كتاب الصوم -
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- كوكب عبيد
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب المالكي
- المؤلف
- الحاجّة كوكب عبيد
- الناشر
- مطبعة الإنشاء، دمشق - سوريا.
- الطبعة
- الأولى 1406 هـ - 1986 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الباب الأول
: تعريف الصوم:
الصوم لغة: الإمساك عن الشيء.
بدليل قوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم أنسياً﴾ 1 أي صمتاً.
وشرعاً: الإمساك عن المفطرات من شهوتي البطن والفرج، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية.
أقسام الصوم:
1- الصوم المفروض.
2- الصوم المندوب
3- الصوم المكروه.
4- الصوم المحرم.
أولاً - الصوم المفروض
وهو صوم رمضان أداءً وقضاءً، وصوم الكفارات، والصوم المنذور.
صوم رمضان
صوم رمضان فرض عين بدليل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاُ أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ... ﴾ 1 .
وما روى ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمد عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان" 2 .
وقد أجمعت الأمة على فرضية الصوم ولم يخالف أحد من المسلمين، فهو معلوم من الدين بالضرورة ويكفر منكره.
ثبوت شهر رمضان: يثبت رمضان بأحد الأمور التالية:
1- بكمال شهر شعبان ثلاثين يوماً، لحديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال أبو القاسم صلى اللَّه عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" 1
2- برؤية هلال رمضان من قبل شاهدين عدلين (والعَدْل: ذكر بالغ عاقل غير مرتكب لكبيرة ولا مصرّ على صغيرة) . ويجب الصوم على كل من أخبره العدلان برؤية الهلال أو سمع أنهما يخبران غيره وإن لم يرفعا الشهادة إلى الحاكم.
فإن ثبت رمضان برؤيتهما ولم يُرَ هلال شوال بعد الثلاثين يوماً من قبل غيرهما حال كون السماء صحواً ليلة الإحدى والثلاثين كُذٍبا في شهادتهما برؤية رمضان.
ووجب تبييت نية الصوم لأنه تبن عدم انتهاء رمضان، أما إذا كانت السماء غائمة فلا يكذبا.
ولا يتحقق صوم رمضان برؤية عدل واحد، أو عدل وامرأة، أو امرأتين، للهلال ولا يجب الصيام بذلك.
3- برؤية جماعة مستفيضة يفيد خبرهم العلم، وإن لم يكونوا عدولاً ولا ذكوراً ولا أحراراً، ولكن يُؤمَن تواطؤهم على الكذب، حال كون كل منهم يدعي أنه رأى الهلال لا أنه سمع برؤيته.
4- برؤية واحد بالنسبة لمن لا اعتناء لهم برؤية الهلال، ولو كان هذا الواحد امرأة أو عبداً لكن بشرط أن يكون غير مشهور بالكذب وتثق النفس بخبره.
5- يجب الصوم وإظهاره على كل من رأى الهلال، ولو لم يؤخذ بشهادته، فإذا أفطر فعليه القضاء والكفارة، ولو تأول على الأرجح أي كأن قال: لعلّي أنا مخطئ برؤيتي إذا لم يره غيري.
متى يعم الصوم:
1- يعم الصوم سائر البلاد والأقطار إذا نقلت جماعة مستفيضة أو عن عدلين، أو نقل عدلان عن جماعة مستفيضة أو عن عدلين، ثبوت شهر رمضان، ولو لم يقع النقل عن طريق الحاكم.
2- يجب الصوم ويعم إن نقل بحكم حاكم.
3- يجب الصوم ويعم سائر الأقطار إذا ثبت الهلال بقطر منها، لا فرق بين القريب والبعيد من جهة الثبوت، ولا عبرة باختلاف المطالع مطلقاً.
حكم التماس الهلال:
يفترض على المسلمين فرض كفاية التماس الهلال في غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من شعبان ورمضان حتى يتبينوا أمر صومهم وإفطارهم.
فيجب على كل من رأى الهلال إن كان عدلاً أو عدلين، أو كان مرجوّاً قبول شهادته عند الحاكم، فيحكم عندها الحاكم بثبوت شهر رمضان، وربما يرى الحاكم أن يأخذ بشهادة العدل الواحد ويحكم بثبوت رمضان.
ولا يثبت دخول الشهر بقول المنجمين أي الموقِّتين الذين يعرفون سير القمر لا في حق أنفسهم ولا في حق الآخرين، لأنّ الشارع أناط الصوم والفطر والحج برؤية الهلال لا بوجوده.
يوم الشك: يوم الشك هو يوم الثلاثين من شهر شعبان إن كانت ليلته غائمة ولم يُرَ هلال رمضان أما إذا كانت السماء صحواً، ولم يُرَ الهلال لم يكن يوم شك وإنما من شعبان حقاً.
حكم صومه:
1- يكره صوم يوم الشك وقيل يحرم إن صامه احتياطاً، بأن يقول: أصومه لعله أن يكون من رمضان أحتسبه وإن لم يكن كان تطوعاً.
ففي هذه الحالة لا يجزئه عن رمضان إن تبين أنه منه، وإن وجب عليه الإمساك فيه لحرمة الشهر وعليه القضاء.
لقول عمار بن ياسر رضي اللَّه عنهما: (من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أيا القاسم صلى اللَّه عليه وسلم) 1 .
2- يندب إن صامه تطوعاً لأجل عادة كأن كان عادته صيام رجب وشعبان ورمضان أو صوم يومي الاثنين والخميس من كل شهر وصادف يوم الشك أحدهما.
3- يجب صومه إن كان قضاء عن رمضان قبله، أو كفارة يمين، أو نذراً معين صادف يوم الشك (كأن يقول نذرٌ عليّ أن أصوم يوم قدوم زيد، وصادف ذاك اليوم يوم الشك) فإن صامه ثم تبين أنه من رمضان لم يجزئه عن رمضان الحاضر لعدم نيته ولا عن غيره من القضاء أو الكفارة، لأن زمن رمضان لا يقبل صوماً غيره، ويصبح عليه قضاء ذلك اليوم عن رمضان الحاضر وقضاء يوم آخر عن رمضان الفائت أو عن الكفارة أو عن النذر إن لم يكن معيناً أما إن كان النذر معيناً كما في المثال فات وقته وليس عليه قضاؤه.
4- يندب الإمساك يوم الشك ليتحقق الحال، فإذا ثبت رمضان وجب الإمساك لحرمة الشهر وقضاء يوم بعده، فإن لم يمسك بعد ما تبين أنه رمضان وجب عليه القضاء والكفارة لانتهاك
حرمة رمضان، بأن أفطر عالماً بالحرمة ووجوب الإمساك.
أما إذا لم يكن ممسكاً قبل أن يتبين أنه من رمضان فلا كفارة عليه، وإنما يجب الإمساك والقضاء.
شروط الصوم:
أولاً: شروط الوجوب
يجب صوم رمضان على كل مسلم ذكر أو أنثى، حرٍ أو عبدٍ بالشروط التالية:
1- البلوغ: فلا يجب الصوم على الصبي.
2- العقل: فلا يجب على المجنون ولا المغمي عليه، لما رُوي عن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (1) .
3- القدرة على الصوم: فلا يجب على العاجز حقيقة أو حكماً (كمرضع لها قدرة على الصوم لكن خافت على الرضيع هلاكاً أو شدة ضرر) .
4- الإقامة: فلا يجب المسافر سفر قصر.
5- النقاء من الحيض والنفاس، فإن نقيت الحائض أو النفساء قبل الفجر بلحظة أو مع الفجر وجب عليها صوم رمضان أو صوم كفارة أو صوم اعتكاف أو نذر في أيام معينة.
ثانياً- شروط صحة الصوم
1- النية: هي شرط لصحة الصوم على الراجح، لأنها قصد الشيء خارج عن ماهيته.
(وقيل: هي ركن) .
صيغتها: قصد الصوم جزماً ولو لم تلاحظ نية التقرب إلى اللَّه تعالى ولكن تندب.
ولا يصح الصوم سواء كان فرضاً أم نفلاً بغير نية، وتكفي نية واحدة في صوم يجب تتابعه كرمضان، وكفارته (الفطر بالجماع) ، وكفارة القتل، وكفارة الظهار، وكالنذر المتتابع كمن نذر صوم شهر أو عشرة أيام متتابعة، ذلك لأن واجب التتابع كالعبادة الواحدة من حيث ارتباط بعضها ببعض وعدم جواز التفريق، فكفت النية الواحدة.
أما إذا انقطع ما يجب تتابعه بمرض أو سفر فلا تكفي النية الأولى ولو استمر صائماً بل لا بد من تبييت النية كل ليلة ولو استمر بالصوم رغم السفر أو المرض وهو المعتمد، وقيل: تكفي نية واحدة إذا استمر
بالصوم، وأما إذا انقطع الصوم المتتابع بالحيض أو النفاس أو الجنون أو الإغماء (مما يوجب عدم الصحة) فلا تكفي النية بل لا بد من إعادتها ولو حصل المانع بعد الغروب وزال قبل الفجر.
وأما الصوم الذي لا يجب فيه التتابع كقضاء رمضان وكفارة اليمين فلا بد فيه من النية كل ليلة ولا تكفيه نية واحدة في أوله.
والنية الحكمية كافية، فلو تسحر ولم يخطر بباله الصوم وكان بحيث إذا سئل لماذا تتسحر؟ أجاب: لأصوم، كفاه ذلك.
شروط النية
1ً- التبييت من الليل (من غروب الشمس إلى طلوع الفجر) سواء كان الصوم فرضاً أم نفلاً، بدليل ما روته حفصة رضي اللَّه عنها عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "من لم يُبيِّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له" [^fn556] . ولا يضر ما يحدث بعد تبييت النية من أكل أو شرب أو غير ذلك من المفطرات إذا كان ذلك قبل الفجر، بخلاف الإغماء والجنون إذا حصل أحدهما بعد تبييت النية فتبطل ويجب تجديدها إن بقي وقتها بعد الإفاقة، أما إن أفاق بعد طلوع الفجر لم تصح النية، وأما لو نوى الصوم في آخر جزء من الليل بحيث يطلع الفجر عقب النية أو معها صح صومه.
2ً- التعيين: أي تحديد ما قَصدَ من الصوم هل هو نفل أم رمضان أم قضاء أم نذر أم كفارة، فإن جزم بنية الصوم وشك بعد ذلك هل نوى تطوعاً أم نذراً أم قضاءً، انعقد صومه تطوعاً.
2- النقاء من الحيض والنفاس: فلا يصحّ صوم حائض أو نفساء ما لم تنق قبل الفجر ولو بلحظة أو مع الفجر، ويكون النقاء بقَصَّة أو جفوف ولو لمعتادة القصة (أي إذا رأت الجفاف معتادة القصة فلا تنظرها بل يجب عليها الصوم) ، فإن شكّت هل طهرت قبل الفجر أو بعده فعليها صوم ذلك اليوم لاحتمال طهارتها قبل الفجر وعليها القضاء لاحتمال طهارتها بعد الفجر.
3- العقل: فلا يصح من المجنون والمغمي عليه.
أما وجوب القضاء ففيه تفصيل:
إذا أغمي على الشخص يوماً كاملاً؛ أو معظم اليوم، أو نصف اليوم، أو أقله وكان أوله عند النية مغمي عليه، ففي كل هذه الحالات يجب القضاء.
أما إذا أغمي عليه لمدة
نصف اليوم أو أقل وكان ساعة النية مفيقاً فلا قضاء عليه إن نوى قبل الإغماء.
والمجنون كالمغمي عليه في تفصيل القضاء.
وأما النائم فلا يجب عليه قضاء ما فاته وهو نائم ولو نام الشهر كله إن بيَّت النية في أول الشهر.
وأما حالة السكر فهي في تفصيل القضاء كحالة المغمي عليه، وقيل لا إنما تلحق بالنوم إذا كان السكر بحلال وتلحق بالإغماء إذا كان السكر بحرام.
4- الإسلام: فلا يصح الصوم من الكافر وإن كان واجباً عليه ويعاقب على تركه زيادة على عقاب الكفر.