّارِحُ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْمَتْنِ هُوَ الْفِعْلُ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ (قَوْلُهُ كَالتَّيَمُّمِ) هَذَا فِي مَعْنَى رَفْعِ الْحَدَثِ وَفِي مَعْنَى إزَالَةِ النَّجَسِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ وَقَوْلُهُ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ وَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ مِثَالَانِ لِمَا عَلَى صُورَةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَوَّلِ عَلَى صُورَةِ الْأَكْبَرِ وَالثَّانِي عَلَى صُورَةِ الْأَصْغَرِ وَقَوْلُهُ: وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِثَالٌ لِمَا عَلَى صُورَةِ إزَالَةِ النَّجَسِ أَوْ عَلَى صُورَةِ رَفْعِ الْحَدَثِ (قَوْلُهُ فَهِيَ) أَيْ: الطَّهَارَةُ الَّتِي فِي التَّرْجَمَةِ شَامِلَةٌ إلَخْ هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ وَقَوْلُهُ لِأَنْوَاعِ الطَّهَارَاتِ هِيَ كَمَا فِي التَّحْرِيرِ أَرْبَعَةٌ: الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا فِي التَّرْجَمَةِ لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَمَنْ جَمَعَهَا قَصَدَ التَّصْرِيحَ بِهِ أَيْ: بِذَلِكَ التَّنَاوُلِ مُنَاوِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ) أَيْ: الْكَثِيرُ وَالْغَالِبُ فِي آلَتِهَا أَيْ: الطَّهَارَةِ وَهِيَ الْمَاءُ وَالتُّرَابُ وَالْحَجَرُ وَالدَّابِغُ وَهِيَ الْوَسَائِلُ حَقِيقَةً.
(قَوْلُهُ إنَّمَا يُطَهِّرُ إلَخْ) هُوَ مِنْ قَصْرِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوفِ قَصْرَ إفْرَادٍ لِلرَّدِّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ يُطَهِّرُ كَالْخَلِّ، وَنَحْوِهِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ دُهْنِيَّةٌ كَمَاءِ الْبِطِّيخِ قَالُوا: إنَّهُ يُطَهِّرُ النَّجَسَ وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ مَعَ أَنَّ النَّجَاسَةَ أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ فَرَّقَ بِأَنَّ الْحَدَثَ أَقْوَى لِأَنَّهُ يَحِلُّ بَاطِنَ الْأَعْضَاءِ وَظَاهِرَهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا كُشِطَ الْجِلْدُ عَنْ الْأَعْضَاءِ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهَا، وَالنَّجَاسَةُ تَحِلُّ الظَّاهِرَ فَقَطْ فَإِذَا كُشِطَ الْجِلْدُ زَالَتْ اهـ وَالْمُرَادُ الطَّهَارَةُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الشَّامِلِ لِمَا فِيهِ رَفْعٌ وَإِزَالَةٌ وَلِمَا لَا رَفْعَ فِيهِ وَلَا إزَالَةَ كَالطَّهَارَةِ الْمَنْدُوبَةِ فَإِنَّهَا مُطَهِّرَةٌ صُورَةً بِمَعْنَى أَنَّهَا عَلَى صُورَةِ الْمُطَهِّرِ فَهِيَ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ أَصْلِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا اُشْتُرِطَ الْمَاءُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ مِنْ مَائِعٍ) وَإِلَّا فَالتُّرَابُ وَالْحَجَرُ وَآلَةُ الدَّبْغِ كُلٌّ مِنْهَا مُحَصِّلٌ لِلطَّهَارَةِ.
ح ل (قَوْلُهُ بِلَا قَيْدٍ) أَيْ: لَازِمٍ (قَوْلُهُ وَإِنْ رَشَحَ إلَخْ) تَصْرِيحٌ بِأَنَّ هَذَا الرَّشْحَ يُسَمَّى مَاءً وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ مَاءٌ حَقِيقَةً، وَيَنْقُصُ بِقَدْرِهِ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْحَاوِي: وَلَا يَجُوزُ رَفْعُ حَدَثٍ وَلَا إزَالَةُ نَجِسٍ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ أَوْ بُخَارِ الْمَاءِ وَإِنْ قَالَ الرَّافِعِيُّ نَازَعَ فِيهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ وَقَالَ: يُسَمُّونَهُ بُخَارًا وَرَشْحًا لَا مَاءً عَلَى الْإِطْلَاقِ شَرْحُ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْهَاجِ خَضِرٌ وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَزَازَةٌ عَلَى جَعْلِهِ الرَّشْحَ مِنْ الْبُخَارِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْمَاءِ فَلَوْ قَالَ: وَإِنْ رَشَحَ مِنْ الْمَاءِ بِسَبَبِ الْبُخَارِ الَّذِي هُوَ حَرَارَةُ النَّارِ لَكَانَ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ مَدَابِغِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ وَقَدْ يُجَابُ بِجَعْلِ مِنْ تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ: وَإِنْ رَشَحَ مِنْ الْمَاءِ مِنْ أَجْلِ الْبُخَارِ، وَسَبَبُهُ وَإِنَّمَا قَيَّدَ الرَّشْحَ بِكَوْنِهِ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ الْمَغْلِيِّ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ أُجْهُورِيٌّ وَإِلَّا فَالرَّشْحُ مِنْ غَيْرِ الْبُخَارِ كَالنَّشَعِ مُطْلَقٌ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ أَوْ قَيَّدَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ رَشَحَ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْخَلِّ وَنَحْوِهِ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ

كَمَاءِ الْوَرْدِ وَمَاءٍ دَافِقٍ أَيْ مَنِيٍّ فَلَا يُطَهِّرُ شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى مُمْتَنًّا بِالْمَاءِ ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6] «وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَالَ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْمَسْجِدِ صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَالذَّنُوبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالْمَاءُ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُطْلَقِ لِتَبَادُرِهِ إلَى الْفَهْمِ فَلَوْ طَهَّرَ غَيْرُهُ مِنْ الْمَائِع لَفَاتَ الِامْتِنَانُ بِهِ وَلَمَا وَجَبَ التَّيَمُّمُ لِفَقْدِهِ وَلَا غَسْلُ الْبَوْلِ بِهِ، وَتَعْبِيرِي بِمَا ذُكِرَ شَامِلٌ لِطُهْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوِهَا وَلِلطُّهْرِ الْمَسْنُونِ بِخِلَافِ قَوْلِ الْأَصْلِ: يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ مَاءٌ مُطْلَقٌ

(فَمُتَغَيِّرٌ بِمُخَالِطٍ) وَهُوَ مَا لَا يَتَمَيَّزُ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ بِخِلَافِ الْمُجَاوِرِ (طَاهِرٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ) كَزَعْفَرَانٍ وَمَنِيٍّ (تَغَيُّرًا يَمْنَعُ) لِكَثْرَتِهِ (الِاسْمَ) أَيْ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ تَقْدِيرِيًّا؛ بِأَنْ اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ مَا يُوَافِقُهُ فِي صِفَاتِهِ كَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فَيُقَدَّرُ مُخَالِفًا لَهُ فِي أَحَدِهَا.

[حاشية البجيرمي]

مَا يُسَمَّى مَاءً، وَمَا لَا يُذْكَرُ إلَّا مُقَيَّدًا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: بِلَا قَيْدٍ إذْ هُوَ فِي النَّفْيِ يَنْصَرِفُ إلَى اللَّازِمِ.
(قَوْلُهُ كَمَاءِ الْوَرْدِ) مُقَيَّدٌ بِالْإِضَافَةِ وَمَا بَعْدَهُ مُقَيَّدٌ بِالصِّفَةِ.
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى) اسْتِدْلَالٌ عَلَى مَنْطُوقِ الْمَتْنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ إنَّمَا يُطَهِّرُ إلَخْ وَعَلَى مَفْهُومِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّارِحِ بِخِلَافِ الْخَلِّ وَنَحْوِهِ إلَخْ لَكِنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْمَنْطُوقِ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهَا بِمَنْطُوقِ الْأَدِلَّةِ الثَّلَاثَةِ وَأَمَّا الدَّلَالَةُ عَلَى الْمَفْهُومِ فَفِيهَا خَفَاءٌ فَلِذَلِكَ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ فَلَوْ طَهَّرَ غَيْرُهُ إلَخْ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ مُمْتَنًّا) أَيْ: مُعَدِّدًا لِلنِّعَمِ.
قَوْلُهُ ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] الْآيَةُ تَشْمَلُ مَا نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ أَيْضًا لِأَنَّهُ نَزَلَ فِي الْأَصْلِ مِنْ السَّمَاءِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ﴾ [المؤمنون: 18] (قَوْلُهُ الْأَعْرَابِيُّ) وَاسْمه ذُو الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيُّ لَا التَّمِيمِيُّ لِأَنَّهُ خَارِجِيٌّ سُيُوطِيٌّ فِي حَوَاشِي الْأَذْكَارِ.
ع ش (قَوْلُهُ صَبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا) أَيْ: مَظْرُوفَ ذَنُوبٍ وَمِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَهِيَ مَعَ مَدْخُولِهَا حَالٌ.
اهـ عَمِيرَةُ ز ي أَيْ: مِنْ مَظْرُوفِ الْمُقَدَّرِ (قَوْلُهُ الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً) إذَا كَانَ هَذَا مَعْنَى الذَّنُوبِ فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ مَاءٍ وَتَقْيِيدُهُ بِهِ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ الذَّنُوبَ يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الدَّلْوِ، وَعِبَارَةُ الْقَامُوسِ الذَّنُوبُ الدَّلْوُ أَوْ وَفِيهَا مَاءٌ أَوْ الْمُمْتَلِئَةُ أَوْ الْقَرِيبَةُ مِنْ الْمِلْءِ شَوْبَرِيٌّ أَيْ: فَيُحْمَلُ الذَّنُوبُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الدَّلْوِ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ وَالْأَمْرُ) أَيْ: فِي الْحَدِيثِ وَقَوْلُهُ وَالْمَاءُ أَيْ: فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ.
(قَوْلُهُ لِتَبَادُرِهِ إلَى الْفَهْمِ) مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إلَى غَيْرِهِ كَمَا فِي الْآيَةِ الَّتِي هِيَ ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] وَإِلَّا لَزِمَ إلْغَاءُ طَهُورًا أَيْ: مُحَصِّلًا لِلطَّهَارَةِ لِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] وَإِلَّا لَزِمَ التَّأْكِيدُ.
ح ل (قَوْلُهُ فَلَوْ طَهَّرَ غَيْرُهُ إلَخْ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ أَدِلَّةٌ لِلْمَفْهُومِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ لَفَاتَ الِامْتِنَانُ) أَيْ: تَعْدَادُ النِّعَمِ وَهُوَ مِنْ اللَّهِ مَمْدُوحٌ وَمِنْ غَيْرِهِ مَذْمُومٌ قَالَ ح ل: وَفِيهِ أَنَّهُ مَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَقَعَ الِامْتِنَانُ بِشَيْءٍ مَعَ وُجُودِ مَا يُشَارِكُهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي امْتَنَّ بِهِ لِأَجْلِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: نَعَمْ لَكِنْ لَا كَبِيرَ مَوْقِعٍ لَهُ اهـ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَعْنَى لَفَاتَ كَمَالُ الِامْتِنَانِ وَعِبَارَةُ سم فِيهِ تَأَمُّلٌ، وَمَا الْمَانِعُ مِنْ صِحَّةِ الِامْتِنَانِ بِشَيْءٍ وَإِنْ أَقَامَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ؟ وَهَلَّا وُجِّهَ الِاسْتِدْلَال بِأَنْ تَقُولَ: ثَبَتَتْ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ وَلَمْ تَثْبُتْ بِغَيْرِهِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ لِظُهُورِ الْفَارِقِ؟ اهـ قَالَ الشَّمْسُ الْخَطِيبُ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ: وَلَا يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ لِأَنَّ الطُّهْرَ بِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ تَعَبُّدِيٌّ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ مَعْقُولُ الْمَعْنَى لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ.
اهـ (قَوْلُهُ وَلَا غَسْلُ الْبَوْلِ بِهِ) فِيهِ بَحْثٌ لِجَوَازِ الْأَمْرِ بِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ مَا صَدَقَاتِ الْوَاجِبِ أَوْ لِأَنَّهُ الْمُتَيَسِّرُ إذْ ذَاكَ سم

(قَوْلُهُ فَمُتَغَيِّرٌ بِمُخَالِطٍ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَاءً بِلَا قَيْدٍ ع ش وَإِنَّمَا قَالَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: غَيْرُ مُطْلَقٍ، وَالْمُرَادُ الْمُتَغَيِّرُ أَحَدُ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَالتَّغْيِيرُ الْمُؤَثِّرُ إلَخْ (قَوْلُهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ) مُرَادُهُ بِالْمُسْتَغْنَى عَنْهُ مَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِأَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ الْمُتَنَاثِرَةِ وَلَوْ رَبِيعِيَّةً، وَإِنْ تَفَتَّتَتْ وَاخْتَلَطَتْ وَيَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِالثِّمَارِ السَّاقِطَةِ بِسَبَبِ مَا تَحَلَّلَ مِنْهَا سَوَاءٌ وَقَعَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِيقَاعٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْوَرَقِ كَالْوَرْدِ أَوْ لَا شَرْحُ م ر لِأَنَّ شَأْنَ الثِّمَارِ سُهُولَةُ التَّحَرُّزِ عَنْهَا بِخِلَافِ الْأَوْرَاقِ، وَقَوْلُهُ وَمَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ غَالِبًا وَمِنْهُ مَا تَغَيَّرَ التَّغَيُّرَ الْمَذْكُورَ بِسَبَبِ إلْقَاءِ مَا تَغَيَّرَ بِمَا فِي مَقَرِّهِ أَوْ مَمَرِّهِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ حِينَئِذٍ فَيَضُرُّ، وَعَلَيْهِ اللُّغْزُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مَا أَنْ تَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِأَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا وَلَا تَصِحُّ بِهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ اهـ حَلَبِيٌّ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ التَّغَيُّرِ بِالْمُجَاوِرِ التَّغَيُّرُ بِالْبَخُورِ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا وَمِثْلُهُ شَرْحِ م ر. (قَوْلُهُ فِي صِفَاتِهِ) أَيْ: اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرِّيحِ.
(قَوْلُهُ فَيُقَدِّرُ مُخَالِفًا) أَيْ: إنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَوْ هَجَمَ وَتَوَضَّأَ بِهِ صَحَّ وُضُوءُهُ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ شَاكٌّ وَنَحْنُ لَا تُؤْثِرُ بِالشَّكِّ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ الْمُتَيَقَّنِ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ هُوَ مُخَالِطٌ أَوْ مُجَاوِرٌ؟ أَوْ فِي كَثْرَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؟ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ مُخَالِفًا) أَيْ: وَسَطًا ح ل (قَوْلُهُ فِي أَحَدِهَا) الْمُرَادُ بِالْأَحَدِ الْأَحَدُ الدَّائِرُ فَيَشْمَلُ كُلَّ أَحَدٍ أَيْ: فَيُقَدِّرُ مُخَالِفًا لَهُ فِي كُلِّ صِفَةٍ لَا فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ.
ح ف وَصَرَّحَ بِهِ م ر وَعِبَارَةُ ع ش قَوْلُهُ فِي أَحَدِهَا أَيْ: فَإِنْ غَيَّرَ اُكْتُفِيَ بِهِ وَإِلَّا عَرَضَ الْبَاقِيَ مِنْ الْأَوْصَافِ لِيُوَافِقَ كَلَامَ م ر وَعِبَارَةَ ح ل بِمَعْنَى أَنَّا نَعْرِضُ عَلَيْهِ مُغَيِّرَ اللَّوْنِ وَمُغَيِّرَ الطَّعْمِ وَمُغَيِّرَ الرِّيحِ،

(غَيْرُ مُطَهِّرٍ) سَوَاءٌ أَكَانَ قُلَّتَيْنِ أَمْ لَا فِي غَيْرِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَاءً وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ.
(لَا تُرَابٌ وَمِلْحُ مَاءٍ وَإِنْ طُرِحَا فِيهِ) تَسْهِيلًا عَلَى الْعِبَادِ أَوْ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ بِالتُّرَابِ لِكَوْنِهِ كُدُورَةً وَبِالْمِلْحِ الْمَائِيِّ لِكَوْنِهِ مُنْعَقِدًا مِنْ الْمَاءِ لَا يَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَشْبَهَ التَّغَيُّرَ بِهِمَا فِي الصُّورَةِ التَّغَيُّرَ الْكَثِيرَ بِمَا مَرَّ فَمَنْ عَلَّلَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: إنَّ الْمُتَغَيِّرَ بِهِمَا غَيْرُ مُطْلَقٍ وَمَنْ عَلَّلَ بِالثَّانِي قَالَ: إنَّهُ مُطْلَقٌ وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَالْأَوَّلُ أَقْعَدُ وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ التَّغَيُّرُ بِمُجَاوَرٍ كَدُهْنٍ وَعُودٍ

[حاشية البجيرمي]

فَبِأَيِّهَا حَصَلَ التَّغَيُّرُ تَقْدِيرًا اكْتَفَيْنَا بِهِ فِي سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ، وَالْمُغَيِّرُ لِلَّوْنِ عَصِيرُ الْعِنَبِ وَلِلطَّعْمِ عَصِيرُ الرُّمَّانِ وَلِلرِّيحِ اللَّاذَنُ وَهُوَ اللِّبَانُ الذَّكَرُ، وَقِيلَ: نَبْتُ هَذَا هُوَ الْمُخَالِفُ الْوَسَطُ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَا يُوَافِقُهُ فِي صِفَاتِهِ مَا لَوْ وَافَقَهُ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَبَقِيَ فِيهِ الصِّفَتَانِ مَثَلًا كَمَاءِ وَرْدٍ مُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ لَهُ لَوْنٌ وَطَعْمٌ مُخَالِفٌ لِلَوْنِ الْمَاءِ وَطَعْمِهِ هَلْ تَعْرِضُ الْأَوْصَافُ الثَّلَاثَةُ؟ أَوْ يَخْتَصُّ بِفَرْضِ مُغَيِّرِ الرِّيحِ الَّذِي هُوَ الْأَشْبَهُ بِالْخَلِيطِ؟ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ: شَيْخُنَا وَإِلَى الثَّانِي: الرُّويَانِيُّ وَهُوَ وَاضِحٌ لِأَنَّ الصِّفَتَيْنِ الْمَوْجُودَتَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا لَمَّا لَمْ يُغَيَّرَا فَلَا مَعْنَى لِفَرْضِهِمَا.
(قَوْلُهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ) أَيْ: لِغَيْرِ ذَلِكَ الْمُخَالِطِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَمُطَهِّرٌ كَمَا لَوْ أُرِيدَ تَطْهِيرُ سِدْرٍ، أَوْ عَجِينٍ، أَوْ طِينٍ فَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَتَغَيَّرَ بِهِ تَغَيُّرًا كَثِيرًا قَبْلَ وُصُولِهِ لِلْجَمِيعِ فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ بِوُصُولِهِ لَهَا وَإِنْ تَغَيَّرَ كَثِيرًا لِلضَّرُورَةِ إذْ لَا يَصِلُ إلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ إلَّا بَعْدَ تَغَيُّرِهِ كَذَلِكَ فَاحْفَظْهُ مِنْ تَقْرِيرِ شَيْخِنَا الطَّبَلَاوِيِّ وَاعْتَمَدَهُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أُرِيدَ غُسْلُ الْمَيِّتِ فَتَغَيَّرَ الْمَاءُ الْمَصْبُوبُ عَلَى بَدَنِهِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ سِدْرٍ تَغَيُّرًا كَثِيرًا فَإِنَّهُ يَضُرُّ عَلَى الْمُتَّجَهِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي بَابِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وِفَاقًا لِجَمَاعَةٍ.
اهـ. سم.
(قَوْلُهُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ) أَيْ: غَيْرِ الَّذِي خَلِيطُهُ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ الصِّرْفَ إذَا كَانَ قُلَّتَيْنِ يَكُونُ مُطَهِّرًا ح ل فَالْقَيْدُ الْمَذْكُورُ رَاجِعٌ لِلشِّقِّ الْأَوَّلِ مِنْ التَّعْمِيمِ وَقَوْلُهُ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي أَيْ: مِنْ قَوْلِهِ وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضٍ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إنْ قَلَّ الْمُفِيدُ بِمَفْهُومِهِ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ إذَا كَثُرَ يَكُونُ مُطَهِّرًا مَعَ أَنَّ جَمِيعَهُ مُسْتَعْمَلٌ فَبِالْأَوْلَى مَا إذَا كَانَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ مُخَالِطًا لِمَاءِ آخَرَ مُطْلَقٍ وَصَارَ الْمَجْمُوعُ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ الَّذِي يَأْتِي هُوَ قَوْلُ الشَّارِحِ أَمَّا إذَا كَثُرَ ابْتِدَاءً أَوْ انْتِهَاءً.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ) أَيْ: الْمُتَغَيِّرَ الْمَذْكُورَ وَلَوْ تَقْدِيرًا لَا يُسَمَّى مَاءً أَيْ: بِلَا قَيْدٍ لَازِمٍ بَلْ بِقَيْدٍ لَازِمٍ.
ح ل (قَوْلُهُ مِنْ ذَلِكَ) الْمُتَغَيِّرِ أَوْ الْمُسْتَعْمَلِ وَهَذَا يُفِيدُ عَدَمَ الْحِنْثِ بِشُرْبِ الْمُتَغَيِّرِ تَغَيُّرًا تَقْدِيرِيًّا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَأَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الطَّبَلَاوِيُّ (قَوْلُهُ لَمْ يَحْنَثْ) أَيْ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُتَغَيِّرٌ ز ي قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَاءً مَا لَوْ قَالَ: هَذَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ وَإِنْ مُزِجَ بِغَيْرِهِ وَتَغَيَّرَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: هَذَا الْمَاءُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْنَثُ بِهِ إذَا شَرِبَهُ عَلَى حَالَتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَزَجَ بِسُكَّرٍ، أَوْ نَحْوِهِ بِحَيْثُ تَغَيَّرَ كَثِيرًا، وَهَذَا التَّفْصِيلُ يُؤْخَذُ مِمَّا لَوْ حَلَفَ مُشِيرًا إلَى حِنْطَةٍ حَيْثُ فَرَّقُوا فِيهِ بَيْنَ مَا لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ فَيَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ صُورَتِهَا فَصَارَتْ دَقِيقًا أَوْ خُبْزًا وَمَا لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا إذَا صَارَتْ دَقِيقًا أَوْ خُبْزًا ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ لَا تُرَابٌ) أَيْ: إلَّا إنْ كَانَ هَذَا الْمُخَالِطُ الْمُسْتَغْنَى عَنْهُ مَا ذَكَرَ أَيْ: تُرَابٌ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ غَيْرِ الْمُطْلَقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُطْلَقٍ أَيْ: لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَاءً بِلَا قَيْدٍ أَيْ: وَلَوْ كَانَ التُّرَابُ مُسْتَعْمَلًا بَلْ وَلَوْ كَانَ مُتَنَجِّسًا بِبَوْلٍ لِأَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْمَاءِ الْكَثِيرِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْإِسْنَوِيِّ ح ل وَأَمَّا الْمِلْحُ الْمَائِيُّ إذَا كَانَ مُنْعَقِدًا مِنْ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ وَلَوْ فُرِضَ مُخَالِفًا لِغَيْرٍ كَثِيرًا فَإِنَّهُ يَضُرُّ، وَالْعِبْرَةُ بِالتَّغَيُّرِ بِصِفَةِ كَوْنِهِ مِلْحًا نَظَرًا لِصُورَتِهِ الْآنَ لَا بِالْمُخَالِفِ الْوَسَطِ نَظَرًا لِأَصْلِهِ.
اهـ ع ش عَلَى م ر مُلَخَّصًا (قَوْلُهُ وَإِنْ طُرِحَا فِيهِ) الْغَايَةُ لِلرَّدِّ بِالنِّسْبَةِ لِلتُّرَابِ وَلِلتَّعْمِيمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمِلْحِ.
(قَوْلُهُ اسْمَ الْمَاءِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ بِمَا مَرَّ) أَيْ: بِالْمُخَالِطِ الطَّاهِرِ الْمُسْتَغْنَى عَنْهُ.
(قَوْلُهُ فَمَنْ عَلَّلَ بِالْأَوَّلِ) أَيْ: قَوْلِهِ تَسْهِيلًا وَالثَّانِي هُوَ قَوْلُهُ أَوْ لِأَنَّ تَغَيُّرَهُ (قَوْلُهُ إنَّهُ مُطْلَقٌ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ أَقْعَدُ) أَيْ: أَوْفَقُ بِالْقَوَاعِدِ بِاعْتِبَارِ وُجُودِ التَّغَيُّرِ بِهِمَا أَيْ: بِالتُّرَابِ وَالْمِلْحِ الْمَائِيِّ فَتَعْرِيفُ غَيْرِ الْمُطْلَقِ مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ التَّغَيُّرُ بِمُجَاوِرٍ) وَتُكْرَهُ الطَّهَارَةُ بِالْمُتَغَيِّرِ بِالْمُجَاوِرِ، وَقَوْلُهُ وَبِمُكْثٍ وَلَا تُكْرَهُ الطَّهَارَةُ بِهِ.
ع ش (قَوْلُهُ كَدُهْنٍ وَعُودٍ) وَالْكَافُورُ نَوْعَانِ: صُلْبٌ وَغَيْرُهُ فَالْأَوَّلُ: مُجَاوِرٌ، وَالثَّانِي: مُخَالِطٌ وَمِثْلُهُ الْقَطِرَانُ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعًا فِيهِ دُهْنِيَّةٌ فَلَا يَمْتَزِجُ بِالْمَاءِ فَيَكُونُ مُجَاوِرًا وَنَوْعًا لَا دُهْنِيَّةَ فِيهِ فَيَكُونُ مُخَالِطًا، وَيُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُعْلَمُ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ كَثِيرًا بِالْقَطِرَانِ الَّذِي تُدْهَنُ بِهِ الْقِرَبُ إنْ تَحَقَّقْنَا تَغَيُّرَهُ بِهِ وَأَنَّهُ مُخَالِطٌ

وَلَوْ مُطَيِّبَيْنِ، وَبِمُكْثٍ وَبِمَا فِي مَقَرِّ الْمَاءِ وَمَمَرِّهِ وَإِنْ مُنِعَ الِاسْمُ وَالتَّغَيُّرُ بِمَا لَا يَمْنَعُ الِاسْمَ لِقِلَّتِهِ فِي الْأَخِيرَةِ؛ وَلِأَنَّ التَّغَيُّرَ بِالْمُجَاوِرِ لِكَوْنِهِ تَرَوُّحًا لَا يَضُرُّ كَالتَّغَيُّرِ بِجِيفَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ الْمَاءِ؛ وَأَمَّا التَّغَيُّرُ بِالْبَقِيَّةِ فَلِتَعَذُّرِ صَوْنِ الْمَاءِ عَنْهَا أَوْ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْإِمَامِ: لَا يَمْنَعُ تَغَيُّرُهُ بِهَا إطْلَاقَ الِاسْمِ عَلَيْهِ وَإِنْ وُجِدَ الشَّبَهُ الْمَذْكُورُ، وَالتَّصْرِيحُ بِالْمِلْحِ الْمَائِيِّ مِنْ زِيَادَتِي وَخَرَجَ بِالْمَائِيِّ الْجَبَلِيُّ فَيَضُرُّ التَّغَيُّرُ الْكَثِيرُ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِمَقَرِّ الْمَاءِ أَوْ مَمَرِّهِ.
وَأَمَّا التَّغَيُّرُ بِالنَّجَسِ الْمَفْهُومِ مِنْ طَاهِرٍ فَسَيَأْتِي.

(وَكُرِهَ شَدِيدُ حَرٍّ وَبَرْدٍ) مِنْ زِيَادَتِي أَيْ اسْتِعْمَالُهُ لِمَنْعِهِ الْإِسْبَاغَ نَعَمْ إنْ فَقَدَ غَيْرَهُ وَضَاقَ الْوَقْتُ وَجَبَ أَوْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا حَرُمَ، وَخَرَجَ بِالشَّدِيدِ

[حاشية البجيرمي]

فَغَيْرُ طَهُورٍ، وَإِنْ شَكَكْنَا أَوْ كَانَ مِنْ مُجَاوِرٍ فَطَهُورٌ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرِّيحُ وَغَيْرُهُ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ شَرْحُ م ر ثُمَّ رَأَيْت حَجّ قَالَ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمِنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ الْقِرَبُ الَّتِي يُدْهَنُ بَاطِنُهَا بِالْقَطِرَانِ وَهِيَ جَدِيدَةٌ لِإِصْلَاحِ مَا يُوضَعُ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْقَطِرَانُ مِنْ الْمُخَالِطِ ع ش عَلَى م ر وَيُحْمَلُ كَلَامُ م ر عَلَى مَا إذَا كَانَ الْقَطِرَانُ لِغَيْرِ إصْلَاحِ الْقِرَبِ ح ف. (قَوْلُهُ وَلَوْ مُطَيَّبِينَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ: مُطَيَّبِينَ بِغَيْرِهِمَا، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا أَيْ: مُطَيِّبِينَ لِغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ وَبِمُكْثٍ) بِتَثْلِيثِ مِيمِهِ مَعَ إسْكَانِ كَافِهِ شَرْحُ م ر وَالتَّغَيُّرُ بِالْمُكْثِ مِنْ جُمْلَةِ مُحْتَرَزِ مُخَالِطٍ لِأَنَّ الْمُتَغَيِّرَ بِغَيْرِ الْمُخَالِطِ يَصْدُقُ بِالْمُتَغَيِّرِ الْمُجَاوِرِ، وَالْمُتَغَيِّرِ لَا بِمُجَاوِرٍ وَلَا بِمُخَالِطٍ ح ل وَمُقْتَضَى قَوْلِ الشَّارِحِ وَأَمَّا الْمُتَغَيِّرُ بِالْبَقِيَّةِ إلَخْ أَنَّ تَغَيُّرَهُ بِالْمُكْثِ مِنْ جُمْلَةِ مُحْتَرَزِ قَوْلِهِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَبِمَا فِي مَقَرِّ الْمَاءِ وَمَمَرِّهِ) وَلَوْ مَصْنُوعًا كَالْقِرَبِ الْمَصْنُوعَةِ بِالزَّعْفَرَانِ شَوْبَرِيٌّ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا فِي الْمَقَرِّ وَالْمَمَرِّ مَا كَانَ خِلْقِيًّا فِي الْأَرْضِ أَوْ مَصْنُوعًا فِيهَا بِحَيْثُ صَارَ يُشْبِهُ الْخِلْقِيَّ بِخِلَافِ الْمَصْنُوعِ فِيهَا لَا بِتِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ، فَإِنَّ الْمَاءَ يَسْتَغْنِي عَنْهُ اهـ وَمِنْهُ مَا تُصْنَعُ بِهِ الْفَسَاقِي وَالصَّهَارِيجُ مِنْ الْجِيرِ وَنَحْوِهِ وَمِنْهَا مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ وَضْعِ الْمَاءِ فِي جَرَّةٍ وُضِعَ فِيهَا أَوَّلًا نَحْوُ لَبَنٍ أَوْ عَسَلٍ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ ع ش عَلَى م ر قَالَ سم: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْهُ التَّغَيُّرُ بِطَوْنَسِ السَّاقِيَّةِ لِلْحَاجَةِ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَا فِي الْمَقَرِّ.
اهـ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْ: بَابِ التَّغَيُّرِ بِمَا فِي الْمَقَرِّ مَا يَقَعُ مِنْ الْأَوْسَاخِ الْمُنْفَصِلَةِ مِنْ أَرْجُلِ النَّاسِ مِنْ غَسْلِهَا فِي الْفَسَاقِي خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ بَابِ مَا لَا يَسْتَغْنِي الْمَاءُ عَنْهُ غَيْرَ الْمَمَرِّ وَالْمَقَرِّ كَمَا أَفْتَى بِهِ وَالِدُ الشَّيْخِ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْأَوْسَاخِ الَّتِي تَنْفَصِلُ مِنْ أَبْدَانِ الْمُنْغَمِسِينَ فِي الْمَغَاطِسِ رَشِيدِيٌّ عَلَى م ر أَيْ: فَلَا يَضُرُّ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَإِنْ مَنَعَ الِاسْمَ) رَاجِعٌ لِلْكُلِّ (قَوْلُهُ بِمَا يَمْنَعُ الِاسْمَ) وَلَوْ احْتِمَالًا بِأَنْ شَكَّ هَلْ هُوَ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ؟ م ر (قَوْلُهُ فِي الْأَخِيرَةِ) هِيَ قَوْلُهُ بِمَا لَا يَمْنَعُ الِاسْمَ ع ش (قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ تَرَوُّحًا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ الْجَمِيعَ أَنَّهُ يَضُرُّ وَجَرَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ مُطْلَقًا إلَّا إذَا تَحَقَّقْنَا انْفِصَالَ شَيْءٍ مِنْهُ خَالَطَ الْمَاءَ وَغَيَّرَ كَثِيرًا وَكَتَبَ أَيْضًا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ تَحَلَّلَ مِنْهُ شَيْءٌ كَالْكَتَّانِ وَالْمِشْمِشِ وَالْعِرْقِسُوسِ، وَنَحْوِهَا أَنَّهُ يَضُرُّ لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ بِمُخَالِطٍ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ كَالتَّغَيُّرِ بِجِيفَةٍ) قَدْ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ لِأَنَّ الْمُجَاوِرَ مُلَاقٍ لِلْمَاءِ ح ل (قَوْلُهُ بِالْبَقِيَّةِ) أَيْ: بِالْمُكْثِ وَبِمَا فِي الْمَقَرِّ وَالْمَمَرِّ وَقَوْلُهُ لَا يَمْنَعُ تَغَيُّرَهُ أَيْ: الْكَثِيرِ وَقَوْلُهُ وَإِنْ وُجِدَ الشَّبَهُ الْمَذْكُورُ أَيْ: وَإِنْ شَابَهُ فِي الصُّورَةِ التَّغَيُّرَ الْمَانِعَ لِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ ح ل

(قَوْلُهُ أَيْ: اسْتِعْمَالُهُ) أَيْ: لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ (قَوْلُهُ لِمَنْعِهِ الْإِسْبَاغَ) أَيْ: الْإِتْمَامَ أَيْ: كَمَالَ إتْمَامِ الْوُضُوءِ وَإِلَّا فَلَوْ مَنَعَ إتْمَامَ الْوُضُوءِ مِنْ أَصْلِهِ لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ مِنْهُ وَيَحْرُمُ.
اهـ. سم وَفِي الْقَسْطَلَّانِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: الْمَعْرُوفُ أَنَّ إسْبَاغَ الْوُضُوءِ إكْمَالُهُ وَإِتْمَامُهُ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ اهـ فَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ مُضَافٍ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، وَظَاهِرُ هَذِهِ الْعِلَّةِ اخْتِصَاصُ الْكَرَاهَةِ بِالطَّهَارَةِ لَكِنْ عَلَّلَهَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِخَوْفِ الضَّرَرِ وَقَضِيَّتُهُ الْكَرَاهَةُ فِي الْبَدَنِ مُطْلَقًا ع ش وَح ل وَقَوْلُهُ وَجَبَ وَحِينَئِذٍ لَا كَرَاهَةَ.
ح ل (قَوْلُهُ أَوْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا) وَلَهُ الِاشْتِغَالُ بِتَسْخِينِ الْبَارِدِ إذَا خَافَ مِنْهُ الضَّرَرَ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ بِخِلَافِ مَا لَوْ خَشِيَ الضَّرَرَ مِنْ شَدِيدِ السُّخُونَةِ لَا يَصْبِرُ لِتَبْرِيدِهِ بَلْ إذَا خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ وَجَبَ التَّيَمُّمُ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ التَّسْخِينَ مَقْدُورُهُ بِخِلَافِ التَّبْرِيدِ ع ش أَيْ: فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورَهُ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَقْدُورَهُ بِأَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءً بَارِدًا.
ح ف (قَوْلُهُ ضَرَرًا) مُسْتَنِدًا لِتَجْرِبَةٍ أَوْ لِإِخْبَارِ ثِقَةٍ ح ل وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ تَجْرِبَةَ نَفْسِهِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا فِي الْأَحْكَامِ.
ح ف (قَوْلُهُ حَرُمَ) وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ أَمْكَنَ تَبْرِيدُهُ بَعْدَ الْوَقْتِ وَيُشْكِلُ بِمَا لَوْ تَوَقَّفَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ عَلَى التَّسْخِينِ حَيْثُ وَجَبَ، وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ حِينَئِذٍ

الْمُعْتَدِلُ وَلَوْ مُسَخَّنًا بِنَجِسٍ فَلَا يُكْرَهُ

(وَ) كُرِهَ (مُتَشَمِّسٌ بِشُرُوطِهِ) الْمَعْرُوفَةِ بِأَنْ يَتَشَمَّسَ فِي إنَاءٍ مُنْطَبِعٍ غَيْرِ نَقْدٍ كَحَدِيدٍ بِقُطْرٍ حَارٍّ كَالْحِجَازِ فِي بَدَنٍ وَلَمْ يَبْرُدْ خَوْفَ الْبَرَصِ لِأَنَّ الشَّمْسَ بِحِدَّتِهَا تَفْصِلُ مِنْ الْإِنَاءِ زُهُومَةً تَعْلُوَ الْمَاءَ فَإِذَا لَاقَتْ الْبَدَنَ بِسُخُونَتِهَا خِيفَ أَنْ تُقْبَضَ عَلَيْهِ فَتَحْبِسَ الدَّمَ فَيَحْصُلَ الْبَرَصُ فَلَا يُكْرَهُ الْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ كَمَا مَرَّ لِذَهَابِ الزُّهُومَةِ بِهَا وَلَا مُتَشَمِّسٌ فِي غَيْرِ مُنْطَبِعٍ كَالْخَزَفِ وَالْحِيَاضِ وَلَا مُتَشَمِّسٌ بِمُنْطَبِعِ نَقْدٍ لِصَفَاءِ جَوْهَرِهِ وَلَا مُتَشَمِّسٌ بِقَطْرٍ بَارِدٍ أَوْ مُعْتَدِلٍ وَلَا اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ بَدَنٍ، وَلَا إذَا بُرِّدَ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُ اخْتَارَ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ عَدَمَ كَرَاهَةِ الْمُتَشَمِّسِ مُطْلَقًا، وَتَعْبِيرِي بِمُتَشَمِّسٍ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِهِ بِمُشَمَّسٍ وَقَوْلِي بِشُرُوطِهِ مِنْ زِيَادَتِي.

(وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضٍ) مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ كَالْغَسْلَةِ الْأُولَى وَلَوْ مِنْ طُهْرِ صَاحِبِ ضَرُورَةٍ (غَيْرُ مُطَهِّرٍ إنْ قَلَّ) ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَمْ يَجْمَعُوا الْمُسْتَعْمَلَ فِي أَسْفَارِهِمْ الْقَلِيلَةِ مِنْ الْمَاءِ لِيَتَطَهَّرُوا بِهِ بَلْ عَدَلُوا عَنْهُ إلَى التَّيَمُّمِ؛

[حاشية البجيرمي]

فَلْيُحَرَّرْ شَوْبَرِيٌّ قَالَ ع ش وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ التَّبْرِيدَ لَيْسَ لَهُ أَمَدٌ يُنْتَظَرُ بِخِلَافِ التَّسْخِينِ.
اهـ (قَوْلُهُ وَلَوْ مُسَخَّنًا بِنَجِسٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَفِيهِ وَقْفَةٌ ح ل

(قَوْلُهُ وَكُرِهَ مُتَشَمِّسٌ) أَيْ: طِبًّا وَشَرْعًا وَمِثْلُهُ: الشُّرْبُ قَائِمًا وَسَهَرُ اللَّيْلِ فِي الْعِبَادَةِ يُكْرَهُ طِبًّا لَا شَرْعًا وَالنَّوْمُ قَبْلَ الْعِشَاءِ يُكْرَهُ شَرْعًا لَا طِبًّا وَمِمَّا يُسَنُّ طِبًّا وَشَرْعًا: الْفِطْرُ عَلَى التَّمْرِ شَوْبَرِيٌّ وَضَابِطُ الْمُتَشَمِّسِ أَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِ السُّخُونَةُ بِحَيْثُ تَنْفَصِلُ مِنْ الْإِنَاءِ أَجْزَاءٌ سُمِّيَّةٌ تُؤَثِّرُ فِي الْبَدَنِ لَا مُجَرَّدُ انْتِقَالِهِ مِنْ حَالَةٍ إلَى أُخْرَى بِسَبَبِهَا شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ بِشُرُوطِهِ) وَهِيَ سِتَّةٌ، وَقَوْلُهُ بِأَنْ يَتَشَمَّسَ أَوَّلُ الْقُيُودِ (قَوْلُهُ بِقُطْرٍ حَارٍّ) أَيْ: فِي زَمَنِ الْحَرِّ، وَالْعِبْرَةُ بِالْبَلَدِ وَإِنْ خَالَفْت وَضْعَ قُطْرِهَا فَالتَّعْبِيرُ بِالْقُطْرِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فَلَا يُكْرَهُ الْمُتَشَمِّسُ فِي الطَّائِفِ ح ل وَقَرَّرَهُ ح ف. (قَوْلُهُ فِي بَدَنٍ) وَلَوْ بَدَنَ أَبْرَصَ خَوْفًا مِنْ كَثْرَتِهِ أَوْ اسْتِحْكَامِهِ ح ف (قَوْلُهُ وَلَمْ يَبْرُدْ) بِضَمِّ الرَّاءِ فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ سَهُلَ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ، أَوْ مِنْ بَابِ قَتَلَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ ع ش (قَوْلُهُ خَوْفَ الْبَرَصِ) أَيْ: حُدُوثِهِ أَوْ زِيَادَتِهِ أَوْ اسْتِحْكَامِهِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الشَّمْسَ إلَخْ) عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ.
(قَوْلُهُ تَعْلُو الْمَاءَ) قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ خَرَقَ الْإِنَاءَ مِنْ أَسْفَلِهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ الزُّهُومَةَ تَمْتَزِجُ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَاءِ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعْلُو الْمَاءَ تَظْهَرُ بِعُلُوِّهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا مُنْبَثَّةٌ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مَدَابِغِيٌّ عَلَى الْخَطِيبِ (قَوْلُهُ فَيَحْصُلُ الْبَرَصُ) فَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُصُولُ ذَلِكَ بِسَبَبِ مَعْرِفَتِهِ أَوْ بِقَوْلِ طَبِيبٍ عَدْلٍ حَرُمَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ، وَيَجِبُ التَّيَمُّمُ إنْ فَقَدَ غَيْرَهُ وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يَبْرُدَ وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَكَانَ قِيَاسُ مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يُسَخِّنُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ أَنَّهُ يَصْبِرُ وَلَا يَتَيَمَّمُ أَنَّهُ يُكَلَّفُ هُنَا الصَّبْرَ إلَى أَنْ يَبْرُدَ، وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَقَوْلُهُ بِسَبَبِ مَعْرِفَتِهِ أَيْ: تَجْرِبَتِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ التَّجْرِبَةَ لَا يُعْمَلُ بِهَا فِي ذَلِكَ ح ف. (قَوْلُهُ فَلَا يُكْرَهُ الْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ) أَيْ: ابْتِدَاءً بِخِلَافِ الْمُشَمَّسِ إذَا سُخِّنَ بِالنَّارِ قَبْلَ تَبْرِيدِهِ فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ بَاقِيَةٌ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الطَّعَامِ وَهِيَ مَا لَوْ طُبِخَ بِهِ طَعَامٌ مَائِعٌ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ تَنَاوُلُهُ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ زَوَالِ الْكَرَاهَةِ بِالتَّسْخِينِ بَعْدَ تَشْمِيسِهِ وَقَبْلَ تَبْرِيدِهِ بِخِلَافِ الْجَامِدِ كَخُبْزٍ عُجِنَ بِهِ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ السُّمِّيَّةَ تُسْتَهْلَكُ فِي الْجَامِدِ اهـ شَيْخُنَا أَمَّا إذَا بَرُدَ ثُمَّ سُخِّنَ فَإِنَّهَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ وَلَا تَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ ز ي فَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي بَدَنٍ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ الطَّعَامُ الْمَائِعُ وَالثَّوْبُ إذَا غُسِلَ بِالْمُشَمَّسِ وَلُبِسَ فِي حَالِ حَرَارَتِهِ أَيْضًا بِخِلَافِ الْمُسَخَّنِ بِالنَّارِ أَيْ: غَيْرِ شَدِيدِ السُّخُونَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ وَكُرِهَ شَدِيدُ حَرٍّ.
(قَوْلُهُ لِذَهَابِ الزُّهُومَةِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا وُجِدَتْ فِي أَوَّلِ الْحَرَارَةِ ثُمَّ ذَهَبَتْ بِشِدَّتِهَا.
اهـ. (قَوْلُهُ لِصَفَاءِ جَوْهَرِهِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَغْشُوشًا بِنُحَاسٍ قَرَّرَهُ الشَّبْشِيرِيُّ ع ش (قَوْلُهُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ) أَيْ: مِنْ جِهَةِ ضَعْفِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى كَرَاهَةِ الْمُشَمَّسِ وَقَدْ ذَكَرَهُ م ر بِقَوْلِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ سَخَّنَتْ مَاءً مِنْ الشَّمْسِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ تَصْغِيرُ حَمْرَاءَ فَإِنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَرَصَ» وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنْ يَتَأَيَّدُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ بِهِ وَقَالَ: إنَّهُ يُوَرِّثُ الْبَرَصَ اهـ

(قَوْلُهُ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ) أَيْ: الطَّهَارَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَدَثِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ عَلَى وَجْهِ الرَّفْعِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِبَاحَةِ فَشَمِلَتْ الْعِبَارَةُ قَوْلَهُ وَلَوْ مِنْ طُهْرِ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ لَكِنَّهَا لَا تَشْمَلُ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِيهِ طَهَارَةُ حَدَثٍ فَحِينَئِذٍ يُزَادُ فِي عِبَارَتِهِ فَيُقَالُ: مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ غُسْلُ الْمَيِّتِ وَقَوْلُهُ كَالْغَسْلَةِ الْأُولَى الْكَافُ إمَّا اسْتِقْصَائِيَّةٌ إذْ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا الْأُولَى، وَإِمَّا تَمْثِيلِيَّةٌ لِتَدْخُلَ الْمَسْحَةُ الْأُولَى كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ.
(قَوْلُهُ لَمْ يَجْمَعُوا الْمُسْتَعْمَلَ) فِيهِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوهُ لِكَوْنِهِ قَلِيلًا بَعْدَ جَمْعِهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَافِرُونَ مَعَ كَثْرَتِهِ، وَمَعَ كَوْنِهِمْ كَانُوا يَغْتَسِلُونَ فَهُوَ مَعَ كَثْرَتِهِ لَمْ يَجْمَعُوهُ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَجْمَعُوا مَاءَ الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ مَاءَهُمَا يَخْتَلِطُ غَالِبًا بِمَاءِ الْمَرَّةِ الْأُولَى فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ مُسْتَعْمَلًا فَلَمْ يَجْمَعُوهُ لِذَلِكَ

وَلِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَانِعَ.
فَإِنْ قُلْت: طَهُورٌ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِوَزْنِ فَعُولٍ؛ فَيَقْتَضِي تَكَرُّرَ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ.
قُلْت فَعُولٌ يَأْتِي اسْمًا لِلْآلَةِ كَسَحُورٍ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ طَهُورٌ كَذَلِكَ وَلَوْ سَلِمَ اقْتِضَاؤُهُ التَّكَرُّرَ فَالْمُرَادُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ثُبُوتُ ذَلِكَ لِجِنْسِ الْمَاءِ أَوْ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَمُرُّ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ، وَالْمُسْتَعْمَلُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ لَكِنْ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ مُطْلَقٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لَكِنْ مَنَعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ تَعَبُّدًا فَهُوَ مُسْتَثْنَى مِنْ الْمُطْلَقِ وَالْمُرَادُ بِالْفَرْضِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ أَثِمَ بِتَرْكِهِ، أَمْ لَا عِبَادَةً كَانَ أَمْ لَا فَيَشْمَلُ مَا تَوَضَّأَ بِهِ الصَّبِيُّ وَمَا اغْتَسَلَتْ بِهِ الذِّمِّيَّةُ لِتَحِلَّ لِحَلِيلِهَا الْمُسْلِمِ أَمَّا إذَا كَثُرَ ابْتِدَاءً أَوْ انْتِهَاءً بِأَنْ جُمِعَ حَتَّى كَثُرَ فَمُطَهِّرٌ وَإِنْ قَلَّ بَعْدَ تَفْرِيقِهِ لِأَنَّ الطَّاهِرِيَّةَ إذَا عَادَتْ بِالْكَثْرَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي.

[حاشية البجيرمي]

وَبِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَصِرُونَ فِي أَسْفَارِهِمْ الْقَلِيلَةِ الْمَاءِ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْحَفْنَاوِيُّ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَانِعَ) أَيْ: مَعَ ضَعْفِهِ بِالْقِلَّةِ وَلَا فَالْكَثِيرُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ فَإِنْ قُلْت إلَخْ) وَارِدٌ عَلَى الْمَتْنِ أَوْ عَلَى الدَّلِيلِ، وَالتَّعْلِيلُ عَلَى وَجْهِ الْمُعَارَضَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ بِالْمَنْعِ (قَوْلُهُ فَيَقْتَضِي تَكَرُّرَ الطَّهَارَةِ) لِأَنَّهُ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ وَقَوْلُهُ فَيَقْتَضِي تَكَرُّرَ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ أَيْ: حَتَّى الْقَلِيلِ مَعَ أَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ أَوَّلِ طَهَارَةٍ بِهِ مُسْتَعْمَلًا وَلَا يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهِ ثَانِيًا.
(قَوْلُهُ قُلْت فَعُولٌ يَأْتِي اسْمًا لِلْآلَةِ إلَخْ) فِيهِ تَسْلِيمٌ أَنَّ طَهُورًا يَقْتَضِي تَكَرُّرَ الطَّهَارَةِ وَهُوَ إنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ صِيغَةَ مُبَالَغَةٍ مِنْ مُطَهِّرٍ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنْ طَاهِرٍ لَا مِنْ مُطَهِّرٍ فَمَعْنَاهُ تَكَرُّرُ الطَّاهِرِيَّةِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِتَكَرُّرِهَا مَعْنًى حُمِلَ مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ عَلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ غَيْرَهُ رَشِيدِيٌّ.
(قَوْلُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ) أَيْ: جِنْسِ الْأَدِلَّةِ الصَّادِقِ بِالْوَاحِدِ فَمَا فَوْقَ وَهُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ إلَخْ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] فَالْأَوَّلُ: لَا يَقْتَضِي التَّكَرُّرَ، وَالثَّانِي: يَقْتَضِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بَاقِيًا عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَانِعَ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ دَلِيلٌ هُوَ أَيْضًا لَا يَقْتَضِي التَّكَرُّرَ.
(قَوْلُهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ) مُعْتَمَدٌ وَقَوْلُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ لَكِنْ مَنَعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ: فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ لِلتَّعْلِيلِ بِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَانِعَ.
ح ل (قَوْلُهُ فَيَشْمَلُ مَا تَوَضَّأَ بِهِ الصَّبِيُّ) وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ بِأَنْ وَضَّأَهُ بِهِ وَلِيُّهُ لِيَطُوفَ بِهِ، وَهَذَا دَخَلَ بِقَوْلِهِ أَمْ لَا الْأُولَى فَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ وَمَاءُ وُضُوءِ الصَّبِيِّ لَكَانَ أَوْلَى لِيَدْخُلَ مَاءُ وُضُوءِ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَضَّأَهُ وَلِيُّهُ فِي الْحَجِّ لِلطَّوَافِ قَالَ شَيْخُنَا م ر: وَلَهُ إذَا مَيَّزَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ وَفِيهِ بَحْثٌ.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَفِي ع ش أَنَّ الْأَقْرَبَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا اُعْتُدَّ بِوُضُوءِ وَلِيِّهِ لِلضَّرُورَةِ وَقَدْ زَالَتْ، وَنَظِيرُهُ مَا قِيلَ فِي زَوْجِ الْمَجْنُونَةِ إذَا غَسَلَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ دَمِ الْحَيْضِ مِنْ أَنَّهَا إذَا أَفَاقَتْ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِذَلِكَ الْغُسْلِ.
اهـ وَقَوْلُهُ وَمَا اغْتَسَلَتْ بِهِ الذِّمِّيَّةُ مِنْ نَحْوِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ وَهَذَا دَخَلَ بِقَوْلِهِ أَمْ لَا الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ غُسْلَهَا لَيْسَ عِبَادَةً، وَنِيَّتَهَا لِلتَّمْيِيزِ فَلَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ أَحَدُ أُصُولِهَا وَزَوْجُهَا كَافِرٌ وَهِيَ مَجْنُونَةٌ بَطَلَ غُسْلُهَا وَحِينَئِذٍ يُلْغَزُ فَيُقَالُ لَنَا: غُسْلٌ صَحِيحٌ يَبْطُلُ بِكَلَامِ الْمُغْتَسِلِ أَوْ كَلَامِ غَيْرِهِ.
ح ل (قَوْلُهُ لِحَلِيلِهَا) أَيْ: الَّذِي يَعْتَقِدُ تَوَقُّفَ الْحِلِّ عَلَيْهِ.
حَجّ فَيَخْرُجُ الْحَنَفِيُّ الَّذِي لَا يَعْتَقِدُ تَوَقُّفَ الْحِلِّ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى الِانْقِطَاعِ فَقَطْ فَلَا يَكُونُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا ح ل وَقَالَ س ح: لَوْ اغْتَسَلَتْ حَنَفِيَّةٌ لِتَحِلَّ لِزَوْجِهَا الْحَنَفِيِّ فَمَاءُ غُسْلِهَا غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ عِنْدَهُمَا فَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا شَافِعِيًّا، وَاغْتَسَلَتْ لِتَحِلَّ لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَاؤُهَا مُسْتَعْمَلًا لِأَنَّهُ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا لَيْسَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ شَافِعِيَّةً، وَزَوْجُهَا حَنَفِيًّا وَاغْتَسَلَتْ لِيَحِلَّ لَهَا التَّمْكِينُ كَانَ مَاؤُهَا مُسْتَعْمَلًا أَوْ لِتَحِلَّ لَهُ كَانَ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ حَرِّرْهُ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا مُطْلَقًا حَيْثُ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ يَعْتَقِدُ تَوَقُّفَ حِلِّ التَّمْكِينِ عَلَى الْغُسْلِ انْتَهَى.
ح ف وَالْحَلِيلُ لَيْسَ بِقَيْدٍ وَكَذَا الْمُسْلِمُ (قَوْلُهُ إذَا كَثُرَ) أَيْ: الْمُسْتَعْمَلُ ابْتِدَاءً بِأَنْ تَوَضَّأَ شَخْصٌ فِي مَاءٍ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَإِنَّ هَذَا يُقَالُ: لَهُ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ لَكِنَّهُ كَثِيرٌ ابْتِدَاءً، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ مِنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّ فَسْقِيَّةَ الْأَزْهَرِ مَثَلًا يُقَالُ لَهَا: مُسْتَعْمَلَةٌ إذَا انْغَمَسَ فِيهَا مُحْدِثٌ مَثَلًا لِأَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي فَرْضٍ بَلْ فِي فُرُوضٍ كَثِيرَةٍ، وَيَصِحُّ الْوُضُوءُ مِنْهَا قَطْعًا فَعُلِمَ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْقَلِيلِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمَتْنِ وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضٍ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إنْ قَلَّ فَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي فَرْضٍ مُطَهِّرٌ إنْ كَثُرَ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ لِأَنَّ الطَّاهِرِيَّةَ) أَيْ: اللَّازِمَةَ لِلطَّهُورِيَّةِ وَقَوْلُهُ فَالطَّهُورِيَّةُ أَوْلَى لِأَنَّهُ إذَا زَالَ الْوَصْفُ الْأَغْلَظُ وَهُوَ النَّجَاسِيَّةُ بِالْكَثْرَةِ فَالِاسْتِعْمَالُ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي) أَيْ: فِي قَوْلِهِ

فَالطَّهُورِيَّةُ أَوْلَى وَخَرَجَ بِالْفَرْضِ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ كَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالْوُضُوءُ الْمُجَدَّدُ فَمُطَهِّرٌ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، وَسَيَأْتِي الْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّجَاسَةِ فِي بَابِهَا.

(وَلَا تُنَجَّسُ قُلَّتَا مَاءٍ وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا (بَغْدَادِيٍّ تَقْرِيبًا بِمُلَاقَاةِ نَجَسٍ) لِخَبَرِ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحُوهُ.

[حاشية البجيرمي]

فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ إلَخْ وَقَوْلُهُ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ أَيْ: قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَانِعَ ع ش

(قَوْلُهُ قُلَّتَا مَاءٍ) أَيْ: مِقْدَارَ مَظْرُوفِهِمَا فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافَيْنِ لِيَشْمَلَ مَا إذَا كَانَ الْمَاءُ فِي غَيْرِهِمَا أَوْ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْمَحَلَّ وَأَرَادَ الْحَالَّ فِيهِ وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ الْقُلَّتَانِ صَارَا حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فِي الْخَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ، وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ تَقْرِيبًا قَالَ ح ل: قُلَّتَا مَاءٍ أَيْ: صِرْفٍ وَلَوْ مُسْتَعْمَلًا بِخِلَافِ الَّذِي بَلَغَهُمَا بِمَائِعٍ اُسْتُهْلِكَ فِيهِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ لَا حِسًّا، وَلَا تَقْدِيرًا فَإِنَّهُ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ كَمَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِعْمَالِ بِمُجَرَّدِ مُفَارَقَةِ الْمُحْدِثِ لَهُ إذَا انْغَمَسَ، وَعَنْ حَوَاشِي الرَّوْضَةِ لِلْبُلْقِينِيِّ لَوْ وَضَعَ عَلَى مَاءٍ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ مِلْحَ مَاءٍ فَذَابَ، وَبَلَغَ بِهِ قُلَّتَيْنِ كَانَ كَمَا لَوْ كَمَّلَ بِالْمَاءِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ أَوْ بِمَحَلَّيْنِ، وَبَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ الْمَاءُ فِي أَحَدِهِمَا لَتَحَرَّكَ الْآخَرُ تَحَرُّكًا قَوِيًّا، وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: لَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي حُفْرَتَيْنِ فِي كُلِّ حُفْرَةٍ قُلَّةٌ، وَبَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ فَوَقَعَ فِي إحْدَى الْحُفْرَتَيْنِ نَجَاسَةٌ فَلَسْت أَرَى أَنَّ مَا فِي الْحُفْرَةِ الْأُخْرَى دَافِعٌ لِلنَّجَاسَةِ.
اهـ وَقَوْلُهُ تَحَرُّكًا قَوِيًّا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ حُرِّكَ وَلِقَوْلِهِ لَتَحَرَّكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ عَمِيرَةُ وَيُؤْخَذُ مِنْ سم عَلَى أَبِي شُجَاعٍ انْتَهَى شَيْخُنَا لَكِنْ اعْتَمَدَ شَيْخُنَا الْحِفْنِيُّ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ فَقَطْ فَمَتَى كَانَ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ أَحَدُهُمَا تَحَرُّكًا قَوِيًّا تَحَرَّكَ الْآخَرُ وَلَوْ تَحَرُّكًا ضَعِيفًا كَفَى انْتَهَى.
قَالَ حَجّ: وَيَنْبَغِي فِي أَحْوَاضٍ تَلَاصَقَتْ الِاكْتِفَاءُ بِتَحَرُّكِ الْمُلَاصِقِ الَّذِي يَبْلُغُ بِهِ الْقُلَّتَانِ دُونَ غَيْرِهِ، وَعِبَارَةُ سم: وَالْوَجْهُ فِي بُيُوتِ الْأَخْلِيَةِ أَنْ يُكْتَفَى بِتَحَرُّكِ كُلِّ مُلَاصِقٍ بِتَحْرِيكِ مُلَاصِقِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِتَحْرِيكِهِ غَيْرُهُ إذَا بَلَغَ الْمَجْمُوعُ قُلَّتَيْنِ انْتَهَى وَقَالَ ع ش: قُلَّتَا مَاءٍ وَلَوْ احْتِمَالًا حَتَّى لَوْ شَكَكْنَا فِي بُلُوغِهِمَا، فَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ قَرَّرَهُ الشَّبْشِيرِيُّ وَم ر وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ الْمَاءُ الصِّرْفُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ وَكَمَّلْنَاهُ بِمَائِعٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ حِسًّا وَلَا تَقْدِيرًا فَصَارَ قُلَّتَيْنِ بِمَا انْضَمَّ إلَيْهِ جَازَ التَّطْهِيرُ بِهِ، وَيَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ لِأَنَّ فِيهِ قُوَّةَ رَفْعٍ لَا دَفْعٍ، وَالدَّفْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ وَإِذَا انْغَمَسَ فِيهِ جُنُبٌ صَارَ مُسْتَعْمَلًا بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْهُ فَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ فِي أَنَّهُ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ الْكَثِيرِ فِي أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ مِرَارًا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبْقِيَ قَدْرَ الْمَائِعِ، وَحُكْمُهُ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ مِنْهُ شَخْصٌ، وَتَقَاطَرَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَنَفْرِضُ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ قَدْرُ هَذَا الْمُتَسَاقِطِ يَتَغَيَّرُ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ يَتَغَيَّرُ حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِعَدَمِ الطَّهُورِيَّةِ، وَإِلَّا فَلَا وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ وَإِلَّا صَارَ مُسْتَعْمَلًا ع ش. (قَوْلُهُ بَغْدَادِيٍّ) نِسْبَةً إلَى بَغْدَادَ بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، وَبِإِعْجَامِ الثَّانِيَةِ وَبِنُونٍ بَدَلَهَا، وَبِمِيمٍ أَوَّلَهُ بَدَلَ الْبَاءِ مَدِينَةٌ مَشْهُورَةٌ شَرْحُ م ر وَقَوْلُهُ وَبِمِيمٍ أَوَّلَهُ أَيْ: مَعَ النُّونِ فَقَطْ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ع ش وَهُمَا بِالْمِصْرِيِّ: أَرْبَعُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ ز ي (قَوْلُهُ تَقْرِيبًا) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْمُضَافِ أَيْ: وَالْقُلَّتَانِ تَقْرِيبُ خَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ أَيْ: مُقَرَّبُهَا شَوْبَرِيٌّ أَيْ: مَا يَقْرَبُ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ بِمُلَاقَاةِ نَجِسٍ) أَيْ: إنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ.
وَالنَّجِسُ بِفَتْحِ النُّونِ مَعَ كَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا، وَبِكَسْرِ النُّونِ، وَفَتْحِهَا مَعَ سُكُونِ الْجِيمِ، وَبِفَتْحِ النُّونِ مَعَ ضَمِّ الْجِيمِ شَرْحُ م ر وَع ش عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ فَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ مَعَ تَثْلِيثِ الْجِيمِ، وَبِسُكُونِ الْجِيمِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا، وَلَوْ بَالَ فِي الْبَحْرِ مَثَلًا فَارْتَفَعَتْ مِنْهُ رَغْوَةٌ فَهِيَ طَاهِرَةٌ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ لِأَنَّهَا بَعْضُ الْمَاءِ الْكَثِيرِ خِلَافًا لِمَا فِي الْعُبَابِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْقَائِلِ بِنَجَاسَتِهَا عَلَى تَحَقُّقِ كَوْنِهَا مِنْ الْبَوْلِ، وَإِنْ طُرِحَتْ فِي الْبَحْرِ بَعْرَةٌ فَوَقَعَتْ مِنْهُ قَطْرَةٌ عَلَى شَيْءٍ لَمْ تُنَجِّسْهُ شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ وَإِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ إلَخْ) أَيْ: إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ أَيْضًا، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ عَلَى الدَّعْوَى الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ وَلَا تُنَجِّسُ قُلَّتَا مَاءٍ، وَقَوْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ إلَخْ تَفْسِيرٌ لِلْأُولَى، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ قَوْلُهُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالٍ هَجَرَ مَعَ مَا بَعْدَهَا مِنْ الضَّمِيمَةِ، فَاسْتِدْلَالٌ عَلَى الدَّعْوَى الثَّانِيَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ وَقَوْلُهُ وَالْوَاحِدَةُ إلَخْ مِنْ تَمَّامِ الِاسْتِدْلَالِ.

وَفِي رِوَايَةٍ «فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ» وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا " أَيْ يَدْفَعُ النَّجَسَ وَلَا يَقْبَلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ» وَالْوَاحِدَةُ مِنْهَا قَدَّرَهَا الشَّافِعِيُّ أَخْذًا مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ الرَّائِي لَهَا بِقِرْبَتَيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ قِرَبِ الْحِجَازِ، وَوَاحِدَتُهَا لَا تَزِيدُ غَالِبًا عَلَى مِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيٍّ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي زَكَاةِ النَّابِتِ.
وَهَجَرُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ.
وَالْقُلَّتَانِ بِالْمِسَاحَةِ فِي الْمُرَبَّعِ ذِرَاعٌ وَرُبْعٌ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ وَهُوَ شِبْرَانِ تَقْرِيبًا، وَالْمَعْنَى بِالتَّقْرِيبِ فِي الْخَمْسِمِائَةِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ رِطْلَيْنِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي رَوْضَتِهِ لَكِنَّهُ صَحَّحَ فِي تَحْقِيقِهِ مَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ قَدْرٍ لَا يَظْهَرُ بِنَقْصِهِ تَفَاوُتٌ فِي التَّغَيُّرِ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُغَيِّرَةِ (فَإِنْ غَيَّرَهُ) وَلَوْ يَسِيرًا أَوْ تَغَيُّرًا تَقْدِيرِيًّا (فَنَجَسٌ) بِالْإِجْمَاعِ الْمُخَصِّصِ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَلِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» فَلَوْ تَغَيَّرَ بِجِيفَةٍ عَلَى الشَّطِّ لَمْ يُؤَثِّرْ كَمَا أَفْهَمَهُ التَّقْيِيدُ بِالْمُلَاقَاةِ وَإِنَّمَا أَثَّرَ التَّغَيُّرُ الْيَسِيرُ بِالنَّجَسِ بِخِلَافِهِ فِي الطَّاهِرِ لِغِلَظِ أَمْرِهِ.
أَمَّا إذَا غَيَّرَ بَعْضَهُ فَالْمُتَغَيِّرُ نَجَسٌ وَكَذَا الْبَاقِي إنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ (فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ) الْحِسِّيُّ أَوْ التَّقْدِيرِيُّ

[حاشية البجيرمي]

عَلَى الدَّعْوَى الثَّانِيَةِ لَكِنَّ فِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يُفِيدُ كَوْنَهُمَا تَقْرِيبًا بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصٌ إلَخْ إذْ غَايَةُ مَا قَالَ: وَالْوَاحِدَةُ لَا تَزِيدُ فَنَفَى الزِّيَادَةَ، وَنَفْيُ الزِّيَادَةِ لَا يُفِيدُ اغْتِفَارَ النَّقْصِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ أَيْ: يَدْفَعُ النَّجِسَ وَلَا يَقْبَلُهُ) عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ لَا يَحْمِلُ الضَّيْمَ لَا عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ لَا يَحْمِلُ الْحَجَرَ لِثِقَلِهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْقُلَّتَيْنِ فَائِدَةٌ.
ح ل وَقَوْلُهُ لَا عَلَى حَدِّ إلَخْ أَيْ: فَهُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمَعَانِي لَا حَمْلِ الْأَجْرَامِ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا إلَخْ أَيْ: لِأَنَّ الْمَاءَ مُطْلَقًا لَا يَحْمِلُ الْأَجْرَامَ النَّجِسَةَ بِمَعْنَى أَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فَوْقَهُ، وَالْمَعَانِي الْمُرَادُ بِهَا هُنَا التَّنَجُّسُ الْحَاصِلُ مِنْ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ.
(قَوْلُهُ أَخْذًا مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ) لَمْ يَقُلْ: كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالنِّصْفِ بَلْ قَالَ: تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا فَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ الشَّيْءَ عَلَى النِّصْفِ احْتِيَاطًا اهـ إطْفِيحِيٌّ (قَوْلُهُ مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ) كَانَ شَيْخَ الشَّافِعِيِّ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يُونُسَ ع ش أَيْ: شَيْخًا لَهُ بِالْوَاسِطَةِ إذْ الشَّافِعِيُّ أَخَذَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ وَهُوَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ.
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ بِالْمِسَاحَةِ) أَيْ: الذَّرْعِ (قَوْلُهُ فِي الْمُرَبَّعِ) أَمَّا فِي الْمُدَوَّرِ كَالْبِئْرِ فَهُمَا ذِرَاعَانِ طُولًا وَذِرَاعٌ عَرْضًا، وَالْمُرَادُ بِالطُّولِ فِيهِ الْعُمْقُ، وَبِالذِّرَاعِ فِيهِ ذِرَاعُ النَّجَّارِ وَهُوَ ذِرَاعٌ وَرُبْعٌ ز ي. وَالْمُحِيطُ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِ الْعَرْضِ، وَسُبْعُ مِثْلِهِ فَيَضْرِبُ بَعْدَ الْبَسْطِ نِصْفَ الْعَرْضِ فِي نِصْفِ الْمُحِيطِ، وَيَضْرِبُ الْحَاصِلَ فِي الْعُمْقِ، وَأَمَّا الْمُثَلَّثُ فَهُوَ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ طُولًا وَذِرَاعٌ وَنِصْفٌ عَرْضًا بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَذِرَاعَانِ عُمْقًا بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ فَتُبْسَطُ كُلُّهَا أَذْرُعًا قَصِيرَةً ثُمَّ تُضْرَبُ سِتَّةُ الطُّولِ فِي سِتَّةِ الْعَرْضِ بِسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ فَخُذْ ثُلُثَهَا وَعُشْرَهَا وَهُمَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَةَ أَخْمَاسٍ فَاضْرِبْهَا فِي ثَمَانِيَةِ الْعُمْقِ تَبْلُغُ مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ إلَّا خُمُسًا، فَكُلُّ وَاحِدٍ يَسَعُ أَرْبَعَةَ أَرْطَالٍ، وَالْخُمُسُ النَّاقِصُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَقْرِيبًا.
(قَوْلُهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ رِطْلَيْنِ) وَكَأَنَّ اغْتِفَارَ الرَّطْلَيْنِ فَقَطْ لِأَنَّهُمَا أَمْرٌ وَسَطٌ بَيْنَ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْقُلَّةِ، وَهُوَ وَاحِدٌ وَأَوَّلُ مَرَاتِبِ الْكَثْرَةِ، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ فَإِنْ غَيَّرَهُ) أَيْ: يَقِينًا ع ش وَفِي غَيَّرَهُ ضَمِيرَانِ بَارِزٌ وَمُسْتَتِرٌ فَالْبَارِزُ لِلْمَاءِ وَالْمُسْتَتِرُ لِلنَّجِسِ، وَالتَّقْدِيرُ فَإِنْ غَيَّرَ النَّجِسُ الْمَاءَ أَيْ: حَالًا فَلَوْ لَمْ يُغَيِّرْهُ حَالًا بَلْ بَعْدَ مُدَّةٍ فَالْأَوْجُهُ الرُّجُوعُ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ إنْ عَلِمُوا، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ شَرْحُ الْإِرْشَادِ وَقَوْلُهُ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ أَيْ: وَلَوْ وَاحِدًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَيْحُكُمْ بِالنَّجَاسَةِ مِنْ حِينَئِذٍ لَا مِنْ حِينِ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ قَالَهُ بَعْضُهُمْ فَتَأَمَّلْهُ شَوْبَرِيٌّ وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ غَيَّرَهُمَا أَيْ: الْقُلَّتَيْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ رَجَعَ الضَّمِيرُ لِلْمُضَافِ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ قُلَّتَا مَاءٍ.
(قَوْلُهُ أَوْ تَغَيُّرًا تَقْدِيرِيًّا) الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ: أَوْ تَقْدِيرًا وَذَلِكَ كَأَنْ وَقَعَ فِيهِ بَوْلٌ مُنْقَطِعُ الرَّائِحَةِ فَيُقَدِّرُ الرِّيحَ رِيحَ الْمِسْكِ، وَالطَّعْمَ طَعْمَ الْخَلِّ، وَاللَّوْنَ لَوْنَ الْحِبْرِ وَهَذَا هُوَ الْمُخَالِفُ الْأَشَدُّ كَمَا فِي ح ل. (قَوْلُهُ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ) أَيْ: إذَا بَلَغَ الْمَاءُ إلَخْ ع ش (قَوْلُهُ وَلِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ) عَطْفٌ عَلَى لِلْخَبَرِ فَالْإِجْمَاعُ خَصَّصَ الْخَبَرَيْنِ ع ش، وَبَقِيَ لِلْخَبَرِ الثَّانِي تَخْصِيصٌ آخَرُ مِنْ جِهَةِ صِدْقِهِ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَمَّا الْمَاءُ فَلِمَفْهُومِ خَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ السَّابِقِ الْمُخَصِّصِ لِمَنْطُوقِ «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (قَوْلُهُ فَلَوْ تَغَيَّرَ بِجِيفَةٍ) مَفْهُومُ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي غَيْرٍ لِأَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى النَّجِسِ الْمُلَاقِي وَقَوْلُهُ أَمَّا إذَا غَيَّرَ بَعْضَهُ مَفْهُومُ الضَّمِيرِ الْبَارِزِ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ فَإِنْ غَيَّرَهُ كُلَّهُ (قَوْلُهُ كَمَا أَفْهَمَهُ التَّقْيِيدُ) أَيْ: الْمَفْهُومُ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ لِلنَّجِسِ الْمُلَاقِي الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ بِمُلَاقَاةِ نَجِسٍ.
(قَوْلُهُ فِي الطَّاهِرِ) أَيْ: بِالطَّاهِرِ فَفِي بِمَعْنَى الْبَاءِ، وَقَوْلُهُ لِغِلَظِ أَمْرِهِ أَيْ: وَصْفِهِ الَّذِي هُوَ التَّنْجِيسُ.
(قَوْلُهُ أَمَّا إذَا غَيَّرَ بَعْضَهُ) هَذَا وَاضِحٌ فِي الرَّاكِدِ دُونَ الْجَارِي فَإِنَّ الْجَرْيَةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي لَمْ تُلَاقِ النَّجَاسَةَ لَهَا حُكْمُ الْغَسَّالَةِ.
ح ل (قَوْلُهُ فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ) أَيْ: الْمَاءِ الْكَثِيرِ أَمَّا الْقَلِيلُ فَلَا يَطْهُرُ بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ ح ل (قَوْلُهُ أَوْ التَّقْدِيرِيُّ) بِأَنْ يُقَدَّرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ حِسِّيًّا، وَمَكَثَ مُدَّةً طَوِيلَةً أَوْ زِيدَ عَلَيْهِ مَاءٌ زَالَ تَغَيُّرُهُ وَيَفْعَلُ بِهِ كَذَلِكَ، أَوْ بِأَنْ يَكُونَ بِجَنْبِهِ غَدِيرٌ أَيْ: نَهْرٌ صَغِيرٌ فِيهِ مَاءٌ مُتَغَيِّرٌ فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ أَوْ بِمَاءٍ صُبَّ عَلَيْهِ فَيُعْلَمُ أَنَّ هَذَا أَيْضًا يَزُولُ تَغَيُّرُهُ بِمَا ذَكَرَ

بِنَفْسِهِ) أَيْ لَا بِعَيْنٍ كَطُولِ مُكْثٍ (أَوْ بِمَاءٍ) انْضَمَّ إلَيْهِ وَلَوْ نَجَسًا أَوْ أُخِذَ مِنْهُ وَالْبَاقِي قُلَّتَانِ (طَهُرَ) لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ وَلَا يَضُرُّ عَوْدُ تَغَيُّرِهِ إذَا خَلَا عَنْ نَجَسٍ جَامِدٍ، أَمَّا إذَا زَالَ حِسًّا بِغَيْرِهِمَا كَمِسْكٍ وَتُرَابٍ وَخَلٍّ فَلَا يَطْهُرُ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ زَالَ أَوْ اسْتَتَرَ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَتَرَ فَإِنْ صَفَا الْمَاءُ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ طَهُرَ.

(وَ) الْمَاءُ (دُونَهُمَا) أَيْ الْقُلَّتَيْنِ وَلَوْ جَارِيًا (يَنْجُسُ كَرَطْبِ غَيْرِهِ) كَزَيْتٍ وَإِنْ كَثُرَ (بِمُلَاقَاتِهِ) أَيْ النَّجَسِ.

[حاشية البجيرمي]

تَقْرِيرُ ع ش وَزي (قَوْلُهُ أَيْ: لَا بِعَيْنٍ) دَخَلَ فِيهِ الرِّيحُ وَالشَّمْسُ وَبِهِ صَرَّحَ السُّبْكِيُّ شَوْبَرِيُّ (قَوْلُهُ وَلَوْ نَجِسًا) أَيْ: مُتَنَجِّسًا وَتَنْكِيرُ الْمَاءِ لِيَشْمَلَ هَذَا لَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ الْمَاءُ إذَا أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ لِلطَّاهِرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إطْلَاقٌ شَرْعِيٌّ، وَهَذَا إطْلَاقٌ لُغَوِيٌّ.
ع ش أَيْ: تَسْمِيَةُ النَّجِسِ مَاءً بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ وَإِلَّا فَهُوَ لَا يُقَالُ لَهُ: مَاءٌ شَرْعًا.
(قَوْلُهُ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ وَالْبَاقِي قُلَّتَانِ) بِأَنْ كَانَ الْإِنَاءُ مُنْخَنِقًا بِهِ فَزَالَ انْخِنَاقُهُ وَدَخَلَ الرِّيحُ وَقَصَرَهُ.
حَجّ (قَوْلُهُ طَهَرَ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ.
شَرْحُ م ر وَيَطْهُرُ وَلَوْ كَانَ بِهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ، وَيَكُونُ مُطَهَّرًا وَإِنَّمَا قَالَ هُنَا: طَهُرَ وَفِيمَا سَيَأْتِي فَهُوَ طَهُورٌ لَعَلَّهُ لِلتَّفَنُّنِ أَوْ أَنَّ الثَّانِيَ لَمَّا كَانَ فِيهِ إيرَادُ مَاءٍ كَانَ مَظِنَّةَ تَوَهُّمِ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْإِيرَادِ، وَلَا يَطْهُرُ لَوْ لَمْ يُعَبِّرْ بِالطَّهُورِيَّةِ؛ فَعَبَّرَ بِهَا دَفْعًا لِهَذَا التَّوَهُّمِ بِخِلَافِهِ هُنَا تَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ التَّنَجُّسِ) وَهِيَ التَّغَيُّرُ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَضُرُّ عَوْدُ تَغَيُّرِهِ إلَخْ) قَالَ فِي الْإِيعَابِ: نَعَمْ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إنَّ التَّغَيُّرَ مِنْ تِلْكَ النَّجَاسَةِ كَانَ نَجِسًا اهـ أَيْ: مِنْ حِينِ عَوْدِ التَّغَيُّرِ كَمَا قَالَهُ ع ش قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الْمُتَّجَهُ فِي هَذِهِ أَنَّهُ إذَا عَادَ ذَلِكَ التَّغَيُّرُ الزَّائِلُ؛ فَالْمَاءُ نَجِسٌ وَإِنْ تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا آخَرَ لَا بِسَبَبِ تِلْكَ النَّجَاسَةِ أَصْلًا فَهُوَ طَهُورٌ، وَإِنْ تَرَدَّدَ الْحَالُ فَاحْتِمَالَانِ، وَالْأَرْجَحُ الطَّهَارَةُ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ إذَا خَلَا عَنْ نَجِسٍ جَامِدٍ) فَإِنْ كَانَ بِهِ ذَلِكَ النَّجَسُ الْجَامِدُ ضَرَّ التَّغَيُّرُ بِهِ إحَالَةً لَهُ عَلَى ذَلِكَ النَّجِسِ الْجَامِدِ، وَهُوَ وَاضِحٌ إنْ أَمْكَنَ إحَالَتُهُ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ التَّغَيُّرُ الَّذِي زَالَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ، فَالْمُرَادُ خَلَا عَنْ نَجِسٍ كَانَ مَوْجُودًا فِيهِ قَبْلَ زَوَالِ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ، وَذَلِكَ التَّغَيُّرُ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ قَالَ الرَّشِيدِيُّ عَلَى م ر: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْجَامِدِ الْمُجَاوِرُ وَلَوْ مَائِعًا كَالدُّهْنِ وَبِالْمَائِعِ الْمُسْتَهْلَكُ.
(قَوْلُهُ أَمَّا إذَا زَالَ) لَوْ زَالَ التَّغَيُّرُ بِمُجَاوِرٍ عَادَ طَهُورًا كَمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَيَدُلُّ لَهُ التَّمْثِيلُ بِالْمُخَالِطِ ز ي وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَلَوْ زَالَ ذَلِكَ التَّغَيُّرُ ثُمَّ عَادَ فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَامِدَةً، وَهِيَ فِيهِ فَنَجِسٌ وَإِنْ كَانَتْ مَائِعَةً أَوْ جَامِدَةً، وَقَدْ أُزِيلَتْ قَبْلَ التَّغَيُّرِ الثَّانِي لَمْ يَنْجُسْ.
اهـ قَالَ ع ش: قَوْلُهُ فَنَجِسٌ أَيْ: مِنْ الْآنَ وَعَلَيْهِ فَلَوْ زَالَ تَغَيُّرُهُ فَتَطَهَّرَ مِنْهُ جَمْعٌ ثُمَّ عَادَ تَغَيُّرُهُ.
لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي فَعَلُوهَا، وَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ أَبْدَانِهِمْ وَلَا ثِيَابِهِمْ لِأَنَّهُ بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ حَكَمَ بِطَهُورِيَّتِهِ، وَالتَّغَيُّرُ الثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَجَاسَةٍ تَحَلَّلَتْ مِنْهُ بَعْدُ وَهِيَ لَا تَضُرُّ فِيمَا مَضَى.
(قَوْلُهُ حِسًّا) أَيْ: ظَاهِرًا (قَوْلُهُ كَمِسْكٍ) أَيْ: فَإِنَّهُ يُزِيلُ الرِّيحَ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ مُتَغَيِّرًا بِالرِّيحِ، وَالتُّرَابُ يُزِيلُ اللَّوْنَ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَالْخَلُّ يُزِيلُ الطَّعْمَ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَيْ: لَمْ تُوجَدْ رَائِحَةٌ النَّجَاسَةِ بِالْمِسْكِ، وَلَا لَوْنُهَا بِالتُّرَابِ وَلَا طَعْمُهَا بِالْخَلِّ.
ح ل (قَوْلُهُ لِلشَّكِّ) هَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ قَبْلُ أَمَّا إذَا زَالَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَمَّا إذَا زَالَ ظَاهِرًا فَلِذَلِكَ أَتَى الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ حِسًّا أَيْ: ظَاهِرًا، وَيُرَادُ بِقَوْلِهِ لِلشَّكِّ فِي أَنَّ التَّغْيِيرَ زَالَ أَيْ: حَقِيقَةً فِي الْحِسِّ وَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ فَإِنْ صَفَا الْمَاءُ) أَيْ: زَالَ رِيحُ الْمِسْكِ أَوْ لَوْنُ التُّرَابِ أَوْ طَعْمُ الْخَلِّ، وَقَوْلُهُ طَهُرَ أَيْ: حَكَمْنَا بِطَهُورِيَّتِهِ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ.

(قَوْلُهُ وَالْمَاءُ دُونَهُمَا) قِيلَ: الظَّرْفُ حَالٌ مِنْ الْمُبْتَدَأِ وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى، وَالْوَجْهُ أَنَّهُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يُنَجِّسُ الْعَائِدَ لِلْمَاءِ.
اهـ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ وَلَوْ جَارِيًا) الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا يُنَجِّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ لِقُوَّتِهِ بِوُرُودِهِ عَلَى النَّجَاسَةِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اخْتَارَ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ أَيْ: إنْ قَلَّ، وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا لِلتَّسْهِيلِ عَلَى النَّاسِ، وَإِلَّا فَالدَّلِيلُ صَرِيحٌ فِي التَّفْصِيلِ كَمَا تَرَى.
اهـ (قَوْلُهُ يُنَجِّسُ) لَمْ يَقُلْ بِالْإِجْمَاعِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ.
اهـ ح ل (قَوْلُهُ وَإِنْ كَثُرَ) تَعْمِيمٌ حَتَّى لَوْ كَانَ جَارِيًا تَنَجَّسَ جَمِيعُهُ كَمَا فِي ح ل وَهُوَ مُعْتَمَدٌ، فَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي آخِرِ الْقَنَاةِ الْجَارِي فِيهَا الزَّيْتُ، وَاتَّصَلَ بِهَا تَنَجَّسَ جَمِيعُ مَا فِي الْقَنَاةِ، وَلَوْ جُعِلَ حَائِلٌ بَيْنَ النَّجَاسَةِ، وَالزَّيْتِ بَعْدَ الِاتِّصَالِ تَنَجَّسَ مَا وَرَاءَ الْحَائِلِ الَّذِي لَمْ يُصِبْ النَّجَاسَةَ، وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَتْ الْقَنَاةُ مُسْتَوِيَةً أَوْ قَرِيبَةَ الِاسْتِوَاءِ بِأَنْ كَانَ فِيهَا ارْتِفَاعٌ يَسِيرٌ فَإِنْ كَانَ فِيهَا ارْتِفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ فَلَا يَنْجُسُ الْمُرْتَفِعُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ الْمُنْخَفِضِ لِلنَّجَاسَةِ فَلَوْ جَعَلْنَا حَائِلًا لِلْمُرْتَفِعِ كَانَ

أَمَّا الْمَاءُ فَلِمَفْهُومِ خَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ السَّابِقِ الْمُخَصِّصِ لِمَنْطُوقِ خَبَرِ «الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» السَّابِقِ نَعَمْ إنْ وَرَدَ عَلَى النَّجَاسَةِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي فِي بَابِهَا وَأَمَّا غَيْرُ الْمَاءِ مِنْ الرُّطَبِ فَبِالْأَوْلَى وَفَارَقَ كَثِيرُ الْمَاءِ كَثِيرَ غَيْرِهِ بِأَنَّ كَثِيرَهُ قَوِيٌّ وَيَشُقُّ حِفْظُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَثُرَ وَخَرَجَ بِالرَّطْبِ الْجَافُّ، وَتَعْبِيرِي بِرَطْبٍ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِمَائِعٍ (لَا بِمُلَاقَاةِ مَيْتَةٍ لَا يَسِيلُ دَمُهَا) عِنْدَ شَقِّ عُضْوٍ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا كَذُبَابٍ وَخُنْفُسَاءَ (وَلَمْ تُطْرَحْ) فِيهِ (وَ) لَا بِمُلَاقَاةِ

[حاشية البجيرمي]

طَاهِرًا وَقِيلَ: لَا يَنْجُسُ إلَّا مَا لَاقَى النَّجَاسَةَ دُونَ مَا وَرَاءَهَا شَيْخُنَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَارِيَ مِنْ الْمَاءِ وَمِنْ رَطْبٍ غَيْرِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِمُسْتَوٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ الِاسْتِوَاءِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْحَدِرًا مِنْ مُرْتَفِعٍ جِدًّا فَالْجَارِي مِنْ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا لَا يَنْجُسُ مِنْهُ إلَّا الْمُلَاقِي لِلنَّجِسِ مَاءً أَوْ غَيْرَهُ، وَأَمَّا فِي الْمُسْتَوِي وَالْقَرِيبِ مِنْهُ فَغَيْرُ الْمَاءِ يَنْجُسُ كُلُّهُ بِالْمُلَاقَاةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْجِرْيَةِ، وَأَمَّا الْمَاءُ فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِالْجِرْيَةِ، وَهِيَ مَا بَيْنَ حَافَتَيْ النَّهْرِ مِنْ الدَّفَعَاتِ فَإِنْ كَانَتْ قُلَّتَيْنِ لَمْ تُنَجَّسْ هِيَ وَلَا غَيْرُهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَهِيَ الَّتِي تُنَجَّسُ، وَمَا قَبْلَهَا مِنْ الْجِرْيَاتِ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ، وَلَوْ الْمُتَّصِلَةَ بِهَا وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَالْعِبْرَةُ فِي الْجَارِي بِالْجِرْيَةِ نَفْسِهَا لَا مَجْمُوعِ الْمَاءِ فَإِنَّ الْجِرْيَاتِ مُتَفَاصِلَةٌ حُكْمًا، وَإِنْ اتَّصَلَتْ فِي الْحِسِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ جِرْيَةٍ طَالِبَةٌ لِمَا قَبْلَهَا هَارِبَةٌ مِمَّا بَعْدَهَا فَإِذَا كَانَتْ الْجِرْيَةُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ تُنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، وَيَكُونُ مَحَلُّ تِلْكَ الْجِرْيَةِ مِنْ النَّهْرِ نَجِسًا، وَيَطْهُرُ بِالْجِرْيَةِ بَعْدَهَا، وَيَكُونُ فِي حُكْمِ غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُغَلَّظَةً فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْعِ جِرْيَاتٍ عَلَيْهَا، وَمِنْ التَّتْرِيبِ هَذَا فِي نَجَاسَةٍ تَجْرِي مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ كَانَتْ جَامِدَةً وَاقِفَةً فَذَلِكَ الْمَحَلُّ نَجِسٌ، وَكُلُّ جِرْيَةٍ تَمُرُّ بِهَا نَجِسَةٌ إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ قُلَّتَانِ مِنْهُ، وَيُلْغَزُ بِهِ فَيُقَالُ: مَاءُ أَلْفِ قُلَّةٍ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ وَهُوَ نَجِسٌ.
اهـ بِاخْتِصَارٍ أَيْ: لِأَنَّهُ مَا دَامَ لَمْ يَجْتَمِعْ نَجِسٌ بِأَنْ طَالَ مَحَلُّ جَرْي الْمَاءِ.
(قَوْلُهُ أَمَا الْمَاءُ فَلِمَفْهُومِ خَبْرِ الْقُلَّتَيْنِ السَّابِقِ الْمُخَصِّصِ) أَيْ: الْمَفْهُومِ فَهُوَ صِفَةٌ لَهُ لَا لِلْخَبَرِ قَالَ شَيْخُنَا ع ش: الْمُخَصِّصُ هُنَا هُوَ الْمَفْهُومُ فَقَطْ، وَإِنَّمَا خَصَّصْنَا بِهِ دُونَ الْمَنْطُوقِ لِأَنَّ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ وَذِكْرُ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِحُكْمِ الْعَامِّ لَا يُخَصِّصُ بِرْمَاوِيٌّ فَقَوْلُهُ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ.
(قَوْلُهُ نَعَمْ إنْ وَرَدَ) هَذَا تَقْيِيدٌ لِلْمُلَاقَاةِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَاءُ وَارِدًا عَلَى النَّجَاسَةِ أَيْ: وَلَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ التَّفْصِيلِ الْآتِي.
ح ل وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَالْمُرَادُ بِالْمُلَاقَاةِ وُرُودُ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ.
أَمَّا وُرُودُهُ عَلَيْهَا فَسَيَأْتِي فِي بَابِ النَّجَاسَةِ اهـ وَمِنْ الْوَارِدِ مَا لَوْ فَارَ الْقِدْرُ فَأَصَابَ فُوَارُهُ أَعْلَاهُ الْمُتَنَجِّسَ، وَأَمَّا لَوْ وَضَعَ إنَاءً فِيهِ مَاءٌ عَلَى مَحَلٍّ نَجِسٍ وَهُوَ يَرْشَحُ عَلَيْهِ فَلَا يَنْجُسُ مَا فِيهِ إلَّا إنْ فُرِضَ عَوْدُ الرَّشْحِ إلَيْهِ.
اهـ ابْنُ حَجَرٍ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ وَلَوْ وُضِعَ كُوزٌ عَلَى نَجَاسَةٍ وَمَاؤُهُ خَارِجٌ مِنْ أَسْفَلِهِ لَمْ يَنْجُسْ مَا فِيهِ مَا دَامَ يَخْرُجُ فَإِنْ تَرَاجَعَ فَنَجِسٌ كَمَا لَوْ سُدَّ بِنَجِسٍ.
ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ فَالْأَوْلَى) لِأَنَّ الْمَاءَ فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى دَفْعِ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ لَا يَسِيلُ دَمُهَا) وَلَوْ احْتِمَالًا وَدَخَلَ مَا لَهُ دَمٌ لَكِنَّهُ لَا يَسِيلُ كَالْوَزَغِ.
شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ كَذُبَابٍ وَخُنْفُسَاءَ) وَكَالْبَقِّ الْمَعْرُوفِ بِمِصْرَ وَالْقُمَّلِ، وَالْبَرَاغِيثِ، وَالسَّحَالِي وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الْوَزَغِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْعِمَادِ وَأَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ ع ش عَلَى م ر وَعِبَارَتُهُ هُنَا لَوْ تَوَلَّدَ حَيَوَانٌ بَيْنَ مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَبَيْنَ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَالْقِيَاسُ إلْحَاقُهُ بِمَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَمَا هُوَ قِيَاسُ نَظِيرِهِ فِيمَا لَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ طَاهِرٍ وَنَجِسٍ تَأَمَّلْ اهـ أَيْ: لِأَنَّ الْفَرْعَ يَتْبَعُ أَخَسَّ الْأَصْلَيْنِ.
(قَوْلُهُ وَلَمْ تُطْرَحْ) وَلَوْ مِنْ بَهِيمَةٍ لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ اخْتِيَارًا فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ الرِّيحِ، وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَطْرَحَهَا مَيِّتَةً، وَتَصِلُ مَيِّتَةً أَمَّا إذَا طَرَحَهَا حَيَّةً أَوْ أُحْيِيَتْ قَبْلَ وُصُولِهَا فَلَا يَضُرُّ كَمَا فِي ع ش قَالَ الشَّمْسُ الشَّوْبَرِيُّ فَلَوْ وَجَدَ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ وَشَكَّ فِي أَنَّهَا أُلْقِيَتْ فِيهِ مَيِّتَةً أَوْ لَا فَفِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي أَجَابَ بِهِ شَيْخُنَا م ر لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ عَدَمُ الْعَفْوِ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَلَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، وَبَعْضُهُمْ أَجَابَ بِالْعَفْوِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ.
وَحَاصِلُ تَحْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَطْرَافِهِمَا أَنْ يُقَالَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَهْجَةِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا: أَنَّهَا إذَا طُرِحَتْ حَيَّةً لَمْ يَضُرَّ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ نَشْؤُهَا مِنْهُ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ مَاتَتْ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا إنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ، وَإِنْ طُرِحَتْ مَيِّتَةً ضَرَّ سَوَاءٌ كَانَ نَشْؤُهَا مِنْهُ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ وُقُوعُهَا بِنَفْسِهَا لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا فَيُعْفَى عَنْهُ كَمَا يُعْفَى عَمَّا يَقَعُ بِالرِّيحِ، وَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً وَلَمْ يَكُنْ نَشْؤُهَا مِنْهُ إنْ لَمْ تُغَيِّرْ أَيْضًا، وَلَيْسَ الصَّبِيُّ وَلَوْ غَيَّرَ مُمَيِّزٌ وَالْبَهِيمَةُ كَالرِّيحِ، وَلَوْ تَعَدَّدَ الْوَاقِعُ مِنْ ذَلِكَ فَأَخْرَجَ أَحَدَهَا عَلَى رَأْسِ عُودٍ فَسَقَطَ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَمْ يُنَجِّسْهُ وَهَلْ لَهُ إخْرَاجُ الْبَاقِي بِهِ؟ الْأَوْجَهُ نَعَمْ لِأَنَّ مَا عَلَى رَأْسِ الْعُودِ جُزْءٌ مِنْ الْمَائِعِ الْمَحْكُومِ

نَجَسٍ لَا يُدْرِكُهُ طَرْفٌ) أَيْ بَصَرٌ لِقِلَّتِهِ كَنُقْطَةِ بَوْلٍ (وَ) لَا بِمُلَاقَاةِ (نَحْوِ ذَلِكَ) كَقَلِيلٍ مِنْ شَعْرٍ نَجَسٍ، وَمِنْ دُخَانِ نَجَسٍ وَكَغُبَارِ سِرْجِينٍ وَحَيَوَانٍ مُتَنَجِّسِ الْمَنْفَذِ غَيْرَ آدَمِيٍّ؛ وَذَلِكَ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهَا، وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ

[حاشية البجيرمي]

بِطَهَارَتِهِ تَأَمَّلْ اهـ. (قَوْلُهُ نَجِسٍ) وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ ع ش أَيْ: مَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ ح ل وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَيُعْفَى عَمَّا يَحْمِلُهُ نَحْوَ الذُّبَابِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ الطَّرْفُ عَلَى الْأَوْجَهِ اهـ، وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا م ر وَسَكَتُوا عَنْ طَرْحِ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ، وَعَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بِهِ الْمَاءُ فَلْيُحَرَّرْ.
(قَوْلُهُ أَيْ: بَصَرٌ) أَيْ: مُعْتَدِلٌ.
اهـ. م ر وع ش (قَوْلُهُ كَنُقْطَةِ بَوْلٍ) أَوْ نُقَطٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَكِنْ بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَتْ كَانَتْ قَدْرًا يَسِيرًا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ الْمُعْتَدِلُ، وَصَارَ مُتَنَجِّسًا مَعْفُوًّا عَنْهُ لَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَنَجِّسٍ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَدْرُ مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ وَاضِحٌ، وَمِنْ ثَمَّ اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا فِي الشَّرْحِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ شَرْحِ الرَّوْضِ وَأَقَرَّهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الْعَفْوِ أَيْ: عَدَمِ التَّنْجِيسِ بِمَا ذَكَرَ مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ، وَمَا بَعْدَهُ إذَا لَمْ يُغَيِّرْ قِيَاسًا عَلَى مَا قَبْلَهُ ح ل (قَوْلُهُ كَقَلِيلٍ مِنْ شَعْرٍ) وَكَذَا كَثِيرُهُ لِلرَّاكِبِ وَلِلْقِصَاصِ م ر شَوْبَرِيٌّ قَالَ ع ش: وَنُقِلَ عَنْ م ر أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ الْقَلِيلِ وَدُخَانِ النَّجَاسَةِ كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ مُغَلَّظٍ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ مِنْ شَعْرٍ نَجِسٍ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ مُغَلَّظٍ.
ع ش (قَوْلُهُ وَمِنْ دُخَانٍ نَجِسٍ) قَالَ فِي شَرْحِ م ر أَيْ: فِي الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ اهـ أَيْ: حَيْثُ لَمْ يَكُنْ وُصُولُهُ لِلْمَاءِ وَنَحْوِهِ بِفِعْلِهِ وَإِلَّا نَجِسَ وَمِنْهُ الْبَخُورُ بِالنَّجِسِ وَالْمُتَنَجِّسِ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ وَإِنْ قَلَّ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ.
ع ش (قَوْلُهُ أَيْضًا وَمِنْ دُخَانٍ نَجِسٍ) بِخِلَافِ دُخَانِ الْمُتَنَجِّسِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ دُخَانَ يُقْرَأُ بِالْإِضَافَةِ فَإِنْ قُرِئَ بِالتَّنْوِينِ شَمِلَ دُخَانَ الْمُتَنَجِّسِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ كَمَا قَالَهُ ز ي وَع ش (قَوْلُهُ وَكَغُبَارِ سِرْجِينٍ) عَطْفُهُ عَلَى الْقَلِيلِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ قِلَّتُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلُهُ وَكَغُبَارِ سِرْجِينٍ هَلْ وَلَوْ طُرِحَ أَوْ غَيَّرَ أَوْ لَا؟ فَحَرِّرْ شَوْبَرِيٌّ وَعِبَارَةُ ع ش قَضِيَّةُ إعَادَةِ الْكَافِ الْعَفْوُ عَنْ الْغُبَارِ مُطْلَقًا قَالَ سم: وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْعَفْوِ عَنْهُ الْقِلَّةُ.
اهـ. (قَوْلُهُ وَحَيَوَانٍ مُتَنَجِّسِ الْمَنْفَذِ) أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِلْمَاءِ فَقَطْ دُونَ الْمَائِعِ حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي مَائِعٍ نَجَّسَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ التَّعْلِيلُ وَقَدْ رَجَعَ الشَّيْخُ عَنْ هَذَا وَسَوَّى بَيْنَ الْمَاءِ وَالْمَائِعِ لِلْمَشَقَّةِ ز ي، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَنْفَذَ قَيْدٌ فَيَخْرُجُ بِهِ بَقِيَّةُ أَعْضَائِهِ إذَا كَانَتْ مُتَنَجِّسَةً فَلَا يُعْفَى عَنْهَا، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْهِرَّةِ الَّتِي أَكَلَتْ نَجَاسَةً، وَغَابَتْ غَيْبَةً يُحْتَمَلُ مَعَهَا طَهَارَةُ فَمِهَا فَإِنَّهَا لَا تُنَجِّسُ مَا شَرِبَتْ مِنْهُ إذْ لَوْ كَانَتْ بَقِيَّةُ الْأَعْضَاءِ مِثْلَ الْمَنْفَذِ لَمْ تَحْتَجْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْغَيْبَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْمَنْفَذَ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ بَقِيَّةُ أَعْضَائِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الطُّوخِيُّ، وَعَلَيْهِ يُشْكِلُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْهِرَّةِ تَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر وَيَحْلِقُ بِذَلِكَ فِي الْعَفْوِ مَا تُلْقِيهِ الْفِئْرَانُ فِي بُيُوتِ الْأَخْلِيَةِ مِنْ النَّجَاسَاتِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ، وَمَا يَقَعُ مِنْ بَعْرِ الشَّاةِ فِي اللَّبَنِ فِي حَالَ الْحَلْبِ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْعِمَادِ فَلَوْ شَكَّ أَوْقَعَ فِي حَالِ الْحَلْبِ أَوْ لَا؟ فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يُنَجِّسُ إذْ شَرْطُ الْعَفْوِ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَيُعْفَى عَمَّا يَمَسُّهُ الْعَسَلُ مِنْ الْكُوَّارَةِ الَّتِي تُجْعَلُ مِنْ رَوْثِ نَحْوِ الْبَقَرِ، وَأَلْحَق بِذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ مَا لَوْ نَزَلَ طَائِرٌ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طُيُورِ الْمَاءِ فِي مَاءٍ وَزَرَقَ فِيهِ أَوْ شَرِبَ مِنْهُ، وَعَلَى فَمِهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تَتَحَلَّلْ عَنْهُ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ.
اهـ. م ر وَقَوْلُهُ وَلَمْ تَتَحَلَّلْ عَنْهُ مَفْهُومُهُ أَنَّهَا إذَا تَحَلَّلَتْ ضَرَّ وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا تُلْقِيهِ الْفِئْرَانُ وَفِيمَا لَوْ وَقَعَتْ بَعْرَةٌ فِي اللَّبَنِ الْعَفْوُ لِلْمَشَقَّةِ.
اهـ. ع ش عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ م ر: وَيُعْفَى عَنْ جَرَّةِ الْبَعِيرِ، وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ كُلِّ مَا يَجْتَرُّ فَلَا يُنَجِّسُ مَا شَرِبَ مِنْهُ وَيُعْفَى عَمَّا تَطَايَرَ مِنْ رِيقِهِ الْمُتَنَجِّسِ، وَيَلْحَقُ بِهِ فَمُ مَا يَجْتَرُّ إذَا الْتَقَمَ غَيْرَ ثَدْيِ أُمِّهِ، وَفَمُ صَبِيٍّ تَنَجَّسَ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ الْمُخَالِطِ لَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ اهـ. وَقَوْلُهُ وَفَمُ صَبِيٍّ أَيْ: بِالنِّسْبَةِ لِثَدْيِ أُمِّهِ، وَغَيْرِهِ كَتَقْبِيلِهِ فِي فَمِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّفَقَةِ مَعَ الرُّطُوبَةِ فَلَا يَلْزَمُ تَطْهِيرُ الْفَمُ كَذَا قَرَّرَهُ.
م ر. اهـ. سم عَلَى حَجّ (فَائِدَةٌ) لَا يَجِبُ غَسْلُ الْبَيْضَةِ وَالْوَلَدِ إذَا خَرَجَا مِنْ الْفَرْجِ

فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءٌ وَفِي الْآخَرِ شِفَاءٌ» زَادَ أَبُو دَاوُد وَأَنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ وَقَدْ يُفْضِي غَمْسُهُ إلَى مَوْتِهِ فَلَوْ نَجَّسَ لَمَا أَمَرَ بِهِ، وَقِيسَ بِالذُّبَابِ مَا فِي مَعْنَاهُ فَإِنْ غَيَّرَتْهُ الْمَيْتَةُ لِكَثْرَتِهَا أَوْ طُرِحَتْ فِيهِ تَنَجَّسَ وَقَوْلِي وَلَمْ تُطْرَحْ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ زِيَادَتِي، وَتُعْتَبَرُ الْقُلَّةُ بِالْعُرْفِ (فَإِنْ بَلَغَهُمَا) أَيْ الْمَاءُ النَّجَسُ الْقُلَّتَيْنِ (بِمَاءٍ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ فَطَهُورٌ) لِمَا مَرَّ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُمَا أَوْ بَلَغَهُمَا بِغَيْرِ مَاءٍ أَوْ بِهِ مُتَغَيِّرًا لَمْ يَطْهُرْ لِبَقَاءِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ.

(وَالتَّغَيُّرُ الْمُؤَثِّرُ) بِطَاهِرٍ أَوْ نَجَسٍ تَغَيُّرُ طَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ، وَخَرَجَ بِالْمُؤَثِّرِ بِطَاهِرٍ التَّغَيُّرُ الْيَسِيرُ بِهِ وَبِالْمُؤَثِّرِ بِنَجَسٍ التَّغَيُّرُ بِجِيفَةٍ قُرْبَ الْمَاءِ، وَقَدْ مَرَّا وَيُعْتَبَرُ فِي التَّغَيُّرِ التَّقْدِيرِيِّ بِالطَّاهِرِ الْمُخَالِفِ الْوَسَطُ الْمُعْتَدِلُ وَبِالنَّجَسِ الْمُخَالِفِ الْأَشَدِّ.

(وَلَوْ اشْتَبَهَ) عَلَى أَحَدٍ (طَاهِرٌ أَوْ طَهُورٌ بِغَيْرِهِ) مِنْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُهُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ (اجْتَهَدَ) فِيهِمَا

[حاشية البجيرمي]

وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا رُطُوبَةٌ نَجِسَةٌ اهـ رَوْضٌ وَشَرْحُهُ.
(قَوْلُهُ فَلْيَغْمِسْهُ) هُوَ أَمْرُ إرْشَادٍ لِمُقَابَلَةِ الدَّاءِ بِالدَّوَاءِ وَفِي قَوْلِهِ كُلَّهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِغَمْسِ بَعْضِهِ فَلَا يَكْتَفِي بِغَمْسِ الْجَنَاحَيْنِ وَإِنْ حَصَلَ الشِّفَاءُ بِالْجَنَاحِ الْآخَرِ وَهَلْ يَغْمِسُهُ وَإِنْ انْغَمَسَ بِنَفْسِهِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ، وَمَحَلُّ جَوَازِ الْغَمْسِ أَوْ اسْتِحْبَابِهِ إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ التَّغَيُّرُ بِهِ وَإِلَّا حُرِّمَ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.
اهـ (قَوْلُهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ) وَهُوَ الْيَسَارُ خَطِيبٌ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا قُطِعَ أَحَدُهُمَا لَا غَمْسَ وَبِالْأَوْلَى إذَا قُطِعَا كَذَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا قُلْت يُحْتَمَلُ الْغَمْسُ مُطْلَقًا، وَيَكُونُ الْمُرَادُ الْجُنَاحَ أَوْ أَصْلُهُ أُجْهُورِيٌّ عَلَيْهِ وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر، وَعَلَيْهِ فَلَوْ قُطِعَ جَنَاحُهَا الْأَيْسَرُ لَا يُنْدَبُ غَمْسُهَا لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ بَلْ قِيَاسُ مَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ حُرْمَةِ غَمْسِ غَيْرِ الذُّبَابِ حُرْمَةُ غَمْسِ هَذِهِ الْآنَ لِفَوَاتِ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْغَمْسِ.
اهـ (قَوْلُهُ وَإِنَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ وَقِيسَ بِالذُّبَابِ) أَيْ: فِي عَدَمِ التَّنَجُّسِ لَا فِي الْغَمْسِ (قَوْلُهُ وَتُعْتَبَرُ الْقُلَّةُ) أَيْ: الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ كَقَلِيلٍ مِنْ شَعْرٍ نَجِسٍ وَمِنْ دُخَانٍ، وَلَوْ ذُكِرَ بِجَنْبِهِ لَكَانَ أَوْلَى وَعِبَارَةُ سم وَتُعْتَبَرُ الْقِلَّةُ لَعَلَّهُ عَائِدٌ لِقَلِيلِ الشَّعْرِ وَمَا بَعْدَهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ إذًا الْمَدَارُ فِيهِ عَلَى التَّغَيُّرِ وَعَدَمِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِلْعُرْفِ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ أَنَّهُ إذَا كَثُرَ مَا لَا يَسِيلُ دَمُهُ.
عُرْفًا نُجِّسَ وَإِنْ لَمْ يُغَيَّرْ فَلْيُحَرَّرْ.
اهـ (قَوْلُهُ بِمَاءٍ) أَيْ: مُطْلَقًا وَلَوْ نَجِسًا شَوْبَرِيٌّ أَيْ: غَيْرَ بَوْلٍ.
(قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) مِنْ انْتِفَاءِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ وَهِيَ التَّغَيُّرُ وَالْقِلَّةُ ع ش

(قَوْلُهُ وَالتَّغَيُّرُ الْمُؤَثِّرُ) تَقْيِيدُهُ بِالْمُؤَثِّرِ يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَ الْمُؤَثِّرِ يَكُونُ بِغَيْرِ الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالرِّيحِ، وَفِي أَنَّ مُطْلَقَ التَّغَيُّرِ يَكُونُ بِغَيْرِهَا تَأَمَّلْ، ع ش (قَوْلُهُ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ) أَوْ مَانِعَةِ خُلُوٍّ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ خَرَجَ بِالْمُؤَثِّرِ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُسْتَفَادُ مِنْ عِبَادَتِهِ الْمَذْكُورَةِ إذْ غَايَةُ مَا تُفِيدُهُ أَنَّ التَّغَيُّرَ بِغَيْرِ الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالرِّيحِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فَلَوْ قَالَ: خَرَجَ بِالْمُؤَثِّرِ الْمُتَغَيِّرُ بِالْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ لَكَانَ أَوْلَى ح ل (قَوْلُهُ وَقَدْ مَرَّا) أَيْ: مَرَّ حُكْمُهُمَا وَهُوَ أَنَّ التَّغَيُّرَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ وَالتَّغَيُّرَ بِجِيفَةٍ قُرْبَ الشَّطِّ لَا يَضُرُّ.
(قَوْلُهُ الْمُخَالِفِ الْوَسَطُ) أَيْ: فَيُقَدَّرُ اللَّوْنُ لَوْنَ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَالطَّعْمُ طَعْمَ عَصِيرِ الرُّمَّانِ وَالرِّيحُ رِيحَ اللَّاذَنِ.
ح ل (قَوْلُهُ الْمُخَالِفِ الْأَشَدُّ) أَيْ: فَيُقَدَّرُ الرِّيحُ رِيحَ الْمِسْكِ وَالطَّعْمُ طَعْمَ الْخَلِّ، وَاللَّوْنُ لَوْنَ الْحِبْرِ ح ل

(قَوْلُهُ وَلَوْ اشْتَبَهَ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَلَمَّا كَانَ قَدْ يَعْرِضُ اشْتِبَاهٌ بَيْنَ الْمَاءِ الطَّهُورِ وَغَيْرِهِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ حُكْمَ الِاجْتِهَادِ فَقَالَ: وَلَوْ اشْتَبَهَ إلَخْ فَهُوَ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ إنَّمَا يَطْهُرُ مِنْ مَائِعٍ مَاءٌ مُطْلَقٌ أَيْ: وَلَوْ بِالِاجْتِهَادِ فَهُوَ وَسِيلَةٌ وَهِيَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ وَقَوْلُهُ عَلَى أَحَدٍ أَيْ: أَهْلٍ لِلِاجْتِهَادِ وَلَوْ صَبِيًّا مُمَيِّزًا بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَاتِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمِلْكِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ التَّكْلِيفُ.
م ر قِيلَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ صُورَةٌ مُكَرَّرَةٌ وَهِيَ اشْتِبَاهُ الطَّاهِرِ بِالطَّهُورِ لِأَنَّ قَوْلَهُ طَاهِرٌ بِغَيْرِهِ يَشْمَلُهَا إذْ الْغَيْرُ يَشْمَلُ الطَّهُورَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أَوْ طَهُورٌ بِغَيْرِهِ يَشْمَلُهَا لِأَنَّ الْغَيْرَ يَشْمَلُ الطَّاهِرَ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِغَيْرِ الطَّاهِرِ الْمُتَنَجِّسُ، وَغَيْرِ الطَّهُورِ الْمُسْتَعْمَلُ فَلَا تَكْرَارَ فِي كَلَامِهِ تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ بِغَيْرِهِ) أَيْ: وَلِذَلِكَ الْغَيْرِ أَصْلٌ فِي التَّطْهِيرِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (قَوْلُهُ مِنْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ طَاهِرٌ وَطَهُورٌ وَلِقَوْلِهِ بِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ هُنَا قُيِّدَ بِالْمَاءِ وَقَوْلُهُ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُهُ أَيْ: الْأَصْلُ ضِمْنًا لَا صَرِيحًا، وَعُمُومُ ذَلِكَ يَشْمَلُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ مَا لَوْ اشْتَبَهَ طَهُورٌ وَمُسْتَعْمَلٌ مِنْ التُّرَابِ بِغَيْرِهِ، وَلَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْأَصْلِ لَا هُنَا وَلَا فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ كَمَا أَفَادَهُ أَيْ: مَجْمُوعُ ذَلِكَ لَا جَمِيعُهُ ح ل مُلَخَّصًا مَعَ زِيَادَةٍ (قَوْلُهُ اجْتَهَدَ) وَشُرُوطُهُ سِتَّةٌ تَعَدُّدُ الْمُشْتَبَهِ، وَأَصْلِيَّةُ الطَّهَارَةِ فِيهِ وَالْحَصْرُ فِي الْمُشْتَبَهِ بِهِ فَلَوْ اشْتَبَهَ إنَاءٌ نَجِسٍ بِأَوَانٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ فَلَا اجْتِهَادَ بَلْ يَأْخُذُ مِنْهَا مَا شَاءَ إلَى أَنْ يَبْقَى عَدَدٌ مَحْصُورٌ عِنْدَ حَجّ وَعِنْدَ م ر إلَى يَبْقَى الْمُشْتَبَهُ وَكَلَامُ حَجّ هُوَ الظَّاهِرُ وَهَذَا شَرْطٌ لِوُجُوبِ الِاجْتِهَادِ لَا لِجَوَازِهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ حِينَئِذٍ، وَكَوْنُ الْعَلَامَةِ لَهَا فِيهِ مَجَالٌ أَيْ: مَدْخَلٌ بِأَنْ يَتَوَقَّعَ بِهَا ظُهُورُ الْحَالِ فَلَا يَجْتَهِدُ فِيمَا إذَا اشْتَبَهَتْ مُحَرَّمَةٌ بِأَجْنَبِيَّاتٍ مَحْصُورَاتٍ لِلنِّكَاحِ لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لَهُ، وَكَذَا لَوْ اشْتَبَهَتْ

جَوَازًا إنْ قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ أَوْ طَهُورٍ بِيَقِينٍ، وَوُجُوبًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ وَخَافَ ضِيقَ الْوَقْتِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْحَثَ عَمَّا يُبَيِّنُ النَّجَسَ مَثَلًا مِنْ الْأَمَارَاتِ كَرَشَاشٍ حَوْلَ إنَائِهِ أَوْ قُرْبِ كَلْبٍ مِنْهُ هَذَا (إنْ بَقِيَا) وَإِلَّا فَلَا اجْتِهَادَ خِلَافًا لِمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا تَلِفَ أَحَدُهُمَا.
وَشَمَلَ مَا ذُكِرَ الْأَعْمَى لِأَنَّهُ يُدْرِكُ الْأَمَارَةَ بِاللَّمْسِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ أَوْ طَهُورٍ بِيَقِينٍ كَمَا مَرَّ لِجَوَازِ الْعُدُولِ إلَى الْمَظْنُونِ مَعَ وُجُودِ الْمُتَيَقَّنِ كَمَا فِي الْأَخْبَارِ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ بَعْضُهُمْ يَسْمَعُ مِنْ بَعْضٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ، وَهُوَ سَمَاعُهُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَاسْتَعْمَلَ مَا ظَنَّهُ) بِالِاجْتِهَادِ مَعَ ظُهُورِ الْأَمَارَةِ (طَاهِرًا أَوْ طَهُورًا) وَتَعْبِيرِي بِطَاهِرٍ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِمَاءٍ طَاهِرٍ، وَذَكَرَ الِاجْتِهَادَ فِي اشْتِبَاهِ الطَّهُورِ بِالْمُسْتَعْمَلِ وَبِالتُّرَابِ النَّجَسِ مَعَ التَّقْيِيدِ بِبَقَاءِ الْمُشْتَبِهَيْنِ مِنْ زِيَادَتِي (لَا) إنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ (مَاءٌ وَبَوْلٌ) مَثَلًا فَلَا يَجْتَهِدْ إذْ لَا أَصْلَ لِلْبَوْلِ فِي التَّطْهِيرِ لِيَرُدَّ

[حاشية البجيرمي]

زَوْجَتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ فَلَا يَجْتَهِدُ لِلْوَطْءِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَبَهَتْ أَمَتُهُ بِإِمَاءٍ فَيَجْتَهِدُ لِلْمِلْكِ وَلَهُ الْوَطْءُ تَبَعًا وَالْعِلْمُ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ ظَنِّهَا بِإِخْبَارِ الْعَدْلِ، وَالسَّلَامَةِ مِنْ التَّعَارُضِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ هُنَاكَ تَعَارُضٌ كَأَنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِالثَّانِي وَلَا بِالْأَوَّلِ كَمَا يَأْتِي.
اهـ ز ي لَكِنْ فِي عَدِّ الْعِلْمِ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ ظَنِّهَا مِنْ الشُّرُوطِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الِاشْتِبَاهَ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ.
ح ف (قَوْلُهُ جَوَازًا إنْ قَدَرَ) وَفَارَقَ الْقَادِرَ عَلَى الْيَقِينِ فِي الْقِبْلَةِ حَيْثُ لَا يَجْتَهِدُ لِانْحِصَارِهَا فِي جِهَةٍ فَطَلَبُ غَيْرِهَا يُعَدُّ عَبَثًا بِأَنَّ اجْتِهَادَهُ قَدْ يُؤَدِّيهِ إلَى غَيْرِ جِهَتِهَا.
(قَوْلُهُ وَخَافَ ضِيقَ الْوَقْتِ) بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا يَسَعُهَا كَامِلَةً، وَهُوَ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ وُجُوبًا مُوَسَّعًا إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَوُجُوبًا مُضَيَّقًا إنْ ضَاقَ شَبْشِيرِيٌّ وَرَوْضٌ وَم ر وَع ش (قَوْلُهُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْحَثَ) تَصْوِيرٌ لِلِاجْتِهَادِ ع ش (قَوْلُهُ مَثَلًا) أَيْ: أَوْ الْمُسْتَعْمَلُ (قَوْلُهُ هَذَا إنْ بَقِيَا) أَيْ: كُلًّا أَوْ بَعْضًا وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ فَأَشَارَ إلَى أَوَّلِهَا وَهُوَ التَّعَدُّدُ بِقَوْلِهِ إنْ بَقِيَا وَإِلَى ثَانِيهَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْ الْمُشْتَبَهِينَ أَصْلٌ فِي التَّطْهِيرِ بِقَوْلِهِ لَا مَاءَ وَبَوْلَ وَلَا مَاءَ وَمَاءَ وَرْدٍ وَإِلَى ثَالِثِهَا: وَهُوَ السَّلَامَةُ مِنْ التَّعَارُضِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ تَرَكَهُ وَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ إلَخْ وَبَقِيَ شُرُوطٌ أُخَرُ بَعْضُهَا لَا يَلِيقُ بِالْمَقَامِ وَفِي عَدِّهِمْ السَّلَامَةَ مِنْ التَّعَارُضِ شَرْطًا نَظَرٌ لِأَنَّهَا شَرْطٌ لِلْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ لَا لِأَصْلِهِ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا تَلِفَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: لَا بَعْدَ الِاجْتِهَادِ، وَكَانَ التَّالِفُ هُوَ الَّذِي ظَنَّ طَهَارَتَهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ فَالتَّعَدُّدُ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الِابْتِدَاءِ لَا فِي الدَّوَامِ ح ل (قَوْلُهُ وَشَمِلَ مَا ذَكَرَ) أَيْ: الْأَحَدُ فِي قَوْلِهِ عَلَى أَحَدٍ الْأَعْمَى أَيْ: خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا يَجْتَهِدُ هُنَا كَمَا لَا يَجْتَهِدُ هُنَا فِي الْقِبْلَةِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُدْرِكُ الْأَمَارَةَ هُنَا لَا هُنَاكَ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ بَصْرِيَّةٌ نَعَمْ لَوْ فَقَدَ جَمِيعَ الْحَوَاسِّ امْتَنَعَ الِاجْتِهَادُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إنَّهُ يَجِبُ الْجَزْمُ بِهِ وَهُوَ حَسَنٌ.
م ر ع ش (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ) أَيْ: وَإِنَّمَا جَازَ الِاجْتِهَادُ لِلْأَعْمَى لِأَنَّهُ إلَخْ (قَوْلُهُ وَغَيْرِهِ) كَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ الذَّوْقُ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ غَيْرُ مُتَعَيَّنَةٍ لَكِنْ لَوْ ذَاقَ أَحَدُهُمَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ ذَوْقُ الْآخَرِ مَا لَمْ يَغْسِلْ فَمَه بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُتَيَقِّنًا لِنَجَاسَةِ فَمِهِ لِاجْتِمَاعِ الْمَاءَيْنِ عَلَيْهِ.
اهـ ق ل (قَوْلُهُ وَمَنْ قَدَرَ إلَخْ) أَيْ: خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا يَجْتَهِدُ حِينَئِذٍ لِخَبَرِ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ: فِي قَوْلِهِ اجْتَهَدَ فِيهِمَا جَوَازًا إنْ قَدَرَ إلَخْ ع ش، وَإِنَّمَا أَعَادَهُ تَوْطِئَةً لِلتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ بَعْدُ.
(قَوْلُهُ لِجَوَازِ الْعُدُولِ) أَيْ: وَإِنَّمَا جَازَ الِاجْتِهَادُ لِمَنْ قَدَرَ لِجَوَازِ الْعُدُولِ إلَخْ (قَوْلُهُ كَمَا فِي الْأَخْبَارِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ وَاسْتَعْمَلَ مَا ظَنَّهُ) أَيْ: هُوَ لَا غَيْرُهُ وَقَوْلُهُ مَعَ ظُهُورِ الْأَمَارَةِ شَرْطٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ، فَالِاجْتِهَادُ هُوَ الْبَحْثُ عَنْهَا وَظُهُورُهَا أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْبَحْثِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْبَحْثِ عَنْ الشَّيْءِ ظُهُورُهُ فَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا إذَا ظَهَرَتْ لَهُ الْأَمَارَةُ بَعْدَ الْبَحْثِ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ وَتَعْبِيرِي بِطَاهِرٍ) أَيْ: فِي قَوْلِهِ وَلَوْ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَلَوْ اشْتَبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ وَذَكَرَ الِاجْتِهَادَ) أَيْ: صَرِيحًا فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَوْ لَا كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُهُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ ثَمَّ ضِمْنًا " تَنْبِيهٌ " لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ مَا أَصَابَهُ رَشَاشُ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ الْمُشْتَبِهَيْنِ، وَلَوْ ظَهَرَ بِالِاجْتِهَادِ أَنَّهُ النَّجِسُ لِأَنَّا لَا نُنَجِّسُ بِالشَّكِّ نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا.
هـ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ نَعَمْ إنْ تَوَضَّأَ بِالثَّانِي امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ غَسْلِ مَا أَصَابَهُ مِنْ رَشَاشِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَغْسِلْهُ صَلَّى بِيَقِينِ النَّجَاسَةِ.
ع ش (قَوْلُهُ لَا مَاءٌ وَبَوْلٌ) هَذَا تَقْيِيدٌ لِلْغَيْرِ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ بِغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ غَيْرَ نَجِسِ الْعَيْنِ ح ل (قَوْلُهُ فَلَا يَجْتَهِدُ) ظَاهِرُهُ مَنْعُ الِاجْتِهَادِ مُطْلَقًا وَلَوْ لِلشُّرْبِ وَنَحْوِهِ مِنْ إطْفَاءِ نَارٍ لَوْ قِيلَ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِيمَا إذَا أَرَادَ غَيْرَ الْعِبَادَةِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، وَبِهِ صَرَّحَ الْأَذْرَعِيُّ.
اهـ. ع ش إطْفِيحِيٌّ خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ الْمَانِعِ لِلِاجْتِهَادِ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ لِيُرَدَّ

بِالِاجْتِهَادِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَاءِ (بَلْ) هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي لِلِانْتِقَالِ مِنْ غَرَضٍ إلَى آخَرَ لَا لِلْإِبْطَالِ (يَتَيَمَّمُ بَعْدَ تَلَفٍ) لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَلَوْ بِصَبِّ شَيْءٍ مِنْهُ فِي الْآخَرِ فَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَهُ أَعَادَ مَا صَلَّاهُ بِالتَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ بِحَضْرَةِ مَاءٍ مُتَيَقَّنِ الطَّهَارَةِ مَعَ تَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ إعْدَامِهِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ اجْتَهَدَ فِي الْمَاءَيْنِ فَتَحَيَّرَ وَلِلْأَعْمَى فِي هَذِهِ التَّقْلِيدُ دُونَ الْبَصِيرِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَلِّدُهُ أَوْ وَجَدَهُ فَتَحَيَّرَ تَيَمَّمَ.
وَتَعْبِيرِي بِالتَّلَفِ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالْخَلْطِ.

(وَلَا) إنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ (مَاءٌ، وَمَاءُ وَرْدٍ) فَلَا يَجْتَهِدْ

[حاشية البجيرمي]

بِالِاجْتِهَادِ إلَيْهِ) فَإِنْ قُلْت لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ طَلَبِ الِاجْتِهَادِ هُوَ طَلَبُ الْبَحْثِ عَنْ النَّجِسِ حَتَّى يَشْتَرِطَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ فِي التَّطْهِيرِ يُرَدُّ بِالِاجْتِهَادِ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ طَلَبُ الطَّاهِرِ قُلْت لَعَلَّ الْمُرَادَ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ قَدْ يُؤَدِّيهِ لِلنَّجِسِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَظُنُّهُ الطَّاهِرَ فَاشْتَرَطْنَاهُ أَيْ: كَوْنَ الْمُشْتَبَهِ بِهِ غَيْرَ بَوْلٍ لِيَكْتَفِيَ بِالطَّهَارَةِ الْأَصْلِيَّةِ فِي مَكَانِ الِاجْتِهَادِ فَتَأَمَّلْ.
سم ع ش وَقَوْلُهُ لِيُرَدَّ أَيْ: الْبَوْلُ وَقَوْلُهُ إلَيْهِ أَيْ: الْأَصْلِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمَاءِ) فَإِنَّ لَهُ أَصْلًا فِي التَّطْهِيرِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ لَهُ أَصْلٌ فِي التَّطْهِيرِ عَدَمُ اسْتِحَالَتِهِ عَنْ خِلْقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ كَالْمُتَنَجِّسِ وَالْمُسْتَعْمَلِ فَإِنَّهُمَا لَمْ يَسْتَحِيلَا عَنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِمَا إلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى بِخِلَافِ نَحْوِ الْبَوْلِ وَمَاءِ الْوَرْدِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ اسْتَحَالَ إلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى شَرْحُ م ر وَقَالَ فِي الْخَادِمِ: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ لَهُ أَصْلٌ فِي التَّطْهِيرِ إمْكَانُ رَدِّهِ إلَى الطَّهَارَةِ بِوَجْهٍ، وَهَذَا مُحَقَّقٌ فِي الْمُتَنَجِّسِ بِالْمُكَاثَرَةِ بِخِلَافِ الْبَوْلِ اهـ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي نَحْوِ الطَّعَامِ الْمَائِعِ الْمُتَنَجِّسِ.
اهـ فَيْضٌ.
شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ لَا لِلْإِبْطَالِ) لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْإِبْطَالِ لَأَبْطَلَتْ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ عَدَمُ الِاجْتِهَادِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ يَجْتَهِدُ لِأَنَّهُ إذَا بَطَلَ عَدَمُ الِاجْتِهَادِ ثَبَتَ الِاجْتِهَادُ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ بِصَبِّ شَيْءٍ إلَخْ) أَيْ: وَبَعْدَ الصَّبِّ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ لَا يَصِيرُ مَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ حَيْثُ كَانَ الْمَصْبُوبُ قَدْرًا يُنَجِّسُ الْآخَرَ أَوْ يَسْلُبُ طَهُورِيَّتَهُ كَذَا فِي ح ل، وَعِبَارَةُ ع ش وَلَوْ بِصَبِّ شَيْءٍ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ الطَّرْفُ، وَمَحَلُّ الْعَفْوِ فِيمَا تَقَدَّمَ إنْ لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ.
اهـ فَإِنْ قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ صُبَّ مِنْ الطَّاهِرِ فِي النَّجِسِ فَيَكُونُ مَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ قُلْت كَمَا يُحْتَمَلُ هَذَا يُحْتَمَلُ الْعَكْسُ، وَلَيْسَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَلَيْسَ مَعَهُ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ.
ح ف (قَوْلُهُ فَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَهُ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ نَسِيَ أَنَّ عِنْدَهُ مَاءً مُشْتَبِهًا بِبَوْلٍ، وَإِلَّا فَلَوْ تَيَمَّمَ مَعَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ تَيَمُّمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَا يَحْسُنُ قَوْلُهُ أَعَادَ مَا صَلَّاهُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَا صَلَّاهُ صَحِيحٌ مَعَ أَنَّهُ حِينَئِذٍ بَاطِلٌ شَيْخُنَا فَلَوْ قَالَ: لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ التَّلَفَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ.
(قَوْلُهُ مَعَ تَقْصِيرِهِ إلَخْ) أَيْ: فَلَا يَرِدُ التَّيَمُّمُ بِحَضْرَةِ مُتَيَقِّنِ الطَّهَارَةِ، وَقَدْ مَنَعَ مِنْهُ نَحْوُ سَبُعٍ ح ل (قَوْلُهُ وَكَذَا الْحُكْمُ) أَيْ: يَتَيَمَّمُ بَعْدَ التَّلَفِ وَقَوْلُهُ فِيمَا لَوْ اجْتَهَدَ أَيْ: الْأَحَدُ الصَّادِقُ بِالْأَعْمَى.
(قَوْلُهُ وَلِلْأَعْمَى فِي هَذِهِ) أَيْ: مَسْأَلَةِ التَّحَيُّرِ التَّقْلِيدُ أَيْ: يَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَوْ لِأَعْمَى أَقْوَى إدْرَاكًا مِنْهُ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ لَا تَزِيدُ عَلَى مَاءِ الطَّهَارَةِ وَقَدَرَ عَلَيْهَا، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ قَصَدَهُ الِاجْتِهَادُ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، وَتَجِبُ لَهُ الْأُجْرَةُ إنْ لَمْ يَرْضَ مَجَّانًا قَالَ شَيْخُنَا وَانْظُرْ هَلْ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ وَإِنْ تَحَيَّرَ رَاجِعْهُ بِرْمَاوِيٌّ (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَلِّدُهُ) أَيْ: فِي حَدِّ الْقُرْبِ وَقِيلَ: فِي مَحَلٍّ يَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَيْهِ فِي الْجُمُعَةِ لَوْ أُقِيمَتْ فِيهِ ح ل (قَوْلُهُ فَتَحَيَّرَ تَيَمَّمَ) أَيْ: بَعْدَ التَّلَفِ الْمَذْكُورِ أَيْ: مَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ الَّذِي تَحَيَّرَهُ، وَإِلَّا قَلَّدَهُ، وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ ح ل وَعِبَارَةُ ع ش: فَتَحَيَّرَ تَيَمَّمَ ظَاهِرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا لِلْإِرْشَادِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَإِنَّمَا يُقَلِّدُ فِيمَا إذَا تَحَيَّرَ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وَإِلَّا صَبَرَ وَأَعَادَ الِاجْتِهَادَ وَفِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ مَا لَا يَخْفَى بَلْ قَوْلُهُمْ الْآتِي فِي التَّيَمُّمِ: لَوْ تَيَقَّنَ الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ فَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ يَرُدُّهُ لِأَنَّهُمْ ثَمَّ نَظَرُوا إلَى الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ دُونَ مَا يَأْتِي فَلْيَنْظُرْ هُنَا إلَى ذَلِكَ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ وَإِنْ صَبَرَ وَاجْتَهَدَ لَيْسَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إدْرَاكِ الْعَلَامَةِ.
اهـ ع ش

(قَوْلُهُ وَلَا مَاءٌ وَمَاءُ وَرْدٍ فَلَا يَجْتَهِدُ) أَيْ: لِلطَّهَارَةِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلشُّرْبِ فَيَجُوزُ لَهُ التَّطْهِيرُ بِالْآخِرِ لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَاءٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطُّهْرِ أَنَّهُ يَسْتَدْعِي الطَّهُورِيَّةَ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَالشُّرْبُ يَسْتَدْعِي الطَّاهِرِيَّةَ، وَهُمَا طَاهِرَانِ، وَإِفْتَاءُ الشَّاشِيِّ بِأَنَّ الشُّرْبَ لَا يَحْتَاجُ لِلتَّحَرِّي رُدَّ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ فِيهِ لَكِنَّ شُرْبَ مَاءِ الْوَرْدِ فِي ظَنِّهِ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَاسْتِنْتَاجُ الْمَاوَرْدِيِّ جَوَازَ الطُّهْرِ حِينَئِذٍ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْآخَرِ فِي الطُّهْرِ وَقَعَ تَبَعًا، وَقَدْ عُهِدَ امْتِنَاعُ الِاجْتِهَادِ لِلشَّيْءِ مَقْصُودًا، وَيَسْتَفِيدُهُ تَبَعًا كَمَا فِي امْتِنَاعِ الِاجْتِهَادِ لِلْوَطْءِ وَيَمْلِكُهُ تَبَعًا فِيمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ أَمَتُهُ بِأَمَةِ غَيْرِهِ، وَاجْتَهَدَ فِيهِمَا لِلْمِلْكِ فَإِنَّهُ يَطَؤُهَا بَعْدَهُ لِحِلِّ تَصَرُّفِهِ فِيهَا، وَلِكَوْنِهِ يُغْتَفَرُ فِي التَّابِعِ وَلَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَتْبُوعِ مِنْ شَرْحِ م ر. وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ

لِمَا مَرَّ فِي الْبَوْلِ (بَلْ يَتَوَضَّأُ بِكُلٍّ) مِنْ الْمَاءِ وَمَاءِ الْوَرْدِ (مَرَّةً) وَيُعْذَرُ فِي تَرَدُّدِهِ فِي النِّيَّةِ لِلضَّرُورَةِ (وَإِذَا ظَنَّ طَهَارَةَ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْمَاءَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ (سُنَّ) لَهُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ (إرَاقَةُ الْآخَرِ) إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ لِنَحْوِ عَطَشٍ لِئَلَّا يَغْلَطَ فَيَسْتَعْمِلَهُ أَوْ يَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَيَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَذِكْرُ سَنِّ الْإِرَاقَةِ مِنْ زِيَادَتِي (فَإِنْ تَرَكَهُ) وَبَقِيَ بَعْضُ الْأَوَّلِ (وَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ) بِاجْتِهَادِهِ ثَانِيًا (لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي) مِنْ الِاجْتِهَادَيْنِ لِئَلَّا يُنْقَضَ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ إنْ غَسَلَ مَا أَصَابَهُ الْأَوَّلُ، وَيُصَلِّي بِنَجَاسَةٍ إنْ لَمْ يَغْسِلْهُ (بَلْ يَتَيَمَّمُ) بَعْدَ التَّلَفِ (وَلَا يُعِيدُ) مَا صَلَّاهُ بِالتَّيَمُّمِ.

[حاشية البجيرمي]

وَلَوْ اشْتَبَهَ أَمَتَا شَخْصَيْنِ، وَاجْتَهَدَ أَحَدُهُمَا فِيهِمَا لِلْمِلْكِ جَازَ، وَثَبَتَ مِلْكُهُ لَهَا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَافَقَهُ الْآخَرُ أَوْ نَازَعَهُ وَلَا تُقْبَلُ مُنَازَعَتُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَتَتَعَيَّنُ الثَّانِيَةُ لِلْآخَرِ لِلْحَصْرِ فِيهِ، وَيَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَهُ هَذَا إنْ لَمْ يَجْتَهِدْ الْآخَرُ فَإِنْ اجْتَهَدَ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى غَيْرِ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُ الْآخَرِ فَيُتَّجَهُ الْوَقْفُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ الْحَالُ أَوْ يَصْطَلِحَا.
اهـ، وَلَوْ اشْتَبَهَ مَاءٌ طَهُورٌ بِمُتَنَجِّسٍ وَمَاءٍ وَرْدٍ جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَعَهُمَا بَوْلٌ فَلَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ لَا أَصْلَ لَهُ فِي التَّطْهِيرِ كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) أَيْ: قَوْلُهُ إذْ لَا أَصْلَ لِلْبَوْلِ فِي التَّطْهِيرِ أَيْ: وَكَذَلِكَ مَاءُ الْوَرْدِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ لِلضَّرُورَةِ) أَيْ: الْحَاجَةِ وَإِلَّا فَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ جَائِزَةٌ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى طَهُورٍ مُتَيَقِّنٍ، وَتَجُوزُ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ بِأَنْ يَأْخُذَ بِكَفِّهِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَبِالْآخَرِ مِنْ الْآخَرِ وَيَغْسِلَ بِهِمَا خَدَّيْهِ مَعًا نَاوِيًا الْوُضُوءَ ثُمَّ يَعْكِسُ ذَلِكَ ثُمَّ يُتِمُّ وُضُوءَهُ بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ بِالْآخَرِ ح ل وَز ي (قَوْلُهُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ هُوَ لِتَمَامِ السُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ إرَاقَةُ الْآخَرِ) فَلَوْ لَمْ يُرِقْهُ وَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِالثَّانِي إذْ لَيْسَ فِيهِ مَحْذُورٌ مِمَّا ذَكَرَهُ فِيمَا بَعْدَ شَيْخِنَا (قَوْلُهُ لِنَحْوِ عَطَشٍ) لَعَلَّ الْمُرَادَ عَطَشُ دَابَّةٍ وَكَذَا آدَمِيٌّ خَافَ مِنْ الْعَطَشِ تَلَفَ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ حُكْمَ النَّجِسِ سم ع ش (قَوْلُهُ لِئَلَّا يَغْلَطَ) بِفَتْحِ اللَّامِ مِنْ بَابِ طَرِبَ.
(قَوْلُهُ وَذِكْرُ سَنِّ الْإِرَاقَةِ إلَخْ) إنَّمَا لَمْ يَقُلْ: وَالتَّصْرِيحُ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْمِنْهَاجِ مُحْتَمِلَةٌ لَهُ وَلِلْوُجُوبِ وَهُوَ إنَّمَا يَقُولُ، وَالتَّصْرِيحُ إذَا كَانَتْ الْعِبَارَةُ شَامِلَةً لَهُ وَلِغَيْرِهِ ع ش وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ أَرَاقَ الْآخَرَ، وَفِيهِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَالتَّصْرِيحُ بِسَنِّ الْإِرَاقَةِ كَمَا قَالَهُ ح ل وس ل فَكَلَامُ الْمُحَشِّي غَيْرُ ظَاهِرٍ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ تَرَكَهُ) أَيْ: تَرَكَ الْآخَرَ مِنْ غَيْرِ إرَاقَةٍ.
(قَوْلُهُ لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي) وَكَذَا بِالْأَوَّلِ ز ي وَشَوْبَرِيٌّ لِظَنِّهِ نَجَاسَتَهُ فَلَا يُصَلِّي بِالْوَضُوءِ الْحَاصِلِ مِنْهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الرَّمْلِيِّ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ لِئَلَّا يَنْقُضَ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الْقِبْلَةِ وَهُوَ يُصَلِّي حَيْثُ يَعْمَلُ بِالثَّانِي؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ عَمِلَ بِالثَّانِي هُنَا لَزِمَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ الْمَذْكُورُ شَيْخُنَا عَزِيزِيٌّ وَمَنَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤَدِّي إلَى نَقْصِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ لَوْ أَبْطَلْنَا مَا مَضَى مِنْ طُهْرِهِ وَصَلَاتِهِ وَلَمْ نُبْطِلْهُ بَلْ أَمَرْنَاهُ بِغَسْلِ مَا ظَنَّ نَجَاسَتَهُ كَمَا أَمَرْنَاهُ بِاجْتِنَابِ بَقِيَّةِ الْمَاءِ الْأَوَّلِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ يَكْفِي فِي النَّقْضِ وُجُوبُ غَسْلِ مَا أَصَابَهُ الْأَوَّلُ وَاجْتِنَابُ الْبَقِيَّةِ شَرْحُ الرَّوْضِ وَقَالَ م ر: وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ وُجُوبُ إعَادَةِ الِاجْتِهَادِ لِكُلِّ صَلَاةٍ يُرِيدُ فِعْلَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِدَلِيلِهِ الْأَوَّلِ.
اهـ (قَوْلُهُ إنْ غَسَلَ مَا أَصَابَهُ الْأَوَّلُ) أَيْ: غَسَلَهُ بِمَاءِ الثَّانِي وَأَخَذَ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْأَوَّلِ بِمَاءٍ طَهُورٍ مُتَيَقِّنِ الطَّهَارَةِ، أَوْ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ غَيْرَ هَذَا جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِالثَّانِي؛ لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَبِهِ أَفْتَى وَالِدُ شَيْخِنَا ح ل، وَفِيهِ أَنَّ نَقْضَ الِاجْتِهَادِ مَوْجُودٌ أَيْضًا تَأَمَّلْ، وَعِبَارَةُ ز ي قَوْلُهُ وَيُصَلِّي بِنَجَاسَةٍ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ بَيْنَ الِاجْتِهَادَيْنِ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِالثَّانِي وَبِهِ قَالَ السِّرَاجُ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ لَوْ اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِمُسْتَعْمَلٍ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِالثَّانِي أَيْضًا وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا بَحَثَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الْبُرُلُّسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اهـ وَقَوْلُهُ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِالثَّانِي أَيْ: وَلَا يُعِيدُ مَا صَلَّاهُ بِالْأَوَّلِ عَلَى الرَّاجِحِ وَلَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى الْعَمَلِ بِالثَّانِي الصَّلَاةُ بِنَجَاسَةٍ قَطْعًا إمَّا فِي الْأَوَّلِ، وَإِمَّا فِي الثَّانِي، فَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ حِينَئِذٍ لِأَنَّا نَقُولُ: النَّجَاسَةُ غَيْرُ مُتَعَيِّنَةٍ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا كَمَا قَالُوا فِيمَا لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ مَعَ أَنَّهُ صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ قَطْعًا فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ لِأَنَّ الْمُبْطَلَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ شَيْخُنَا ح ف (قَوْلُهُ بَلْ يَتَيَمَّمُ بَعْدَ التَّلَفِ) أَيْ: لِلْمَاءَيْنِ حَتَّى لَا يَكُونَ مَعَهُ مَاءٌ أَصْلًا لَا مُتَيَقِّنُ الطَّهَارَةِ

فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ، وَقُلْنَا: بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فَلَا إعَادَةَ إذْ لَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ مُتَيَقَّنُ الطَّهَارَةِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْمِنْهَاجِ لِذِكْرِهِ الْخِلَافَ فِيهَا وَهِيَ إنَّمَا تَأْتِي عَلَى طَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ هَذَا وَالْأَوْلَى حَمْلُ كَلَامِ الْمِنْهَاجِ لِيَأْتِيَ عَلَى طَرِيقَتِهِ أَيْضًا عَلَى مَا إذَا بَقِيَ بَعْضُ الْأَوَّلِ،

[حاشية البجيرمي]

وَلَا مَظْنُونُهَا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ أَعْضَائِهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ قَالَهُ ع ش وَق ل وَقَرَّرَهُ ح ف (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ وَبَقِيَ بَعْضُ الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ وَقُلْنَا بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ) أَيْ: فِي الْوَاحِدِ وَأَمَّا لَوْ قُلْنَا: بِعَدَمِ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ كَانَ قَوْلُهُ فَلَا إعَادَةَ أَيْ: جَزْمًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَقُلْنَا إلَخْ لِيَتَأَتَّى الْخِلَافُ فِي الْإِعَادَةِ الَّذِي أَشَارَ لَهُ الْأَصْلُ بِقَوْلِهِ وَلَا يُعِيدُ فِي الْأَصَحِّ.
إذْ الْقَوْلُ الضَّعِيفُ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ، وَيُعَلَّلُ بِأَنَّ مَعَهُ مَاءً طَاهِرًا بِالظَّنِّ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى طَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ اجْتِهَادُهُ حَتَّى يَظُنَّ طَهَارَةَ الثَّانِي بِالِاجْتِهَادِ بِخِلَافِهِ عَلَى طَرِيقَةِ النَّوَوِيِّ لَا يَتَأَتَّى هَذَا الْقَوْلُ إذْ لَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ بِالظَّنِّ؛ لِعَدَمِ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لَهُ فَلَا ظَنَّ تَأَمَّلْ.
وَفَائِدَةُ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ عَلَى طَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِالثَّانِي أَنَّ لَهُ بَيْعَهُ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ.
(قَوْلُهُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ) الِاجْتِهَادُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُمْتَنِعٌ عَلَى رَأْيِ الرَّافِعِيِّ أَيْضًا لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا فِيمَا إذَا تَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الِاجْتِهَادِ قَالَهُ الشَّيْخُ الرَّمْلِيُّ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ فَلَا إعَادَةَ) أَيْ: لِمَا صَلَّاهُ بِالتَّيَمُّمِ إلَخْ مُفَرَّعٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ: وَاجْتَهَدَ فَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ بِاجْتِهَادِهِ ثَانِيًا أَنَّ الْآخَرَ هُوَ الطَّاهِرُ فَلَا يَعْمَلُ بِالثَّانِي بَلْ يَتَيَمَّمُ، وَلَا يُعِيدُ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا بَقِيَ بَعْضُ الْأَوَّلِ وَأَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَلَا إعَادَةَ فَفِيهِ اخْتِصَارٌ، وَحُذِفَ لِعِلْمِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ وَفِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْحُكْمُ هُنَا مُسَاوِيًا لِحُكْمِ قَوْلِهِ وَبَقِيَ بَعْضُ الْأَوَّلِ فَلَا يَظْهَرُ كَوْنُ قَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ مَفْهُومًا لِقَوْلِهِ وَبَقِيَ بَعْضُ الْأَوَّلِ لِأَنَّ كَوْنَهُ مَفْهُومَهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ حُكْمَهُ مُخَالِفٌ لِحُكْمِهِ مَعَ أَنَّهُ وَاحِدٌ فِيهِمَا، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِالثَّانِي بَلْ يَتَيَمَّمُ وَلَا يُعِيدُ.
فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ هُنَا فَلَا إعَادَةَ أَيْ: عَلَى الْأَصَحِّ وَقَوْلُهُ سَابِقًا وَلَا يُعِيدُ أَيْ: جَزْمًا.
قُلْنَا: الْإِعَادَةُ فِي كُلٍّ فِيهَا خِلَافٌ كَمَا قَالَهُ سم عَلَى الْمَحَلِّيِّ فَلْيُحَرَّرْ، حُرِّرَ فَوُجِدَ أَنَّ الْأُولَى لَا يُعِيدُ فِيهَا جَزْمًا لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ بَعْدَ تَلَفِ الْمَاءَيْنِ خِلَافًا لسم وَهَذِهِ لَا يُعِيدُ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ إذْ لَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ مُتَيَقِّنُ الطَّهَارَةِ) أَيْ: وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَظْنُونُهَا (قَوْلُهُ وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْمِنْهَاجِ) أَيْ: قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَخْ وَأَبَى بِهَذَا تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ وَهِيَ إنَّمَا تَأْتِي عَلَى طَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ فَإِنْ تَرَكَهُ وَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي عَلَى النَّصِّ بَلْ يَتَيَمَّمُ بِلَا إعَادَةٍ فِي الْأَصَحِّ، اهـ فَحَمَلَهَا الشَّارِحُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ لِذِكْرِهِ الْخِلَافَ فِيهَا لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ بَعْضُ الْأَوَّلِ لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي قَطْعًا وَلَا يُعِيدُ جَزْمًا، وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمِنْهَاجُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ لِذِكْرِهِ الْخِلَافَ فِيهَا) وَهُوَ عَدَمُ الْعَمَلِ بِالثَّانِي عَلَى النَّصِّ، وَإِذَا تَيَمَّمَ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ فِي الْأَصَحِّ فَهَذَا هُوَ الْخِلَافُ، ح ل وَلَوْ أَبْدَلَ قَوْلَهُ لِذِكْرِهِ الْخِلَافَ بِقَوْلِهِ لِتَصْحِيحِهِ الْخِلَافَ لَكَانَ وَاضِحًا؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ع ش، وَعِبَارَةُ سم الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِتَصْحِيحِهِ عَدَمَ الْإِعَادَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِذِكْرِهِ الْخِلَافَ فِيهَا يُقَالُ عَلَيْهِ إنْ أَرَادَ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فَالْمِنْهَاجُ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَإِنْ أَرَادَ الْخِلَافَ فِي الْعَمَلِ بِالثَّانِي فَهُوَ جَارٍ أَيْضًا فِيمَا إذَا بَقِيَ مِنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ، وَإِنْ أَرَادَ الْخِلَافَ فِي الْإِعَادَةِ فَهُوَ أَيْضًا فِيمَا إذَا بَقِيَ بَعْضُ الْأَوَّلِ تَأَمَّلْ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ بَعْضُ الْأَوَّلِ، وَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَتَيَمَّمَ بَعْدَ تَلَفِ الْمَاءَيْنِ فَلَا يُعِيدُ جَزْمًا كَمَا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ لِذِكْرِهِ الْخِلَافَ تَعْلِيلًا صَحِيحًا مُنْتِجًا لِكَوْنِهَا مَسْأَلَتَهُ لِأَنَّ الْأُولَى لَا خِلَافَ فِيهَا.
(قَوْلُهُ عَلَى طَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ) وَهِيَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ تَعَدُّدِ الْمُشْتَبَهِ دَوَامًا، وَمُرَادُهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْأَصْلِ حَيْثُ كَانَ كَلَامُهُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى طَرِيقَةِ غَيْرِهِ، وَوَجْهُ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ وَهِيَ إنَّمَا تَأْتِي عَلَى طَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى طَرِيقَةِ النَّوَوِيِّ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا الْقَوْلُ الضَّعِيفُ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ إذْ لَيْسَ لَهُ الِاجْتِهَادُ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ طَاهِرٌ بِالظَّنِّ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَالْأَوْلَى حَمْلُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ خِلَافٌ ظَاهِرٌ قَوْلُهُ أَيْ: الْمِنْهَاجِ وَإِذَا اسْتَعْمَلَ مَا ظَنُّهُ أَرَاقَ الْآخَرَ إذْ ظَاهِرُهُ اسْتِعْمَالُ الْكُلِّ لَا الْبَعْضِ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ اسْتَعْمَلَ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْإِرَادَةِ إذْ لَا يَتَأَتَّى مَعَهُ قَوْلُهُ بَلْ يَتَيَمَّمُ بِلَا إعَادَةٍ ح ل.

ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ ثُمَّ تَلِفَ الْبَاقِي دُونَ الْآخَرِ ثُمَّ تَيَمَّمَ؛ إذْ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ تَرْجِيحُ عَدَمِ الْإِعَادَةِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا.

(وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِتَنَجُّسِهِ) أَيْ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ (عَدْلُ رِوَايَةٍ) كَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ لَا فَاسِقٍ وَمْجَهُولٍ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ حَالَةَ كَوْنِهِ (مُبَيِّنًا لِلسَّبَبِ) فِي تَنَجُّسِهِ كَوُلُوغِ كَلْبٍ (أَوْ فَقِيهًا) بِمَا يُنَجِّسُ (مُوَافِقًا) لِلْمُخْبِرِ فِي مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ (اعْتَمَدَهُ) بِخِلَافِ غَيْرِ الْفَقِيهِ، أَوْ الْفَقِيهِ الْمُخَالِفِ أَوْ الْمَجْهُولِ مَذْهَبُهُ فَلَا يَعْتَمِدُهُ مِنْ غَيْرِ تَبْيِينٍ لِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخْبِرَ بِتَنْجِيسِ مَا لَمْ يُنَجِّسْ عِنْدَ الْمُخْبِرِ.

(وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ وَاِتِّخَاذُ) أَيْ اقْتِنَاءُ (كُلِّ إنَاءٍ طَاهِرٍ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ طَاهِرٌ فِي الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

[حاشية البجيرمي]

وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ اسْتَعْمَلَ أَيْ: كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ ثُمَّ تَلِفَ الْبَاقِي) إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ لِيَكُونَ وَقْتَ تَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ تَعَدَّدَ حَتَّى يَصِحَّ الِاجْتِهَادُ عَلَى مَذْهَبِ النَّوَوِيِّ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ التَّلَفُ قَبْلَ التَّغَيُّرِ فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِكَوْنِ التَّالِفِ هُوَ الْبَاقِي لِيَكُونَ مَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ بِالظَّنِّ حَتَّى يَتَأَتَّى الْقَوْلُ الضَّعِيفُ بِخِلَافِ مَا إذَا تَلِفَ لِآخَرَ، وَبَقِيَ بَعْضُ الْأَوَّلِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَلَيْسَ مَعَهُ طَاهِرٌ بِالظَّنِّ لِأَنَّهُ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ ظَنَّ نَجَاسَةَ ذَلِكَ الْبَعْضِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ تَرْجِيحُ عَدَمِ الْإِعَادَةِ) مُعْتَمَدٌ

(قَوْلُهُ وَلَوْ أَخْبَرَهُ إلَخْ) هُوَ إشَارَةٌ إلَى تَعْمِيمِ النَّجَاسَةِ فِي الْمُشْتَبَهِ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ ظَنُّ النَّجَاسَةِ فِي الْإِنَاءِ حَاصِلًا عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ.
ق ل (قَوْلُهُ عَدْلُ رِوَايَةٍ) وَهُوَ مَقْبُولُ الْخَبَرِ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ الَّذِي لَمْ يَرْتَكِبْ كَبِيرَةً وَلَمْ يُصِرَّ عَلَى صَغِيرَةٍ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ قَوْلُهُ عَدْلُ رِوَايَةٍ أَيْ: وَلَوْ عَنْ عَدْلٍ آخَرَ، وَلَوْ كَانَ أَعْمَى سَوَاءٌ أَخْبَرَهُ بِتَنَجُّسِ أَحَدِهِمَا مُبْهَمًا أَوْ مُعَيَّنًا ثُمَّ الْتَبَسَ.
اهـ وَلَوْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ خَبَرُ عَدْلَيْنِ فَصَاعِدًا كَأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: وَلَغَ الْكَلْبُ فِي هَذَا الْإِنَاءِ دُونَ ذَاكَ، وَعَكَسَهُ الْآخَرُ وَأَمْكَنَ صِدْقُهُمَا صُدِّقَا وَحَكَمَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءَيْنِ لِاحْتِمَالِ الْوُلُوغِ فِي وَقْتَيْنِ فَلَوْ تَعَارَضَا فِي الْوَقْتِ أَيْضًا بِأَنْ عَيَّنَاهُ عَمِلَ بِقَوْلِ أَوْثَقِهِمَا، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَالْأَكْثَرُ عَدَدًا فَإِنْ اسْتَوَيَا سَقَطَ خَبَرُهُمَا لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ، وَحُكِمَ بِطَهَارَةِ الْإِنَاءَيْنِ م ر (قَوْلُهُ لَا فَاسِقٌ) إلَّا إنْ اعْتَقَدَ صِدْقَهُ كَنَظَائِرِهِ قَالَ م ر: وَمَحَلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِإِخْبَارِهِمْ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِمْ فَمَنْ أَخْبَرَ مِنْهُمْ عَنْ فِعْلِ نَفْسِهِ فِي غَيْرِ الْمَجْنُونِ كَقَوْلِهِ بُلْت فِي هَذَا الْإِنَاءِ قُبِلَ كَمَا يُقْبَلُ خَبَرُ الذِّمِّيِّ عَنْ شَاتِه بِأَنَّهُ ذَكَّاهَا اهـ بِاخْتِصَارٍ.
(قَوْلُهُ وَمَجْهُولٌ) أَيْ: لِلْعَدَالَةِ أَوْ الْإِسْلَامِ.
ع ش (قَوْلُهُ أَوْ فَقِيهًا مُوَافِقًا) أَيْ: يَقِينًا فِيهِمَا، وَالْمُوَافِقُ لَيْسَ بِقَيْدٍ إذْ مِثْلُهُ الْعَارِفُ بِالْحُكْمِ عِنْدَ الْمُخْبَرِ بِفَتْحِ الْبَاءِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا يُخْبِرُهُ بِاعْتِقَادِهِ لَا بِاعْتِقَادِ نَفْسِهِ لَعَلَّهُ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ.
(قَوْلُهُ مُبَيِّنًا لِلسَّبَبِ) قَالَ فِي الْخَادِمِ: اعْلَمْ أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ يَكُونُ الْإِخْبَارُ لَا أَثَرَ لَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ، وَهِيَ التَّوَقُّفُ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ كَمَا قَالُوهُ فِي الْجَرْحِ إذَا لَمْ يُفَسِّرْ، وَشَرْطُنَا التَّفْسِيرُ إنَّهُ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَنْ الْعَمَلِ فِي رِوَايَةِ الْمَجْرُوحِ.
اهـ سم.
(قَوْلُهُ فِي مَذْهَبِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمُوَافِقًا، وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ أَيْ: فِيمَا يُنَجِّسُ قَالَ ع ش نَقْلًا عَنْ سم: وَلَوْ شَكَّ فِي مُوَافَقَتِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالْمُخَالِفِ وَكَذَا الشَّكُّ فِي الْفِقْهِ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُهُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَأَقُولُ: هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ وَالْمَجْهُولُ مَذْهَبُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ (قَوْلُهُ اعْتَمَدَهُ) أَيْ: وُجُوبًا إنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ اجْتِهَادٍ.
(قَوْلُهُ أَوْ الْمَجْهُولِ مَذْهَبُهُ) أَيْ: أَوْ الْمُجْتَهِدُ لِأَنَّ اجْتِهَادَهُ يَتَغَيَّرُ (قَوْلُهُ لِذَلِكَ) أَيْ: لِلسَّبَبِ، وَقَوْلُهُ عِنْدَ الْمُخْبَرِ بِفَتْحِ الْبَاءِ اسْمُ مَفْعُولٍ.

(قَوْلُهُ وَيَحِلُّ إلَخْ) لَمَّا ذَكَرَ الِاجْتِهَادَ فِي نَحْوِ الْمَاءِ، وَهُوَ مَظْرُوفٌ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ ظَرْفٍ اسْتَطْرَدَ الْكَلَامَ عَلَى مَا يَحِلُّ مِنْ الظُّرُوفِ فَقَالَ: وَيَحِلُّ إلَخْ شَرْحُ م ر أَيْ: فَهُوَ شُرُوعٌ فِي وَسِيلَةِ الْوَسِيلَةِ الَّتِي هِيَ ظُرُوفُ الْمِيَاهِ لِاحْتِيَاجِهَا إلَيْهَا بِرْمَاوِيٌّ (قَوْلُهُ أَيْ: اقْتِنَاءً) وَلَوْ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ.
(قَوْلُهُ كُلِّ إنَاءٍ طَاهِرٍ) مُقْتَضَى صَنِيعِهِ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالطَّهَارَةِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِعْمَالِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي بَيَانِ الْمُحْتَرَزِ بِقَوْلِهِ وَخَرَجَ بِالطَّاهِرِ النَّجِسُ إلَخْ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُحْتَرَزًا بِالنِّسْبَةِ لِلِاتِّخَاذِ، وَمِثْلُهُ فِي هَذَا الصَّنِيعِ شَرْحُ م ر فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُ النَّجِسِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَاقْتِنَاءِ الِاخْتِصَاصَاتِ.
(قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ طَاهِرٌ) حَيْثِيَّةُ تَقْيِيدٍ، وَهِيَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الْمَتْنِ لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالطَّهَارَةِ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ فِي الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْ الْمَصْدَرَيْنِ لَكِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ لِتَعَلُّقِهَا بِالثَّانِي بِمَعْنَى اللَّامِ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ: حَتَّى فِي النَّفِيسِ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ فِيهِ خِلَافًا إذْ ذَاكَ مِنْ حَيْثُ نَفَاسَتُهُ كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ وَقَدَّمَ

مِنْ شَنٍّ مِنْ جِلْدٍ، وَمِنْ قَدَحٍ مِنْ خَشَبٍ، وَمِنْ مِخْضَبٍ مِنْ حَجَرٍ فَلَا يَرِدُ الْمَغْصُوبُ وَجِلْدُ الْآدَمِيِّ وَنَحْوُهُمَا، وَخَرَجَ بِالطَّاهِرِ النَّجَسُ كَالْمُتَّخَذِ مِنْ مَيْتَةٍ؛ فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ وَمَائِعٍ لَا فِي جَافٍّ، وَالْإِنَاءُ جَافٌّ أَوْ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ وَدَخَلَ فِيهِ النَّفِيسُ كَيَاقُوتٍ فَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ وَاِتِّخَاذُهُ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ وَكَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ لَا يُدْرِكُهُ إلَّا الْخَوَاصُّ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ (إلَّا إنَاءً كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ) الْمَزِيدُ عَلَى الْأَصْلِ (ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ فَيَحْرُمُ) اسْتِعْمَالُهُ وَاِتِّخَاذُهُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ

[حاشية البجيرمي]

الْإِجْمَاعَ لِأَنَّهُ عَامٌّ؛ وَلِأَنَّهُ أَقْوَى لِأَنَّهُ قَطْعِيٌّ.
(قَوْلُهُ مِنْ شَنٍّ) الشَّنُّ: الْقِرْبَةُ الصَّغِيرَةُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَقِيلَ: الْجِلْدُ الْبَالِي فَقَوْلُهُ مِنْ جِلْدٍ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ.
(قَوْلُهُ وَمِنْ مِخْضَبٍ) الْمِخْضَبُ كَمِنْبَرٍ الْحَجَرُ الْمَنْحُوتُ وَهُوَ الْحَوْضُ الصَّغِيرُ، وَقَوْلُهُ مِنْ حَجَرٍ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ كَقَوْلِهِ مِنْ جِلْدٍ.
(قَوْلُهُ فَلَا يَرُدُّ) أَيْ: عَلَى قَوْلِهِ كُلُّ إنَاءٍ طَاهِرٍ الْمَغْصُوبُ فَإِنَّ حُرْمَةَ اسْتِعْمَالِهِ لَيْسَتْ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مِلْكًا لِلْغَيْرِ، ح ل وَصُورَةُ الْإِيرَادِ أَنَّ الْكُلِّيَّةَ فِي الْمَتْنِ تَتَنَاوَلُ مَا هُوَ حَرَامٌ فَفِي عِبَارَتِهِ حُكْمٌ عَلَى الْمُحَرَّمِ بِالْحِلِّ، وَحَاصِلُ دَفْعِهِ أَنَّ الْمُحَرَّمَ كَالْمَغْصُوبِ حُرْمَتُهُ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، وَشُمُولُ الْمَتْنِ لَهُ مِنْ حَيْثُ طَهَارَتُهُ، وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لَيْسَ بِحَرَامٍ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَجِلْدَ الْآدَمِيِّ) أَيْ: وَلَوْ حَرْبِيًّا وَمُرْتَدًّا لِأَنَّ حُرْمَةَ ذَلِكَ لَيْسَتْ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْضًا بَلْ مِنْ حَيْثُ احْتِرَامُهُ ح ل وَلَا يُنَافِيهِ جَوَازُ إغْرَاءِ الْكِلَابِ عَلَى جِيفَةِ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلْحِرَابِةِ، وَالرِّدَّةِ وَاحْتِرَامُهُمَا لِكَوْنِهِمَا مِنْ بَنِي آدَمَ الْمُكَرَّمِ.
(قَوْلُهُ وَنَحْوَهُمَا) نَحْوُ الْمَغْصُوبِ الْمَسْرُوقُ، وَنَحْوُ جِلْدِ الْآدَمِيِّ عَظْمُهُ كَرَأْسِهِ وَجِلْدِ الْجِنِّيِّ إذَا تَصَوَّرَ بِصُورَةِ مَا لَهُ جِلْدٌ.
(قَوْلُهُ كَالْمُتَّخَذِ مِنْ مَيِّتَةٍ) أَيْ: غَيْرِ مَيِّتَةٍ نَحْوِ كَلْبٍ، أَمَّا هِيَ فَيَحْرُمُ مُطْلَقًا ح ل (قَوْلُهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ) أَيْ: إنْ لَزِمَ عَلَيْهِ التَّضَمُّخُ، وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ، وَبِهَذَا التَّقْيِيدِ فَارَقَ كَرَاهَةَ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ الْقَلِيلِ لِعَدَمِ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ.
(قَوْلُهُ وَمَائِعٍ) وَإِنْ كَثُرَ أَيْ: إلَّا لِغَرَضٍ، وَحَاجَةٍ كَمَا لَوْ وَضَعَ الدُّهْنَ فِي إنَاءِ عَظْمِ الْفِيلِ عَلَى قَصْدِ الِاسْتِصْبَاحِ بِهِ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الطَّبَلَاوِيُّ وَقَالَ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْجَوَازِ فَقْدُ إنَاءٍ طَاهِرٍ.
سم (قَوْلُهُ لَا فِي جَافٍ إلَخْ) أَيْ: وَهُوَ مِنْ غَيْرِ مُغَلَّظٍ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا فِي غَيْرِ اللُّبْسِ أَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ اهـ شَوْبَرِيٌّ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَفْهُومُ الْمَتْنِ فِيهِ تَفْصِيلٌ فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّ قَوْلَهُ طَاهِرٌ يُوهِمُ أَنَّ النَّجِسَ حَرَامٌ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ جَافًّا فِي جَافٍ أَوْ مَاءٍ كَثِيرٍ.
(قَوْلُهُ وَالْإِنَاءُ) فِيهِ إظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ.
(قَوْلُهُ وَدَخَلَ فِيهِ) أَيْ: الْإِنَاءِ النَّفِيسِ أَيْ: فِي ذَاتِهِ لَا بِحَسَبِ الصَّنْعَةِ ح ل وَنَبَّهَ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ فَصِّ الْخَاتَمِ، أَمَّا هُوَ فَيَجُوزُ قَطْعًا اهـ شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ كَالْيَاقُوتِ) أَيْ: وَالْمَرْجَانِ وَالْعَقِيقِ، وَمِنْ خَوَاصِّ الْيَاقُوتِ أَنَّ التَّخَتُّمَ بِهِ يَنْفِي الْفَقْرَ، وَمِثْلُهُ الْمَرْجَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ بِرْمَاوِيٌّ وَكَوْنُ التَّخَتُّمِ بِالْيَاقُوتِ يَنْفِي الْفَقْرَ رَوَاهُ أَنَسٌ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْأَشْبَهُ أَنَّهُ إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ يَكُونُ الْخَاصِّيَّةُ فِيهِ كَمَا أَنَّ النَّارَ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ وَلَا تُغَيِّرُهُ، وَأَنَّ مَنْ تَخَتَّمَ بِهِ أَمِنَ مِنْ الطَّاعُونِ، وَتَيَسَّرَتْ لَهُ أُمُورُ الْمَعَاشِ وَيَقْوَى قَلْبُهُ وَتَهَابُهُ النَّاسُ وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَوَائِجِ.
اهـ عَنَانِيٌّ (قَوْلُهُ لِأَنَّ مَا فِيهِ إلَخْ) قَصْدُهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُخَالِفِ الْقَائِلِ بِحُرْمَةِ النَّفِيسِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ.
(قَوْلُهُ إلَّا الْإِنَاءَ إلَخْ) هَذَا لَا يَشْمَلُهُ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ حُرْمَةَ اسْتِعْمَالِهِ لَيْسَتْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ طَاهِرٌ، وَكَتَبَ أَيْضًا هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ حَيْثُ نَظَرَ لِلْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَلَامِهِ.
ح ل فَيَكُونُ الْمَعْنَى إلَّا إنَاءً كُلُّهُ إلَخْ فَيَحْرُمُ مِنْ حَيْثِيَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ عَيْنُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَعَ الْخُيَلَاءِ.
شَرْحُ م ر وَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ لِلْحَيْثِيَّةِ كَانَ مُتَّصِلًا نَعَمْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ مِرْوَدٍ مِنْ ذَهَبٍ لِجَلَاءِ الْعَيْنِ مَا دَامَتْ الضَّرُورَةُ دَاعِيَةً لَهُ كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر. (قَوْلُهُ فَيَحْرُمُ) أَتَى بِهِ مِنْ عِلْمِهِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ كَمُضَبَّبٍ إلَخْ (قَوْلُهُ فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ) وَمِنْ الْإِنَاءِ الْمُكْحُلَةُ وَالْمِبْخَرَةُ وَالْمِلْعَقَةُ وَالصُّنْدُوقُ وَغِطَاءُ الْكُوزِ الْمُجَوَّفِ وَمِثْلُ الْإِنَاءِ الْمِرْوَدُ ح ل وَالْخِلَالُ وَالْإِبْرَةُ وَالْمُشْطُ وَالْكَرَاسِيّ الَّتِي تُعْمَلُ لِلنِّسَاءِ، وَيَحْرُمُ التَّطَيُّبُ مِنْهُ بِنَحْوِ مَاءِ وَرْدٍ، وَالِاحْتِوَاءُ عَلَى مِبْخَرَةٍ مِنْهُ أَوْ جُلُوسِهِ بِقُرْبِهَا بِحَيْثُ يُعَدُّ مُتَطَيِّبًا بِهَا عُرْفًا حَتَّى لَوْ بَخَّرَ الْبَيْتَ بِهَا أَوْ وَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَيْهَا كَانَ مُسْتَعْمِلًا وَيَحْرُمُ تَبْخِيرُ نَحْوِ الْمَيِّتِ بِهَا أَيْضًا، وَالْحِيلَةُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي الِاسْتِعْمَالِ إذَا كَانَ فِي إنَاءٍ مِمَّا ذَكَرَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْهُ إلَى شَيْءٍ وَلَوْ فِي أَحَدِ كَفَّيْهِ الَّتِي لَا يَسْتَعْمِلُهُ بِهَا، فَيَصُبُّهُ أَوَّلًا فِي يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ فِي الْيُمْنَى ثُمَّ يَسْتَعْمِلُهُ، وَيَحْرُمُ تَحْلِيَةُ الْكَعْبَةِ

لِعَيْنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَعَ الْخُيَلَاءِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَيُقَاسُ بِمَا فِيهِ مَا فِي مَعْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ اتِّخَاذَهُ يَجُرُّ إلَى اسْتِعْمَالِهِ (كَمُضَبَّبٍ بِأَحَدِهِمَا وَضَبَّةُ الْفِضَّةِ كَبِيرَةٌ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) بِأَنْ كَانَتْ لِزِينَةٍ أَوْ بَعْضُهَا لِزِينَةٍ وَبَعْضُهَا لِحَاجَةٍ فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ وَاِتِّخَاذُهُ وَإِنَّمَا حَرُمَتْ ضَبَّةُ الذَّهَبِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْخُيَلَاءَ فِيهِ أَشَدُّ مِنْ الْفِضَّةِ، وَخَالَفَ الرَّافِعِيُّ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي التَّفْصِيلِ، وَلَا تُشْكِلُ حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِحِلِّ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِمَا لِأَنَّ الْكَلَامَ ثَمَّ فِي قِطْعَةِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَا فِيمَا طُبِعَ أَوْ هُيِّئَ مِنْهُمَا لِذَلِكَ كَالْإِنَاءِ الْمُهَيَّأِ مِنْهُمَا لِلْبَوْلِ فِيهِ.
وَالْجَوَابُ بِأَنَّ كَلَامَهُمْ ثَمَّ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِجْزَاءِ يُنَافِيهِ ظَاهِرُ تَعْبِيرِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ثَمَّ بِالْجَوَازِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُجِيبِ عَلَى مَا طُبِعَ أَوْ هُيِّئَ لِذَلِكَ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ (فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لِغَيْرِ حَاجَةٍ) بِأَنْ كَانَتْ لِزِينَةٍ أَوْ بَعْضُهَا لِزِينَةٍ، وَبَعْضُهَا لِحَاجَةٍ (أَوْ كَبِيرَةً لَهَا) أَيْ لِلْحَاجَةِ (كُرِهَ) ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ مَحَلَّ الِاسْتِعْمَالِ لِلزِّينَةِ فِي الْأُولَى وَلِلْكِبَرِ فِي الثَّانِيَةِ وَجَازَ لِلصِّغَرِ فِي الْأُولَى،

[حاشية البجيرمي]

وَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر وَكَتَبَ ع ش عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وَالْحِيلَةُ إلَخْ قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ إنَّمَا تَمْنَعُ حُرْمَةَ الِاسْتِعْمَالِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّطَيُّبِ مِنْهُ لَا بِالنِّسْبَةِ لِاِتِّخَاذِهِ، وَجَعْلِ الطِّيبِ فِيهِ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لَهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ بِالْأَخْذِ، وَقَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ عِبَارَتِهِ اخْتِصَاصُ الْحِيلَةِ بِحَالَةِ التَّطَيُّبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
اهـ. وَفُهِمَ مِنْ حُرْمَةِ الِاسْتِعْمَالِ حُرْمَةُ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْفِعْلِ وَأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الصَّنْعَةِ، وَعَدَمُ الْغُرْمِ عَلَى الْكَاسِرِ كَآلَةِ اللَّهْوِ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمُنْكَرَ ز ي، وَيُرَاعَى فِي كَسْرِهِ مَا فِي كَسْرِ الْآلَاتِ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ لِعَيْنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) فِيهِ أَنَّ الْعِلَّةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ وَصْفًا مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ وَعَيْنُ الذَّهَبِ أَيْ: ذَاتُهُ لَيْسَتْ وَصْفًا، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِكَوْنِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً.
(قَوْلُهُ مَعَ الْخُيَلَاءِ) أَيْ: التَّفَاخُرِ وَالتَّعَاظُمِ فَهُوَ أَيْ: النَّهْيُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ تَعَبُّدِيًّا ح ل، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: لَوْ صَدِئَ إنَاءُ الذَّهَبِ بِحَيْثُ سَتَرَ الصَّدَأُ جَمِيعَ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ حَلَّ اسْتِعْمَالُهُ لِفَوَاتِ الْخُيَلَاءِ.
ز ي نَعَمْ يَجْرِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي فِي الْمُمَوَّهِ بِنَحْوِ نُحَاسٍ شَرْحُ.
م ر (قَوْلُهُ لَا تَشْرَبُوا) قَدَّمَ الشُّرْبَ فِي الْحَدِيثِ لِكَثْرَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَكْلِ.
ع ش. (قَوْلُهُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ) الْإِنَاءُ يَشْمَلُ وَاسِعَ الرَّأْسِ وَضَيِّقَهُ، وَالصَّحْفَةَ: مَا كَانَتْ وَاسِعَةَ الرَّأْسِ وَخَصَّ الشُّرْبَ بِالْآنِيَةِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالشُّرْبِ مِنْ كُلِّ آنِيَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ ضَيِّقَةَ الرَّأْسِ أَوْ وَاسِعَتَهُ وَلَا يَأْكُلُونَ إلَّا مِنْ وَاسِعِ الرَّأْسِ.
اهـ شَيْخُنَا ح ف وَالْآنِيَةُ جَمْعُ إنَاءٍ كَكِسَاءٍ وَأَكْسِيَةٍ، وَأَوَانِي: جَمْعُ الْجَمْعِ (قَوْلُهُ فِي صِحَافِهَا) أَيْ: الصِّحَافِ مِنْ الْآنِيَةِ فَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى مِنْ.
(قَوْلُهُ بِمَا فِيهِ) أَيْ: عَلَى مَا فِيهِ فَالْبَاءُ بِمَعْنَى عَلَى (قَوْلُهُ كَمُضَبَّبٍ إلَخْ) أَيْ: كَمَا يَحْرُمُ مُضَبَّبٌ إلَخْ ع ش فَهُوَ تَنْظِيرٌ فِي الْحُكْمِ لَا قِيَاسٌ لِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ.
(قَوْلُهُ وَضَبَّةُ الْفِضَّةِ كَبِيرَةٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ وَمِثْلُ الضَّبَّةِ تَسْمِيرُ الدَّرَاهِمِ فِي الْإِنَاءِ لَا طَرْحُهَا فِيهِ فَيَحِلُّ بِلَا كَرَاهَةٍ الشُّرْبُ حِينَئِذٍ وَلَا يَحْرُمُ شُرْبُهُ، وَفِي فِيهِ نَحْوُ فِضَّةٍ كَمَا فِي شَرْحِ م ر (قَوْلُهُ أَوْ بَعْضُهَا لِزِينَةٍ وَبَعْضُهَا لِحَاجَةٍ) لِأَنَّهُ لَمَّا انْبَهَمَ مَا لِلْحَاجَةِ صَارَتْ كَأَنَّهَا كُلُّهَا لِزِينَةٍ؛ ح ل فَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ فِيمَا إذَا صَغُرَ مَا لِلزِّينَةِ بِأَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ لَكَانَ جَائِزًا فَضَمُّهُ إلَى جَائِزٍ مِثْلِهِ، وَهُوَ مَا لِلْحَاجَةِ كَيْفَ يُحَرِّمُهُ؟ فَلَوْ تَمَيَّزَ مَا لِلزِّينَةِ وَكَانَ صَغِيرًا جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ: كَمَا أَفَادَهُ تَقْيِيدُ ضَبَّةِ الْفِضَّةِ، وَعَدَمُ تَقْيِيدِ ضَبَّةِ الذَّهَبِ ع ش (قَوْلُهُ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ ثَمَّ) أَيْ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ، وَقَوْلُهُ فِي قِطْعَةِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَيْ: لَمْ تُطْبَعْ وَلَمْ تُهَيَّأْ لِلِاسْتِنْجَاءِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَيْسَتْ إنَاءً، وَلَا فِي مَعْنَاهُ وَقَوْلُهُ أَوْ هُيِّئَ أَيْ: إنْ لَمْ يَكُنْ مَطْبُوعًا كَأَنْ أَعَدَّ قِطْعَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِلِاسْتِنْجَاءِ مِنْ غَيْرِ طَبْعٍ وَقَوْلُهُ لِذَلِكَ أَيْ: لِلِاسْتِنْجَاءِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْرُمُ، وَكَانَ الْأَحْسَنُ تَقْدِيمَ قَوْلِهِ وَلَا تُشْكِلُ حُرْمَةٌ إلَخْ عَلَى قَوْلِهِ كَمُضَبَّبٍ، وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ بِالتَّسْلِيمِ أَيْ: تَسْلِيمِ قَوْلِ الْمُسْتَشْكِلِ يَحِلُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِمَا لَكِنْ مَعَ التَّقْيِيدِ بِغَيْرِ الْمُنْطَبِعِ وَالْمُهَيَّأِ لِذَلِكَ، وَالثَّانِي بِالْمَنْعِ أَيْ: مَنْعِ قَوْلِهِ بِحِلِّ الِاسْتِنْجَاءِ فَيَقُولُ هَذَا الْمُجِيبُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ حَلَالٌ بَلْ هُوَ حَرَامٌ، وَإِنَّمَا كَلَامُهُمْ هُنَاكَ فِي الْإِجْزَاءِ، وَهُوَ بِجَامِعِ الْحُرْمَةِ.
وَحَاصِلُ كَلَامِ الْمُجِيبِ أَنَّهُ لَا إشْكَالَ بَلْ مَا هُنَا، وَمَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فِي حُرْمَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا أَنْ يُحْمَلَ إلَخْ تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ يُنَافِيهِ ظَاهِرٌ إلَخْ أَيْ: فَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَا ذَكَرَ انْتَفَتْ الْمُنَافَاةُ لَكِنَّهُ بَعْدَ الْحَمْلِ يَرْجِعُ لِلْجَوَابِ الْأَوَّلِ؛ فَيَكُونُ بِالتَّسْلِيمِ أَيْضًا بَلْ هُوَ عَيْنُهُ فِي الْمَعْنَى وَقَوْلُهُ كَلَامُ الْمُجِيبِ أَيْ: الْمُصَرِّحُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ وَقَوْلُهُ وَكَلَامُ غَيْرِهِ أَيْ: الْمُصَرِّحُ بِالْجَوَازِ وَإِنَّمَا قَالَ: ظَاهِرُ تَعْبِيرِ إلَخْ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْجَوَازِ الْإِجْزَاءُ ح ل. (قَوْلُهُ أَوْ كَبِيرَةٍ لَهَا) وَلَوْ عَمَّتْ جَمِيعَ الْإِنَاءِ.
س ل (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ إلَخْ) غَايَةٌ لِلرَّدِّ.
(قَوْلُهُ فِي الْأُولَى) أَيْ: بِشِقَّيْهَا وَالثَّانِيَةُ: هِيَ قَوْلُهُ: أَوْ كَبِيرَةٍ لَهَا كُرِهَ.
ع ش (قَوْلُهُ وَلِلْكِبَرِ فِي الثَّانِيَةِ) تَعْلِيلٌ لِخُصُوصِ

وَلِلْحَاجَةِ فِي الثَّانِيَةِ.
وَالْأَصْلُ فِي الْجَوَازِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «أَنَّ قَدَحَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي كَانَ يَشْرَبُ فِيهِ كَانَ مُسَلْسَلًا بِفِضَّةٍ لِانْصِدَاعِهِ» أَيْ مُشَعَّبًا بِخَيْطٍ فِضَّةٍ لِانْشِقَاقِهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الْكَرَاهَةِ مِنْ زِيَادَتِي، وَخَرَجَ بِغَيْرِ حَاجَةٍ الصَّغِيرَةُ لِحَاجَةٍ فَلَا تُكْرَهُ لِلْخَبَرِ الْمَذْكُورِ.
وَأَصْلُ ضَبَّةِ الْإِنَاءِ مَا يَصْلُحُ بِهِ خَلَلُهُ مِنْ صَفِيحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِطْلَاقُهَا عَلَى مَا هُوَ لِلزِّينَةِ تَوَسُّعٌ وَمَرْجِعُ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ الْعُرْفُ وَقِيلَ: الْكَبِيرَةُ مَا تَسْتَوْعِبُ جَانِبًا مِنْ الْإِنَاءِ كَشَفَةٍ أَوْ أُذُنٍ، وَالصَّغِيرَةُ دُونَ ذَلِكَ فَإِنْ شَكَّ فِي الْكِبَرِ فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ وَالْمُرَادُ بِالْحَاجَةِ غَرَضُ الْإِصْلَاحِ لَا الْعَجْزُ عَنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ غَيْرِهِمَا يُبِيحُ اسْتِعْمَالَ الْإِنَاءِ الَّذِي كُلُّهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ فَضْلًا عَنْ الْمُضَبَّبِ بِهِ وَقَوْلِي كَالْمُحَرَّرِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ: لِزِينَةٍ لِمَا مَرَّ.
(وَيَحِلُّ نَحْوُ نُحَاسٍ) بِضَمِّ النُّونِ أَشْهُرُ مِنْ كَسْرِهَا (مُوِّهَ) أَيْ طُلِيَ (بِنَقْدٍ) أَيْ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (لَا عَكْسُهُ) بِأَنْ مُوِّهَ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ بِنَحْوِ نُحَاسٍ أَيْ فَلَا يَحِلُّ.

[حاشية البجيرمي]

الْكَرَاهَةِ وَقَوْلُهُ وَجَازَ أَيْ: وَلَمْ يَحْرُمْ وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يَرُدُّ عَلَى التَّعْلِيلِ قَبْلَهُ بِأَنْ يُقَالَ: مُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ الْحُرْمَةُ وَقَوْلُهُ وَلِلْحَاجَةِ فِي الثَّانِيَةِ تَعْلِيلٌ لِمُطْلَقِ الْجَوَازِ، وَحَيْثُ جَازَ الِاسْتِعْمَالُ جَازَ التَّضْبِيبُ، وَلَوْ تَعَدَّدَتْ ضَبَّاتٌ صَغِيرَةٌ لِزِينَةٍ فَإِنْ كَانَ مَجْمُوعُهَا مِقْدَارَ ضَبَّةٍ كَبِيرَةٍ لَمْ يَحِلَّ وَإِلَّا حَلَّ ح ل وَقَوْلُهُ لَمْ يَحِلَّ أَيْ: لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ وَبِهِ فَارَقَ وَمَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ تَعَدَّدَ الدَّمُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ، وَلَوْ اجْتَمَعَ لَكَثُرَ.
شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ فِي الْجَوَازِ) الْمُرَادُ الْجَوَازُ الْمُطْلَقُ لَا بِقَيْدِ الْكَرَاهَةِ وَهَذَا مُشْكِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ الْجَوَازَ الْمُطْلَقَ لَمْ يُدَّعَ فِي صُورَةٍ مِمَّا سَبَقَ حَتَّى يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي أَنَّ الشَّارِحَ أَقَامَ هَذَا الدَّلِيلَ بِعَيْنِهِ فِيمَا بَعْدُ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِمَعْنَى اسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ فَهَذَا الصَّنِيعُ مِنْ الشَّارِحِ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَلْيُنْظَرْ فِي ضَبَّةِ الْقَدَحِ فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً كَانَ الْخَبَرُ دَلِيلًا لِلْإِبَاحَةِ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً كَانَ دَلِيلًا لِلْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهَا لِحَاجَةٍ لَكِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ قَوْلِهِ أَيْ: مُشَعَّبًا بِخَيْطٍ أَنَّ الضَّبَّةَ كَانَتْ صَغِيرَةً.
(قَوْلُهُ أَنَّ قَدَحَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَاشْتَرَى هَذَا الْقَدَحَ مِنْ مِيرَاثِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ بِثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَعَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ رَآهُ بِالْبَصْرَةِ وَشَرِبَ مِنْهُ، وَيُقَالُ: أَصْلُهُ مِنْ الْأَثْلِ، وَلَوْنُهُ يَمِيلُ إلَى الصُّفْرَةِ بِرْمَاوِيٌّ (قَوْلُهُ أَيْ: مُشَعَّبًا) أَيْ: مُصَلَّحًا مِنْ التَّشْعِيبِ، وَهُوَ الْإِصْلَاحُ حِفْنِيٌّ وَهُوَ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنْ السَّلْسَلَةِ لَا حَقِيقَتِهَا بِرْمَاوِيٌّ وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ أَيْ: مُشَعَّبًا بِخَيْطِ فِضَّةٍ أَنَّ الضَّبَّةَ كَانَتْ صَغِيرَةً، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا كُلَّهَا لِحَاجَةٍ فَهَذِهِ صُورَةُ الْإِبَاحَةِ، قِيلَ: سَلْسَلَةُ أَنَسٍ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ فَصَارَ إجْمَاعًا وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَقَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَذَا كَذَا كَذَا مَرَّةً، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ عَائِدَةٌ عَلَى الْقَدَحِ بِصِفَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، وَاحْتِمَالُ عَوْدِهَا عَلَيْهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ صِفَتِهِ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
اهـ م ر (قَوْلُهُ وَأَصْلُ ضَبَّةِ الْإِنَاءِ) أَيْ: لُغَةً.
(قَوْلُهُ أَوْ غَيْرِهَا) كَخَيْطِ فِضَّةٍ.
(قَوْلُهُ تَوَسُّعٌ) هُوَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ: أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لِشَيْءٍ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ الْأَعَمُّ فَهَذَا أَصْلُهُ، وَالْوَضْعُ هُنَا لِإِصْلَاحِ خَلَلِ الْإِنَاءِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْأَعَمِّ مِنْ الْإِصْلَاحِ أَوْ الزِّينَةِ بِرْمَاوِيٌّ (قَوْلُهُ فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ) أَيْ: بِخِلَافِ نَظِيرِهِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالتَّفْسِيرُ إذَا شَكَّ فِي أَنَّهُ أَكْثَرُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُضَبَّبِ الْجَوَازُ وَفِي الْحَرِيرِ وَالْقُرْآنِ الْحُرْمَةُ سم وَكَذَا لَوْ عَلِمَ الْكِبَرَ، وَشَكَّ فِي أَنَّهَا لِزِينَةٍ أَوْ لِحَاجَةٍ ع ش وَعِبَارَةُ ح ل فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ أَيْ: الْأَصْلُ إبَاحَةُ الْإِنَاءِ قَبْلَ تَضْبِيبِهِ بِخِلَافِ الْحَرِيرِ إذَا رُكِّبَ مَعَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ حَيْثُ شَكَّ فِي كَثْرَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي غَيْرِ الْحَرِيرِ الْمُطَرَّفِ بِهِ فَإِنَّهُ شَبِيهٌ بِالضَّبَّةِ.
اهـ، وَدَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ صُوَرٌ لِأَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ تَارَةً يُعْلَمُ كَوْنُهَا لِلزِّينَةِ أَوْ بَعْضِهَا لِزِينَةٍ، وَبَعْضُهَا لِحَاجَةٍ فَنَحْكُمُ بِالْكَرَاهَةِ فِيهِمَا لِأَنَّ الشَّكَّ إنَّمَا أَسْقَطَ الْحُرْمَةَ، وَأَمَّا إذَا عَلِمَ كَوْنَهَا لِحَاجَةٍ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا كَرَاهَةَ وَكَذَا إذَا شَكَّ هَلْ هِيَ لِلزِّينَةِ أَوْ لِلْحَاجَةِ؟ فَتَارَةً يَعْلَمُ الْكِبَرَ فَتُكْرَهُ، وَتَارَةً يَعْلَمُ الصِّغَرَ فَلَا حُرْمَةَ، وَلَا كَرَاهَةَ وَكَذَا إذَا شَكَّ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ فَتُضَمُّ هَذِهِ الصُّوَرُ لِبَقِيَّةِ صُوَرِ الضَّبَّةِ.
شَيْخُنَا ح ف. (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْعَجْزَ إلَخْ) ، وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي تَحْرِيمِ ضَبَّةِ الذَّهَبِ مِنْ أَنَّ الْخُيَلَاءَ فِيهِ أَكْثَرُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ حِينَئِذٍ إنَاءُ الْفِضَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ مَيِّتَةً نَحْوَ كَلْبٍ وَحَيَوَانٍ آخَرَ قَدَّمَ الثَّانِيَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ فَضْلًا) مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ إمَّا بِفِعْلِ مَحْذُوفٍ هُوَ حَالٌ مِنْ اسْتِعْمَالٍ أَيْ: حَالَةَ كَوْنِ الِاسْتِعْمَالِ يَفْضُلُ فَضْلًا أَيْ: يَزِيدُ عَنْ حِلِّ التَّضْبِيبِ، وَإِمَّا عَلَى الْحَالِ مِنْ اسْتِعْمَالٍ، وَفِي اسْتِعْمَالِهِ فِي الْإِثْبَاتِ كَمَا هُنَا نَظَرٌ لِقَوْلِ ابْنِ هِشَامٍ: إنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي النَّفْيِ نَحْوَ فُلَانٍ لَا يَمْلِكُ دِرْهَمًا فَضْلًا عَنْ دِينَارٍ فَاسْتِعْمَالُهُ هُنَا مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ يُبِيحُ بِلَمْ يَحْرُمْ فَيَكُونُ فِي حَيِّزِ نَفْيٍ تَأْوِيلًا شَيْخُنَا (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) مِنْ صِدْقِ قَوْلِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ عَلَى مَا بَعْضُهَا لِزِينَةٍ، وَبَعْضُهَا لِحَاجَةٍ أَيْ: وَقَوْلُ الْمِنْهَاجِ لَا يَصْدُقُ بِذَلِكَ إلَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا ح ل (قَوْلُهُ وَيَحِلُّ نَحْوُ نُحَاسٍ إلَخْ) وَأَمَّا التَّمْوِيهُ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا حَتَّى فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ لِأَنَّ فِيهِ إضَاعَةَ مَالٍ

(إنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بِالنَّارِ فِيهِمَا) لِقِلَّةِ الْمُمَوَّهِ بِهِ فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ بِخِلَافِ مَا إذَا حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِهَا لِكَثْرَتِهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِالثَّانِيَةِ مَعَ التَّقْيِيدِ فِيهِمَا مِنْ زِيَادَتِي، وَبِالتَّقْيِيدِ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ فِي الْأُولَى وَابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ فِي الثَّانِيَةِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ.

(بَابُ الْأَحْدَاثِ) جَمْعُ حَدَثٍ وَالْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَمَا هُنَا الْأَصْغَرُ غَالِبًا وَهُوَ لُغَةً: الشَّيْءُ الْحَادِثُ.
وَشَرْعًا: يُطْلَقُ عَلَى أَمْرٍ اعْتِبَارِيٍّ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ، وَعَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا الطُّهْرُ، وَعَلَى الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي، وَتَعْبِيرُ الْأَصْلِ بِأَسْبَابِ الْحَدَثِ يَقْتَضِي تَفْسِيرَ الْحَدَثِ بِغَيْرِ الثَّانِي إلَّا أَنْ تَجْعَلَ الْإِضَافَةَ

[حاشية البجيرمي]

فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا جَعَلَ الْفِعْلَ تَابِعًا لِلِاسْتِعْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الضَّبَّةِ وَلِمَ حَرَّمَ الْفِعْلَ مُطْلَقًا دُونَ الِاسْتِعْمَالِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يَجُرُّ إلَى كَثْرَةِ الْمُمَوَّهِ بِهِ فَمُنِعَ حَسْمًا لِلْبَابِ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي التَّضْبِيبِ ح ل إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ التَّمْوِيهَ فِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ بِخِلَافِ التَّضْبِيبِ.
(فَرْعٌ) يَحِلُّ فَتْحُ الْفَمِ لِلْمَاءِ النَّازِلِ مِنْ مِيزَابِ الْكَعْبَةِ وَإِنْ قَصَدَهُ أَيْ: إلَّا إنْ قَرُبَ مِنْهُ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَعْمِلًا لَهُ ز ي (قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ) أَيْ: مُتَمَوِّلٌ: وَأَمَّا الْخَاتَمُ فَقَالَ شَيْخُنَا: إنَّهُ كَالْمُمَوَّهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ وَمُوِّهَ بِفِضَّةٍ، فَإِنْ حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ وَمَوَّهَ بِذَهَبٍ فَإِنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حَرُمَ، وَإِلَّا فَلَا قَرَّرَهُ شَبْشِيرِيٌّ ع ش وَلَوْ شَكَّ هَلْ يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَا فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ الْحُرْمَةُ، وَلَا يُشْكِلُ بِالضَّبَّةِ عِنْدَ الشَّكِّ لِأَنَّ هَذَا أَضْيَقُ بِدَلِيلِ حُرْمَةِ الْفِعْلِ مُطْلَقًا، وَيُحْتَمَلُ الْحِلُّ، وَمَحَلُّ هَذَا الثَّانِي فِي الْأُولَى أَمَّا الثَّانِيَةِ فَيَنْبَغِي الْجَزْمُ فِيهَا بِالْحُرْمَةِ نَظَرًا لِلْأَصْلِ، وَهُوَ الْحُرْمَةُ حَرِّرْهُ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ بِالثَّانِيَةِ) هِيَ قَوْلُهُ وَلَا عَكْسُهُ وَالْأَوْلَى هِيَ قَوْلُهُ نَحْوَ نُحَاسٍ.

[بَابُ الْأَحْدَاثِ]

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِنَّمَا بَوَّبْت الْكُتُبَ لِأَنَّ الْقَارِئَ إذَا قَرَأَ بَابًا وَشَرَعَ فِي آخَرَ كَانَ أَنْشَطَ وَأَبْعَثَ كَالْمُسَافِرِ إذَا قَطَعَ مَسَافَةً، وَشَرَعَ فِي أُخْرَى وَلِذَلِكَ جُعِلَ الْقُرْآنُ سُوَرًا، وَقَالَ السَّيِّدُ الصَّفَوِيُّ: لِأَنَّهُ أَسْهَلُ فِي وِجْدَانِ الْمَسَائِلِ وَالرُّجُوعِ لَهَا وَأَدْعَى لِحُسْنِ التَّرْتِيبِ وَالنَّظْمِ وَإِلَّا لَرُبَّمَا تُذْكَرُ مُنْتَشِرَةً فَتَعْسُرُ مُرَاجَعَتُهَا بِرْمَاوِيٌّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلِتَقَدُّمِ السَّبَبِ طَبْعًا الْمُنَاسِبُ لَهُ تَقْدِيمُهُ وَضْعًا كَانَ تَقْدِيمُهَا هُنَا عَلَى الْوُضُوءِ أَظْهَرَ مِنْ عَكْسِهِ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ وَإِنْ وُجِّهَ بِأَنَّهُ لَمَّا وُلِدَ مُحْدِثًا أَيْ: لَهُ حُكْمُ الْمُحْدِثِ احْتَاجَ إلَى أَنْ يَعْرِفَ أَوَّلًا الْوُضُوءَ، ثُمَّ نَوَاقِضَهُ وَلِذَا لَمَّا لَمْ يُولَدْ جُنُبًا اتَّفَقُوا عَلَى تَقْدِيمِ مُوجِبِ الْغُسْلِ عَلَيْهِ.
اهـ (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِهِ) أَيْ: فِي عِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ لَا فِي نِيَّةِ النَّاوِي وَقَوْلُهُ كَمَا هُنَا أَيْ: كَالتَّعْبِيرِ الَّذِي فِي التَّرْجَمَةِ، فَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْأَكْبَرِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ التَّبَادُرَ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَقِيقَةِ.
ح ل (قَوْلُهُ غَالِبًا) فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَكْبَرِ فِي نِيَّةِ غُسْلِ الْجُنُبِ لِقَرِينَةِ حَالِهِ ق ل وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِغَيْرِ الْغَالِبِ مَا تَقَدَّمَ فِي تَعْرِيفِ الطَّهَارَةِ مِنْ قَوْلِهِ رَفْعُ حَدَثٍ إلَخْ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْأَكْبَرَ وَالْأَصْغَرَ (قَوْلُهُ اعْتِبَارِيٍّ) أَيْ: اعْتَبَرَ الشَّارِعُ وُجُودَهُ لَا أَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ الَّتِي لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْخَارِجِ لِمَا قِيلَ: إنَّ أَهْلَ الْبَصَائِرِ تُشَاهِدُهُ ظُلْمَةً عَلَى الْأَعْضَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَعْضَاءِ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمُرَجَّحِ، وَقِيلَ: يَقُومُ بِأَعْضَاءِ الْبَدَنِ، وَيَرْتَفِعُ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ ق ل وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ: يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ الْمُرَادُ بِهَا مَا يُغْسَلُ وُجُوبًا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَهُوَ فِي الرَّأْسِ جُزْءٌ مُبْهَمٌ، وَيَتَعَيَّنُ بِوُقُوعِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ وَدُخُولِ الْمَنْدُوبِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ شُمُولُ اسْمِ الْوُضُوءِ لَهُ، وَقِيلَ: بِجَمِيعِهَا فَيَدْخُلُ الْمَنْدُوبُ فِيهَا انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ) أَيْ: وَغَيْرَهَا، وَخَصَّهَا لِأَنَّهَا الْمُعْظَمُ.
(قَوْلُهُ يَنْتَهِي بِهَا الطُّهْرُ) أَيْ: لَوْ كَانَ أَوْ شَأْنُهَا ذَلِكَ فَيَشْمَلُ الْحَدَثَ الثَّانِيَ مَثَلًا (قَوْلُهُ وَعَلَى الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: الْأَسْبَابِ بِوَاسِطَةِ الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ أَوْ الْمُرَادُ الْأَمْرُ الِاعْتِبَارِيُّ وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي جَعْلِهِ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ مَعَ جَعْلِهِ جُزْءًا مِنْ تَعْرِيفِهِ شَوْبَرِيٌّ أَيْ: حَيْثُ قَالَ: يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا لَيْسَ جُزْءًا مِنْ التَّعْرِيفِ بَلْ هُوَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَعِبَارَةُ ق ل أَمَّا تَرَتُّبُ الْمَنْعِ عَلَى الْأَسْبَابِ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا عَلَى الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمَا مُتَقَارِنَانِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّرَتُّبِ تَوَقُّفُهُ عَلَيْهِ.
اهـ وَفِيهِ أَنَّ الْمُتَوَقِّفَ مُتَأَخِّرٌ عَمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَالتَّرَتُّبِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالتَّرَتُّبِ وَالتَّوَقُّفِ عَدَمُ الِانْفِرَادِ لِوُجُودِ التَّلَازُمِ بَيْنَ الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ وَالْمَنْعِ.
اهـ ح ف. وَلَمْ يَقُلْ: حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَعَلَى الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِمَا سَبَقَ وَالْمُرَخِّصُ فَقْدُ الطَّهُورَيْنِ.
(قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي) أَيْ: بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ هِيَ خُرُوجُ إلَخْ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الْأَسْبَابَ قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَالْحَدَثُ ظَاهِرٌ فِي الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ، وَالْمَنْعِ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَأَمَّا إطْلَاقُهُ عَلَى الْأَسْبَابِ قَالَ سم: ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ حَقِيقِيٌّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَجَازِيٌّ قَالَ شَيْخُنَا ع ش: إنَّهُ صَارَ

بَيَانِيَّةً (هِيَ) أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا: (خُرُوجُ غَيْرِ مَنِيِّهِ) أَيْ الْمُتَوَضِّئِ الْحَيِّ عَيْنًا أَوْ رِيحًا طَاهِرًا أَوْ نَجَسًا جَافًّا أَوْ رَطْبًا مُعْتَادًا كَبَوْلٍ أَوْ نَادِرًا كَدَمٍ انْفَصَلَ أَوَّلًا (مِنْ فَرْجٍ) دُبُرًا كَانَ أَوْ قُبُلًا (أَوْ) مِنْ (ثَقْبٍ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَضَمِّهَا (تَحْتَ مَعِدَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ عَلَى الْأَفْصَحِ، (وَالْفَرْجُ مُنْسَدٌّ) ؛

[حاشية البجيرمي]

فِي الْأَسْبَابِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وَقَالَ شَيْخُنَا إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الثَّلَاثَةِ اهـ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَاعْتُرِضَ كَلَامُهُ بِأَنَّ التَّعَارِيفَ الْمَذْكُورَةَ تَصْدُقُ بِالْحَدَثِ الْأَكْبَرِ فَيَكُونُ التَّعْرِيفُ غَيْرَ مَانِعٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْضَاءِ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ، وَبِالْأَسْبَابِ أَسْبَابٌ مَخْصُوصَةٌ فَلَا يَشْمَلُ الْأَكْبَرَ.
(قَوْلُهُ بَيَانِيَّةٍ) أَيْ: بَابُ أَسْبَابٍ هِيَ الْحَدَثُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيَانِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مُبَيِّنًا لِلْمُرَادِ مِنْ الْأَوَّلِ، وَالْأَكْثَرُ تَسْمِيَةُ هَذِهِ بِإِضَافَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ ع ش أَوْ لِلْبَيَانِ لِأَنَّ الْبَيَانِيَّةَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ كَخَاتَمِ حَدِيدٍ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا، وَأَلْ فِي الْحَدَثِ لِلْجِنْسِ لِيُطَابِقَ الْبَيَانَ الْمُبَيَّنَ.
(قَوْلُهُ هِيَ أَرْبَعَةٌ) وَعِلَّةُ النَّقْضِ بِهَا غَيْرُ مَعْقُولَةٍ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا.
م ر وَعِبَارَةُ حَجّ وَالْحَصْرُ فِيهَا تَعَبُّدِيٌّ، وَإِنْ كَانَ مِنْهَا مَعْقُولُ الْمَعْنَى فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُقَسْ عَلَيْهَا نَوْعٌ آخَرُ وَإِنْ قِيسَ عَلَى جُزْئِيَّاتِهَا.
اهـ (قَوْلُهُ خُرُوجُ غَيْرِ مَنِيِّهِ) أَيْ: تَيَقُّنُ خُرُوجِ إلَخْ وَكَذَا يُقَدَّرُ فِي الْجَمِيعِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي: وَلَا يَرْتَفِعُ يَقِينُ طُهْرٍ أَوْ حَدَثٍ بِظَنِّ ضِدِّهِ، فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَأْتِي لَمْ يَضُرَّ.
(قَوْلُهُ غَيْرَ مَنِيِّهِ) أَيْ: الْمُوجِبِ لِلْغُسْلِ كَمَا سَيَأْتِي ح ل بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَنِيٍّ أَوْ مَنِيَّ غَيْرِهِ أَوْ مَنِيَّهُ الْغَيْرَ الْمُوجِبِ لِلْغُسْلِ.
(قَوْلُهُ أَيْ: الْمُتَوَضِّئِ) أَيْ: الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَقَامِ وَإِلَّا فَالْمُتَوَضِّئُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 32] بِرْمَاوِيٌّ وَلَوْ قَالَ: أَيْ: الشَّخْصُ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْحَدَثَ الَّذِي لَا يَكُونُ عَقِبَ وُضُوءٍ كَالْمَوْلُودِ لِأَنَّهُ يُولَدُ مُحْدِثًا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ طُهْرٌ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ النَّقْضَ بِالْفِعْلِ.
اهـ ق ل مَعَ زِيَادَةٍ قَالَ ع ش: وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ مِنْهُ أَحْدَاثٌ مُتَرَتِّبَةٌ كَأَنْ مَسَّ ثُمَّ لَمَسَ ثُمَّ بَالَ لَمْ يُسَمَّ غَيْرُ الْأَوَّلِ حَدَثًا، وَسَيَأْتِي فِيمَا لَوْ نَوَى بَعْضَ أَحْدَاثِهِ الصَّادِرَةِ مِنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ سَوَاءٌ أَوُجِدَتْ مَعًا أَمْ مُرَتَّبًا؟ وَسَوَاءٌ نَوَى الْأَوَّلَ أَوْ مَا بَعْدَهُ؟ وَهُوَ مُنَافٍ لِمَا هُنَا وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الْأَحْدَاثِ النَّاقِضَةِ أَيْ: بِالْفِعْلِ وَمَا يَأْتِي فِي مُطْلَقِ الْأَحْدَاثِ.
اهـ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْوِلَادَةَ بِلَا بَلَلٍ، وَإِلْقَاءَ نَحْوِ الْعَلَقَةِ كَخُرُوجِ الْمَنِيِّ لَا تَنْقُضُ بِخِلَافِ خُرُوجِ عُضْوٍ مُنْفَصِلٍ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ، وَلَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، أَمَّا الْمُتَّصِلُ فَلَا يَنْقُضُ قَالَ الشَّيْخُ وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ النَّقْضِ بِخُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ مَعَ اسْتِتَارِ بَاقِيهِ فَهَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ لِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ اتِّصَالَ الْمُسْتَتِرِ مِنْهُ بِنَجَاسَةٍ أَمْ لَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْخَيْطِ؟ . فِيهِ نَظَرٌ اهـ وَمَالَ شَيْخُنَا إلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
اهـ. (قَوْلُهُ الْحَيِّ) لَمْ يَقُلْ: الْوَاضِحِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ قَيْدٌ فِي الدُّبُرِ أَيْضًا.
س ل (قَوْلُهُ انْفَصَلَ أَوْ لَا) أَيْ: فِي غَيْرِ بَعْضِ وَلَدٍ لَمْ يَنْفَصِلْ فَلَا نَقْضَ بِهِ لِاحْتِمَالِ انْفِصَالِ جَمِيعِهِ فَيَكُونُ وَاجِبُهَا الْغُسْلَ لَا الْوُضُوءَ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ مِنْ فَرْجٍ) شَامِلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُنْثَى لِمَدْخَلِ الذَّكَرِ وَمَخْرَجِ الْبَوْلِ سم وَلَوْ كَانَ لَهُ فَرْجَانِ أَصْلِيَّانِ يَبُولُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَيُمْنِي مِنْ الْآخَرِ كَانَ الْبَوْلُ نَاقِضًا فَلَوْ كَانَ لَهُ أَصْلِيٌّ زَائِدٌ وَاشْتَبَهَ أَوْ سَامِتٌ نَقَضَ الْخَارِجُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا.
(قَوْلُهُ أَوْ مِنْ ثَقْبٍ) أَوْ مَانِعَةِ جَمْعٍ لَا مَانِعَةِ خُلُوٍّ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَضَمِّهَا) عِبَارَةُ الْمُخْتَارِ الثَّقْبُ بِالْفَتْحِ وَاحِدٌ وَالثُّقُوبُ وَالثُّقَبُ بِالضَّمِّ جَمْعُ ثُقْبَةٍ كَالثَّقْبِ بِفَتْحِ الْقَافِ.
اهـ بِحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ تَحْتَ مَعِدَةٍ) أَيْ: مِمَّا يَقْرَبُ مِنْهَا فَلَا عِبْرَةَ بِانْفِتَاحِهِ فِي السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَإِنْ كَانَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُ ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ.
ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ عَلَى الْأَفْصَحِ) وَبِفَتْحٍ أَوْ كَسْرٍ فَسُكُونٍ فَيْضٌ شَوْبَرِيٌّ وَبِكِسْرَتَيْنِ فَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ كَكُلِّ مَا كَانَتْ عَيْنُهُ حَرْفَ حَلْقٍ اسْمًا كَانَ أَوْ فِعْلًا كَفَخِذٍ وَشَهْدٍ (قَوْلُهُ مُنْسَدٌّ) أَيْ: صَارَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَحِمْ كَمَا قَالَهُ الْفَزَارِيّ ع ش وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ وَلَا بِإِيلَاجٍ فِيهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِانْسِدَادِ الِالْتِحَامَ لَمْ يَتَأَتَّ الْإِيلَاجُ فِيهِ قَالَ ز ي: وَهَلْ الْمُرَادُ انْسِدَادُ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ مَعًا حَتَّى إذَا بَقِيَ أَحَدُهُمَا مُنْفَتِحًا كَانَ الْحُكْمُ لَهُ أَوْ يَكْفِي انْسِدَادُ أَحَدِهِمَا؟ . ظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ الثَّانِي مُعْتَمَدٌ.
وَقَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: إنَّهُ أَقْرَبُ إذَا كَانَ الْخَارِجُ

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6] الْآيَةَ وَلِقِيَامِ الثَّقْبِ الْمَذْكُورِ مَقَامَ الْمُنْسَدِّ.
وَالْغَائِطُ: الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ، سُمِّيَ بِاسْمِهِ الْخَارِجِ لِلْمُجَاوَرَةِ.
وَخَرَجَ بِالْفَرْجِ وَالثَّقْبِ الْمَذْكُورَيْنِ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ بَقِيَّةِ بَدَنِهِ كَدَمِ فَصْدٍ وَخَارِجٍ مِنْ ثَقْبٍ فَوْقَ الْمَعِدَةِ أَوْ فِيهَا أَوْ مُحَاذِيهَا وَلَوْ مَعَ انْسِدَادِ الْفَرْجِ وَلَوْ تَحْتَهَا مَعَ انْفِتَاحِهِ فَلَا نَقْضَ بِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّقْضِ وَلِأَنَّ الْخَارِجَ فِي الْأَخِيرَةِ لَا ضَرُورَةَ إلَى مَخْرَجِهِ وَفِيمَا عَدَاهَا بِالْقَيْءِ أَشْبَهَ إذْ مَا تُحِيلُهُ الطَّبِيعَةُ تُلْقِيهِ إلَى أَسْفَلَ وَهَذَا فِي الِانْسِدَادِ الْعَارِضِ، أَمَّا الْخِلْقِيُّ فَيَنْقُضُ مَعَهُ الْخَارِجُ مِنْ الثَّقْبِ مُطْلَقًا، وَالْمُنْسَدُّ حِينَئِذٍ كَعُضْوٍ زَائِدٍ مِنْ الْخُنْثَى لَا وُضُوءَ بِمَسِّهِ وَلَا غُسْلَ بِإِيلَاجِهِ وَلَا إيلَاجَ فِيهِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ تَصْرِيحًا بِمُوَافَقَتِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ وَحَيْثُ أُقِيمَ الثَّقْبُ مَقَامَ الْمُنْسَدِّ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُهُ مِنْ إجْزَاءِ

[حاشية البجيرمي]

مِنْ الثُّقْبَةِ يُنَاسِبُ الْمُنْسَدَّ كَأَنْ انْسَدَّ الْقُبُلُ فَخَرَجَ مِنْهَا أَيْ: الثُّقْبَةِ بَوْلٌ أَوْ الدُّبُرُ فَخَرَجَ مِنْهَا غَائِطٌ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعٍ مِنْهُ عَلَى نَقْلٍ قَالَ: لَكِنْ يُشْكِلُ إذَا كَانَ الْخَارِجُ لَيْسَ مُعْتَادًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
اهـ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ النَّقْضُ بِهِ أَيْضًا كَمَا عُرِفَ، وَاشْتِرَاطُ الصَّيْمَرِيِّ انْسِدَادَهُمَا مَعًا خِلَافُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ.
اهـ إسْعَادٌ اهـ وَحِينَئِذٍ يُعْطَى الثَّقْبُ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ: النَّقْضَ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَجَوَازَ وَطْءِ الزَّوْجَةِ فِيهِ، وَعَدَمَ النَّقْضِ بِنَوْمِهِ مُمَكِّنًا لَهُ ح ل وَح ف، وَلَا يَصِيرُ جُنُبًا بِالْوَطْءِ فِيهِ بَلْ إذَا أَنْزَلَ، وَجَمِيعُ الْأَحْكَامِ ثَابِتَةٌ لِلْأَصْلِيِّ ع ش قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِرْمَاوِيُّ وَلَوْ انْفَتَحَ الْأَصْلِيُّ هَلْ تَرْجِعُ لَهُ الْأَحْكَامُ وَتَلْغُو أَحْكَامُ الْمُنْفَتِحِ؟ اُنْظُرْ مَا حُكْمُهَا؟ . ثُمَّ قَرَّرَ شَيْخُنَا ز ي أَنَّ الْأَحْكَامَ تَرْجِعُ لِلْأَصْلِيِّ مِنْ الْآنَ، وَتَلْغُو أَحْكَامُ الْمُنْفَتِحِ، وَلَمْ يُنَازِعْهُ أَحَدٌ مِنْ الدَّرْسِ.
قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6] هَذَا يَدُلُّ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعَى، وَهُوَ خُرُوجُ الْغَائِطِ وَالْمُدَّعَى خُرُوجُ غَيْرِ مَنِيِّهِ قَالَ ح ل: وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ نَظْمَ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ حَدَثٌ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَأَجَابَ الْأَزْهَرِيُّ بِأَنَّ أَوْ فِي قَوْلِهِ (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ) بِمَعْنَى الْوَاوِ وَهِيَ لِلْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثِينَ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ إلَخْ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ، وَالْحَالُ أَنَّهُ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَكَانَ مِنْ الْعَالِمِينَ بِالْقُرْآنِ أَنَّ فِي الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا أَيْ: وَحَذْفًا وَالتَّقْدِيرُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ النَّوْمِ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ إلَخْ (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) . اهـ (قَوْلُهُ وَلِقِيَامِ الثَّقْبِ إلَخْ) هَذَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّ الْغَائِطَ فِي الْآيَةِ شَامِلٌ لِلْخَارِجِ مِنْ الثَّقْبِ الْمَذْكُورِ إلَّا أَنْ يَخُصَّ الْخَارِجَ مِنْ الدُّبُرِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَالْغَائِطُ) أَيْ: فِي الْأَصْلِ الْمَكَانُ الْمُطَمْأَنُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: الْمُطَمْأَنُ فِيهِ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا أَيْ: الْمُنْخَفِضِ (قَوْلُهُ تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ) أَيْ: تَخْرُجُ، وَالْمُرَادُ بِالْحَاجَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَى خُرُوجِهِ الْمُتَضَرِّرُ بِبَقَائِهِ وَقَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِالْمُضَارِعِ فِي تُقْضَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّسْمِيَةِ ذَلِكَ الِاسْمُ أَنْ تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ بِالْفِعْلِ لَكِنْ هَلْ تَكْفِي صَلَاحِيَّتُهُ لِقَضَائِهَا أَوْ لَا بُدَّ مِنْ إعْدَادِهِ لَهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ بِرْمَاوِيٌّ (قَوْلُهُ سُمِّيَ بِاسْمِهِ) أَيْ: فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْخَارِجِ أَيْ: بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ الَّذِي هُوَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ لَا بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ لِيَشْمَلَ الرِّيحَ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ لِإِخْرَاجِهِ الْمَكَانَ الْمَذْكُورَ شَوْبَرِيٌّ وَعِبَارَةُ ع ش قَوْلُهُ الْخَارِجُ أَيْ: مِنْ الدُّبُرِ أَوْ الْقُبُلِ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ نَقَلَهُ السُّيُوطِيّ.
وَحِكْمَةُ اشْتِهَارِهِ فِي الْخَارِجِ مِنْ الدُّبُرِ دُونَ الْقُبُلِ أَنَّهُ جَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنَّ الشَّخْصَ إذَا أَرَادَ الْبَوْلَ يَبُولُ فِي أَيِّ مَكَان وَإِذَا أَرَادَ الْفَضْلَةَ الْمَخْصُوصَةَ يَذْهَبُ إلَى مَحَلٍّ يَتَوَارَى فِيهِ عَنْ النَّاسِ تَأَمَّلْ.
اهـ. (قَوْلُهُ وَخَرَجَ بِالْفَرْجِ) أَيْ: بِالْخُرُوجِ مِنْ الْفَرْجِ لِيُنَاسِبَ قَوْلَهُ خُرُوجُ شَيْءٍ إلَخْ وَخَارِجُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى خُرُوجُ (قَوْلُهُ وَلَوْ مَعَ انْسِدَادِ الْفَرْجِ) غَايَةٌ لِلرَّدِّ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ، وَهُوَ رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ الثَّقْبَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُنْسَدِّ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ إلَى مَخْرَجِهِ) أَيْ: خُرُوجِهِ (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ: التَّفْصِيلُ فِي الثَّقْبِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْمَعِدَةِ أَمْ لَا ح ل (قَوْلُهُ أَمَّا الْخِلْقِيُّ) أَيْ: الِانْسِدَادُ الْخِلْقِيُّ.
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ: فِي أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ.
(قَوْلُهُ وَحَيْثُ أُقِيمَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ رُجُوعُهُ لِلِانْسِدَادِ الْعَارِضِ وَالْخِلْقِيِّ، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ فِي الْخِلْقِيِّ فَيَثْبُتُ لِلْمُنْفَتِحِ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ حَتَّى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهِ فَوْقَ الْعَوْرَةِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ حَرِيمٌ كَالْفَرْجِ، وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْمُنْفَتِحِ يُخْرِجُ الْمَنَافِذَ، فَالْخَارِجُ مِنْهَا لَيْسَ يُنَاقِضُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَرَجَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ عَدَمَ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ إذَا نَامَ مُمَكِّنًا لَهَا أَيْ: لِلثُّقْبَةِ الْمُنْفَتِحَةِ مِنْ الْأَرْضِ ز ي وَعِبَارَةُ ع ش وَحَيْثُ أُقِيمَ إلَخْ ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الِانْسِدَادِ الْعَارِضِ، وَالْخِلْقِيِّ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الِانْسِدَادِ الْعَارِضِ فَقَطْ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ وَتَحْرِيمُ النَّظَرِ إلَيْهِ فَوْقَ الْعَوْرَةِ لِأَنَّ

الْحَجَرِ وَإِيجَابِ الْوُضُوءِ بِمَسِّهِ وَالْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ بِهِ، أَوْ الْإِيلَاجِ فِيهِ وَإِيجَابِ سَتْرِهِ وَتَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَيْهِ فَوْقَ الْعَوْرَةِ لِخُرُوجِهِ عَنْ مَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ، وَلِخُرُوجِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ عَنْ الْقِيَاسِ فَلَا يَتَعَدَّى الْأَصْلِيَّ.
وَالْمَعِدَةُ مُسْتَقَرُّ الطَّعَامِ مِنْ الْمَكَانِ الْمُنْخَسِفِ تَحْتَ الصَّدْرِ إلَى السُّرَّةِ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا السُّرَّةُ.
أَمَّا مَنِيُّهُ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَأَنْ أَمْنَى بِمُجَرَّدِ نَظَرٍ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الْغُسْلُ بِخُصُوصِهِ فَلَا يُوجِبُ أَدْوَنَهُمَا بِعُمُومِهِ كَزِنَا الْمُحْصَنِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ مَعَ إيجَابِهِمَا الْغُسْلَ لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ صِحَّةَ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا فَلَا يُجَامِعَانِهِ بِخِلَافِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ يَصِحُّ مَعَهُ الْوُضُوءُ فِي صُورَةِ سَلَسِ الْمَنِيِّ؛ فَيُجَامِعُهُ وَدَخَلَ فِي غَيْرِ مَنِيِّهِ مَنِيُّ غَيْرِهِ فَيَنْقُضُ فَتَعْبِيرِي بِمَنِيِّهِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالْمَنِيِّ.

[حاشية البجيرمي]

هَذَا عَلَى مُقَابِلِ الْأَظْهَرِ فِي عِبَارَةِ الْأَصْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَادَتُهُ التَّفْرِيعَ عَلَى الْمُقَابِلِ وَكَتَبَ أَيْضًا لَوْ كَانَ الِانْسِدَادُ عَارِضًا لَا يَثْبُتُ لَهُ إلَّا النَّاقِضُ بِالْخَارِجِ فَقَطْ، وَجَمِيعُ الْأَحْكَامِ ثَابِتَةٌ لِلْأَصْلِيِّ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الِانْسِدَادُ خِلْقِيَّا فَإِنَّ الْأَحْكَامَ كُلَّهَا تَثْبُتُ لِلْمُنْفَتِحِ اهـ وَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَخْ أَيْ: فَالصَّوَابُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ فَوْقَ الْعَوْرَةِ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الثَّقْبَ أُقِيمَ مَقَامَ الْمُنْسَدِّ، وَلَا يَكُونُ إلَّا إذَا كَانَ فِي الْعَوْرَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ حَيْثُ أُقِيمَ الثَّقْبُ أَيْ: عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الثَّقْبَ يَنْقُضُ مُطْلَقًا إنْ كَانَ الْأَصْلِيُّ مُنْسَدًّا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَحَلِّيُّ (قَوْلُهُ فَوْقَ الْعَوْرَةِ) ظَرْفٌ لِلْإِيجَابِ، وَالتَّحْرِيمِ وَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ هَذَا كُلِّهِ إذْ لَا يَتَفَرَّعُ إلَّا عَلَى الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الثَّقْبَ إذَا كَانَ فَوْقَ الْمَعِدَةِ، وَكَانَ الِانْسِدَادُ عَارِضًا يَنْقُضُ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ لِلْأَصْلِيِّ شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ ح ل قَوْلُهُ: فَوْقَ الْعَوْرَةِ تَبِعَ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ شَيْخَهُ الْمَحَلِّيَّ الَّذِي فَرَّعَهُ عَلَى مُقَابِلِ الْأَظْهَرِ وَهُوَ أَنَّ الْمُنْفَتِحَ فَوْقَ الْعَوْرَةِ يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْهُ؛ فَالْأَوْلَى إسْقَاطُ قَوْلِهِ وَإِيجَابُ سُتْرَةٍ وَتَحْرِيمُ النَّظَرِ إلَخْ لِأَنَّ الْمُنْفَتِحَ فَوْقَ الْعَوْرَةِ لَا يُقَامُ حِينَئِذٍ مَقَامَ الْأَصْلِيِّ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ وَلَا يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْهُ فَكَيْفَ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ؟ اهـ. (قَوْلُهُ وَالْمَعِدَةُ) أَيْ: عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ وَقَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِهَا أَيْ: عِنْدَ الْفُقَهَاءِ السُّرَّةُ أَيْ: وَمَا حَاذَاهَا فَهُوَ مَجَازٌ عَلَاقَتُهُ الْمُجَاوَرَةُ.
(قَوْلُهُ فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) وَمِثْلُهُ الْوِلَادَةُ بِلَا بَلَلٍ بِخِلَافِ إلْقَاءِ بَعْضِ الْوَلَدِ فَيَنْقُضُ وَلَا يُوجِبُ الْغُسْلَ.
ز ي وَمِنْ فَوَائِدِ عَدَمِ النَّقْضِ بِالْمَنِيِّ صِحَّةُ صَلَاةِ الْمُغْتَسِلِ بِدُونِ وُضُوءٍ قَطْعًا وَلَوْ قُلْنَا بِالنَّقْضِ لَكَانَ فِيهَا بِدُونِ وُضُوءٍ خِلَافٌ وَنِيَّةُ السُّنِّيَّةِ بِوُضُوئِهِ قَبْلَ الْغُسْلِ وَلَوْ نَقَضَ لَنَوَى بِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ شَرْحُ م ر، وَقَوْلُ م ر خِلَافٌ لِأَنَّهُ قِيلَ بِعَدَمِ الِانْدِرَاجِ.
(قَوْلُهُ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ) أَيْ: اللَّذَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي أَنْ لَا وُضُوءَ بِإِلْقَاءِ الْوَلَدِ الْجَافِّ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ انْعَقَدَ مِنْ مَنِيِّهَا وَمَنِيِّهِ اسْتَحَالَ إلَى الْحَيَوَانِيَّةِ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ بِخُصُوصِهِ) أَيْ: بِخُصُوصِ كَوْنِهِ مَنِيًّا، وَقَوْلُهُ بِعُمُومِهِ أَيْ: بِعُمُومِ كَوْنِهِ خَارِجًا.
(قَوْلُهُ كَزِنَا الْمُحْصَنِ) أَيْ: فَإِنَّهُ أَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ الرَّجْمُ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ زِنَا مُحْصَنٍ وَلَمْ يُوجِبْ أَدْوَنَهُمَا وَهُوَ الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ بِعُمُومِ كَوْنِهِ زِنًا ح ل وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ قَدْ يُوجِبُ أَمْرَيْنِ فَأَكْثَرَ كَالْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ يُوجِبُ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ جِمَاعًا وَأَدْوَنَهُمَا، وَهُوَ الْقَضَاءُ بِعُمُومِ كَوْنِهِ فِطْرًا وَأَدْوَنَ مِنْهُمَا مَعًا وَهُوَ التَّعْزِيرُ بِعُمُومِ كَوْنِهِ مَعْصِيَةً.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالطَّهَارَةِ أَوْ الْحَدِّ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا يَرِدُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَكُونُ بِالصَّوْمِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا أَصَالَةُ الْعِتْقِ فَتَأَمَّلْهُ.
اهـ شَيْخُنَا فِي الْفَيْضِ شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ) أَيْ: الْأَدْوَنَ الَّذِي هُوَ الْوُضُوءُ، وَإِيجَابُهُ فَرْعُ إبْطَالِهِ.
ح ل. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ صِحَّةَ الْوُضُوءِ) أَيْ: الْوَاجِبِ أَوْ الْمُبِيحِ لِنَحْوِ الصَّلَاةِ فَلَا تَرِدُ صِحَّةُ الْوُضُوءِ مِنْهُمَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ.
شَوْبَرِيٌّ (قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ: فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً أَوْ غَيْرَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُطْلَقًا أَيْ: فِي الِابْتِدَاءِ بِأَنْ طَرَأَ عَلَيْهِمَا، وَفِي الدَّوَامِ بِأَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ فَلَا يُجَامِعَانِهِ أَيْ: فِي الدَّوَامِ بِأَنْ طَرَأَ عَلَيْهِ.
وَحَاصِلُ صَنِيعِهِ أَنَّهُ قَاسَ الدَّوَامَ عَلَى الِابْتِدَاءِ فِي الْبُطْلَانِ، وَفِيهِ أَنَّ الدَّوَامَ أَقْوَى، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمَذْكُورَةَ تُنَافِي الْوُضُوءَ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا، وَمِنْهَا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ فَكَيْفَ تُجْعَلُ مُنَافَاتُهُمَا لِلْوُضُوءِ ابْتِدَاءً أَصْلًا؟ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مُنَافَاتُهُمَا لَهُ فِي الدَّوَامِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فِي صُورَةِ سَلَسِ الْمَنِيِّ) افْهَمْ أَنَّ السَّلِيمَ لَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ حَالَ نُزُولِ الْمَنِيِّ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ، وَهِيَ لَا تُسْتَبَاحُ مَعَ الْجَنَابَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
ع ش إطْفِيحِيٌّ وَقَرَّرَ شَيْخُنَا ح ف أَنَّ قَوْلَهُ فِي صُورَةِ إلَخْ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ يَصِحُّ الْوُضُوءُ مَعَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ سَلَسٌ أَيْ: وَهُوَ قَضِيَّةُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ غَيْرَ مَنِيِّهِ، وَمُقْتَضَى مَا يَأْتِي فِي بَابِ الْحَيْضِ مِنْ أَنَّ الْحَائِضَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الطُّهْرُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْوُضُوءِ مَعَ نُزُولِ الْمَنِيِّ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ طُهْرٌ مَعَ الْجَنَابَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ع ش عَلَى م ر قَالَ الْعَلَّامَةُ الرَّشِيدِيُّ: إنَّمَا قَصَرَ التَّصْوِيرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ

فصول الكتاب · 3 فصل · 503 صفحة
جارٍ التحميل