كتاب الحج -
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- كوكب عبيد
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب المالكي
- المؤلف
- الحاجّة كوكب عبيد
- الناشر
- مطبعة الإنشاء، دمشق - سوريا.
- الطبعة
- الأولى 1406 هـ - 1986 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وإذا لم يعيِّن النسك بل قال: نويت الإِحرام للَّه تعالى فينعقد النسك ولكن لابد من بيانه قبل البدء بأي عمل، ويندب في هذه الحالة أن يعينه حجاً أو قراناً إن كان أحرم في شهر الحج لأنه أحوط لاشتماله على النسكين، أما إن كان أحرم قبل أشهر الحج فيندب له أن يصرفه إلى عمرة.
وإذا نسي ما نوى عند إحرامه صرفه إلى قران (أي اعتبر نفسه أنه ناوياً القران) وينوي الحج وجوباً أي يحدث نية الحج وجوباً ويعمل القارن (اختياطاً) ويهدي له، لأنه إن كان ناوياً في النية الأولى حجاً فتكون نيته الجديدة للحج تكيد للنية الأولى، وإن كانت النية الأولى عمرة فيكون بنيته الجديدة للحج قد أردف الحج على العمرة فيصبح قارناً، وإن كان ناوياً القران لم يضره تجديد نية الحج.
وعندئذ تبرأ ذمته من الحج فقط لا من العمرة لاحتمال أن يكون نوى الحج أولاً.
وإذا شك هل نوى عمرة أم حجاً، فإنه ينوي الحج وتبرأ ذمته منه فقط، ثم يأتي بعمرة، لأنه إن كانت نيته الأولى حجاً فالثانية تأكيد للأولى، وإن كانت الأولى عمرة فالنية الثانية للحج أقوى تلغي العمرة.
ولا يصح أن يغير نيته من حج إلى عمرة، ولا من عمرة إلى حج، ولا أن يصير المفرد قارناً (أي لا يصح إدخال العمرة على الحج) لكن المعتمر يمكن أن يصير قارناً (أي إدخال الحج على العمرة) بشرط أن ينوي القران قبل البدء بطواف العمرة.
وإذا تلفظ بالإحرام فخالف لفظه قصده بالنية، فالعبرة بالقصد لا باللفظ، والأَوْلى ترك التلفظ.
وإذا نوى رفض نيته بعد أن أحرم بالنسك فهو باقٍ على إحرامه ولا يضر الرفض، بخلاف الصلاة والصوم فإن نية الرفض فيهما مبطلة للعبادة.
وقت الإحرام ومكانه:
للإحرام ميقاتان: زماني ومكاني.
والميقات هو موضع الإحرام وزمانه.
الميقات الزماني للإحرام بالحج: يبدأ من أول ليلة شوال إلى ما قبل طلوع فجر يوم النحر بمدة تسع الإحرام والوقوف بعرفة ولو لحظة.
ويكره الإحرام بالحج قبل أول شوال ولكنه ينعقد، أما الإحرام بعد فجر يوم النحر فينعقد إحرامه للعام القادم.
والدليل قوله عز وجل: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ 1 .
الميقات الزماني للإحرام بعمرة: يصح الإحرام بالعمرة في كل أيام السنة بما فيها يوم عرفة وأيام التشريق، أو بعد الانتهاء من رمي الجمرات في اليوم الثالث من أيام التشريق إن لم يتعجل،
وبقدر رميها من اليوم الثالث بعد الزوال إن تعجل بالنسبة للمحرم بحج، فإن أحرم بعمرة قبل الانتهاء من أعمال العمرة الأولى أو قبل الانتهاء من رمي جمرات اليوم الثالث فلا ينعقد إحرامه.
أما الإحرام بعمرة في الثالث من أيام التشريق قبل الغروب فيصح مع الكراهة لكن أفعال العمرة (الطواف والسعي) لا تصح إلا بعد الغروب، فإن فعلها قبل الغروب لا يعتد بفعله وعليه إعادتها بعد الغروب، وإلا فهو باقٍ على إحرامه أبداً، وإن كان تحلل قبل الغروب أفسد عمرته فيتمها وجوباً ويقضيها ويهدي.
2- الميقات المكاني: آ- للإحرام بالحج:
1- الميقات المكاني لأهل مكة أو لمن هو مقيم بها أو بمنى أو مزدلفة هو مكة.
ويندب للمكي أن يحرم من المسجد الحرام ثم يلبي هناك وهو جالس في مكان مصلاه، كما يندب للآفاقي المقيم بمكة أن يخرج إلى ميقات أهل بلده المكاني ويحرم منه، فإن لم يخرج فلا شيء عليه.
2- لغير أهل مكة (الآفاقي) :
1- ذو الحُلَيفة لأهل المدينة ولمن يأتي عن طريقها.
2- الجُحفة (رابغ اليوم) لأهل مصر والشام والمغرب والسودان، وهي على بعد خمس مراحل من مكة.
3- يَلملم لأهل اليمن والهند.
4- قَرن لأهل نجد.
5- ذات عِرْق لأهل العراق وخراسان ونحوهما كفارس والمشرق.
وكل من مرّ بميقات من هذه المواقيت أو حاذاه وجب عليه الإحرام منه، سواء مرّ عليه بحراً أو جواً، فإن جاوزه بغير إحرام حرم عليه ذلك ولزمه دم، إلا إذا كان الميقات جهته أمامه ويمر عليه فيما بعد، فإنه يندب له الإحرام من أول ميقات.
3- لمن كان مسكنه بين مكة والميقات: أحرم من مسكنه.
ودليل تحديد المواقيت حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: (إن النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقتّ لأهل المدينة ذا الحُلَيْفَة، ولأهل الشام الجُحْفَة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة) (1) .
وعن عائشة رضي اللَّه عنها (أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق) 2 .
ب- الميقات المكاني للإحرام بعمرة:
1- لأهل مكة ولمن هو مقيم بها: أرض الحِلّ (خارج مكة) ، فإن لم يخرج للحل وطاف وسعى أعاد طوافه وسعيه بعد خروجه للحل لفسادهما، ولا فدية عليه إذا لم يكن حلق فبل خروجه.
وأولى الأمكنة في العمرة أن يحرم المعتمر من الجعرانة، وهي مكان بين مكة والطائف، وإلا فمن التنعيم، وهي مساجد السيدة عائشة رضي اللَّه عنها، وإنما كانت الجعرانة أفضل من التنعيم لأنها أكثر بعداً عن مكة.
روى جابر رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم في حديث له قال: (فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة) 3 .
2- لغير أهل مكة: هو نفس مقات الحج.
حكم الإِحرام لمن اجتاز الميقات:
1- لا يجب الإحرام على من اجتاز الميقات في إحدى الحالات التالية:
آ- إذا مر بالميقات وهو غير قاصد مكة ولو كان ممن يخاطب بالحج.
ب- إذا مر بالميقات وهو قاصد مكة ولكن كان غير مخاطب بالإحرام كالعبد والصبي.
جـ- إذا مر بالميقات وهو قاصد مكة بمقدار التردد، كالمتردد عليها لبيع الفواكه والحطب.
د- إذا عاد إلى مكة بعد أن خرج منها من مكان قريب دون مسافة القصر ولم يمكث فيه كثيراً.
2- يجب الإحرام على من اجتاز الميقات في إحدى الحالات التالية:
آ- إذا كان قاصداً مكة للنسك وكان ممن يخاطب بالإحرام.
ب- إذا كان قاصداً مكة للتجارة أو للزيارة وكان ممن يخاطب بالإحرام.
جـ- إذا كان مكياً سافر مسافة القصر ثم عاد من سفره إلى مكة ولم يكن من المترددين.
ما يترتب على من اجتاز الميقات بغير إحرام لمن هو واجب عليه:
1- إذا تعدى مريد النسك الميقات بغير إحرام وجب عليه الرجوع إلى الميقات للإحرام منه، فإن رجع وأحرم فليس عليه دم، وإن لم يرجع أثم وعليه دم إلا إذا كان معذوراً كخوف فوات الحج أو رفقة أو خوف على نفسه أو ماله أو عدم قدرة على الرجوع لمرض مثلاً، فعندها لا يجب عليه الرجوع إلى الميقات وعليه دم لتعديه بغير إحرام، ولا ينفعه الرجوع بعده فأولى إذا لم يرجع.
2- إذا اجتاز من يريد مكة لا للنسك الميقات بلا إحرام أثم ولا دم عليه، وإن أراد الإحرام بعد اجتياز الميقات أحرم ولم يلزمه الرجوع.
واجبات الإحرام:
1- الإحرام من الميقات (كما سبق ذكره) .
2- التلبية: ويجب وصلها بالإحرام، فمن تركها أو فصل بينها وبين الإحرام بفاصل طويل وجب عليه دم ولو أتى بها بعد الفاصل الطويل.
أما الفاصل اليسير فلا يضر لكنه خلاف السنة حيث أنه يسن وصل التلبية بالإحرام حقيقة.
لما روى ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: (أهل النبي صلى اللَّه عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة) 1 .
3- التجرد من لبس محيط، وكشف الرأس، بالنسبة للذكر (سيَرد في محرمات الإحرام) .
سنن الإحرام:
1- الغسل قبل الإحرام، ولو لحائض أو نفساء.
ولا تحصل السنة إلا إذا كان الغسل متصلاً بالإحرام، ولا يضر الفاصل اليسير بين الغسل والإحرام بمقدار شد الرحال وإصلاح الحال، أما إن فصل بينهما بفاصل طويل كأن اغتسل بالغدو وأحرم ظهراً فلا يجزئه الغسل، وقيل يحصل على سنة الغسل وتفوته سنة وصل الغسل بالإحرام.
والدليل ما روى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه (أنه رأى النبي صلى اللَّه عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل) 1 ، وروى جابر رضي اللَّه عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال لأسماء بنت عميس لما ولدت: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي" 2 .
ولا يشرع التيمم بدل الغسل لمن فقد الماء.
2- يسن للرجل لبس إزار 3 ورداء 4 ، ولو لبس غيرهما مما ليس مخيطاً ولا محيطاً كأن يلتحف برداء أو كساء أجزأه وخالف السنة.
ونعلين في رجليه، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما: "ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين" 5 .
3- يسن تقليد الهدي لمن كان معه (إن كان مما يقلد وهو الإبل والبقر) ثم إشعاره إن كان مما يشعر وهو الإبل وما له سنام من البقر (أما الغنم فلا تقلد ولا تشعر) .
والتقليد هو تعليق قلادة 6 في العنق، والإشعار هو أن يشق من السنام قدر الأنملة أو الأنملتين، ويكون بالجانب الأيسر، ويبدأ به من العنق إلى المؤخر.
والدليل ما روي عن المسور بن مخرمة ومروان قالا: (خرج النبي صلى اللَّه عليه وسلم من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة، قلَّد النبي صلى اللَّه عليه وسلم الهدي وأشعر، وأحرم بالعمرة) 7 .
4- يسن إيقاع الإحرام بعد صلاة ركعتين للإحرام في غير وقت الكراهة.
وتجزئ صلاة الفريضة عنهما.
5- يسن وصل التلبية بالإحرام حقيقة أي بدون فاصل يسير.
مندوبات الإحرام:
1- يندب لمريد الإحرام إزالة شعثه قبل الغسل وذلك بقص الأظافر والشارب، وحلق العانة، ونتف شعر الإبط، وترجيل شعر الرأس أو حلقة لما روى سالم عن أبيه رضي اللَّه عنه قال: "سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يهل ملبداً) 1 .
2- يندب الغسل في المدينة المنورة لمن أراد الإحرام من ذي الحليفة، وذلك استثناء من سنية وصل الغسل بالإحرام، لما ورد أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم اغتسل بالمدينة وتجرد من ثيابه ولبس ثوبي إحرامه ولما وصل لذي الحليفة ركع ركعتي الإحرام وأهل.
3- يندب أن يحرم الراكب إذا استوى على ظهر راحلته، والماشي إذا شرع في المشي، للحديث
المتقدم عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: (أهل النبي صلى اللَّه عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة) 2 .
4- يندب الاقتصار على تلبية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وهي: (لبيك اللَّهم لبيك.
لبيك لا شريك لك لبيك.
إن الحمد والنعمة لك والملك.
لا شريك لك) 3 .
5- يندب التوسط في رفع الصوت بالتلبية فلا يخفته جداً ولا يرفعه جداً بل بين ذلك.
6- يندب التوسط في التلبية فلا يدأب عليها حتى لا يمل ويضجر.
7- يندب تجديد التلبية عند تغير الحال؛ كقيام وقعود، وصعود وهبوط، واستيقاظ من نوم أو غفلة، وبعد صلاة فرض أو نفل، وعند ملاقاة رفقة، وغير ذلك أي تكوني شعار الحجاج فهي تغني عن التحية.
ويستمر في التلبية حتى يدخل مكة فيقطعها حتى يطوف ويسعى إذا أراد السعي عقب طواف القدوم، ثم يعادوها بعد ذلك حتى زوال الشمس يوم عرفة ووصوله إلى مصلاها فيقطعها عندئذ؛ فإن لم يعادوها كان تاركاًً للواجب وعليه دم.
أي غاية التلبية مقيدة بقيدين: الوصول إلى مسجد نَمِرَة، وكونه بعد الزوال من يوم عرفة؛ فإن وصل قبل الزوال لبّى حتى يصلي الظهر والعصر جمع تقديم في يومها، وبعد الصلاة يقطع التلبية ويتوجه بالتضرع مبتهلاً بالدعاء وجلاً خائفاً من اللَّه راجياً القبول.
هذا لمن أحرم بالحج من خارج مكة، أما من أحرم به من مكة فيلبي بالمسجد الحرام في مكانه الذي أحرم منه، ويستمر بالتلبية حتى الرواح إلى مصلى عرفة بعد الزوال.
وأما من أحرم من الميقات بعمرة أو حج ولكن فاته بحصر أو مرض فتحلل منه بعمرة، فإنه يلبي حتى إلى الحرم (مكة) ، ويلبي المعتمر (دون الميقات) من الجعرنة أو التنعيم حتى يصل إلى بيوت مكة، لأن المسافة قصيرة.
مُحرمات الإحرام بحج أو عمرة أولاً- فيما يتعلق باللباس: آ- بالنسبة للمرأة ولو كانت أمة أو صغيرة يحرم عليها ما يلي: