كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- كوكب عبيد
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب المالكي
- المؤلف
- الحاجّة كوكب عبيد
- الناشر
- مطبعة الإنشاء، دمشق - سوريا.
- الطبعة
- الأولى 1406 هـ - 1986 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
6- وجود الصعيد الطاهر.
الحالات المبيحة للتيمم:
أولاً: فقد الماء المباح الكافي للطهارة، حضراً أو سفراً ولو كان سفر معصية، كأن لم يجد الماء أصلاً، أو وجده ولا يكفيه للطهارة، أو أراد الاحتفاظ به لاعتقاده أو ظنه عطش نفسه أو عطش آدمي غيره أو عطش حيوان محترم شرعاً ولو كلباً غير عقور عطشاً يؤدي إلى هلاك أو شدة أذى فيما لو تطهر به، أو كان الماء الموجود غير مباح، كأن كان مسبلاً للشرب فقط، أو كان مملوكاً للغير.
ففي كل هذه الحالات يطلب من المكلف مبدئياً تحصيل الماء بأحد الطرق التالية:
1- يجب على المكلف شراء الماء لطهارته بالثمن المعتاد في ذلك المحل ولو قرضاً، كأن يشتريه إلى أجل معلوم أو يقترض الثمن إن كان غنياً في بلده أو يرتجي الوفاء إن باع شيئاً، بشرط أن لا يكون محتاجاً إلى ثمن الماء في مصروفه.
2- يجب عليه قبول هبة الماء أو اقتراضه للطهارة لضعف المنَّة فيه، ولكن لا يجب عليه قبول ثمنه ليشتريه به.
3- يجب عليه طلب الماء من رفقته، إن اعتقد أو ظن أو شك أو توهم أنهم لا يبخلون عليه، فإن تيمم وصلى ولم يطلب الماء من رفقته أعاد الصلاة مطلقاً (في الوقت وخارجه) إذا كان يعتقد أو يظن أنهم يعطونه الماء، وعليه أن يعيدها في الوقت فقط إذا كان يشك في إعطائهم، ولا يعيد مطلقاً إن كان قبل التيمم متوهماً أنهم يعطونه.
والإعادة مطلوبة في الحالتين الأوليين إذا تبين وجود الماء مع رفقته، أما إذا لم يتبين وجوده معهم فلا إعادة عليه.
4- يجب التفتيش على الماء لكل صلاة تفتيشاً لا يشق عليه، إن ظن أو شك وجوده في مسافة أقل من ميلين 2 ، فإن كان متيقناً أو ظاناً أنه لا يجده إلا بعد مسافة ميلين فأكثر، أو كان يشق عليه طلبه ولو راكباً، وكانت المسافة أقل من ميلين، أو خاف فوات رفقة، أو تلف مال ذي بال سواء كان له أم لغيره سرقة أو نهباً، أو ظن عدم وجود الماء والأولى اليائس من وجوده، فلا يجب عليه التفتيش عنه.
فإن لم يستطع تحصيل الماء بأحد الطرق المذكورة تيمم وصلى، ويحرم عليه تأخير التيمم إلى الوقت الضروري، ولو كانت الطهارة المائية مرجوة.
ثانياً: فقد القدرة على استعمال الماء مع وجوده، كأن كان مربوطاً بقرب الماء، أو كان خائفاً على نفسه من عدو يحول بينه وبين الماء سواء كان العدو آدمياً أو حيواناً مفترساً، أو لم يقدر على استعمال الماء لعدم وجود من يناوله الماء أو لم يجد آلة لسحبه.
ثالثاً: المرض: إن اعتقد المكلف أو ظن حدوث مرض أو زيادته، أو تأخر برئه، باستعماله الماء في الطهارة، ويعرف ذلك بالعرف عادة كتجربة في نفسه أو في غيره إن كان موافقاً له في مزاجه، أو بإخبار طبيب حاذق ولو كان كافراً، إن لم يجد الطبيب المسلم العارف به.
وأدلة جواز التيمم في المرض قوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ 1 ، وما روى جابر رضي اللَّه عَنهُ قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات.
فلما قدمنا على النبي صلى اللَّه عليه وسلم أخبر بذلك فقال: قتلوه قتلهم اللَّه ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيّ السؤال، إنما كان يكفي أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) 2 .
رابعاً: الخوف باستعمال الماء من العطش، (إن اعتقد أو ظن عطش نفسه أو عطش آدمي غيره أو حيوان محترم شرعاً عطشاً يؤدي إلى هلاك أو شدة أذى) فعندها يتيمم ويحتفظ بالماء للشرب.
خامساً: الخوف باستعمال الماء فوات وقت الصلاة، فعندها يتيمم ويصلي الصلاة في وقتها المختار، ولو كان الماء موجوداً، ولا يعيد الصلاة على المعتمد.
أما إن خشي فوات الجمعة باستعمال الماء، فالمشهور أنه لا يتيمم، وكذا الجنازة فلا يتيمم لها إلا فاقد الماء إن تعينت عليه.
فإن ظن أنه يدرك ركعة من الصلاة في وقتها إن استعمل الماء، فيجب عليه استعماله ويقتصر على الفرائض مرة مرة ويترك السنن والمندوبات، فلو تيمم ودخل الصلاة ثم تبين له أثناءها أن الوقت متسع أو خرج الوقت، فلا يقطع الصلاة لأنه دخلها بحالة جواز، أما لو تبين له ذلك قبل الصلاة فلا بد له من الطهارة المائية، أما لو ترك الوضوء تشاغلاً عنه وتيمم، فلا تصح صلاته ويتعين عليه الوضوء ولو خرج الوقت.
سادساً: الخوف من شدة برودة الماء بحيث يغلب على ظنه حصول ضرر باستعماله، ولم يجد ما يسخن به الماء، لما روى عمرو بن العاص رضي اللَّه عنه قال: (احتلمت في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى اللَّه عليه وسلم، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت اللَّه يقول: "ولا تقتلوا أنفسكم إن اللَّه كان بكم رحيماً" 1 . فضحك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ولم يقل شيئاً) 2 .
وكل من فقد الماء في السفر، أو كان مريضاً لا يستطيع استعماله، أبيح له التيمم لصلاة الفرض والنفل استقلالاً وتبعاً للجمعة والعيد والطواف والجنازة ولو لم تتعين عليه.
أما إذا كان فاقد الماء حاضراً صحيحاً قادراً فلا يتيمم لصلاة الجمعة لأنها لها بديلاً وهو الظهر، والأظهر أنه يتيمم لها، ولا يتيمم لصلاة الجنازة إلا إذا تعينت عليه بأن لم يوجد غيره يصلي عليها.
ولا يتيمم لصلاة نفل استقلالاً، ولو كان وتراً، إلا أن يكون النفل تبعاً لفرض، كأن يتيمم لصلاة الظهر ثم يتبعه بنفل بشرط أن يتصل النفل بالفرض حقيقة أو حكماً (أي الفاصل اليسير) فإذا انتقض وضوءُه قبل أن يصلي النافلة فلا يتيمم لصلاتها.
أركان التيمم:
أولاً: النية:
وهي قصد القلب استباحة الصلاة، أو مسَّ المصحف أو غيره، أو استباحة ما منعه الحدث، أو فرض التيمم.
أما إن نوى رفع الحدث فلا يصح، لأن التيمم لا يرفع الحدث، فإن نوى استباحة الصلاة أو استباحة ما منعه الحدث يجب أن يلاحظ معها أن تيممه من الحدث الأكبر (إن كان حدثه أكبر) وإلا لم يُجزئه وعليه إعادة.
ووقتها عند الضربة الأولى، وتجزئ عند مسح الوجه على الأظهر.
والفرق بين التيمم والوضوء أن الواجب في الوضوء غسل الوجه لذا كانت النية عند غسل الوجه كما قال تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ 3 وقال عز وجل في التيمم: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (2) فأوجب قصد الصعيد قبل المسح.
ما يندب في النية:
1- يندب أن ينوي -إن كان الحدث أكبر- استباحة الصلاة من الحدث الأكبر والأصغر.
2- يندب تعيين الصلاة هل هي فرض أم نفل أم هما معاً، فإن أطلق دون تعيين صلى فرضاً واحداً وله أن يتبعه بنوافل.
3- يندب تعيين نوع الفرض (ظهر، عصر، ... ) ، فإذا عين نوع الفرض ثم صلى غيره لم يصح.
ومن نوى بتيممه فرضاً فله أن يصلي فرضاً واحداً، فلو صلى فرضاً آخر بطل الثاني، ولو كانت الصلاة مشتركة في الوقت كالظهر مع العصر، ولكن له أن يصلي ما شاء من السنن والمندوبات بعد الفرض، وجاز له مسّ مصحف، وقراءة قرآن، وطواف غير واجب وصلاة ركعتين بعده.
أما لو صلى النافلة قبل الفريضة صحت النافلة، ولكن لا يصح أن يصلي بتيممه الفرض، بل لا بد له من تيمم آخر للفرض.
وإن نوى بتيممه صلاة نفل لم يصح أن يصلي بها فرضاً، ويجوز له صلاة نفل آخر، ومسّ مصحف، وقراءة قرآن، وطواف غير واجب وصلاة ركعتين بعده، سواء أدى النفل المقصود قبل هذه النوافل أو بعدها.
هذا بالنسبة لغير الصحيح الحاضر، أما الصحيح الحاضر فإنه لا يصح له أن يتيمم لنفل استقلالاً، وإذا تيمم لقراءة القرآن أو الدخول على سلطان أو نحو ذلك مما لا يتوقف على طهارة، فإنه لا يجوز له أن يفعل بتيممه هذا ما يتوقف على طهارة، كصلاة ومسّ مصحف وغيره ...
ثانياً: الضربة الأولى على الصعيد.
ثالثاً: تعميم الوجه واليدين إلى الكوعين بالمسح، ويدخل في الوجه: اللحية ولو طالت، وكذا الوترة، وما غار من الأجفان، والعذار، وما تحت الوتد من البياض.
ويدخل في اليدين: تخليل الأصابع، ونزع الخاتم ليمسح ما تحته، ويكون التخليل بباطن الكف أو الأصابع لا بجنبها إذا لم يمسها التراب.
رابعاً: استعمال الصعيد الطاهر، ويقصد بالطاهر: الطيب أي غير النجس، فإذا مسته نجاسة لم يصح به التيمم، ولو زال عين النجاسة وأثرها، لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ 1 .
ويقصد بالصعيد: ما صعد أي ظهر من أجزاء الأرض، فيشمل التراب (وهو الأفضل) ، والرمل، والحجر، والجص الذي لم يطبخ؛ وكذا الثلج لأنه أشبه بالحجر الذي هو من أجزاء الأرض، والمَعْدِن غير المنقول من مقره (لأنه إذا نقل صار مالاً بأيدي الناس فلا يجوز التيمم عليه) كالشب والملح والحديد والرصاص والقصدير والكبريت فيجوز التيمم عليها مع وجود غيرها، ما لم تنقل من مقرها، باستثناء معدن النقد (الذهب والفضة) والجوهر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ، فإنه لا يجوز
التيمم عليها، وكذا لا يجوز التيمم على الخشب والحشيش ولو ضاق الوقت ولم يجد غيرها، ولا على حصير مغبّر، ما لم يستر بالغبار، فعندها يعتبر التيمم على التراب.
خامساً: الموالاة: وهي متابعة أركان التيمم بدون فاصل، وإتْباع الصلاة به، فإن فرق بين أركان التيمم، أو بينه وبين الصلاة، بطل تيممه، ولو كان ترك الموالاة بسبب النسيان، لذا كان دخول الوقت شرط وجوب وصحة فيه، فلا يتيمم لصلاة إلا بعد دخول وقتها.
سنن التيمم:
1- الترتيب، بأن يمسح الوجه أولاً ثم اليدين، فلو عكس أعاد مسح اليدين، إن قرب الفصل، ولم يصلّ بتيممه، أما إن طال الفصل، أو كان صلى به، فات الترتيب، وصح التيمم والصلاة.
2- الضرب الثانية على التراب لمسح اليدين.
3- مسح اليدين من الكوعين إلى المرفقين.
4- نقل أثر الضرب من الغبار إلى الممسوح، وذلك بأن لا يمسح على شيء قبل مسح الوجه واليدين، وإلا كره له ذلك.
وهذا لا ينافي نفض اليدين نفضاً خفيفاً إذا علق عليهما شيء من التراب، لحديث عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، وفيه: (أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ضرب بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه) 2 .
مندوبات التيمم:
1- التسمية.
2- السواك.
3- الصمت إلا عن ذكر اللَّه.
4- استقبال القبلة.
5- تقديم اليد اليمنى على اليسرى بالمسح، وذلك بأن يجعل ظاهر أطراف يده اليمنى في باطن أصابع يده اليسرى، فيمررها إلى مرفق يده اليمنى، ثم يمسح باطن ذراع اليمنى بباطن الكف اليسرى من طي المرفق إلى آخر الأصابع.
وبعد ذك يمسح يسراه بيمناه.
6- يندب أن يكون التيمم في أول الوقت الاختياري، إن كان يائساً أو ظاناً عدم وجود الماء أو زوال المانع.
ويندب أن يكون في أوسط الوقت الاختياري إن كان شاكاً في وجود الماء أو زوال المانع، وفي آخر الوقت الاختياري إن كان ظاناً وجود الماء أو إمكانية زوال المانع.
مكروهات التيمم:
1- الزيادة في المسح على المرة.
2- كثرة الكلام في غير ذكر اللَّه تعالى.
2- إطالة المسح إلى ما فوق المرفقين، وهي ما يسمى الغرة والتحجيل في الوضوء، وعند مالك إنها في استدامة الوضوء أو تجديد التيمم، لا في الإطالة.
مبطلات التيمم:
1- كل ما يبطل الوضوء، من الأحداث والأسباب وغيرها، يبطل التيمم.
والمتيمم عن الحدث الأكبر لا يعود محدثاً حدثاً أكبر، إلا بما يوجب الغسل، وإن اعتبر محدثاً حدثاً أصغر بنواقض الوضوء.
2- زوال العذر المبيح للتيمم، كأن يجد الماء الكافي للطهارة بعد فقده، أو يجد القدرة على استعمال الماء بعد عجزه قبل الدخول في الصلاة، إن اتسع الوقت الاختياري لإدراك ركعة فأكثر بعد استعمال الماء، وإلا فلا، روى أبو ذر رضي اللَّه عَنهُ أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء يلمسَّه بشرته فإن ذلك خير) 1 . أما من وجد الماء أثناء الصلاة أو بعد الانتهاء منها، فلا يبطل تيممه، ويجب عليه الاستمرار في الصلاة، ولو اتسع الوقت، ولا إعادة عليه، ولو كان حاضراً صحيحاً، والأولى المريض والمسافر لأنه فعل ما أُمر به، إلا إذا كان تيمم دون التفتيش عن الماء مع ظنه أو شكه بوجوده ولم يكن هناك مشقة في طلبه، ثم وجده أثناء الصلاة أو بعدها بقربه أو في رحله، فيبطل تيممه وبالتالي صلاته باطلة وعليه إعادتها أداء أم قضاء.
3- تذكر وجود الماء بقربه أو في رحله أثناء الصلاة، وكان قد نسي وجود الماء ودخل في الصلاة، فيبطل تيممه وصلاته، إن اتسع الوقت لإدراك ركعة فأكثر بعد استعمال الماء لطهارته، وإلا فلا يبطل.
أما إن تذكره بعد الانتهاء من الصلاة فيعيد في الوقت الاختياري.
4- طول الفصل بين التيمم والصلاة لفوات الموالاة.
حكم صلاة المتيمم الذي وجد الماء بعد الصلاة: أولاً: يجب إعادة الصلاة في الحالات التالية:
1- من صلى بتيممه دون أن يطلب الماء طلباً يشق عليه مع ظنه أو تردده بوجود الماء، فعليه الإعادة مطلقاً إن وجد بقربه أو في رحله.
2- من صلى بتيممه دون أن يطلب الماء من رفقته مع اعتقاده أو ظنه أنهم يعطونه، وتبين بعد الصلاة وجوده معهم، فعليه إعادة الصلاة مطلقاً.
أما إن كان شاكاً في إعطائهم الماء له، وتبين وجوده معهم، فعليه إعادتها في الوقت الاختياري فقط.
3- من نسي وجود الماء بقربه أو في رحله، فتيمم وصلى، وبعد الانتهاء من الصلاة تذكر وجوده، فعليه إعادة الصلاة في الوقت.
ثانياً: يندب إعادتها في الوقت، فإن لم يعد فصلاته صحيحة، في الحالات التالية: