كتاب الحج -
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- كوكب عبيد
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب المالكي
- المؤلف
- الحاجّة كوكب عبيد
- الناشر
- مطبعة الإنشاء، دمشق - سوريا.
- الطبعة
- الأولى 1406 هـ - 1986 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الباب الأول
: تعريف الحج والعمرة:
الحج لغة: القصد إلى معظَّم.
وشرعاً: قصد مكة المشرفة للنسك.
وحقيقته: حضور المارّ أو الجالس أو المضطجع بعرفة ساعة زمنية ولو كانت بمقدار الجلسة بين السجدتين من ليلة يوم النحر، وطوافٌ بالبيت سبعاً، وسعي بين الصفا والمروة سبعاً بإحرام.
العمرة لغة: الزيارة.
وشرعاً: زيارة البيت الحرام على وجه مخصوص.
حكمهما:
حكم الحج: هو فرض على الفور في العمر مرة إذا توفرت الشروط المطلوبة، فإن أخره المكلف عن أول عام استطاع فيه يكون آثماً بالتأخير.
دليل فرضيته:
القرآن والسنة والإجماع.
فمن القرآن قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن اللَّه غني عن العالمين﴾ 1 .
ومن السنة حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس.
شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً عبده ورسوله.
وإقام الصلاة.
وإيتاء الزكاة.
وحج البيت.
وصوم رمضان" 2 .
ولا يجب الحج بأصل الشرع إلا مرة واحدة، لحديث أبي بكر رضي اللَّه عنه قال: خطبنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال: "أيها الناس قد فرض اللَّه عليكم الحج فحجوا.
فقال رجل: أكل عام؟ يا
رسول اللَّه! فسكت.
حتى قالها ثلاثاً.
فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: لو قلت نعم.
لوجبت.
ولما استطعتم" 3 .
وقد أجتمعت الأمة على أن الحج فرض على كل مستطيع، في العمر مرة واحدة.
ولم يحج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلا مرة واحدة وهي حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة.
وقد فرض الحج في السنة السابع للهجرة وقيل: في العاشرة.
حكم العمرة:
سنة مؤكدة في العمر مرة على الفور، لحديث طلحة بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه أنه سمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: "الحج جهاد والعمرة تطوع" 1 .
واعتمر صلى اللَّه عليه وسلم أربع عمرات: الأولى عمرة الحديبية التي صده عنها المشركون، والثانية عمرة القضاء في العام المقبل، والثالثة عمرة الجعرانة حينَ قسم غنائم حنين واحرم من الجعرانة، والربعة عمرته مع حجة الوداع.
والدليل ما روى عن أنس رضي اللَّه عنه (أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم اعتمر أربع عمر.
كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية، أو زمن الحديبية، في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل، في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته) 2 .
شروط الحج: أولاً - شروط وجوب الحج:
1- الحرية: فلا يجب الحج (ولا تسن العمرة) على الرقيق ولو بشائبة الحرية.
2- البلوغ: فلا يجب الحج على الصبي الذي لم يبلغ الحلم، لحديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى" 1 .
3- العقل: فلا يجب الحج على المجنون كما لا يصح منه.
4- الاستطاعة: فلا يجب الحج على غير المستطيع، لقوله تعالى: ﴿وللَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ 2 . وتفسير الاستطاعة بما يلي: آ- إمكان الوصول إلى مكة ومواضع النسك والرجوع إلى الوطن، سواء كان ماشياً أو
راكباً براً أو بحراً، إمكاناً عادياً بلا مشقة فادحة.
(أما المشقة العادية فلا بد منها في السفر، إذ السفر قطعة من العذاب) .
والمشقة الفادحة المسقطة لوجوب الحج تختلف باختلاف الناس والأزمنة والأمكنة، فإذا قدر الشخص على الوصول إلى مكة.
بما يباع على المفلس كالعقار والماشية وثياب الزينة وكتب العلم وآلة الصانع، وجب عليه الحج لأنه مستطع.
وتعتبر الاستطاعة في ذهاباً فقط إذا أمكن الإِقامة بمكة، فإذا لم يمكنه ذلك اعتبرت الاستطاعة في الذهاب والإياب.
وإن قدر على الوصول بسؤال الناس إن كان عادته السؤال وظن العطاء وجب عليه الحج.
إلا أنه لا يلزمه الحج بدين ولو من ولده إذا لم يرج الوفاء، أو أن يعطيه من هبة أو صدقة أن لم يكن معتاداً لذلك.
ب- الأمن على النفس والمال، فلم لم يأمن فلا يجب عليه الحج.
ويضاعف على ما تقدم بالنسبة لاستطاعة المرأة ما يلي:
1- وجود الزوج أو المحرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، ولا يشترط فيه البلوغ وإنما يكتفي بالتمييز.
ويكفي لها في حجة الفرض الرفقة المأمونة من رجال أو نساء إن لم يكن معها زوج أو ذو محرم.
لحديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم وليلة، إلا مع ذي محرم عليها" 3 .
2- أن لا تكون المرأة معتدة من طلاق أو وفاة، فإذا أحرمت وهي معتدة صح حجها مع الإثم، لقوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾ 4 .
3- أن تكون الراحلة متيسرة لها إذا كانت المسافة بعيدة، والبعد لا يحد بمسافة القصر بل بما يشق على المرأة المشي فيه، ويختلف ذلك باختلاف النساء.
أمور لا تعتبر من الاستطاعة:
1- لا يشترط في الاستطاعة القدرة على الزاد لمن لديه صنعة يتكسب منها ولا يزدرى صاحبها، وعلم أو ظن رواجها هناك كبيطرة أو حلاقة أو خياطة أو خدمة بالأجرة.
2- لا يشترط في الاستطاعة القدرة على الراحلة، بل يجب على المكلف الحج إن كان قادراً على المشي منفرداً أو مع جماعة، ولو كان وطنه بعيداً عن مكة بمقدار مسافة القصر أو أكثر، ولو
كان المشي غيرَ معتادٍ له، حتى ولو كان القادر على المشي أعمى يهتدي بنفسه أو بقائد ولو بأجرة قدر عليها.
3- لا يمنع الاستطاعة عدم ترك شيء لمن تلزم المكلف نفقتهم كولده، أو الخوف مما يؤول إليه أمره وأمر أولاده في المستقبل من فقر أو احتياج إلى الصدقة من الناس بل يجب عليه الحج، إلا إذا خشي ضياع أولاده ولو لم يصل إلى حد الهلاك فعندها يسقط عند وجوب الحج.
ثانياً- شروط صحة الحج:
شروط صحة الحج هي الإسلام فقط، سواء باشره الشخص بنفسه أو فعله الغير نيابة عنه، ومعنى ذلك أن الحج لا يصح من الكافر ولا عنه سواء كان كافراً أصلياً أو مرتداً.
أما التمييز والعقل: فيشترطان لصحة الإِحرام، فلا يصح الإِحرام ولا أي عمل من أعمال الحج من الصبي غير المميز ولا من المجنون المطبق، ولكن يندب لوليهما أن يقوم بالإِحرام عنهما، فيقول: نويت إدخال هذا الصبي أو المجنون المطبق في حرمات الحج أو العمرة، سواء كان الولي متلبساً بالإِحرام عن نفسه أم لا، وذلك قرب الحرم لا من الميقات ويجردهما من الثياب (فمثلاً القادم من جهة رابغ يؤخر تجريدهما ولا دم لتعديهما الميقات بغير التجريد من الثياب) . لما روى جابر رضي اللَّه عنه قال: (حججنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم) 1 .
أما المجنون غير المطبق فلا ينعقد إحرام وليه ما لم يخف عليه الفوات بطلوع فجر يوم النحر، ويعرف ذلك بالعادة أو بإخبار طبيب عارف، فيكون حكمه كالمطبق وعندها يندب لوليه أن يحرم عنه، فإن أفاق في زمن يدرك فيه الحج أحرم لنفسه ولا دم عليه لتعدي الميقات من غير إحرام لعذره.
وأما المغمى عليه فلا يصح الإحرام عنه ولو خيف الفوات لأنه مظنة عدم الطول، فلو أفاق في زمن يدرك فيه الحج أحرم ولا دم عليه كالمجنون لعذره.
والصبي المميز (وهو الذي يفهم الخطاب ويحسن رد الجواب) يحرم بإذن وليه من الميقات إن ناهز البلوغ، وإلا فبقرب الحرم، فإن أحرم بغير إذن وليه كان لوليه الحق بتحليله بالنية والحلق ولا قضاء عليه إذا بلغ.
وكذا السفيه البالغ إن أحرم بغير حجة الإسلام دون إذن وليه، كان لوليه الحق أن يحلله ولا قضاء عليه، بحيث ينوي إخراجه من الحج وتصييره حلاً ثم يحلق له رأسه.
وكذا الزوجة
إن أحرمت بغير إذن زوجها بغير حجة الفرض فله أن يحللها وعليها قضاؤها بالإضافة إلى حجة الإسلام إذا تأيمت.
أما تتمة أفعال الحج: فيأمر الولي الصبي المميز بأقوال الحج وأفعاله حسب قدرته فيلقنه مثلاً التلبية، فإن لم يقدر على قول أو فعل أو على الجميع، أو لم يكن الصبي مميزاً، أو كان مجنوناً مطبقاً ناب الولي عنه إن كان الفعل المعجوز عنه قابلاً للنيابة، وهذا لا يكون إلا فعلاً كرمي الجمار وذبح الهدي أو الفدية أو المشي في الطواف والسعي، أما إن كان المعجوز عنه مما لا يقبل النيابة، من قول أو فعل كتليبة، فيسقط حيث عجز.
وأما حضور المشاهد المطلوبة حضورها شرعاً: عرفة ومزدلفة والمشعر الحرام ومنى فيجب على الولي إحضاره.
ثالثاً- شروط الإجزاء عن حجة الإسلام:
الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، ونية حجة الفرض.
فإذا بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، أو عتق العبد، أو أردف على نية حجة النفل نية حجة الفرض بعد الإحرام، كان حجه نفلاً لا فرضاً؛ إذ العبرة حال الإحرام أن يكون حراً بالغاً عاقلاً مسلماً ناوياً حجة الفرض.
الاستنابة بالحج 2 (الحج عن الغير) :
حكم حجة المُستناب:
1- لا تسقط حجة الإسلام عمن حُج عنه سواء كان حياً أو ميتاً، وسواء أوصى بها قبل موته أو لم يوصِ بها.
2- لا تكتب حجة تطوع لمن حُج عنه سواء كان حياً أو ميتاً، وسواء أوصى بها قبل موته أو لم يوصِ بها.
3- تكتب حجة تطوع للمستناب بأية نية أداها المُستنيب.
4- يكتب لمن حُج عنه ثواب مساعدة المُستناب على الحج ويكسب بركة الدعاء.
حكم الإجارة على الحج:
1- فاسدة ويتعين فسخها إن كانت الإجارة لأداء فريضة الحج عن الحي الصحيح أو المريض
مرضاً يرجى برؤه (أما المريض مرضاً لا يُرجى برؤه فتسقط عنه فريضة الحج ولا يُلزَم بالاستئجار لها إن كان مستطيعاً مادياً) ، أما إن أتمها فله أجر المثل.
2- صحيحة إلا أنها مكروهة إن كانت الإجارة لأداء فريضة الحج عن الميت الذي كان مستطيعاً وقادراً على الحج في حياته، أو لأداء حجة نذر أو تطوع عن الحي أو الميت.
لما روى ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: أتى رجل النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال له: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: "لو كان عليها دين أكنتَ قاضيه.
قال: نعم، قال: فاقضِ اللَّه فهو أحق بالقضاء" 3 .
ما يكره للمُستناب:
1- يكره للمستناب المستطيع أن يحج عن غيره قبل حجه عن نفسه، بناء على أنه واجب على التراخي، وعلى القول بأنه واجب على الفور فلا يصح حجه عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، ودليل ذلك ما روى ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: (سمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي، أو قريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) 1 .
2- يكره للذكر وللأنثى أن يؤجر نفسه في عمل للَّه تعالى حجاً أو غيره كقراءة وإمامة وتعليم علم لقول مالك: "لأن يؤاجر الرجل نفسه في عمل الِلْبن وقطع الحب وسَوْق الإبل أحبُّ إلي من أن يعمل عملاً للَّه تعالى بأجرة".
ومحل الكراهة إذا لم تكن الأجرة من الوقف أو من بيت مال المسلمين، وإلا (إن كانت منهما) فلا كراهة.
ويستثنى من تعليم العلم علم الحساب فإنه لا كراهة في تعليمه بأجرة، لأنه صنعة يجوز أخذ الأجرة عليها، وكذا تعليم كتاب اللَّه تعالى ومثله الأذان فلا كراهة في أخذ الأجرة عليهما، ولو لم تكن من الوقف أو من بيت مال المسلمين، بدليل الحديث المروي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما وفيه: فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "إن أحقَّ مأخذتم عليه أجراً كتاب اللَّه" 2 .
الباب الثاني: أركان الحج والعمرة
تعريف الركن:
هو ما لا بد فعله ولا يجزئ عنه دم ولا غيره.
أولاً- أركان الحج:
أركان الحج أربعة هي:
1- الإحرام.
2- السعي بين الصفا والمروة.
3- الحضور بعرفة ليلة النحر.
4- طواف الإفاضة.
فمنها ما يفوت الحج بتركه ولا يؤمر بشيء وهو الإحرام، ومنها ما يفوت الحج بفواته ويؤمر بالتحلل بعمرة وبالقضاء في العام المقبل وهو الوقوف بعرفة، ومنها مالا يفوت الحج بفواته ولا يتحلل من الإحرام ولو وصل إلى أقصى المشرق بل لا بد من الرجوع إلى مكة ليفعله وهو طواف الإفاضة والسعي.
الركن الأول- الإحرام
هو نية الدخول في حرمات الحج أو العمرة أو هما معاً مع التلبية والتجرد من المحيط، فلا ينعقد بمجرد النية، والراجح: هو النية فقط، لحديث "إنما الأعمال بالنية" [^fn619] ، وأما التلبية والتجرد فكل منهما واجب يُجبر بدم إذا ترك.