فقه العبادات على المذهب المالكيصفحات 106-116
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة -

صفحات 106-116
عن هذه الطبعة
عَلَم
كوكب عبيد
الكتاب
فقه العبادات على المذهب المالكي
المؤلف
الحاجّة كوكب عبيد
الناشر
مطبعة الإنشاء، دمشق - سوريا.
الطبعة
الأولى 1406 هـ - 1986 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الباب الأول: تعريف الصلاة: -

لغة: الدعاء ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ 1 أي ادع لهم.
وشرعاً: قربة فعلية ذات إحرام وسلام، أو مع ركوع وسجود، أو سجود فقط.
فسجود التلاوة صلاة مع أنه ليس له إحرام ولا سلام.
وصلاة الجنازة صلاة مع أنه ليس فيها ركوع أو سجود.

حكم الصلوات الخمس المكتوبة: هن فرض، ودليل الفرضية قوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ 1 . وحديث طلحة بن عبيد اللَّه رضي اللَّه عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال للسائل عن الإسلام: "خمس صلوات في اليوم والليلة.
فقال: هل عليّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطَّوَّع" 2 . وحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "بني الإسلام على خمسٍ

شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان" 3 . وقد أجمعت الأمة على الصلوات الخمس فرض عين، وعلى أنه لا فرض عين من الصلوات سواهن.

حكم تارك الصلاة:

1- من ترك الصلاة كسلاً مختاراً بدون عذر، يُرفع أمره إلى الحكم، ويطالبه الحكم بها مع التهديد بالقتل، وينتظر عليه إلى آخر وقتها الضروري، ويقدِّر لها طهراً خفيفاً صوناً للدماء ما أمكن.
فإن كان عليه فرض انتظره لبقاء ما يسع ركعة بسجدتيها من الوقت الضروري، وإن كان عليه فرضان مشتركان أخَّره إلى وقت يسع خمس ركعات في الظهرين وأربع ركعات في العشاءين في الحضر وثلاثاً في السفر، فإن لم يستجب قتل بالسيف حداً لا كفراً (أما إذا لم تطلب منه في سعة وقتها بل في ضيقه، أي طلبت منه ولم يبق من الوقت ما يسع ركعة، أو إن طلبت منه في سعة الوقت لكن طلباً غير متكرر ثم ضاق الوقت، فلا يقتل) ، ويُصلى عليه من قبل غير فاضل (فيكره للفاضل أن يصلي عليه) ، ولا يطمس قبره بل يسنم كغيره من قبور المسلمين 4 .

2- أما من ترك الصلاة جاحداً بوجوبها أو ركوعها أو سجودها، فهو كافر مرتد، (إلا إذا كان قريب عهد بالإسلام) ، يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل كفراً ومالُه فّيْءٌ (أي لبيت مال المسلمين) . وكذا كل من جحد ما عُرف من الدين بالضرورة، فإنه يكون مرتداً اتفاقاً، سواء كان الدال عليه الكتاب أو السنة أو الإجماع.

أوقات الصلاة: تعريف الوقت: هو الزمن المقدر للعبادة شرعاً، قال تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ . أي فرضاً محدداً بأوقات.

حكم معرفة الوقت: قيل فرض كفاية، لذا يجوز التقليد فيه، وقيل فرض عين.
والخلاصة: أنه لا يجوز للشخص الدخول في الصلاة حتى يتحقق دخول الوقت، سواء قام بالتحقق بنفسه أو بتقليد من تحقق.
وتعرف الأوقات، إما بالساعة الفلكية، أو بوضع الشمس، فالظل الذي يحدث بعد زوال الشمس يُعرف به وقت الظهر ودخول وقت العصر، وبمغيبها يُعرف وقت المغرب، وبمغيب الشفق الأحمر أو الأبيض يُعرف دخول وقت العشاء، وبالبياض الذي يظهر في الأفق يُعرف وقت الفجر.
ومن خفي عليه الوقت لظلمة أو سحاب اجتهد وتحرى بنحو وردٍ، كأن كانت عادته الفراغ من ورده طلوع الفجر مثلاً، فإنه يعتمده، ويزيد في التحري حتى يغلب على ظنه دخول الوقت.
وفي حالة خفاء الوقت تكفي غلبة الظن، فإن صلى معتمداً غلبة ظنه بدخول الوقت ثم تبين أنه صلى قبل الوقت أعادها وجوباً وإلا فلا.
أما لو شك بدخول الوقت، أو ظن ظناً خفيفاً، وصلى لم تجزئه وإن كانت وقعت في الوقت.
وأما من لم يَخْفَ عليه الوقت، بأن كانت السماء صحواً فلا بد له من تحقق دخول الوقت ولا يكفيه غلبة الظن.
وقد جاء تحديد أوقات الصلوات الخمس في أحاديث منها: ما روى ابن عباس رضي اللَّه عَنهما أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "أمَّني جبريل عليه السلام عند البيت مرتَيْن، فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك 1 ، ثم صلى العصر حين كان كلُّ شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحَرُمَ الطعام على الصائم.
وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كلّ شيء مثله، لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كلّ شيء مِثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليَّ جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك؛ والوقت فيما بين هذين الوقتين" 2 .

أقسام أوقات الصلاة المكتوبة تقسم هذه الأوقات إلى قسمين: أ- اختياري: وهو الوقت الذي وُكل إيقاع الصلاة فيه اختيار المكلف من حيث عدم الإثم، إن شاء صلى في أوله أو أوسطه أو آخره، فالاختياري قسمان إما وقت فضيلة، وإما وقت توسعه.
ب- ضروري: وهو يأتي عقب الاختياري.
ويحرم تأخير الصلاة لوقت ضروري، إلا لأصحاب الضرورات الشرعية (وسيأتي بيانهم) ، فغير المضطر إذا أخر صلاته إلى الوقت الضروري كان آثماً، ما لم يدرك ركعة كاملة في الوقت الاختياري، وأتم صلاته في الوقت الضروري، فلا إثم عليه.
أصحاب الأعذار الشرعية: لا يجوز تأخير الصلاة لوقت ضروري.
إلا لأحد الأعذار الشرعية الآتية:

1- الكافر الأصلي إذا أسلم في الوقت الضروري، فلا إثم عليه إذا صلى في هذا الوقت، وذلك ترغيباً للدخول في الإسلام، ولقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ 1 .

2- الصبي إذا بلغ في الوقت الضروري، فلا إثم عليه إن أدى الصلاة فيه، وإن كان صلاها قبل البلوغ، لأنها وقعت نفلاً.

3- المغمى عليه والمجنون إذا أفاقا في الوقت الضروري.

4- فاقد الطهورين إذا أخر الصلاة إلى الوقت الضروري فوجد فيه أحد الطهورين.

5- الحائض أو النفساء إذا نقيت في الوقت الضروري.

6- النائم أو الغفل إذا استيقظ في الوقت الضروري.
ولا يحرم النوم قبل دخول الوقت ولو علم أنه سيستغرق نومه الوقت الاختياري.

7- من سكر بغير مسكر حرام وأفاق في الوقت الضروري.
(أما السكر بحرام فعليه إثم تأخير الصلاة وإثم السكر) .

آ- أوقات الصلاة المكتوبة الاختيارية والضرورية

1- صلاة الظهر: نبدأ بوقت صلاة الظهر لأنها أول صلاة صليت في الإسلام.
الوقت الاختياري لها يبدأ من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله مضافاً إليه ظل الاستواء 1 ، وهو آخر الوقت الاختياري وأول وقت العصر.
أما وقتها الضروري فيبدأ من دخول وقت العصر الاختياري إلى غروب الشمس.

2- صلاة العصر: الوقت الاختياري لها: يبدأ من وقت أن يصبح ظل كل شيء مثله مضافاً إليه ظل الاستواء ويمتد حتى الاصفرار (أي اصفرار الشمس في الأرض والجدران، لا اصفرار عينها، لأن عينها لا تصفر حتى تغرب) . أما وقتها الضروري: فيمتد من اصفرار الشمس حتى الغروب.
وإذا ضاق الوقت الضروري هذا بحيث لم يسع إلا أربع ركعات في الحضر أو ركعتين في السفر اختص الوقت بصلاة العصر.
والمشهور أن بين الظهر والعصر اشتراكاً في الوقت بقدر أربع ركعات في الحضر وركعتين في السفر.
واختلف هل الاشتراك في آخر وقت الظهر فيكون العصر داخلاً على الظهر آخر وقته، أم الاشتراك في أول وقت العصر فيكون الظهر داخلاً على العصر في أول وقته، فهناك قولان مشهوران 2 .

3- صلاة المغرب: وتسمى صلاة الشاهد (نجم يطلع عندها) . وقتها الاختياري: يمتد من غروب الشمس بجميع قرصها بقدر ما يسع ثلاث ركعات، بعد

تحصيل شروطها من طهارتي الحدث والخبث وستر العورة، ولا امتداد له على المشهور وقيل يمتد إلى غياب الشفق الأحمر.
(ويجوز لمن كان محصلاً لشروطها التأخر بالصلاة بقدر تحصيلها) . أما الوقت الضروري لها، فيبدأ عقب الاختياري ويمتد إلى طلوع الفجر.

4- صلاة العشاء: وقتها الاختياري: يبدأ من مغيب الشفق الأحمر، ويمتد إلى ثلث الليل الأول (الليل: من الغروب إلى الفجر) ، فإذا لم يبق في الأفق حمرة ولا صفرة فقد وجبت صلاة العشاء.
أما وقتها الضروري: فيبدأ من انتهاء الثلث الأول من الليل، ويستمر إلى طلوع الفجر الصادق.
وعلى ذلك تشترك صلاة المغرب وصلاة العشاء في نهاية الوقت الضروري إلى طلوع الفجر، وإذا ضاق الوقت الضروري بحيث لم يعد يسع إلا أربع ركعات في الحضر أو ركعتين في السفر، اختص بصلاة العشاء فقط.

5- صلاة الصبح: وقتها الاختياري: من طلوع الفجر الصادق (وهو ما ينتشر ضياؤه من جهة القبلة حتى يعم الأفق، احترازاً من الكاذب، وهو الذي لا ينتشر بل يخرج مستطيلاً، يطلب وسط السماء، دقيقاً يشبه ذنب الذئب، ثم يذهب ويخرج بعده الفجر الصادق) إلى الإسفار البين (الذي تظهر فيه الوجوه ظهوراً بيناً بالبصر المتوسط في لا سقف فيه) ، لحديث بريدة رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: " ... ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر.
فلما أن كان اليوم الثاني أمره ... وصلى الفجر فأسفر بها ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقابل الرجل: أنا يا رسول اللَّه! قال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم" 3 . أما وقتها الضروري: فمن الإسفار إلى طلوع الشمس، وقيل إنه ليس للصبح وقت ضروري بل يمتد وقتها الاختياري إلى طلوع الشمس.

ب- وقت الفضيلة: إن أفضلَ الأوقات لفذّ أو لجماعة أولُها، لحديث أبي محذورة أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "أول

الوقت رضوان اللَّه وأوسطه رحمة اللَّه وآخره عفو اللَّه" 1 ، وحديث عبد اللَّه رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "أفضل الأعمال الصلاة لوقتها" 2 . حالات يندب فيها تأخير الصلاة عن أول وقتها:

1- يندب لفذ انتظار جماعة لتحصيل له فضيلة الجماعة، وقيل: يُقدِّم ثم إذا وجدها أعاد الصلاة إن كانت مما تعاد (تكره إعادة صلاة الصبح 3 والعصر) مثل المغرب يقدمها لضيق وقتها.

2- يندب تأخير صلاة الظهر في شدة الحر للإبراد حتى تتفيا الأفياء، وحدَّ بعضهم ذلك بنصف ظل الشيء، وبعضهم بأكثر من النصف، لما روى أبو ذر الغفاري رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" 4 . أما إن لم يكن الانتظار لشدة الحر وإنما لانتظار جماعة أو كثرتها، فيندب له الانتظار حتى يصبح ظل كل شيء بمقدار ربع طوله.

جـ- وقت إدراك: وهو الوقت الذي تترتب الصلاة بذمة المكلف إذا زال عذره فيه.

1- يدرك الظهرين إذا زال عذره (طهرت الحائض، بلغ الصبي، وجد فاقد الطهورين أحدهما، أسلم الكافر ... ) في الوقت الضروري لهما (قبل الغروب) وكان الباقي من الوقت يتسع لطهارة (كبرى بالنسبة للحائض أو النفساء، وصغرى بالنسبة للمجنون أو المغمى عليه، ولا يقدر للكافر وقت زمن طهر بل وقت صلاة فقط) مع صلاة خمس ركعات فأكثر (أربع تصلى الظهر في السفر وركعة تدرك بها صلاة العصر) .

2- يدرك العصر فقط ويسقط الظهر إذا زال العذر في الوقت الضروري للصلاتين وكان الباقي من الوقت يتسع لطهارة وصلاة ركعة كاملة إلى أربع ركعات حضراً، أو ركعة إلى الركعتين سفراً (لأن الوقت إذا ضاق اختص بالأخيرة فتجب وتسقط الأولى لخروج وقتها الضروري) .

3- يدرك العشاءَيْن إذا زال عذره في الوقت الضروري لهما (قبل الفجر) وكان الباقي من الوقت يتسع لطهارة وصلاة أربع ركعات فأكثر (ثلاث ركعات للمغرب وركعة للعشاء) حضراً أو سفراً.

4- يدرك العشاء فقط ويسقط المغرب إذا زال عذره في الوقت الضروري لهما، وكان الباقي من الوقت يتسع لطهارة وصلاة ركعة إلى ركعتين حضراً أو سفراً.

5- يدرك صلاة الصبح إذا زال عذره قبل طلوع الشمس وكان الباقي من الوقت يتسع لطهارة وصلاة كاملة فأكثر حضراً أو سفراً.

6- أما بالنسبة للنائم والناسي والسكران بحلال، فتجب عليهم صلاة متى تنبهوا على ك حال أبداً لعدم سقوطها عنهم.
د- الأوقات المسقطة للصلاة عن المكلف إذا طرأ العذر فيها:

1- تسقط صلاة الصبح إذا طرأ العذر فيها قبل طلوع الشمس بقدر ما يسع ركعة كاملة إن لم يكن صلاها ولو عمداً.

2- تسقط صلاة العصر فقط إذا طرأ العذر في وقتها الضروري، وكان الباقي من الوقت ما يسع ركعة إلى أربع ركعات في الحضر وإلا ركعتين في السفر، وتبقى صلاة الظهر بذمته.

فصول الكتاب · 6 فصل · 402 صفحة
جارٍ التحميل