فقه العبادات على المذهب المالكيصفحات 346-352
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج -

صفحات 346-352
عن هذه الطبعة
عَلَم
كوكب عبيد
الكتاب
فقه العبادات على المذهب المالكي
المؤلف
الحاجّة كوكب عبيد
الناشر
مطبعة الإنشاء، دمشق - سوريا.
الطبعة
الأولى 1406 هـ - 1986 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

1- لبس محيط بكف أو إصبع من أصابع اليد كقفاز أو كيس إلا الخاتم فلا مانع، أما لو

أدخلت يدها في كمها أو قناعها فلا شيء عليها، لما روى ابن عمر رضي اللَّه عنهما عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: "ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين" 1 .

2- ستر وجهها كله أو بعضه ولو لحر أو برد أو غير ذلك، أما إذا أرادت ستر وجهها كله أو بعضه عن أعين الرجال جاز لها ذلك، وإن علمت أو ظنت الفتنة بها وجب عليها الستر، وفي كلتا الحالتين، إن خشيت الفتنة أم لا، يشترط في الساتر أن يكون بلا غرزٍ بإبرة أو نحوها.
ولا ربط لها برأسها كالبرقع، بل المطلوب سدله على رأسها ووجهها، أو تجعله كاللثام وتلقي طرفيه على رأسها، لما روت عائشة رضي اللَّه عنها قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم محرمات، فإذا حاذَوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزنا كشفناه) (2) . فإن لبست المرأة محيطاً بيدها أو إصبعها، أو سترت وجهها كله أو بعضه لغير قصد التستر عن أعين الرجال، أو غرزت أو ربطت ما أسدلته على وجهها، فليذمها الفدية إن طال الزمن أما إن لم يطل فلا شيء عليها.

ب- بالنسبة للذكر ولو كان صغيراً (يخاطب وليه بمنعه) يحرم عليه ما يلي:

1- لبس محيط بأي عضو من أعضائه، سواء كان محيطاً بخياطة، أو بنسج كدرع الحديد (فإن العرب تسميه نسجاً) أو لبد، أو بصياغة كخاتم أو سوار، أو بعقد، أو بزر.
ويستثنى من لبس المحيط ما يلي:

1- لبس الجورب والخف ونحوهما في حال فقد النعل أو غلاء ثمنه غلاءً فاحشاً زائداً على ثلث قيمته عادة، وفي هذه الحالة ليس عليه فدية بشرط أن يقطع أسفله من الكعب، لما روى ابن عمر رضي اللَّه عنهما (أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل الكعبين ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسّه الزعفران أو الورس) 3 .

2- الاحترام بثوب أو غيره من حبل أو خيط وبغير عقد لأجل العمل، فإذا فرغ من عمله وجب نزعه وإلا فعليه فدية.

3- شد منطقة (3) لو ضع نفقته أو نفقت عياله (لا لوضع نفقة غيره أو لتجارة) على جلد تحت إزاره.
ويكره شد نفقته وهو محرم على عضده أو فخذه.

2- يحرم عليه لبس محيط لبساً معتاداً كالقميص والسراويل والجبة 4 فإن وضع الجبة على أكتافه ولو لم يدخل يديه بالكمين حرم لأنه لبس معتاد، أما لو وضع أسفلها على كتفيه أو لف بها وسطه كالمئزر فلا شيء عليه.
والأصل في ذلك الأخبار الصحيحة التي وردت عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كالحديث المتقدم عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما.
ويجوز للمحرم إبدال ثوبه الذي أحرم به وبيعه أو غسله لنجاسة.

3- يحرم عليه ستر وجهه ورأسه بأي شيء يعد ساتراً بالعرف، كأن يضع قطناً في أذنيه أو قرطاساً على صدغيه فإن فعل فعليه فدية.
لكن يجوز له أن يضع خده على وسادة، ويجوز له أن يستظل ببناء كحائط أو سقيفة أو خيمة أو شجرة أو محارة (محمل) ، ويجوز له أن يتقي مطراً بشيء مرتفع عن رأسه كثوب، أو أن يحمل على رأسه حشيشاً أو قفة لحاجة تتعلق به أو بدابته أو لفقر فيحمل شيئاً لغيره بأجرة لمعاشه.
والدليل على جواز ذلك ما روت أم الحصين رضي اللَّه عنها قالت: (حججت مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى اللَّه عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة) 5 .12

ثانياً- فيما يتعلق بالبدن:

1- يحرم دهن شعر الرأس أو اللحية.

2- يحرم دهن الجسد كله أو بعضه لغير علة ولو بغير طيب، أما إن كان لعلة فحرمة إلا أنه يستوجب الفدية إذا كان الدهن بمطيب، وإذا كان الدهن بغير مطيب فهناك قولان: الأول: إن كان مكان العلة في باطن الكفين أو القدمين فلا فدية، والثاني: إن كانت العلة في باقي البدن (عدا باطن الكفين والقدمين) ففيه فدية.

3- يجرم إزالة ظفر لغير عذر، أو شعر من ثائر جسده بحلق أو قص أو نتف.
أما إن سقط من نفسه بسبب وضوء أو غسل، ولو كانا مندوبين، أو بسبب ركوب فلا شيء عليه.
ويجوز للمحرم تقليم ظفر انكسر وكذا الاثنين والثلاثة بشرط أن يقتصر على تقليم ما يزول به الضرر لا لإماطة الأذى فإنه لا يجوز.

4- يحرم إزالة الوسخ من على البدن، إلا إزالة الوسخ من تحت الأظافر أو من على اليدين كغسل يديه بمزيل للوسخ مثل الشنان فلا يحرم.
ويجوز شق دمل وحك وفصد وحجامة إن لم يعصبه، فإن عصبه ولو لضرورة فعليه فدية واحدة ولو تعددت مواقع العصب.

5- يحرم مس طيب كورس وزعفران ومسك وعطر في ثوبه أو بدنه أو بأي عضو من أعضائه ولو ذهب ريحه (ذهاب الريح مسقط للفدية) لحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما المتقدم (ولا تلبس من الثياب شيئاً مسّه الزعفران أو الورث) . وكذا إن وضع الطيب في طعام أو كحل فهو حرام، إلا إذا وضع في الطعام وطبخ حتى استهلك وذهب عينه ولم يبق إلا لونه أو ريحه فلا حرمة فيه ولا فدية.
وكذا إن حمل قارورة فيها طيب وقد سدت سداً محكماً فلا مانع.
وإذا أصابه الطيب من إلقاء الريح فلا شيء عليه ولو كثر، إلا أنه يجب عليه نزعه أو إلقاء الثوب الذي وقع عليه الطيب أو غسل بدنه الذي أصابه الطيب قل أم كثر، فإن تراخى في نزعه فعليه فدية.
وكذا إذا أصابه من خلوق الكعبة الذي يلقى عليها فيخير في نزع يسيره، أما كثيرة فيجب نزعه.

6- يحرم الجماع ومقدماته كالقبلة والمباشرة ولو علم السلامة من نزول المني أو المذي، لقوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال 1 في الحج﴾ 2 .

7- يحرم الاستمناء وإن كان بسبب إدامة للنظر أو للفكر، أما إذا أمنى لمجرد النظر أو الفكر فلا حرمة بخلاف الإنزال بغيرهما فلا يشترط فيه الإدامة.
يحرم على المحرم عقد النكاح، ويقع باطلاً إن عقد، لما روي عن عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "لا يَنْكحُ المحرم ولا يُنكح ولا يخطب" 3 .

9- يحرم الخروج من طاعة اللَّه تعالى بأي فعل محرم، وإن كان ذلك محرماً في غير الحج إلا أنه يتأكد فيه.

10- تحرم المخاصمة مع الرفقاء والخدم لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ . ثالثاً- فيما يتعلق بالصيد:

يحرم التعرض في الحرم 1 للحيوان البري الوحشي كلّه أو بعضه كذنبه أو أذنه أو ريشه أو بيضه، وإن تأنث كالغزال أو الطيور التي تألف البيوت والناس، وسواء كان ممن يؤكل لحمه أم لا كالقرد والخنزير، وسواء بقتل أو بصيد أو ذبح أو إشارة إليه إن كان مرئياًً أو الدلالة عليه إن كان غير مرئي في الحرم مطلقاً، سواء كان مُحْرٍماً أم لا وفي كل السنة.
أما خارج الحرم فيحرم إن كان مُحْرِماً فقط.
بدليل ما روى ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يوم الفتح فتح مكة ... "إن هذا البلد حرّمه اللَّه يوم خلق السماوات والأرض.
فهو حرام بحرم اللَّه إلى يوم القيامة.
وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة.
لا يًعضد شوكه.
ولا ينفر صيده.
ولا يلتقط إلى من عرَّفها.
ولا يختلى خَلاها" 2 . ويقصد بالحيوان البري ما كان توالده وتناسله في البر وإن كان يعيش في الماء، ويدخل بذلك الضفدع والسلحفاة البريان وطير الماء.
وإن كان الحيوان البري مملوكاً لأحد زال ملكه عنه بالحرم وبالإحرام، فيرسله وجوباً إن كان معه حال إحرامه أو دخوله الحرم وإذا أرسله زال عنه ملكه حالاً ومآلاً، أما إن كان حين الإحرام ببيت فلا يزول ملكه عنه ولا يرسله ولو أحرم من البيت.
ولا يستحب تملك الحيوان البري ولا يجوز قبوله بهبة أو غيرها.
وخرج بقولنا الحيوان البري البحري فلا يحرم لا في الحرم ولا في غيره، سواء كان الشخص

محرماً أم لا، بدليل قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ 3 . ويستثنى من حرمة التعرض له ما يلي:

1- الفأرة ويلحق بها ابن عرس وكل ما يقرض الثياب من الدواب.

2- الحية والعقرب ويلحق بها الزبور.

3- الحدأة والغراب، ولا فرق بين الغراب الأبقع وغيره.

4- الكلب العقور والمراد به: السبع، الأسد، الذئب، النمر، الفهد.
بشرط أن يكون كبيراً، أما إن كان صغيراً فيكره قتله، وإن كان قتله فلا جزاء عليه على المشهور.
ودليل جواز قتل ما ذكر ما روي عن عائشة رضي اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال: "خمس من الدواب، كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب الغفور" 4 ، وما روي عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما قال: (بينما نحن مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم في غار بمنى ... إذا وثنت علينا حية، فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم اقتلوها..) 5 .

5- أيُّ طير خيف منه على نفس أو مال، وكان لا يندفع إلا بقتله.

6- الوزغ (أبو بريص) : لا يجوز أن يقتله المحرم في الحرم أما غير المحرم فيجوز.
روي عن عائشة رضي اللَّه عنها (أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال للوزغ: فويسق ولم أسمعه أمر بقتله) 6 .

7- لا شيء في قتل الجراد إن عمَّ (كثر) واجتهد المحرم في التحفظ من قتله فأصاب منه شيئاً بغير قصد، أما إن لم يتحفظ أو قتله عن قصد ففيه فدية، وهي إطعام بتقدير أهل الخبرة، إذا زاد العدد عن عشر جرادات.
أما الدجاج والإوز فيجوز للمحرم ذبحه في الحرم وأكله، لأنه ليس بصيد، بخلاف الحمام فإنه صيد، لأنه من أصل يطير في الخلاء فلا يجوز للمحرم ذبحه، فإن ذبحه أو أمر بذبحه فميتة، ولو كان متخذاً في البيوت لفراخ.
وكذا حكم لحم من صاده محرم أو من في الحرم بسهمه، أو كلبه، أو صِيدَ له (أي صاده حلال لأجله) ، أو ذبحه محرم حال إحرام إن صاده حلال لنفسه، أو دل المحرم حلالاً عليه

فصاده فمات، ففي كل هذه الحالات حكمه ميتة لا يحل لأحد تناوله، وجلده نجس كسائر أجزائه وكبيضه من الطيور (سوى الإوز والدجاج) إذا كسره أو شواه محرم أو أمر حلالاً بذلك فلا يجوز لأحد أكله.
أما ما صاده حِلٌّ لحِلّ (بخلاف ما لو صاده لمحرم) كإدخال الصيد إلى الحرم وذبحه فيه، فإن كان الصائد من ساكنيه يجوز أكله لكل أحد، أما إن كان من غير أهل الحرم فإذا صاده بالحل وأدخله إلى الحرم وذبحه فيه فهو ميتة.

رابعاً- ما يتعلق بقطع الشجر والنبات: يحرم قطع ما ينبت في الأرض بنفسه كالبقل البري إلا الإذخِر (نبات ذو رائحة طيبة) والسنا (نبات معروف للتداوي) والسواك والعصا والشجر للبناء بموضعه أو لإصلاح البساتين فلا يحرم قطعه.
وكذا ما يستنبت للأكل كالسلق والكراث والبطيخ والخوخ ونحو ذلك.
لما روى ابن عباس رضي اللَّه عنهما في الحديث المتقدم عند مسلم: "ولا يُعضد شوكه.
ولا ينفر صيده.
ولا يلتقط إلا من عرَّفها.
ولا يختلى خَلاها 1 . فقال العباس يا رسول اللَّه الإِذْخِرَ فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال إلا الإِذخر" 2 . وكل ما حرم قطعه لا جزاء فيه وإنما الإثم فقط.
كما يحرم صيد المدينة والتعرض له ويحرم أكله، كما يحرم قطع شجرها، لما روي عن جابر رضي اللَّه عنه قال: قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: "إن إبراهيم حرم مكة.
وإني حرمت المدينة ما بين لا بيتها.
لا يقطع عضاها 3 ولا يصاد صيدها" 4 . لكن لا جزاء في الصيد أو قط الشجر، وعدم ترتب الجزاء لا يعني تخفيف الحرمة بل حرمتها أشد ومنهم من أو جب الجزاء في صيد المدينة كصيد مكة.

ما يكره للمحرم:

1- شد نفقته بعضده أو فخذه.

2- كبّ الوجه على الوسادة، أما وضع الخد عليها فجائز.

3- ليس مصبوغ بعصفر أو نحوه، من كل ما لا طيب فيه ولكن يشبه ذا الطيب، لمُقتدى به من إمام أو عالم خوف تطرق الجاهل إلى لبس المحرم.

4- شم الرياحين كالريحان والورد والياسمين، وشم الطيب كمسك وزعفران وكافور.

5- المكث بمكان فيه طيب أو استصحابه.
أما المكث في مكان فيه رياحين فلا يكره وكذا لا يكره استصحابه ولا مسه بلا شم.

6- الحجامة بلا عذر، أو غمس الرأس في الماء خيفة قتل الدواب (قمل مثلاً) ، أو تجفيف الرأس بخرقه بشدة.

7- النظر في المرأة خيفة أن يرى شعثاً فيزيله.
الركن الثاني- السعي بين الصفا والمروة دليله: قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمرة من شعائر اللَّه، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ 1 . وما روت حبيب بنت أبي تجرأة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال وهو يسعى: "اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي" 2 .

شروط صحة السعي بين الصفا والمروة:

فصول الكتاب · 6 فصل · 402 صفحة
جارٍ التحميل