كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- كوكب عبيد
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب المالكي
- المؤلف
- الحاجّة كوكب عبيد
- الناشر
- مطبعة الإنشاء، دمشق - سوريا.
- الطبعة
- الأولى 1406 هـ - 1986 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الباب الأول: تعريف الطهارة: -
الطهر لغةً بفتح الطاء: النظافة من الأوساخ الحسية والمعنوية، ومن ذلك ما ورد عن ابن عبّاس رضي اللَّه عنهما أنَّ النبي صَلى اللَّه عَليه وسَلم كان إذا دخل على مريض يعوده قال له: (لا بأس ظَهور إن شاء اللَّه) 1 أي: المطهر من الذنوب، وهي أقذار معنوية.
وأمّا الطهارة في اصطلاح الفقهاء فهي صفة حُكمية 2 يستباح بها ما منعه 3 الحدث أو حكم الخبث، وقد عرّفها ابن عرفة بقوله: "صفة تقديرية تستلزم للمتصف بها جواز الصلاة".
دليلها:
قوله تعالى: ﴿إن اللَّه يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ 4
وحديث أبي مالك الأشعري رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صَلى اللَّه عَليه وسَلم: (الطُّهور شطر الإيمان ... ) 5 .
أقسامها:
الطهارة قسمان:
آ - طهارة حدثية أي من الحدثين: وتكون مائية أو ترابية؛ فالمائية بالغسل والمسح، والترابية بالمسح فقط.
ب - طهارة خبيثة أي من الخبث: وتكون مائية أو غير مائية؛ فالمائية بالغسل والنضح، وغير المائية بالدبغ.
فأما الحدث فهو صفة تقديرية قائمة بجميع البدن أو بأعضاء الوضوء، ولا تقوم إلا بالمكلف (مسلم بالغ عاقل) . وقد عرفه ابن عرفة بقوله: "الحدث صفة حكمية توجب لموصوفها منع استباحة الصلاة سواء كان بجميع الأعضاء كالجنابة أو ببعضها كحدث الوضوء".
وعلى هذا فالحدث قسمان: حدث أصغر، وحدث أكبر.
وأما الخبث فهو العين المستقذرة شرعاً كالدم والبول ونحوها.
ويقسم الخبث إلى: نجاسة عينية: وهي ذات الخبث.
وحكمية: وهي أثر الخبث المحكوم على المحل به.
حكم الخبث: يمنع الصلاة والطواف والمكث وفي المسجد والوضوء والغسل سواء كان مفروضاً أو مندوباً أو مسنوناً.
المياه
لا يرفع الحدث ولا حكم الخبث إلا الماء المطلق.
والماء المطلق هو ما صدق عليه اسم الماء 1 بلا قيد، وهو كل ما نبع من الأرض أو نزل من السماء ولم يتغير أحد أوصافه الثلاثة: اللون والطعم والريح بمخالط طاهر أو نجس.
فدليل ما نزل من السماء: قوله تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ 2 وقوله عز وجل: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً﴾ 3 .
وحديث عبد اللَّه بن أبي أوفى رضي اللَّه عَنهُ عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم وسلم فيه: ( ... اللَّهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد.
اللَّهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ) 4 .
ودليل ماء البحر: حديث أبي هريرة رضي اللَّه عَنهُ قال: سأل رجل رسول اللَّه صلى عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول اللَّه صلى عليه وسلم هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) 5
فإن خالط الماء شيءٌ نجس وغيرَّ أحد أوصافه أصبح نجساً، وإن خالطه طاهر وغيرّ أحد أوصافه سُلبت طهوريته وبقي طاهراً فقط باستثناء ما يلي:
1- إنْ تغير الماءُ بسبب ما في مقره أو ممره (كالمغرة والكبريت والتراب) من أجزاء الأرض.
2- إنْ تغير الماءُ بسبب طول المكث.
3- إن تغير الماءُ بسبب ما طرح فيه من أجزاء الأرض ولو عمداً كالتراب والملح.
4- إن تغير الماءُ بسبب وتولد فيه من سمك أو دود أو طحلب.
5- إن تغير ريح الماء بالمادة التي دُبغ بها الإِناء إن كان هذا الدابغ طاهراً كالقطران، مثل القرب الجلدية المدبوغة بالقطران.
6- إن تغير بما يعسر الاحتراز منه كالتبن وورق الشجر.
7-إن تغير بمجاور من غير ملاصقته للماء، كأن تطرح جيفة في شاطئ الماء فيتغير الماء برائحتها.
8- إن تغير تغيراً خفيفاً بآلة سقي كالحبل الذي تعلق به الدلاء.
9- إن خالط الماء ما يوافقه في صفاته.
ولو جزمنا أنه لو كان المخالط مخالفاً للماء لغيرَّه.
10- إن أدخل حيوان لا يتوقى النجاسة سؤره في ماء يسير وعسر الاحتراز منه، كالهرة والفأرة، لما روت كبشة بنت كعب بن مالك أن أبا قتادة دخل عليها، قالت فسكبت له وضوءاً، قالت: فجاءت هرة تشرب، فأصغى 6 لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني انظر إليه فقال: أتعجبين يا بنت أخي؟ فقالت: نعم، قال إن رسول اللَّه صَلى اللَّه عَليه وسَلم قال: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات) 7 . إن شُك في المُغيِّر هل هو: من نجس ما يضر كالبول والدم، أم من نجس مالا يضر كالكبريت، أو طول المكث، اكتفي بخبر الواحد العدل الرواية ولو كان أنثى أو عبداً إذا بين وجه التغير، إلا إن كان المُخبرِ والمخبرَ متفقيّ المذهب فيكتفي بحكمه ولو لم يبين وجه التغير.
أقسام المياه:
أولاً: الماء الطاهر المطهر غير مكروه الاستعمال: وهو الماء المطلق المذكور آنفاً.
ثانياً: الماء الطاهر المطهر المكروه الاستعمال: وهو:
1- الماء المشمس في قطر حار (سواء كان يسيراً أو كثيراً) في إناء مثل النحاس وما شابهه.
وكراهيته طبية لا شرعية.
2- الماء الشديد الحرارة والشديد البرودة شدة لا تضر بالبدن.
وعلة الكراهة أنه في هذه الحالة يصرف المتطهر عن الخشوع لله، ويجعله مشغولاً بألم الحر أو البرد، ومنها عدم إسباغ الطهارة.
3- الماء الراكد ولو كان كثيراً ما لم يستبحر، أو تكن له مادة 1 ، فإنه يكره الاغتسال فيه.
4- ماء راكد مات فيه حيوان بري له دم سائل، ولم يتغير الماء، ولو كان لها مادة كبئر ويندب النزع منه (أي إخراج دلو أو دلوين أو أكثر) لإحداث مظنة إزالة الفضلات التي تطفو على سطح الماء من الميتة.
أما إن تغير الماء بالميتة فقد أصبح نجساً لأن الميتة نجسة (أما إن خرج الحيوان حياً أو ألقي ميتاً، أو كان بحرياً أو برياً ليس له دم سائل كعقرب، أو كان الماء جارياً أو مستبحراً أي كثيراً كالبحر، فإنه لا يندب النزح منه كما لا يكره استعماله) .
5- الماء اليسير 2 المستعمل في رفع الحدث ولو من صبي لرفع حدث آخر لا لرفع حكم خبث فإنه لا يكره.
(أما المستعمل في رفع حكم خبث ولم يتغير فغير مكروه الاستعمال لا لرفع حدث ولا لرفع حكم خبث لمرة ثانية) .
وتتوقف الكراهية على شرطين:
1- أن يكون الماء يسيراً.
2- أن يكون الماء قد استعمل في وضوء واجب، أما إن استعمل في وضوء مندوب كالوضوء للنوم فلا كراهية.
وعلل المالكية 3 صحة الوضوء من الماء المستعمل بقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماءِ ماءً طهوراً﴾ 4 وهذه صيغة مبالغة تفيد أنه يطهرِّ مرة إثر مرة.
والمقصود بالمستعمل هو ما تقاطر
من الأعضاء بعد غسل أو وضوء، أما إن غمس العضو بالماء ولم ينوِ نية الاغتراف فلا يصبح الماء مستعملاً كما عند الشافعية.
6- الماء اليسير الذي حلت به نجاسة ولم تغيره بشروط:
1- أن يكون الماء يسيراً.
2- أن تكون النجاسة كقطرة المطر المتوسطة فما فوق، أما إن كانت أقل فلا يكره.
3- أن لا تتغير أوصافه من لون أو ريح أو طعم.
4- أن لا يكون جارياً، فإن كان جارياً فلا كراهة.
5- أن لا يكون له أمداد تزيد كمية الماء كماء البئر.
7- الماء اليسير الذي ولغ فيه الكلب، وكذا سؤر كل حيوان لا يتوقى نجساً إن لم يعسر الاحتراز منه كطير وسباع، لما روى يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب (أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عَنهُ خرج في ركب فيه عمرو بن العاص حتى وردوا حوضاً، فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرِدُ على السباع وترِدُ علينا) 5 أي أمر لابد منه.
وهي طاهرة لا ينجس الماء بشربها منه لحديث أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عَنهُ أن النبي صَلى اللَّه عَليه وسَلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة.
تردها السباع والكلاب الحُمُر.
وعن الطهارة منها؟ فقال: (لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر طهور) 6 .
وتتوقف كراهية استعمال هذا الماء وطهارته على شرطين:
1- أن يكون الماء يسيراً.
2- أن لا تتغير أحد أوصافه.
وكراهيته هذه في استعماله لرفع حدث، أما استعماله لرفع خبث أو في غسل الأواني فإنه لا يكره.
8- الماء اليسير الذي شرب منه شخص اعتاد المسكر أو غسل عضواً من أعضائه وفي الحقيقة أنه لا فرق بين الماء القليل والكثير إلا الكراهية المذكورة أعلاه لليسير، أما لو كان كثيراً فلا كراهة.
وكذلك تزول كراهية هذه المياه المذكورة في حال عدم وجود غيرها.
ثالثاً: الماء الطاهر غير المطهر:
وهو الطاهر بنفسه، غير المطهر لغيره، أي الذي لا يرفع حدثاً ولا يزيل نجساً، وهو أقسام:
1- الماء المطلق إذا خالطه [^fn28] إحدى الطاهرات مثل الصابون أو ماء الورد وغيرت أحد أوصافه الثلاثة بشروط:
1- أن يكون ذلك الطاهر ليس لازماً للماء بل يفارقه في غالب الأحيان.