كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- كوكب عبيد
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب المالكي
- المؤلف
- الحاجّة كوكب عبيد
- الناشر
- مطبعة الإنشاء، دمشق - سوريا.
- الطبعة
- الأولى 1406 هـ - 1986 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
5- أن يمكن متابعة المشي فيهما عادة، ولو كان يُرى بعض القدم أو كله من الخف لتوسيع فوهته.
أما إن كان لا يستقر القدم فيه كله أو جُلّه فلا يجوز المسح عليه، لأنه لا يمكن متابعة المشي فيه.
6- أن لا يكون على محل المسح المفروض (وهو أعلى الخف) حائل يمنع وصول الماء إلى الخف كخرقة أو شمع أو عجين.
أما إن كان الحائل في أسفل الخف فلا مانع، لأنه لا يتوجب مسح أسفله على القول المعتمد بل يُندب.
7- أن يُلبس على طهارة كاملة، فإن لبسه محدثاً ثم أراد الوضوء والمسح عليه فلا يجوز، لما رواه البخاري عن المغيرة بن شعبة رضي اللَّه عَنهُ قال: كنت مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: (دَعْهما، فإني أدخلتُهما طاهرتَيْن) 1 فمسح عليهما.
ومعنى أن يُلبس على طهارة كاملة أي بعد تمام الوضوء أو الغسل، فإذا لبسه أثناء الوضوء أو الغسل قبل أن ينتهي من وضوئه أو غسله لم يجز المسح عليه فيما بعد.
8- أن تكون الطهارة التي لبس بعدها الخف مائية لا ترابية، فلا يصح أن يلبسه بعد التيمم، سواء كان تيممه لفقد الماء أو المرض أو نحوهما.
9- أن لا يقصد بلبسه مجرد المسح عليه أو التنعيم كما لبسه خوفاً من حناء برجله، أو لمجرد النوم به، أو لكونه حاكماً، بل ينبغي أن يقصد به إتباع السنة، بخلاف من لبسه اتقاء حرٍ أو برد أو خوف عقرب فإنه يمسح.
10- أن لا يكون عاصياً بلبسه كمحرم بحج أو عمرة، ما لم يكن مضطراً للبسه كمرض أو كان المحرم امرأة.
11- أن لا يكون الخف مغصوباً، فإن كان مغصوباً فلا يجزئ المسح عليه، ولكن الأرجح الإجزاء.
كيفية المسح على الخفين ومقدار المسح المفروغ منه:
1- المقدار المفروض مسحه من الخف: يجب تعميم ظاهر أعلاه بالمسح، أما مسح أسفله فمندوب وقيل واجب، لما روى المغيرة بن شعبة رضي اللَّه عنه قال: (وضأت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله) 2 ، فلو ترك مسح أعلاه أو بعضه واقتصر على مسح أسفله لم يصح المسح، وإذا صلى به كانت الصلاة باطلة، أما إن ترك مسح أسفله فإنه يعيد الصلاة في الوقت المختار من مواقيت الصلاة مراعة للقول بوجوبه.
2- كيفية كمال المسح على الخفين:
وكيفية المسح، أن يضع باطن أصابع يده اليمنى فوق أطراف أصابع قدمه اليمنى، ويضع يده اليسرى تحت أصابعها ويمر بيده على خف رجله اليمنى إلى الكعبين، ويفعل في خف رجل اليسرى عكس ذلك بحيث يضع يده اليسرى فوق أطراف أصابع رجله اليسرى وأصابع اليد اليمنى من تحتها ويمر بهما إلى الكعبين.
مكروهات المسح على الخفين:
1- يكره غسل الخفين بدلاً من مسحها، إلا أنه يجزئ الغسل عن المسح إن نواه، أما إن نوى به النظافة أو إزالة ما عليهما من نجاسة من غير أن ينوي رفع الحدث، فإنه لا يجزء عن المسح.
2- يكره تتبع غضون الخف بالمسح، لأن المسح مبني على التخفيف.
3- تكره زيادة المسح على المرة الواحدة، لأنه خلاف السنة.
مبطلات المسح على الخفين:
1- يبطل المسح على الخفين بطروء موجب من موجبات الغسل، كجنابة أو حيض أو نفاس، كما أنه لا يجوز المسح عليهما بدل الغسل فلا بد من نزعهما وغسل الرجلين.
2- يبطل المسح بخرق الخف قدر ثلثِه فأكثر، إذا كان الجلد ملتصقاً مع بعضه كشق أو فتق الخرز دون أن تظهر الرجل، أما إن كان الخرق يُظهر الرجل فيبطل المسح ولو كان الخرق أقل من ثلث الخف، ما لم يكن الخرق صغيراً جداً بحيث أن بلل اليد لا يصل إلى الرجل فلا يضر.
3- خروج القد أو أكثره من الخف إلى ساقه، وقيل لا يُبْطِل إلا خروج القدم كله إلى الساق، فإذا خرج القدم من الخف أو خرق الخف، وكان المكلف متوضئاً، وجب المبادرة إلى نزع الخف كله وغسل الرجلين إلى الكعبين مراعة للموالاة في الوضوء، فإن طال الفصل، عمداً، بين نزع الخف وغسل القدمين بطل الوضوء كله، وإن كان لابساً خفين فوق بعضهما، وكان الاثنان على طهارة، ونزع الأعلى الممسوح عليه، فعليه المبادرة إلى مسح الأسفل.
وإذا خرق الخف أو نزع من رجل وبقي بالرجل الأخرى ملبوساً أو غير مخرَّق، وجب عيه نزع الرجل الثانية من الخف وغسل الرجلين، لأنه لا يجوز الجمع بين المسح والغسل بحيث تغسل رجل وتمسح أخرى.
المسح على الجوارب:
حكمه: رخصة.
شروطه: أن يكون الجوارب من قطن أو كتان أو صوف، وكُسِيَ ظاهره وباطنه بالجلد، فإن لم يجد فلا يصح المسح.
الباب الخامس: الغُسْل
تعريفه:
الغُسْل لغة: سيلان الماء على البدن مع الدلك..
وشرعاً: إيصال الماء الطهور إلى جميع البدن بنية استباحة الصلاة مع الدلك.
أما الغِسل فاسم للماء الذي يغتسل به من صابون أو أشنان.
حكم الغسل:
أولاً: واجب على المكلف (البالغ، العاقل) ذكراً كان أو أنثى إذا طرأ موجب من موجبات الغسل.
ثانياً: مسنون:
1- غسل الجمعة، لمصلي الجمعة، ولو لم تلزمه، ويصح بطلوع الفجر والاتصال بالذهاب إلى الجامع، فإن تقدم على الفجر أو لم يتصل بالذهاب إلى الجامع، لم تحصل السنة فيعيده لتحصيلها.
فعن ابن عمر رضي اللَّه عَنهما قال: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: (إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل) 1 .
2- غسل العيدين فإنه سنة على الراجح (وإن كان المشهور ندبه) ، لما روي عن ابن عباس رضي اللَّه عَنهما قال: (كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى) 2 .
ويدخل وقته في السدس الأخير من الليل، ويندب أن يكون بعد طلوع فجر العيد، ولا يشترط اتصاله بالتوجه إلى مُصلى العيد، لأنه لليوم لا للصلاة، فيطلب ولو من غير المصلي.
3- غسل الإحرام، ويطلب حتى من الحائض والنفساء، لما روى زيد بن ثابت رضي اللَّه عَنهُ (أنه رأى النبي صلى اللَّه عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل) 3 . ثالثاً: مندوب:
1- الغسل لمن غَسَّل ميتاً، لحديث أبي هريرة رضي اللَّه عَنهُ عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: (من غسل ميتاً فليغتسل) 4 .
2- الغسل عند دخول مكة وهو للطواف، فلا يندب من الحائض والنفساء.
3- الغسل عند الوقوف بعرفة، وهو مستحب من الحائض والنفساء.
4- الغسل لدخول المدينة المنورة.
5- الغسل لمن أسلم ولم يتقدم له موجب من موجبات الغسل.
6- الغسل لصغير مأمورة بالصلاة وطئها بالغ.
7- الغسل لصغيرة مأمورة بالصلاة وطئ مطيقة.
8- الغسل لمستحاضة عند انقطاع دمها.
موجبات الغسل:
هي الأسباب التي توجب الغسل، وتسمى حدثاً أكبر.
وهي أربع:
أولاً: خروج 1 المني من الرجل أو المرأة لحديث أم سلمة رضي اللَّه عَنها قالت: (جاءت أم سليم إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقالت يا رسول اللَّه، إن اللَّه لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: نعم، إذا رأت الماء.
فقالت أم سلمة: يا رسول اللَّه وتحتلم المرأة؟ فقال: تربت يداك فبم يشبهها ولدها) 2 .
وهناك حالتان لخروج المني:
أ- في حالة النوم، ويعبر عنه بالاحتلام، ويوجب الغسل مطلقاً، سواء كان بلذة أم بغير لذة، فإذا استيقظ المكلف من النوم ووجد بللاً في ثوبه وشك هل هو مذي أم مني وجب الغسل، وإذا ظن أنه مذي وتوهم أنه مني فليس عليه غسل، وكذا لو شك هل هو مذي أم ودي أم مني فلا يجب الغسل، لأن الشك بين ثلاث يصير كل واحداً وهماً.
وإذا تحقق وجود المني ولم يدرِ منذ متى، وجب عليه الغسل، وأعاد الصلاة التي صلاها بعد آخر نومة نامها.
ب- خروج المني يقظة بلذة معتادة بنظر، أو فكر، أو مباشرة، يوجب الغسل ولو خرج المني بعد ذهاب اللذة؛ فلو اغتسل بعد حصول اللذة المعتادة الناجمة عن غير الجماع، لظنه جهلاً منه أنه يجب عليه الغسل لمجرد اللذة، ثم أنزل بعد الغسل فعليه إعادة الغسل.
أما إذا أنزل بعد غسل الجماع فليس عليه إعادة الغسل، لأنه يكون أمنى بدون لذة.
كذلك إن خرج المني بغير لذة معتادة، كحك جرب، أو ماء ساخن، أو هزة دابة، فليس عليه غسل وإنما عليه الوضوء فقط، إما لعدم وجود اللذة أو لكونها لذة غير معتادة.
ثانياً: تغييب حشفة المكلف أو قدرها، ولو بحائل غير كثيف لا يمنع اللذة، في فرج شخص مطيق للجماع، قبلاً أو دبراً (أما إن كان في غيرهما فلا غسل عليه ما لم ينزل) ، من ذكر أو أنثى أو خنثى، ولو غير بالغ، حياً أو ميتاً، ولو كان الموطوء بهيمة، سواء أنزل أم لم ينزل.
لما روي عن أبي هريرة رضي اللَّه عَنهُ أن نبي اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل) وفي رواية: (وإن لم ينزل) 3 وفي رواية عن عائشة رضي اللَّه عنهما: (ومس الختان الختان، فقد وجب الغسل) 4 .
أما الموطوء فلا يجب عليه الغسل إلا بشروط:
1- أن يكون بالغاً، فإن كان مميزاً ندب له الغسل وإلا فلا يندب.
2- أن يكون الواطئ مكلفاً، فإن كان صبياً مميزاً فلا يجب على الموطوءة البالغة إلا إذا أنزلت.
3- أن يكون الموطوء حياً، فإن كان ميتاً فلا يعاد غسله.
ثالثاً: الحيض: يجب الغسل بعد انقطاع دم الحيض، والانقطاع شرط لصحة الغسل، قال تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن ... ﴾ 5 .
رابعاً: النفاس 6 : ويجب الغسل من النفاس، سواء كان بدم أم بغير دم (ولادة بلا دم) ، لكن إن كان بدم فلا يجب ولا يصح إلا بعد انقطاع الدم.
كما يجب الغسل على الكافر بعد الشهادة، إن كان حصل منه موجب من موجبات الغسل الأربعة المذكورة، أما إن كان لم يحصل منه واحد من هذه الموجبات، كأن كان بلغ بالسن أو الإنبات، فلا يجب عليه الغسل بل يندب، وينوي بغسله إما رفع الجنابة أو الطهارة الكبرى أو الإسلام.
فرائض الغسل:
أولاً: النية: هي قصد القلب أداءَ فرضِ الغسل، أو رفع الحدث الأكبر، أو رفع الجنابة، أو استباحة ما منعه الحدث الأكبر، أو استباحة الصلاة.
ومحلها القلب، كما تقدم في الوضوء، ووقتها عند غسل أول جزء من أجزاء البدن سواء ابتدأ بالفرج أو بغيره.
ويصح تأخير النية عند بدأ الشروع في الغسل بزمن يسير عرفاً.
ثانياً: الموالاة: ويعبر عنها بالفورية، كما في الوضوء، وهي أن ينتقل المكلف من غسل عضو إلى الآخر قبل جفاف الأول، بشرط أن يكون ذاكراً للموالاة وقادراً عليها، فإن فرق ناسياً أو لعد القدرة فلا يضر، أما إن فرق عامداً بطل الغسل؛ إن طال الفصل وإلا فلا يبطل.
ثالثاً: تعميم ظاهر البدن بالماء: بأن ينغمس المكلف فيه، أو يصبه على جسده بيده أو بغيرها كتلقيه من المطر.
وعليه أن يتعهد معاطف البدن وتكاميشه كالشقوق والسرة والحالبين والإبطين وكل ما غار من البدن.
ولا يعتبر الفم والأنف وصماخ الأذنين والعين من ظاهر الجسد الواجب غسله، بل تسن المضمضة والاستنشاق.
رابعاً: دلك جميع البدن بالماء، لحديث عائشة رضي اللَّه عَنها أن أسماء سألت النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن غسل الحيض فقال: ( ... ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليه الماء ... ) 1 .
ولا يشترط الدلك حال صب الماء على البدن بل يكفي الدلك بعد صب الماء ونزوله من على البدن بشرط أن لا يجف الماء من على العضو قبل دلكه، فإن تركه أو استناب من يدلك له مع القدرة على ذلك لم يجزئه، ويجب عليه إعادة الغسل ولو تحقق وصول الماء إلى البشرة.
كما لا يشترط في الدلك أن يكون بخصوص اليد، فلو دلك جزءاً من جسمه بذراعه، أو وضع إحدى رجليه على الأخرى ودلكها بها، فإنه يجزئه ذلك، وكذا يكفي الدلك بمنديل أو فوطة.
فإن عجز عن دلك بدنه كله أو بعضه بيده أو بخرقة سقط عنه فرض الدلك.
خامساً: تخليل الشعر ولو كان كثيفاً، سواء في ذلك شعر الرأس أو غيره، وذلك بأن يضمَّهُ ويعرِكَه عند صب الماء حتى يصل الماء إلى البشرة.
ولا يجب نقض مضفور شعره ما لم يشتد الضفر حتى يمنع وصول الماء إلى البشرة أو إلى باطن الشعر، لما روت أم سلمة رضي اللَّه عَنها قالت: (قلت يا رسول اللَّه إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضن عليه الماء فتطهرين) 2 . ويستثنى من ذلك شعر العروس إذا زينته، أو وضعت عليه طيباً ونحوه من أنواع الزينة، فإنها لا يجب عليها غسل رأسها في هذه الحالة، لما في ذلك من إتلاف المال، ويكتفى منها بغسل بدنها ومسح رأسها بيدها حيث لا يضرها المسح، فإن كان على بدنها كله طيب ونحوه تخشى ضياعه بالماء سقط عنها فرض الغسل وتيممت.
كما يجب تخليل أصابع الرجلين ومن باب أولى أصابع اليدين، لكن لا يجب نزع الخاتم أو تحريكه ولو كان ضيقاً على المعتمد.
ويجب على من شك في محل من بدنه هل أصابه ماء أم لا غسلُ هذا المحل بصب الماء والدلك، أما إن كان مُسْتَنْكَحاً (أي يعتريه الشك كثيراً) فيجب عليه أن يعرض عنه، لأن تتبع الوسواس يفسد الدين من أصله.
سنن الغسل: