كتاب الصوم -
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- كوكب عبيد
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب المالكي
- المؤلف
- الحاجّة كوكب عبيد
- الناشر
- مطبعة الإنشاء، دمشق - سوريا.
- الطبعة
- الأولى 1406 هـ - 1986 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ب- في الصوم المنذور المعين:
إن أفطر لعذر فلا قضاء عليه، أما إذا بقي شيء منه بعد زوال العذر تعين الصوم فيه، وأما إن أفطر ناسياً فعليه القضاء.
الإفطار في القضاء صوم واجب:
من أفطر متعمداً في يوم من الأيام التي يقضي فيها ما فاته من صوم رمضان أو أي صوم واجب آخر، فليس عليه قضاء الأصل، وذلك على أرجح الأقوال.
جـ- في صوم التطوع:
يحرم الفطر عمداً في صوم التطوع، من غير ضرورة ولا عذر، ولو أفطر لسفر طرأ عليه، أو لحلف أحد عليه بطلاق البتِّ (الثلاث) ، وعليه القضاء، أما إن علم الصائم -في الحالة الأخيرة- تعلق قلب الحالف بمن حلف بطلاقها بحيث لو حنث يخشى عليه أن لا يتركها جاز له في هذه الحالة الفطر لقاء الحلف ولا قضاء عليه.
أما من أفطر ناسياً، أو غلبة، أو مكرهاً، أو لعذر، أو لخوف مرض، أو زيادته، أو شدة جوع أو عطش، أو عمداً طاعة لأحد والديه، إذا أمره بالفطر شفقة عليه من إدامة الصيام، أو طاعة لشيخ صالح أخذ على نفسه العهد أن لا يخالفه، وكذا طاعة الشيخ العلم الشرعي، أو طاعة لسيده إذا كان عبداً، ففي كل هذه الحالات إذا أفطر فلا حرمة في فطره ولا قضاء عليه.
ثانياً- الإمساك بقية اليوم عن المفطرات:
الحالات التي يجب فيها الإمساك:
1- من أفطر بغير عذر في صوم فرض معين كصوم رمضان أو نذر معين بوقت، سواء أفطر عمداً أو غلبة أو نسياناً أو كرهاً أو خطأ كمن نذر أن يصوم الخميس فصام الأربعاء طناً منه أنه الخميس فيتم الأربعاء وعليه صوم الخميس.
2- من أفطر سهواً في فرض غير معين ولكن يجب فيه التتابع ككفارة الظهار والقتل، إلا في اليوم الأول فالإمساك فيه مستحب.
3- من أفطر ناسياً في صوم تطوع وكذا من أفطر عمداً على القول المرجوح.
- أما من أفطر عمداً أو سهواً في فرض غير معين ولا يجب التتابع فيه كجزاء الصيد وفدية الأذى وكفارة اليمين ونذر مضمون (أي غير معين بوقت) وقضاء رمضان، فيُخيّر بين الإمساك وعدمه.
- وأما من أفطر بعذر فزال عذره في النهار كمن كان مسافراً فأقام أو كان مجنوناً فأفاق فلا يجب عليه الإمساك ولا يستحب.
ثالثاً- الكفارة الكبرى: ماهيتها:
1ً- بالنسبة للحر الرشيد: هي على التخيير إما إطعام أو عتق أو صوم، وأفضلها الإطعام فالعتق فالصوم.
آ- الإطعام: يجب تمليك ستين مسكيناً أو فقيراً كلّ واحد منهم مداً بمد النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وهو ملء اليدين المتوسطين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، من غالب طعام أهل البلد من قمح أو غيره.
ولا يجزئ عن ذلك أن يطبخ ويدعو ستين مسكيناً على غداء أو عشاء، ولا يجزئ إعطاء الطعام إلى من تلزمه نفقتهم.
ب- العتق: وهو عتق رقبة مؤمنة سالمة من العيوب المضرة كالعمى والبكم والجنون.
جـ- الصيام: وهو صوم شهرين متتابعين كل شهر ثلاثين يوماً، فإن أفطر في يوم منها ولو بعذر شرعي كالسفر أصبح ما صامه نفلاً ووجب عليه استئناف الصيام لانقطاع التتابع فيه.
هذا بالإضافة إلى صوم يوم القضاء.
2ً- بالنسبة للعبد: هي الصوم فقط، فإن أذن له سيده أن يكفر بالإطعام جاز ذلك.
3ً- بالنسبة للأمة: يكفر عنها سيدها بالإطعام أو العتق لا بالصوم إن وطئها ولو أطاعته.
4ً- بالنسبة للسفيه: يأمره وليه بالتكفير بالصوم، فإن امتنع أو كان عاجزاً عن الصوم كفر عنه وليه بأدنى النوعين قيمة إما العتق أو الإطعام.
5ً- بالنسبة للزوجة: يكفر عنها زوجها بالعتق أو الإطعام إن أكرهها على الوطء، أما إن أطاعته كفرت عن نفسها بأحد أنواع الكفارة الثلاثة.
شروط وجوبها:
1- العمد: فلا كفارة على ناسٍ أو مخطئ أو معذور.
2- الاختيار: فلا كفارة على مُكْرَه، أو من أفطر غلبة.
3- العلم بحرمة الفطر في رمضان، أما إن كان جاهلاً بحرمة الفطر فيه كأن كان جديد عهد بالإسلام أو جاهلاً أنه يوم رمضان، كمن أفطر يوم الشك ثم تبين أنه من رمضان فلا كفارة عليه.
أما من جهل وجوب الكفارة على الفطر العمد في رمضان مع علمه بالحرمة فلا تسقط الكفارة عنه.
4- أن يكون الفطر في أداء رمضان، فإن كان في غيره كقضاء رمضان أو نذر ... فلا تجب الكفارة.
5- أن يكون منتهكاً لحرمة الشهر بلا تأويل قريب، أي غير مبالٍ بحرمة الشهر.
أما إن كان متأولاً تأويلاً قريباً فلا كفارة عليه.
والمتأول تأويلاً قريباً هو المستند في فطره إلى أمر موجود.
ومن أمثلة التأويل القريب: من أفطر ناسياً أو مكرهاً، فظن أنه لا يجب عليه الإمساك بقية
اليوم بعد التذكر، فتناول مفطراً عمداً، فلا كفارة عليه لا ستناده إلى أمر موجود، وهو الفطر أولاً نسياناً أو بإكراه.
أو من سافر مسافة أقل من مسافة القصر، فظن أن الفطر مباح له لظاهر قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفراً فعدة من أيام أخر﴾ 1 فنوى الفطر من الليل وأصبح مفطراً لظاهر فلا كفارة عليه.
أو من رأى الهلال نهار الثلاثين من رمضان، فظن أنه يوم عيد وأن الفطر مباح فأفطر لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" 2 ، فلا كفارة عليه.
وأما المتأول تأويلاً بعيداً فهو المستند في فطره إلى أمر غير موجود، كالمرأة تعتاد الحيض في يوم معين فتبيت نية الفطر لظنها إباحته في ذلك اليوم لمجيء الحيض فيه عادة، فتصبح مفطرة أي تعجل الفطر قبل مجيء الحيض، فعليها الكفارة ولو رأت الحيض في ذلك اليوم حيث نوت الفطر قبل مجيئه.
وكذا من رأى هلال رمضان ولكن لم تقبل شهادته أمام الحاكم فظن إباحة الفطر له فأفطر.
أو من أفطر لعزمه على السفر في ذاك اليوم فلم يسافر فيه، أما إن سافر فعليه القضاء فقط دون الكفارة.
موجبات الكفارة الكبرى:
1- تجب على كل من جامع مفسداً للصوم سواء كان فاعلاً أو مفعولاً.
2- إخراج المني عمداً ولو بطريق إدامة الفكر أو النظر (أما إن أنزل بمجرد الفكر والنظر من غير إدامة فلا كفارة عليه وإنما القضاء فقط) إن كانت عادته الإنزال عند استدامة النظر، أما إن لم تكن عادته الإنزال عند استدامة النظر ففي وجوب الكفارة وعدمها قولان.
أما إخراج المذي فإنه يوجب القضاء فقط.
3- تعمد رفع نية الصوم نهاراً، كأن يقول: رفعت نية صومي أو رفعت نيتي، ومن باب أوْلى إذا رفعها ليلاً بعد أن كان بيتها وطلع الفجر وهو رافعاً لها، لا إن علق الفطر على شيء ولم يحصل عليه كأن قال: إن وجدت طعاماً أكلت فلم يجده أو وجده ولم يفطر فلا قضاء عليه.
4- تعمد إيصال مفطر إلى المعدة عن طريق الفم فقط بشروط الوجوب المبنية سابقاً، أما وصول المائع إلى الحلق ورده فلا يوجب الكفارة وإنما يلزم القضاء فقط.
5- وصول شيء إلى المعدة نتيجة تعمد الاستياك بالجوزاء (القشر المتخذ من أصول الجوز) نهاراً ولو كان ابتلاعها غلبة.
6- وصول شيء إلى المعدة من القيء المتعمد إخراجه ولو وصل عمداً أو غلبة لا نسياناً.
وكذا تجب الكفارة على من صبّ شيئاً عمداً في حلق شخص آخر وهو نائم ووصل إلى معدته.
تعدادها:
لا تجب الكفارة الكبرى إلا عن كل يوم أفطره عمداً بالموجبات المذكورة وضمن الشروط.
وتتعدد بتعدد الأيام لا بتعدد موجبات الفطر في اليوم الواحد، فلو جامع في نهار رمضان ثم أكل عمداً فلا تجب عليه إلا كفارة كبرى واحدة عن ذاك اليوم.
رابعاً- التأديب:
يجب تأديب من أفطر عمداً في فرض أو نفل بما يراه الحاكم من ضرب أو سجن أو هما معاً، إلا أن يأتي تائباً قبل الظهور عليه فيعفى عنه.
خامساً- الكفارة الصغرى (الفدية) :
الحالات الموجبة للكفارة الصغرى:
1- تجب على كل من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر.
ويكون التفريط إن أمكن قضاء ما عليه من رمضان في شهر شعبان ولم يقض حتى حلول رمضان آخر، ويتحقق الإمكان بكون الباقي من شهر شعبان بقدر ما عليه من رمضان وهو صحيح مقيم خال من الأعذار.
أما إن اتصل عذره بقدر الأيام التي عليه إلى تمام شعبان، كمن كان عليه خمسة أيام مثلاً من رمضان وترك قضاءها وأخرها إلى أن بقي من شهر شعبان خمسة أيام، فلما بقي ذلك مرض حتى دخل عليه رمضان آخر، فلا كفارة عليه ولو كان في كل السنة مستطيعاً للقضاء.
أما إن كان عليه خمسة أيام وبقي من شهر شعبان خمسة أيام فلم يقض ومرض في اليومين الأخيرين، فليس عليه كفارة إلا عن ثلاثة أيام فقط.
2- تجب الفدية على المرضع إذا أفطرت خوفاً على ولدها فقط.
وتستحب الفدية لمن أفطر لكبر سن أو لمرض لا يرجى برؤه (هناك قول أنه يجب الإطعام) .
ماهية الفدية:
إطعام مدٍّ من غالب قوت البلد، بمد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، لمسكين أو فقير عن كل يوم فرط بقضائه حتى أتى رمضان مثله أو عن كل يوم لم يصمه المكلف بالحالات المذكورة سواء وجب عليه قضاؤه أم لا.
ولا تتكرر الفدية بتكرر المثل (أي لا تتضاعف إذا مر رمضانان دون أن يقضي) فإذا كان عليه يومان من رمضان ومضى على ذلك ثلاثة رمضانات أو أكثر فلا يلزمه إلا مدان عن كل يوم مد.
ولا يجزئ إعطاء مسكين واحد مدين عن يومين ولو كان كلّ مدّ في يومه، إذا كان هذان اليومان يعودان لشهر رمضان واحد.
أما إن كان فرط في قضاء يوم في شهر رمضان حتى أتى مثله ثم فرط في قضاء يوم من شهر رمضان حتى أتى مثله، فأصبح عليه فديتان عن يومين كل يوم يعود لعام فهنا يجوز إعطاء مسكين واحد فديتي اليومين.
وقت إخراجها: تُخرج فدية كل يوم مع قضائه ندباً، وإلا تخرج متى وجبت (بمرور رمضان آخر) ولو قبل القضاء، أما قبل فلا يصح إخراجها.
ما يندب في رمضان وما يستحب للصائم:
1- تعجيل الفطر بعد تحقق الغروب وقبل الصلاة، وأن يكون فطره على رُطَبات (بلح) فإن لم توجد فتمرات، ويكون عددها وتراً.
فإن لم يجد تمرات فماء.
لما روى سهل بن سعد رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "لا يزال بخير ما عجلوا الفطر" 1 ، وما روى أنس رضي اللَّه عنه قال: "كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يفطر، قبل أن يصلي على رطباتٍ.
فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات، حسا حسوات من ماء" 2 .
2- الدعاء عقب الفطر بالدعاء المأثور: "اللَّهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، وعليك توكلت، وبك آمنت، ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء اللَّه، يا واسع المغفرة اغفر لي، الحمد للَّه الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت".
3- السحور للتقوي به على الصوم ولو جرعة ماء، لحديث أنس رضي اللَّه عنه عن النبي
صلى اللَّه عليه وسلم قال: "تسحروا فإن في السحورْ بركة" 3 . ويدخل وقته بنصف الليل الثاني، وكلما تأخر كان أفضل بشرط أن لا يقع في شك بدخول الفجر.
4- صلاة التراويح في رمضان لحديث أبي بكر رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "من قام رمضان إيماناً 4 واحتساباً 5 غفر 6 له ما تقدم من ذنبه" 7 .
5- كف اللسان والجوارح عن فضول الكلام والأفعال التي لا أثم فيها، أما التي فيها إثم كالغيبة والنميمة فيجب الكف عنها في كل وقت ويتأكد في رمضان.
لما روى أبو بكر رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "و [؟؟] إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإنه سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم" 8 .
6- الإكثار من الصدقات والإحسان إلى ذوي الأرحام والفقراء والمساكين، لما روى ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: "كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان" 9 .
7- الإكثار من تلاوة القرآن ومن الذكر كلما تيسر له ذلك.
8- الاعتكاف وخاصة في العشر الأواخر من رمضان لتلمس ليلة القدر، لما روت عائشة رضي اللَّه عنها قالت: "كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره" 10 وما روى أبو بكر رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" 11 .
9- يندب الصوم في السفر إذا كان رمضان لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ 12 ولكن لا يجب ولو علم الوصول إلى الوطن بعد الفجر.
ما يكره للصائم:
1- ذوق شيء له طعم كملح، أو عسل، أو خل، ولو لصانعه، مخافة أن يسبق منه لحلقه.
فإذا ذاق شيء منه وجب مجه، وإن وصل شيء إلى حلقه غلبة أو عمداً فعليه القضاء، فضلاً عن الكفارة في رمضان في حالة العمد.