كتاب الصلاة -
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- كوكب عبيد
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب المالكي
- المؤلف
- الحاجّة كوكب عبيد
- الناشر
- مطبعة الإنشاء، دمشق - سوريا.
- الطبعة
- الأولى 1406 هـ - 1986 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
3- شروط وجوب وصحة.
أولاً: شروط الوجوب
1- البلوغ، لما روى علي رضي اللَّه عَنهُ عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" 1 . والبلوغ شرط للوجوب لا للصحة حيث تصح الصلاة من الصبي المميز.
2- عدم الإكراه على تركها، والإكراه المعتبر في العبادات هو الخوف من قتل أو ضرب أو سجن أو قيد، فمن ترك الصلاة مكرهاً فلا إثم عليه بل لا تجب عليه.
ولكن من المؤكد أن الإكراه لا
يتأتى على جميع أفعال الصلاة، فإذا تمكن من الطهارة سقط عنه مالا يقدر على الإتيان به فقط، ويفعل ما يقدر عليه من نية وإحرام وقراءة وإيماء كما يفعل المريض (الإكراه بمنزلة المرض) إذا تمكن من الطهارة.
3- بلوغ الدعوة: أي بلغته دعوة النبي صلى اللَّه عليه وسلم، ولو كان كافراً؛ إذ الصحيح تكليف الكفار بفروع الشريعة كأصولها (العقيدة) .
أمر الصبي بالصلاة:
يندب للولي أن يأمر الصبي بالصلاة ابن سبع، لأن الشارع أمر الولي أن يأمر بها، فالوالي مأمور من قبل الشارع بالأمر بها، والصبي مأمور من قبل الشارع بفعلها، بناء على أن حكم الأمر من الشارع للولي بالأمر بالشيء للصبي هو بمثابة الأمر بذلك الشيء 1 للصبي مباشرة، فالصبي مكلف من قبل الشارع بالمندوبات والمكروهات فإذا فعلها يثاب عليها.
أما البلوغ فهو شرط للتكليف بالواجبات والمحرمات.
ويندب أن يَضربه عليها ابنَ عشر ضرباً مؤلماً غير مبرح (لا يكسر عظماً ولا يشين عضواً) إن ظن إفادته وإلا فلا يضربه.
وتندب التفرقة بين الأولاد في المضاجع، أي لا ينام أحدهما مع الآخر في فراش واحد إلا وعليه ثوب 2 .
عن سيرة الجهني قال: قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: " مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها" 3 ، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" 4 .
ثانياً: شروط الوجوب والصحة:
1- العقل 5 ، فلا تجب ولا تصح من المجنون ولا من المغمى عليه ولا من السكران بحلال (أي غير المتعدي بسكره) ، لحديث علي رضي اللَّه عَنهُ المتقدم: "رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل".
2- وجود الطهور مع القدرة على استعماله، ويخرج بذلك فاقد الطهورين، أو فاقد القدرة على استعمالهما كالمكره، والمربوط، فلا تجب عليهما ولا يقضيان وإن تمكنا بعد خروج الوقت على القول المشهور.
3- اليقظة وعدم النسيان، لأن النائم والناسي غير متمكنين من طهارة الحدث عادة، لكن يجب عليهما القضاء حال استيقاظهما، لأن عذرهما يزول بأدنى تنبيه، ولأنه يوجد من قبلهما تفريط.
4- دخول الوقت، فلا تجب ولا تصح الصلاة قبل دخول الوقت، وقيل: دخول الوقت سبب للوجوب.
5- النقاء من الحيض والنفاس، لعدم تمكن الحائض والنفساء من الطهارة شرعاً، فلا يجب ولا تصح منهما الصلاة ولا تقضيانها.
ثالثاً: شروط صحة فقط: وهي خمسة:
1- الإسلام، فلا تصح من الكافر وإن وجبت عليه بناء على القول المعتمد أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
2- الطهارة من الحدث: تشمل الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر ابتداء ودواماً، سواء ذكر الحدث وكان قادراً على الطهارة أم لا، فلو صلى محدثاً أو طرأ الحدث في الصلاة، ولو سهواً، بطلت الصلاة، وإن لم يقدر على الطهارة سقطت عنه.
والدليل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... ﴾ 1 وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (2) ، وحديث ابن عمر رضي اللَّه عَنهما المتقدم: "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور".
3- طهارة البدن ومحمول المصلي والمكان من الخبث 2 : وتشمل طهارة البدن طهارة البدن [؟؟] الظاهر وما في حكمه كداخل الأنف والفم والأذن والعين، ودليل طهارة البدن حديث عائشة رضي اللَّه عَنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: يا رسول اللَّه إني لا أطهر أفأدع الصلاة، فإذا ذهب قَدْرُها فاغسلي عنك الدم وصلي" 3 .
والمكان هو ما تماس مع أعضاء المصلي بالفعل من قدميه وركبتيه ويديه ورجليه، ولا يشمل ما تحت حصيرته وإن اتصل بها كفورة ميتة صلى على صوفها (لأن الجلد لا يطهر بالدباغة) .
ودليل طهارة المكان حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقل لهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم: "دعوه، وهريقوا على بوله سَجْلاً من ماء أو ذَنُوباً من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" 4 .
أما محمول المصلي فيشمل الثوب والعمامة والنعل والحزام والمنديل، ودليل طهارة الثوب قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ 5 ، وما روى أبو هريرة رضي اللَّه عنه أن خولة بنت يسار أتت النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقالت: يا رسول اللَّه، إنه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: "إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه" 6 . ولو كانت النجاسة في طرف عمامة المصلي الملقى على الأرض، أو في طرف ثوبه الملقى على الأرض، وجب إزالتها لأنها تعتبر من محمول المصلي.
وكذا ما استقر في بطنه من نجاسة مدة بقائها في بطنه يقيناً أو ظناً لا شكاً، فيجب عليه أن يتقيأها إن أمكن وإلا فلا إن كان عاجزاً.
فإن تحولت هذه النجاسة إلى عذرة أصبحت بحكمها.
وكذا ما علق في أسفل النعل من نجاسة، فإنها تعتبر نجاسة محمولة إذا رفع رجله بها؛ كأن سجد، فعندها تبطل صلاته، أما إن سلَّ قدمه من النعل سلاً بغير رفعه وقبل السجود، فإنها لا تبطل.
ومحل شروط هذه الطهارة أن يكون ذاكراً لها وقادراً عليها، فإن صلى ناسياً للنجاسة، أو جاهلاً بها فإن صلاته صحيحة، أو كان عالماً بها لكنه غير قادر على إزالتها إما لفقد الطهور، أو
للعجز عن استعمال الطهور، ولم يوجد عنده ثوب آخر غير المتنجس، فصلى، فإن صلاته صحيحة، ويحرم عليه تأخيرها حتى يخرج الوقت، ولكن يندب له إعادة الصلاة على الحكمين المشهورين إن اتسع الوقت (ووقت الظهرين يمتد إلى الاصفرار، لأن الإعادة نافلة والنافلة بعد الاصفرار مكروهة.
ووقت العشاءين حتى طلوع الفجر الصادق.
والفجر حتى طلوع الشمس) .
أما إن صلى وانتهى من صلاته وهو ذاكر للنجاسة وقادر على إزالتها، فعلى القول بالوجوب تكون صلاته باطلة، ويجب إعادتها سواء خرج الوقت أو لم يخرج، أما على القول بأن إزالتها سنة فيندب إعادة الصلاة في الوقت أو خارجه.
وأما إن ذكر النجاسة قبل الصلاة ثم نسيها عند الدخول فيها واستمر حتى فرغ منها فلا تبطل ولو تكرر التذكر والنسيان قبلها، وإنما يندب له الإعادة في الوقت أو بعده.
مسألة: سقوط النجاسة على المصلي أثناء الصلاة، أو تذكره للنجاسة أثناءها: إذا سقطت النجاسة على المصلي أثناء الصلاة واستقرت عليه، أو تذكَّر نجاسة عليه أثناء الصلاة، بطلت صلاته بشروط:
1- أن تستقر النجاسة عليه، لكونها رطبة، أو يابسة ولكن لم تنحدر حال سقوطها، وإنما علق منها به شيء.
2- الوقت متسع لإزالة النجاسة وإدراك الصلاة فيه (أي إدراك ركعة كاملة بسجدتيها على الأقل) إن كان في الوقت الاختياري، وإن كان في الوقت الضروري فإمكانية الإدراك في الوقت الضروري.
3- وجود ما تزال به النجاسة من ماء مطلق، أو وجود ثوب آخر طاهر.
4- النجاسة الساقطة أو التي تذكرها غير معفو عنها.
5- أن لا يكون ما فيه النجاسة محمولاً لغيره، وإلا فلا تقطع الصلاة لعدم بطلانها، كما لو سقط ثوب شخص متنجس لابس له على مصلٍّ، أو تعلق صبي نجس الثياب أو البدن بمصلٍّ وكان الصبي مستقراً على الأرض، فالصلاة صحيحة.
النجاسات المعفو عنها بالنسبة للصلاة ودخول المسجد:
يعفى عن كل ما يعسر التحرز منه من النجاسات بالنسبة للصلاة ودخول المسجد، لا بالنسبة للطعام والشراب، استناداً إلى القاعدة: "إذا ضاق الأمر اتسع" و "عند الضرورات تباح
المحظورات" وقوله تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ 1 . وأمثلة هذه النجاسات التي يعسر التحرز عنها هي:
1- سلس بول، أو مذي، أو ودي، أو غائط، إذا خرج من نفسه من غير اختيار، ولازم كل الزمان أو جله أو نصفه، فلا ينقض الوضوء، ولا يوجب غسل النجاسة للضرورة.
أما إن لازم أقل الزمان ولو مرة كل يوم فينقض الوضوء ولكن يعفى عن النجاسة فلا يجب غسله.
وقيل يعفى عن النجاسة في حقه فقط لا في حق غيره، لأن سبب العفو للضرورة ولا توجد في حق الغير، وقيل: بحقه وبحق غيره لسقوط اعتبارها شرعاً.
وثمرة هذا الاختلاف: أنه على القول الثاني يجوز لصاحب الحدث أن يصلي إماماً بالأصحاء، وعلى القول الأول فإنه مكروه ولم يقل بالبطلان لأن صاحب السلس صلاته صحيحة للعفو عن النجاسة في حقه فصحت صلاة من ائتم به لأن صلاته مرتبطة بصلاته وصلاته صحيحة.
2- بلل الباسور، فإذا خرج الباسور وعليه بلل النجاسة فيعفى عنها إن أصابت الثوب أو البدن ولا يعفى عن اليد التي رفع بها الباسور لأن غسلها ليس فيه مشقة.
3- ثوب الأم المرضع وجسدها، إذا أصابهما بول أو غائط الطفل، واجتهدت في درء النجاسة عنها حال نزولهما بخلاف المفرطة.
وكذلك يعفى عن ثوب المرضع غير الأم وبدنها المتنجسين من بول الطفل أو غائطه، إذا اجتهدت في درء النجاسة عنها وكانت محتاجة إلى إرضاع هذا الطفل كأن لم يأخذ إلا ثديها، أو كانت فقيرة مضطرة إلى الإرضاع بالأجرة.
4- ثوب جزار، وكناف، وطبيب جراح.
ويندب لهم إعداد ثوب خاص للصلاة.
5- يعفى عن نجاسة بقدر الدرهم البغلي 2 ، سواء كانت دماً أو قيحاً أو صديداً أو أي نجاسة أخرى.
والمراد بالدرهم البغلي قدر مساحة قعر الكف، فالعبرة للمساحة لا للكمية لأنها قد تكون نقطة دم لكن ثخينة، ويعفى عنها سواء أصابت البدن أو الثوب أو المكان، وسواء أصابته أثناء الصلاة أو في خارجها، وسواء كانت من نفسه أو من غيره؛ آدمياً كان أو غيره، ولو خنزيراً.
6- ويعفى عما يصيب ثوب العلاف (أو الراعي) أو بدنه أو مكانه، من بول أو روث خيل أو بغال أو حمير، وذلك لمشقة الاحتراز.
7- يعفى عن النجاسة التي ينقلها الذباب أو الناموس إلى الثوب والبدن.
8- يعفى عن مكان دم الحجامة الذي مسح مسحاً حتى يبرأ الجرح، فيغسله لمشقة الغسل قبل برء الجرح ويجب بعد البرء غسل المحل أو يندب غسله بناء على من يقول بندب إزالة الخبث.
9- يعفى عما يصيب ثوب المصلي أو رجله من طين المطر وغير المختلط بالنجاسة ما دام الطين طرياً في الطريق ويخشى الإصابة ثانية ولو بعد انقطاع المطر، ما لم يجف طين الطريق فعندها يجب غسل ما أصاب الثوب أيام النزول.
أما إن غلبت النجاسة على الطين يقيناً أو ظناً فلا يعفى عما أصاب الثوب منها، ومن الأَولى إذا أصاب الثوب عين النجاسة فلا يعفى عنها ويجب غسلها.
وأما إذا لم توجد نجاسة عينية في الطريق إذ الأصل في الأشياء الطهارة فلا حاجة أن نقول يعفى عن الطين الذي يصيب الثوب لأن الأصل فيه الطهارة.
10- يعفى عن أثر ما سال من الدمامل بنفسه، أما إن عصرت وزاد السائل عن قدر درهم بغلي فلا يعفى عنه، فإن كان العصر ضرورياً ككثرة الدمامل وغلبة الحك والجرب، فعندها يعفى عن أثر ما سال ولو كثر.
11- يعفى عن ذيل ثوب المرأة الجاف الذي يجر على الأرض المتنجسة الجافة، إذا كان طويلاً للستر، أما إذا كان للخيلاء فلا.
12- يعفى عما يصيب الرجل المبلولة إذا مرت بنجاسة يابسة.
13- يعفى عما يصيب الخف أو النعل من أرواث الدواب وأبوالها في الطرق والأماكن التي تطرقها الدواب كثيراً، وذلك لعسر الاحتراز، أو عما يصيب رِجلَ فقير لا يجد الخف ليلبسه، إذا دلك الخف أو النعل أو الرجل بخرقة أو تراب أو حجر دلكاً لا يبقى معه شيء من العين.
عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور" 4 .
أما فضلات غير الدواب كالآدمي والكلب والهر، فلا يعفى عما أصاب الخف أو النعل أو الرجل من فضلاتها، وكذلك إذا أصابت فضلات الدواب غير الخف أو النعل أو الرجل فلا يعفى عنها.
14- الماء الساقط على المار بالطريق من بيت المسلمين، المشكوك بطهارته، أو المشكوك في إسلامهم، يحمل على الطهارة ولا يجب السؤال عنه لكن يندب الغسل منه، فإن أخبره
عدل الرواية (مسلم صالح، ذكراً كان أو أنثى، عبداً أو حراً) بالنجاسة وتبين له ذلك، أو كان مذهبه موافقاً لمذهب العدل أخذ بقوله، وفي هذه الحالة وجب الغسل.
أما الماء المشكوك بطهارته الساقط على المار من بيت الكفار فيحمل على النجاسة، ما لم يخبره عدل الرواية وحاضرٌ مع أهل البيت بالطهارة فيأخذ بقوله.
وأما الماء الساقط على المار بالطريق فإنه يحمل على الطهارة، إن ظن أو تحقق طهارته، ويحمل على النجاسة، إن ظن أو تحقق نجاسته.3