(كِتَابُ حَدِّ الزِّنَا)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأنصاري، زكريا
- الكتاب
- أسنى المطالب في شرح روض الطالب
- المؤلف
- زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
- عدد الأجزاء
- 4
- الناشر
- دار الكتاب الإسلامي
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومعه حاشية الرملي الكبير]
بِالْقَصْرِ أَفْصَحُ مِنْ مَدِّهِ (، وَهُوَ مِنْ) الْمُحَرَّمَاتِ (الْكَبَائِرِ) قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: 32] ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْمِلَلِ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَلِهَذَا كَانَ حَدُّهُ أَشَدَّ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْأَعْرَاضِ وَالْأَنْسَابِ (وَفِيهِ بَابَانِ الْأَوَّلُ فِي الْمُوجِبِ لَهُ، وَهُوَ إيلَاجُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ ذَكَرٍ) ، وَلَوْ أَشَلَّ وَمَلْفُوفًا بِخِرْقَةٍ وَغَيْرَ مُنْتَشِرٍ (فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ مُشْتَهًى طَبْعًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَلَا) الْأَوْلَى فَلَا (حَدَّ بِالِاسْتِمْنَاءِ) بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا (وَهُوَ حَرَامٌ) فَفِيهِ التَّعْزِيرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ هُنَا (لَا بِيَدِ زَوْجَتِهِ) أَوْ أَمَتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ هُنَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ بَلْ صَرَّحَ كَأَصْلِهِ بِهِمَا مَعًا فِي الْبَابِ التَّاسِعِ مِنْ أَبْوَابِ النِّكَاحِ (لَكِنْ يُكْرَهُ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْعَزْلِ مِنْ الزَّوْجَةِ (وَلَا) حَدَّ (بِإِيلَاجٍ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ) كَإِيلَاجِهِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ لِعَدَمِ إيلَاجِهِ فِي فَرْجٍ (وَلَا) بِإِيلَاجٍ (فِي فَرْجِ مَيِّتَةٍ) ، وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً فِي الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَنْفِرُ الطَّبْعُ مِنْهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الزَّجْرِ عَنْهُ (وَلَا) فِي فَرْجِ (بَهِيمَةٍ) لِذَلِكَ لَكِنْ يُعَزَّرُ فِي الثَّلَاثَةِ قَالَ فِي الْأَصْلِ، وَقِيلَ يُحَدُّ وَاطِئُ الْبَهِيمَةِ، وَعَلَيْهِ فَقِيلَ حَدُّهُ قَتْلُهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ قَتْلُهُ إنْ كَانَ مُحْصَنًا، وَعَلَى وُجُوبِ الْقَتْلِ لَا يَخْتَصُّ الْقَتْلُ بِهِ (بَلْ يَجِبُ بِهِ) أَيْ بِالْإِيلَاجِ فِيهَا (ذَبْحُ) الْبَهِيمَةِ (الْمَأْكُولَةِ، وَلَوْ بِإِيلَاجٍ فِي دُبُرِهَا) ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ خَبَرُ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَأْكُولَةِ لِمَا فِي قَتْلِهَا مِنْ ضَيَاعِ الْمَالِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَ) الْمَأْكُولَةُ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْعٌ قَالَ الْكَافِر لَا رَحْمَنَ أَوْ لَا بَارِئَ إلَّا اللَّهُ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ]
قَوْلُهُ: تَتِمَّةٌ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ الْحَلِيمِيُّ أَنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ) ، قَالَ بِالْأَصْلِ قَدْ جَزَمَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شُرُوطِ الْإِمَامَةِ بِخِلَافِهِ فَقَالَ فِي شَرْطِ صِحَّةِ الْإِيمَانِ تَرْتِيبًا مُوَالَاةً.
[كِتَابُ حَدِّ الزِّنَا]
[الْبَاب الْأَوَّلُ فِي الْمُوجِبِ لحد الزِّنَا]
(كِتَابُ حَدِّ الزِّنَا) كَانَتْ الْحُدُودُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ بِالْغَرَامَاتِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِهَذِهِ الْحُدُودِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ إيلَاجُ الْحَشَفَةِ إلَخْ) شَمَلَ مَا لَوْ زَنَى الْمُسْلِمُ بِمُعَاهَدَةٍ أَوْ أَمَةِ مُعَاهَدٍ وَمَا لَوْ وَطِئَ حَرْبِيَّةً لَا بِقَصْدِ الِاسْتِيلَاءِ وَمَا لَوْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً ثُمَّ وَطِئَهَا، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ سَكَتُوا عَمَّا لَوْ كَانَتْ الْبِكْرُ غَوْرَاءَ فَأَوْلَجَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ افْتِضَاضٍ وَنَقَلَا فِي بَابِ التَّحْلِيلِ عَنْ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي التَّحْلِيلِ وَالْأَشْبَهُ هُنَا الِاكْتِفَاءُ بِهِ فِي إيجَابِ الْحَدِّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّحْلِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَكْمِيلِ اللَّذَّةِ (قَوْلُهُ: أَوْ قَدْرِهَا) أَيْ مِنْ فَاقِدِهَا، قَالَ الْبُلْقِينِيُّ فَلَوْ ثَنَى ذَكَرَهُ، وَأَوْلَجَ قَدْرَ الْحَشَفَةِ فَفِي تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ تَوَقُّفٌ وَالْأَرْجَحُ التَّرَتُّبُ إنْ أَمْكَنَ.
اهـ. وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَكَلَامُهُمْ يُخَالِفُهُ حَيْثُ، قَالُوا إيلَاجُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرُهَا مِنْ فَاقِدِهَا، قَالَ الْعِرَاقِيُّ إنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيلَاجُ قَدْرِهَا مِنْ غَيْرِهَا إلَّا عِنْدَ فَقْدِهَا (قَوْلُهُ: مِنْ ذَكَرٍ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا كَوْنُهُ مُتَّصِلًا لِيَخْرُجَ الْمَقْطُوعُ بِأَنْ اسْتَدْخَلَتْهُ فَلَا حَدَّ بِهِ قَطْعًا وَمُحَلِّلًا لِيَخْرُجَ مَا لَا يُمْكِنُ انْتِشَارُهُ، وَأَصْلِيًّا لِيَخْرُجَ الزَّائِدُ لَكِنْ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قَضِيَّةُ إيجَابِ الْعِدَّةِ بِهِ مِنْ الزَّوْجِ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ.
اهـ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَسَيَأْتِي عَنْ تَصْرِيحِ الْبَغَوِيّ أَنَّ الزَّائِدَ لَا يَحْصُلُ بِهِ إحْصَانٌ، وَلَا تَحْلِيلٌ فَعَدَمُ وُجُوبِ الْحَدِّ أَوْلَى، وَأَمَّا الْعِدَّةُ فَوُجُوبُهَا لِلِاحْتِيَاطِ لِاحْتِمَالِ الشَّغْلِ فس، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْقُوتِ لَوْ خُلِقَ لَهُ ذَكَرَانِ مُشْتَبَهَانِ فَأَوْلَجَ أَحَدَهُمَا فَيُشْبِهُ أَنْ لَا حَدَّ لِلشَّكِّ.
اهـ. تَقَدَّمَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ سَبِيلَا الْحَدَثِ مَسْدُودَيْنِ خِلْقَةً فَسَبِيلُ الْحَدَثِ هُوَ الْمُنْفَتِحُ وَالْمَسْدُودُ كَالْعُضْوِ الزَّائِدِ مِنْ الْخُنْثَى لَا يَجِبُ مِنْ مَسِّهِ وُضُوءٌ، وَلَا مِنْ إيلَاجِهِ غُسْلٌ، وَقَضِيَّتُهُ أَنْ لَا حَدَّ بِإِيلَاجِهِ، وَلَا بِالْإِيلَاجِ فِيهِ كَأَحَدِ قُبُلِي الْمُشْكِلِ، وَقَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَمُحَلِّلًا، قَالَ شَيْخُنَا اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ مُحَلِّلًا لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ التَّحْلِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى كَمَالِ اللَّذَّةِ بِخِلَافِ الزِّنَا.
(قَوْلُهُ: فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ) أَيْ مِنْ وَاضِحِ الْأُنُوثَةِ أَصْلِيٍّ، وَكَتَبَ أَيْضًا، قَالَ الْعِرَاقِيُّ سُئِلَتْ عَمَّنْ وَطِئَ الْجِنِّيَّةَ الْأَجْنَبِيَّةَ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَتَرَدَّدَ جَوَابِي مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا ذَاتُ فَرْجٍ مُشْتَهًى لَكِنَّ الطَّبْعَ يَنْفِرُ مِنْهَا فَهِيَ كَالْبَهِيمَةِ ثُمَّ تَرَجَّحَ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ وَطِئَهَا، وَهِيَ بِشَكْلِ الْآدَمِيَّاتِ، وَجَبَ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَا يَنْفِرُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ بِشَكْلِ الْجِنِّيَّاتِ عُزِّرَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا كَالرِّيحِ وَلِنَفْرَةِ الطَّبْعِ مِنْهَا، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَا زُورٍ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ لِرَجُلٍ ثُمَّ وَطِئَهَا عَالِمًا بِالْحَالِ حُدَّ (قَوْلُهُ: وَلَا بِإِيلَاجٍ فِي فَرْجِ مَيِّتَةٍ) ، وَلَا بِاسْتِدْخَالِهَا ذَكَرَ مَيِّتٍ (قَوْلُهُ: بَلْ يَجِبُ بِهِ ذَبْحُ الْمَأْكُولَةِ إلَخْ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَلْ قِيلَ يَجِبُ.
إذَا ذُبِحَتْ (يَحِلُّ أَكْلُهَا) ؛ لِأَنَّهَا مُذَكَّاةٌ كَغَيْرِهَا وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ وُجُوبَ ذَبْحِهَا إنَّمَا هُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْفَاعِلِ لَا عَلَى عَدَمِهِ كَمَا تَوَهَّمَهُ الْمُصَنِّفُ (وَعَلَيْهِ الْأَرْشُ) لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ قِيمَتِهَا حَيَّةً وَمُذَكَّاةً إنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ.
(وَتُحَدُّ امْرَأَةٌ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ نَائِمٍ) كَمَنْ زَنَى بِنَائِمَةٍ (لَا) خَلِيَّةٍ (حُبْلَى لَمْ تُقِرَّ) بِالزِّنَا أَوْ وَلَدَتْ، وَلَمْ تُقِرَّ بِهِ فَلَا تُحَدُّ إذْ الْحَدُّ إنَّمَا يَجِبُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ، وَحُكْمُ الْخُنْثَى هُنَا حُكْمُهُ فِي الْغُسْلِ (وَاللَّائِطُ لَا بِزَوْجَتِهِ، وَأَمَتِهِ كَالزَّانِي) فِيمَا يَلْزَمُهُ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُولِجٌ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ مُشْتَهًى طَبْعًا.
(وَ) اللَّائِطُ (بِهِمَا) أَيْ بِزَوْجَتِهِ، وَأَمَتِهِ (يُعَزَّرُ) إنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْفِعْلُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّهُمَا مَحَلُّ اسْتِمْتَاعِهِ فِي الْجُمْلَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي إبَاحَتِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنْهُ الْفِعْلُ فَلَا تَعْزِيرَ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيُّ (وَالْمُلُوطُ) بِهِ غَيْرُ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ (يُجْلَدُ وَيُغَرَّبُ كَالْبِكْرِ، وَإِنْ أُحْصِنَ) رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً إذْ لَا يُتَصَوَّرُ إدْخَالُ الذَّكَرِ فِي دُبُرِهِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ حَتَّى يَصِيرَ بِهِ مُحْصَنًا، وَالرَّجْمُ خَاصٌّ بِالْمُحْصَنِ كَمَا سَيَأْتِي أَمَّا الزَّوْجَةُ وَالْأَمَةُ فَيُعَزَّرَانِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ أَصْلِهِ.
(فَإِنْ أَتَتْ امْرَأَةٌ امْرَأَةً عُزِّرَتَا) ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا، وَالتَّصْرِيحُ بِوُجُوبِ التَّعْزِيرِ عَلَيْهِمَا مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الرَّوْضَةِ (، وَتَمْكِينُهَا الْقِرْدَ) مِنْ نَفْسِهَا كَوَطْئِهِ الْبَهِيمَةَ وَفِي نُسْخَةٍ كَوَطْءِ الْبَهِيمَةِ فَيَلْزَمُهَا التَّعْزِيرُ لَا الْحَدُّ (وَيَسْقُطُ) الْحَدُّ بِثَلَاثِ شُبَهٍ لِخَبَرِ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَ وَقْفَهُ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ فَيَسْقُطُ (بِالشُّبْهَةِ فِي الْمَحَلِّ كَوَطْءِ زَوْجَةٍ) لَهُ (حَائِضٍ) أَوْ صَائِمَةٍ أَوْ مُحْرِمَةٍ (وَأَمَةٍ) لَهُ (لَمْ تُسْتَبْرَأْ، وَأَمَةِ وَلَدِهِ) ، وَلَوْ مُسْتَوْلَدَةً كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي خِيَارِ النِّكَاحِ (وَكَذَا أَمَةٌ) لَهُ (هِيَ مَحْرَمٌ) لَهُ (بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ) أَوْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِوَطْءِ شُبْهَةٍ كَأُمِّ مَنْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ أَوْ بِنْتِهَا (أَوْ) أَمَةٍ (مُشْتَرَكَةٍ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ (أَوْ) أَمَةٍ لَهُ (مُزَوَّجَةٍ) أَوْ مُعْتَدَّةٍ (أَوْ وَثَنِيَّةٍ) أَوْ مَجُوسِيَّةٍ (أَوْ مُسْلِمَةٍ، وَهُوَ ذِمِّيٌّ) أَوْ مُعَاهَدٌ لِعُرُوضِ التَّحْرِيمِ فِي بَعْضِهَا وَشُبْهَةِ الْمِلْكِ فِي الْبَاقِي.
(وَبِالشُّبْهَةِ فِي الْفَاعِلِ كَمَنْ) أَيْ كَوَطْءِ مَنْ (ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ وَيَصْدُقُ) فِي أَنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ (بِيَمِينِهِ) سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الزِّفَافِ أَمْ غَيْرِهَا (لَا إنْ ظَنَّهَا مُشْتَرَكَةً) فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ الِامْتِنَاعُ، وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ احْتِمَالَيْنِ نَقَلَهُمَا تَبَعًا لِبَعْضِ نُسَخِ الرَّافِعِيِّ عَنْ الْإِمَامِ، وَجَزَمَ الْمِيمِيُّ كَالتَّعْلِيقَةِ بِسُقُوطِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ النِّهَايَةِ كَمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الرَّافِعِيِّ أَنَّ الْمَنْقُولَ تَرْجِيحُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مُخْتَصَرِهَا أَنَّهُ أَظْهَرُ الِاحْتِمَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ مَا لَوْ تَحَقَّقَ دُفِعَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ كَمَا لَوْ سَرَقَ مَالَ غَيْرِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ لِأَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ أَوْ أَنَّ الْحِرْزَ مِلْكُهُ فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِيهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَبَيْنَ مَا إذَا عَلِمَ التَّحْرِيمَ وَاعْتَقَدَ عَدَمَ الْحَدِّ أَوْ سَرَقَ دَنَانِيرَ يَظُنُّهَا فُلُوسًا أَنَّهُ هُنَا اعْتَقَدَ أَمْرًا نَعْتَقِدُهُ نَحْنُ مُسْقِطٌ وَثَمَّ نَعْتَقِدُهُ مُوجِبًا، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ ظَاهِرُ نَصِّ الْمُخْتَصَرِ يَشْهَدُ لِذَلِكَ.
(وَبِالشُّبْهَةِ فِي الْجِهَةِ) أَيْ الطَّرِيقِ (وَهِيَ إبَاحَةُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ) الْوَطْءَ بِجِهَةٍ (كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ) كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ (أَوْ بِلَا شُهُودٍ)
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَاللَّائِطُ لَا بِزَوْجَتِهِ، وَأَمَتِهِ) شَمَلَ دُبُرَ عَبْدِهِ (قَوْلُهُ: بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إلَخْ) بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: 32] ، وَقَالَ ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: 80] .
(قَوْلُهُ: إنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْفِعْلُ) بِأَنْ عَادَ بَعْدَ مَا مَنَعَهُ الْحَاكِمُ كَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا أَمَةٌ هِيَ مَحْرَمٌ لَهُ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ) دُبُرُ الْمَمْلُوكَةِ مِنْ الْمَحَارِمِ يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ وَسَكَتَ عَلَيْهِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقَدْ يُنَازَعُ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُقْرِي الظَّاهِرُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِالْوَطْءِ فِي قُبُلِهَا شُبْهَةُ الْمِلْكِ الْمُبِيحِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهِيَ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ تُبَحْ دُبُرًا قَطُّ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ وَالْأَمَةُ الْأَجْنَبِيَّةُ فَسَائِرُ جَسَدِهَا يُبَاحُ لِلْوَطْءِ فَانْتَهَضَ شُبْهَةً فِي الدُّبُرِ، وَالْوَثَنِيَّةُ كَالْمَحْرَمِ، وَلَا يُعْتَرَضُ بِالْمُزَوَّجَةِ فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا لِعَارِضٍ كَالْحَيْضِ.
اهـ. وَالْمَذْهَبُ مَا أَطْلَقُوهُ لِمَا عَلَّلُوا بِهِ مِنْ شُبْهَةِ الْمِلْكِ (تَنْبِيهٌ) لَمْ يُفَرِّقُوا فِي الْمَمْلُوكَةِ الْمَحْرَمِ بَيْنَ مَنْ هِيَ عَلَى حَوَاشِي النَّسَبِ وَغَيْرِهَا كَالْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي حُرٍّ مُعْسِرٍ وَرِثَ أَمَةً أَوْ بِنْتَهُ، وَهِيَ مَرْهُونَةٌ أَوْ جَانِيَةٌ، وَفِي مُكَاتَبٍ مَلَكَهَا ثُمَّ وَطِئَ (قَوْلُهُ: وَتَمْكِينُهَا الْقِرْدَ مِنْ نَفْسِهَا) أَيْ، وَإِيلَاجُهَا فِي قُبُلِهَا ذَكَرًا مُبَانًا أَوْ زَائِدًا غَيْرَ عَامِلٍ أَوْ ذَكَرَ مَيِّتٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْمَسَائِلِ إلَخْ) ، قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَهَذَا الْفَرْقُ ضَعِيفٌ، وَكَيْفَ يَصِحُّ الْفَرْقُ بِاعْتِقَادِ الْوُجُوبِ وَاعْتِقَادُ الْوُجُوبِ فَرْعُ الْوُجُوبِ فَكَمَا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بِنَفْسِ الْحُكْمِ كَذَلِكَ لَا يُفَرَّقُ بِاعْتِقَادِ الْحُكْمِ، وَالصَّوَابُ مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَالْفَرْقُ أَنَّ اعْتِقَادَ كَوْنِ الْجَارِيَةِ مُشْتَرَكَةً لَا يُبِيحُ الْوَطْءَ وَاعْتِقَادُ كَوْنِ الْحِرْزِ لَهُ يُبِيحُ لَهُ هَتْكُهُ وَنَقْبُهُ فِي الْجُمْلَةِ وَاعْتِقَادُ كَوْنِهِ لِلِابْنِ أَوْ الْأَبِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ مَا اعْتَقَدَ مِلْكَهُ فَجَرَى فِيهِ حُكْمُهُ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ وُجُوبُ الْقَطْعِ عَلَى مَنْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوسًا؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَ كَوْنِهَا فُلُوسًا لَا يُبِيحُ لَهُ الْأَخْذَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَاسَ عَلَيْهَا أَنْ لَا يَكُونَ مِلْكُهُ مُؤَجَّرًا، وَلَا مُسْتَعَارًا فَإِنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ يَظُنُّهُ مِلْكَهُ الْمُؤَجَّرَ أَوْ الْمُعَارَ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ نَقْبُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ وَالرُّجُوعِ فِي الْعَارِيَّةِ وَلِهَذَا، قَالَ الرَّافِعِيُّ لَوْ اشْتَرَى حِرْزًا وَنَقَبَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَسَرَقَ مِنْهُ مَالَ الْبَائِعِ نُظِرَ إنْ نُقِبَ بَعْدَ دَفْعِ الثَّمَنِ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِلَّا قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ دَفْعِ الثَّمَنِ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّقْبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: وَبِالشُّبْهَةِ فِي الْجِهَةِ إلَخْ) شَمَلَ مَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَا زُورٍ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ فَحَكَمَ حَاكِمٌ بِالْفُرْقَةِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَحَدُهُمَا وَوَطِئَهَا (قَوْلُهُ: أَوْ بِلَا شُهُودٍ) عِبَارَةُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَدُونَ وَلِيٍّ وَشُهُودٍ، وَعِبَارَةُ مُخْتَصَرِ الْكِفَايَةِ أَوْ وَطِيءَ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ، وَلَا شُهُودٍ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ الصَّوَابُ وُجُوبُ الْحَدِّ فِيمَا إذَا وَطِئَ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ، وَلَا شُهُودٍ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِهِ إنَّمَا الْخِلَافُ عِنْدَ فَقْدِ أَحَدِهِمَا فَأَبُو حَنِيفَةَ جَوَّزَهُ بِلَا وَلِيٍّ وَمَالِكٌ بِلَا شُهُودٍ كَمَا بَيَّنَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَقَالَ الْفَقِيهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ عِيسَى مُطَيْرٌ لَا تَصِحُّ دَعْوَى الْإِسْنَوِيِّ نَفَى الْخِلَافُ ذَلِكَ بَلْ عِنْدَ دَاوُد يَصِحُّ نِكَاحُ الثَّيِّبِ مَعَ عَدَمِ الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ جَمِيعًا حَكَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالشَّامِلِ
كَمَذْهَبِ مَالِكٍ (وَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ) كَمَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(وَلَوْ اعْتَقَدَ) الْمُولِجُ (التَّحْرِيمَ) فِي هَذِهِ الشُّبْهَةِ نَظَرًا لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ نَعَمْ إنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِإِبْطَالِ النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَزِمَهُمَا الْحَدُّ لِارْتِفَاعِ الشُّبْهَةِ بِالْحُكْمِ بِالْفُرْقَةِ.
(وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِلزِّنَا أَوْ تَزَوَّجَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ كَمَحْرَمٍ وَوَثَنِيَّةٍ وَخَامِسَةٍ) وَمُطَلَّقَةٍ ثَلَاثًا وَمُلَاعَنَةٍ وَمُعْتَدَّةٍ وَمُرْتَدَّةٍ وَذَاتِ زَوْجٍ (وَوَطِئَ أَوْ وَطِئَ مَنْ ارْتَهَنَهَا) ، وَلَوْ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ (لَوْ أُبِيحَتْ لَهُ أَوْ كَانَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ حُدَّ) ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ لَا يُبَاحُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُورِثُ شُبْهَةً كَمَا لَوْ اشْتَرَى حُرَّةً فَوَطِئَهَا أَوْ خَمْرًا فَشَرِبَهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شُبْهَةً لَثَبَتَ بِهِ النَّسَبُ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ، وَكَذَا لَوْ زَنَى بِمَنْ لَهُ عَلَيْهَا قَوَدٌ أَوْ بِحَرْبِيَّةٍ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الِاسْتِيلَاءَ، وَإِلَّا فَيَمْلِكُهَا، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِ عَطَاءٍ فِي إبَاحَةِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا لِلْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ وَلِظُهُورِ ضَعْفِهِ وَخَرَجَ بِالْوَثَنِيَّةِ الْمَجُوسِيَّةُ فَفِيهَا فِي الْأَصْلِ عَنْ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَنْ الرُّويَانِيِّ لَا يَجِبُ لِلْخِلَافِ فِي صِحَّةِ نِكَاحِهَا، وَهَذَا نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي التَّجْرِبَةِ عَنْ النَّصِّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ فَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَذِكْرُ مَسْأَلَةِ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا، وَذَكَرَهَا أَيْضًا كَأَصْلِهِ فِي السَّرِقَةِ.
(وَمَنْ ادَّعَى الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِهَا بِنَسَبٍ) كَأُخْتِهِ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا وَوَطِئَهَا (لَمْ يُصَدَّقْ) لِبُعْدِ الْجَهْلِ بِذَلِكَ نَعَمْ إنْ جَهِلَ مَعَ ذَلِكَ النَّسَبَ، وَلَمْ يَبْنِ لَنَا كَذِبُهُ فَالظَّاهِرُ تَصْدِيقُهُ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (أَوْ) بِتَحْرِيمِهَا (بِرَضَاعٍ فَقَوْلَانِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَظْهَرُهُمَا تَصْدِيقُهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ (أَوْ) بِتَحْرِيمِهَا (بِكَوْنِهَا مُزَوَّجَةً أَوْ مُعْتَدَّةً، وَأَمْكَنَ) جَهْلُهُ بِذَلِكَ (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَحُدَّتْ) هِيَ (دُونَهُ إنْ عَلِمَتْ) تَحْرِيمَ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ إنَّمَا يُحَدُّ) جَلْدًا أَوْ رَجْمًا (مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ) لِلزِّنَا (وَلَوْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ) فَلَا حَدَّ عَلَى غَيْرِهِمْ كَمَا قَالَ (وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ يُؤَدَّبَانِ) بِمَا يَزْجُرُهُمَا فَلَا يُحَدَّانِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ نَعَمْ يُحَدُّ السَّكْرَانُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ (، وَلَا يُحَدُّ الْمُكْرَهُ، وَلَوْ رَجُلًا) لِشُبْهَةِ الْإِكْرَاهِ وَلِخَبَرِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» (، وَلَا مُعَاهَدٌ) لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ الْأَحْكَامَ كَالْحَرْبِيِّ غَيْرِ الْمُعَاهَدِ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا وَذَكَرَهُ أَيْضًا كَأَصْلِهِ فِي السَّرِقَةِ (وَلَا جَاهِلٌ) أَيْ مُدَّعِي الْجَهْلَ (بِتَحْرِيمِهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ بُعْدٍ عَنْ أَهْلِهِ) بِخِلَافِ مَنْ
[حاشية الرملي الكبير]
التوالتمة فَلَا يَلْزَمُ مَا نَسَبَهُ إلَى الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ فِي بَابِ حَدِّ الزِّنَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، وَلَا شُهُودٍ لَكِنْ تَعَرَّضَ لِمَسْأَلَةِ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فَقَطْ، وَقَدْ تَعَرَّضَ فِي الْعَزِيزِ وَالرَّوْضَةِ لِمَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، وَلَا شُهُودٍ فِي اللِّعَانِ وَذَكَرَ مَا يُصَرِّحُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ فِيهَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْهُ فِي مَسَائِلِ مَا يُسْقِطُ الْإِحْصَانَ وَمَا لَا يُسْقِطُهُ فَصَحَّ حِينَئِذٍ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَبَطَلَ تَصْوِيبُ الْإِسْنَوِيِّ وَوَافَقَ ابْنُ مُطَيْرٍ الْفَقِيهَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الْمَسَاعِي وَالْأَزْرَقَ وَالرِّيمِيَّ فِي التَّفْقِيهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَلِيٌّ، وَلَا شُهُودٌ، وَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ لَا حَدَّ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْمُؤَبَّدُ وَالْمُطْلَقُ.
اهـ. وَبِعَدَمِ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ أَفْتَيْت.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَزِمَهَا الْحَدُّ) لِارْتِفَاعِ الشُّبْهَةِ بِالْحُكْمِ بِالْفُرْقَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أُبِيحَتْ لَهُ) بِأَنَّ إبَاحَتَهُ الْأَجْنَبِيَّةَ الْمُولَجَ فِيهَا لِلْمُولِجِ أَوْ أَبَاحَ السَّيِّدُ فَرْجَ أَمَتِهِ لِمُسْتَعِيرٍ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ حُدَّ) ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ فِيهِ النَّفَقَةَ دُونَ الْإِعْفَافِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ) ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ مَمْنُوعٌ فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَصْنِيفِهِ بَلْ الْمَانِعُ ضَعْفُ شُبْهَتِهِ فَإِنَّ الْأَبْضَاعَ لَا تُبَاحُ بِالْإِذْنِ كَمَا فِي بُضْعِ الْحُرَّةِ فَصَارَ كَشُبْهَةِ الْحَنَفِيِّ فِي النَّبِيذِ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لَهَا عَلَى الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: وَعَنْ الرُّويَانِيِّ لَا يَجِبُ لِلْخِلَافِ فِي صِحَّةِ نِكَاحِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ: فَالظَّاهِرُ تَصْدِيقُهُ، قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَظْهَرُهُمَا تَصْدِيقُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
[فَصْلٌ إنَّمَا يُحَدُّ جَلْدًا أَوْ رَجْمًا مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ لِلزِّنَا]
(قَوْلُهُ: عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ لِلزِّنَا) أَيْ وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِإِفَاقَةٍ مِنْ جُنُونٍ أَوْ إسْلَامٍ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ نَائِيَةٍ، وَإِلَّا فَلَا تَعُمُّ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ إذَا وَطِئَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا وَادَّعَى الْجَهْلَ بِالتَّحْرِيمِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَإِطْلَاقُهُمْ قَبُولَ قَوْلِ قَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يُخَالِطْنَا (قَوْلُهُ: وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ يُؤَدَّبَانِ) أَوْلَجَ صَبِيٌّ فِي أَجْنَبِيَّةٍ فَأَحَسَّ بِالْإِنْزَالِ وَاسْتَدَامَ هَلْ يُحَدُّ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ إيلَاجَهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَاسْتِدَامَةُ الْوَطْءِ لَيْسَتْ بِوَطْءٍ، وَلَوْ وَطِئَ امْرَأَةً بِالزِّنَا، وَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَالِغٍ فَبَانَ كَوْنُهُ بَالِغًا هَلْ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ.
اهـ.
وَأَصَحُّهُمَا لُزُومُهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُحَدُّ الْمُكْرَهُ) لَوْ زَنَى مُكْرَهًا، وَأَتَتْ مِنْهُ بِوَلَدٍ لَا يَلْحَقُهُ؛ لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ كَوْنَ الْوَلَدِ مِنْهُ، وَالشَّرْعُ مَنَعَ النَّسَبَ كَذَا فِي الْوَسِيطِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ كِتَابِ الرَّهْنِ فِي التَّتِمَّةِ فِي الْعِدَدِ أَنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَلْ يَثْبُتُ النَّسَبُ لِأَجْلِ عَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ حَرَامٌ بِخِلَافِ وَطْءِ الشُّبْهَةِ فَإِنَّ فِي تَحْرِيمِهِ خِلَافًا وَالظَّاهِرُ عَدَمُ ثُبُوتِهِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ ظَنِّ الْوَاطِئِ، وَلَا ظَنَّ هَا هُنَا فَإِنْ أَوْرَدَ وَطْءَ الْأَبِ جَارِيَةَ ابْنِهِ مَعَ أَنَّهُ عَالِمٌ قُلْنَا هُنَاكَ شُبْهَةُ الْمِلْكِ قَامَتْ مَقَامَ الظَّنِّ فَلِذَلِكَ ثَبَتَ النَّسَبُ.
اهـ.
قَالَ شَيْخُنَا وَيُؤَيِّدُ عَدَمَ الثُّبُوتِ أَنَّ الْمُكْرَهَ آثِمٌ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُبِيحُ الزِّنَا فَلَمْ يَخْرُجْ مَاؤُهُ عَلَى وَجْهٍ جَائِزٍ، وَسُقُوطُ الْحَدِّ لِكَوْنِهِ مَعْذُورًا فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ سُئِلَ الْوَالِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْوَسِيطِ؛ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ وَيُفَارِقُ وَطْءَ الشُّبْهَةِ بِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ فِيهِ إنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ ظَنِّ الْوَاطِئِ، وَلَا ظَنَّ هَا هُنَا وَوَطْءُ الْأَبِ جَارِيَةَ ابْنِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ شُبْهَةَ الْمِلْكِ قَامَتْ مَقَامَ الظَّنِّ فَمَا، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي ضَعِيفٌ، وَقَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ كَذَا فِي الْوَسِيطِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَلَا مُعَاهَدَ) أَيْ، وَلَا مُسْتَأْمَنَ (قَوْلُهُ: لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِإِسْلَامٍ) أَيْ أَوْ إفَاقَةٍ مِنْ جُنُونٍ، وَإِطْلَاقُهُمْ قَبُولَ قَوْلِ قَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يُخَالِطْنَا مِنْ الذِّمِّيِّينَ وَنَحْوِهِمْ أَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ عَلَى أَنَّ فِي قَبُولِ قَوْلِ الْكِتَابِيِّ مُطْلَقًا نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ نَعَمْ قَدْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى الْعَامِّيِّ الْمُسْلِمِ النَّاشِئِ بَيْنَنَا فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ كَمَا لَوْ وَطِئَ أَمَةً لِأَبِيهِ أَوْ لِأُمِّهِ إذْ يَظُنُّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ مَالَ وَالِدِهِ كَمَالِهِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا أَصَابَ الرَّجُلُ جَارِيَةَ أُمِّهِ
نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (وَيَخْتَصُّ الْحَدُّ بِالْمُكَلَّفِ مِنْ الزَّانِيَيْنِ) لِوُجُودِ الشُّرُوطِ فِيهِ دُونَ الْآخَرِ (وَ) يَخْتَصُّ (الرَّجْمُ بِالْمُحْصَنِ مِنْهُمَا) لِذَلِكَ.
(وَحَدُّ الْمُحْصَنِ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ) لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ فِي أَخْبَارِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَرَوَى الشَّيْخَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ الرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا كَانَ مُحْصَنًا، وَقَالَ إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا نَبِيًّا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةَ الرَّجْمِ فَتَلَوْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، وَهِيَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عُزَيْرٌ حَكِيمٌ، وَقَدْ رَجَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ وَالْإِحْصَانُ لُغَةً الْمَنْعُ وَشَرْعًا جَاءَ بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْعِفَّةِ وَالتَّزْوِيجِ وَوَطْءِ الْمُكَلَّفِ الْحُرِّ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْمُحْصَنُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (كُلُّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ وَطِئَ أَوْ وَطِئَتْ) فِي قُبُلٍ (حَالَ الْكَمَالِ) بِتَكْلِيفٍ وَحُرِّيَّةٍ (فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَلَوْ) كَانَ الْوَطْءُ (فِي عِدَّةِ شُبْهَةٍ) أَوْ حَيْضٍ أَوْ إحْرَامٍ (لَا فِي مِلْكِ يَمِينٍ وَطْءَ شُبْهَةٍ) وَنِكَاحٍ فَاسِدٍ كَمَا فِي التَّحْلِيلِ فَلَا رَجْمَ عَلَى مَنْ زَنَى، وَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ لَيْسَ بِسَكْرَانَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ كَمَا مَرَّ.
وَلَا عَلَى مَنْ فِيهِ رِقٌّ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَتَغَلَّظُ بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تَمْنَعُ الْفَوَاحِشَ؛ لِأَنَّهَا صِفَةُ كَمَالٍ وَشَرَفُهَا وَالشَّرِيفُ يَصُونُ نَفْسَهُ عَمَّا يُدَنِّسُ عِرْضَهُ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تُوَسِّعُ طُرُقَ الْحِلِّ إذْ لِلْحُرِّ نِكَاحُ أَرْبَعِ حَرَائِرَ، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إذْنٍ غَالِبًا بِخِلَافِ مَنْ فِيهِ رِقٌّ فِيهِمَا، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ بِهِ قَضَى الْوَاطِئُ الشَّهْوَةَ وَاسْتَوْفَى اللَّذَّةَ فَحَقُّهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ الْحَرَامِ؛ وَلِأَنَّهُ يُكْمِلُ طَرِيقَ الْحِلِّ بِدَفْعِ الْبَيْنُونَةِ بِطَلْقَةٍ أَوْ رِدَّةٍ وَاعْتُبِرَ وُقُوعُهُ فِي حَالِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِأَكْمَلِ الْجِهَاتِ، وَهُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ فَاعْتُبِرَ حُصُولُهُ مِنْ كَامِلٍ حَتَّى لَا يُرْجَمَ مَنْ وَطِئَ، وَهُوَ نَاقِصٌ ثُمَّ زَنَى، وَهُوَ كَامِلٌ وَيُرْجَمُ مَنْ كَانَ كَامِلًا فِي الْحَالَيْنِ، وَإِنْ تَخَلَّلَهُمَا نَقْصٌ كَجُنُونٍ وَرِقٍّ فَالْعِبْرَةُ بِالْكَمَالِ فِي الْحَالَيْنِ، وَلَا يَرِدُ النَّائِمُ إذَا اسْتَدْخَلَتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَارَ مُحْصَنًا، وَلَيْسَ بِمُكَلَّفٍ عِنْدَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ اسْتِصْحَابًا لِحَالِهِ قَبْلَ النَّوْمِ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْوَطْءُ مَعَ كَامِلٍ، وَلَا عِصْمَتِهِ حَتَّى لَوْ وَطِئَ، وَهُوَ حَرْبِيٌّ ثُمَّ زَنَى بَعْدَ أَنْ عُقِدَتْ لَهُ ذِمَّةٌ رُجِمَ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ كَمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِحْصَانِ أَنْ يَكُونَ الْوَاطِئُ مُخْتَارًا.
(وَلَا يُشْتَرَطُ) فِيهِ (الْإِسْلَامُ فَيُرْجَمُ الْمُرْتَدُّ وَالذِّمِّيُّ) لِالْتِزَامِهِمَا الْأَحْكَامَ وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ الْيَهُودِ زَنَيَا» زَادَ أَبُو دَاوُد «وَكَانَا قَدْ أُحْصِنَا» .
(وَحَدُّ الْبِكْرِ)
[حاشية الرملي الكبير]
وَقَالَ ظَنَنْتهَا تَحِلُّ لِي أُحْلِفَ أَنَّهُ مَا وَطِئَهَا إلَّا، وَهُوَ يَرَاهَا حَلَالًا ثُمَّ دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ وَأُغْرِمَ الْمَهْرَ، وَلَا يُقْبَلُ هَذَا إلَّا مِمَّنْ أَمْكَنَ فِيهِ أَنْ يَجْهَلَ مِثْلَ هَذَا غ.
(قَوْلُهُ: وَشَرْعًا جَاءَ بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ إلَخْ) ، قَالَ شَيْخُنَا، وَقَدْ فُسِّرَ بِكُلٍّ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: 25] وَمِنْهَا الْحُرِّيَّةُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] وَمِنْهَا الْإِصَابَةُ فِي النِّكَاحِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: 24] ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ كُلُّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ وَطِئَ إلَخْ) شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنَاهُ، وَلَهُ زَوْجَةٌ وُلِدَ مِنْهَا وَلَدٌ فَأَنْكَرَ الْإِحْصَانَ، وَقَالَ لَمْ أُجَامِعْهَا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ وَالْإِحْصَانُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِيَقِينٍ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ الْمُحْصَنُ الَّذِي يُرْجَمُ مَنْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ حُرٌّ مُكَلَّفٌ حَالَةَ الْوَطْءِ وَحَالَةَ الزِّنَا وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا إذَا اسْتَمَرَّ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ مِنْ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ إلَى فَرَاغِهِ مِنْ الزِّنَا وَمَا إذَا وَطِئَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ وَاسْتَرَقَّ ثُمَّ عَتَقَ فَزَنَى أَوْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ ثُمَّ جُنَّ، وَأَفَاقَ ثُمَّ زَنَى فَإِنَّهُ يُرْجَمُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ اتِّفَاقًا لِاسْتِمْرَارِ الْإِحْصَانِ أَوْ عَوْدِهِ (تَنْبِيهٌ) لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فَاللَّقِيطُ السَّاكِتُ وَالْعَتِيقُ فِي مَرَضِ الْمَوْت مَحْكُومٌ لَهُمَا بِالْحُرِّيَّةِ ظَاهِرًا، وَلَكِنَّ حُرِّيَّتَهُمَا لَمْ تَسْتَقِرَّ فَهِيَ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ فَلَا يُرْجَمَانِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ، وَقَالَ إنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا تَعَرَّضَ لَهُمَا.
اهـ.
وَقَدْ اكْتَفَوْا بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الشُّرُوطِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهَا اب (قَوْلُهُ: أَوْ إحْرَامٌ) أَوْ قَوْمُ أَحَدِهِمَا (قَوْلُهُ: وَلَا عَلَى مَنْ فِيهِ رِقٌّ) أَوْ لَمْ تُعْلَمْ حُرِّيَّتُهُ كَاللَّقِيطِ السَّاكِتِ وَالْعَتِيقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَدَخَلَ فِي عِبَارَتِهِمْ وَطْءُ مَنْ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا مَعَ عَدَمِ تَمَيُّزِهَا، وَقَدْ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ، وَقَالَ الْأَرْجَحُ إنَّهُ لَا يَصِيرُ بِهِ مُحْصَنًا، وَكَذَا لَوْ اسْتَدْخَلَتْ الْمَرْأَةُ حَشَفَةَ زَوْجِهَا الْفَطِيمِ لَا تَصِيرُ مُحْصَنَةً قُلْت كَلَامُهُمْ قَدْ يُخَالِفُ ذَلِكَ فَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي إصَابَةِ الْكَامِلِ النَّاقِصِ، قَالَ الْإِمَامُ هَذَا الْخِلَافُ فِي صَغِيرَةٍ أَوْ صَغِيرٍ لَا يَشْتَهِيهِ الْجِنْسُ الْآخَرُ فَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا حَصَلَ قَطْعًا.
اهـ. فَاَلَّتِي لَا تُشْتَهَى هِيَ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ صُورَتُهُ تَرَدُّدُ الشَّيْخِ لَيْسَ فِي كُلِّ مَنْ لَا يُشْتَهَى بَلْ يُقَيَّدُ كَوْنُهُ غَيْرَ مُمَيِّزٍ وَيَخُصُّ كَلَامُ الْإِمَامِ بِوُجُودِ التَّمْيِيزِ ع، وَقَوْلُهُ، وَقَالَ الْأَرْجَحُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ) اسْتِصْحَابًا لِحَالِهِ قَبْلَ النَّوْمِ يَرِدُ عَلَيْهِ مَنْ بَلَغَ، وَهُوَ نَائِمٌ وَأُصِيبَ فِي حَالَةِ النَّوْمِ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ كَمَا، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَخْ) بَلْ صَرَّحُوا بِهِ.
(قَوْلُهُ: فَيُرْجَمُ الْمُرْتَدُّ وَالذِّمِّيُّ) اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ الْيَوْمَ لَا يُحَدُّونَ عَلَى الْمَذْهَبِ كَالْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُجَدَّدُ لَهُمْ عَهْدٌ بَلْ يَجْرُونَ عَلَى ذِمَّةِ آبَائِهِمْ ع (تَنْبِيهٌ) لَوْ زَنَى مُرْتَدٌّ فِي حَالِ رِدَّتِهِ أَوْ قَبْلَهَا ثُمَّ أَسْلَمَ حُدَّ، وَلَا تُبْطِلُ رِدَّتُهُ إحْصَانَهُ، وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ فَقَدْ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ عَلَى الْجِزْيَةِ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ رِجَالِهِمْ أَصَابَ مُسْلِمَةً بِزِنًا أَوْ اسْمَ نِكَاحٍ، وَعَدَّ أَشْيَاءَ كَثِيرًا مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ إلَى أَنْ قَالَ: وَأَيُّهُمْ قَالَ أَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا وَضَعْته كَانَ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، وَلَوْ أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ إذَا كَانَ ذَلِكَ قَوْلًا، وَكَذَا إنْ كَانَ فِعْلًا لَمْ يُقْتَلْ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ فَعَلَهُ قُتِلَ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا فَيُقْتَلُ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ لَا نَقْضَ عَهْدٍ.
اهـ. وَأَمَّا مَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّهُ إذَا زَنَى الذِّمِّيُّ ثُمَّ أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ فَلَا يُحَدُّ، وَلَا يُعَزَّرُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ فَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِسُقُوطِ الْحَدِّ بِالتَّوْبَةِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ لَكِنْ رَاجَعْت كَلَامَ ابْنِ الْمُنْذِرِ فَوَجَدْته نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ إذْ هُوَ بِالْعِرَاقِ يَعْنِي فِي الْقَدِيمِ.
اهـ. وَأَفْتَيْت بِعَدَمِ سُقُوطِهِ.
الْحُرِّ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُحْصَنِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً (جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] مَعَ أَخْبَارِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا الْمَزِيدُ فِيهَا التَّغْرِيبُ عَلَى الْآيَةِ (فَلَا تَرْتِيبَ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَلْدِ لَكِنَّ الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ الْجَلْدِ.
(وَ) حَدُّ (مَنْ فِيهِ رِقٌّ) ، وَلَوْ مُبَعَّضًا (خَمْسِينَ) ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ وَوَافَقَ نَوْبَةَ نَفْسِهِ (وَيُغَرَّبُ نِصْفَ عَامٍ) عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] ، وَلَا يُبَالِي بِضَرَرِ السَّيِّدِ فِي عُقُوبَاتِ الْجَرَائِمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِرِدَّتِهِ وَيُحَدُّ بِقَذْفِهِ، وَإِنْ تَضَرَّرَ السَّيِّدُ، وَلَوْ زَنَى الْعَبْدُ الْمُؤَجَّرُ حُدَّ، وَهَلْ يُغَرَّبُ فِي الْحَالِ وَيَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ أَوْ يُؤَخَّرُ إلَى مُضِيِّ الْمُدَّةِ؟ . وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَقْرَبُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ طُولِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، وَقِصَرِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنْ طَالَتْ غُرِّبَ فِي الْحَالِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ قَالَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ ذَلِكَ فِي الْأَجِيرِ الْحُرِّ أَيْضًا.
انْتَهَى.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يُغَرَّبُ إنْ تَعَذَّرَ عَمَلُهُ فِي الْغُرْبَةِ كَمَا لَا يُحْبَسُ لِغَرِيمِهِ إنْ تَعَذَّرَ عِلْمُهُ فِي الْحَبْسِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَاكَ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَهَذَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيمَا ذُكِرَ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ لَكِنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ تَخْصِيصُهُ بِالْمُسْلِمِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ فِي مَعْنَى الْمُعَاهَدِ إذْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ وَالْمُعَاهَدُ لَا يُحَدُّ فَكَذَا الْعَبْدُ الْكَافِرُ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا (وَلِلْإِمَامِ) ، وَلَوْ بِنَائِبِهِ (تَغْرِيبُهُمَا) أَيْ الْحُرُّ وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ (مَسَافَةَ الْقَصْرِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيحَاشُهُ بِالْبُعْدِ عَنْ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ (وَفَوْقَهَا) إنْ رَآهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - غَرَّبَ إلَى الشَّامِ وَعُثْمَانَ إلَى مِصْرَ وَعَلِيًّا إلَى الْبَصْرَةِ (لَا دُونَهَا) إذْ لَا يَتِمُّ الْإِيحَاشُ الْمَذْكُورُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ تَتَوَاصَلُ حِينَئِذٍ (وَلْيَكُنْ) تَغْرِيبُ مَنْ ذُكِرَ (إلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ) فَلَا يُرْسِلُهُ الْإِمَامُ إرْسَالًا.
(وَلَوْ عَيَّنَ الْإِمَامُ جِهَةً) لِتَغْرِيبِهِ (تَعَيَّنَتْ) فَلَوْ طَلَبَ جِهَةً أُخْرَى لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِالزَّجْرِ (فَلَوْ انْتَقَلَ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ التَّغْرِيبِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ (إلَى بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يُمْنَعْ) ؛ لِأَنَّهُ امْتَثَلَ، وَالْمَنْعُ مِنْ الِانْتِقَالِ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ (وَيُسْتَصْحَبُ) مَعَهُ جَوَازًا (سُرِّيَّةً مَعَ نَفَقَةٍ يَحْتَاجُهَا) وَمَالًا يَتَّجِرُ فِيهِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (لَا أَهْلًا، وَعَشِيرَةً) لَهُ لِانْتِفَاءِ إيحَاشِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ تَغْرِيبِهِ إلَى بَلَدٍ فِيهِ أَهْلُهُ لَكِنْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُتَوَلِّي فِيهِ بِالْجَوَازِ (فَإِنْ خَرَجُوا) مَعَهُ (لَمْ يُمْنَعُوا وَالْغَرِيبُ يُغَرَّبُ) مِنْ بَلَدِ الزِّنَا تَنْكِيلًا، وَإِبْعَادًا عَنْ مَحَلِّ الْفَاحِشَةِ فَرُبَّمَا أَلِفَهُ (لَا إلَى بَلَدِهِ، وَلَا إلَى دُونَ الْمَسَافَةِ مِنْهَا) أَيْ، وَلَا إلَى بَلَدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَلَدِهِ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إيحَاشُهُ، وَتَغْرِيبُهُ إلَى ذَلِكَ يَأْبَاهُ (فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهَا) أَيْ إلَى بَلْدَتِهِ أَوْ إلَى دُونَ الْمَسَافَةِ مِنْهَا (مُنِعَ) مُعَارَضَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.
(وَ) يُغَرَّبُ (الْمُسَافِرُ) إذَا زَنَى فِي طَرِيقِهِ (لَا إلَى مَقْصِدِهِ) لِذَلِكَ (وَمَنْ لَا وَطَنَ لَهُ كَالْمُهَاجِرِ) إلَيْنَا (مِنْ دَارِ الْحَرْبِ) ، وَلَمْ يَتَوَطَّنْ بَلَدًا (يُمْهَلُ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَتَغْرِيبُ عَامٍ) أَيْ هِلَالِيٌّ قِيلَ أَوَّلُ الْعَامِ مِنْ وَقْتِ إخْرَاجِهِ مِنْ بَلَدِهِ، وَقِيلَ مِنْ وَقْتِ حُصُولِهِ فِي مَكَانِ التَّغْرِيبِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هَذَا إنْ لَمْ يُجَاوِزْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَإِنْ جَاوَزَهَا فَيُحْسَبُ مِنْ حِينِ الْمُجَاوَزَةِ جَزْمًا وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ ادَّعَى انْقِضَاءَ السَّنَةِ، وَلَا بَيِّنَةَ صُدِّقَ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَلَفَ اسْتِظْهَارًا، وَعَلَيْهِ فِي الْمُدَّةِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ، وَتَنْقَضِي مُدَّةُ الْعُنَّةِ وَالْإِيلَاءِ (قَوْلُهُ: بِلَا تَرْتِيبٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَلْدِ إلَخْ) ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِيهِ إشْكَالٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ خِلَافُ مَا دَرَجَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْبَابُ بَابُ تَوْقِيفٍ وَالثَّانِي أَنَّ فِيهِ تَعْرِيضَ الْحَدِّ لِلْفَوَاتِ وَالتَّضْيِيعِ إمَّا بِمَوْتٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ السَّنَةِ إلَى وَطَنِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يُغَرَّبُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ أَيْضًا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ هَلْ يُغَرَّبُ قَبْلَ أَدَائِهِ أَوْ يُؤَخَّرُ حَتَّى يُوَفِّيَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَفْلَسَ وَحُجِرَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ مُسْتَأْجِرَ الْعَيْنِ الظَّاهِرُ فِي الْجَمِيعِ أَنَّهُ لَا يُؤَخَّرُ لِأَجْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّافِعِيَّ، قَالَ فِي الْمُعْتَدَّةِ عَنْ الْوَفَاةِ إذَا زَنَتْ تُغَرَّبُ، وَلَا يُؤَخَّرُ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيمَا ذُكِرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) كَالْبُلْقِينِيِّ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا) ، وَهُوَ مَرْدُودٌ فَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِهِ حَيْثُ، قَالُوا لِلْكَافِرِ أَنْ يَحُدَّ عَبْدَهُ الْكَافِرَ وَبِأَنَّ الرَّقِيقَ تَابِعٌ لِسَيِّدِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ بِخِلَافِ الْمُعَاهَدِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ عَدَمُ الْحَدِّ كَمَا فِي الْمَرْأَةِ الذِّمِّيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) إنَّمَا جُعِلَتْ عُقُوبَةُ الزِّنَا بِمَا ذُكِرَ، وَلَمْ تُجْعَلْ بِقَطْعِ آلَةِ الزِّنَا كَمَا جُعِلَتْ عُقُوبَةُ السَّرِقَةِ بِقَطْعِ آلَتِهَا، وَهِيَ الْيَدُ وَالرِّجْلُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ النَّسْلِ؛ وَلِأَنَّ قَطْعَ آلَةِ السَّرِقَةِ يَعُمُّ السَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ، وَقَطْعَ الذَّكَرِ يَخُصُّ الرَّجُلَ دُونَ الْمَرْأَةِ، قَالَ شَيْخُنَا، وَأَيْضًا فَالذَّكَرُ أَوْ الْفَرْجُ لَا مِثْلَ لَهُ وَالْيَدُ لِصَاحِبِهَا مِثْلُهَا غَالِبًا، وَأَيْضًا فَقَطْعُ الْيَدِ الْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةُ، وَقَطْعُ الْفَرْجِ الْغَالِبُ فِيهِ عَدَمُهُ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ تَفُوتَ رُوحُ الْبِكْرِ.
(فَائِدَةٌ) قَدْ سَأَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّافِعِيَّ عَنْ خَمْسَةِ رِجَالٍ زَنَوْا بِامْرَأَةٍ، وَجَبَ عَلَى أَحَدِهِمْ الْقَتْلُ، وَعَلَى الثَّانِي الرَّجْمُ، وَعَلَى الثَّالِثِ الْجَلْدُ وَعَلَى الرَّابِعِ نِصْفُهُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْخَامِسِ شَيْءٌ فَقَالَ الْأَوَّلُ اسْتَحَلَّ الزِّنَا فَقُتِلَ بِرِدَّتِهِ وَالثَّانِي مُحْصَنٌ وَالثَّالِثُ بِكْرٌ وَالرَّابِعُ عَبْدٌ وَالْخَامِسُ مَجْنُونٌ (قَوْلُهُ: وَعَلِيًّا إلَى الْبَصْرَةِ) وَالصِّدِّيقَ إلَى فَدَكَ (قَوْلُهُ: فَلَوْ طَلَبَ جِهَةً غَيْرَهَا لَمْ يُجَبْ إلَخْ) اسْتَثْنَى مِنْهُ الْبُلْقِينِيُّ مَا إذَا صَادَفَنَا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّغْرِيبُ مُحْرِمًا أَوْ خَارِجًا لِجِهَادٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَلَوْ غَرَّبْنَاهُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَاتَهُ الْحَجُّ أَوْ الْجِهَادُ، قَالَ فَيُجَابُ إذَا طَلَبَ جِهَةَ قَصْدِهِ، وَلَا يُصَارُ إلَى تَفْوِيتِ مَقْصِدِهِ عَلَيْهِ، وَلَا إلَى تَأْخِيرِ التَّغْرِيبِ حَتَّى يَفْرُغَ، وَقَوْلُهُ اسْتَثْنَى مِنْهُ الْبُلْقِينِيُّ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَيَسْتَصْحِبُ سُرِّيَّةً) ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ بَعْدَ الزِّنَا أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ حَمْلِ زَوْجَتِهِ مَعَهُ كَالسُّرِّيَّةِ لِغَيْرِ الْمُتَزَوِّجِ، وَلَا شَكَّ فِيهِ إذَا خِيفَ فُجُورُهُ فِي مُدَّةِ التَّغْرِيبِ، وَقَوْلُهُ الظَّاهِرُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَمَا يَتَّجِرُ فِيهِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُتَوَلِّي فِيهِ بِالْجَوَازِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ: وَيُغَرَّبُ الْمُسَافِرُ لَا إلَى مَقْصِدِهِ)
حَتَّى يَتَوَطَّنَ) بَلَدًا (ثُمَّ يُغَرَّبَ) مِنْهُ، وَهَذَا لَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْقَاضِي إنَّهُ يُغَرَّبُ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي قَصَدَهُ (وَيُرَاقَبُ الْمُغَرَّبُ) أَيْ يُحْفَظُ بِالْمُرَاقَبَةِ فِي الْمَكَان الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ، وَلَا يُحْبَسُ فِيهِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُرَاقَبُ لِئَلَّا يَرْجِعَ إلَى بَلْدَتِهِ أَوْ إلَى مَا دُونَ الْمَسَافَةِ مِنْهَا لَا أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يُمْنَعْ وَمَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ الرُّويَانِيِّ مِنْ تَصْحِيحٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُقِيمَ بِبَلَدِ الْغُرْبَةِ لِيَكُونَ كَالْحَبْسِ لَهُ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ كَالنُّزْهَةِ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِبَلَدِ الْغُرْبَةِ غَيْرُ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهُ بِلَادُ غُرْبَةٍ وَبِقَوْلِهِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ جَوَانِبِهَا بَلْ فِي غَيْرِ جَانِبِ بَلَدِهِ فَقَطْ عَلَى مَا عُرِفَ وَكَأَنْ الْمُصَنِّفَ لَمَّا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْجَمْعُ حَذَفَ كَلَامَ الرُّويَانِيِّ.
(وَمُؤْنَتُهُ) أَيْ الْمُغَرَّبُ فِي مُدَّةِ تَغْرِيبِهِ (عَلَى نَفْسِهِ) إنْ كَانَ حُرًّا، وَعَلَى سَيِّدِهِ إنْ كَانَ رَقِيقًا، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى مُؤْنَةِ الْحَضَرِ (فَإِنْ خِيفَ رُجُوعُهُ) إلَى مَحَلِّهِ الَّذِي غُرِّبَ مِنْهُ (حُبِسَ) جَوَازًا.
(وَلَوْ رَجَعَ إلَى بَلَدٍ غُرِّبَ مِنْهُ اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ) لِيَتَوَالَى الْإِيحَاشُ (فَلَا تُفَرَّقُ السَّنَةُ) فِي الْحُرِّ، وَلَا نِصْفُهَا فِي غَيْرِهِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِلتَّغْرِيبِ الْبَلَدُ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعِبَارَةُ صَاحِبِ الذَّخَائِرِ رُدَّ إلَى الْغُرْبَةِ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْمُهَذَّبِ مَا جَزَمَ بِهِ الْأَصْلُ أَنَّهُ يُرَدُّ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ، وَأَشَارَ إلَى تَفَرُّدِهِ بِهِ، وَلَمْ يَقِفْ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى نَقْلٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ إنْ قُلْنَا بِالِاسْتِئْنَافِ لَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ الْبَلَدُ.
(وَلَوْ زَنَى الْمُغَرَّبُ) فِي الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ (غُرِّبَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ وَدَخَلَتْ الْبَقِيَّةُ) أَيْ بَقِيَّةُ مُدَّةِ الْأَوَّلِ فِي مُدَّةِ الثَّانِي لِتَجَانُسِ الْحَدَّيْنِ (وَلَا يُعْتَدُّ بِتَغْرِيبِهِ نَفْسَهُ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّنْكِيلُ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَغْرِيبِ الْإِمَامِ، وَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَلَهُ الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَإِنْ رَجَعَ بِغَيْرِ إذْنِهِ عُزِّرَ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ حَبْسِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مُدَّةَ الْحَبْسِ مَجْهُولَةٌ لَهُ بِخِلَافِ مُدَّةِ التَّغْرِيبِ، وَأَوَّلُهَا ابْتِدَاءُ السَّفَرِ لَا وَقْتُ وُصُولِهِ إلَى مَا غُرِّبَ إلَيْهِ.
(وَلَوْ غُرِّبَتْ امْرَأَةٌ اُشْتُرِطَ خُرُوجُ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ) مَعَهَا، وَلَوْ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ لِخَبَرِ «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجٌ أَوْ مَحْرَمٌ» ؛ وَلِأَنَّهُ يَخَافُ مِنْ الزَّانِيَةِ الْهَتْكَ عِنْدَ خُرُوجِهَا وَحْدَهَا، وَالْقِيَاسُ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا كَعَبْدِهَا حُكْمُهُ حُكْمُ الزَّوْجِ وَالْمَحْرَمِ، وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ مَا صَحَّحَهُ الْأَصْلُ لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ فِي مَوْضِعَيْنِ عَلَى تَغْرِيبِهَا وَحْدَهَا، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ سَفَرِهَا وَحْدَهَا مَحَلُّهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهَا كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي الْحَجِّ (وَأُجْرَتُهُ عَلَيْهَا) إذَا لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِهَا؛ لِأَنَّهَا مِمَّا يَتِمُّ بِهَا الْوَاجِبُ كَأُجْرَةِ الْجَلَّادِ؛ وَلِأَنَّهَا مِنْ مُؤَنِ سَفَرِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ (فَلَوْ امْتَنَعَ) مِنْ الْخُرُوجِ مَعَهَا بِأُجْرَةٍ (لَمْ يُجْبَرْ) كَمَا فِي الْحَجِّ؛ وَلِأَنَّ فِي إجْبَارِهِ تَعْذِيبَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ (وَيُؤَخَّرُ) حِينَئِذٍ (تَغْرِيبُهَا) إلَى أَنْ يَتَيَسَّرَ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ أَنَّهَا تُغَرَّبُ وَيَحْتَاطُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ.
(وَفِي الِاكْتِفَاءِ) فِي الْخُرُوجِ مَعَهَا (بِنِسْوَةٍ ثِقَاتٍ) اثْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ (مَعَ أَمْنِ طَرِيقٍ، وَجْهَانِ) أَظْهَرُهُمَا عَلَى مَا فِي نُسَخِ الرَّافِعِيِّ الْمُعْتَمَدَةِ، وَأَحَدُهُمَا عَلَى مَا فِي السَّقِيمَةِ الَّتِي اخْتَصَرَتْ مِنْهَا الرَّوْضَةُ نَعَمْ قِيَاسًا عَلَى الزَّوْجِ وَالْمَحْرَمِ وَالثَّانِي لَا؛ لِأَنَّ النِّسْوَةَ مَطْمُوعٌ فِيهِنَّ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَرُبَّمَا اكْتَفَى بَعْضُهُمْ بِوَاحِدَةٍ ثِقَةٍ.
انْتَهَى.
وَالِاكْتِفَاءُ بِهَا هُوَ مَا فِي الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ وَالْبُلْقِينِيُّ إنَّهُ الْمُعْتَمَدُ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْحَجِّ مَعَ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي فَهَذَا أَوْلَى أَمَّا مَعَ الْخَوْفِ فَلَا يُكْتَفَى بِالنِّسْوَةِ، وَهَلْ يُشْرَعُ التَّغْرِيبُ عِنْدَ الْخَوْفِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: فِيهِ قَوْلٌ بِشَرْعِيَّتِهِ، وَفِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ مَا يُشْعِرُ بِخِلَافِهِ، وَقَضِيَّتُهُ تَصْحِيحُ عَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهِ حَتَّى لَا يُغَرَّبَ الرَّجُلُ، وَلَا الْمَرْأَةُ الْمُسْتَصْحَبَةُ لِلزَّوْجِ أَوْ نَحْوِهِ حِينَئِذٍ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الرَّجُلَ يُغَرَّبُ وَحْدَهُ، وَلَوْ أَمْرَدَ وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْأَمْرَدَ الْحَسَنَ الَّذِي يُخَافُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ يَحْتَاجُ إلَى مَحْرَمٍ أَوْ نَحْوِهِ.
(وَيُنْفَى الْمُخَنَّثُونَ تَعْزِيرًا) لِثُبُوتِهِ فِي خَبَرِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ مُدَّةَ تَغْرِيبِ الزَّانِي.
[فَصْلٌ لَا يَثْبُتُ الْحَدُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ]
(فَصْلٌ: لَا يَثْبُتُ الْحَدُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ) ، وَلَوْ مَرَّةً لِيَتَمَكَّنَ مِنْ إقَامَتِهِ إمَّا بِالْبَيِّنَةِ فَالْآيَةُ
[حاشية الرملي الكبير]
نَازَعَ فِيهِ الْبُلْقِينِيُّ، وَقَالَ لَا يُحْجَرُ عَلَى الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ بَلْ إذَا رَأَى تَغْرِيبَهُ فِي جِهَةِ مَقْصِدِهِ لَمْ يُمْنَعْ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مُسَافِرًا لِلْحَجِّ أَوْ الْجِهَادِ فَلَا يَنْبَغِي تَفْوِيتُ مَقْصُودِهِ وَيَكْفِي فِي التَّنْكِيلِ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الْعَوْدِ وَالتَّصَرُّفِ فِي السَّفَرِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً (قَوْلُهُ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِبَلَدِ الْغُرْبَةِ غَيْرُ بَلَدِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (فَرْعٌ) لَوْ ادَّعَى الْمَحْدُودُ انْقِضَاءَ مُدَّةِ التَّغْرِيبِ، وَلَا بَيِّنَةَ صُدِّقَ وَيَحْلِفُ اسْتِحْبَابًا.
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِلتَّغْرِيبِ لِلْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَلَهُ الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ غُرِّبَتْ امْرَأَةٌ اُشْتُرِطَ خُرُوجُ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ) أَمَّا الْأَمَةُ فَهَلْ الْمَطْلُوبُ بِالْخُرُوجِ مَعَهَا سَيِّدُهَا، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا وَيَبْعُدُ أَنْ نُوجِبَ الْأُجْرَةَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَهُ النَّظَرُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ فِي مَوْضِعَيْنِ إلَخْ) يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا امْتَنَعُوا مِنْ الْخُرُوجِ مَعَهَا وَبِهِ يَتَأَيَّدُ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ الْآتِي ش (قَوْلُهُ: فَلَوْ امْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ) لِإِخْفَاءِ أَنَّ مَحْرَمَهَا لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهَا أَوْ أَجْبَرَهَا لِلْخِدْمَةِ مُدَّةَ التَّغْرِيبِ أُجْبِرَ لَا مَحَالَةَ.
(قَوْلُهُ: أَظْهَرُهُمَا عَلَى مَا فِي نُسَخِ الرَّافِعِيِّ الْمُعْتَمَدَةِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْأَصْلِ وَرُبَّمَا اكْتَفَى بَعْضُهُمْ بِوَاحِدَةٍ ثِقَةٍ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ تَصْحِيحُ عَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ كَمَا، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْأَمْرَدَ الْحَسَنَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ وَاطِئًا أَمْ مَوْطُوءًا
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ: لَا يَثْبُتُ الْحَدُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ) قَضِيَّةُ حَصْرِهِ الثُّبُوتَ فِي الطَّرِيقَيْنِ يَنْفِي صُوَرًا.
إحْدَاهَا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْتَوْفِيهِ بِعِلْمِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
الثَّانِيَةُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ فِيمَا لَوْ قَذَفَ شَخْصًا وَطَلَبَ مِنْهُ الْمَقْذُوفُ حَدَّ الْقَذْفِ فَطَلَبَ يَمِينَهُ عَلَى أَنَّهُ مَا زَنَى فَرَدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ فَحَلَفَ أَنَّهُ زَانٍ، وَهُوَ مَا ذَكَرُوهُ فِي الدَّعَاوَى.
الثَّالِثَةُ إذَا وُجِدَتْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا، وَلَا زَوْجَ لَهَا، وَأَنْكَرَتْ الزِّنَا لَمْ تُحَدَّ خِلَافًا
﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 15] ، وَإِمَّا بِالْإِقْرَارِ فَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ بِإِقْرَارِهِمَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى هُوَ وَالْبُخَارِيُّ خَبَرَ «وَاغْدُ يَا أُنَيْسٌ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» عَلَّقَ الرَّجْمَ عَلَى مُجَرَّدِ الِاعْتِرَافِ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ عَلَى مَاعِزٍ فِي خَبَرِهِ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي عَقْلِهِ وَلِهَذَا قَالَ أَبِكَ جُنُونٌ وَوَصَفَ الْإِقْرَارَ بِقَوْلِهِ (مُفَسَّرٌ كَالشَّهَادَةِ) وَاحْتِيَاطًا لِلْحَدِّ وَسَعْيًا فِي سِتْرِ الْفَاحِشَةِ مَا أَمْكَنَ وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِقِصَّةِ مَاعِزٍ.
(وَيُجْزِئُ) أَيْ يَكْفِي فِي ثُبُوتِ الْحَدِّ (إشَارَةُ الْأَخْرَسِ بِالْإِقْرَارِ) بِالزِّنَا.
(وَإِنْ رُئِيَا) أَيْ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّانِ (تَحْتَ لِحَافٍ عُزِّرَا) ، وَلَمْ يُحَدَّا.
(وَيُقَامُ الْحَدُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً) مِنْ نَحْوِ رِدَّةِ الْمَحْدُودِ وَالْتِحَاقِهِ بِأَهْلِ الْحَرْبِ.
(وَيَحْرُمُ الْعَفْوُ عَنْ حَدٍّ لِلَّهِ) تَعَالَى (وَالشَّفَاعَةِ فِيهِ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُسَامَةَ لَمَّا كَلَّمَهُ فِي شَأْنِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ إنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ إنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَاَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلزَّانِي) وَلِكُلِّ مَنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً (السَّتْرُ) عَلَى نَفْسِهِ لِخَبَرِ «مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَ أَوْ قَذَفَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِرَّ بِهِ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ لِمَا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ التَّضْيِيقِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَعْصِيَةَ أَنْ لَا يُظْهِرَهَا لِيُحَدَّ أَوْ يُعَزَّرَ فَيَكُونُ إظْهَارُهَا خِلَافَ الْمُسْتَحَبِّ أَمَّا التَّحَدُّثُ بِهَا تَفَكُّهًا أَوْ مُجَاهَرَةً فَحَرَامٌ قَطْعًا لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ.
(وَكَذَا الشَّاهِدُ) يُسْتَحَبُّ لَهُ سَتْرُهَا بِأَنْ يَتْرُكَ الشَّهَادَةَ بِهَا (إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً) ، وَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي الشَّهَادَةِ بِهَا شَهِدَ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ فَكَلَامُهَا فِيمَا إذَا لَمْ يَرَ مَصْلَحَةً مُتَدَافِعٌ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ وَالْأَقْرَبُ خِلَافُهُ، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ إطْلَاقُهُمْ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ وَغَيْرِهِ اسْتِحْبَابَ تَرْكِ الشَّهَادَةِ ثُمَّ مَحَلُّ اسْتِحْبَابِ تَرْكِهَا إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَرْكِهَا إيجَابُ حَدٍّ عَلَى الْغَيْرِ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ ذَلِكَ كَأَنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِالزِّنَا فَيَأْثَمُ الرَّابِعُ بِالتَّوَقُّفِ وَيَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ.
(وَلَوْ أَقَرَّ بِزِنًا أَوْ شُرْبٍ) لِمُنْكَرٍ (اُسْتُحِبَّ لَهُ الرُّجُوعُ) كَالسَّتْرِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ مُقْتَضَى خَبَرِ مَاعِزٍ السَّابِقِ، وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَلَا يُخَالِفُهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّ مَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ حَدٌّ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ لِيُقِيمَهُ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ السَّتْرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالظُّهُورِ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى زِنَاهُ مَنْ لَا يَثْبُتُ الزِّنَا بِشَهَادَتِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ أَمَّا الْمُقِرُّ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الرُّجُوعُ لِمَا مَرَّ (فَإِنْ رَجَعَ) عَنْ الْإِقْرَارِ، وَلَوْ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْحَدِّ (سَقَطَ) عَنْهُ (الْحَدُّ) لِتَعْرِيضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَاعِزٍ بِالرُّجُوعِ بِقَوْلِهِ «لَعَلَّك قَبَّلْتَ لَعَلَّك لَمَسْتَ أَبِكَ جُنُونٌ» ؛ وَلِأَنَّهُمْ «لَمَّا رَجَمُوهُ قَالَ رُدُّونِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَسْمَعُوا وَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» .
(فَلَوْ قُتِلَ بَعْدَ الرُّجُوعِ) عَنْ إقْرَارِهِ (فَلَا قِصَاصَ) عَلَى قَاتِلِهِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِالرُّجُوعِ، وَقَوْلُ الدَّارِمِيِّ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْقَاتِلُ بِرُجُوعِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِرُجُوعِهِ قُتِلَ بِلَا خِلَافٍ فِيهِ نَظَرٌ يُعْرَفُ مِنْ التَّعْلِيلِ (وَيُضْمَنُ بِالدِّيَةِ) ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ بِهَا بِجَامِعِ الشُّبْهَةَ، وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ.
(وَإِنْ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ، وَتَمَّمَهُ الْإِمَامُ مُتَعَدِّيًا) بِأَنْ كَانَ مُعْتَقِدًا سُقُوطَهُ بِالرُّجُوعِ (فَمَاتَ) بِذَلِكَ (فَالْوَاجِبُ نِصْفُ دِيَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ مَضْمُونٍ وَغَيْرِهِ (أَوْ
[حاشية الرملي الكبير]
لِمَالِكٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ إكْرَاهٍ وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ.
الرَّابِعَةُ قَذَفَهَا وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ الزِّنَا عِنْدَنَا، قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي بَابِ اللِّعَانِ مِنْ الِاصْطِلَامِ
(قَوْلُهُ: فَيَكُونُ إظْهَارُهَا خِلَافَ الْمُسْتَحَبِّ) وَيُكْرَهُ إظْهَارُهَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: أَمَّا التَّحَدُّثُ بِهَا تَفَكُّهًا أَوْ مُجَاهَرَةً فَحَرَامٌ قَطْعًا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ: وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَحَلُّ اسْتِحْبَابِ تَرْكِهَا إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَرْكِهَا إيجَابٌ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ وَرُبَّمَا كَانَ فِي الْأَدَاءِ مَأْثُومًا مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْمُسْلِمِ بِأَنَّهُ قَتَلَ كَافِرًا، وَالْحَاكِمُ حَنَفِيٌّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَدَاءُ لِمَا فِيهِ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَشْهَدَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ أَوْ بِالتَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ أَوْ بِمَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّوْبَةَ وَيَحُدُّهُ بِالتَّعْرِيضِ وَيُعَزِّرُهُ أَبْلَغَ مِمَّا يُوجِبُ الشَّافِعِيُّ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ الْوَجْهُ الَّذِي فِي طَلَبِ الشَّافِعِيِّ نَحْوَ شُفْعَةِ الْجِوَارِ مِنْ الْحَنَفِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ ر. (قَوْلُهُ: فَيَأْثَمُ الرَّابِعُ بِالتَّوَقُّفِ وَيَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ) وَمِثْلُهُ لَوْ قَذَفَ وَثَمَّ بَيِّنَةٌ بِالْفِعْلِ أَوْ الْإِقْرَارِ فَعَلَيْهِمْ الْأَدَاءُ لَا مَحَالَةَ، وَكَذَا لَوْ شَتَمَهُ بِمَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ وَطَلَبَهُ الْمَشْتُومُ، وَعَلِمَ عَدْلَانِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِنْهُ يَلْزَمُهُمَا الْأَدَاءُ بِهِ لِطُهْرِ الشَّاتِمِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمَا الْإِعْلَامُ إنْ كَانَ جَاهِلًا بِشَهَادَتِهِمَا، وَكَتَبَ أَيْضًا، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقِسْ عَلَى هَذَا مَا يُشْبِهُهُ، وَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ مَا لَوْ كَانَ يَلِي شَيْئًا شَرَطَ مُتَوَلِّيهِ الْعَدَالَةَ كَالْوُقُوفِ وَالْأَيْتَامِ وَبَيْتِ الْمَالِ وَالْأَحْكَامِ فِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ إنْ عَلِمُوا إصْرَارَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْأَدَاءُ لَا سِيَّمَا إذَا اطَّلَعُوا عَلَى إنْفَاقِهِ الْمَالَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ لِانْعِزَالِهِ بِفِسْقِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ لَهُمْ أَنَّ غَيْرَ الْحَاكِمِ قَدْ تَابَ، وَأَنَابَ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ رَجَعَ) كَقَوْلِهِ كَذَبْت أَوْ رَجَعْت عَمَّا أَقْرَرْت بِهِ أَوْ مَا زَنَيْت أَوْ فَأَخَذْت أَوْ لَمَسْت فَاعْتَقَدْته زِنًا أَوْ لَا حَدَّ عَلَيَّ (قَوْلُهُ: سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ) بَلْ سَقَطَ حُكْمُ الْإِقْرَارِ جُمْلَةً حَتَّى لَوْ قَذَفَهُ قَاذِفٌ حُدَّ وَيَبْقَى بِرُجُوعِهِ عَلَى حَصَانَتِهِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَ النَّاشِرِيُّ: مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَهَذَا فِي الْقَذْفِ الْحَادِثِ بَعْدَ الرُّجُوعِ، وَأَمَّا الْقَذْفُ بِذَلِكَ الزِّنَا الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فَلَا مِرْيَةَ بِعَدَمِ الْحَدِّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْمَهْرُ الثَّابِتُ بِإِقْرَارِهِ بِالزِّنَا إذَا ادَّعَتْ حُرَّةٌ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً ثُمَّ رَجَعَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْحَدُّ دُونَ الْمَهْرِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلِهِ) أَيْ، وَإِنْ عَلِمَ بِرُجُوعِهِ (قَوْلُهُ: فِيهِ نَظَرٌ يُعْرَفُ مِنْ التَّعْلِيلِ) فَالْإِطْلَاقُ هُوَ الرَّاجِحُ.
التَّوْزِيعُ) لِلدِّيَةِ عَلَى السِّيَاطِ (قَوْلَانِ) أَقْرَبُهُمَا الثَّانِي كَمَا لَوْ ضَرَبَهُ زَائِدًا عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ فَمَاتَ.
(وَإِنْ قَالَ زَنَيْت بِفُلَانَةُ فَأَنْكَرَتْ أَوْ قَالَتْ) كَانَ (تَزَوَّجَنِي فَمُقِرٌّ) بِالزِّنَا (وَقَاذِفٌ) لَهَا فَيَلْزَمُهُ حَدُّ الزِّنَا وَحَدُّ الْقَذْفِ فَإِنْ رَجَعَ سَقَطَ حَدُّ الزِّنَا وَحْدَهُ.
(فَإِنْ قَالَ) زَنَيْت بِهَا (مُكْرَهَةً لَزِمَهُ حَدٌّ) لِلزِّنَا لَا لِلْقَذْفِ (وَ) لَزِمَهُ لَهَا (مَهْرٌ فَإِنْ رَجَعَ) عَنْ إقْرَارِهِ (سَقَطَ الْحَدُّ) كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (لَا الْمَهْرُ) ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ.
(وَلَوْ شَهِدُوا بِإِقْرَارِهِ) بِالزِّنَا، وَلَوْ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهِ (فَكَذَّبَهُمْ) كَأَنْ قَالَ مَا أَقْرَرْت (لَمْ يُقْبَلْ) تَكْذِيبُهُ؛ لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلشُّهُودِ وَالْقَاضِي (أَوْ كَذَّبَ نَفْسَهُ) فِي إقْرَارِهِ (قُبِلَ فِي إقْرَارِهِ) كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ.
(وَلَوْ قَالَ لَا تَحُدُّونِي وَامْتَنَعَ) مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهِ (أَوْ هَرَبَ فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ) فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ لِوُجُودِ مُثْبِتِهِ مَعَ عَدَمِ تَصْرِيحِهِ بِالرُّجُوعِ (لَكِنْ يُكَفُّ عَنْهُ) فِي الْحَالِ لِمَا فِي خَبَرِ مَاعِزٍ «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ» ؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا قَصَدَ الرُّجُوعَ فَيُعْرَضُ عَنْهُ احْتِيَاطًا (فَإِنْ رَجَعَ) فَذَاكَ (وَإِلَّا حُدَّ، وَإِنْ لَمْ يُكَفَّ عَنْهُ) فَمَاتَ (فَلَا ضَمَانَ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ شَيْئًا.
(وَ) الْحَدُّ (الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ) ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ سَوَاءٌ أُثْبِتَ بِالْإِقْرَارِ أَمْ بِالْبَيِّنَةِ، وَصَرَّحَ الْأَصْلُ بِتَصْحِيحِهِ وَذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّخِذَهَا ذَرِيعَةً إلَى إسْقَاطِ الزَّوَاجِرِ (فَإِنْ أَقَرَّ) بِالزِّنَا (ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِزِنَاهُ ثُمَّ رَجَعَ) عَنْ الْإِقْرَارِ (فَوَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ لِبَقَاءِ حُجَّةِ الْبَيِّنَةِ كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةٌ فَرَدَّ أَرْبَعَةً وَثَانِيهِمَا يَسْقُطُ إذْ لَا أَثَرَ لِلْبَيِّنَةِ مَعَ الْإِقْرَارِ، وَقَدْ بَطَلَ وَنَقَلَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي ذَلِكَ وَفِي عَكْسِهِ، وَقَالَ الْأَصَحُّ عِنْدِي اعْتِبَارُ أَسْبَقِهِمَا وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ مَحَلِّ الْخِلَافِ بِمَا قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَدْ أَسْنَدَ إلَيْهِمَا مَعًا أَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، وَقَدْ أَسْنَدَ إلَى أَحَدِهِمَا فَقَطْ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ قَطْعًا ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ أَشَارَ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ (، وَلَا يُشْتَرَطُ حَيَاةُ الشُّهُودِ) ، وَلَا حُضُورُهُمْ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى، وَصَرَّحَ بِهِ أَصْلُهُ (حَالَةَ الْحُكْمِ، وَلَا قُرْبَ عَهْدِ الزِّنَا) فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِهِ، وَإِنْ تَطَاوَلَ الزَّمَانُ.
(وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِبَكَارَةِ مَنْ ثَبَتَ زِنَاهَا أَوْ رَتَقُهَا) أَوْ قَرَنُهَا (سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهَا) لِلشُّبْهَةِ نَعَمْ إنْ كَانَتْ غَوْرَاءَ يُمْكِنُ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِيهَا مَعَ بَقَاءِ الْبَكَارَةِ فَالْأَشْبَهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهَا تُحَدُّ لِثُبُوتِ زِنَاهَا قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَمِ حُصُولِ التَّحْلِيلِ بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ أَنَّ التَّحْلِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَكْمِيلِ اللَّذَّةِ (وَعَنْ قَاذِفِهَا) لِقِيَامِ الشَّهَادَةِ بِزِنَاهَا مَعَ احْتِمَالِ عَوْدِ الْبَكَارَةِ بَعْدَ زَوَالِهَا لِتَرْكِ الْمُبَالَغَةِ فِي الِافْتِضَاضِ فِي الْبِكْرِ وَرَمْيِ مَنْ لَا يُمْكِنُ جِمَاعُهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَكَذَا لَا يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى الشُّهُودِ لِذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي، وَتَبْطُلُ حَصَانَتُهَا بِلَا خِلَافٍ.
(أَوْ) قَامَتْ بَيِّنَةٌ (بِبَكَارَةِ مَنْ ثَبَتَ لَهَا مَهْرٌ) عَلَى مَنْ وَطِئَهَا، وَلَوْ بِشُبْهَةٍ أَوْ إكْرَاهٍ (لَمْ يَسْقُطْ) مَهْرُهَا لِثُبُوتِهِ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِيمَا لَوْ شَهِدَ بِزِنَاهُ بِهَا أَرْبَعَةٌ، وَلَا عَلَى الشُّهُودِ لِلشُّبْهَةِ، وَلَا عَلَيْهَا لِلشَّهَادَةِ، وَتَعْبِيرُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِإِكْرَاهِهَا عَلَى الزِّنَا لَمْ يَثْبُتْ الزِّنَا وَكَذَا الْمَهْرُ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ شُهُودَ الزِّنَا إذَا نَقَصُوا عَنْ أَرْبَعَةٍ لَزِمَهُمْ حَدُّ الْقَذْفِ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَصْلُ.
(وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِإِكْرَاهِهَا) عَلَى الزِّنَا (وَاثْنَانِ بِمُطَاوَعَتِهَا) عَلَيْهِ (لَزِمَهُ الْمَهْرُ لِسُقُوطِ الْحَدِّ عَنْ شُهُودِ الْإِكْرَاهِ) لِتَمَامِ عَدَدِ شُهُودِ زِنَاهُ (دُونَ الْحَدِّ) أَيْ حَدِّ زِنَاهُ فَلَا يَلْزَمُهُ (لِوُجُوبِهِ) أَيْ حَدُّ قَذْفِهَا (عَلَى الْآخَرِينَ) لِعَدَمِ تَمَامِ عَدَدِ شُهُودِ زِنَاهَا فَخَرَجَ قَوْلُهُمَا عَنْ كَوْنِهِ شَهَادَةً، وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا لِذَلِكَ، وَلَا يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ لِلرَّجُلِ؛ لِأَنَّ عَدَدَ شُهُودِ زِنَاهُ قَدْ تَمَّ، وَإِنَّمَا رَدَدْنَا الشَّهَادَةَ لِأَمْرٍ مُجْتَهَدٍ فِيهِ (وَإِنْ ذَكَرَ كُلٌّ مِنْ الشُّهُودِ) لِلزِّنَا (زَاوِيَةً) مِنْ زَوَايَا الْبَيْتِ الَّذِي زَنَيَا فِيهِ (فَسَيَأْتِي) بَيَانُهُ (فِي الشَّهَادَاتِ)
[الْبَابُ الثَّانِي فِي اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ) (إنَّمَا يَسْتَوْفِيهِ مِنْ الْحُرِّ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) ؛ لِأَنَّهُ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَهْدِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ لَمْ يُقَمْ إلَّا بِإِذْنِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفَوَّضْ لِأَوْلِيَاءِ الْمَزْنِيِّ بِهَا؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ لَا يَسْتَوْفُونَهُ خَوْفًا مِنْ الْعَارِ قَالَ الْقَاضِي، وَلَا بُدَّ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ مِنْ النِّيَّةِ حَتَّى لَوْ ضُرِبَ لِصَادِرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَعَلَيْهِ حُدُودٌ لَمْ يُحْسَبْ مِنْهَا وَفِي فَتَاوَى شَيْخِهِ الْقَفَّالِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: أَقْرَبُهُمَا الثَّانِي) هُوَ الْأَظْهَرُ
(قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ الْأَصْلُ بِتَصْحِيحِهِ) وَحَذَفَهُ الْمُصَنِّفُ لِدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ فِي بَابِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَلَا يَسْقُطُ بِهَا سَائِرُ الْحُدُودِ (قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ لِبَقَاءِ حُجَّةِ الْبَيِّنَةِ) هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْأَصَحُّ عِنْدِي اعْتِبَارُ أَسْبَقِهِمَا) فَإِنْ أَقَرَّ ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يُحَدَّ، وَأَمَّا عَكْسُهُ فَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَيْضًا السُّقُوطَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الرَّافِعِيُّ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ مَحَلِّ الْخِلَافِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيُّ أَشَارَ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ) ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ سَيَأْتِي فِي الدَّعَاوَى مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْتَنِدُ إلَى الشَّهَادَةِ فَقَطْ، وَكَتَبَ أَيْضًا نَقَلَ الشَّيْخَانِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ، وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِحَقٍّ ثُمَّ أَقَرَّ الْخَصْمُ قَبْلَ الْحُكْمِ هَلْ يُسْتَنَدُ الْحُكْمُ إلَى الْإِقْرَارِ أَوْ إلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَأَنَّ الصَّحِيحَ الْأَوَّلُ.
اهـ. أَيْ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ، وَأَمَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَسْتَنِدُ الْحُكْمُ فِيهَا إلَى الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الْإِقْرَارِ فَالْأَصَحُّ فِي مَسْأَلَتِنَا عَدَمُ السُّقُوطِ.
(قَوْلُهُ: فَالْأَشْبَهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَنَّهَا تُحَدُّ) هُوَ الرَّاجِحُ وَفِي الْحَاوِي إنْ لَمْ يَمْنَعْ الرَّتَقُ وَالْقَرَنُ إيلَاجَ الْحَشَفَةِ حُدَّتْ، وَمَا تَفَقَّهَهُ الزَّرْكَشِيُّ جَزَمَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ: لِقِيَامِ الشَّهَادَةِ بِزِنَاهَا مَعَ احْتِمَالِ عَوْدِ الْبَكَارَةِ بَعْدَ زَوَالِهَا) خَصَّ الْقَاضِي ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ زَمَنٌ بَعِيدٌ يُمْكِنُ عَوْدُ الْعُذْرَةِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْقَاضِي وَتَبْطُلُ حَضَانَتُهَا بِلَا خِلَافٍ) ، قَالَ الْقَاضِي هَذَا إذَا كَانَ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ زَمَنٌ بَعِيدٌ يُمْكِنُ عَوْدُ الْعُذْرَةِ فِيهِ فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهَا زَنَتْ السَّاعَةَ، وَشَهِدَتْ بِأَنَّهَا عَذْرَاءُ، وَجَبَ الْحَدُّ، وَقَوْلُهُ هَذَا إذَا كَانَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ فِيمَا لَوْ شَهِدَ إلَخْ) ، قَالَ شَيْخُنَا كَلَامُ الْقَاضِي قَرِينَةٌ تُقَيِّدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا.
(الْبَابُ الثَّانِي فِي اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ) (قَوْلُهُ: وَفِي فَتَاوَى شَيْخِهِ الْقَفَّالِ
أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى نِيَّةٍ حَتَّى لَوْ حُدَّ بِنِيَّةِ الشُّرْبِ فَظَهَرَ أَنَّ حَدَّهُ الزِّنَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْطَأَ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى إلَى الْيُسْرَى فِي السَّرِقَةِ أَجْزَأَ قَالَ: وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ الْإِمَامَ جَلَدَ رَجُلًا مِائَةً ظُلْمًا فَبَانَ أَنَّ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا سَقَطَ عَنْهُ كَمَا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا فَبَانَ أَنَّهُ قَاتِلُ أَبِيهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ ذَلِكَ: وَالْأَشْبَهُ فِي صُورَةِ جَلْدِهِ ظُلْمًا مَا قَالَهُ الْقَاضِي، وَأَمَّا مَا قَبْلَهَا فَالْإِجْزَاءُ فِيهِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْحَدَّ فَلَا عِبْرَةَ بِظَنِّهِ أَنَّهُ عَنْ الشُّرْبِ.
(وَيُسْتَحَبُّ حُضُورُهُ) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ اسْتِيفَاءَ حَدِّ الزِّنَا سَوَاءٌ أُثْبِتَ بِالْإِقْرَارِ أَمْ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِرَجْمِ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ، وَلَمْ يَحْضُرْ» (وَحُضُورُ جَمْعٍ) مِنْ الرِّجَالِ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] (، وَأَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ) ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ بِأَقَلَّ مِنْهُمْ، وَالتَّصْرِيحُ بِاسْتِحْبَابِ حُضُورِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ، وَصَرَّحَ الْأَصْلُ بِاسْتِحْبَابِ حُضُورِ الشُّهُودِ إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ وَظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابُ حُضُورِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ حِينَئِذٍ أَيْضًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ إذَا ثَبَتَ زِنَاهُ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَمْ تَحْضُرْ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَتُعْرَضُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ قَبْلَ رَجْمِهِ فَإِنْ حَضَرَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُمِرَ بِهَا، وَإِنْ تَطَوَّعَ مُكِّنَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ اسْتَسْقَى مَاءً سُقِيَ، وَإِنْ اسْتَطْعَمَ لَمْ يُطْعَمْ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يُحَاطَ بِالْمَحْدُودِ) الْمُحْصَنِ فَيُرْمَى مِنْ الْجَوَانِبِ (وَأَنْ يُرْجَمَ بِحِجَارَةٍ) وَمَدَرٍ وَنَحْوِهَا (مُعْتَدِلَةٍ) فَفِي خَبَرِ مَاعِزٍ فَرَمَيْنَاهُ بِالْعِظَامِ وَالْمَدَرِ وَالْخَزَفِ وَخَرَجَ بِالْمُعْتَدِلَةِ الْحَصَيَاتُ الْخَفِيفَةُ لِئَلَّا يَطُولَ تَعْذِيبُهُ وَالصَّخَرَاتُ لِئَلَّا تُذَفِّفَهُ فَيَفُوتَ بِهِ التَّنْكِيلُ الْمَقْصُودُ، وَلَيْسَ لِمَا يُرْجَمُ بِهِ تَقْدِيرٌ لَا جِنْسًا، وَلَا عَدَدًا فَقَدْ تُصِيبُ الْأَحْجَارُ مَقَاتِلَهُ فَيَمُوتُ سَرِيعًا، وَقَدْ يُبْطِئُ مَوْتُهُ ذَكَرَهُ الْأَصْلُ لَكِنْ ضَبَطَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ الِاخْتِيَارُ أَنْ تَكُونَ مِلْءَ الْكَفِّ، وَأَنْ يَكُونَ مَوْقِفُ الرَّامِي مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَبْعُدُ عَنْهُ فَيُخْطِئُهُ، وَلَا يَدْنُو مِنْهُ فَيُؤْلِمُهُ، وَجَمِيعُ بَدَنِهِ مَحَلٌّ لِلرَّجْمِ وَيَخْتَارُ أَنْ يَتَوَقَّى الْوَجْهَ، وَلَا يَرْبِطُ، وَلَا يُقَيِّدُ (وَأَنْ يَبْدَأَ الشُّهُودُ) بِالرَّجْمِ ثُمَّ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ فَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ بَدَأَ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
(وَأَنْ يُحْفَرَ لِلْمَرْأَةِ) عِنْدَ رَجْمِهَا (إلَى صَدْرِهَا إنْ ثَبَتَ) زِنَاهَا (بِبَيِّنَةٍ) لِئَلَّا تَنْكَشِفَ بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ لِيُمْكِنَهَا الْهَرَبُ إنْ رَجَعَتْ وَبِخِلَافِ الرَّجُلِ لَا يُحْفَرُ لَهُ، وَإِنْ ثَبَتَ زِنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ، وَأَمَّا ثُبُوتُ الْحَفْرِ فِي قِصَّةِ الْغَامِدِيَّةِ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ مُقِرَّةً فَبَيَانٌ لِلْجَوَازِ وَوُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ بِاللِّعَانِ كَوُجُوبِهِ بِالْبَيِّنَةِ.
(وَلَا يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ) وَنَحْوُهُ إذْ الْقَصْدُ التَّنْكِيلُ بِهِ بِالرَّجْمِ (، وَتُؤَخَّرُ وُجُوبًا حُدُودُ اللَّهِ كَقَطْعِ السَّرِقَةِ لِمَرَضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ وَشِدَّةِ حَرٍّ وَبَرْدٍ) إلَى الْبُرْءِ وَاعْتِدَالِ الزَّمَنِ لِئَلَّا يَهْلِكَ الْمَحْدُودُ؛ وَلِأَنَّ حُقُوقَهُ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ بِخِلَافِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ فَلَا تُؤَخَّرُ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُضَايَقَةِ وَكَالْمَرَضِ الْمَذْكُورِ النِّفَاسُ وَالْحَمْلُ وَالْجُرْحُ وَالضَّرْبُ، وَاسْتَثْنَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ مَا لَوْ كَانَ بِبِلَادٍ لَا يَنْفَكُّ حَرُّهَا أَوْ بَرْدُهَا فَلَا يُؤَخَّرُ، وَلَا يُنْقَلُ إلَى الْبِلَادِ الْمُعْتَدِلَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْحَدِّ وَلِخَوْفِ الْمَشَقَّةِ وَكُلُّ مَنْ أُخِّرَ حَدُّهُ لِعُذْرٍ فَلَا يُخَلَّى بَلْ يُحْبَسُ حَتَّى يَزُولَ عُذْرُهُ، قَالَهُ الْإِمَامُ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَقَالَ: لَا يُتَّجَهُ حَبْسُ الْمُقِرِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ احْتِمَالًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَأَمَّا الثَّابِتُ زِنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ أَمِنَ هَرَبَهُ لَمْ يُحْبَسْ، وَإِلَّا فَيُشْبِهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ أَوْ يُرَاقِبُهُ (لَا الرَّجْمُ) فَلَا يُؤَخَّرُ لِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ.
(وَلَوْ ثَبَتَ) زِنَاهُ (بِإِقْرَارِهِ) ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ مُسْتَوْفَاةٌ بِهِ وَيُؤَخَّرُ لِلْحَمْلِ وَانْقِضَاءِ الْفِطَامِ، وَلَوْ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ زِنًا كَمَا فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ (فَلَوْ أُقِيمَتْ) حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ مَا ذُكِرَ فَمَاتَ الْمَحْدُودُ (فَلَا ضَمَانَ) عَلَى الْمُقِيمِ لَهَا، وَإِنْ عَصَى بِتَرْكِ التَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِوَاجِبٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ، وَيُفَارِقُ الضَّمَانَ فِيمَا لَوْ خُتِنَ أَقْلَفُ فِي مَرَضٍ أَوْ شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَمَاتَ بِأَنَّ الْجَلْدَ ثَبَتَ قَدْرًا بِالنَّصِّ وَالْخِتَانُ أَصْلًا، وَقَدْرًا بِالِاجْتِهَادِ؛ وَلِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْحُدُودِ إلَى الْإِمَامِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا وَالْخِتَانُ لَا يَتَوَلَّاهُ الْإِمَامُ أَصَالَةً بَلْ يَتَوَلَّاهُ الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ أَوْ يَقُومُ بِهِ وَلِيُّهُ فِي صِغَرِهِ فَإِذَا تَوَلَّاهُ الْإِمَامُ بِالنِّيَابَةِ اُشْتُرِطَ فِيهِ سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ.
(وَإِنْ لَمْ يُرْجَ) زَوَالُ الْمَرَضِ كَالسُّلِّ وَالزَّمَانَةِ (أَوْ كَانَ
[حاشية الرملي الكبير]
أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى نِيَّةٍ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ حُدَّ بِنِيَّةِ الشُّرْبِ فَظَهَرَ أَنَّ حَدَّهُ الزِّنَا جَازَ) أَيْ أَنْ يَكْمُلَ حَدَّ الزِّنَا (قَوْلُهُ: قَالَ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ الْإِمَامَ جَلَدَ رَجُلًا إلَخْ) هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ وَبِهِ أَفْتَيْت (قَوْلُهُ: وَالْأَشْبَهُ فِي صُورَةِ جَلْدِهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ الْأَصْلُ بِاسْتِحْبَابِ حُضُورِ الشُّهُودِ) هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَأَنْ يَبْدَأَ الشُّهُودُ، وَكَتَبَ أَيْضًا، وَلَا يَجِبُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابُ حُضُورِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ حِينَئِذٍ أَيْضًا) ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَاتٌ أَمَّا اسْتِحْبَابُ حُضُورِ الْجَمْعِ فَلِمَا مَرَّ، وَأَمَّا حُضُورُ شُهُودِ الزِّنَا فَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِوُجُوبِهِ وَلِاحْتِمَالِ رُجُوعِهِمْ أَوْ رُجُوعِ بَعْضِهِمْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اسْتَسْقَى مَاءً سُقِيَ، وَإِنْ اُسْتُطْعِمَ لَمْ يُطْعَمْ) ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ لِعَطَشٍ مُتَقَدِّمٍ، وَالْأَكْلُ لِشِبَعِ مُسْتَقْبَلٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ يَبْدَأَ الشُّهُودُ بِالرَّجْمِ) فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى أَنَّ إمْسَاكَهُمْ عَنْ الرَّجْمِ شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ.
(قَوْلُهُ: وَبِخِلَافِ الرَّجُلِ لَا يُحْفَرُ لَهُ، وَإِنْ ثَبَتَ زِنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ امْتِنَاعُ الْحَفْرِ وَاسْتَشْكَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي التَّنْقِيحِ بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ مَاعِزًا حُفِرَ لَهُ مَعَ أَنَّ زِنَاهُ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَحْفِرْ لَهُ وَلِهَذَا مَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إلَى التَّخْيِيرِ مُطْلَقًا وَاخْتَارَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَجَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فَإِنَّهُ حَفَرَ لِمَاعِزٍ حَفِيرَةً صَغِيرَةً فَلَمَّا رُجِمَ هَرَبَ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ: وَاسْتَثْنَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: بَلْ يُحْبَسُ حَتَّى يَزُولَ عُذْرُهُ، قَالَهُ الْإِمَامُ) الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ فَقَدْ، قَالَ الشَّيْخَانِ إنَّ الْحَامِلَ لَا تُحْبَسُ فِي الرَّجْمِ، وَلَا فِي حَدٍّ لِلَّهِ عَلَى الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَيُشْبِهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ أَوْ يُرَاقِبُهُ) الرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ.
(قَوْلُهُ: وَيُؤَخَّرُ لِلْحَمْلِ وَانْقِضَاءِ الْفِطَامِ) أَيْ وَوُجُودِ مَنْ يَكْفُلُهُ
نِضْوًا) أَيْ نَحِيفَ الْبَدَنِ (لَا يَحْتَمِلُ السِّيَاطَ لَمْ تُفَرَّقْ) أَيْ السِّيَاطُ عَلَى الْأَيَّامِ (وَإِنْ احْتَمَلَ التَّفْرِيقَ بَلْ يُضْرَبُ) فِي الْحَالِ إذْ لَا غَايَةَ تُنْظَرُ لَكِنْ لَا يُضْرَبُ بِسِيَاطٍ لِئَلَّا يَهْلِكَ بَلْ (بِعِثْكَالٍ) أَيْ غُصْنٍ ذِي فُرُوعٍ خَفِيفَةٍ (وَنَحْوِهِ) كَنِعَالٍ، وَأَطْرَافِ ثِيَابٍ (مَرَّةً فَأَكْثَرَ بِحَسَبِ الْعَدَدِ) فَإِنْ كَانَ عَلَى الْغُصْنِ مِائَةُ فَرْعٍ ضُرِبَ بِهِ مَرَّةً أَوْ خَمْسُونَ ضُرِبَ بِهِ مَرَّتَيْنِ، وَهَكَذَا وَالْعِثْكَالُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا وَيُقَالُ عُثْكُولٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَإِثْكَالٌ بِإِبْدَالِهَا هَمْزَةً مَعَ ضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا، وَلَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى شِمْرَاخِ النَّخْلِ مَا دَامَ رَطْبًا فَإِذَا يَبِسَ فَهُوَ عُرْجُونٌ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنَالَهُ أَلَمُهَا) أَيْ فُرُوعُ الْعِثْكَالِ (بِمَسٍّ) لَهُ (أَوْ انْكِبَاسٍ) لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لِيَنَالَهُ الْأَلَمُ فَإِنْ انْتَفَى الْمَسُّ وَالِانْكِبَاسُ أَوْ شَكَّ فِيهِ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ وَيُفَارِقُ الْأَيْمَانَ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ، وَالضَّرْبُ غَيْرُ الْمُؤْلِمِ يُسَمَّى ضَرْبًا، وَأَمَّا الْحُدُودُ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى الزَّجْرِ، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْإِيلَامِ.
(وَإِنْ بَرَأَ) مَنْ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ بَعْدَ ضَرَبَهُ بِعِثْكَالٍ وَنَحْوِهِ (أَجْزَأَهُ) بِخِلَافِ الْمَعْضُوبِ إذَا حَجَّ عَنْهُ ثُمَّ بَرِئَ لِبِنَاءِ الْحُدُودِ عَلَى الدَّرْءِ، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ بَرِئَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ كَمَّلَ حَدَّ الْأَصِحَّاءِ وَاعْتَدَّ بِمَا مَضَى، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَدَرَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقِيَامِ (فَلَوْ ضَرَبَ بِهَا مَنْ يُرْجَى) بُرْؤُهُ (فَبَرِئَ لَمْ يُجْزِهِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَأْخِيرُ الْجَلْدِ إلَى الْبُرْءِ (وَيُخَيَّرُ مَنْ لَهُ حَدُّ قَذْفٍ عَلَى مَرِيضٍ بَيْنَ الضَّرْبِ بِعِثْكَالٍ وَنَحْوِهِ، وَ) بَيْنَ (الصَّبْرِ) إلَى بُرْئِهِ، وَقِيلَ يُجْلَدُ بِالسِّيَاطِ سَوَاءٌ أَرُجِيَ بُرْؤُهُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُضَايَقَةِ، وَتَرْجِيحُ الْأَوَّلِ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُهِمَّاتِ لَكِنَّ الْأَصْلَ جَزَمَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ بِالثَّانِي، وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ ثَمَّ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ.
(فَصْلٌ: لِلسَّيِّدِ) بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ (وَلَوْ مُكَاتَبًا) بِفَتْحِ التَّاءِ (وَامْرَأَةً وَفَاسِقًا) ، وَلَوْ كَافِرًا (وَمُشْتَرِيًا) لِرَقِيقٍ (بَعْدَ وُجُوبِ الْحَدِّ) عَلَيْهِ (إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى رَقِيقِهِ) ، وَلَوْ مُدَبَّرًا وَأُمَّ وَلَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِصْلَاحِ لِمِلْكِهِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْوِلَايَةِ كَالْمُعَالَجَةِ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَفِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا» بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ لَا يُوَبِّخْهَا، وَلَا يُعَيِّرْهَا، وَقِيلَ لَا يُبَالِغْ فِي جَلْدِهَا بِحَيْثُ يُدْمِيهَا، وَفِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (وَلَهُ تَغْرِيبُهُ) ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْحَدِّ، وَقُدِّمَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ فِيمَا ذُكِرَ اعْتِبَارًا بِحَالِ الِاسْتِيفَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي مِقْدَارِ الْحَدِّ حَالَ الْوُجُوبِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَمَا ذُكِرَ فِي الْمُكَاتَبِ هُوَ مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ فَعَلَيْهِ لَا يَحُدُّهُ إلَّا الْإِمَامُ وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ وِلَايَةٌ لَا إصْلَاحٌ، وَلَيْسَ لِلسَّفِيهِ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى رَقِيقِهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْإِصْلَاحِ (وَهُوَ) أَيْ السَّيِّدُ (أَوْلَى) بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى رَقِيقِهِ (مِنْ الْإِمَامِ) وَحَاصِلُ عِبَارَةِ الْأَصْلِ أَنَّ إقَامَةَ السَّيِّدِ لَهُ بِنَفْسِهِ أَوْلَى مِنْ تَفْوِيضِهِ إلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ وَلِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ (لَا إنْ نَازَعَهُ) الْإِمَامُ فَلَيْسَ بِأَوْلَى بَلْ الْإِمَامُ أَوْلَى لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ: وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ، وَإِطْلَاقُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ أَنَّ السَّيِّدَ أَوْلَى لِمَا مَرَّ (وَيَتَوَزَّعُ الشُّرَكَاءُ فِي) إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى (الْعَبْدِ) الْمُشْتَرَكِ (السِّيَاطُ) بِقَدْرِ الْمِلْكِ (وَيَسْتَنِيبُونَ) وَاحِدًا مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (فِي الْمُنْكَسِرِ) إنْ حَصَلَ كَسْرٌ، وَعِبَارَتُهُ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ الْأَصْلِ فَإِنْ حَصَلَ كَسْرٌ فُوِّضَ الْمُنْكَسِرُ إلَى أَحَدِهِمْ.
(وَالْمُبَعَّضُ يَحُدُّهُ الْإِمَامُ فَقَطْ) أَيْ لَا سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى بَعْضِهِ، وَالْحَدُّ يَتَعَلَّقُ بِجُمْلَتِهِ، وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمُشْتَرَكِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ ثَمَّ بِخِلَافِهِ هُنَا إذْ الْحُرِّيَّةُ أَوْلَى بِالْمُؤَاخَذَةِ بِالْجَرَائِمِ فَكَانَتْ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا أَقْوَى (وَكَذَا الْمُكَاتَبُ) كِتَابَةً صَحِيحَةً لَا يَحُدُّهُ إلَّا الْإِمَامُ لِخُرُوجِهِ عَنْ قَبْضَةِ سَيِّدِهِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَفِي مَعْنَاهُمَا الْعَبْدُ الْمَوْقُوفُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَعَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ وَالْمُوصَى بِإِعْتَاقِهِ إذَا زَنَى بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَقَبْلَ إعْتَاقِهِ، وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَكْسَابَهُ لَهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
(وَلِلسَّيِّدِ التَّعْزِيرُ) لِرَقِيقِهِ عَلَى
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ بَرَأَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ كَمَّلَ حَدَّ الْأَصِحَّاءِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
[فَصْلٌ لِلسَّيِّدِ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى رَقِيقِهِ]
(قَوْلُهُ: لِلسَّيِّدِ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ إلَخْ) شَمَلَ مَا لَوْ شَاهَدَهُ السَّيِّدُ يَزْنِي، وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ بِزِنَاهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مُكَاتَبًا) بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ أَوْ مُبَعَّضًا (قَوْلُهُ: وَفَاسِقًا) ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تُسْتَحَقُّ بِالْمِلْكِ فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهَا الْعَدَالَةُ كَتَزْوِيجِ أَمَتِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلِأَنَّ فَاطِمَةَ جَلَدَتْ أَمَةً لَهَا زَنَتْ وَعَائِشَةُ قَطَعَتْ جَارِيَةً لَهَا سَرَقَتْ وَحَفْصَةُ قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ (قَوْلُهُ: «فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَ الْبَيْعَ فِي الرَّابِعَةِ وَالْبَيْعُ الْمَذْكُورُ مَنْسُوخٌ، وَأَوْجَبَهُ أَبُو ثَوْرٍ بَعْدَ الرَّابِعَةِ (قَوْلُهُ: وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ وِلَايَةٌ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَوْ اسْتَوْفَاهُ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ مِنْ السَّادَةِ هَلْ يَقَعُ الْمَوْقِعَ أَمْ لَا كَمَا لَوْ جَلَدَهُ أَجْنَبِيٌّ لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا نَعَمْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ اسْتَوْفَاهُ السَّيِّدُ، وَهُوَ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ سَفِيهٌ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَفِي السَّفِيهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَفِي السَّفِيهِ نَظَرٌ فَإِنْ صَحَّحَ وَجَبَ طَرْدُهُ فِي غَيْرِهِ وَيَظْهَرُ الْتِفَاتُ ذَلِكَ إلَى مَا سَبَقَ إنْ قُلْنَا اسْتِصْلَاحٌ اعْتَدَّ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَ شَيْخُنَا: وَحِينَئِذٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إصْلَاحٌ فَقِيلَ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ السَّيِّدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا، وَقَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ نَعَمْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَحَاصِلُ عِبَارَةِ الْأَصْلِ أَنَّ إقَامَةَ السَّيِّدِ لَهُ بِنَفْسِهِ) أَيْ أَوْ بِنَائِبِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَسْتَرُ) وَلِئَلَّا تَنْقُصَ قِيمَتُهُ بِظُهُورِ زِنَاهُ (قَوْلُهُ: وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ) قَدْ عُلِمَ أَنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِعِبَارَةِ أَصْلِهِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمُكَاتَبُ) لَوْ وَجَبَ الْحَدُّ، وَهُوَ مُكَاتَبٌ ثُمَّ عَجَزَ وَرُقَّ فَهَلْ لِلسَّيِّدِ الِاسْتِيفَاءُ نَظَرًا لِحَالَةِ الِاسْتِيفَاءِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا يَوْمَ الْوُجُوبِ فِيهِ نَظَرٌ.
اهـ. وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: وَعَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ إلَخْ) وَالرَّقِيقُ الْمُسْلِمُ لِكَافِرٍ كَمُسْتَوْلَدَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلِلسَّيِّدِ التَّعْزِيرُ) إنَّمَا يُقِيمُ السَّيِّدُ الْحَدَّ وَيُعَزِّرُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ
مَا ارْتَكَبَهُ مِمَّا يُوجِبُ تَعْزِيرًا كَالْحَدِّ سَوَاءٌ أَكَانَ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ لِآدَمِيٍّ (وَ) لَهُ (إقَامَةُ حَدِّ الْقَذْفِ وَسَائِرِ الْحُدُودِ) أَيْ بَاقِيهَا (حَتَّى الْقَطْعِ، وَقَتْلِ الرِّدَّةِ) وَالْمُحَارَبَةِ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ السَّابِقِ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ لَهُ سَرَقَ وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ عَائِشَةَ قَطَعَتْ يَدَ أَمَةٍ لَهَا سَرَقَتْ، وَأَنَّ حَفْصَةَ قَتَلَتْ أَمَةً لَهَا سَحَرَتْهَا قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَإِنَّمَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ بِكُفْرِهِ (وَ) هَلْ لَهُ الْقَتْلِ وَالْقَطْعُ (فِي الْقِصَاصِ، وَجْهَانِ) كَلَامُ الْأَصْلِ ظَاهِرٌ فِي تَرْجِيحِ الْجَوَازِ.
(وَهَلْ) لِلسَّيِّدِ أَنْ (يَتَوَلَّى لِعَانَ عَبْدِهِ) فِيمَا إذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ الْمَمْلُوكَةَ لِسَيِّدِهِ بِأَنْ يُلَاعِنَ بَيْنَهُمَا (وَجْهَانِ) رَجَّحَ هُوَ مِنْهُمَا فِي اللِّعَانِ الْجَوَازَ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَصْلِ ثُمَّ حَيْثُ بَنِي الْخِلَافَ فِيهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي إقَامَتِهِ الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ وَسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ.
(وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ حَدُّ عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ قَالَهُ ابْنُ كَجٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَا يَلِي تَزْوِيجَ أَمَتِهِ الْمُسْلِمَةِ بِخِلَافِ عَبْدِهِ الْكَافِرِ (وَفِي) جَوَازِ إقَامَةِ (الْوَلِيِّ) مِنْ أَبٍ وَجَدٍّ وَصَبِيٍّ وَحَاكِمٍ، وَقَيِّمِ الْحَدِّ (فِي عَبْدِ الطِّفْلِ) وَنَحْوِهِ مِنْ سَفِيهٍ وَمَجْنُونٍ (وَجْهَانِ) قَالَ فِي الْأَصْلِ وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ إنْ قُلْنَا الْحَدُّ إصْلَاحٌ فَلَهُ إقَامَتُهُ أَوْ وِلَايَةٌ فَفِيهِ الْخِلَافُ، وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ الْجَوَازِ، وَلَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَفِي الْوَلِيِّ فِي رَقِيقِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ كَانَ أَوْلَى (وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ السَّيِّدِ بِأَحْكَامِ الْحَدِّ) ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِغَيْرِهَا (فَلَوْ سَمِعَ الْبَيِّنَةَ) بِزِنَاهُ (عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا أَوْ قَضَى بِمَا شَاهَدَهُ) مِنْ زِنَاهُ (جَازَ) أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْحَدَّ عَلَيْهِ فَمَلَكَ سَمَاعَ بَيِّنَتِهِ كَالْإِمَامِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِحَاجَتِهِ إلَى إصْلَاحِ مِلْكِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ وَبِهَذَيْنِ فَارَقَ عَدَمَ جَوَازِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُودِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا أَيْ الْبَيِّنَةِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا فَلَا يَسْمَعُهَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِسَمَاعِهَا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ وَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالْمَرْأَةِ سَمَاعُهَا فَلَا يُحَدُّونَ بِبَيِّنَةٍ بَلْ بِإِقْرَارٍ أَوْ بِمُشَاهَدَةٍ مِنْهُمْ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الزَّرْكَشِيُّ وَفَرْضُهُ فِي الْفَاسِقِ وَالْمُكَاتَبِ وَمِثْلُهُمَا الْبَقِيَّةُ بَلْ أَوْلَى.
(وَإِنْ قَذَفَ) الرَّقِيقُ (سَيِّدَهُ حُدَّ أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ قَذَفَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ (رُفِعَ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ لِيُعَزِّرَهُ) كَغَيْرِهِ وَمَسْأَلَةُ الْعَكْسِ مَرَّتْ فِي بَابِ الْقَذْفِ.
(وَإِنْ زَنَى ذِمِّيٌّ) حُرٌّ (ثُمَّ اُسْتُرِقَّ) بَعْدَ نَقْضِ عَهْدِهِ (أَقَامَهُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ) لَا سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا يَوْمَئِذٍ.
(وَلِلْمَقْتُولِ حَدًّا) بِالرَّجْمِ أَوْ غَيْرِهِ (حُكْمُ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ) مِنْ غُسْلٍ، وَتَكْفِينٍ وَصَلَاةٍ وَغَيْرِهَا كَتَارِكِ الصَّلَاةِ إذَا قُتِلَ؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى عَلَى الْجُهَنِيَّةِ، وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْغَامِدِيَّةِ وَدَفَنَهَا» وَفِي رِوَايَةٍ «صَلَّى هُوَ عَلَيْهَا أَيْضًا» .
[بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ]
(بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ) بِالْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ لُغَةً الرَّمْيُ وَشَرْعًا الرَّمْيُ بِالزِّنَا فِي مَعْرِضِ التَّعْيِيرِ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ (الْقَذْفُ مِنْ الْمُكَلَّفِ الْمُخْتَارِ) الْعَالِمِ بِالتَّحْرِيمِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا (كَبِيرَةٌ) فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، وَعَدَّ مِنْهَا قَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ» (وَقَدْ سَبَقَتْ شُرُوطُهُ) الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ أَيْ بَقِيَّتُهَا (فِي اللِّعَانِ) فَلَا حَدَّ عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ لَيْسَ بِسَكْرَانَ، وَلَا عَلَى مُكْرَهٍ، وَلَا جَاهِلٍ بِالتَّحْرِيمِ، وَلَا حَرْبِيٍّ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ الْأَحْكَامَ، وَلَا قَاذِفِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهُ فِي اللِّعَانِ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْعَفِيفُ عَنْ الزِّنَا، وَلَا حَدَّ عَلَى الْمُكْرِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْضًا وَيُفَارِقُ لُزُومَ الْقَوَدِ لَهُ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَعِينُ بِلِسَانِ غَيْرِهِ فِي الْقَذْفِ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْقَتْلِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْمُكْرِهِ هُنَا وَالْمُكْرَهِ ثَمَّ بِفَتْحِ الرَّاءِ فِيهِمَا بِأَنَّ الْمَأْخَذَ هُنَا التَّعْيِيرُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَهُنَاكَ الْجِنَايَةُ، وَقَدْ وُجِدَتْ.
(وَيَحُدُّ الْإِمَامُ) ، وَلَوْ بِنَائِبِهِ (لَا غَيْرَهُ) الْقَاذِفَ (الْحُرَّ ثَمَانِينَ) جَلْدَةً لِآيَةِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَدَلِيلُ كَوْنِ الْآيَةِ فِي الْحُرِّ قَوْلُهُ ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] إذْ غَيْرُهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ
[حاشية الرملي الكبير]
فِي الْقَوَاعِدِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ لَكِنْ يُشْكِلُ بِمَا إذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ السَّيِّدَ فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوا لَهُ اسْتِيفَاءَهُ (قَوْلُهُ: كَلَامُ الْأَصْلِ ظَاهِرٌ فِي تَرْجِيحِ الْجَوَازِ) هُوَ الْأَصَحُّ.
(قَوْلُهُ: رَجَّحَ هُوَ مِنْهُمَا فِي اللِّعَانِ الْجَوَازَ) هُوَ الرَّاجِحُ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ عَبْدِهِ الْكَافِرِ) هُوَ الْمَذْهَبُ (قَوْلُهُ: إنْ قُلْنَا الْحَدُّ إصْلَاحٌ) ، وَهُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ الْجَوَازِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِغَيْرِهَا) ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فَلَوْ اسْتَوْفَاهُ جَاهِلًا بِذَلِكَ قَاصِدًا عُقُوبَتَهُ عَلَى الزِّنَا هَلْ يَقَعُ الْمَوْقِعَ أَوْ لَا أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ كَوْنَ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْحَدِّ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا نَعَمْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ اسْتَوْفَاهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ سَفِيهٌ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ (قَوْلُهُ: وَفَرْضُهُ فِي الْفَاسِقِ وَالْمُكَاتَبِ) ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْجَمِيعِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُمَا الْبَقِيَّةُ بَلْ أَوْلَى) قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ سَمَاعَهَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَذَفَ الرَّقِيقُ سَيِّدَهُ حَدَّهُ) ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَدْ يُلْتَحَقُ بِهِ السَّفِيهُ الَّذِي فِي حِجْرِ وَالِدِهِ لَوْ قَذَفَهُ أَنَّ لَهُ حَدَّهُ لِمَكَانِ وِلَايَتِهِ كَالسَّيِّدِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ زَنَى ذِمِّيٌّ ثُمَّ اُسْتُرِقَّ أَقَامَهُ الْإِمَامُ) قِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ ثُمَّ عَتَقَ كَانَ الِاسْتِيفَاءُ لِلْإِمَامِ لَا لِلسَّيِّدِ.
(بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ) (قَوْلُهُ: فِي مَعْرِضِ التَّعْيِيرِ) احْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ مَعَ تَمَامِ الْعَدَدِ، وَعَمَّا إذَا شَهِدَ بِجُرْحِهِ فَاسْتَفْسَرَهُ الْقَاضِي فَأَخْبَرَهُ بِزِنَاهُ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ، وَكَتَبَ أَيْضًا سُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ عَمَّا يَسْبِقُ إلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِمْ يَا وَلَدَ الزِّنَا لِمَنْ كَانَ عِنْدَهُ نَوْعُ ذُعْرٍ، وَلَا يَقْصِدُونَ بِهِ الْقَذْفَ مَا يَجِبُ عَلَى قَائِلِهِ؟ . فَأَجَابَ بِأَنَّهُ إذَا سَبَقَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْصِدْ قَائِلُهُ الْقَذْفَ فَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ فَقَطْ (قَوْلُهُ: أَوْ كَافِرًا) شَمَلَ الذِّمِّيَّ وَالْمُعَاهَدَ وَالْمُسْتَأْمَنَ وَالْمُرْتَدَّ (قَوْلُهُ: فَلَا حَدَّ عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ لَيْسَ بِسَكْرَانَ) لِلْحَدِيثِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ (تَنْبِيهٌ) قَذْفُ النَّائِمِ لَغْوٌ لَكِنْ هَلْ يُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ إنَّمَا قَالَهُ نَائِمًا، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَمَّا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ صَبِيًّا وَاحْتَمَلَ صِدْقُهُ صُدِّقَ أَوْ مَجْنُونًا، وَعَهِدَ لَهُ جُنُونٌ فَكَذَلِكَ وَمِثْلُ دَعْوَى النَّوْمِ دَعْوَى زَوَالِ عَقْلِهِ حَالَ قَذْفِهِ بِإِغْمَاءٍ وَنَحْوِهِ وَلْيَنْظُرْ فِيمَا لَوْ، قَالَ السَّكْرَانُ إنَّمَا شَرِبْت مُكْرَهًا أَوْ غَالَطَا (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْقَتْلِ) فَإِنَّهُ يُمْكِنُ جَعْلُ يَدِ الْمُكْرَهِ كَالْآلَةِ بِأَنْ يَأْخُذَ يَدَهُ فَيَقْتُلَ بِهَا.
(قَوْلُهُ: وَيَحُدُّ الْإِمَامُ لَا غَيْرُهُ الْحَدَّ) أَيْ عِنْدَ الْقَذْفِ (قَوْلُهُ: وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ)
وَإِنْ لَمْ يَقْذِفْ.
(وَ) يُحَدُّ (مَنْ فِيهِ رِقٌّ) ، وَلَوْ مُبَعَّضًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ (أَرْبَعِينَ) جَلْدَةً عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَالنَّظَرُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ إلَى حَالَةِ الْقَذْفِ لِتَقَرُّرِ الْوَاجِبِ حِينَئِذٍ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِالِانْتِقَالِ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ (، وَلَا يُحَدُّ أَصْلُ الْفَرْعِ) ، وَإِنْ سَفَلَ كَمَا لَا يُقَادُ بِهِ (وَإِنْ اسْتَحَقَّهُ) أَيْ الْفَرْعُ الْحَدَّ (بِإِرْثٍ) كَأَنْ وَرِثَ مِنْ أُمِّهِ حَدَّ قَذْفٍ عَلَى أَبِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَحُدُّهُ وَخَرَجَ بِالْحَدِّ التَّعْزِيرُ فَيَلْزَمُ الْأَصْلُ لِلْأَذَى كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ (وَيُعَزَّرُ بِهِ) أَيْ بِالْقَذْفِ (صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ مَيَّزَا) لِلزَّجْرِ وَالتَّأْدِيبِ.
(فَرْعٌ: هُوَ) أَيْ حَدُّ الْقَذْفِ (حَقُّ آدَمِيٍّ، وَقَدْ يُشْبِهُ الْحَدَّ) وَفِي نُسْخَةٍ وَفِيهِ شِبْهُ الْحَدِّ (مِنْ حَيْثُ إنَّهُ) أَيْ الْمَقْذُوفَ (لَوْ اسْتَوْفَاهُ) بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ سَيِّدَ الْقَاذِفِ (لَمْ يُجْزِهِ) ، وَإِنْ إذَنْ لَهُ الْقَاذِفُ كَجَلْدِ الزِّنَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَوَاقِعَ الْجَلَدَاتِ وَالْإِيلَامِ بِهَا مُخْتَلِفٌ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْ الْحَيْفِ فِيهَا (بِخِلَافِ الْمُقْتَصِّ) لَوْ اسْتَوْفَى قِصَاصَهُ بِنَفْسِهِ وَبِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ زَانِيًا مُحْصَنًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ وَاسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ مَعَ مَسْأَلَةِ السَّيِّدِ السَّابِقَةِ مَا لَوْ قَذَفَهُ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْإِمَامِ وَاسْتَوْفَى مِنْهُ بِلَا مُجَاوَزَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَى أَخْذِهِ إذَا مُنِعَ مِنْهُ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّشْبِيهِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ بِالْبَلَدِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِقَذْفِهِ وَلِقَاذِفٍ يَجْحَدُ وَيَحْلِفُ (وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَشَطَّرُ بِالرِّقِّ) كَمَا مَرَّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقًّا لِلْآدَمِيِّ (وَ) الْمُغَلَّبُ (فِيهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ) إنَّمَا (يُسْتَوْفَى بِطَلَبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَضَرِّرُ بِإِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ (وَيَسْقُطُ بِإِذْنِهِ) لِلْقَاذِفِ فِي الْقَذْفِ كَمَا فِي الْقَوَدِ (وَبِعَفْوِهِ) عَنْهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ (لَا) بِعَفْوِهِ (بِمَالٍ) فَلَا يُسْقِطُ هَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ، وَهُوَ مَا صَوَّبَهُ الْبُلْقِينِيُّ فَارِقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ مِنْ الشُّفْعَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِأَنَّ التَّأْخِيرَ هُنَا لَا يَقْتَضِي إبْطَالَهُ بِخِلَافِهِ ثَمَّ وَالْأَوْجَهُ مَا أَفْتَى بِهِ الْحَنَّاطِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ الْمُلَقَّنِ، وَأَقَرَّهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ لِلْعَفْوِ عَنْهُ لَكِنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَالَ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
(فَصْلٌ) لَوْ (شَهِدَ بِالزِّنَا لَا الْإِقْرَارُ بِهِ دُونَ أَرْبَعَةٍ حُدُّوا) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَلَدَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالزِّنَا، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلِئَلَّا يَتَّخِذَ صُورَةَ الشَّهَادَةِ ذَرِيعَةً إلَى الْوَقِيعَةِ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِالْإِقْرَارِ بِهِ إذْ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ أَقْرَرْت بِأَنَّك زَنَيْت، وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الْقَذْفِ (لَا) إنْ شَهِدَ بِهِ (أَرْبَعَةٌ) فَلَا يُحَدُّونَ (وَلَوْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ بِفِسْقٍ مَقْطُوعٍ بِهِ) كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَفَارَقَ مَا مَرَّ بِأَنَّ نَقْصَ الْعَدَدِ مُتَيَقَّنٌ وَفِسْقُهُمْ إنَّمَا يُعْرَفُ بِالظَّنِّ وَالِاجْتِهَادِ وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ رَدِّ شَهَادَتِهِمْ بِفِسْقٍ وَرَدِّهَا بِغَيْرِهِ كَعَدَاوَةٍ، وَلَا فِي الْفِسْقِ بَيْنَ الْمَقْطُوعِ بِهِ وَالْمُجْتَهَدِ فِيهِ كَشُرْبِ النَّبِيذِ.
(وَيُحَدُّ الْقَاذِفُ) لِمَنْ شَهِدَتْ الْأَرْبَعَةُ بِزِنَاهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الزِّنَا، وَلَا مُعَارِضَ.
(ثُمَّ الزَّوْجُ) إنْ شَهِدَ بِزِنَا زَوْجَتِهِ (قَاذِفٌ لَهَا لَا شَاهِدٌ) فَيَلْزَمُهُ حَدُّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ بِزِنَاهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لِلتُّهْمَةِ (وَإِنْ شَهِدَ) عَلَيْهَا (مَعَ دُونِ أَرْبَعَةٍ حُدُّوا) ؛ لِأَنَّهُمْ قَذَفَةٌ (كَنِسَاءٍ، وَعَبِيدٍ وَذِمِّيِّينَ) شَهِدُوا بِزِنَا امْرَأَةٍ فَإِنَّهُمْ يُحَدُّونَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَقْصِدُوا إلَّا الْعَارَ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ شُهُودٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ.
(وَإِنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ) فَأَقَلُّ بِالزِّنَا (فَحُدُّوا، وَأَعَادُوهَا مَعَ رَابِعٍ لَمْ تُقْبَلْ) شَهَادَتُهُمْ كَالْفَاسِقِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ ثُمَّ يَتُوبُ وَيُعِيدُهَا لَا تُقْبَلُ (أَوْ) شَهِدَ لَهُ (عَبِيدٌ) وَحُدُّوا (فَأَعَادُوهَا بَعْدَ الْعِتْقِ قُبِلَتْ) لِعَدَمِ اتِّهَامِهِمْ.
(وَإِنْ شَهِدَ) بِهِ (خَمْسَةٌ فَرَجَعَ وَاحِدٌ) مِنْهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِ (لَمْ يُحَدَّ) لِبَقَاءِ
[حاشية الرملي الكبير]
وَلِأَنَّ الْقَذْفَ بِالزِّنَا أَقَلُّ مِنْ الزِّنَا فَكَانَ أَقَلَّ حَدًّا مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَيُعَزَّرُ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ مَيَّزَا) ، وَلَوْ لَمْ يُتَّفَقْ تَعْزِيرُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ عَلَى الْقَذْفِ حَتَّى بَلَغَ سَقَطَ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالْقِيَاسُ مِثْلُهُ فِي الْمَجْنُونِ الَّذِي لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ إذَا أَفَاقَ.
[فَرْعٌ حَدُّ الْقَذْفِ حَقُّ آدَمِيٍّ]
(قَوْلُهُ: لَوْ اسْتَوْفَاهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُجْزِهِ ثُمَّ لَا يُحَدُّ حَتَّى يَبْرَأَ) فَلَوْ مَاتَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ إنْ اسْتَقَلَّ بِالِاسْتِيفَاءِ فَإِنْ كَانَ بِالْإِذْنِ فَلَا قِصَاصَ، وَكَذَا لَا دِيَةَ فِي الْأَظْهَرِ (قَوْلُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّشْبِيهِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: لَا بِعَفْوِهِ بِمَالٍ، وَهُوَ جَاهِلٌ) بِبُطْلَانِ الصُّلْحِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا صَوَّبَهُ الْبُلْقِينِيُّ) عِبَارَتُهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِسُقُوطِ حَدِّ الْقَذْفِ بِهَذِهِ الْمُصَالَحَةِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ، وَإِنْ عَلِمَ فَسَادَهَا بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْحَقِّ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَقْتَضِي إبْطَالَهُ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ مَا أَفْتَى بِهِ الْحَنَّاطِيُّ) الْأَوْجَهُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَنْ جَهِلَ بُطْلَانَ الْعَفْوِ بِمَالٍ، وَكَلَامُ الْحَنَّاطِيِّ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فَسَاوَى النَّظِيرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْحَنَّاطِيِّ عَلَى مَا إذَا عَلِمَ فَسَادَ الصُّلْحِ (قَوْلُهُ: كَمَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ) ، وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَّلِ بَابِ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ.
[فَصْلٌ شَهِدَ بِالزِّنَا لَا الْإِقْرَارُ بِهِ دُونَ أَرْبَعَةٍ]
(قَوْلُهُ: لَوْ شَهِدَ بِالزِّنَا لَا بِالْإِقْرَارِ بِهِ دُونَ أَرْبَعَةٍ حُدُّوا) بِخِلَافِ شَاهِدِ الْجُرْحِ بِالزِّنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِقَاذِفٍ، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ كِفَايَةً أَوْ عَيْنًا، وَكَتَبَ أَيْضًا هَلْ يَجِبُ عَلَى الرَّابِعِ الشَّهَادَةُ لِدَفْعِ الْحَدِّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالزِّنَا مُحْصَنًا لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّ حَدَّ ثَلَاثَةٍ أَيْسَرُ مِنْ قَتْلِ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ لَزِمَهُ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ حَدَّ وَاحِدٍ أَوْلَى مِنْ الثَّلَاثَةِ كَذَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ، قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَفِيهِ نَظَرٌ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى (قَوْلُهُ: لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَلَدَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ إلَخْ) الْجَوَابُ عَنْ قِصَّةِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى نِكَاحَ السِّرِّ وَفَعَلَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ يَتَبَسَّمُ عِنْدَ شَهَادَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنِّي أَعْجَبُ مِمَّا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَهُ بَعْدَ شَهَادَتِهِمْ فَقِيلَ وَمَا تَفْعَلُ، قَالَ أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا زَوْجَتِي
(قَوْلُهُ: وَإِذَا شَهِدَ ثَلَاثَةٌ فَحُدُّوا، وَأَعَادُوهَا مَعَ رَابِعٍ لَمْ تُقْبَلْ) حَيْثُ حُدُّوا لِنَقْصِ الْعَدَدِ أَوْ الْوَصْفِ فَأَعَادُوهَا فَالْقِيَاسُ قَبُولُهَا مِمَّنْ لَوْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ فِي الْحَالِ ثُمَّ أَعَادَهَا لَقُبِلَتْ دُونَ غَيْرِهِ.
(تَنْبِيهٌ) وَإِذَا جُلِدَ رَجُلٌ بِالزِّنَا أَوْ الْقَذْفِ أَوْ غَيْرِهِمَا حَرُمَ أَنْ تُرْبَطَ يَدَاهُ أَوْ رِجْلَاهُ وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ ضَرْبُ وَجْهِهِ وَخَوَاصِرِهِ، وَقَرِيبٍ مِنْ ذَكَرِهِ وَأُنْثَيَيْهِ وَيُضْرَبُ قَائِمًا وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً مَسْتُورَةً بِثَوْبٍ
النِّصَابِ (أَوْ) رَجَعَ (اثْنَانِ) مِنْهُمْ (حُدَّا) ؛ لِأَنَّهُمَا أَلْحَقَا بِهِ الْعَارَ (دُونَ الْبَاقِينَ) لِتَمَامِ النِّصَابِ مَعَ عَدَمِ تَقْصِيرِهِمْ (وَكَذَا لَوْ رَجَعَ وَاحِدٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ حُدَّ وَحْدَهُ) سَوَاءٌ أَرَجَعَ بَعْدَ حُكْمِ الْقَاضِي بِالشَّهَادَةِ أَمْ قَبْلَهُ، وَلَوْ رَجَعَ الْأَرْبَعَةُ حُدُّوا؛ لِأَنَّهُمْ أَلْحَقُوا بِهِ الْعَارَ سَوَاءٌ تَعَمَّدُوا أَمْ أَخْطَئُوا؛ لِأَنَّهُمْ فَرَّطُوا فِي تَرْكِ التَّثَبُّتِ، صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ، وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ اكْتِفَاءً بِذِكْرِهِ لَهُ كَأَصْلِهِ فِي الشَّهَادَاتِ.
[كِتَابٌ السَّرِقَةُ]
[الْبَاب الْأَوَّلُ فِيمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ]
(كِتَابٌ) (السَّرِقَةُ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا مَعَ فَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا وَيُقَالُ أَيْضًا السَّرِقُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسَرَقَ مِنْهُ مَالًا يَسْرِقُ سَرَقًا بِالْفَتْحِ وَرُبَّمَا قَالُوا سَرَقَهُ مَالًا وَالْأَصْلُ فِي الْقَطْعِ بِهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] وَغَيْرُهُ مِمَّا يَأْتِي.
وَهِيَ لُغَةً أَخْذُ الْمَالِ خُفْيَةً وَشَرْعًا أَخْذُهُ خُفْيَةً مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ بِشُرُوطٍ تَأْتِي (وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ فِيمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ) وَهُوَ السَّرِقَةُ (وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ)
مَسْرُوقٌ وَسَرِقَةٌ وَسَارِقٌ (الْأَوَّلُ الْمَسْرُوقُ وَلَهُ سِتَّةُ شُرُوطٍ الْأَوَّلُ النِّصَابُ) وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ أَوْ مَا يُقَوَّمُ بِهِ (فَيُقْطَعُ بِرُبْعِ دِينَارٍ وَهُوَ) أَيْ الدِّينَارُ الْمَضْرُوبُ وَوَصَفَ الدِّينَارَ بِقَوْلِهِ (خَالِصٌ) أَيْ فَيُقْطَعُ بِرُبْعِ دِينَارٍ خَالِصٍ (أَوْ مَغْشُوشٍ خَالِصُهُ نِصَابٌ وَإِنْ كَانَ) الرُّبْعُ (لِجَمَاعَةٍ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا وَالدِّينَارُ الْمِثْقَالُ» وَقِيسَ بِالرُّبْعِ مَا يُسَاوِيهِ فِي الْقِيمَةِ حَالَ السَّرِقَةِ سَوَاءٌ أَكَانَ دَرَاهِمَ أَمْ لَا فَلَوْ سَرَقَ شَيْئًا يُسَاوِي رُبْعَ مِثْقَالٍ مِنْ غَيْرِ الْمَضْرُوبِ كَسَبِيكَةٍ وَحُلِيٍّ وَلَا يَبْلُغُ رُبْعًا مَضْرُوبًا أَوْ بِالْعَكْسِ فَلَا قَطْعَ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (لَا سَبِيكَةٍ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى رُبْعِ (تَنْقُصُ قِيمَتُهُ) عَنْ رُبْعِ دِينَارٍ وَإِنْ كَمُلَتْ وَزْنًا نَظَرًا إلَى الْقِيمَةِ فِيمَا هُوَ كَالْعَرْضِ، وَغَيْرُ السَّبِيكَةِ مِنْ حُلِيٍّ وَنَحْوِهِ مِثْلُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَ) لَا (خَاتَمٍ يَنْقُصُ وَزْنًا وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ) نَظَرًا إلَى الْوَزْنِ وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيِّ إنَّهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا فِي تَصْحِيحِ عَدَمِ الْقَطْعِ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ وَالْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْوَزْنِ أَوْ بِالْقِيمَةِ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ لَيْسَ بِغَلَطٍ بَلْ هُوَ فِقْهٌ مُسْتَقِيمٌ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فَإِنَّ الْوَزْنَ فِي الذَّهَبِ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهَلْ يُعْتَبَرُ مَعَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَضْرُوبًا أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ رُبْعَ دِينَارٍ وَمَضْرُوبٌ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي السَّبِيكَةِ فَأَمَّا إذَا نَقَصَ الْوَزْنُ وَلَكِنْ قِيمَتُهُ تُسَاوِي رُبْعَ دِينَارٍ مَضْرُوبٍ فَهَذَا يَضْعُفُ فِيهِ الِاكْتِفَاءُ بِالْقِيمَةِ فَاسْتَقَامَ مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِيهِ إلْبَاسٌ وَكَانَ اللَّائِقُ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ انْتَهَى وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ النَّظَرِ إلَى الْوَزْنِ وَالْقِيمَةِ مَعًا (وَغَيْرُ ذَلِكَ) مِنْ الْعُرُوضِ وَالدَّرَاهِمِ (يُقَوَّمُ بِذَهَبٍ) أَيْ بِدَنَانِيرَ نَعَمْ إنْ لَمْ تُعْرَفْ قِيمَتُهُ بِالدَّنَانِيرِ قُوِّمَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ قُوِّمَتْ الدَّرَاهِمُ بِالدَّنَانِيرِ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَكَانَ السَّرِقَةِ دَنَانِيرُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فَالْمُتَّجَهُ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ سَبِيكَةَ الذَّهَبِ تُقَوَّمُ بِالدَّنَانِيرِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَقْوِيمُ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ خِلَافًا لِلدَّارِمِيِّ فِي قَوْلِهِ تُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ يُقَوِّمُ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ وَلْيَكُنْ التَّقْوِيمُ بِالدَّنَانِيرِ (تَقْوِيمَ قَطْعٍ) مِنْ الْمُقَوِّمِينَ (لَا) تَقْوِيمَ (اجْتِهَادٍ) مِنْهُمْ (لِلْحَدِّ) أَيْ لِأَجْلِهِ فَلَا بُدَّ لِأَجْلِهِ مِنْ الْقَطْعِ بِذَلِكَ، فَلَوْ قَالُوا: نَظُنُّ أَنَّهُ يُسَاوِي رُبْعًا لَمْ يُحَدَّ بِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْغَزَالِيُّ مَعَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ إلَّا بِالْقَطْعِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَنَدُهَا الظَّنُّ، وَ (يُرَاعَى) فِي الْقِيمَةِ (الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ) لِاخْتِلَافِهَا بِهِمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْحِجَازِ أَوْ قِيمَةُ عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(وَيُعْمَلُ) فِي دَعْوَى السَّرِقَةِ (إنْ اخْتَلَفَتْ بَيِّنَتَانِ بِالْأَقَلِّ) مِنْ الْقِيمَتَانِ (لِلْقَطْعِ) بَلْ وَلِلْمَالِ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِأَنَّهُ نِصَابٌ وَقَوَّمَهُ آخَرَانِ بِدُونِهِ فَلَا قَطْعَ وَيُؤْخَذُ فِي الْغُرْمِ بِالْأَقَلِّ (وَلَهُ الْحَلِفُ) فِيمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِسَرِقَةٍ فَقَوَّمَ أَحَدُهُمَا الْمَسْرُوقَ نِصَابًا وَالْآخَرُ دُونَهُ (مَعَ شَاهِدِ الْأَكْثَرِ لِلْمَالِ وَيُقْطَعُ بِدِينَارٍ) أَيْ بِسَرِقَةِ دِينَارٍ (ظَنَّهُ فَلْسًا) لِأَنَّهُ قَصَدَ سَرِقَةَ عَيْنِهِ وَلَا أَثَرَ لِظَنِّهِ وَلِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا
[حاشية الرملي الكبير]
كِتَابُ السَّرِقَةِ) (قَوْلُهُ بِفَتْحِ السِّينِ إلَخْ) وَيَتَعَدَّى بِالضَّمِيرِ وَاللَّامِ وَمِنْ كَالْهِبَةِ (قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ فِي الْقَطْعِ بِهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى إلَخْ) وَتَظَافَرَتْ الْأَحَادِيثُ عَلَيْهِ وَحِكْمَتُهُ صِيَانَةُ الْمَالِ عَنْ إتْلَافِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَلِهَذَا لَمْ يَقْطَعْ فِي الْغَصْبِ لِظُهُورِهِ قَالَ الْمُلْحِدُ يَدٌ بِخَمْسِ مُئِينَ عَسْجَدٍ ... وُدِيَتْ مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارٍ أَجَابَهُ السُّنِّيُّ صِيَانَةُ النَّفْسِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا ... خِيَانَةُ الْمَالِ فَانْظُرْ حِكْمَةَ الْبَارِي (قَوْلُهُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ» إلَخْ) وَخَبَرُ الْبُخَارِيِّ «تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا أَوْ مَا قِيمَتُهُ رُبْعُ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» (قَوْلُهُ لَا سَبِيكَةٍ) مِثْلُ السَّبِيكَةِ مَطْبُوعٌ لَا يُتَعَامَلُ بِهِ إذَا نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ قِيمَةِ الْمَطْبُوعِ الرَّائِجِ (قَوْلُهُ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ) وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْخَادِمِ (قَوْلُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ يُقَوَّمُ بِذَهَبٍ) لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ مِنْ الذَّهَبِ الْخَالِصِ وَأَحَدُهُمَا أَغْلَى ثَمَنًا قُوِّمَ بِالْأَغْلَبِ زَمَنَ السَّرِقَةِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فَهَلْ يُقَوَّمُ بِالْأَغْلَى دَرْءً لِلْقَطْعِ أَمْ بِالْأَرْدَأِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ شَيْخُنَا أَوْجَهُهُمَا أَوَّلُهُمَا كا وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ خَالِصَانِ مِنْ الذَّهَبِ، وَأَحَدُهُمَا أَعْلَى قِيمَةً مِنْ الْآخَرِ اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ بِالْأَغْلَبِ مِنْ دَنَانِيرِ الْبَلَدِ فِي زَمَانِ السَّرِقَةِ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَبِأَيِّهِمَا يُقَوَّمُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا بِالْأَدْنَى اعْتِبَارًا بِعُمُومِ الظَّاهِرِ وَالثَّانِي بِالْأَعْلَى دَرْءً لِلْقَطْعِ بِالشُّبْهَةِ وَقَوْلُهُ وَالثَّانِي أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ نَعَمْ إنْ لَمْ تُعْرَفْ قِيمَتُهُ بِالدَّنَانِيرِ قُوِّمَ بِالدَّرَاهِمِ إلَخْ) قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: وَالتَّقْوِيمُ بِالذَّهَبِ حَيْثُ كَانَ هُوَ غَالِبَ نَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ دَرَاهِمَ فَيُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ الدَّرَاهِمُ بِالذَّهَبِ (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فَالْمُتَّجَهُ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ سَبِيكَةَ الذَّهَبِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيُرَاعَى الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ) أَيْ زَمَنُ إخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ
مِنْ حِرْزِهِ بِقَصْدِ السَّرِقَةِ، وَالْجَهْلُ بِجِنْسِ الْمَسْرُوقِ وَقَدْرِهِ لَا يُؤَثِّرُ كَالْجَهْلِ بِصِفَتِهِ (وَكَذَا) يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ (ظَرْفٍ ظَنَّهُ فَارِغًا) ، فَلَوْ سَرَقَ ثَوْبًا خَسِيسًا وَفِي جَيْبِهِ رُبْعُ دِينَارٍ أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ نِصَابًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْحَالِ وَجَبَ الْقَطْعُ لِذَلِكَ (وَلَوْ أَخْرَجَ النِّصَابَ) مِنْ حِرْزِهِ (دَفَعَاتٍ قُطِعَ) وَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا اطِّلَاعُ الْمَالِكِ وَإِهْمَالُ إعَادَةِ الْحِرْزِ أَوْ اُشْتُهِرَ هَتْكُهُ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ هَتَكَهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَكَمَا لَوْ طَرَّ جَيْبَ إنْسَانٍ وَأَخَذَ مِنْهُ دِرْهَمًا فَدِرْهَمًا، وَلِأَنَّ فِعْلَ الشَّخْصِ مَبْنِيٌّ عَلَى فِعْلِهِ وَلِهَذَا لَوْ جَرَحَ ثُمَّ قَتَلَ دَخَلَ الْأَرْشُ فِي دِيَةِ النَّفْسِ بِخِلَافِ فِعْلِ غَيْرِهِ (لَا إنْ تَخَلَّلَ اطِّلَاعٌ) مِنْ الْمَالِكِ (أَوْ إحْرَازٌ) مِنْهُ صَوَابُهُ الْمُوَافِقُ لِأَصْلِهِ وَإِحْرَازٌ لِلْمَسْرُوقِ وَلَوْ بِإِعَادَةِ الْحِرْزِ فَلَا قَطْعَ، وَالْمَأْخُوذُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ سَرِقَةٌ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ نِصَابًا قُطِعَ أَوْ دُونَهُ فَلَا لِانْفِصَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَنْ الْأُخْرَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِأَوْ مُوَافَقَةً لِلْبُلْقِينِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ فِي أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِيمَا إذَا تَخَلَّلَ أَحَدُهَا فَقَطْ (وَلَوْ فَتَحَ وِعَاءً أَوْ طَرَّ) أَيْ قَطَعَ (جَيْبًا فَانْثَالَ) بِالْمُثَلَّثَةِ؛ أَيْ انْصَبَّ مِمَّا فِيهِ مِنْ بُرٍّ أَوْ غَيْرِهِ (نِصَابٌ وَلَوْ شَيْئًا فَشَيْئًا قُطِعَ) وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ بِيَدِهِ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ هَتَكَ الْحِرْزَ وَأَخْرَجَ مِنْهُ نِصَابًا وَقَوْلُهُ أَوْ طَرَّ جَيْبًا دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهُ (وَإِنْ أَخْرَجَ) بَعْضَ (ثَوْبٍ) مَثَلًا (مِنْ حِرْزٍ) وَتَرَكَ بَاقِيَةً فِيهِ (لَمْ يُقْطَعْ وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ الْبَعْضِ الْمُخْرَجِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ وَاحِدٌ وَلَمْ يَتِمَّ إخْرَاجُهُ وَلِذَلِكَ لَوْ كَانَ طَرَفُ عِمَامَةِ الْمُصَلِّي عَلَى نَجَاسَةٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَتَعْبِيرُهُ بِالْبَعْضِ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالنِّصْفِ (وَلَوْ جَمَعَ نِصَابًا مِنْ بَذْرِ أَرْضٍ مُحْرَزَةٍ) كَأَنْ تَكُونَ بِجَنْبِ الْمَزَارِعِ (قُطِعَ) وَلَا يُقْبَلُ مَوْضِعَ كُلِّ حَبَّةٍ حِرْزٌ خَاصٌّ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ النِّصَابَ مِنْ حِرْزَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُعَدُّ بُقْعَةً وَاحِدَةً، وَالْبَذْرُ فِيهَا كَأَمْتِعَةٍ فِي أَطْرَافِ الْبَيْتِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ مُحْرَزَةً لَمْ يُقْطَعْ
(وَلَا يُقْطَعُ الْمُشْتَرَكَانِ فِي الْإِخْرَاجِ) مِنْ حِرْزٍ (بِدُونِ نِصَابٍ) بَيِّنٍ أَيْ بِسَرِقَتِهِ وَيُقْطَعَانِ بِسَرِقَةِ نِصَابَيْنِ تَوْزِيعًا لِلْمَسْرُوقِ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ فِي الشِّقَّيْنِ وَقَيَّدَ الْقَمُولِيُّ الشِّقَّ الثَّانِيَ بِمَا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُطِيقُ حَمْلَ مَا يُسَاوِي نِصَابًا أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يُطِيقُ ذَلِكَ، وَالْآخَرُ يُطِيقُ حَمْلَ مَا فَوْقَهُ فَلَا يُقْطَعُ الْأَوَّلُ وَخَرَجَ بِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِخْرَاجِ مَا لَوْ تَمَيَّزَا فِيهِ فَيُقْطَعُ مَنْ مَسْرُوقُهُ نِصَابٌ دُونَ مَنْ مَسْرُوقُهُ أَقَلُّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ، وَالظَّاهِرُ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلًّا، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا لَا يُمَيِّزُ فَيُقْطَعُ الْمُكَلَّفُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُخْرَجُ نِصَابَيْنِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ كَآلَةٍ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ الْمُكَلَّفُ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ (وَإِنْ أَخَذَ نِصَابًا) مِنْ حِرْزٍ (وَأَتْلَفَ بَعْضَهُ فِي الْحِرْزِ) بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَمْ يُقْطَعْ) ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لَا سَرِقَةٌ
(الشَّرْطُ الثَّانِي كَوْنُهُ) أَيْ الْمَسْرُوقِ (مِلْكَ الْغَيْرِ فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ) الَّذِي بِيَدِ غَيْرِهِ (وَإِنْ كَانَ مَرْهُونًا وَلَا بِمَا سَرَقَهُ مَعَ مَالِهِ) أَوْ وَجَدَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (مِنْ حِرْزِ غَاصِبٍ) لِمَالِهِ الَّذِي وُضِعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ دُخُولَ الْحِرْزِ وَهَتْكَهُ لِأَخْذِ مَالِهِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ يُقْطَعُ بِذَلِكَ وَلَوْ سَرَقَهُ مَعَ الْمَغْصُوبِ (لَا) بِمَا سَرَقَهُ وَلَوْ مَعَ مَالِهِ (مِمَّنْ) أَيْ مِنْ حِرْزِ مَنْ (يَدُهُ) عَلَيْهِ (بِحَقٍّ) كَمِلْكٍ وَإِجَارَةٍ وَإِعَارَةٍ أَيْ فَيُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيمَا سَرَقَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ مِمَّنْ يَدُهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَغَصْبٍ سَوَاءٌ أَسَرَقَهُ مِنْهُ مَالِكُ الْحِرْزِ أَمْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حِرْزًا لِغَاصِبِهِ وَلِمَالِكِهِ دُخُولُهُ وَذِكْرُ هَذِهِ هُنَا مِنْ زِيَادَتِهِ وَسَتَأْتِي مَعَ زِيَادَةٍ (وَلَوْ سَرَقَ مَا اشْتَرَاهُ) مِنْ يَدِ الْبَائِعِ (وَلَوْ قَبْلَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ) أَوْ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ (أَوْ) سَرَقَ (مَا اتَّهَبَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يُقْطَعْ) فِيهِمَا لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ وَكَذَا لَوْ سَرَقَ مَا اشْتَرَاهُ مَالًا آخَرَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (أَوْ) سَرَقَ شَخْصٌ (الْمُوصَى لَهُ بِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ) أَيْ مَوْتِ الْمُوصِي (وَكَذَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَجَبَ الْقَطْعُ لِذَلِكَ) لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ عَلَى قَطْعِ السَّرِقَةِ.
وَالْجَهْلُ بِجِنْسِ الْمَسْرُوقِ وَقَدْرِهِ لَا يُؤَثِّرُ كَالْجَهْلِ بِصِفَتِهِ (قَوْلُهُ أَوْ اُشْتُهِرَ هَتْكُهُ) بِأَنْ عَلِمَ بِهِ الْمَالِكُ وَالنَّاسُ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ فِعْلَ الْإِنْسَانِ يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِهِ) قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ إذَا أَخَذَ نِصْفَ نِصَابٍ مِنْ حِرْزٍ وَنِصْفَهُ مِنْ آخَرَ فَلَا قَطْعَ إلَّا أَنْ يَكُونَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ اهـ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقَطْعِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ رَأْيٌ مَرْجُوحٌ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَهُ مِنْ حِرْزَيْنِ وَكَانَ نِصَابًا لَا قَطْعَ (قَوْلُهُ أَوْ إحْرَازٌ مِنْهُ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَا خَفَاءَ أَنَّ كُلَّ مُحْرَزٍ بِحَقٍّ كَالْمَالِكِ (قَوْلُهُ صَوَابُهُ الْمُوَافِقُ لِأَصْلِهِ وَإِحْرَازٌ) هُوَ كَذَلِكَ فِي نُسْخَةٍ فَأَوْ فِي النُّسْخَةِ الْأُولَى بِمَعْنَى الْوَاوِ
(قَوْلُهُ وَقَيَّدَ الْقَمُولِيُّ الشِّقَّ الثَّانِيَ إلَخْ) هَذَا مَمْنُوعٌ لِثُبُوتِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي إخْرَاجِهِ فَهُمَا مُتَنَاصِفَانِ فِيهِ وَلَا نَظَرَ إلَى الْإِطَاقَةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلًّا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ غَيْرَهُ كَالْآلَةِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إذَا كَانَ قَدْ أَمَرَهُ بِهِ أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ الْمُكَلَّفُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ مَعَ مَالِهِ) أَيْ مُصَاحِبًا لَهُ فِي ذَلِكَ الْحِرْزِ فَيَشْمَلُ مَا إذَا سَرَقَهُ وَحْدَهُ (قَوْلُهُ أَوْ وَحْدَهُ) كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ لَوْ غَصَبَ مَالًا أَوْ سَرَقَهُ وَوَضَعَهُ فِي حِرْزِهِ فَجَاءَ مَالِكُ الْمَالِ وَسَرَقَ مِنْ ذَلِكَ الْحِرْزِ مَالًا لِلْغَاصِبِ أَوْ السَّارِقِ فَلَا قَطْعَ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ مَعَ مَالِهِ نِصَابًا قُطِعَ مَعَ أَنَّ الْحِرْزَ لِلْمَالِكِ هُتِكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ هَتْكُهُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ أَخَذَ مِلْكَهُ وَأَمَّا فِي الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ فَإِنَّ لَهُ هَتْكَ الْحِرْزِ فَلِهَذَا لَمْ يُقْطَعْ بِأَخْذِ غَيْرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ فَيَرُدُّ عَلَى هَذَا مَا ذُكِرَ فِي صُورَةِ الدَّيْنِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ زِيَادَةً نِصَابًا لَا قَطْعَ عَلَى الْأَصَحِّ وَجَوَابُهُ أَنَّ السَّرِقَةَ فِي صُورَةِ الدَّيْنِ لَا تَقَعُ إلَّا نَابِعَةً بِخِلَافِ صُورَةِ الْمُسْتَأْجِرِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِأَصْلِهِ فِي صُورَةِ الْمُشْتَرِي سَرَقَ مَعَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مَالًا آخَرَ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْدَ أَدَاءِ الثَّمَنِ فَلَا قَطْعَ عَلَى الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ) مِثْلُهُ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا (قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ) لِأَنَّ لَهُ دُخُولَ الْحِرْزِ وَهَتْكَهُ لِأَخْذِ مَالِهِ فَالْمَسْرُوقُ غَيْرُ مُحْرَزٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَقَوْلُ الْبُلْقِينِيِّ الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ مَمْنُوعٌ
الْقَبُولِ قُطِعَ) فِيهِمَا.
أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ الْقَبُولَ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالْوَصِيَّةِ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا لَا يَحْصُلُ بِالْمَوْتِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَأَطْلَقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبِنَاءٍ وَهُوَ أَقْرَبُ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ بِالْمَوْتِ وَالرَّافِعِيُّ تَبِعَ فِي الْبِنَاءِ الْبَغَوِيّ وَأَحْسَنَ الْخُوَارِزْمِيَّ فَصَحِيحٌ عَدَمُ الْقَطْعِ انْتَهَى، وَعَدَمُ الْقَطْعِ أَوْجَهُ وَإِلَّا أَشْكَلَ بِعَدَمِ الْقَطْعِ بِسَرِقَةِ مَا اتَّهَبَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْقَبُولَ وُجِدَ ثَمَّ وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا لَا يُجْدِي (لَا) إنْ سَرَقَ الْمُوصَى بِهِ (فَقِيرٌ) بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي (وَالْوَصِيَّةُ لِلْفُقَرَاءِ) فَلَا يُقْطَعُ كَسَرِقَةِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَهُ الْغَنِيُّ (وَلَوْ ادَّعَى الْمِلْكَ) أَيْ أَنَّهُ مَالِكٌ (لِمَا سَرَقَهُ أَوْ لِلْحِرْزِ أَوْ لِلْمَالِكِ) لِمَا سَرَقَهُ (وَهُوَ مَجْهُولٌ) نَسَبًا (أَوْ أَنَّهُ أَخَذَهُ) مِنْ الْحِرْزِ (بِإِذْنِهِ أَوْ) أَنَّهُ أَخَذَهُ (وَالْحِرْزُ مَفْتُوحٌ) أَوْ وَصَاحِبُهُ مُعْرِضٌ عَنْ الْمُلَاحَظَةِ (أَوْ أَنَّهُ دُونَ النِّصَابِ سَقَطَ) عَنْهُ (الْقَطْعُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ) وَإِنْ ثَبَتَتْ السَّرِقَةُ بِالْبَيِّنَةِ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ فَصَارَ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْقَطْعِ وَلِأَنَّهُ صَارَ خَصْمًا فِي الْمَالِ وَسُمِّيَ هَذَا السَّارِقُ الظَّرِيفَ (وَلَا يَسْتَفْصِلُ) بَعْدَ ثُبُوتِ السَّرِقَةِ عَنْ كَوْنِ الْمَسْرُوقِ مِلْكَهُ أَوْ لَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ سَعْيٌ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إغْرَاءٌ لَهُ بِادِّعَاءِ الْبَاطِلِ (وَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْمَالُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ) لَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ (فَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ (لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ) لِسُقُوطِهِ بِالشُّبْهَةِ
(وَإِنْ ادَّعَى) مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِزِنَا امْرَأَةٍ (أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ زَوْجَتُهُ) أَوْ أَمَتُهُ (سَقَطَ) عَنْهُ (الْحَدُّ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ (وَإِنْ قَالَ أَحَدُ السَّارِقِينَ: الْمَالُ لِصَاحِبِي وَأَذِنَ لِي) فِي الْأَخْذِ مِنْهُ (لَمْ يُقْطَعْ) لِذَلِكَ (فَلَوْ أَنْكَرَ صَاحِبُهُ) أَنَّ الْمَالَ لَهُ (قُطِعَ الْمُنْكِرُ) ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِسَرِقَةِ نِصَابٍ بِلَا شُبْهَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ صَدَّقَهُ أَوْ سَكَتَ أَوْ قَالَ لَا أَدْرِي (وَلَوْ سَرَقَ عَبْدٌ) نِصَابًا (وَادَّعَاهُ) أَيْ أَنَّ مَا سَرَقَهُ مِلْكٌ (لِسَيِّدِهِ لَمْ يُقْطَعْ وَإِنْ كَذَّبَهُ سَيِّدُهُ) كَالْحُرِّ يَدَّعِي الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ
[فَرْعٌ مَلَكَ مَا سَرَقَهُ بَعْدَ ثُبُوتِ السَّرِقَةِ]
(فَرْعٌ) لَوْ (مَلَكَ مَا سَرَقَهُ بَعْدَ ثُبُوتِ السَّرِقَةِ قُطِعَ أَوْ قَبْلَهُ) وَلَوْ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ وَقَبْلَ الرَّفْعِ إلَى الْحَاكِمِ (تَعَذَّرَ الْقَطْعُ لِعَدَمِ الْمُطَالِبِ) بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الْقَطْعَ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَعْوَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَمُطَالَبَتِهِ
(الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ) الْمَسْرُوقُ (مُحْتَرَمًا فَلَا يُقْطَعُ) وَلَوْ ذِمِّيًّا (بِخَمْرٍ وَكَلْبٍ) وَلَوْ مُحْتَرَمَيْنِ (وَجِلْدُ مَيْتَةٍ لَمْ يُدْبَغْ) وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ عُلِمَ مِنْ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا يَكُونُ نِصَابًا عَلَى أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ مَالًا مُحْتَرَمًا لِيَخْرُجَ بِالْمَالِ مَا ذُكِرَ وَبِالْمُحْتَرَمِ غَيْرُهُ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ (وَيُقْطَعُ بِإِنَاءِ خَمْرٍ وَلَوْ كَسَرَهُ فِي الْحِرْزِ وَأَخْرَجَهُ) مِنْهُ (وَبِآلَةِ لَهْوٍ وَبِإِنَاءِ ذَهَبٍ) أَوْ فِضَّةٍ وَلَوْ كَسَرَهُمَا فِي الْحِرْزِ وَأَخْرَجَهُمَا حَيْثُ (يَبْلُغُ مَكْسُورُهُمَا) أَيْ إنَاءِ الْخَمْرِ وَآلَةِ اللَّهْوِ وَإِنَاءِ الذَّهَبِ (نِصَابًا) ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ بِلَا شُبْهَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَلَوْ قَالَ لَوْ كَسَرَهَا فِي الْحِرْزِ وَأَخْرَجَهَا وَأَخَّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ ذَهَبٍ كَانَ أَوْلَى وَأَوْفَى بِمَا فِي الْأَصْلِ (لَا إنْ أَخْرَجَهَا) مِنْ الْحِرْزِ (لِيُشْهِرَهَا) بِالْكَسْرِ، وَالتَّغْيِيرِ فَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْرَزَةٍ شَرْعًا إذْ لِكُلِّ مَنْ قَصْدَ كَسْرَهَا أَنْ يَدْخُلَ مَكَانَهَا لِيَكْسِرَهَا وَهُوَ إنَّمَا دَخَلَ بِقَصْدِ كَسْرِهَا وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ بِقَصْدِ كَسْرِهَا وَأَخْرَجَهَا بِقَصْدِ سَرِقَتِهَا لَا يُقْطَعُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّهُ لَا قَطْعَ أَيْضًا فِي عَكْسِ هَذِهِ
(الشَّرْطُ الرَّابِعُ تَمَامُ مِلْكِ الْغَيْرِ فَإِذَا سُرِقَ مَالُهُ فِيهِ شَرِكَةٌ لَمْ يُقْطَعْ) وَإِنْ قَلَّ نَصِيبُهُ إذْ مَا مِنْ قَدْرٍ يَأْخُذُهُ إلَّا وَلَهُ فِيهِ جُزْءٌ فَكَانَ شُبْهَةً كَوَطْءِ الْمُشْتَرَكَةِ وَخَرَجَ بِمَالِهِ فِيهِ شَرِكَةٌ مَا لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِ شَرِيكِهِ الَّذِي لَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ قَدْرَ نِصَابٍ فَيُقْطَعُ إنْ اخْتَلَفَ حِرْزُهُمَا وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إطْلَاقُ الْقَفَّالِ الْقَطْعَ (وَلَوْ) كَانَ الْمَسْرُوقُ (مَالَ بَيْتِ الْمَالِ) ، فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ وَإِنْ كَانَ السَّارِقُ غَنِيًّا؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُصْرَفُ فِي عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ، وَالرِّبَاطَاتِ، وَالْقَنَاطِرِ فَيَنْتَفِعُ بِهَا الْغَنِيُّ، وَالْفَقِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ
[حاشية الرملي الكبير]
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِعَدَمِ قَبُولِهِ قَبْلَ أَخْذِهِ (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْقَبُولَ وُجِدَ ثَمَّ وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا لَا يُجْدِي) الْفَرْقُ جَيِّدٌ وَيَنْضَمُّ إلَيْهِ إنْ أَخَذَ الْمُتَّهَبُ الْمَوْهُوبَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِإِذْنِ الْوَاهِبِ لَهُ فِي قَبْضِهِ وَكَتَبَ أَيْضًا بَلْ يُجْدِي إذْ الْعَقْدُ قَدْ تَمَّ فِي الْهِبَةِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ وَأَيْضًا فَالْمُوصَى لَهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ سَرِقَتِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى تَحْقِيقِ مِلْكِهِ بِقَبُولِهِ قَبْلَهَا بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَإِنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَيْهَا بِأَنْ يَظُنَّهَا سَبَبًا لِإِذْنِ الْوَهْبِ لَهُ فِي الْقَبْضِ لِتَحْصِيلِ مِلْكِهِ (قَوْلُهُ أَوْ أَنَّهُ أَخَذَهُ بِإِذْنِهِ) أَوْ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْحِرْزِ (قَوْلُهُ أَوْ أَنَّهُ دُونَ النِّصَابِ) أَيْ وَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ نِصَابًا (قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ نِصَابٌ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ صَارَ خَصْمًا فِي الْمَالِ) فَإِنَّهُ لَوْ نَكَلَ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى السَّارِقِ فَكَيْفَ يُقْطَعُ عَلَى مَالٍ هُوَ خَصْمٌ فِيهِ وَلِأَنَّ مَا يَدَّعِيهِ مُحْتَمَلٌ فَصَارَ شُبْهَةً وَلَوْ قَالَ: ظَنَنْته مِلْكِي أَوْ مِلْكَ أَبِي أَوْ ابْنِي أَوْ أَنَّ الْحِرْزَ مِلْكِي أَوْ مِلْكُ أَبِي أَوْ ابْنِي لَمْ يُقْطَعْ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ) خَرَجَ بِهَذَا مَا لَوْ صَارَتْ الْخَمْرُ خَلًّا أَوْ دُبِغَ الْجِلْدُ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ (قَوْلُهُ وَبِآلَةِ لَهْوٍ) يَشْهَدُ لِقَطْعِهِ بِآلَةِ اللَّهْوِ مَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فِيمَا إذَا سَرَقَ مَا لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ الْكُتُبِ أَنَّهُ يُقْطَعُ إذَا كَانَ الْجِلْدُ وَالْقِرْطَاسُ يَبْلُغُ نِصَابًا (قَوْلُهُ وَأَوْفَى بِمَا فِي الْأَصْلِ) وَإِنْ فُهِمَ مِمَّا ذَكَرَهُ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ بِقَصْدِ كَسْرِهَا وَأَخْرَجَهَا بِقَصْدِ سَرِقَتِهَا إلَخْ) بَقِيَ مَا لَوْ قَصَدَهُمَا أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا أَوْ قَصَدَ أَحَدَهُمَا لَا بِعَيْنِهِ (قَوْلُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ إلَخْ
(قَوْلُهُ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَيَنْتَفِعُ بِهَا الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) وَأَيْضًا فَالْفَقِيرُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ وَالْغَنِيُّ يُعْطَى مِنْهُ بِسَبَبِ حَمْلَةٍ تَحَمَّلَهَا لِتَسْكِينِ فِتْنَةٍ وَسَرَقَ مِنْهُ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ وَآخَرُ عَلَى زَمَنِ عَلِيٍّ فَلَمْ يَقْطَعَاهُمَا وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ
بِهِمْ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ يُقْطَعُ بِذَلِكَ وَلَا نَظَرَ إلَى إنْفَاقِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ لِلضَّرُورَةِ وَبِشَرْطِ الضَّمَانِ كَمَا يُنْفِقُ عَلَى الْمُضْطَرِّ بِشَرْطِ الضَّمَانِ وَانْتِفَاعُهُ بِالْقَنَاطِرِ، وَالرِّبَاطَاتِ لِلتَّبَعِيَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَاطِنٌ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَا لِاخْتِصَاصِهِ بِحَقٍّ فِيهَا (لَا) إنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مَالَ (الصَّدَقَاتِ وَهُوَ) أَيْ السَّارِقُ (غَنِيٌّ) لَيْسَ غَارِمًا لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَلَا غَازِيًا، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهِ بِخِلَافِ الْفَقِيرِ، وَالْغَارِمِ، وَالْغَازِي الْمَذْكُورِينَ
(وَيُقْطَعُ) السَّارِقُ (بِمَا أَفْرَزَ لِغَيْرِهِ مِنْ) مَالِ (بَيْتِ الْمَالِ) كَأَنْ أُفْرِزَ مِنْهُ شَيْءٌ لِذَوِي الْقُرْبَى أَوْ الْمَسَاكِينِ وَلَيْسَ السَّارِقُ مِنْهُمْ وَلَا لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ حِينَئِذٍ (كَكَفَنِ مَيِّتٍ) أَيْ كَمَا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ كَفَنَ مَيِّتٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ سَرَقَهُ بَعْدَ دَفْنِهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَفِي خَبَرِ الْبَيْهَقِيّ «مَنْ نَبَشَ قَطَعْنَاهُ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَى لِغَيْرِ الْمَيِّتِ فِيهِ حَقٌّ كَمَا لَوْ صُرِفَ إلَى حَيٍّ (وَكَذَا سِتْرُ الْكَعْبَةِ) يُقْطَعُ سَارِقُهُ (إنْ خِيطَ) عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُحْرَزٌ (وَ) كَذَا (بَابُ مَسْجِدٍ وَجُذُوعُهُ) وَتَأْزِيرُهُ وَسَوَارِيهِ وَسُقُوفُهُ (وَقَنَادِيلُ زِينَتِهِ) يُقْطَعُ سَارِقُهُ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ (لَا) الْقَنَادِيلُ (الَّتِي) فِيهِ (لِلْإِسْرَاجِ وَلَا حُصْرُهُ) وَلَا سَائِرُ مَا يُفْرَشُ فِيهِ فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهَا؛ لِأَنَّهَا أُعِدَّتْ لِانْتِفَاعِ الْمُسْلِمِ بِهَا بِالْإِضَاءَةِ، وَالِافْتِرَاشِ بِخِلَافِ بَابِهِ وَجِذْعِهِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهَا لِتَحْصِينِهِ وَعِمَارَتِهِ لَا لِلِانْتِفَاعِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَسْجِدِ الْعَامِّ أَمَّا الْخَاصُّ بِطَائِفَةٍ فَيَخُصُّ الْقَطْعَ بِغَيْرِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إذَا خَصَّ الْمَسْجِدَ بِطَائِفَةٍ اخْتَصَّ بِهَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ (وَلَا بَكَرَةُ بِئْرٍ مُسَبَّلَةٍ) فَلَا يُقْطَعُ سَارِقُهَا؛ لِأَنَّهَا لِمَنْفَعَةِ النَّاسِ، وَحَاصِلُ كَلَامِ الْأَصْلِ أَنَّ هَذَا احْتِمَالٌ لِلْبَغَوِيِّ وَأَنَّ الْمَنْقُولَ خِلَافُهُ لَكِنَّ الِاحْتِمَالَ أَفْقَهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ جَزْمِهِ بِذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ يُقْطَعُ وَهُوَ غَلَطٌ قَالَ وَعِنْدِي أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا حَقًّا انْتَهَى (فَإِنْ سَرَقَ ذِمِّيٌّ حُصْرَ مَسْجِدٍ أَوْ قَنَادِيلَهُ) أَوْ غَيْرَهَا (قُطِعَ) لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ
(وَلَوْ سَرَقَ رَجُلٌ وَقْفًا عَلَى غَيْرِهِ أَوْ مُسْتَوْلَدَةً نَائِمَةً أَوْ مَجْنُونَةً) أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا أَوْ سَكْرَانَةً أَوْ مُكْرَهَةً أَوْ أَعْجَمِيَّةً تَعْتَقِدُ طَاعَةَ آمِرِهَا (قُطِعَ) كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ بِخِلَافِ الْعَاقِلَةِ الْمُسْتَيْقِظَةِ الْمُخْتَارَةِ لِقُدْرَتِهَا عَلَى الِامْتِنَاعِ سَوَاءٌ أَقُلْنَا: الْمِلْكُ فِي الْوَقْفِ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لَازِمٌ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا كَالْمُسْتَوْلَدَةِ فِي ذَلِكَ غَيْرَهَا مِنْ الْأَرِقَّاءِ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى (لَا) إنْ سَرَقَ (مُكَاتَبًا وَمُبَعَّضًا) فَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي يَدِ نَفْسِهِ كَالْحُرِّ، وَالْمُبَعَّضُ فِيهِ شُبْهَةُ الْحُرِّيَّةِ (وَلَوْ زَنَى بِجَارِيَةِ بَيْتِ الْمَالِ حُدَّ) كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ
(الشَّرْطُ الْخَامِسُ عَدَمُ الشُّبْهَةِ) لِلسَّارِقِ فِي الْمَسْرُوقِ (فَإِنْ سَرَقَ مَالَ غَرِيمِهِ الْجَاحِدِ) لِلدَّيْنِ الْحَالِّ (أَوْ الْمُمَاطِلِ) وَأَخَذَهُ (بِقَصْدِ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يُقْطَعْ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَأْذُونٌ لَهُ فِي أَخْذِهِ شَرْعًا (وَإِلَّا قُطِعَ وَغَيْرُ جِنْسِ حَقِّهِ كَهُوَ) أَيْ كَجِنْسِ حَقِّهِ فِي ذَلِكَ (وَلَا يُقْطَعُ بِزَائِدٍ عَلَى) قَدْرِ (حَقِّهِ أَخَذَهُ مَعَهُ) وَإِنْ بَلَغَ الزَّائِدُ نِصَابًا وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الدُّخُولِ، وَالْأَخْذِ لَمْ يَبْقَ الْمَالُ مُحْرَزًا عَنْهُ (وَلَا يُقْطَعُ بِمَالِ فَرْعِهِ) وَإِنْ سَفَلَ (وَأَصْلِهِ) وَإِنْ عَلَا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الِاتِّحَادِ وَلِأَنَّ مَالَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَرْصَدٌ لِحَاجَةِ الْآخَرِ وَمِنْهَا أَنْ لَا تُقْطَعُ يَدُهُ بِسَرِقَةِ ذَلِكَ الْمَالِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَقَارِبِ وَسَوَاءٌ أَكَانَ السَّارِقُ مِنْهُمَا حُرًّا أَمْ عَبْدًا صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ تَفَقُّهًا مُؤَيِّدًا لَهُ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَ الرَّقِيقُ أَمَةَ فَرْعِهِ الْحُرِّ لَمْ يُحَدَّ لِلشُّبْهَةِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ لَا الصَّدَقَاتِ) فِي مَعْنَى الزَّكَاةِ مَا يَجِبُ مِنْ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَنَحْوِهَا وَلَوْ سَرَقَ مِنْ الزَّكَوَاتِ وَنَحْوِهَا مَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ لِشَرَفِهِ وَهُوَ فَقِيرٌ هَلْ يُقْطَعُ كَالْغَنِيِّ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا أَوْ لَا لِشُبْهَةِ الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ مَنْعِهِمْ حَقَّهُمْ مِنْ الْفَيْءِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِصْطَخْرِيِّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا اهـ وَقَالَ النَّاشِرِيُّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ (قَوْلُهُ وَهُوَ غَنِيٌّ) مِثْلُ الْغَنِيِّ مَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ لِشَرَفِهِ
(قَوْلُهُ وَيُقْطَعُ لِمَا أُفْرِزَ لِغَيْرِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ مَحَلُّهُ فِي طَائِفَةٍ لَهَا مُسْتَحَقٌّ مُقَدَّرٌ بِالْإِخْرَاجِ فِي مَالٍ مُشَاعٍ بِصِفَةٍ فَأَمَّا إذَا أَفْرَزَ الْإِمَامُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ لِطَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ الْقُضَاةِ أَوْ الْمُؤَذِّنِينَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا أَثَرَ لِهَذَا الْإِفْرَازِ إذْ لَا سَهْمَ لَهُمْ مُقَدَّرٌ يَتَوَلَّى الْإِمَامُ إفْرَازَهُ لَهُمْ وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَ مُشَاعًا قَالَ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَلَا بُدَّ مِنْهُ اهـ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا دَخْلَ لِتَقْدِيرِ السَّهْمِ وَعَدَمِ تَقْدِيرِهِ فِي إفْرَازِ الْإِمَامِ فَمَا عَيَّنَهُ الْإِمَامُ لِطَائِفَةٍ مِمَّا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا يَتَعَيَّنُ لَهَا بِالْإِفْرَازِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مُقَدَّرٌ (قَوْلُهُ لَا الَّتِي لِلْإِسْرَاجِ) وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حَالَةِ الْأَخْذِ تُسْرَجُ (قَوْلُهُ وَلَا حُصْرُهُ) لَا فَرْقَ فِي حَصْرِ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهَا بَيْنَ كَوْنِهَا مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ وَمِنْ مَالِ وَقْفِهِ أَوْ تَبَرَّعَ بِهَا عَلَيْهِ مُتَبَرِّعٌ (تَنْبِيهٌ) قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِبَلَاطِهِ وَلَوْ سَرَقَ الْمُصْحَفَ الْمَوْقُوفَ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْمَسْجِدِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ قَارِئًا لَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا فَيَصِيرُ كَالْقَنَادِيلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَارِئًا قُطِعَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُقْطَعُ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْقِرَاءَةَ لِأَنَّهُ قَدْ يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَقْرَأُ فِيهِ لِإِسْمَاعِ الْحَاضِرِينَ اهـ وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي هُوَ الرَّاجِحُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمِنْبَرُ وَالْكُرْسِيُّ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْمُصْحَفِ الْمَوْضُوعِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْكُرْسِيُّ لِجُلُوسِ الْوَاعِظِ عَلَيْهِ وَدَكْمَةُ الْمُؤَذِّنِ (قَوْلُهُ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ حَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ جَارٍ فِي تِلْكَ الطَّائِفَةِ وَأَنَّ غَيْرَهَا يُقْطَعُ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ لَكِنَّ الِاحْتِمَالَ أَفْقَهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ وَعِنْدِي أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهَا أَيْضًا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ أَوْ مُسْتَوْلَدَةً نَائِمَةً إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَكَذَلِكَ الْعَمْيَاءُ لِعَدَمِ التَّمْيِيزِ (قَوْلُهُ وَكَالْمُسْتَوْلَدَةِ فِي ذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ الْأَرِقَّاءِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ الْجَاحِدُ لِلدَّيْنِ أَوْ الْمُمَاطِلُ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى جُحُودَ مَدْيُونِهِ أَوْ مُمَاطَلَتَهُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ (قَوْلُهُ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الِاتِّحَادِ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَّفِقُ دِينُهُمَا أَوْ يَخْتَلِفَ (قَوْلُهُ صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ تَفَقُّهًا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ سَبَقَهُ إلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ وَاسْتَثْنَى مَا لَوْ نَذَرَ اعْتَاقَ عَبْدِهِ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ فَسَرَقَهُ أَصْلُ النَّاذِرِ أَوْ
وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمَا قَالَهُ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِمَالِ مَنْ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ بِالْبَعْضِيَّةِ (وَ) لَا بِمَالِ (سَيِّدِهِ وَلَوْ كَاتَبَهُ) أَوْ كَانَ هُوَ مُبَعَّضًا لِلشُّبْهَةِ وَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَ قَدْ يَعْجِزُ فَيَصِيرُ كَمَا كَانَ (وَيُقْطَعُ بِمَالِ زَوْجٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (وَأَخٍ إنْ كَانَ مُحْرَزًا عَنْهُ) لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَالْأَخْبَارِ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي دَرْءِ الْحَدِّ كَالْإِجَارَةِ لَا يَسْقُطُ بِهَا الْحَدُّ عَنْ الْأَجِيرِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا سَرَقَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ وَتُفَارِقُ الزَّوْجَةُ الْعَبْدَ بِأَنَّ مُؤْنَتَهَا عَلَى الزَّوْجِ عِوَضٌ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ مُؤْنَةِ الْعَبْدِ وَذِكْرُ الْأَخِ مِثَالٌ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَلَا إلَى الشَّرْطِ بَعْدَهُ (وَفِي) الْقَطْعِ بِسَرِقَةِ (مَالُ عَبْدِهِ الْحُرِّ بَعْضُهُ) أَيْ مَالِ مَنْ بَعْضُهُ مَمْلُوكٌ لَهُ وَبَعْضُهُ حُرٌّ (وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا لَا؛ لِأَنَّ مَا مَلَكَهُ بِالْحُرِّيَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ لِجَمِيعِ بَدَنِهِ فَصَارَ شُبْهَةً.
وَثَانِيهِمَا: نَعَمْ لِتَمَامِ مِلْكِهِ كَمَالِ الشَّرِيكِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَالرَّاجِحُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الْأَوَّلُ فَقَدْ جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُمَا (وَمَنْ لَا يُقْطَعُ بِمَالٍ لَا يُقْطَعُ بِهِ عَبْدُهُ) فَكَمَا لَا يُقْطَعُ الْأَصْلُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْفَرْعِ وَبِالْعَكْسِ لَا يُقْطَعُ عَبْدُ أَحَدِهِمَا بِسَرِقَتِهِ مَالَ الْآخَرِ
(وَيُحَدُّ زَانٍ بِأَمَةِ سَيِّدِهِ) إذْ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي بُضْعِهَا (وَلَوْ ظَنَّ) السَّارِقُ (أَنَّ الْمَالَ) الَّذِي سَرَقَهُ (أَوْ الْحِرْزَ لَهُ أَوْ لِأَبِيهِ) أَوْ لِابْنِهِ (لَمْ يُقْطَعْ) لِلشُّبْهَةِ كَمَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ (وَيُقْطَعُ بِحَطَبٍ) أَيْ بِسَرِقَةِ حَطَبٍ (وَحَشِيشٍ) وَنَحْوِهِمَا كَصَيْدٍ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهَا مُبَاحَةَ الْأَصْلِ (وَ) بِسَرِقَةِ (مُعَرَّضٍ لِلتَّلَفِ كَهَرِيسَةٍ) وَفَوَاكِهَ وَبُقُولٍ لِذَلِكَ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ التَّمْرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينَ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» وَالْمِجَنُّ التُّرْسُ، وَكَانَ ثَمَنُهُ عِنْدَهُمْ رُبْعَ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَكَانَتْ مُقَدَّرَةً عِنْدَهُمْ بِرُبْعِ دِينَارٍ (وَكَذَا مَاءٌ وَتُرَابٌ وَمُصْحَفٌ وَكُتُبُ عِلْمٍ) شَرْعِيٍّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (وَ) كُتُبُ (شَعْرٍ نَافِعٍ مُبَاحٍ) لِمَا مَرَّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَافِعًا مُبَاحًا (قُوِّمَ الْوَرَقُ، وَالْجِلْدُ) ، فَإِنْ بَلَغَا نِصَابًا قُطِعَ وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ ثُمَّ سَرَقَهَا) ثَانِيًا مِنْ مَالِكِهَا الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ (قُطِعَ أَيْضًا) ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ عُقُوبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ فِي عَيْنٍ فَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ ذَلِكَ الْفِعْلِ كَمَا لَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَحُدَّ ثُمَّ زَنَى بِهَا ثَانِيًا
(الشَّرْطُ السَّادِسُ الْحِرْزُ) فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَا لَيْسَ مُحْرَزًا لِخَبَرِ «لَا قَطْعَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ إلَّا فِيمَا أَوَاهُ الْمُرَاحُ وَمَنْ سَرَقَ مِنْ التَّمْرِ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَعْظُمُ بِمُخَاطَرَةِ أَخْذِهِ مِنْ الْحِرْزِ فَحُكِمَ بِالْقَطْعِ زَجْرًا بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَّأَهُ الْمَالِكُ وَمَكَّنَهُ بِتَضْيِيعِهِ (، وَالْمُحَكَّمُ) فِي الْحِرْزِ (الْعُرْفُ) ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْوَالِ، وَالْأَحْوَالِ، وَالْأَوْقَاتِ وَلَمْ يَحُدَّهُ الشَّرْعُ وَلَا اللُّغَةُ فَيَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ، وَالْإِحْيَاءِ (فَالْإِصْطَبْلُ، وَالتِّبْنُ) الْمُتَّصِلَانِ بِالدُّورِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي (حِرْزُ الدَّوَابِّ) فِي الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَتْ نَفِيسَةً (وَالتِّبْنُ) فِي الثَّانِي (لَا الثِّيَابُ وَنَحْوُهَا) كَالنُّقُودِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ إخْرَاجَ الدَّوَابِّ، وَالتِّبْنِ مِمَّا يَظْهَرُ وَيَبْعُدُ الِاجْتِرَاءُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهَا مِمَّا يَخْفَى وَيَسْهُلُ إخْرَاجُهَا وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ آنِيَةُ الْإِصْطَبْلِ كَالسَّطْلِ وَثِيَابِ الْغُلَامِ وَآلَاتِ الدَّوَابِّ مِنْ سُرُوجٍ وَبَرَادِعَ وَلُجُمٍ وَرِحَالِ جِمَالٍ وَقِرْبَةِ السُّقَاةِ، وَالرَّاوِيَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِوَضْعِهِ فِي إصْطَبْلَات الدَّوَابِّ (، وَالصُّفَّةُ، وَالْعَرْصَةُ) لِلدَّارِ (حِرْزُ آنِيَةٍ) خَسِيسَةٍ بِخِلَافِ النَّفِيسَةِ كَالْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (وَثِيَابُ بِذْلَةٍ) وَنَحْوِهَا كَالْبُسُطِ (وَالْمَخْزَنُ حِرْزُ الْحُلِيِّ، وَالنَّقْدِ، وَالدُّورُ وَبُيُوتُ الْخَانَاتِ) ، وَالْأَسْوَاقُ الْمَنِيعَةُ (حِرْزُ الثِّيَابِ النَّفِيسَةِ وَإِلَّا عَلَى حِرْزِ الْأَدْنَى لَا عَكْسِهِ) عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَمَا كَانَ حِرْزًا لِنَوْعٍ كَانَ حِرْزًا لِمَا دُونَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لِمَا فَوْقَهُ وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فِي صُورَةِ الْعَكْسِ فَتَأَمَّلْ
(وَإِنْ وَضَعَ مَتَاعَهُ بِقُرْبِهِ
[حاشية الرملي الكبير]
فَرْعُهُ فَقَالَ يُقْطَعُ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ شُبْهَةَ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ الَّذِي لِمَالِكِهِ تَصَرُّفٌ فِيهِ وَلَا تَصَرُّفَ لَهُ فِي هَذَا وَإِنْ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَيْسَ كَالْمُسْتَوْلَدَةِ وَلَدُهَا لِأَنَّ لِلْمَالِكِ إجَارَتَهُمَا قَالَ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَنَبَّهَ لَهُ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ فس (قَوْلُهُ وَيُقْطَعُ بِمَالِ زَوْجٍ) مَحَلُّهُ فِي الزَّوْجَةِ إذَا لَمْ تَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ نَفَقَةً أَوْ كِسْوَةً حَالَ أَخْذِهَا (قَوْلُهُ وَالرَّاجِحُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الْأَوَّلُ إلَخْ) هُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ وَغَيْرُهُمَا) كَصَاحِبِ الْحَاوِي فِي عُجَابِهِ
(قَوْلُهُ السَّادِسُ الْحِرْزُ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ الْإِحْرَازُ يَخْتَلِفُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ بِاخْتِلَافِ نَفَاسَةِ الْمَالِ وَسَعَتِهِ وَبِاخْتِلَافِ سَعَةِ الْبَلَدِ وَكَثْرَةِ ذُعَّارِهِ وَعَكْسُهُ، وَبِاخْتِلَافِ السُّلْطَانِ عَدْلًا وَغِلْظَةً عَلَى الْمُفْسِدِينَ وَعَكْسُهُ وَبِاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِحْرَازُ اللَّيْلِ أَغْلَظُ هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِهِ وَكَتَبَ أَيْضًا لَا يَكْفِي حَصَانَةُ الْمَوْضِعِ عَنْ أَصْلِ الْمُلَاحَظَةِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا: وَالتَّعْوِيلُ فِي صِيَانَةِ الْمَالِ وَإِحْرَازِهِ عَلَى شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمُلَاحَظَةُ وَالْمُرَاقَبَةُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ الْمُلَاحَظَةُ وَالْمُرَاقَبَةُ أَوْ مَا نَزَلَ مَنْزِلَتَهُمَا وَذَلِكَ لِيَشْمَلَ النَّائِمَ عَلَى ثَوْبِهِ فَإِنَّهُ لَا مُلَاحَظَةَ مِنْهُ وَلَا مُرَاقَبَةَ وَلَكِنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْمُلَاحَظَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعَادَةَ غَالِبًا أَنَّ مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنْ تَحْتِهِ انْتَبَهَ (قَوْلُهُ فَالْإِصْطَبْلُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ هَمْزَةُ قَطْعٍ أَصْلِيَّةٌ وَسَائِرُ حُرُوفِهَا أَصْلِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ آنِيَةُ الْإِصْطَبْلِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَبَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ السُّرُوجُ وَاللُّجُمُ الْخَسِيسَةُ فَقَدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِصْطَبْلَ حِرْزٌ لِأَمْتِعَةِ الدَّوَابِّ الْخَسِيسَةِ كَجِلَالِهَا وَرِحَالِهَا وَنَحْوِهِمَا مِمَّا جَرَى الْعُرْفُ بِتَرْكِهِ هُنَا بِخِلَافِ النَّفِيسِ مِنْ السُّرُوجِ وَاللُّجُمِ الْمُفَضَّضَةِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّ الْعُرْفَ أَنْ تُحْرَزَ بِمَكَانٍ مُفْرَدٍ لَهَا مِغْلَقٌ غَالِبًا وَقَوْلُهُ فَقَدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الظَّاهِرُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَمَا كَانَ حِرْزَ النَّوْعِ كَانَ حِرْزًا لِمَا دُونَهُ إلَخْ) قَالَ الزَّنْجَانِيُّ لَا بُدَّ مِنْ قَيْدٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حِرْزًا لِمَا دُونَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ أَوْ مَا يَكُونُ تَبَعًا لِذَلِكَ النَّوْعِ إذْ الْإِصْطَبْلُ حِرْزُ الدَّوَابِّ وَلَا يَكُونُ حِرْزًا لِلثِّيَابِ وَإِنْ
فِي صَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ شَارِعٍ وَأَعْرَضَ) عَنْهُ كَانَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ أَوْ ذَهَلَ عَنْهُ بِشَاغِلٍ (أَوْ نَامَ فَضَاعَ) فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ (وَإِنْ أَدَامَ مُلَاحَظَتَهُ مَنْ يُبَالِي بِهِ لِقُوَّتِهِ أَوْ اسْتِغَاثَةٍ) بِغَيْرِهِ (أَوْ نَامَ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ تَالِيَيْهَا (لَابِسًا لِعِمَامَتِهِ أَوْ غَيْرِهَا) كَمَدَاسِهِ أَوْ خَاتَمِهِ (أَوْ مُفْتَرِشًا ثَوْبَهُ أَوْ مُتَّكِئًا عَلَى الْمَتَاعِ) وَلَوْ بِتَوَسُّدِهِ (فَمُحْرَزٌ) بِهِ (فَيُقْطَعُ) السَّارِقُ بِدَلِيلِ الْأَمْرِ بِقَطْعِ سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرِدَاؤُهُ كَانَ مُحْرَزًا بِاضْطِجَاعِهِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُقْطَعُ (بِتَغْيِيبِهِ عَنْهُ وَلَوْ بِدَفْنِهِ) إذْ إحْرَازُ مِثْلِهِ بِالْمُعَايَنَةِ، فَإِذَا غَيَّبَهُ عَنْ عَيْنِ الْحَارِسِ بِحَيْثُ لَوْ نُبِّهَ لَهُ لَمْ يَرَهُ كَأَنْ دَفَنَهُ فِي تُرَابٍ أَوْ وَارَاهُ تَحْتَ ثَوْبِهِ أَوْحَالَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ وَهَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ آخِرَ الْبَابِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ، وَالْكَلَامُ فِي مَتَاعٍ بَعْدَ التَّوَسُّدِ بِهِ حِرْزًا لَهُ أَمَّا لَوْ تَوَسَّدَ كِيسًا فِيهِ نَقْدٌ أَوْ جَوْهَرٌ وَنَامَ فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ حَتَّى يَشُدَّهُ بِوَسَطِهِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِشَدِّهِ تَحْتَ الثِّيَابِ انْتَهَى (وَإِنْ انْقَلَبَ) فِي نَوْمِهِ (عَنْ الْمَتَاعِ أَوْ قَلَّبَهُ السَّارِقُ) عَنْهُ (أَوَّلًا ثُمَّ أَخَذَهُ أَوْ كَانَ الْحَارِسُ لَا يُبَالِي بِهِ) لِعَدَمِ الْقُوَّةِ، وَالِاسْتِغَاثَةِ (فَضَائِعٌ) فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ وَمَا ذَكَرَهُ كَأَصْلِهِ فِي الثَّانِيَةِ تَبِعَ فِيهِ الْبَغَوِيّ كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْبُلْقِينِيُّ قَالَ وَهُوَ عِنْدَنَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ لَا وَجْهَ لَهُ وَاَلَّذِي نَعْتَقِدُهُ الْقَطْعُ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْحِرْزَ ثُمَّ أَخَذَ النِّصَابَ فَصَارَ كَمَا لَوْ نَقَبَ الْحَائِطَ أَوْ كَسَرَ الْبَابَ أَوْ فَتَحَهُ وَأَخَذَ النِّصَابَ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ اتِّفَاقًا انْتَهَى وَهُوَ حَسَنٌ، فَإِنْ قُلْت يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَالَ ثَمَّ لَمَّا أَخَذَهُ كَانَ مُحْرَزًا فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِهِ هُنَا قُلْت: مُنْتَقِضٌ بِمَا نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ وَابْنِ الْقَطَّانِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ جَمَلًا وَصَاحِبُهُ نَائِمٌ عَلَيْهِ فَأَلْقَاهُ عَنْهُ وَهُوَ نَائِمٌ وَأَخَذَ الْجَمَلَ قُطِعَ مَعَ أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَهُ لَمْ يَكُنْ مُحْرَزًا أَصْلًا لَكِنْ قَالَ الْبَغَوِيّ فِي هَذِهِ بِعَدَمِ الْقَطْعِ أَيْضًا قَالَ: لِأَنَّهُ رَفَعَ الْحِرْزَ وَلَمْ يَهْتِكْهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَبَ وَأَخَذَ الْمَالَ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفَرَّقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ كَوْنِ الصَّحْرَاءِ مَوَاتًا أَوْ غَيْرَهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ لَكِنْ قَيَّدَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ بِالْوَضْعِ الْمُبَاحِ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَاضِي وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي الْغَاصِبِ قُلْت الْمُرَادُ بِالْمُبَاحِ مُقَابِلُ الْحَرَامِ لَا مَا لَيْسَ مَمْلُوكًا فَلَا اسْتِدْرَاكَ (وَإِنْ كَانَ) ثَمَّ (زَحْمَةٌ) مِنْ الطَّارِقِينَ (لَمْ يَكْفِ) فِي الْإِحْرَازِ (مُلَاحَظَتُهُ) الْمَتَاعَ (وَلَوْ فِي دُكَّانِهِ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَبْقَى ثَابِتَةً حِينَئِذٍ (فَتُقَاوَمُ) أَيْ فَيَنْبَغِي أَنْ تُقَاوَمَ (الزَّحْمَةُ بِكَثْرَةِ الْمُلَاحِظِينَ) لِيَصِيرَ الْمَتَاعُ حِرْزًا بِهِمْ كَمَا يُقَاوَمُ طَارِقٌ مُلَاحِظٌ
(وَمَا فِي الْجَيْبِ، وَالْكُمِّ مُحْرَزٌ) بِهِمَا فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْبِطْ الْكُمَّ وَلَمْ يَزُرَّ الْجَيْبَ (وَكَذَا الْمَرْبُوطُ فِي الْعِمَامَةِ) عَلَى الرَّأْسِ مُحْرَزٌ بِهَا بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَرْبُوطِ وَكَالْمَرْبُوطِ بِهَا الْمَشْدُودُ بِهَا (وَإِنْ أَجَابَهُ) شَخْصٌ (إلَى حِفْظِ ثَوْبٍ) لَهُ (وَكَذَا) إلَى حِفْظِ (حَانُوتٍ) لَهُ (مَفْتُوحٍ) بَعْدَ طَلَبِهِ الْحِفْظَ مِنْهُ (فَأَهْمَلَهُ) حَتَّى سُرِقَ الثَّوْبُ أَوْ مَا فِي الْحَانُوتِ (ضَمِنَهُ) بِإِهْمَالِهِ (وَإِنْ سَرَقَهُ) هُوَ (لَمْ يُقْطَعْ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُحْرَزًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (أَوْ) إلَى حِفْظِ حَانُوتٍ (مُغْلَقٍ فَبِالْعَكْسِ) أَيْ، فَإِنْ أَهْمَلَهُ حَتَّى سُرِقَ مَا فِيهِ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ مُحْرَزٌ
[حاشية الرملي الكبير]
كَانَتْ دُونَهَا فِي الْقِيمَةِ وَقَدْ يَكُونُ حِرْزًا لِجَلِّ الدَّابَّةِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ
(قَوْلُهُ وَإِنْ أَدَامَ مُلَاحَظَتَهُ إلَخْ) الْمُرَادُ مِنْ إدَامَةِ الْمُلَاحَظَةِ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ عَنْهُ بِنَوْمٍ وَلَا غَيْرِهِ وَالْمُرَادُ الْإِدَامَةُ الْمُتَعَارَفَةُ فَالْفَتَرَاتُ الْعَارِضَةُ أَثْنَاءَ الْمُلَاحَظَةِ لَا تَقْدَحُ فِي الْإِحْرَازِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِلْعُرْفِ، فَإِذَا تَغَفَّلَهُ فِيهَا فَسَرَقَ قُطِعَ فِي الْأَصَحِّ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ مُقْتَضَى نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَكَلَامِ أَصْحَابِهِ أَنْ يَكْتَفِيَ بِأَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْقُرْبِ قَالَ: وَشَرْطُ الْمُلَاحَظَةِ كَوْنُ الْمُلَاحِظِ بِحَيْثُ يَرَاهُ السَّارِقُ حَتَّى يَمْتَنِعَ مِنْ السَّرِقَةِ إلَّا بِتَغَفُّلِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَرَاهُ السَّارِقُ فَلَا قَطْعَ إذْ لَا حِرْزَ يَظْهَرُ لِلسَّارِقِ حَتَّى يَمْتَنِعَ مِنْ السَّرِقَةِ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَالْحَدُّ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُنَاسِبُ الْمُودَعَ إلَى التَّقْصِيرِ بِالْوَضْعِ عِنْدَ إطْلَاقِ الْإِيدَاعِ فَحِرْزٌ وَمَا يَنْسُبُ فَلَيْسَ بِحِرْزٍ (تَنْبِيهٌ) أَفْهَمَ كَلَامُهُمْ أَنَّ سَطْحَ الدَّارِ لَيْسَ بِحِرْزٍ وَهُوَ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ لِلِاسْتِدْلَالِ لِمَسْأَلَةٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ الْكِفَايَةِ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: وَأَصَحُّهُمَا
السَّطْحُ لِلْحَطَبِ وَالْقَصِيلِ وَالتِّبْنِ (قَوْلُهُ كَمَدَاسِهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا (قَوْلُهُ أَوْ خَاتَمِهِ) قَالَ إبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُخَلْخَلًا فِي أُصْبُعِهِ أَوْ كَانَ فِي الْأُنْمُلَةِ الْعُلْيَا فَلَا قَطْعَ (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ وَالْكَلَامُ فِي مَتَاعٍ يُعَدُّ التَّوَسُّدُ بِهِ حِرْزًا لَهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْحُلِيِّ وَالنَّقْدِ فِي الصَّحْنِ وَالصِّفَةِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ لَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِمُعْتَمَدٍ وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ فَجَمِيعُ مَا يُوضَعُ تَحْتَ رَأْسِهِ مُحْرَزٌ بِهِ لِأَنَّ الْمُدْرَكَ فِي إحْرَازِهِ أَنَّهُ إذَا جَرَّهُ السَّارِقُ انْتَبَهَ النَّائِمُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الِاسْتِوَاءَ وَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الْخَاتَمَ مِنْ أُصْبُعِ النَّائِمِ قُطِعَ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ خَاتَمٍ وَخَاتَمٍ وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ فَصٌّ يُسَاوِي أَلْفًا أَوْ أَكْثَرَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْقَطْعِ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أُخِذَ لَتَنَبَّهَ غَالِبًا وَعَدَمُهُ عَلَى خِلَافِهِ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِشِدَّةٍ تَحْتَ الثِّيَابِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَمَا ذَكَرَهُ كَأَصْلِهِ فِي الثَّانِيَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ: قَدْ ذَكَرُوا مِثْلَهُ فِيمَا لَوْ نَحَّى حَافِظَ الْخَيْمَةِ النَّائِمِ فِيهَا ثُمَّ سَرَقَ فَالْمُعْتَمَدُ فِيهِمَا وَفِيمَا إذَا أَلْقَى النَّائِمُ عَلَى الْجَمَلِ عَنْهُ وَأَخَذَهُ عَدَمُ الْقَطْعِ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ حَافِظًا لِمَا ذُكِرَ فَهُوَ مُضَيِّعٌ لِمَا نَامَ عَلَيْهِ أَوْ فِيهِ.
(قَوْلُهُ وَاَلَّذِي نَعْتَقِدُهُ الْقَطْعُ بِخِلَافِهِ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ فَإِنْ قُلْت: يُفَرَّقُ إلَخْ) الْفَرْقُ فِيهِمَا وَاضِحٌ فَإِنَّ الْمَالَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ مُحْرَزٌ دُونَ الْمَقِيسِ فَإِنَّ صَاحِبَهُ ضَيَّعَهُ بِتَقْصِيرِهِ إذْ حَقُّهُ أَنْ لَا يُحْرِزَ شَيْئًا بِنَوْمِهِ عَلَيْهِ وَقَدْ تَبَيَّنَ بِعَدَمِ شُعُورِهِ بِقَلْبِ السَّارِقِ لَهُ عَنْهُ أَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْقَطْعِ مِمَّا إذَا لَمْ يُدِمْ الْمُلَاحَظَةَ الْمُعْتَادَةَ فِي الْأَمْكِنَةِ الْمَذْكُورَةِ فَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا وَالْمُعْتَمَدُ فِي مَسْأَلَةِ الْجَمَلِ كَلَامُ الْبَغَوِيّ أَيْضًا (قَوْلُهُ لَكِنْ قَالَ الْبَغَوِيّ فِي هَذِهِ بِعَدَمِ الْقَطْعِ أَيْضًا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ فِي الْأَصْلِ) وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفَرَّقَ فِيمَا ذَكَرْنَا إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ وَمَا فِي الْجَيْبِ) أَيْ الضَّيِّقِ أَوْ الْوَاسِعِ الْمَزْرُورِ
فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ يَدِهِ وَإِنْ سَرَقَهُ هُوَ قُطِعَ.
(وَلَا بُدَّ فِي دَارٍ حَصِينَةٍ مُنْفَرِدَةٍ) عَنْ عِمَارَةٍ لِبَلَدٍ وَلَوْ بِبُسْتَانٍ (أَوْ بِبَرِّيَّةٍ) أَيْ لَا بُدَّ فِي كَوْنِهَا حِرْزًا (مِنْ حَارِسٍ) سَوَاءٌ أَكَانَ بَابُهَا مَفْتُوحًا أَمْ مُغْلَقًا لِلْعُرْفِ (فَيَحْتَاجُ مَعَ فَتْحِ الْبَابِ إلَى دَوَامِ الْمُلَاحَظَةِ) لَا مَعَ إغْلَاقِهِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ فِيهَا مَعَ إغْلَاقِهِ مُبَالًى بِهِ وَلَوْ كَانَ نَائِمًا فَحِرْزٌ خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ (وَإِنْ كَانَتْ فِي بَلْدَةٍ فَإِغْلَاقُهَا) وَلَوْ (مَعَ نَوْمِهِ) وَلَوْ فِي زَمَنِ الْخَوْفِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا (وَكَذَا مَعَ غَيْبَتِهِ فِي) زَمَنِ (الْأَمْنِ نَهَارًا كَافٍ) فِي كَوْنِهَا حِرْزًا اعْتِمَادًا عَلَى مُلَاحَظَةِ الْجِيرَانِ فِيهِمَا وَلِأَنَّ السَّارِقَ فِي الْأُولَى عَلَى خَطَرٍ مِنْ اطِّلَاعِ النَّائِمِ وَتَنَبُّهِهِ بِحَرَكَتِهِ وَاسْتِغَاثَتِهِ بِالْجِيرَانِ، وَخَرَجَ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الثَّانِيَةِ زَمَنُ الْخَوْفِ، وَاللَّيْلُ وَلَوْ فِي زَمَنِ الْأَمْنِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَيُلْتَحَقُ بِإِغْلَاقِ الْبَابِ مَا لَوْ كَانَ مَرْدُودَهُ وَخَلْفُهُ نَائِمٌ بِحَيْثُ لَوْ فُتِحَ لَأَصَابَهُ وَانْتَبَهَ وَقَالَ: إنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الضَّبَّةِ، وَالْمِتْرَاسِ قَالَ وَكَذَا لَوْ كَانَ نَائِمًا أَمَامَ الْبَابِ بِحَيْثُ لَوْ فُتِحَ لَانْتَبَهَ بِصَرِيرِهِ كَمَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَنَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ (وَفَتْحُهَا مَعَ غَيْبَتِهِ مُطْلَقًا أَوْ) مَعَ (نَوْمِهِ وَلَوْ نَهَارًا) وَزَمَنَ أَمْنٍ (تَضْيِيعٌ) لِمَا فِيهَا فَلَيْسَتْ حِرْزًا لَهُ وَيُخَالِفُ أَمْتِعَةَ الْحَانُوتِ الْمَوْضُوعَةَ عَلَى بَابِهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْيُنَ تَقَعُ عَلَيْهَا دُونَ مَا فِي الدَّارِ وَلَا نَظَرَ لِلَحْظِ الْجِيرَانِ فِي الثَّانِيَةِ لِتَسَاهُلِهِمْ فِيهِ إذَا عَلِمُوا بِأَنَّ الْحَافِظَ فِيهَا: نِعَمْ مَا فِيهَا مِنْ بَيْتٍ مُغْلَقٍ فَهُوَ حِرْزٌ لِمَا فِيهِ كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُمَا.
وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ مُطْلَقٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ تُوهِمُ أَنَّ مَا قَبْلَهُ مُخَالِفٌ لِمَا بَعْدَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (وَالْمُسْتَيْقِظُ غَيْرُ الْمُلَاحِظِ كَالنَّائِمِ) فِيمَا مَرَّ، فَإِنْ كَانَ مُلَاحِظًا لَهَا مُبَالًى بِهِ فَمُحْرَزَةٌ بِهِ وَإِنْ كَانَ بَابُهَا مَفْتُوحًا نَعَمْ لَوْ لَمْ يُبَالِغْ فِي الْمُلَاحَظَةِ مَعَ فَتْحِ الْبَابِ فَتَغَفَّلَهُ إنْسَانٌ فَسَرَقَ لَمْ يُقْطَعْ لِتَقْصِيرِهِ بِإِهْمَالِهِ الْمُرَاقَبَةَ مَعَ الْفَتْحِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ مَا بَعْدَ الْفَجْرِ إلَى الْإِسْفَارِ حُكْمَ اللَّيْلِ وَمَا بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ انْقِطَاعِ الطَّارِقِ حُكْمَ النَّهَارِ (وَإِنْ ضَمَّ الْعَطَّارُ أَوْ الْبَقَّالُ) أَوْ نَحْوُهُمَا (الْأَمْتِعَةَ وَرَبَطَهَا) بِحَبْلٍ (عَلَى بَابِ الْحَانُوتِ أَوْ أَرْخَى) عَلَيْهَا شَبَكَةً (أَوْ خَالَفَ لَوْ حِينًا عَلَى بَابِ حَانُوتِهِ فَمُحْرَزَةٌ) بِذَلِكَ (بِالنَّهَارِ) وَلَوْ نَامَ فِيهِ أَوْ غَابَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْجِيرَانَ، وَالْمَارَّةَ يَنْظُرُونَهَا وَفِيمَا فَعَلَ مَا يُنَبِّهُهُمْ لَوْ قَصَدَهَا السَّارِقُ (وَكَذَا بِاللَّيْلِ) هِيَ مُحْرَزَةٌ بِذَلِكَ لَكِنْ (مَعَ حَارِسٍ) أَمَّا إذَا تَرَكَهَا مُفَرَّقَةً وَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ بِمُحْرَزَةٍ (، وَالْبَقْلُ وَنَحْوُهُ) كَالْفُجْلِ (إنْ ضُمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ) وَتُرِكَ عَلَى بَابِ الْحَانُوتِ (وَطَرَحَ عَلَيْهِ حَصِيرًا) أَوْ نَحْوَهُ فَهُوَ (مُحْرَزٌ بِحَارِسٍ وَإِنْ رَقَدَ سَاعَةً وَدَارَ) عَلَى مَا يَحْرُسُهُ (أُخْرَى، وَالْأَمْتِعَةُ النَّفِيسَةُ) الَّتِي تُتْرَكُ عَلَى الْحَوَانِيتِ (فِي لَيَالِيِ الْأَعْيَادِ) وَنَحْوِهَا (لِتَزْيِينِ الْحَوَانِيتِ وَتُسْتَرُ بِقَطْعٍ وَنَحْوِهِ مُحْرَزَةٌ بِحَارِسٍ) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ السُّوقِ يَعْتَادُونَ ذَلِكَ فَيَقْوَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ بِخِلَافِ سَائِرِ اللَّيَالِيِ (وَالثِّيَابُ) الْمَوْضُوعَةُ (عَلَى بَابِ حَانُوتِ الْقَصَّارِ) وَنَحْوِهِ (كَأَمْتِعَةِ الْعَطَّارِ) الْمَوْضُوعَةِ عَلَى بَابِ حَانُوتِهِ فِيمَا مَرَّ
(وَتُحَرَّزُ الْقُدُورُ) الَّتِي يُطْبَخُ فِيهَا فِي الْحَوَانِيتِ (بِشَرَائِجَ) بِالْجِيمِ أَيْ بِسُدَدٍ تُنْصَبُ (عَلَى بَابِ الْحَانُوتِ) لِلْمَشَقَّةِ فِي نَقْلِهَا إلَى بِنَاءٍ وَإِغْلَاقِ بَابٍ عَلَيْهَا (وَ) يُحْرَزُ (الْحَطَبُ وَطَعَامُ الْبَيَّاعِينَ) الَّذِي فِي غَرَائِرَ (بِشَدِّ الْغَرَائِرِ، وَالْحِطَابِ بِبَعْضٍ) أَيْ يُشَدُّ بَعْضَ كُلٍّ مِنْهُمَا (إلَى بَعْضٍ) بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا بِحَلِّ الرِّبَاطِ أَوْ فَتْقِ بَعْضِ الْغَرَائِرِ (حَيْثُ اُعْتِيدَ) ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعْتَدْ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ بَابٌ مُغْلَقٌ وَبَاءٌ بِبَعْضٍ زَائِدَةٌ (وَ) تُحَرَّزُ (الْأَجْذَاعُ الثَّقِيلَةُ بِالتَّرْكِ) لَهَا (عَلَى الْأَبْوَابِ) أَيْ أَبْوَابِ الْمَسَاكِنِ دُونَ الصَّحْرَاءِ (، وَالْحَانُوتُ الْمُغْلَقُ بِلَا حَارِسٍ حِرْزٌ لِمَتَاعِ الْبَقَّالِ فِي) زَمَنِ (الْأَمْنِ) وَلَوْ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ حَتَّى وَلَوْ كَانَ فِيهَا مَعَ إغْلَاقِهِ مُبَالًى بِهِ وَلَوْ نَائِمًا فَحِرْزٌ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الْأَقْوَى فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ وَالْأَقْرَبُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّهُ الْأَرْجَحُ لِلْفَتْوَى وَذَكَرَ نَصًّا لِلْأُمِّ يُوَافِقُهُ وَالْمَنْقُولُ فِي الذَّخَائِرِ وَغَيْرِهِ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ إذَا كَانَ نَائِمًا وَهِيَ مُغْلَقَةٌ فَهِيَ حِرْزٌ وَلَمْ يَذْكُرُوا سِوَاهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي الْخَيْمَةِ بِالصَّحْرَاءِ بَلْ الدَّارُ الْمُغْلَقَةُ أَوْلَى بِكَوْنِهَا حِرْزًا مِنْ الْخَيْمَةِ وَقَدْ جَمَعَ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ فِي اتِّفَاقِ مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ: كُلُّ بَيْتٍ أَوْ خَيْمَةٍ فِي الصَّحْرَاءِ لَا يَصِيرُ حِرْزًا بِإِغْلَاقِ بَابِهِ مَا لَمْ يَنَمْ فِيهِ أَوْ عَلَى بَابِهِ حَارِسٌ وَقَالَ فِي الشَّافِي وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي بَرِّيَّةٍ لَمْ تَكُنْ حِرْزًا بِالْغَلْقِ حَتَّى يَنَامَ فِيهَا أَوْ عَلَى بَابِهَا أَوْ يَقْعُدَ مُقَابِلَهَا أَوْ بِالْقُرْبِ مِنْهَا حَارِسٌ إذَا عَلِمْت هَذَا عَرَفْت أَنَّ الْمَذْهَبَ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مُغْلَقَةً وَبِهَا حَارِسٌ نَائِمٌ كَانَتْ حِرْزًا كَالْخَيْمَةِ الْمَزْرُورَةِ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا مَعَ غَيْبَتِهِ فِي زَمَنِ الْأَمْنِ نَهَارًا كَافٍ) قَالَ فِي التَّوْشِيحِ فِيمَا لَوْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَوَضَعَ الْمِفْتَاحَ فِي نَجْشٍ فَأَخَذَهُ السَّارِقُ وَفَتَحَ بِهِ الْبَابَ وَسَرَقَ الظَّاهِرُ أَنَّ وَضْعَ الْمِفْتَاحِ هُنَا تَفْرِيطٌ فَيَكُونُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْقَطْعَ قَالَ وَلَمْ أَجِدْ الْمَسْأَلَةَ مَنْصُوصَةً فَإِنْ صَحَّتْ وَجَبَ اسْتِثْنَاؤُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ الدَّارَ الْمُغْلَقَةَ نَهَارًا حِرْزٌ وَقَوْلُهُ الظَّاهِرُ: إنَّ وَضْعَ الْمِفْتَاحِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَيَلْتَحِقُ بِإِغْلَاقِ الْبَابِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ قَالَ وَكَذَا لَوْ كَانَ نَائِمًا إلَخْ (قَوْلُهُ فَلَيْسَتْ حِرْزًا لَهُ) إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَامَ عَلَى الْبَابِ الْمَفْتُوحِ كَمَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ إلَخْ) وَأَمَّا أَبْوَابُهَا بِمَا عَلَيْهَا مِنْ غَلْقٍ وَحِلَقٍ وَمَسَامِيرَ فَمُحْرَزَةٌ بِتَرْكِيبِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ أَحَدٌ كَمَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ أَيْضًا وَمِثْلُهَا كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ سُقُوفُ الدَّارِ وَرُخَامُهَا وَجُدْرَانُهَا كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ بَلْ يُوهِمُ أَنَّ مَا قَبْلَهُ مُخَالِفٌ لِمَا بَعْدَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ) مُخَالَفَتُهُ لَهُ بِسَبَبِ أَنَّهُ لَيْسَ مُقَيَّدًا بِنَوْمِهِ وَكَتَبَ أَيْضًا يُخَالِفُ مَا بَعْدَهُ بِشُمُولِهِ حَالَ تَيَقُّظِ الْحَارِسِ (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ أَهْلَ السُّوقِ يَعْتَادُونَ ذَلِكَ) فَمَنْ سَرَقَ الْمَتَاعَ مِنْ الدَّكَاكِينِ فِي اللَّيْلِ وَفِي السُّوقِ حَارِسٌ قُطِعَ
لَيْلًا (لَا) لِمَتَاعِ (الْبَزَّازِ لَيْلًا) بِخِلَافِ الْحَانُوتِ الْمَفْتُوحِ، وَالْمُغْلَقِ زَمَنَ الْخَوْفِ وَحَانُوتِ مَتَاعِ الْبَزَّازِ لَيْلًا (، وَالْأَرْضُ حِرْزٌ لِلْبَذْرِ، وَالزَّرْعِ) لِلْعَادَةِ هَذَا مَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَالْمَرْوَزِيِّ فِي الزَّرْعِ وَقَاسَ عَلَيْهِ الْبَذْرَ وَنَقَلَ قَبْلَهُ عَنْ الْبَغَوِيّ أَنَّهَا لَيْسَتْ حِرْزًا لَهُمَا إلَّا بِحَارِسٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ اعْتِمَادُهُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقَدْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ عُرْفِ النَّوَاحِي فَيَكُونُ مُحَرَّزًا مِنْ نَاحِيَةٍ بِحَارِسٍ وَفِي غَيْرِهَا مُطْلَقًا
(فَرْعٌ) نَقَلَ الْمَرْوَرُوذِيُّ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَوْ دَفَنَ مَالَهُ فِي الصَّحْرَاءِ لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ وَعَنْ أَبِي سَهْلٍ الْأَبِيوَرْدِيِّ إنَّهُ يُقْطَعُ (، وَالتَّحْوِيطُ بِلَا حَارِسٍ لَا يُحْرِزُ الثِّمَارَ) وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْأَشْجَارِ (إلَّا إنْ اتَّصَلَتْ بِجِيرَانٍ يُرَاقِبُونَهَا عَادَةً) وَمِثْلُهَا الزَّرْعُ، وَالْبَذْرُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْأَصْلُ وَبِهِ يُعْرَفُ أَنَّهُ مُعْتَمِدٌ لِكَلَامِ الْبَغَوِيّ السَّابِقِ (وَأَشْجَارُ أَفْنِيَةِ الدُّورِ مُحْرَزَةٌ بِلَا حَارِسٍ) بِخِلَافِهَا فِي الْبَرِّيَّةِ (وَالثَّلْجُ فِي الْمَثْلَجَةِ، وَالْجَمْدُ فِي الْمَجْمَدَةِ، وَالتِّبْنُ فِي الْمَتْبَنِ) قَالَ فِي الْأَصْلِ، وَالْحِنْطَةُ فِي الْمَطَامِيرِ (فِي الصَّحْرَاءِ غَيْرُ مُحَرَّزٍ) كُلٌّ مِنْهَا (إلَّا بِحَارِسٍ وَأَبْوَابُ الدُّورِ) ، وَالْبُيُوتُ الَّتِي فِيهَا، وَالْحَوَانِيتُ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ مَغَالِيقَ وَحِلَقٍ وَمَسَامِيرَ (مُحْرَزَةٌ بِالتَّرْكِيبِ) لَهَا وَلَوْ مَفْتُوحَةً وَلَمْ يَكُنْ فِي الدُّورِ، وَالْحَوَانِيتِ أَحَدٌ وَمِثْلُهَا كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ سُقُوفُ الدُّورِ، وَالْحَوَانِيتِ وَرُخَامُهَا (وَالْآجُرُّ) مُحْرَزٌ (بِالْبِنَاءِ أَوْ بِصَحْنِ الدَّارِ إنْ أُحْرِزَتْ مَا فِيهَا) وَإِلَّا فَغَيْرُ مُحْرَزٍ (، وَالْخَيْمَةُ) مُحْرَزَةٌ (بِضَرْبِهَا) بِأَنْ تُشَدَّ أَوْتَادُهَا (مَعَ حَارِسٍ لَهَا) وَإِنْ نَامَ وَلَمْ يُرْسِلْ أَذْيَالَهَا (فِي الصَّحْرَاءِ) بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تُضْرَبْ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَارِسٌ (وَمَا فِيهَا) مُحْرَزٌ (بِإِرْسَالِ الْأَذْيَالِ) مَعَ حَارِسٍ (وَإِنْ نَامَ وَلَوْ بِقُرْبِهَا) وَلَمْ يُرْسِلْ بَابَهَا لِحُصُولِ الْإِحْرَازِ بِذَلِكَ عَادَةً بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تُرْسَلْ أَذْيَالُهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَارِسٌ (وَلَوْ ضُرِبَتْ بَيْنَ الْعِمَارَةِ فَحُكْمُهَا كَمَتَاعٍ) مَوْضُوعٍ (بَيْنَ يَدَيْهِ فِي سُوقٍ) حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهَا دَوَامُ الْمُلَاحَظَةِ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّحْرَاءِ مَنْ يَتَقَوَّى بِهِ) الْحَارِسُ الَّذِي لَا يُبَالِي بِهِ، فَلَوْ كَانَ بِمَفَازَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْغَوْثِ فَلَا إحْرَازَ (وَلَوْ نَحَّى) السَّارِقُ (النَّائِمِ) فِي الْخَيْمَةِ وَأَبْعَدَهُ عَنْهَا (ثُمَّ سَرَقَهَا) أَوْ مَا فِيهَا (لَمْ يُقْطَعْ) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حِرْزًا حِينَ سَرَقَ
(وَتُحْرَزُ السَّائِمَةُ) مِنْ إبِلٍ وَخَيْلٍ وَبِغَالٍ وَحَمِيرٍ وَغَيْرِهَا (فِي الْمَرْعَى) الْخَالِي عَنْ الْمَارِّينَ (بِمُلَاحَظَةٍ لِرَاعٍ) بِأَنَّهُ يَرَاهَا وَيَبْلُغُهَا صَوْتُهُ (فَإِنْ نَامَ أَوْ غَفَلَ) عَنْهَا (أَوْ اسْتَتَرَ) عَنْهُ (بَعْضُهَا فَمُضَيِّعٌ) لَهَا إلَّا الْأَخِيرَةَ فَلِبَعْضِهَا الْمُسْتَتِرِ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَخْلُ الْمَرْعَى عَنْ الْمَارِّينَ حَصَلَ الْإِحْرَازُ بِنَظَرِهِمْ نَبَّهَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ (وَإِنْ بَعُدَ) عَنْ بَعْضِهَا (وَلَمْ يَبْلُغْهَا) يَعْنِي بَعْضَهَا (صَوْتُهُ فَوَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ لِعَدَمِ بُلُوغِ الصَّوْتِ لَهُ، وَالثَّانِي مُحْرَزٌ اكْتِفَاءً بِالنَّظَرِ لِإِمْكَانِ الْعَدْوِ إلَى مَا لَمْ يَبْلُغْهُ وَرَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَعَزَاهُ الْعِمْرَانِيُّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ إلَى الْأَكْثَرِينَ (وَاشْتَرَطُوا بُلُوغَهُ) أَيْ صَوْتِ الرَّاعِي (فِي الْغَنَمِ) كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا عَلَى مَا مَرَّ وَإِنْ كَانَتْ مُجْتَمِعَةً كَغَيْرِهَا هَذَا تَكْرَارٌ لِفَهْمِهِ مِمَّا مَرَّ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ قَبْلَهُ عَلَى غَيْرِهَا.
(وَ) تُحْرَزُ السَّائِمَةُ (فِي الْمُرَاحِ) الْمُتَّصِلِ بِالْعِمَارَةِ (بِإِغْلَاقِهِ) أَيْ إغْلَاقِ بَابِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَارِسٌ اعْتِبَارًا بِالْعَادَةِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُرَاحُ مِنْ حَطَبٍ أَمْ قَصَبٍ أَمْ حَشِيشٍ أَمْ غَيْرِهَا بِحَسَبِ الْعَادَةِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالنَّهَارِ وَلَا بِزَمَنِ الْأَمْنِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ فِي الدَّارِ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَتَسَامَحُ فِي أَمْرِ الْمَاشِيَةِ دُونَ غَيْرِهَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا أَحَاطَتْ بِهِ الْمَنَازِلُ الْأَهْلِيَّةُ، فَلَوْ اتَّصَلَ بِهَا وَأَحَدُ جَوَانِبِهِ يَلِي الْبَرِّيَّةَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهَا (فَإِنْ كَانَ) مَفْتُوحًا أَوْ (بِبَرِّيَّةٍ اُشْتُرِطَ حَارِسٌ وَ) لَوْ كَانَ (يَنَامُ) بِهَا (إنْ أَغْلَقَ) الْبَابَ، فَإِنْ فُتِحَ فِيهَا وَفِي الْمُتَّصِلِ بِالْعِمَارَةِ اُشْتُرِطَ اسْتِيقَاظُ الْحَارِسِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَوْمَهُ حِينَئِذٍ بِالْبَابِ كَافٍ كَمَا مَرَّ فِي الدُّورِ بَلْ أَوْلَى لِقُوَّةِ الْإِحْسَاسِ لِخُرُوجِ السَّائِمَةِ
(وَتُحْرَزُ الدَّوَابُّ السَّائِرَةُ فِي شَارِعٍ وَأَوْلَادُهَا) التَّابِعَةُ لَهَا (بِسَائِقٍ) لَهَا (يَرَى) هَا (كُلَّهَا أَوْ قَائِدٍ لَهَا كَذَلِكَ) أَيْ يَرَاهَا كُلَّهَا إذَا الْتَفَتَ إلَيْهَا وَإِنَّمَا تُحْرَزُ بِهِ (إنْ أَكْثَرَ الِالْتِفَاتَ) إلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَرَ بَعْضَهَا الْحَائِلَ فَهُوَ غَيْرُ مُحْرَزٍ (فَإِنْ رَكِبَ بَعْضَهَا فَقَائِدٌ لِمَا بَعْدَهُ سَائِقٌ لِمَا قَبْلَهُ) وَيَأْتِي فِي اشْتِرَاطِ بُلُوغِ الصَّوْتِ لَهَا مَا مَرَّ فِي الرَّاعِيَةِ ثُمَّ إنْ كَانَتْ غَيْرَ إبِلٍ وَبِغَالٍ لَمْ يُشْتَرَطْ كَوْنُهَا مَقْطُورَةً (وَإِنْ كَانَتْ إبِلًا أَوْ بِغَالًا اُشْتُرِطَ قِطَارٌ لَهَا) أَيْ كَوْنُهَا مَقْطُورَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَسِيرُ غَيْرَ مَقْطُورَةٍ غَالِبًا وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ الشَّرْطُ أَنْ يَقْرُبَ مِنْهَا أَوْ يَقَعَ نَظَرُهُ عَلَيْهَا
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَالْأَرْضُ حِرْزٌ لِلْبَذْرِ وَالزَّرْعِ) الْمُحْرَزَةُ هِيَ الَّتِي تَكُونُ بِجَنْبِ الْمَزَارِعِ (قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَقَدْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ عُرْفِ النَّوَاحِي إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ وَيَنْبَغِي حَمْلُ الْكَلَامَيْنِ عَلَى الْحَالَيْنِ إذْ الْمُحَكَّمُ فِي الْحِرْزِ الْعُرْفُ
[فَرْعٌ لَوْ دَفَنَ مَالَهُ فِي الصَّحْرَاءِ لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ]
(قَوْلُهُ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَمِثْلُهَا كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ سُقُوفُ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَرُخَامُهَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ وَرَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ إلَخْ) وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ الصَّحِيحُ فَهُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ وَاشْتَرَطُوا بُلُوغَهُ فِي الْغَنَمِ) مَا جَرَى عَلَيْهِ فِيهَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْلِهِ وَالْوَجْهُ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا فِيهِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قِيلَ وَاشْتَرَطُوا (قَوْلُهُ هَذَا تَكْرَارٌ لِفَهْمِهِ مِمَّا مَرَّ) أَفْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ كَلَامَ أَصْلِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِ صَوْتِهِ لِجَمِيعِهَا وَالْوَجْهُ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا فِيهِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قِيلَ: وَاشْتَرَطُوا وَهُوَ الصَّحِيحُ (قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَقَيَّدُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ ذَلِكَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ الْآهِلَةُ) أَيْ بِهَا أَهْلُهَا (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ يَنَامُ بِهَا) مَا أَطْلَقَاهُ مِنْ الْإِحْرَازِ بِالنَّائِمِ شَرَطَ فِيهِ الْمَاوَرْدِيُّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا يُوقِظُهُ لَوْ سُرِقَتْ مِنْ كِلَابٍ تَنْبَحُ أَوْ جَرَسٌ تَتَحَرَّكُ، فَإِنْ أَخَلَّ بِهَذَا عِنْدَ نَوْمِهِ لَمْ يَكُنْ مُحْرَزًا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ حَسَنٌ وَيُؤَيَّدُ مَا يَذْكُرُهُ فِي الْمَعْقُولَةِ (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَوْمَهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
وَتَرْجِيحُ الْأَوَّلِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَبِهِ الْفَتْوَى فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمُّ وَرَجَّحَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ الثَّانِيَ وَتَبِعَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ بِسَوْقِ إبِلِهِمْ بِلَا تَقْطِيرٍ وَهُوَ الْأَوْجَهُ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْقِطَارِ (كَالْعَادَةِ) وَقَدَّرُوهُ بِتِسْعَةٍ وَخَالَفَ ابْنُ الصَّلَاحِ فَقَدَّرَهُ بِسَبْعَةٍ وَقَالَ: إنَّ الْأَوَّلَ تَصْحِيفٌ (فَلَوْ زَادَ عَلَى تِسْعَةٍ جَازَ) أَيْ كَانَ الزَّائِدُ مُحْرَزًا (فِي الصَّحْرَاءِ لَا) فِي (الْعُمْرَانِ) وَقِيلَ غَيْرُ مُحْرَزٍ مُطْلَقًا وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الشَّرْحُ الصَّغِيرُ وَقِيلَ لَا يَتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ وَمَا ذَكَرَهُ تَوَسُّطٌ نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ السَّرَخْسِيِّ وَصَحَّحَهُ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَلَا كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَتْبَاعُهُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالتِّسْعِ أَوْ السَّبْعِ لَيْسَ بِمُعْتَمَدٍ وَذَكَرَ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ نَحْوَهُ ثُمَّ قَالَا وَسَبَبُ اضْطِرَابِهِمْ فِي الْعَدَدِ اضْطِرَابُ الْعُرْفِ فِيهِ فَالْأَشْبَهُ الرُّجُوعُ فِي كُلِّ مَكَان إلَى عُرْفِهِ وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبُ الْوَافِي (وَمَا غَابَ عَنْ نَظَرِهِ) فِي السَّائِرَةِ (فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ) كَمَا فِي السَّائِمَةِ فِي الْمَرْعَى (وَلِلَبَنِهَا وَمَا عَلَيْهَا) مِنْ صُوفٍ وَوَبَرٍ وَمَتَاعٍ وَغَيْرِهَا (حُكْمُهَا) فِي الْإِحْرَازِ وَعَدَمِهِ لَكِنْ لَوْ حَلَبَ مِنْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ حَتَّى بَلَغَ نِصَابًا فَفِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَحَدُهُمَا لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا سَرِقَاتٌ مِنْ إحْرَازٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ ضَرْعٍ حِرْزٌ لِلَبَنِهِ وَثَانِيهِمَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْمُرَاحَ حِرْزٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهَا قَالَ الرُّويَانِيُّ وَهُوَ اخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي جَزِّ الصُّوفِ وَنَحْوِهِ قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الدَّوَابُّ لِوَاحِدٍ أَوْ مُشْتَرَكَةً أَيْ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ قُطِعَ بِالثَّانِي (وَقَدْ يُسْتَغْنَى) فِيمَا إذَا سَيَّرَهَا (فِي السُّوقِ) وَنَحْوِهِ (بِنَظَرِ الْمَارَّةِ) عَنْ نَظَرِهِ
(وَتُحْرَزُ الْإِبِلُ الْمُعَقَّلَةُ) الْوَجْهُ قَوْلُ الْأَصْلِ الْمَعْقُولَةُ (فِي الْمُنَاخِ) بِحَارِسٍ وَلَوْ (بِالنَّائِمِ) ؛ لِأَنَّ فِي حِلِّهَا مَا يُوقِظُهُ (وَغَيْرُهَا بِالْمُلَاحِظِ) لَهَا وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُلَاحَظَةِ (وَقَدْ يُجْزِئُ) حَارِسٌ (وَاحِدٌ فِي غَنَمٍ فِي الصَّحْرَاءِ دُونَ الْعُمْرَانِ، وَالْقَبْرُ فِي) بَيْتٍ مُحْرَزٌ أَوْ (مَقْبَرَةٍ) فِي عِمَارَةٍ وَلَوْ (بِجَنْبِ الْبَلَدِ لَا فِي مَفَازَةٍ) أَوْ عِمَارَةٍ غَيْرِ مُحْرَزَةٍ (حِرْزٌ لِلْكَفَنِ الشَّرْعِيِّ) لِلْعَادَةِ بِخِلَافِ الْمَنْفِيِّ؛ لِأَنَّ السَّارِقَ حِينَئِذٍ يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِ خَطَرٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى انْتِهَازِ فُرْصَةٍ، وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْجِيحِ فِيهِ مِنْ زِيَادَتِهِ (لَا غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الشَّرْعِيِّ كَأَنْ زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَثْوَابٍ فَلَيْسَ الزَّائِدُ بِمُحْرَزٍ بِالْقَبْرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ بِبَيْتٍ مُحْرَزٍ، فَإِنَّهُ مُحْرَزٌ بِهِ أَبُو الْفَرَجِ الرَّازِيّ وَلَوْ غَالَى فِي الْكَفَنِ بِحَيْثُ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ لَا يُخَلَّى مِثْلُهُ بِلَا حَارِسٍ لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ وَإِذَا كَانَ الْكَفَنُ مُحْرَزًا بِالْقَبْرِ (فَيُقْطَعُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ جَمِيعِ الْقَبْرِ) إلَى خَارِجِهِ لَا مِنْ اللَّحْدِ إلَى فَضَاءِ الْقَبْرِ وَتَرَكَهُ ثَمَّ لِخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ تَمَامِ حِرْزِهِ وَعَطَفَ عَلَى الْكَفَنِ قَوْلَهُ (لَا لِغَيْرِهِ) بِأَنْ دُفِنَ مَعَ الْمَيِّتِ غَيْرُ الْكَفَنِ فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ كَمَا مَرَّ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْكَفَنِ الشَّرْعِيِّ وَهَذَا مَفْهُومٌ مِمَّا عُطِفَ عَلَيْهِ بَلْ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ لَا غَيْرُهُ.
(وَلَوْ كُفِّنَ) الْمَيِّتُ (مِنْ التَّرِكَةِ فَنُبِشَ) قَبْرُهُ وَأُخِذَ مِنْهُ (طَالِب بِهِ الْوَرَثَةُ) مَنْ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ وَإِنْ قُدِّمَ بِهِ الْمَيِّتُ كَقَضَاءِ دَيْنِهِ (وَلَوْ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَتَرْجِيحُ الْأَوَّلِ مِنْ زِيَادَتِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَخَالَفَ ابْنُ الصَّلَاحِ فَقَدَّرَهُ بِسَبْعَةٍ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ تِسْعَةٌ بِالثَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فِي أَوَّلِهِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْفُورَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْعِمْرَانِيُّ وَكَذَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَالْوَسِيطِ وَنَسَبَهُ فِي الْبَسِيطِ إلَى الْأَصْحَابِ وَكَذَا رَأَيْته فِي التَّرْغِيبِ بِخَطِّ مُؤَلِّفِهِ وَعَلَيْهِ جَرَى الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمِنْهَاجِ وَصَدَّرَا بِهِ كَلَامَهُمَا فِي الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحِ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْوَسِيطِ وَأَقْصَى عَدَدِ الْقِطَارِ تِسْعَةٌ بِالْمُثَنَّاةِ فِي أَوَّلِهِ، وَالصَّحِيحُ سَبْعَةٌ بِالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَ السِّينِ وَعَلَيْهِ الْعُرْفُ اهـ وَقَدْ بَيَّنَّا لَك أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْكُتُبِ تِسْعَةٌ بِالتَّاءِ فِي أَوَّلِهِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْوَجِيزِ وَالْوَسِيطِ وَالنِّهَايَةِ سَبْعَةٌ، فَإِنْ كَانَ عُمْدَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ ذَلِكَ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ لِمَا نَقَلْنَاهُ وَالسَّبْعَةُ بِالسِّينِ فِي أَوَّلِهَا تَحْرِيفٌ مِنْ النُّسَّاخِ فَاعْلَمْهُ غ (قَوْلُهُ وَمَا ذَكَرَهُ تَوَسُّطٌ نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ السَّرَخْسِيِّ وَصَحَّحَهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَثَانِيهِمَا يُقْطَعُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ الْوَجْهُ تَعْبِيرُ قَوْلِ الْأَصْلِ الْمَعْقُولَةُ) تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِالْمُعَقَّلَةِ بِالتَّشْدِيدِ صَحِيحٌ فَقَدْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ: عَقَلْت الْإِبِلَ مِنْ الْعُقَّالِ شُدِّدَ لِلْكَثْرَةِ قَالَ وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ فِي الْفِنَاءِ (قَوْلُهُ وَالْقَبْرُ فِي مَقْبَرَةٍ بِجَنْبِ الْبَلَدِ إلَخْ) أَطْلَقَ الشَّيْخَانِ الْقَبْرَ الَّذِي فِي الْمَقْبَرَةِ وَقَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ عَمِيقًا عَلَى مَعْهُودِ الْقُبُورِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمِيقًا كَانَ دَفْنُهُ قَرِيبًا مِنْ ظَاهِرِ الْأَرْضِ لَمْ يُقْطَعْ وَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْقَبْرِ مُحْتَرَمًا حَتَّى وَلَوْ دُفِنَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ فَسَرَقَ مِنْهُ لَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ النَّبْشِ شَرْعًا وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمَيِّتِ مُحْتَرَمًا لِيَخْرُجَ الْحَرْبِيُّ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ (قَوْلُهُ وَهَذَا إذَا أَخْرَجَهُ وَحْدَهُ) فَلَوْ أَخْرَجَ الْمَيِّتَ بِكَفَنِهِ فَفِي الْقَطْعِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَقَضِيَّةُ مَا سَيَأْتِي فِي عَدَمِ الْقَطْعِ بِسَرِقَةِ الْحُرِّ الْعَاقِلِ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ (قَوْلُهُ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ الشَّرْعِيِّ) الطَّيِّبِ الْمَسْنُونِ كَالْكَفَنِ وَالْمِضْرَبَةِ وَالْوِسَادَةِ وَغَيْرِهِمَا كَالزَّائِدِ وَالطِّيبِ الزَّائِدِ عَلَى مَا يُسْتَحَبُّ كَذَلِكَ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالتَّابُوتُ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ كَالْأَكْفَانِ الزَّائِدَةِ وَجَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي التَّابُوتِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَفِيهِ رَمْزٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ أَنَّهُ يَكُونُ كَالْكَفَنِ الْجَائِزِ فَيُقْطَعُ بِهِ حَيْثُ يُقْطَعُ بِالْكَفَنِ.
(قَوْلُهُ فَلَيْسَ الزَّائِدُ) أَيْ عَلَى الْخَمْسَةِ الْأَثْوَابِ الَّتِي تَلِي الْمَيِّتَ (قَوْلُهُ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الرَّازِيّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ) وَقِيلَ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ ابْتِدَاءً كَمَا يَبْقَى الدَّيْنُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ابْتِدَاءً قَالَ الْبُلْقِينِيُّ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ ابْتِدَاءً مَمْنُوعٌ فَقَدْ يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ ابْتِدَاءً فِيمَا جَرَى سَبَبُهُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ نَصْبِ شَبَكَةٍ وَنَحْوِهَا يَقَعُ فِيهَا الصَّيْدُ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَقَوْلُهُ فِي الدَّيْنِ: إنَّهُ لَا يَثْبُتُ ابْتِدَاءً مَمْنُوعٌ فَقَدْ يَثْبُتُ إذَا كَانَ لَهُ سَبَبٌ سَابِقٌ مِنْ رَدٍّ بِعَيْبٍ وَتَرَدٍّ فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا عُدْوَانًا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
اهـ. (قَوْلُهُ كَقَضَاءِ دَيْنِهِ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ هَذَا التَّشْبِيهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ يَزُولُ
أَكَلَهُ) أَيْ الْمَيِّتَ (سَبُعٌ) قَالَ فِي الْأَصْلِ أَوْ ذَهَبَ بِهِ سَيْلٌ وَبَقِيَ الْكَفَنُ (اقْتَسَمُوا الْكَفَنَ) لِذَلِكَ (وَلَوْ كَفَّنَهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ سَيِّدٌ) مِنْ مَالِهِ أَوْ كُفِّنَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (فَهُوَ) أَيْ الْكَفَنُ (كَالْعَارِيَّةِ لِلْمَيِّتِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَيْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ابْتِدَاءً فَكَانَ الْمُكَفِّنُ مُعَبِّرَ إعَارَةٍ لَا رُجُوعَ لَهُ فِيهَا كَإِعَارَةِ الْأَرْضِ لِلدَّفْنِ (فَيُقْطَعُ بِهِ غَيْرُ الْمُعَبِّرِ) وَفِي نُسْخَةٍ غَيْرُ الْمُكَفِّنِ، وَالْخَصْمُ فِيهِ الْمَالِكُ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَالْإِمَامُ فِي الثَّالِثَةِ (وَإِنْ سُرِقَ الْكَفَنُ) وَضَاعَ وَلَمْ تُقْسَمْ التَّرِكَةُ (أَبْدَلَ) لُزُومًا (مِنْ التَّرِكَةِ) وَإِنْ كَانَ الْكَفَنُ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرِكَةٌ فَكَمَنْ مَاتَ وَلَا تَرِكَةَ لَهُ (فَلَوْ قُسِمَتْ ثُمَّ سُرِقَ) الْكَفَنُ (لَمْ يَلْزَمْهُمْ) إبْدَالُهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ هَذَا إذَا كُفِّنَ أَوَّلًا فِي الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ حَقٌّ لَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ التَّكْفِينُ بِهَا عَلَى رِضَا الْوَرَثَةِ أَمَّا لَوْ كَفَّنَ مِنْهَا بِوَاحِدٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُمْ تَكْفِينُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِثَانٍ وَثَالِثٍ، وَالْخَمْسَةُ لِلْمَرْأَةِ كَالثَّلَاثَةِ لِلرَّجُلِ (وَتَنْضِيضُ الْحِجَارَةِ) أَيْ جَمْعُهَا (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَيِّتِ وَهُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَفْرِ كَالدَّفْنِ) لِلضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ الْحَفْرُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْفَسَاقِي الْمَعْرُوفَةُ كَبَيْتِ قَوَدٍ حَتَّى إذَا لَمْ تَكُنْ فِي حِرْزٍ وَلَا لَهَا حَافِظٌ فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ الْكَفَنِ مِنْهَا، فَإِنَّ اللِّصَّ لَا يَلْقَى عَنَاءً فِي النَّبْشِ بِخِلَافِ الْقَبْرِ الْمُحْكَمِ عَلَى الْعَادَةِ.
(وَلَيْسَ الْبَحْرُ حِرْزًا لِكَفَنِ) الْمَيِّتِ (الْمَطْرُوحِ فِيهِ) فَلَا يُقْطَعُ آخِذُهُ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فَهُوَ كَمَا لَوْ وَضَعَ الْمَيِّتَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ وَأَخَذَ كَفَنَهُ (وَلَوْ غَاصَ) فِي الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ حِرْزًا لَهُ فَلَا يُقْطَعُ آخِذُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ طَرْحَهُ فِي الْمَاءِ لَا يُعَدُّ إحْرَازًا كَمَا لَوْ تَرَكَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَغَيَّبَتْهُ الرِّيحُ بِالتُّرَابِ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ
(وَيُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ دَارِهِ الَّتِي أَجَّرَهَا مَا لِلْمُسْتَأْجِرِ وَضْعُهُ فِيهَا) ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَهُ مِنْ حِرْزٍ مُحْتَرَمٍ بِلَا شُبْهَةٍ بِخِلَافِ مَا لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَضْعُهُ فِيهَا كَأَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَأَوَى إلَيْهَا مَاشِيَةً مَثَلًا وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْهَا بَعْدَ فَرَاغِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ لَمْ يُقْطَعْ لَكِنْ شَبَّهَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَسْأَلَةِ الْعَارِيَّةِ الْآتِيَةِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُقْطَعُ وَفِيهِ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ نَظَرٌ (وَكَذَا) يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ دَارِهِ فِيمَا (لَوْ أَعَارَهَا) لِغَيْرِهِ مَا لِلْمُسْتَعِيرِ وَضْعُهُ فِيهَا لِمَا مَرَّ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ إذَا رَجَعَ وَمِثْلُهُ لَوْ أَعَارَ عَبْدًا لِحِفْظِ مَالِ أَوْ رَعْيِ غَنَمٍ ثُمَّ سَرَقَ مَا يَحْفَظُهُ عَبْدُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ وَمَسْأَلَتَا الْإِجَارَةِ، وَالْإِعَارَةِ عُلِمَتَا مِمَّا مَرَّ أَوَائِلَ الشَّرْطِ الثَّانِي لَكِنَّ تَقْيِيدَهُمَا بِمَا ذُكِرَ إنَّمَا عُلِمَ هُنَا، فَلَوْ ذَكَرَهُ ثُمَّ كَانَ أَوْلَى وَأَخْصَرَ وَذِكْرُهُ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ
(وَ) يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ (مِنْ دَارٍ اشْتَرَاهَا قَبْلَ الْقَبْضِ) وَقَبْلَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ (لَا بَعْدَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ) ؛ لِأَنَّ لِلْبَائِعِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ حَقَّ الْحَبْسِ فَأَشْبَهَ الْمُسْتَأْجِرَ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا لَمْ يُقْطَعْ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَلَوْ سَرَقَ الْأَجْنَبِيُّ مَغْصُوبًا) أَوْ نَحْوَهُ (لَمْ يُقْطَعْ) ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ لَمْ يَرْضَ بِإِحْرَازِهِ بِحِرْزِ غَاصِبِهِ فَكَأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ وَسَوَاءٌ أَعَلِمَ أَنَّهُ مَغْصُوبٌ أَمْ لَا (وَكَذَا) لَا يُقْطَعُ (مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ) إلَى دَارِهِ أَوْ غَيْرِهَا (لِحَاجَةٍ) كَشِرَاءِ مَتَاعٍ (فَسَرَقَ) وَقَدْ دَخَلَ لِحَاجَتِهِ لَا لِلسَّرِقَةِ كَمَا لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ ثِيَابِ الْحَمَّامِ إذَا دَخَلَ لِيَغْتَسِلَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ وَقِيلَ يُقْطَعُ، وَالتَّرْجِيحُ هُنَا مِنْ زِيَادَتِهِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي قُبَيْلَ الرُّكْنِ الثَّالِثِ وَمِنْ هَذَا الْآتِي أُخِذَ مِنْهُ التَّقْيِيدُ بِمَا ذَكَرْته
(وَيُقْطَعُ بِالطَّعَامِ) أَيْ بِسَرِقَتِهِ (فِي) زَمَنِ (الْمَجَاعَةِ) إنْ وُجِدَ وَلَوْ عَزِيزًا بِثَمَنٍ غَالٍ وَهُوَ وَاجِدٌ لَهُ (لَا إنْ عَزَّ) أَيْ قَلَّ وُجُودُهُ (وَلَمْ يَقْدِرْ) هُوَ (عَلَيْهِ) فَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُضْطَرِّ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا قَطْعَ فِي عَامِ الْمَجَاعَةِ سَوَاءٌ أَخَذَ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ أَمْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ لَهُ هَتْكَ الْحِرْزِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ
(الرُّكْنُ الثَّالِثُ السَّرِقَةُ وَهِيَ) الْأَخْذُ لِمَالِ الْغَيْرِ (خُفْيَةً) مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ كَمَا مَرَّ (فَلَا يُقْطَعُ مُخْتَلِسٌ) وَهُوَ مَنْ يَعْتَمِدُ الْهَرَبَ (وَ) لَا (مُنْتَهِبٌ) وَهُوَ مَنْ يَعْتَمِدُ
[حاشية الرملي الكبير]
مُلْكُهُمْ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ تَكْفِينِ الْمَيِّتِ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَلَكِنْ يُقَدَّمُ الْمَيِّتُ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِذَلِكَ أَيْضًا وَهَذَا مِلْكٌ يَمْتَنِعُ عَلَى الْمَالِكِ فِيهِ جَمِيعُ التَّصَرُّفَاتِ فِي الْحَالِ وَلَكِنْ قَدْ يُمْكِنُ التَّصَرُّفُ فِيهِ فِيمَا لَوْ أَكَلَ السَّبُعُ الْمَيِّتَ أَوْ ذَهَبَ بِهِ السَّيْلُ وَنَحْوُهُ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْأَمْلَاكِ وَلِهَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ إلَى أَنَّ الْوَارِثَ لَا مِلْكَ لَهُ إذْ لَا تَصَرُّفَ لَهُ وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ الْمُوصِي بِمَنْفَعَتِهِ أَبَدًا فَإِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ لَا مِلْكَ فِيهِ لِلْوَارِثِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ.
اهـ. (قَوْلُهُ أَمَّا لَوْ كُفِّنَ مِنْهَا بِوَاحِدٍ فَيَنْبَغِي إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْخَمْسَةُ لِلْمَرْأَةِ كَالثَّلَاثَةِ لِلرَّجُلِ) لَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لِلْوَارِثِ الْمَنْعُ مِنْ الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ فِيهَا
(قَوْلُهُ وَيُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ دَارِهِ الَّتِي أَجْرَاهَا مَا لِلْمُسْتَأْجِرِ وَضْعُهُ فِيهَا) شَمَلَ مَا لَوْ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِهَا بِإِفْلَاسِ الْمُسْتَأْجِرِ (قَوْلُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْهَا بَعْدَ فَرَاغِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ فِي مَعْنَى دَوَامِ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ مَا إذَا انْتَقَضَتَا لَكِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ الِانْتِقَالِ وَالتَّفْرِيغِ فَأَمَّا بَعْدَ التَّمَكُّنِ وَالتَّفْرِيطِ فِي الِانْتِقَالِ فَلَا قَطْعَ عَلَى الْمَالِكِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُمَا صَارَا غَاصِبَيْنِ فَدَخَلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ وَلَوْ غَصَبَ حِرْزًا لَمْ يُقْطَعْ مَالِكُهُ غ عُلِمَ مِنْ تَعْلِيلِهِ الْقَطْعُ بِكَوْنِهِمَا غَاصِبَيْنِ وَمِنْ قَوْلِهِ: إنَّ فِي مَعْنَى دَوَامِ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ مَا إذَا انْتَقَضَتَا لَكِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ الِانْتِقَالِ وَالتَّفْرِيغِ أَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَعْلَمَا بِانْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ كَانَ فِي مَعْنَى دَوَامِهَا لِأَنَّهُمَا لَمْ يُفَرِّطَا (قَوْلُهُ لَكِنْ شَبَّهَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَسْأَلَةِ الْعَارِيَّةِ الْآتِيَةِ) أَيْ حَتَّى يَجْرِيَ فِي قَطْعِ الْمُؤَجِّرِ حِينَئِذٍ الْخِلَافُ فِي قَطْعِ الْمُعِيرِ (قَوْلُهُ وَفِيهِ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ) وَغَيْرُهُ نَظَرٌ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) فَلَوْ أَعَارَهُ قَمِيصًا فَلَبِسَهُ فَطَرَّ الْمُعِيرُ جَيْبَهُ وَأَخَذَ الْمَالَ قُطِعَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَنَقْبُ الْجِدَارِ كَطَرِّ الْجَيْبِ فِيمَا يَظْهَرُ
(قَوْلُهُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(مَبْحَثُ الرُّكْنِ الثَّالِثِ السَّرِقَةُ)
الْقُوَّةَ، وَالْغَلَبَةَ (وَ) لَا (مُودَعٌ جَحَدَ) الْوَدِيعَةَ لِخَبَرِ «لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ، وَالْمُنْتَهِبِ، وَالْخَائِنِ قَطْعٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَفُرِّقَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّارِقِ بِأَنَّ السَّارِقَ يَأْخُذُ الْمَالَ خُفْيَةً وَلَا يَتَأَتَّى مَنْعُهُ فَشُرِعَ الْقَطْعُ زَجْرًا لَهُ وَهَؤُلَاءِ يَقْصِدُونَهُ عِيَانًا فَيُمْكِنُ مَنْعُهُمْ بِالسُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِي كَوْنِ الْخَائِنِ يَقْصِدُ الْأَخْذَ عِيَانًا وَقْفَةٌ (وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ: الْأَوَّلُ فِي إبْطَالِ الْحِرْزِ، فَلَوْ نَقَبَ فِي لَيْلَةٍ وَسَرَقَ وَفِي أُخْرَى قُطِعَ) كَمَا لَوْ نَقَبَ فِي أَوَّلِهَا وَسَرَقَ فِي آخِرِهَا (إلَّا إنْ كَانَ النَّقْبُ ظَاهِرًا) يَرَاهُ الطَّارِقُونَ (أَوْ عَلِمَ بِهِ الْمَالِكُ) فَلَا يُقْطَعُ لِانْتِهَاكِ الْحِرْزِ فَصَارَ كَمَا لَوْ سَرَقَهُ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا قُطِعَ فِي نَظِيرِهِ مِمَّا لَوْ أَخْرَجَ النِّصَابَ دَفَعَاتٍ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ ثَمَّ تَمَّمَ السَّرِقَةَ وَهُنَا ابْتَدَأَهَا (وَإِنْ نَقَبَ وَاحِدٌ وَأَخْرَجَ آخَرُ) النِّصَابَ وَلَوْ فِي الْحَالِ (لَمْ يُقْطَعَا) أَيْ لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَسْرِقْ، وَالثَّانِي أَخَذَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ وَيَضْمَنُ الْأَوَّلُ الْجِدَارَ، وَالثَّانِي مَا أَخَذَهُ نَعَمْ إنْ بَلَغَ مَا أَخْرَجَهُ الْأَوَّلُ مِنْ آلَةِ الْجِدَارِ نِصَابًا قُطِعَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَخْذُ الْآلَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَإِنْ سَلِمَ اعْتِبَارُ الْقَصْدِ لَزِمَ أَنْ يُقَالَ إنْ قَصَدَ سَرِقَةَ الْآلَةِ مَعَ مَا فِي الْحِرْزِ قُطِعَ بِالْآلَةِ وَحْدَهَا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ لَمْ يُقْطَعْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْقَصْدُ وَيُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَسْرِقْ أَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ مَا فِي الْحِرْزِ (وَإِنْ كَانَ) الْمَالُ (مُحْرَزًا بِمُلَاحِظٍ) لَهُ قَرِيبٍ مِنْ النَّقِيبِ (لَا نَائِمٍ قُطِعَ الْآخِذُ) لَهُ بِخِلَافِهِ فِي النَّائِمِ كَنَظِيرِهِ فِيمَنْ نَامَ فِي الدَّارِ وَبَابُهَا مَفْتُوحٌ
(وَإِنْ نَقَبَا) أَيْ اثْنَانِ الْحِرْزَ (وَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا) الْمَالَ وَلَوْ شَدَّهُ عَلَيْهِ الْآخَرُ (أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ نَقَبَ وَاحِدٌ وَأَخْرَجَ مَعَ الْآخَرِ (قُطِعَ الْجَامِعُ بَيْنَ الْإِخْرَاجِ، وَالنَّقْبِ) فَقَطْ إنْ بَلَغَ نَصِيبُهُ فِي الثَّانِيَةِ نِصَابًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ (وَلَوْ قَرَّبَهُ أَحَدُ النَّاقِبَيْنِ إلَى النَّقْبِ أَوْ إلَى الْبَابِ وَأَخْرَجَهُ الْآخَرُ قُطِعَ الْمُخْرِجُ) فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الْمُخْرِجُ لَهُ مِنْ الْحِرْزِ (وَإِنْ نَقَبَا وَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا ثُلُثَ دِينَارٍ، وَالْآخَرُ سُدُسَهُ قُطِعَ صَاحِبُ الثُّلُثِ) ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ بَلْ أَكْثَرَ دُونَ الْآخَرِ (وَلَوْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَبِنَاتٍ فَمُشْتَرِكَانِ فِي النَّقْبِ) فَلَا يُشْتَرَطُ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الِاشْتِرَاكُ أَنْ يَأْخُذَ آلَةً وَاحِدَةً وَيَسْتَعْمِلَاهَا مَعًا بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي قَطْعِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ النَّقْبَ ذَرِيعَةٌ إلَى الْمَقْصُودِ وَلَا سَرِقَةَ فِي نَفْسِهِ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ الْمَذْكُورِ (وَلَوْ وَضَعَهُ أَحَدُهُمَا وَسَطَ النَّقْبِ) وَلَمْ يُنَاوِلْهُ الْآخَرُ (أَوْ نَاوَلَهُ لِآخَرَ هُنَاكَ) أَيْ فِي وَسَطِ النَّقْبِ فَأَخَذَهُ (وَأَخْرَجَهُ لَمْ يُقْطَعَا) أَيْ لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَإِنْ بَلَغَ الْمَالُ نِصَابَيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ تَمَامِ الْحِرْزِ، وَالْخَارِجَ لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا وَوَضَعَ الْمَالَ بِوَسَطِ النَّقْبِ وَأَخَذَهُ الْآخَرُ وَخَرَجَ بِوَسْطِ النَّقْبِ مَا لَوْ وَضَعَهُ خَارِجَهُ فَأَخَذَهُ الْآخَرُ أَوْ نَاوَلَهُ لَهُ خَارِجَهُ، فَإِنَّ الدَّاخِلَ يُقْطَعُ (وَإِنْ رَبَطَهُ لِشَرِيكِهِ الْخَارِجِ فَجَرَّهُ قُطِعَ الْخَارِجُ) دُونَ الدَّاخِلِ وَعَلَيْهِمَا الضَّمَانُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ
(وَيُقْطَعُ الْأَعْمَى بِسَرِقَةِ مَا دَلَّهُ عَلَيْهِ الزَّمِنُ) وَإِنْ حَمَلَهُ وَدَخَلَ بِهِ الْحِرْزَ لِيَدُلَّهُ عَلَى الْمَالِ وَخَرَجَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ السَّارِقُ (وَ) يُقْطَعُ (الزَّمِنُ بِمَا أَخْرَجَهُ، وَالْأَعْمَى حَامِلٌ لِلزَّمِنِ) لِذَلِكَ وَإِنَّمَا لَمْ يُقْطَعْ الْأَعْمَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَامِلًا لِلْمَالِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَحْمِلُ طَبَقًا فَحَمَلَ رَجُلًا حَامِلًا طَبَقًا لَمْ يَحْنَثْ وَكَالزَّمِنِ غَيْرُهُ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ وَلَوْ قَالَ حَامِلٌ لَهُ كَانَ أَخْصَرَ (وَفَتْحُ الْبَابِ، وَالْقُفْلِ) بِكَسْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَتَسَوُّرُ الْحَائِطِ) أَيْ كُلٌّ مِنْهَا (كَالنَّقْبِ) فِيمَا مَرَّ
(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي) وُجُوهِ (النَّقْلِ) لِلْمَالِ (فَإِنْ جَرَّهُ مِنْ الْحِرْزِ بِمِحْجَنٍ) أَوْ نَحْوِهِ كَكِلَابٍ (أَوْ رَمَى مِنْهُ إلَى خَارِجٍ) عَنْهُ (قُطِعَ وَلَوْ ضَاعَ) أَوْ لَمْ يَدْخُلْ هُوَ الْحِرْزَ إذْ النَّظَرُ لِلْإِخْرَاجِ لَا لِلْكَيْفِيَّةِ، وَالْمِحْجَنُ عَصًا مَحْنِيَّةُ الرَّأْسِ (وَإِنْ ابْتَلَعَ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَلَا مُودَعٌ جَحَدَ الْوَدِيعَةَ) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَسْبِقَ الْجَحْدُ إذْنٌ فِي وَضْعِ الْيَدِ فَهُوَ مُقَصِّرٌ فِي وَضْعِهِ عِنْدَهُ فَأَشْبَهَ وَضْعَهُ فِي غَيْرِ حِرْزٍ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ حَبْسِهِ عَنْ مَالِكِهِ وَالْكَذِبُ فِي جُحُودِهِ وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُوجِبًا لِلْقَطْعِ وَمَا رُوِيَ «عَنْ امْرَأَةٍ مَخْزُومِيَّةٍ كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ فَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ بِهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُطِعَتْ يَدُهَا» ، فَجَوَابُهُ أَنَّهُ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا سَرَقَتْ فَقَطَعَهَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ فَالْعَارِيَّةُ وَالْجَحْدُ إنَّمَا ذُكِرَا لِلتَّعْرِيفِ فَإِنَّهَا اُشْتُهِرَتْ بِذَلِكَ لَا أَنَّهُمَا سَبَبُ الْقَطْعِ (قَوْلُهُ وَفِي كَوْنِ الْخَائِنِ يَقْصِدُ الْأَخْذَ عِيَانًا وَقْفَةٌ) جَوَابُهُ أَنَّ الْأَخْذَ عِيَانًا وَاضِحٌ فِيهِ أَيْضًا كَأَخْذِهِ الْوَدِيعَةَ الَّتِي خَانَ فِيهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِخُفْيَةٍ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ نَقَبَ وَاحِدٌ وَأَخْرَجَ آخَرُ لَمْ يُقْطَعَا) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ لَوْ نَقَبَ مِنْ جَانِبٍ وَغَيْرُهُ مِنْ جَانِبٍ وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِصُنْعِ صَاحِبِهِ قُطِعَ مَنْ نَقَبَ أَوَّلًا فَقَطْ وَإِنْ وَقَعَ النَّقْبَانِ مَعًا قُطِعَا وَإِذَا أَخْرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا سَرَقَهُ مِنْ نَقْبِ صَاحِبِهِ كَانَ كَمَا لَوْ نَقَبَ وَاحِدٌ وَأَخْرَجَ الْمَالَ مِنْ الْبَابِ وَلَوْ هَتَكَ الْحِرْزَ وَاخْتَفَى فِيهِ فَجَاءَ صَاحِبُهُ بِمَتَاعٍ وَضَعَهُ فِيهِ فَأَخَذَهُ الْمُخْتَفِي خُفْيَةً وَخَرَجَ بِهِ فَلَا قَطْعَ لِأَنَّ الْمَالَ حَصَلَ فِي الْحِرْزِ بَعْدَ هَتْكِهِ قَالَهُ الْقَفَّالُ
(قَوْلُهُ نَعَمْ إنْ بَلَغَ مَا أَخْرَجَهُ الْأَوَّلُ مِنْ آلَةِ الْجِدَارِ نِصَابًا قُطِعَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْقَصْدُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ أَوْ رَمَى مِنْهُ إلَى خَارِجٍ عَنْهُ قُطِعَ) لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْمِيَهُ مِنْ النَّقْبِ أَوْ الْبَابِ أَوْ مِنْ فَوْقِ الْجِدَارِ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ بَعْدَ الرَّمْيِ أَوْ لَا أَوْ يَأْخُذَهُ غَيْرُهُ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَتْلَفَ بِالرَّمْيِ كَالزُّجَاجِ وَالْخَزَفِ أَوْ لَا، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَقَعَ فِي مَهْلَكَةٍ مِنْ مَاءٍ أَوْ نَارٍ أَوْ لَا عَلِمَ بِذَلِكَ أَمْ جَهِلَهُ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَتْلَفَ الْمَرْمِيُّ قَبْلَ خُرُوجِ السَّارِقِ مِنْ الْحِرْزِ أَوْ بَعْدَهُ، وَكَتَبَ أَيْضًا: لَوْ رَمَاهُ فَاحْتَرَقَ أَوْ غَرِقَ فَعَنْ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ أَنَّهُ يُقْطَعُ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ وَعَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ لَا وَحَكَى ذَلِكَ الدَّارِمِيُّ وَقَالَ عِنْدِي: إنْ رَمَاهُ لِلنَّارِ وَالْمَاءِ عَالِمًا فَلَا وَإِنْ قَصَدَ إخْرَاجَهُ لِأَخْذِهِ قُطِعَ وَرَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ وَقَالَ لَمْ أَرَ هَذَا الْفَرْعَ لِغَيْرِهِ وَقَالَ لَوْ رَمَاهُ فَانْكَسَرَ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَطَّانِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ مَكْسُورًا وَابْنُ الْمَرْزُبَانِ صَحِيحًا، وَقَالَ: إنْ أَخَذَهُ رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ قُطِعَ الرَّامِي دُونَ الْآخِذِ
جَوْهَرَةً) مَثَلًا فِي الْحِرْزِ (وَخَرَجَ) مِنْهُ (قُطِعَ إنْ خَرَجَتْ مِنْهُ) بَعْدُ لِبَقَائِهَا بِحَالِهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَهَا فِي فِيهِ أَوْ وِعَاءٍ، فَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْهُ فَلَا قَطْعَ لِاسْتِهْلَاكِهَا فِي الْحِرْزِ كَمَا لَوْ أَكَلَ الْمَسْرُوقَ وَكَذَا لَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ لَكِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا حَالَ الْخُرُوجِ عَنْ رُبْعِ دِينَارٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْبَارِزِيُّ (وَإِنْ تَضَمَّخَ بِطِيبٍ) فِي الْحِرْزِ (وَخَرَجَ) مِنْهُ (لَمْ يُقْطَعْ وَلَوْ جُمِعَ مِنْ جِسْمِهِ نِصَابٌ) مِنْهُ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ يُعَدُّ إتْلَافًا لَهُ كَالطَّعَامِ وَهَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ وَإِنْ أَخَذَ نِصَابًا وَأَتْلَفَ بَعْضَهُ فِي الْحِرْزِ لَمْ يُقْطَعْ وَمَا ذَكَرَهُ فِي صُورَةِ جَمْعِ النِّصَابِ هُوَ مَا صَحَّحَهُ الْأَصْلُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي تَصْنِيفٍ وَالرَّافِعِيُّ نَقَلَ الْوَجْهَيْنِ عَنْ السَّرَخْسِيُّ وَهُمَا فِي تَهْذِيبِ الْبَغَوِيّ وَكَافِي الْخُوَارِزْمِيَّ وَتَعْلِيقَةِ الْقَاضِي وَالْقَاضِي قَالَ: الْأَصَحُّ وُجُوبُ الْقَطْعِ وَلَا تَوَقُّفَ عِنْدَنَا فِي الْقَطْعِ بِهِ (وَإِنْ خَرَجَ) الْمَالُ (بِوَضْعِهِ) لَهُ (فِي مَاءٍ جَارٍ) فِي الْحِرْزِ (قُطِعَ) ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ بِفِعْلِهِ (أَوْ) فِي مَاءٍ (وَاقِفٍ فَمَنْ خَرَجَ) الْمَالُ (بِتَحْرِيكِهِ) قُطِعَ لِذَلِكَ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُحَرِّكُ لَهُ هُوَ أَمْ غَيْرَهُ نَعَمْ إنْ كَانَ غَيْرُهُ غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَوْ مُعْتَقِدًا وُجُوبَ طَاعَةِ آمِرِهِ وَقَدْ أَمَرَهُ الْوَاضِعُ بِذَلِكَ فَالْقَطْعُ عَلَى الْآمِرِ كَنَظِيرِهِ فِيمَا لَوْ نَقَبَ الْحِرْزَ ثُمَّ أَمَرَ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ بِإِخْرَاجِ مَا فِيهِ فَأَخْرَجَهُ (وَلَوْ خَرَجَ) مِنْهُ (بِانْفِجَارٍ أَوْ مَزِيدِ) سَيْلٍ أَوْ نَحْوِهِ (فَلَا) يُقْطَعُ لِخُرُوجِهِ بِغَيْرِ فِعْلِهِ
(وَإِنْ رَمَى) ثَمَرَ شَجَرٍ بِحِجَارَةِ أَوْ نَحْوِهَا أَوْ بِدُخَانِ نَارٍ أَدْخَلَهَا (مِنْ خَارِجِ الْبُسْتَانِ فَتَسَاقَطَ الثَّمَرُ فِي الْمَاءِ وَخَرَجَ) مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ (فَلَا قَطْعَ) لِعَدَمِ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ (وَإِنْ عَرَّضَهُ لِرِيحٍ مَوْجُودَةٍ) بِوَضْعِهِ عَلَى طَرَفِ النَّقْبِ أَوْ غَيْرِهِ (فَأَخْرَجَتْهُ) مِنْ الْحِرْزِ (قُطِعَ) وَلَا أَثَرَ لِمُعَاوَنَتِهَا كَمَا أَنَّهَا لَا تَمْنَعُ حِينَئِذٍ وُجُوبَ الْقِصَاصِ وَحِلَّ الصَّيْدِ (لَا إنْ حَدَثَتْ) بَعْدَ تَعْرِيضِهِ لَهَا فَأَخْرَجَتْهُ فَلَا قَطْعَ كَمَا فِي زِيَادَةِ الْمَاءِ (وَإِنْ وَضَعَهُ) فِي الْحِرْزِ (عَلَى دَابَّةٍ سَائِرَةٍ أَوْ وَاقِفَةٍ وَسَيَّرَهَا) بِسَوْقٍ أَوْ قَوْدٍ أَوْ تَطْيِيرٍ حَتَّى خَرَجَتْ بِهِ (قُطِعَ) ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ بِفِعْلِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَكُنْ سَائِرَةً وَلَا سَيَّرَهَا بَلْ سَارَتْ بِنَفْسِهَا وَلَوْ فَوْرًا (فَلَا) يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ لَهَا اخْتِيَارًا فِي السَّيْرِ، وَالْوُقُوفِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْقَطْعِ (وَلَوْ أَخْرَجَ شَاةً دُونَ النِّصَابِ فَتَبِعَتْهَا سَخْلَتَاهُ) أَوْ أُخْرَى (فَكَمَّلَ) بِهَا (النِّصَابَ لَمْ يُقْطَعْ) لِذَلِكَ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَفِي دُخُولِ السَّخْلَةِ فِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهَا سَارَتْ بِنَفْسِهَا وَمِثْلُهَا غَيْرُهَا مِمَّا تَبِعَ الشَّاةَ (وَلَوْ نَقَبَ) حِرْزًا (وَأَمَرَ أَعْجَمِيًّا أَوْ صَبِيًّا غَيْرَ مُمَيِّزٍ) بِإِخْرَاجِ الْمَالِ (فَأَخْرَجَ قُطِعَ الْآمِرُ) ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ كَتَسْيِيرِ الدَّابَّةِ، وَالْمَأْمُورُ آلَةٌ لَهُ وَلَوْ قَالَ أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ كَانَ أَعَمَّ (أَوْ مُمَيِّزًا أَوْ قِرْدًا فَلَا) قَطْعَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ آلَةً لَهُ وَلِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ اخْتِيَارًا
(وَإِنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ عَبْدًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ لِصِغَرٍ أَوْ عُجْمَةٍ) أَوْ جُنُونٍ (قُطِعَ) كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ (وَحِرْزُهُ فِنَاءُ الدَّارِ) وَنَحْوُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْفِنَاءُ مَطْرُوقًا قَالَهُ الْإِمَامُ (سَوَاءٌ حَمَلَهُ) السَّارِقُ (أَوْ دَعَاهُ فَأَجَابَهُ) ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَهِيمَةِ تُسَاقُ أَوْ تُقَادُ (وَكَذَا) إنْ سَرَقَهُ (مُمَيِّزًا سَكْرَانًا أَوَنَائِمًا أَوْ مَضْبُوطًا) يُقْطَعُ سَارِقُهُ كَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَسَكْرَانُ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْبَعَ أَصْلَهُ فِي حَذْفِ أَلِفِهِ لَكِنَّهُ صَرَفَهُ لِلتَّنَاسُبِ (وَلَوْ أَكْرَهَهُ) أَيْ الْمُمَيِّزَ (فَخَرَجَ) مِنْ الْحِرْزِ (فَكَذَلِكَ) أَيْ يُقْطَعُ كَمَا لَوْ سَاقَ الْبَهِيمَةَ بِالضَّرْبِ وَلِأَنَّ الْقُوَّةَ الَّتِي هِيَ الْحِرْزُ قَدْ زَالَتْ بِالْقَهْرِ (لَا) إنْ أَخْرَجَهُ (بِخَدِيعَةٍ) فَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا خِيَانَةٌ لَا سَرِقَةٌ (فَإِنْ حَمَلَ عَبْدًا) مُمَيِّزًا (قَوِيًّا) عَلَى الِامْتِنَاعِ (نَائِمًا) أَوْ سَكْرَانَ (فَفِي الْقَطْعِ تَرَدُّدٌ) ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْعَبْدِ مُحْرَزٌ بِقُوَّتِهِ وَجَرَى عَلَى عَدَمِ الْقَطْعِ الْغَزَالِيُّ فِي وَجِيزِهِ، وَالْمَنْقُولُ الْقَطْعُ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّبِ وَحُسَيْنٌ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَالْعِمْرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي أُمِّ الْوَلَدِ (لَا) إنْ حَمَلَهُ (مُسْتَيْقِظًا) فَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ مُحْرَزٌ بِقُوَّتِهِ وَهِيَ مَعَهُ (وَلَوْ تَغَفَّلَ مُلَاحِظًا مَتَاعَهُ حَيْثُ لَا غَوْثَ) أَيْ لَا مُغِيثَ يُسْتَغَاثُ بِهِ شَخْصٌ (أَضْعَفُ مِنْهُ) وَأَخَذَ الْمَتَاعَ وَلَوْ عَلِمَ بِهِ الْمُلَاحِظُ لَطَرَدَهُ (لَا أَقْوَى) مِنْهُ (قُطِعَ) لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ بِاخْتِلَافِ الْآخِذِينَ كَمَا يَخْتَلِفُ أَصْلُ الْإِحْرَازِ بِاخْتِلَافِ أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ (وَلَوْ سَرَقَ حُرًّا) وَلَوْ نَائِمًا أَوْ (طِفْلًا عَلَيْهِ قِلَادَةٌ) أَوْ غَيْرُهَا مِنْ حُلِيِّهِ أَوْ مَلَابِسِهِ (ثُمَّ نَزَعَهَا) مِنْهُ (لَمْ يُقْطَعْ) قَالَ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَيْسَ بِمَالٍ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ هُوَ مَا صَحَّحَهُ الْأَصْلُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ وَضَعَهُ عَلَى دَابَّةٍ سَائِرَةٍ) أَيْ لِتَخْرُجَ مِنْ الْحِرْزِ أَمَّا لَوْ كَانَتْ مُتَرَدِّدَةً فِي جَوَانِبِهِ فَوَضَعَهُ عَلَيْهَا ثُمَّ عَرَضَ لَهَا الْخُرُوجُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ (قَوْلُهُ وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ تَكُنْ سَائِرَةً) وَلَا سَيَّرَهَا بَلْ سَارَتْ بِنَفْسِهَا وَلَوْ فَوْرًا فَلَا يُقْطَعْ إلَخْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَمَحَلُّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهَا وَكَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا، فَإِنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَكَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا فَفَتَحَهُ لَهَا فَلَا تَوَقُّفَ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ تَحْتَ يَدِهِ مِنْ حِينِ الِاسْتِيلَاءِ وَلَمَّا فَتَحَ لَهَا الْبَابَ وَهِيَ تَحْمِلُهُ فَخَرَجَتْ كَانَ الْإِخْرَاجُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ قَالَ: وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ لَهُ أَوْ مُسْتَأْجَرَةً مَعَهُ أَوْ مُسْتَعَارَةً وَخَرَجَتْ وَهُوَ مَعَهَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَ يَدِهِ فَفِعْلُهَا مَنْسُوبٌ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَوْ أَتْلَفَتْ شَيْئًا بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا وَهُوَ مَعَهَا كَانَ ضَامِنًا لَهَا فَكَذَلِكَ يَكُونُ سَارِقًا لِمَا خَرَجَتْ بِهِ وَهُوَ مَعَهَا وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ اهـ لَا يُقْطَعُ فِي مَسَائِلِ الْأَرْبَعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الضَّمَانِ وَالْقَطْعِ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهَا سَارَتْ بِنَفْسِهَا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ: قَدْ رَجَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ فِي الْغَصْبِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ كَتَسْيِيرِ الدَّابَّةِ إلَخْ) فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ وَلِهَذَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى آمِرِهِ بِالْقَتْلِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ اخْتِيَارًا) اُسْتُشْكِلَ بِمَا إذَا عَلِمَهُ لِلْقَتْلِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ وَفُرِّقَ بِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَجِبُ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ السَّبَبِ بِخِلَافِ الْقَتْلِ فس
(قَوْلُهُ لَكِنَّهُ صَرَفَهُ لِلتَّنَاسُبِ) صَرْفُهُ لُغَةُ بَنِي أَسَدٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي مُؤَنَّثِهِ سَكْرَانَةُ (قَوْلُهُ وَهُوَ نَظِيرُ مَا مَرَّ) فِي أُمِّ الْوَلَدِ فَهُوَ الْمَذْهَبُ
وَمَا مَعَهُ فِي يَدِهِ وَمُحْرَزٌ بِهِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ حِرْزِهِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ نَزَعَ مِنْهُ الْمَالَ قُطِعَ لِإِخْرَاجِهِ مِنْ حِرْزِهِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ زِيَادَتِهِ ثُمَّ نَزَعَهَا مِنْ تَصَرُّفِهِ لَكِنْ نَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الزَّبِيلِيِّ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا نَزَعَ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا قَطْعَ قَطْعًا فَعَلَيْهِ كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ وَإِنْ نَزَعَهَا وَالْأَوْجَهُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَصَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَنَّهُ إنْ نَزَعَهَا مِنْهُ خِفْيَةً أَوْ مُجَاهَرَةً وَلَمْ يُمْكِنْهُ مَنْعُهُ مِنْ النَّزْعِ قُطِعَ وَإِلَّا فَلَا (وَلَوْ جَرَّ بَعِيرًا مِنْ قَافِلَةٍ عَلَيْهِ أَمْتِعَتُهُ وَعَبْدٌ نَائِمٌ لَا حُرٌّ) قَالَ فِي الْأَصْلِ وَجَعَلَهُ بِمَضْيَعَةٍ (قُطِعَ) ؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ بِمَا عَلَيْهِ مَسْرُوقٌ بِخِلَافِهِ فِي الْحُرِّ وَلَوْ نَائِمًا؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَتَاعِ فِي يَدِ الْحُرِّ وَمِثْلُهُ الْمُكَاتَبُ، وَالْمُبَعَّضُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَبِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَجْعَلْهُ بِمَضْيَعَةٍ كَأَنْ جَعَلَهُ بِقَافِلَةٍ أُخْرَى أَوْ بَلَدٍ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ حَذَفَ مَا نَقَلْته عَنْ الْأَصْلِ لِهَذَا وَبِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُسْتَيْقِظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِ الْأَمْتِعَةِ؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ وَالْعَبْدَ مَسْرُوقَانِ نَعَمْ إنْ حَمَلَ الْعَبْدَ عَلَى الْقَوِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا انْتَهَى وَفِي كَوْنِهِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا حِينَئِذٍ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ مَسْرُوقٌ (وَإِنْ سَرَقَ قِلَادَةً) مَثَلًا مُعَلَّقَةً (عَلَى صَغِيرٍ) وَلَوْ حُرًّا (أَوْ كَلْبٍ مُحْرَزَيْنِ أَوْ) سَرَقَهَا (مَعَ الْكَلْبِ قُطِعَ) وَحِرْزُ الْحُرِّ الصَّغِيرِ حِرْزُ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ (وَحِرْزُ الْكَلْبِ حِرْزُ الدَّوَابِّ)
(الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي) الْمَحَلِّ (الْمَنْقُولِ إلَيْهِ) الْمَالُ الْمَسْرُوقُ (فَلَا قَطْعَ بِالنَّقْلِ) لَهُ (إلَى صَحْنِ الدَّارِ) الْمُقْفَلَةِ (مِنْ بَيْتٍ مَفْتُوحٍ) ؛ لِأَنَّ صَحْنَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لِلْمَالِ فَلَيْسَ الْمَالُ مُحْرَزًا فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ الْمَفْتُوحَ كَالْعَرْصَةِ وَإِلَّا فَهُوَ كَمَا لَوْ نَقَلَهُ مِنْ زَاوِيَةٍ إلَى أُخْرَى مِنْ الْحِرْزِ (فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ مُقْفَلًا وَبَابُ الدَّارِ مَفْتُوحٌ قُطِعَ) ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ إلَى مَحَلِّ الضَّيَاعِ (أَوْ كَانَا مَفْتُوحَيْنِ وَلَا حَافِظَ) ثَمَّ (أَوْ مُغْلَقَيْنِ فَلَا) يُقْطَعُ لِعَدَمِ الْإِحْرَازِ فِي الْأُولَى وَعَدَمِ إخْرَاجِهِ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ تَمَامِ حِرْزِهِ كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ الصُّنْدُوقِ إلَى الْبَيْتِ (هَذَا إذَا فَتَحَهُ) أَيْ بَابَ الدَّارِ (غَيْرُ السَّارِقِ، فَإِنْ فَتَحَهُ السَّارِقُ فَهُوَ فِي حَقِّهِ الْمُغْلَقِ) حَتَّى لَا يُقْطَعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ تَمَامِ الْحِرْزِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يُقْطَعَ بَعْدَ إخْرَاجِهِ الْمَالَ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزِهِ (وَإِنْ أَخْرَجَ أَجْنَبِيٌّ مِنْ) حِرْزٍ (مُشْتَرَكٍ) بَيْنَ جَمَاعَةٍ (كَالْخَانِ) ، وَالرِّبَاطِ (مَا سَرَقَهُ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ كَالصَّحْنِ) إلَى خَارِجِهِ (قُطِعَ) كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ مُخْتَصٍّ بِوَاحَةٍ (أَوْ) أَخَذَهُ (مِنْ حُجْرَةٍ) أَيْ لِلْخَانِ (وَأَخْرَجَهُ إلَى الصَّحْنِ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَابُ الْخَانِ مَفْتُوحًا أَوْ مُغْلَقًا كَمَا مَرَّ) فِي الدَّارِ مَعَ الْبَيْتِ وَقِيلَ يُقْطَعُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الصَّحْنَ لَيْسَ حِرْزًا لِصَاحِبِ الْبَيْتِ بَلْ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ السُّكَّانِ فَهُوَ كَالسِّكَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ أَهْلِهَا، وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ، وَالشَّرْحُ الصَّغِيرُ.
وَنَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَالزَّرْكَشِيُّ الثَّانِي عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَبَعْضِ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَالَا: وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَالتَّعْبِيرُ بِأَوْ فِيمَا ذُكِرَ وَنَحْوِهِ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْوَاوِ؛ لِأَنَّ بَيْنَ لَا تَدْخُلُ إلَّا عَلَى مُتَعَدِّدٍ (وَإِنْ سَرَقَ أَحَدُ سُكَّانِهِ) أَيْ الْمُشْتَرَكِ (مِنْ الصَّحْنِ أَوْ مِنْ حُجْرَةٍ مَفْتُوحَةٍ لَمْ يُقْطَعْ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا لَيْسَ مُحْرَزًا عَنْهُ لِشَرِكَتِهِ فِي الصَّحْنِ فِي الْأُولَى وَفَتْحِ الْبَابِ فِي الثَّانِيَةِ (أَوْ) مِنْ حُجْرَةٍ (مُغْلَقَةٍ قُطِعَ بِالْإِخْرَاجِ) مِنْهَا وَلَوْ (إلَى الصَّحْنِ) ، وَالصَّحْنُ فِي حَقِّ السُّكَّانِ كَسِكَّةٍ مُنْسَدَّةٍ بِالْإِضَافَةِ إلَى الدُّورِ وَسَوَاءٌ أَكَانَ بَابُ الْمُشْتَرَكِ مَفْتُوحًا أَمْ مُغْلَقًا كَنَظِيرِهِ فِيمَا لَوْ كَانَ عَلَى السِّكَّةِ بَابٌ (وَإِنْ سَرَقَ الضَّيْفُ) مِنْ مَكَانِ مَضِيفِهِ (أَوْ الْجَارُ مِنْ حَانُوتِ جَارِهِ، وَالْمُغْتَسِلُ مِنْ الْحَمَّامِ) وَإِنْ دَخَلَ لِيَسْرِقَ (أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْ الدُّكَّانِ الْمَطْرُوقِ) لِلنَّاسِ (مَا لَيْسَ مُحْرَزًا عَنْهُ لَمْ يُقْطَعْ) عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي سَرِقَةِ ذَلِكَ (وَإِنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ لِيَسْرِقَ) قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَوْ لِيَغْتَسِلَ وَلَمْ يَغْتَسِلْ (فَتَغَفَّلَ حَمَّامِيًّا) أَوْ غَيْرَهُ (اُسْتُحْفِظَ) مَتَاعًا فَحَفِظَهُ (فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ) مِنْ الْحَمَّامِ (قُطِعَ) بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يُسْتَحْفَظْ أَوْ اُسْتُحْفِظَ فَلَمْ يَحْفَظْ لِنَوْمٍ أَوْ إعْرَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ حَافِظٌ
(الرُّكْنُ الثَّالِثُ السَّارِقُ وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ، وَالِاخْتِيَارُ، وَالِالْتِزَامُ) ، وَالْعِلْمُ بِالتَّحْرِيمِ (فَيُقْطَعُ سَكْرَانُ بِمُحَرَّمٍ) أَيْ بِشُرْبِ مُحَرَّمٍ (سَرَقَ) هَذَا فَرْعُهُ عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ أَنَّ السَّكْرَانَ مُكَلَّفٌ وَقَدْ تَكَرَّرَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَإِنَّمَا قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُكَلَّفِ وَهُوَ بَابُ خِطَابِ الْوَضْعِ (وَلَا قَطْعَ) عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمَا لَكِنَّهُمَا يُعَزَّرَانِ إنْ كَانَا مُمَيِّزَيْنِ وَلَا عَلَى مُكْرَهٍ لِشُبْهَةِ الْإِكْرَاهِ الدَّافِعَةِ لِلْحَدِّ وَلَا (عَلَى حَرْبِيٍّ) لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ الْأَحْكَامَ وَلَا عَلَى جَاهِلٍ لِعُذْرِهِ (وَيُقْطَعُ ذِمِّيٌّ بِمَالٍ مُسْلِمٍ كَعَكْسِهِ) بِجَامِعِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ زِيَادَتِهِ ثُمَّ نَزَعَهَا مِنْ تَصَرُّفِهِ) أَفَادَ تَعْبِيرُهُ بِثُمَّ نَزَعَهَا عَطْفًا عَلَى سَرَقَ إنْ نَزَعَهَا مِنْهُ بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ وَهُوَ مَحْمَلُ كَلَامِ الزَّبِيلِيِّ وَأَمَّا مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ أَصْلِهِ فَمَحَلُّهُ فِي نَزْعِهَا مِنْهُ قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا فَتَصَرُّفُهُ حَسَنٌ (قَوْلُهُ لَكِنْ نَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الزَّبِيلِيِّ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَا إذَا نَزَعَهَا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ اهـ وَلِهَذَا زَادَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ: ثُمَّ نَزَعَهَا وَاحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ نَزَعَهَا مِنْهُ فِي حِرْزِهَا قَبْلَ إخْرَاجِهِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَمَحَلُّهُ أَيْضًا مَا إذَا كَانَتْ الْقِلَادَةُ أَوْ نَحْوُهَا مِمَّا يَلِيقُ بِالصَّبِيِّ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ مَا يَلِيقُ بِهِ وَأَخَذَهُ مِنْ حِرْزِ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ قُطِعَ قَطْعًا ذَكَرَهُ فِي الْكِفَايَةِ (قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ حَذَفَ مَا نَقَلْتُهُ عَنْ الْأَصْلِ لِهَذَا) ذِكْرُ الْأَصْلِ الْمَضْيَعَةَ وَالْأَمْتِعَةَ مِثَالٌ، وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ وَلَوْ نَامَ عَبْدٌ عَلَى بَعِيرٍ فَقَادَهُ وَأَخْرَجَهُ عَنْ الْقَافِلَةِ قُطِعَ أَيْ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْرَزًا بِالْقَافِلَةِ
(قَوْلُهُ وَعَدَمُ إخْرَاجِهِ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ تَمَامِ حِرْزِهِ) ؛ لِأَنَّ غَلْقَ الدَّارِ مَزِيدُ إيثَاقٍ لِلْمَالِ الَّذِي فِي الْبَيْتِ فَهُوَ تَتِمَّةُ الْحِرْزِ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ الصُّنْدُوقِ إلَى الْبَيْتِ سَوَاءٌ كَانَ الصَّحْنُ حِرْزًا لِلْمَنْقُولِ أَمْ لَا عَلَى الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَوْ لِيَغْتَسِلَ وَلَمْ يَغْتَسِلْ) مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ضَعِيفٌ فَلَا قَطْعَ فِيهِ
(الرُّكْنُ الثَّالِثُ) (قَوْلُهُ وَالْعِلْمُ بِالتَّحْرِيمِ) أَشَارَ إلَيْهِ الْفَارِقِيُّ فِيمَا لَوْ أَمَرَ أَعْجَمِيًّا بِالسَّرِقَةِ فَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ وَلِلِاعْتِقَادِ أَثَرٌ فِي إسْقَاطِ الْحُدُودِ ر غ (قَوْلُهُ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُلْتَزِمٌ لِلْأَحْكَامِ وَيُقْطَعُ أَيْضًا بِمَالِ ذِمِّيٍّ (وَكَذَا يُحَدُّ إنْ زَنَى) وَلَوْ بِغَيْرِ مُسْلِمَةٍ (وَإِنْ لَمْ يَرْضَ) بِحُكْمِنَا فِي الصُّورَتَيْنِ بَعْدَ الرَّفْعِ إلَيْنَا (إنْ أَلْزَمْنَا) نَحْنُ (حَاكِمَنَا الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ) وَهُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْمُسْلِمَةِ، وَالرَّاجِحُ فِي غَيْرِهَا، وَالْمَسْأَلَةُ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ (بِخِلَافِ الْمُعَاهَدِ) الشَّامِلِ لِلْمُسْتَأْمَنِ مَنْ إذَا زَنَى لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِلْأَحْكَامِ كَالْحَرْبِيِّ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا يُقْطَعُ مُعَاهَدٌ وَ) لَا (مُسْتَأْمَنٌ) بِسَرِقَةِ مَالِ غَيْرِهِمَا وَإِنْ شُرِطَ قَطْعُهُمَا بِهَا (وَلَا يُقْطَعُ لَهُمَا) بِسَرِقَةِ مَالِهِمَا لِذَلِكَ (وَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ) أَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا (بِالسَّرِقَةِ إلَّا أَنْ شُرِطَ) عَلَيْهِ انْتِقَاضُ عَهْدِهِ بِهَا، وَالتَّرْجِيحُ هُنَا مِنْ زِيَادَتِهِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي أَوْ أَخَّرَ الْجِزْيَةَ، وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ: وَفِي انْتِقَاضِ عَهْدِ الْمُعَاهَدِ بِالسَّرِقَةِ أَوْجُهٌ ثَالِثُهَا إنْ شُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْرِقَ انْتَقَضَ وَإِلَّا فَلَا
(الْبَابُ الثَّانِي) (فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ السَّرِقَةُ) (وَمِثْلُهَا الْمُحَارَبَةُ) التَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَهُوَ) أَيْ مَا يَثْبُتُ بِهِ السَّرِقَةُ أُمُورٌ (ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ يَمِينُ الرَّدِّ، فَلَوْ نَكَلَ السَّارِقُ) عَنْ الْيَمِينِ (وَحَلَفَ الْمُدَّعِي) يَمِينُ الرَّدِّ (قُطِعَ) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ أَوْ الْبَيِّنَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُقْطَعُ بِهِ وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ وَرَجَّحَهُ الْأَصْلُ هُنَا وَفِيمَا مَرَّ فِي الشَّرْطِ الثَّانِي لَكِنَّهُ صَحَّحَ فِي الدَّعَاوَى وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِالْمَرْدُودَةِ كَمَا لَوْ قَالَ أَكْرَهَ فُلَانُ أَمَتِي عَلَى الزِّنَا فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ الْمَهْرُ دُونَ حَدِّ الزِّنَا وَلِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالسَّارِقُ إذَا أَنْكَرَ مَا أَقَرَّ بِهِ لَا يُقْطَعُ وَهَذَا قَدْ أَنْكَرَ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ قَطْعُ السَّارِقِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ أَوْ إقْرَارِهِ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَبَعْضُ الْخُرَاسَانِيِّينَ
(الثَّانِي الْإِقْرَارُ فَيُقْطَعُ بِهِ) الْمُقِرُّ بِالسَّرِقَةِ لِخَبَرِ «مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ» هَذَا (إنْ بَيَّنَ السَّرِقَةَ، وَالْمَسْرُوقَ مِنْهُ) وَقَدْرَ الْمَسْرُوقَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْلِ (وَالْحِرْزَ بِتَعْيِينٍ أَوْ وَصْفٍ) لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَظُنُّ غَيْرَ السَّرِقَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ سَرِقَةً مُوجِبَةً لَهُ وَسَيَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي الشُّهُودِ (وَسَقَطَ الْقَطْعُ بِالرُّجُوعِ عَنْ السَّرِقَةِ، وَالْمُحَارَبَةِ) أَيْ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِمَا (وَلَوْ) كَانَ الرُّجُوعُ (فِي أَثْنَاءِ الْقَطْعِ) كَمَا يَسْقُطُ حَدُّ الزِّنَا بِالرُّجُوعِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَالَ مَا إخَالُكَ سَرَقْت قَالَ بَلَى سَرَقْت فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ» وَلَوْلَا أَنَّ الرُّجُوعَ مَقْبُولٌ لَمَا كَانَ لِلْحَثِّ عَلَيْهِ مَعْنًى (فَلَوْ بَقِيَ) مِنْ الْقَطْعِ بَعْدَ الرُّجُوعِ (مَا يَضُرُّ إبْقَاؤُهُ قَطَعَ) هُوَ (لِنَفْسِهِ) لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِهِ (وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ قَطْعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَدَاوٍ وَخَرَجَ بِالْقَطْعِ الْمَالُ فَلَا يَسْقُطُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ
(فَرْعَانِ) لَوْ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ رَجَعَ ثُمَّ كَذَّبَ رُجُوعَهُ قَالَ الدَّارِمِيُّ لَا يُقْطَعُ وَلَوْ أَقَرَّ بِهِمَا ثُمَّ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ثُمَّ رَجَعَ قَالَ الْقَاضِي سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ كَانَ بِالْإِقْرَارِ وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الزِّنَا عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ (وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُ الْمُقِرِّينَ) بِالسَّرِقَةِ عَنْ إقْرَارِهِ دُونَ الْآخَرِ (قُطِعَ الْآخَرُ) فَقَطْ (فَلَوْ أَقَرَّ) وَاحِدٌ (بِإِكْرَاهِ أَمَةٍ عَلَى الزِّنَا) أَوْ بِالزِّنَا بِهَا بِلَا إكْرَاهٍ (حُدَّ وَإِنْ غَابَ سَيِّدُهَا) ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى (فَإِنْ رَجَعَ السَّيِّدُ) مِنْ غَيْبَتِهِ (وَقَالَ كُنْت مَلَّكْته إيَّاهَا) بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَأَنْكَرَ) هـ الْمُقِرُّ (لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ) إذْ لَوْ سَقَطَ لَمْ يُسْتَوْفَ فِي غَيْبَتِهِ (وَكَذَا) لَا يَسْقُطُ (إنْ قَالَ أَبَحْتهَا) لَهُ (وَإِنْ لَمْ يُنْكِرْ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تُبَاحُ لِلْوَطْءِ وَبِهَذَا فَارَقَ مَسْأَلَةَ سَرِقَةِ مَالِ الْغَائِبِ الْآتِيَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُعَاهَدِ) يَجُوزُ فِي الْمُعَاهَدِ فَتْحُ الْهَاءِ وَكَسْرُهَا
[الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ السَّرِقَةُ]
(قَوْلُهُ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ) السَّيِّدُ بِعِلْمِهِ يَقْضِي عَلَى عَبْدِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الزِّنَا (قَوْلُهُ فَلَوْ نَكَلَ السَّارِقُ وَحَلَفَ الْمُدَّعِي قُطِعَ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ لَمْ يُقْطَعْ وَهُوَ مَا عَزَاهُ إلَيْهِ تِلْمِيذُهُ الْفَتَى وَهُوَ الرَّاجِحُ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الدَّعَاوَى وَيَثْبُتُ بِالْمَرْدُودَةِ الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ كَمَا مَرَّ فِي السَّرِقَةِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِالْمَرْدُودَةِ) أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ الَّتِي لَا تَدْخُلُهَا الْأَيْمَانُ فِي إثْبَاتٍ وَلَا إنْكَارٍ فَصَارَتْ الْيَمِينُ مَقْصُورَةً عَلَى الْغُرْمِ دُونَ الْقَطْعِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَأَنَا أَعْجَبُ مِنْ نَقْلِ الْإِمَامِ ذَلِكَ عَنْ الْأَصْحَابِ وَمُتَابَعَةِ الْغَزَالِيِّ لَهُ، وَقَدْ أَشَارَا جَمِيعًا إلَى اسْتِشْكَالِهِ وَظَنَّاهُ مَحَلَّ وِفَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ وَجْهٌ شَاذٌّ لِبَعْضِ الْمَرَاوِزَةِ عَلَى أَنَّ فِي ثُبُوتِهِ وَقْفَةٌ، فَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ شَاذٌّ نَقْلًا وَمَعْنًى وَلَعَلَّهُ مُنْتَزَعٌ مِنْ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ الدَّائِرِ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ تَتَعَدَّى إلَى ثَالِثٍ عَلَى أَنَّ فِي انْتِزَاعِهِ مِنْهُ نَظَرًا أَيْضًا، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ وَقَدْ وَافَقَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ فِي الزِّنَا بِأَمَةِ الْغَيْرِ وَأَنَّهَا كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُهُ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ) أَيْ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَقَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَخْ حَيْثُ قَالَ لَا يُقَامُ عَلَى سَارِقٍ وَلَا مُحَارِبٍ حَدٌّ إلَّا مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا شَاهِدَانِ وَإِمَّا الِاعْتِرَافُ (قَوْلُهُ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ) أَيْ وَالصَّوَابُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْجَانِيَ إذَا أَنْكَرَ حَيَاةَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ حَالَ الْجِنَايَةِ صُدِّقَ الْوَلِيُّ بِيَمِينِهِ وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ لَا الْقِصَاصُ عَلَى الصَّحِيحِ لِلشُّبْهَةِ مَعَ أَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَحَقُّ اللَّهِ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ أَوْلَى بِأَنْ لَا يَثْبُتَ بِالْيَمِينِ (تَنْبِيهٌ) لَا يَقْطَعُ السَّارِقَ الْحُرَّ أَوْ الْمُبَعَّضَ أَوْ الْمُكَاتَبَ إلَّا الْإِمَامُ أَوْ مَنْ فَوَّضَ إلَيْهِ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ لِحِفْظِ مَالِهِ فَالْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِمَامُ هُوَ النَّائِبُ فِيهِ وَلَمْ يُقَمْ حَدٌّ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا بِإِذْنِهِ وَكَذَا فِي عَهْدِ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِهِ
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ ذَلِكَ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَا يَبْعُدُ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ التَّفْصِيلُ مِنْ الْمُقِرِّ الْعَالِمِ الْمُوَافِقِ لِلْقَاضِي فِي الْمَذْهَبِ
[فَرْع أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ رَجَعَ ثُمَّ كَذَّبَ رُجُوعَهُ]
(قَوْلُهُ حُدَّ وَإِنْ غَابَ سَيِّدُهَا) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمُقِرَّ لَوْ كَانَ مِنْ وَرَثَةِ السَّيِّدِ أَنَّهُ يُؤَخَّرُ الْحَدُّ إلَى الْعِلْمِ بِحَيَاتِهِ حَالَ الزِّنَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ قَبْلُ فَيَكُونُ قَدْ وَطِئَ مِلْكَهُ لَا سِيَّمَا إذَا طَالَتْ الْغَيْبَةُ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ وَقَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَا يَبْعُدُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَيْعِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْقُطَ عَنْهُ الْحَدُّ إذَا أَقَرَّ بِوَقْفِ الْجَارِيَةِ عَلَيْهِ وَكَذَّبَهُ زَادَ فِي الرَّوْضَةِ قُلْت لَيْسَ الْوَقْفُ كَالْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِلَا قَبُولٍ عَلَى الْمُخْتَارِ (وَلَوْ أَقَرَّ) بِلَا دَعْوَى (بِسَرِقَةٍ لِغَائِبٍ) أَوْ شَهِدَ بِهَا شُهُودُ حِسْبَةٍ (لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى يَقْدَمَ) مِنْ غَيْبَتِهِ وَيُطَالِبَهُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَبَاحَ لَهُ الْمَالَ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ مُتَعَلِّقُ حَقِّ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ حِفْظًا لِمَالِهِ وَاشْتُرِطَ حُضُورُهُ وَفِي مَعْنَى حُضُورِهِ حُضُورُ وَكِيلِهِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ (وَهَلْ يُحْبَسُ) الْمُقِرُّ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ كَمَنْ أَقَرَّ بِقِصَاصٍ لِغَائِبٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ لَا يُحْبَسُ إلَّا إنْ قَصُرَتْ الْمَسَافَةُ وَتُوُقِّعَ قُدُومُهُ عَلَى قُرْبٍ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَاهِلَةِ أَوْ يُحْبَسُ إنْ كَانَتْ الْعَيْنُ تَالِفَةً لِلْغُرْمِ وَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً أُخِذَتْ مِنْهُ ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَ طُولِ الْمَسَافَةِ وَقِصَرِهَا (فِيهِ وُجُوهٌ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمُّ الْأَوَّلُ وَقَالَ الْإِمَامُ: إنَّهُ الظَّاهِرُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ قُلْت وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ (فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ) أَيْ الْغَائِبُ (بِغَصْبٍ) لِمَالٍ (لَمْ يُطَالِبْهُ الْحَاكِمُ) بِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِمَالِ الْغَائِبِ فَلَا يَحْبِسُهُ بِخِلَافِ السَّارِقِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْقَطْعِ أَيْ فِي الْجُمْلَةِ (إلَّا إنْ مَاتَ) الْغَائِبُ عَنْ الْمَالِ (وَخَلَّفَهُ لِطِفْلٍ وَنَحْوِهِ) فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُقِرَّ بِهِ وَيَحْبِسَهُ وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الرَّوْضَةِ
(فَرْعٌ لَوْ أَقَرَّ عَبْدٌ بِسَرِقَةِ دُونَ النِّصَابِ لَمْ يُقْبَلْ) إلَّا إنْ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ (أَوْ بِنِصَابٍ قُطِعَ) كَإِقْرَارِهِ بِجِنَايَةٍ تُوجِبُ قِصَاصًا (وَلَمْ يَثْبُتْ الْمَالُ) وَإِنْ كَانَ بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى سَيِّدِهِ لِتَعَلُّقِ الْغُرْمِ بِرَقَبَتِهِ إنْ تَلِفَ الْمَالُ وَانْتِزَاعُهُ مِنْهُ إنْ بَقِيَ وَهَذَا تَقَدَّمَ فِي الْإِقْرَارِ
(فَرْعٌ لِلْقَاضِي التَّعْرِيضُ لَهُ) أَيْ لِمَنْ اُتُّهِمَ (فِي) بَابِ (الْحُدُودِ) بِمَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنْهَا (بِأَنْ يُنْكِرَ) مَا اُتُّهِمَ بِهِ مِنْهَا سَتْرًا لِلْقَبِيحِ وَلِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ» (إنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ) ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّعْرِيضُ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ الشُّهُودِ (وَ) لَهُ التَّعْرِيضُ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا (بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ) وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِجَوَازِ الرُّجُوعِ لِمَا مَرَّ آنِفًا وَلِخَبَرِ مَاعِزٍ السَّابِقِ فِي بَابِ الزِّنَا قَالَ الرَّافِعِيُّ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ جَاهِلًا بِوُجُوبِ الْحَدِّ بِأَنْ أَسْلَمَ قَرِيبًا أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ وَإِذَا عَرَضَ لَهُ، فَإِنَّمَا يَعْرِضُ (بِمَا) أَيْ بِرُجُوعٍ (لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْغَيْرِ) مِنْ عُقُوبَةٍ وَغَيْرِهَا لَا بِمَا يُسْقِطُهُ حَتَّى لَا يَعْرِضَ فِي السَّرِقَةِ بِمَا يُسْقِطُ الْغُرْمَ وَإِنَّمَا يَسْعَى فِي دَفْعِ الْقَطْعِ كَمَا أَنَّهُ فِي حُدُودِ اللَّهِ يُسْتَحَبُّ السَّتْرُ وَفِي حُقُوقِ الْعِبَادِ يَجِبُ الْإِظْهَارُ (وَلَا يَقُولُ) لَهُ (ارْجِعْ) عَنْ الْإِقْرَارِ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ صَرَائِحِ الرُّجُوعِ كَاجْحَدْهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْكَذِبِ وَمَا رُوِيَ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلسَّارِقِ أَسَرَقْت قُلْ لَا» لَمْ يَصِحَّ (بَلْ) يَقُولُ لَهُ فِي الزِّنَا (لَعَلَّك لَامَسْت أَوْ) فِي شُرْبِ الْخَمْرِ لَعَلَّك (مَا عَلِمْته خَمْرًا أَوْ) فِي السَّرِقَةِ لَعَلَّك (سَرَقْت مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوَ كُلٍّ مِنْهُمَا نَحْوُ لَعَلَّك فَاخَذْتَ أَوْ قَبَّلْت أَوْ لَمْ تَعْلَمْهُ مُسْكِرًا أَوْ غَصَبْت أَوْ أَخَذْت بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَقَدْ وَرَدَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي الْأَخْبَار (وَلَا يُسْتَحَبُّ) لَهُ (التَّعْرِيضُ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ التَّعْرِيضَ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ (وَلَوْ عَرَّضَ لِلشُّهُودِ بِالتَّوَقُّفِ) فِي الشَّهَادَةِ بِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى (جَازَ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ) فِي السَّتْرِ، فَإِنْ انْتَفَتْ لَمْ يَجُزْ
(الثَّالِثُ الشَّهَادَةُ فَيَثْبُتُ الْمَالُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ) شَاهِدٍ (وَيَمِينٍ وَلَا يَثْبُتُ الْقَطْعُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ) فَلَا يَثْبُتُ بِمَا ذُكِرَ كَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ وَهَذَا كَمَا يَثْبُتُ بِهِ الْغَصْبُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَوْ الْعِتْقُ دُونَهُمَا وَيُخَالِفُ مَا لَوْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ حَيْثُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَلَا الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلٌ عَنْ الْقَتْلِ، وَالْغُرْمُ هُنَا لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الْقَطْعِ وَوَصَفَ الشَّاهِدَيْنِ بِقَوْلِهِ (يُبَيِّنَانِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذُكِرَ فِي الْبَيْعِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْقُطَ عَنْهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ بَلْ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحَدُّ بِوَطْءِ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَفِي مَعْنَى حُضُورِهِ حُضُورُ وَكِيلِهِ فِي ذَلِكَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَهَلْ يُحْبَسُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (فَرْعٌ) سُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ عَمَّا إذَا سَرَقَ مَالَ سَفِيهٍ هَلْ يَكْفِي فِي الْقَطْعِ طَلَبُ الْوَلِيِّ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ يَكْفِي طَلَبُ الْوَلِيِّ مِنْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ قَيِّمٍ، فَإِذَا طَلَبَ الْوَلِيُّ قُطِعَ كَمَا فِي الْوَكِيلِ (قَوْلُهُ وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ) وَهُوَ الْأَصَحُّ
[فَرْعٌ أَقَرَّ عَبْدٌ بِسَرِقَةِ دُونَ النِّصَابِ]
(قَوْلُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ جَاهِلًا إلَخْ) وَأَسْقَطَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِأَنَّ حَدَّ اللَّهِ يُنْدَبُ إلَى سِتْرِ مُوجِبِهِ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ بِرُجُوعِهِ، فَإِنَّ عِبَارَةَ النَّصِّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَهَالَةِ بِالْحَدِّ لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِأَنْ يَقُولَ لَعَلَّهُ لَمْ يَسْرِقْ وَشَرَحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ بِأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى سَتْرِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ إذَا اعْتَرَفَ بِهِ فَثَبَتَ عَلَيْهِ سَقَطَ بِرُجُوعِهِ وَشَرَحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْجَهْلُ بِوُجُوبِ الْحَدِّ وَاسْتَبْعَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَاهِلِ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ ثَالِثُ الْأَوْجُهِ ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فِي طَرِيقَةِ الْإِمَامِ الَّذِي يَحْكِي ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ وَيَنْقُلُ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُعَرِّضُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَأَمَّا فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي حَكَاهَا الرَّافِعِيُّ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، فَإِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِيهَا وَلَزِمَ مِنْ إسْقَاطِ هَذَا الْقَيْدِ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ ضَعِيفًا مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ فِي طَرِيقَةِ الْإِمَامِ وَهُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي طَرِيقَةِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَلَا يَقُولُ لَهُ ارْجِعْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَوْ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ الْأَوَّلُ.
اهـ. وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ (قَوْلُهُ أَوْ فِي السَّرِقَةِ لَعَلَّك سَرَقْت إلَخْ) لَوْ رَجَعَ بَعْدَ قَطْعِ بَعْضِ الْيَدِ سَقَطَ الْبَاقِي، فَإِنْ رُجِيَ بُرْؤُهُ وَإِلَّا فَلِلْمَقْطُوعِ قَطْعُ الْبَاقِي وَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ، فَإِنَّهُ تَدَاوٍ (قَوْلُهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّعَرُّضُ) وَإِنْ نَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ (قَوْلُهُ جَازَ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ) نَعَمْ إنْ تَرَتَّبَ عَلَى تَوَقُّفِهِمْ عَنْ الشَّهَادَةِ حَدٌّ عَلَى الْغَيْرِ لَمْ يَجُزْ التَّعْرِيضُ وَلَا التَّوَقُّفُ
(قَوْلُهُ يُبَيِّنَانِ السَّارِقَ بِإِشَارَةٍ إلَيْهِ) ، فَإِنْ غَابَ فَبِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ (تَنْبِيهٌ) لَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي نَحْوِ ثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً (قَوْلُهُ وَقِيَاسُهُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ بِالسَّرِقَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
السَّارِقَ، وَالْمَسْرُوقَ مِنْهُ) وَقَدْرَ الْمَسْرُوقِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْلِ (وَالْحِرْزَ) بِتَعْيِينٍ أَوْ وَصْفٍ كَنَظِيرِهِ فِيمَا مَرَّ فِي الْمُقِرِّ بِالسَّرِقَةِ (وَ) يُشْتَرَطُ (أَنْ يَقُولَ) الشَّاهِدُ (لَا أَعْلَمُ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً) وَقِيَاسُهُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ بِالسَّرِقَةِ (وَإِنْ شَهِدَ) لَهُ (وَاحِدٌ بِثَوْبٍ أَبْيَضَ) أَيْ بِسَرِقَتِهِ (وَآخَرُ بِأَسْوَدَ فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا وَلَهُ) مَعَ ذَلِكَ (أَنْ يَدَّعِيَ) الثَّوْبَ (الْآخَرَ وَيَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَاسْتَحَقَّهُمَا) أَيْ الثَّوْبَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ، وَالْيَمِينِ كَمَا مَرَّ (وَلَا قَطْعَ) لِاخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ (أَوْ) شَهِدَ (اثْنَانِ) بِسَرِقَةٍ (وَاثْنَانِ) بِسَرِقَةٍ (فَإِنْ لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى عَيْنٍ وَاحِدَةٍ) كَالْمِثَالِ السَّابِقِ وَكَمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِسَرِقَةِ كِيسٍ غُدْوَةً وَاثْنَانِ بِسَرِقَةِ كِيسٍ عَشِيَّةً (ثَبَتَ الْقَطْعُ، وَالْمَالَانِ) لِتَمَامِ الْحُجَّتَيْنِ (وَإِنْ تَوَارَدَا عَلَى عَيْنٍ وَاحِدَةٍ) وَاخْتَلَفَ الْوَقْتُ كَأَنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِسَرِقَةِ كَذَا غُدْوَةً وَاثْنَانِ بِسَرِقَتِهِ عَشِيَّةً (تَعَارَضَتَا) فَيَتَسَاقَطَانِ وَفِي صُورَةِ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ، وَالْوَاحِدِ لَا يُقَالُ تَعَارَضَتَا؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتِمُّ (وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِكِيسٍ، وَالْآخَرُ بِكِيسَيْنِ ثَبَتَ الْكِيسُ وَقُطِعَ بِهِ) السَّارِقُ (إنْ بَلَغَ نِصَابًا وَإِنْ شَهِدَ بِثَوْبٍ وَهُوَ تَالِفٌ) وَقَدْ (قَوَّمَهُ أَحَدُهُمَا نِصَابًا، وَالْآخَرُ نِصْفَهُ ثَبَتَ النِّصْفُ) لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ (وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الْآخَرِ) أَيْ الشَّاهِدِ بِالنِّصَابِ (لِلْبَاقِي) مِنْهُ أَيْ لِأَخْذِهِ (وَلَا قَطْعَ) عَلَى السَّارِقِ وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِسَرِقَتِهِ وَقَوَّمَاهُ بِنِصَابٍ وَآخَرَانِ بِهَا وَقَوَّمَاهُ بِنِصْفِهِ ثَبَتَ النِّصْفُ وَلَا قَطْعَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ وَقَدْ يَشْمَلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِجَعْلِ أَلِفِ " شَهِدَا " رَاجِعًا إلَى كُلٍّ مِنْ وَاحِدٍ وَوَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ
(وَلَوْ شَهِدَ بِسَرِقَةِ مَالِ) شَخْصٍ (غَائِبٍ) أَوْ حَاضِرٍ (حِسْبَةً قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُمَا تَغْلِيبًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا قَطْعَ) عَلَى السَّارِقِ (حَتَّى يُطَالِبَ الْمَالِكُ) أَيْ يَدَّعِيَ بِمَالِهِ كَمَا مَرَّ (وَتُعَادُ الشَّهَادَةُ) بَعْدَ دَعْوَاهُ (لِلْمَالِ) أَيْ لِثُبُوتِهِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْحِسْبَةِ لَا تُقْبَلُ فِي الْمَالِ (لَا) لِثُبُوتِ (الْقَطْعِ) ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ الْحِسْبَةِ فَبِقَطْعٍ بَعْدَ مُطَالَبَتِهِ؛ لِأَنَّا قَدْ سَمِعْنَا الشَّهَادَةَ أَوَّلًا وَإِنَّمَا انْتَظَرْنَا لِتَوَقُّعِ ظُهُورِ مُسْقِطٍ وَلَمْ يَظْهَرْ (وَفِي حَبْسِهِ مَا فِي حَبْسِ الْمُقِرِّ بِسَرِقَةِ مَالِ غَائِبٍ مِنْ تَرَدُّدٍ) أَيْ وُجُوهٍ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا وَبَيَانُ الرَّاجِحِ مِنْهَا (وَلَوْ سَرَقَ مَالَ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ) أَوْ سَفِيهٍ فِيمَا يَظْهَرُ (فَلَا قَطْعَ حَتَّى يَبْلُغَ أَوْ يُفِيقَ) أَوْ يَرْشُدَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا سَرَقَهُ كَالْغَائِبِ
(الْبَابُ الثَّالِثُ) (فِي الْوَاجِبِ) عَلَى السَّارِقِ (وَهُوَ ضَمَانُ الْمَالِ) وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبَدَلُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَلِأَنَّ الْقَطْعَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالضَّمَانَ لِلْآدَمِيِّ فَلَا يَمْنَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (وَقَطْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى) قَالَ تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] وَقُرِئَ شَاذًّا فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا، وَالْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهَا كَمَا مَرَّ (وَلَوْ) كَانَتْ الْيَدُ (زَائِدَةَ الْأَصَابِعِ أَوْ فَاقِدَتَهَا) أَوْ مَقْطُوعَةَ الْبَعْضِ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِأَنَّ الْغَرَضَ التَّنْكِيلُ بِخِلَافِ الْقَوَدِ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ كَمَا مَرَّ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ مَا صَرَّحَ بِهِ أَصْلُهُ أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِرَارًا وَلَمْ يُقْطَعْ اُكْتُفِيَ بِقَطْعِ يَمِينِهِ عَنْ الْجَمِيعِ لِاتِّحَادِ السَّبَبِ كَمَا لَوْ زَنَى أَوْ شَرِبَ مِرَارًا يُكْتَفَى بِحَدٍّ وَاحِدٍ وَسَتَأْتِي الْأُولَى فِي الْبَابِ الْآتِي وَإِنَّمَا تَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَةُ فِيمَا لَوْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ فِي الْإِحْرَامِ فِي مَجَالِسَ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَلَا قَطْعَ لِاخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ) ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى الْفِعْلِ وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ شَهِدَا بِسَرِقَةِ مَالِ غَائِبٍ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا بِجَارِيَةِ غَائِبٍ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُنْتَظَرُ حُضُورُ الْغَائِبِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ الْفَرْقُ عِنْدِي أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي السَّرِقَةِ قَدْ تَضَمَّنَتْ مَالًا لِمُسْتَحِقٍّ لَمْ تَصْدُرْ مِنْهُ دَعْوَى وَلَا مِنْ وَكِيلِهِ فَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ غَيْرَ مُقْتَضِيَةٍ لِلثُّبُوتِ الْمُطْلَقِ وَلِهَذَا إذَا حَضَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الشَّهَادَةِ لِلْمَالِ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالزِّنَا فَلَيْسَ فِيهِ تَعَلُّقُ مَالٍ بِغَائِبٍ فَلِهَذَا لَمْ يُنْتَظَرْ حُضُورُهُ وَيُحَدُّ، فَإِنْ قِيلَ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا لَوْ قَالَ الشُّهُودُ فِي شَهَادَتِهِمْ إنَّهُ زَنَى بِأَمَةِ فُلَانٍ وَهِيَ مُكْرَهَةٌ قُلْنَا الْإِكْرَاهُ مُنْفَصِلٌ عَنْ الزِّنَا بِخِلَافِ السَّرِقَةِ نَفْسِهَا (قَوْلُهُ وَلَا قَطْعَ حَتَّى يُطَالِبَ الْمَالِكُ) قَالَ النَّاشِرِيُّ وَلَوْ قَطَعَهَا الْإِمَامُ قَبْلَ الطَّلَبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ سَرَى إلَى النَّفْسِ عَلَى الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ وَلَوْ سَرَقَ مَالَ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ فِيمَا يَظْهَرُ فَلَا قَطْعَ إلَخْ) اسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ مِنْ ذَلِكَ السَّفِيهَ وَقَالَ يُقْطَعُ بِطَلَبِ وَلِيِّهِ الْمَالَ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ لَوْ قَالَ أَبَحْت الْمَالَ لِلسَّارِقِ لَمْ يُؤَثِّرْ شَيْئًا وَقَالَ هَذَا هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ قَالَ وَأَمَّا مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ ابْنِ كَجٍّ مِنْ انْتِظَارِ بُلُوغِ الصَّبِيِّ وَإِفَاقَةِ الْمَجْنُونِ عِنْدَ سَرِقَةِ مَالَيْهِمَا إذَا انْتَظَرْنَا حُضُورَ الْغَائِبِ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ لِتَعَذُّرِ الْإِبَاحَةِ مِنْهُمَا فَيُكْتَفَى بِطَلَبِ الْوَلِيِّ.
اهـ.
وَذَكَرَ نَحْوَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ الْوَلِيُّ أَوْ الْحَاكِمُ مَقَامَهُمَا فِي ذَلِكَ كَمَا يَقُومُ الْإِمَامُ مَقَامَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا سُرِقَ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ إذَا فُرِزَ لِطَائِفَةٍ وَإِلَّا فَالتَّأْخِيرُ إلَى الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ الْحَقِّ قَالَ وَهَلْ الْمُرَادُ بِالتَّأْخِيرِ هُنَا تَأْخِيرُ الْقَطْعِ لَا تَأْخِيرُ طَلَبِ الْمَالِ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ وَلَا سِيَّمَا مَعَ طُفُولِيَّةِ الصَّبِيِّ وَعَدَمِ رَجَاءِ إفَاقَةِ الْمَجْنُونِ بِخِلَافِ الْغَائِبِ الْمُتَوَقَّعِ عَوْدُهُ وَقَوْلُ الْبُلْقِينِيِّ لِتَعَذُّرِ الْإِبَاحَةِ مِنْهُمَا أَيْ حَالَةَ الصِّبَا وَالْجُنُونِ قَبْلَ السَّرِقَةِ صَحِيحٌ لَكِنْ إنَّمَا يَتِمُّ دَلِيلُهُ لَوْ تَوَقَّفَ سُقُوطُ الْقَطْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ قَبْلَ السَّرِقَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالْإِبَاحَةِ بَعْدَهَا وَقَبْلَ الرَّفْعِ إلَى الْحَاكِمِ فَالْبُلُوغُ وَالْإِفَاقَةُ كَقُدُومِ الْغَائِبِ (قَوْلُهُ أَوْ سَفِيهٌ فِيمَا يَظْهَرُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْوَاجِبِ عَلَى السَّارِقِ]
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْوَاجِبِ) (قَوْلُهُ وَقَطْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى) لَوْ كَانَ السَّارِقُ نِضْوًا بِحَيْثُ يُخْشَى مَوْتُهُ بِالْقَطْعِ وَلَا يُرْجَى بُرْؤُهُ وَقُطِعَ عَلَى الصَّحِيحِ وَبِهِ قَطَعَ قَاطِعُونَ وَيُؤَخَّرُ الْقَطْعُ لِلْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ الزَّوَالِ (قَوْلُهُ أَوْ مَقْطُوعَةَ الْبَعْضِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ مُعْظَمُ الْكَفِّ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ لَا تُقْطَعُ لَهُ أَصْلًا أَنَّهُ لَا يَكْفِي وَيَكُونُ كَالْعَدَمِ قَطْعًا اهـ قَالَ شَيْخُنَا قَالَ فِي الْإِسْعَادِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَقَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
مَعَ اتِّحَادِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ فِيهَا حَقًّا لِآدَمِيٍّ؛ لِأَنَّهُ تُصْرَفُ إلَيْهِ فَلَمْ تَتَدَاخَلْ بِخِلَافِ الْحَدِّ (فَإِنْ عَادَ) أَيْ سَرَقَ ثَانِيًا بَعْدَ قَطْعِ يُمْنَاهُ (فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ) ثَالِثًا (فَيَدُهُ) الْيُسْرَى (فَإِنْ عَادَ) رَابِعًا (فَرِجْلُهُ الْيُمْنَى) . رَوَى الشَّافِعِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ السَّارِقُ: إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» وَقُدِّمَتْ الْيَدُ؛ لِأَنَّهُمَا الْآخِذَةُ وَقُدِّمَتْ الْيَدُ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّ الْبَطْشَ بِهَا أَقْوَى فَكَانَ الْبُدَاءَةُ بِهَا أَرْدَعَ وَإِنَّمَا قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ لِئَلَّا يَفُوتَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ فَتَضْعُفَ حَرَكَتُهُ كَمَا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ (فَإِنْ عَادَ) خَامِسًا (عُزِّرَ) كَمَا لَوْ سَقَطَتْ أَطْرَافُهُ أَوَّلًا وَلَا يُقْتَلُ وَمَا رَوَى مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتْلُهُ» مَنْسُوخٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ بِقَتْلِهِ لِاسْتِحْلَالٍ أَوْ نَحْوِهِ بَلْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّهُ مُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ (وَيُمَدُّ الْعُضْوُ حَتَّى يَنْخَلِعَ) تَسْهِيلًا لِلْقَطْعِ ثُمَّ يُقْطَعُ (مِنْ الْكُوعِ) فِي الْيَدِ (أَوْ) كَعْبِ (السَّارِقِ) فِي الرِّجْلِ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانَ فِي الْأَوَّلِ وَلِفِعْلِ عُمَرَ فِي الثَّانِي كَمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ (وَيُقْطَعُ بِمَاضٍ) أَيْ حَادٍّ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلْيَكُنْ الْمَقْطُوعُ جَالِسًا وَيُضْبَطُ لِئَلَّا يَتَحَرَّكَ (وَيُحْسَمُ عَقِيبَهُ) أَيْ الْقَطْعِ بِأَنْ يُغْمَسَ مَحَلُّهُ (بِدُهْنٍ) مِنْ زَيْتٍ أَوْ غَيْرِهِ (مَغْلِيٍّ) لِتَنْسَدَّ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ وَخَصَّهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِالْحَضَرِيِّ قَالَ: وَأَمَّا الْبَدْوِيُّ فَيُحْسَمُ بِالنَّارِ؛ لِأَنَّهُ عَادَتُهُمْ وَقَالَ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَإِذَا قُطِعَ حُسِمَ بِالزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ وَبِالنَّارِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ فِيهِمَا انْتَهَى فَدَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ عَادَةِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَيَفْعَلُ الْمَقْطُوعُ ذَلِكَ (اسْتِحْبَابًا لَا وُجُوبًا) . وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ الْأَمْرُ بِهِ عَقِبَ الْقَطْعِ لِخَبَرِ الْحَاكِمِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي سَارِقٍ: اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ» وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَزِيدَ أَلَمٍ، وَالْمُدَاوَاةُ بِمِثْلِ هَذَا لَا تَجِبُ بِحَالٍ نَعَمْ إنْ أَدَّى تَرْكُهُ إلَى الْهَلَاكِ لِتَعَذُّرِ فِعْلِهِ مِنْ الْمَقْطُوعِ بِجُنُونٍ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ (لِمَصْلَحَتِهِ) أَيْ السَّارِقِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ لَا تَتِمَّةٌ لِلْحَدِّ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ دَفْعُ الْهَلَاكِ عَنْهُ بِنَزْفِ الدَّمِ فَلَا يُفْعَلُ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَمُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ كَأُجْرَةِ الْجَلَّادِ وَخَالَفَ الْبُلْقِينِيُّ فَقَالَ الْمَعْرُوفُ فِي الطَّرِيقَيْنِ أَنَّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَذَكَرَ نَحْوَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَعَلَى الْأَوَّلِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يُنَصِّبْ الْإِمَامُ مَنْ يُقِيمُ الْحُدُودَ وَيَرْزُقُهُ مِنْ الْمَصَالِحِ وَإِلَّا فَلَا مُؤْنَةَ عَلَى الْمَقْطُوعِ (وَيُعَلَّقُ) الْعُضْوُ الْمَقْطُوعُ (فِي عُنُقِهِ سَاعَةً) نَدْبًا لِلزَّجْرِ، وَالتَّنْكِيلِ وَقَدْ أَمَرَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ
(فَرْعٌ لَوْ كَانَ لَهُ كَفَّانِ) عَلَى مِعْصَمِهِ (قُطِعَتْ الْأَصْلِيَّةُ) مِنْهُمَا إنْ تَمَيَّزَتْ وَأَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا بِدُونِ الزَّائِدَةِ وَإِلَّا فَيُقْطَعَانِ وَمَا ذُكِرَ فِيمَا إذَا تَمَيَّزَتْ هُوَ مَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ الْأَصْحَابِ قَطْعَهُمَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الزَّائِدَةَ كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وَمَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ هُوَ الرَّاجِحُ (فَلَوْ عَادَ) وَسَرَقَ ثَانِيًا (وَقَدْ صَارَتْ الزَّائِدَةُ أَصْلِيَّةً) بِأَنْ صَارَتْ بَاطِشَةً (أَوْ كَانَتَا) أَيْ الْكَفَّانِ (أَصْلِيَّتَيْنِ) وَقُطِعَتْ إحْدَاهُمَا فِي سَرِقَةٍ (قُطِعَتْ الثَّانِيَةُ) وَلَا يُقْطَعَانِ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ الْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ إذْ لَا يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ يَدٍ (وَيُقْطَعُ رِجْلُ مَنْ سَقَطَتْ كَفُّهُ قَبْلَ السَّرِقَةِ) بِآفَةٍ أَوْ قَوَدٍ أَوْ جِنَايَةٍ كَمَا لَوْ قُطِعَتْ بِسَرِقَةٍ أُخْرَى (لَا) رِجْلُ مَنْ سَقَطَتْ كَفُّهُ (بَعْدَهَا بَلْ يَسْقُطُ قَطْعُهَا) ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهَا وَقَدْ فَاتَتْ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ كَذَا لَوْ شُلَّتْ بَعْدَ السَّرِقَةِ وَخِيفَ مِنْ قَطْعِهَا تَلَفُ النَّفْسِ وَكُلٌّ مِنْ الْكَفِّ، وَالرِّجْلِ صَادِقٌ بِالْيَمِينِ، وَالْيَسَارِ (كَيَدٍ شَلَّاءَ) قَبْلَ السَّرِقَةِ (خِيفَ مِنْ قَطْعِهَا أَنْ لَا يَكُفَّ الدَّمُ) أَيْ يَنْقَطِعَ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَإِنَّهَا لَا تُقْطَعُ (لَكِنْ فِي) مَسْأَلَةِ (الشَّلَّاءِ تُقْطَعُ رِجْلُهُ) كَمَا لَوْ سَقَطَتْ يَدُهُ قَبْلَ السَّرِقَةِ (وَقَاطِعُ يَمِينِ السَّارِقِ بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْإِمَامِ (لَا يَضْمَنُ) بِسَبَبِهَا شَيْئًا (وَإِنْ مَاتَ) بِالسِّرَايَةِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةُ الْقَطْعِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ قَطْعِهَا تَوَلَّدَ مِنْ مُسْتَحَقٍّ (بَلْ يُعَزَّرُ) لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ (، فَإِنْ أَخْرَجَ) السَّارِقُ (لِلْجَلَّادِ يَسَارَهُ فَقَطَعَهَا سُئِلَ الْجَلَّادُ، فَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتهَا الْيَمِينَ أَوْ أَنَّهَا تُجْزِئُ) عَنْهَا وَحَلَفَ (لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ وَأَجْزَأَتْهُ) عَنْ قَطْعِ الْيَمِينِ (أَوْ) قَالَ (عَلِمْتهَا الْيَسَارَ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُخْرِجُ بَدَلَهَا) عَنْ الْيَمِينِ (أَوْ إبَاحَتَهَا) وَإِلَّا فَلَا كَمَا مَرَّ فِي الْجِنَايَاتِ وَفِي نُسْخَةٍ وَإِبَاحَتَهَا وَبِهِ عَبَّرَ الْأَصْلُ فَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (وَلَمْ تُجْزِهِ) أَيْ الْيَسَارُ عَنْ الْيَمِينِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: فَإِنْ عَادَ فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى) إنَّمَا تُقْطَعُ الرِّجْلُ الْيُسْرَى فِي الثَّانِيَةِ إذَا بَرِئَتْ يَدُهُ وَإِلَّا فَيُؤَخَّرُ الْقَطْعُ لِلْبُرْءِ لِئَلَّا تُفْضِيَ الْمُوَالَاةُ إلَى الْإِهْلَاكِ وَكَتَبَ أَيْضًا وَالْمَعْنَى فِي هَذَا التَّرْتِيبِ كَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ اعْتِمَادُ السَّارِقِ فِي السَّرِقَةِ عَلَى الْبَطْشِ وَالْمَشْي، فَإِنَّهُ بِيَدِهِ يَأْخُذُ وَبِرِجْلِهِ يَنْقُلُ فَتَعَلَّقَ الْقَطْعُ بِهَا وَإِنَّمَا قُطِعَ فِي الثَّالِثَةِ يَسَارُهُ؛ لِأَنَّ اعْتِمَادَ السَّرِقَةِ عَلَى الْبَطْشِ وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَفْوِيتِهِ أَحَدَ جِنْسَيْ الْمَنْفَعَةِ فَقُدِّمَ فِيهِ الْأَهَمُّ وَلِهَذَا بُدِئَ أَوَّلًا بِالْيَدِ (قَوْلُهُ، فَإِنْ عَادَ خَامِسًا عُزِّرَ) فَلَا يُعَزَّرُ مَعَ الْقَطْعِ وَعَنْ الْفُورَانِيِّ أَنَّهُ يُعَزَّرُ مَعَهُ قَالَ مُجَلِّيٌّ إنْ أَرَادَ بِهِ تَعْلِيقَ الْمَقْطُوعَةِ فِي عُنُقِهِ فَحَسَنٌ وَإِلَّا فَهُوَ مُنْفَرِدٌ بِهِ (قَوْلُهُ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانَ إلَخْ) رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّهُمَا قَالَا إذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ مِنْ الْكُوعِ (قَوْلُهُ مَغْلِيٍّ) بِضَمِّ الْمِيمِ
(قَوْلُهُ وَإِلَّا فَتُقْطَعَانِ) قَالَ شَيْخُنَا قَطْعُهُمَا بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ مَمْنُوعٌ (قَوْلُهُ وَلَا تُقْطَعَانِ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ) ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ إحْدَاهُمَا انْتَقَلَ إلَى مَا بَعْدَهُمَا كَمَنْ يَدُهُ شَلَّاءَ لَا يَنْقَطِعُ دَمُهَا (قَوْلُهُ لَكِنْ فِي مَسْأَلَةِ الشَّلَّاءِ تُقْطَعُ رِجْلُهُ) قَالَ شَيْخُنَا حَاصِلُهُ إنْ كَانَتْ شَلَّاءَ حَالَ تَوَجُّهِ الْقَطْعِ عَلَيْهَا وَخِيفَ مِنْ قَطْعِهَا تَلَفُ النَّفْسِ انْتَقَلَ لِمَا بَعْدَهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ طَرَأَ عَلَيْهَا الشَّلَلُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَسْقُطُ الْقَطْعُ أَصْلًا (قَوْلُهُ، فَإِنْ أَخْرَجَ لِلْجَلَّادِ يَسَارَهُ فَقَطَعَهَا سُئِلَ الْجَلَّادُ إلَخْ) هَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُشْكِلَةٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ عَلَى الْقَاطِعِ الدِّيَةَ فِي صُورَةِ ظَنِّ الْإِجْزَاءِ أَوْ أَنَّهَا الْيَمِينُ وَتَقَعُ عَنْ قَطْعِ السَّرِقَةِ وَهُوَ عَجِيبٌ فَكَوْنُهَا عَنْ قَطْعِ السَّرِقَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ وَكَوْنُهَا مَضْمُونَةً يَقْتَضِي أَنْ لَا تُجْزِئَ عَنْ السَّرِقَةِ
الْجَلَّادَ يُسْأَلُ طَرِيقَةٌ حَكَاهَا الْأَصْلُ وَحَكَى مَعَهَا طَرِيقَةً أُخْرَى أَنَّهُ إنْ قَالَ الْمُخْرِجُ ظَنَنْتهَا الْيَمِينَ أَوْ أَنَّهَا تُجْزِئُ أَجْزَأَتْهُ وَإِلَّا فَلَا فَالتَّرْجِيحُ لِلْأُولَى مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ وَكَلَامُ الْأَصْلِ يُومِئُ إلَيْهِ لَكِنْ صَحَّحَ الْإِسْنَوِيُّ الثَّانِيَةَ وَقَالَ كَذَا صَحَّحَهَا الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ بَابِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَالنَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الرَّافِعِيِّ مُنِعَ بِأَنَّ الرَّافِعِيَّ لَمْ يَذْكُرْ ثَمَّ النَّظَرَ إلَى الْمُخْرِجِ وَلَا إلَى الْقَاطِعِ أَصْلًا بَلْ أَطْلَقَ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ إجْزَاءُ الْيَسَارِ عَنْ الْيَمِينِ
(كِتَابُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ) الْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةَ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: نَزَلَتْ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَا فِي الْكُفَّارِ وَاحْتَجُّوا لَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] الْآيَةَ إذْ الْمُرَادُ التَّوْبَةُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْكُفَّارَ لَكَانَتْ تَوْبَتُهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ دَافِعٌ لِلْعُقُوبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ وَبَعْدَهَا وَقَطْعُ الطَّرِيقِ هُوَ الْبُرُوزُ لِأَخْذِ مَالٍ أَوْ لِقَتْلٍ أَوْ إرْعَابٍ مُكَابَرَةً اعْتِمَادًا عَلَى الشَّوْكَةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْغَوْثِ كَمَا سَيَأْتِي (وَفِيهِ أَطْرَافٌ) ثَلَاثَةٌ (الْأَوَّلُ فِي صِفَتِهِمْ وَهُمْ كُلُّ مُلْتَزِمٍ) لِلْأَحْكَامِ وَلَوْ ذِمِّيًّا وَمُرْتَدًّا كَمَا فِي السَّارِقِ خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ تَقْيِيدُ الْأَصْلِ بِالْمُسْلِمِ مِنْ إخْرَاجِهَا وَلِمَا أَطْلَقَهُ مِنْ أَنَّ الْكُفَّارَ لَيْسُوا بِقُطَّاعٍ (مُكَلَّفٍ أَخَذَ الْمَالَ بِقُوَّةٍ وَغَلَبَةٍ فِي) حَالَةِ (الْبُعْدِ عَنْ) مَحَلِّ (الْغَوْثِ) لِبُعْدِ السُّلْطَانِ وَأَعْوَانِهِ أَوْ لِضَعْفِهِ وَخَرَجَ بِالْمُلْتَزِمِ الْحَرْبِيُّ، وَالْمُعَاهَدُ وَبِالْمُكَلَّفِ غَيْرُهُ أَيْ إلَّا السَّكْرَانَ وَبِمَا بَعْدَهُ الْأَخْذُ بِغَيْرِ قُوَّةٍ أَوْ فِي الْقُرْبِ مِنْ الْغَوْثِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ بُعْدُهُ عَنْ الْغَوْثِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِيلَاءِ، وَالْقَهْرِ مُجَاهَرَةً.
(فَإِنْ اسْتَسْلَمَ لَهُمْ الْقَادِرُونَ عَلَى دَفْعِهِمْ) حَتَّى قُتِلُوا أَوْ أُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ (فَمُنْتَهِبُونَ) لَا قُطَّاعٌ وَإِنْ كَانُوا ضَامِنِينَ لِمَا أَخَذُوهُ؛ لِأَنَّ مَا فَعَلُوهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ شَوْكَتِهِمْ بَلْ عَنْ تَفْرِيطِ الْقَافِلَةِ (أَوْ كَانَ الْقَاصِدُونَ) لِقَطْعِ الطَّرِيقِ (قَلِيلِينَ اعْتِمَادُهُمْ عَلَى الْهَرَبِ) بِرَكْضِ الْخَيْلِ أَوْ نَحْوِهَا أَوْ الْعَدْوِ عَلَى الْأَقْدَامِ (يَخْتَطِفُونَ مِنْ) قَافِلَةٍ (كَثِيرِينَ فَمُخْتَلِسُونَ) لَا قُطَّاعٌ لِمَا ذَكِرُ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَمِدَ عَلَى الشَّوْكَةِ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنْ الْقَافِلَةِ فَغُلِّظَتْ عُقُوبَتُهُ رَدْعًا لَهُ بِخِلَافِ الْمُنْتَهِبِ، وَالْمُخْتَلِسِ (فَلَوْ قَهَرُوهُمْ) وَلَوْ (مَعَ الْقِلَّةِ) أَيْ مَعَ كَوْنِهِمْ قَلِيلِينَ (فَقُطَّاعٌ) لِاعْتِمَادِهِمْ الشَّوْكَةَ (فَلَا يُعَدُّونَ) أَيْ الْقَافِلَةُ (مُقَصِّرِينَ؛ لِأَنَّ الْقَافِلَةَ لَا تَجْتَمِعُ كَلِمَتُهُمْ) وَلَا يَضْبِطُهُمْ مُطَاعٌ وَلَا عَزْمَ لَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ (وَلَوْ دَخَلُوا) أَيْ جَمَاعَةٌ (الدَّارَ لَيْلًا) عَلَى صَاحِبِهَا (وَمَنَعُوهُ الِاسْتِغَاثَةَ) بِأَنْ خَوَّفُوهُ بِالْقَتْلِ أَوْ نَحْوِهِ (أَوْ أَغَارُوا عَلَى بَلَدٍ وَلَوْ لَيْلًا) مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْغَوْثِ (فَقُطَّاعٌ) سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنْ الْبَلَدِ أَمْ لَا كَمَا لَوْ كَانُوا بِبَرِيَّةٍ وَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الِاسْتِغَاثَةِ كَالْبُعْدِ عَنْ مَحَلِّ الْغَوْثِ (وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ (سِلَاحٌ وَذُكُورَةٌ وَعَدَدٌ بَلْ الْوَاحِدُ) وَلَوْ أُنْثَى، وَالْخَارِجُ بِغَيْرِ سِلَاحٍ (قَاطِعٌ إنْ غَلَبَ) أَيْ إنْ كَانَ لَهُ قُوَّةٌ يَغْلِبُ بِهَا الْجَمَاعَةَ وَلَوْ بِاللَّكْزِ، وَالضَّرْبِ بِجَمْعِ الْكَفِّ وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ آلَةٍ، وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْجِيحِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَالْمُرَاهِقُونَ) وَمِثْلُهُمْ سَائِرُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ كَالْمَجَانِينِ (لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِمْ وَيَضْمَنُونَ النَّفْسَ، وَالْمَالَ) كَمَا لَوْ أَتْلَفُوا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ
(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي عُقُوبَتِهِمْ فَمَنْ أَخَافَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَأْخُذْ) مَالًا وَلَا نَفْسًا (أَوْ كَانَ رِدْءً) لِلْقَاطِعِ أَيْ عَوْنًا لَهُ كَأَنْ كَثُرَ جَمْعُهُ أَوْ أَخَافَ الرُّفْقَةَ (عُزِّرَ بِحَبْسٍ أَوْ نَحْوِهِ) كَتَغْرِيبٍ كَمَا فِي سَائِرِ الْجَرَائِمِ الَّتِي لَا حَدَّ فِيهِ وَيَمْتَدُّ الْحَبْسُ وَنَحْوُهُ إلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَالْحَبْسُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ (وَإِنْ أَخَذَ نِصَابًا مِمَّنْ يُحْرِزُهُ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ) ثَانِيًا وَأَخَذَ ذَلِكَ (فَعَكْسُهُ) أَيْ فَتُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ وَإِنَّمَا قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ لِمَا مَرَّ فِي السَّرِقَةِ وَقُطِعَتْ الْيَمِينُ لِلْمَالِ كَالسَّرِقَةِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ لَكِنْ صَحَّحَ الْإِسْنَوِيُّ الثَّانِيَةَ) هِيَ الْمُرَجَّحَةُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْأَدَاءِ إنَّمَا هُوَ بِقَصْدِ الدَّافِعِ (قَوْلُهُ وَالنَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ) فَقَالَ: وَإِنَّهُ إذَا وَجَبَ قَطْعُ يَمِينِهِ فَقَطَعَ الْجَلَّادُ يَسَارَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَجْزَأَتْ عَنْ الْيَمِينِ وَلَا قِصَاصَ عَلَى الْقَاطِعِ وَلَا دِيَةَ وَمُقْتَضَاهُ بِعُمُومِهِ تَصْحِيحُ الْإِجْزَاءِ فِيمَا إذَا قَطَعَ الْجَلَّادُ مِنْ غَيْرِ إخْرَاجِ السَّارِقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ اتِّفَاقًا وَفِيمَا إذَا قَالَ الْمُخْرِجُ عَلِمْت أَنَّهَا الْيَسَارُ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَيْضًا وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي الْقِصَاصِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْإِخْرَاجُ عَلَى قَصْدِ حُسْبَانِهَا عَنْ الْيَمِينِ أَمْ لَا وَهُوَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَصْدَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا لَا تَقَعُ لَا أَثَرَ لَهُ
[كِتَابُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ]
[الطَّرَف الْأَوَّلُ فِي صِفَة قُطَّاعِ الطَّرِيقِ]
(بَابُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ) (قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ تَقْيِيدُ الْأَصْلِ بِالْمُسْلِمِ إلَخْ) يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الذِّمِّيِّ أَوْ أَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَا تَأْتِي فِيهِمْ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِذَا قَطَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حُدُّوا حَدَّ الْمُسْلِمِينَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا الْإِسْلَامَ وَلَا أَثَرَ لِلتَّعْلِيقِ بِسَبَبِ النُّزُولِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ عَلَى الْأَصَحِّ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ بَدَلَ هَذَا الشَّرْطِ الْتِزَامُ الْأَحْكَامِ وَكَتَبَ أَيْضًا كَلَامَ الْجُرْجَانِيِّ فِي الشَّافِي يَقْتَضِي أَنَّ الشَّرْطَ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ لَا كَوْنُهُ مُسْلِمًا (قَوْلُهُ وَالْمُعَاهَدُ) أَيْ وَالْمُسْتَأْمَنُ وَكَتَبَ أَيْضًا أَمَّا الْمُعَاهَدُونَ فَيُنْقَضُ عَهْدُهُمْ بِهِ وَتُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ إذَا ظَفِرْنَا بِهِمْ ع هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى رَأْيٍ مَرْجُوحٍ (قَوْلُهُ وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْجِيحِ مِنْ زِيَادَتِهِ) وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ
[الطَّرَفُ الثَّانِي فِي عُقُوبَة قُطَّاع الطَّرِيق]
(قَوْلُهُ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا وَلَا نَفْسًا) هُوَ مِنْ بَابِ عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا فَيَجِيءُ الْوَجْهَانِ أَمَّا بِتَقْدِيرِ عَامِلِ الثَّانِي مُوَافِقٌ أَيْ وَلَمْ يَقْتُلُوا نَفْسًا أَوْ تَضْمِينِ الْأَوَّلِ مَعْنًى مُشْتَرَكًا يَجْمَعُ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُوَ الْإِتْلَافُ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَخَذُوا نِصَابًا إلَخْ) أَيْ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمَأْخُوذِ فِي مَوْضِعِ الْأَخْذِ إنْ كَانَ مَوْضِعَ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ حَالَ السَّلَامَةِ لَا عِنْدَ اسْتِلَامِ النَّاسِ لِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعُ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ فَأَقْرَبُ مَوْضِعٍ إلَيْهِ يُوجَدُ فِيهِ بَيْعُ ذَلِكَ وَشِرَاؤُهُ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (قَوْلُهُ وَقُطِعَتْ الْيُمْنَى لِلْمَالِ كَالسَّرِقَةِ) قَالَ شَيْخُنَا لَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ سُقُوطُ قَطْعِهَا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لِلْمَالِ لَكِنْ مَعَ رِعَايَةِ الْمُحَارَبَةِ وَقَطْعُ الرِّجْلِ مَعَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ
وَلِهَذَا اُعْتُبِرَ فِي الْقَطْعِ النِّصَابُ، وَقِيلَ لِلْمُحَارَبَةِ، وَالرِّجْلُ قِيلَ لِلْمَالِ، وَالْمُجَاهَرَةِ تَنْزِيلًا لِذَلِكَ مَنْزِلَةَ سَرِقَةٍ ثَانِيَةٍ وَقِيلَ لِلْمُحَارَبَةِ قَالَ الْعِمْرَانِيُّ وَهُوَ أَشْبَهُ وَلَوْ قَطَعَ الْإِمَامُ يَدَهُ الْيُمْنَى وَرِجْلَهُ الْيُمْنَى فَقَدْ تَعَدَّى وَلَزِمَهُ الْقَوَدُ فِي رِجْلِهِ إنْ تَعَمَّدَ وَدِيَتُهَا إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَلَا يَسْقُطُ قَطْعُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى وَرِجْلَهُ الْيُمْنَى فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا يَضْمَنُ وَأَجْزَأَهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ قَطْعَهُمَا مِنْ خِلَافٍ نَصٌّ تُوجِبُ مُخَالَفَتُهُ الضَّمَانَ، وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى اجْتِهَادٌ يَسْقُطُ بِمُخَالَفَتِهِ الضَّمَانُ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَا شَكَّ فِي الْإِسَاءَةِ وَأَمَّا إيجَابُ الْقَوَدِ وَعَدَمُ الْإِجْزَاءِ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى فَفِيهِ وَقْفَةٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَقَضِيَّةُ الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ فِي السَّرِقَةِ يَدَهُ الْيُسْرَى فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى عَامِدًا أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى عَلَيْهَا بِالِاجْتِهَادِ أَيْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى ثَمَّ بِالِاجْتِهَادِ بَلْ بِالنَّصِّ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ قُرِئَ شَاذًّا فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا وَإِنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَسَكَتُوا هُنَا عَنْ تَوَقُّفِ الْقَطْعِ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِالْمَالِ وَعَلَى عَدَمِ دَعْوَى التَّمَلُّكِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُسْقِطَاتِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا مَرَّ مِنْ السَّرِقَةِ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَيُحْسَمُ مَوْضِعُ الْقَطْعِ كَمَا فِي السَّارِقِ وَيَجُوزُ أَنْ تُحْسَمَ الْيَدُ ثُمَّ تُقْطَعَ الرِّجْلُ وَأَنْ يُقْطَعَا جَمِيعًا ثُمَّ يُحْسَمَا (وَإِنْ قَتَلَ عَمْدًا انْحَتَمَ) أَيْ وَجَبَ (قَتْلُهُ) لِلْآيَةِ وَلِأَنَّهُ ضَمَّ إلَى جِنَايَتِهِ إخَافَةَ السَّبِيلِ الْمُقْتَضِيَةَ زِيَادَةَ الْعُقُوبَةِ وَلَا زِيَادَةَ هُنَا لَا تُحَتِّمُ الْقَتْلَ فَلَا يَسْقُطُ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَمَحَلُّ انْحِتَامِهِ إذَا قَتَلَ لِأَخْذِ الْمَالِ وَإِلَّا فَلَا يَتَحَتَّمُ (وَإِنْ أَخَذَ نِصَابًا وَقَتَلَ قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ) حَتْمًا زِيَادَةً فِي التَّنْكِيلِ وَيَكُونُ صَلْبُهُ بَعْدَ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ فِي الْجَنَائِزِ.
وَالْغَرَضُ مِنْ صَلْبِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ التَّنْكِيلُ بِهِ وَزَجْرُ غَيْرِهِ وَبِمَا تَقَرَّرَ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْآيَةَ فَقَالَ الْمَعْنَى أَنْ يُقَتَّلُوا إنْ قَتَلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا مَعَ ذَلِكَ إنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ أَوْ تُقْطَعُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ إنْ اقْتَصَرُوا عَلَى أَخْذِ الْمَالِ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ إنْ أَرْعَبُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا فَحَمَلَ كَلِمَةَ أَوْ عَلَى التَّنْوِيعِ لَا التَّخْيِيرِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: 135] أَيْ قَالَتْ الْيَهُودُ كُونُوا هُودًا وَقَالَتْ النَّصَارَى كُونُوا نَصَارَى إذْ لَمْ يُخَيِّرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّةِ (فَلَوْ مَاتَ) مَنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ، وَالصَّلْبُ (أَوْ قُتِلَ بِقِصَاصٍ مِنْ غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ سَقَطَ الصَّلْبُ) ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْقَتْلِ فَسَقَطَ بِسُقُوطِ مَتْبُوعِهِ وَقِيلَ لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ، وَالصَّلْبَ مَشْرُوعَانِ وَقَدْ تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا فَوَجَبَ الْآخَرُ، وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْجِيحِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَالْمُحَارِبُ) وَهُوَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ، وَالصَّلْبُ (يُقْتَلُ أَوَّلًا ثُمَّ يُصْلَبُ) فَلَا يُعْكَسُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا وَقَدْ «نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ» وَهَذَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَإِذَا ذُكِرَ فَلَا حَاجَةَ لِذَكَرِهِ أَوَّلًا وَيُصْلَبُ عَلَى خَشَبَةٍ وَنَحْوِهَا (ثَلَاثًا) مِنْ الْأَيَّامِ لِيَشْتَهِرَ الْحَالُ وَيَتِمَّ النَّكَالُ وَلِأَنَّ لَهَا اعْتِبَارًا فِي الشَّرْعِ وَلَيْسَ لِمَا زَادَ عَلَيْهَا غَايَةٌ (فَإِنْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ قَبْلَهَا أُنْزِلَ)
(الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ) وَهِيَ تَحَتُّمُ الْقَتْلِ، وَالصَّلْبِ وَقَطْعِ الرِّجْلِ، وَالْيَدِ (وَهِيَ تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ) مِنْ الْقَاطِعِ (قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى
[حاشية الرملي الكبير]
(قَوْلُهُ وَلِهَذَا اُعْتُبِرَ فِي الْقَطْعِ النِّصَابُ) ؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ يَجِبُ بِأَخْذِ الْمَالِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ النِّصَابُ كَالسَّرِقَةِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» وَلَمْ يُفَصِّلْ (قَوْلُهُ قَالَ الْعِمْرَانِيُّ وَهُوَ أَشْبَهُ) وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ فِيمَا سَيَأْتِي وَهُوَ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَسَكَتُوا هُنَا عَنْ تَوَقُّفِ الْقَطْعِ عَلَى الْمُطَالَبَةِ إلَخْ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ إنَّهُ الْقِيَاسُ وَفِي الْأُمُّ مَا يَقْتَضِيهِ اهـ وَلَا بُدَّ مِنْ انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ كَمَا فِي التَّنْبِيهِ وَالِاسْتِذْكَارِ لِلدَّارِمِيِّ فَلَوْ ظَنَّهُ مِلْكَهُ أَوْ ادَّعَاهُ فَلَا قَطْعَ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا مَرَّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ قَتَلَ عَمْدًا) أَيْ مُكَافِئًا لَهُ (قَوْلُهُ فَلَا يَسْقُطُ) وَلَا يُعْتَبَرُ فِي قَتْلِهِ طَلَبُ الْأَوْلِيَاءِ (قَوْلُهُ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ وَمَحَلُّ انْحِتَامِهِ إذَا قَتَلَ لِأَخْذِ الْمَالِ إلَخْ قَالَ فِي الْعُبَابِ وَمَنْ قَتَلَ عَمْدًا مَحْضًا لِأَجْلِ الْمَالِ وَأَخَذَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ دُونَ النِّصَابِ وَغَيْرَ مُحْرَزٍ قُتِلَ حَتْمًا اهـ وَيُشْتَرَطُ لِقَطْعِ الْقَاطِعِ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ الْحِرْزُ وَعَدَمُ الشُّبْهَةِ وَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ اعْتِبَارُ طَلَبِ الْمَالِكِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرُوا فِي الْقَتْلِ طَلَبَ الْأَوْلِيَاءِ وَاسْتُشْهِدَ بِذَلِكَ بِنَصِّ الْأُمِّ وَيُشْتَرَطُ لِصَلْبِهِ مَعَ الْقَتْلِ كَوْنُ الْمَأْخُوذِ نِصَابًا كَمَا قَالَاهُ وَإِنْ اخْتَارَ الْبُلْقِينِيُّ خِلَافَهُ وَقِيَاسُ اشْتِرَاطِهِ كَمَا قَالَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ اشْتِرَاطُ الْحَوْزِ وَعَدَمُ الشُّبْهَةِ وَطَلَبُ الْمَالِكِ وَعِبَارَةُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْعُبَابِ لِأَجْلِ الْمَالِ وَأَخْذِهِ قَالَ شَيْخُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الْأَخْذِ لِلْمَالِ كَافِيًا فِي تَحَتُّمِ قَتْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ (تَنْبِيهٌ) لَوْ قَالَ قَتَلَهُ عَدَاوَةً لَا لِأَخْذِ الْمَالِ وَكَذَّبَهُ الْوَلِيُّ فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ فِي ذَلِكَ أَوْ الْوَلِيِّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِيهِ احْتِمَالٌ وَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا وَالْأَقْرَبُ تَصْدِيقُ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ وَفَائِدَةُ تَصْدِيقِهِ انْدِفَاعُ تَحَتُّمِ قَتْلِهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَخَذَ نِصَابًا) قِيَاسُهُ اعْتِبَارُ الْحِرْزِ وَانْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ وَطَلَبُ الْمَالِكِ وَعِبَارَةُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كَوْنَ الْمَأْخُوذِ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ بِلَا شُبْهَةٍ مَعَ صَلْبِ مَالِكِهِ شَرْطٌ لِصَلْبِهِ مَعَ قَتْلِهِ وَقَوْلُهُ قِيَاسُهُ اعْتِبَارُ الْحِرْزِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أَيْ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ: فَحَمَلَ كَلِمَةَ أَوْ عَلَى التَّنْوِيعِ لَا التَّخْيِيرِ) وَذَلِكَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إمَّا تَوْقِيفٌ أَوْ لُغَةٌ وَهُمَا حُجَّةٌ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ فِيهِ بِالْأَغْلَظِ فَكَانَ مُرَتَّبًا كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَلَوْ أُرِيدَ التَّخْيِيرُ لَبَدَأَ بِالْأَخَفِّ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ (قَوْلُهُ وَإِذْ ذُكِرَ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ أَوَّلًا) ذَكَرَهُ لِيُعَلِّقَ بِهِ مَا بَعْدَهُ وَذَكَرَ لَفْظَهُ أَوَّلًا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ (قَوْلُهُ: ثَلَاثًا مِنْ الْأَيَّامِ) فَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ قَبْلَهَا أُنْزِلَ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّغْيِيرِ الْمَذْكُورِ الِانْفِجَارُ وَنَحْوُهُ وَإِلَّا فَمَتَى حُبِسَتْ جِيفَةُ الْمَيِّتِ ثَلَاثًا حَصَلَ النَّتْنُ وَالتَّغَيُّرُ غَالِبًا
[الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ عُقُوبَةِ قَطْع الطَّرِيق]
(قَوْلُهُ وَهِيَ تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ) الْمُرَادُ بِمَا قَبْلَ الْقُدْرَةِ أَنْ لَا تَمْتَدَّ إلَيْهِمْ يَدُ الْإِمَامِ بِهَرَبٍ أَوْ اسْتِخْفَاءٍ أَوْ امْتِنَاعٍ (تَنْبِيهٌ) ادَّعَى الْمُحَارِبُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَابَ قَبْلَهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ إنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِالدَّعْوَى أَمَارَاتٌ تَدُلُّ عَلَى الْقِدَمِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ فِي سُقُوطِ حَدٍّ قَدْ وَجَبَ وَإِنْ اقْتَرَنَ
﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: 34] الْآيَةَ (لَا بَعْدَهَا) لِمَفْهُومِ الْآيَةِ وَلِتُهْمَةِ الْخَوْفِ أَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ مِمَّا ذُكِرَ هُنَا مِنْ قِصَاصٍ وَضَمَانِ مَالٍ وَغَيْرِهِمَا فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ مُطْلَقًا كَمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ (وَلَا يَسْقُطُ بِهَا سَائِرُ الْحُدُودِ) أَيْ بَاقِيهَا كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَالشُّرْبِ فِي حَقِّ الْقَاطِعِ وَغَيْرِهِ لِعُمُومِ أَدِلَّتِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَقِيَاسًا عَلَى الْكَفَّارَةِ إلَّا قَتْلَ تَارِكِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلَوْ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ الْإِصْرَارُ عَلَى التَّرْكِ لَا التَّرْكُ الْمَاضِي وَمَحَلُّ عَدَمِ السُّقُوطِ فِيمَا ذُكِرَ فِي الظَّاهِرِ أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَسْقُطَا قَطْعًا؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ أَثَرَ الْمَعْصِيَةِ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ فِي السَّرِقَةِ قَالَ الْإِسْنَوِيِّ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ فِي الشَّهَادَاتِ لَكِنْ ذُكِرَ هُنَا بَعْدَ هَذَا مَا ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ ذَلِكَ (وَالْمُغَلَّبُ) فِي قَتْلِ الْقَاطِعِ (حَقُّ الْآدَمِيِّ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِيمَا اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْآدَمِيِّ وَلِأَنَّهُ لَوْ قُتِلَ بِلَا مُحَارَبَةٍ ثَبَتَ لَهُ الْقِصَاصُ فَكَيْفَ يَحْبَطُ حَقُّهُ بِقَتْلِهِ فِيهَا وَقِيلَ الْمُغَلَّبُ فِيهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ وَيَسْتَوْفِيهِ الْإِمَامُ بِدُونِ طَلَبِ الْوَلِيِّ، وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ
وَفَرَّعَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فُرُوعًا فَقَالَ (فَلَا يُقْتَلُ) إذَا كَانَ حُرًّا (بِعَبْدٍ) أَوْ نَحْوِهِ مِمَّنْ لَا يُكَافِئُهُ كَابْنِهِ وَذِمِّيٍّ، وَالْقَاطِعُ مُسْلِمٌ (وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ) لَوْ قَالَ الضَّمَانُ بِالْمَالِ كَانَ أَعَمَّ (وَإِنْ قَتَلَ بِمُثَقَّلٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَقَطْعِ عُضْوٍ (رُوعِيَتْ الْمُمَاثَلَةُ) فِي قَتْلِهِ بِأَنْ يُقْتَلَ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ بِهِ (وَإِذَا قَتَلَ وَمَاتَ) قَبْلَ قَتْلِهِ قِصَاصًا (فَالدِّيَةُ) تَجِبُ (فِي مَالِهِ وَإِذَا عَفَا الْوَلِيُّ عَلَى مَالٍ لَزِمَهُ) أَيْ الْقَاطِعَ الْمَالُ (وَقُتِلَ حَدًّا) كَمُرْتَدٍّ لَزِمَهُ قِصَاصٌ وَعُفِيَ عَنْهُ بِمَالٍ وَسَقَطَ قَتْلُهُ قِصَاصًا لِصِحَّةِ الْعَفْوِ عَنْهُ (وَإِذَا قَتَلَهُ أَحَدٌ بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْإِمَامِ (فَلِوَرَثَتِهِ الدِّيَةُ) عَلَى قَاتِلِهِ وَلَا قِصَاصَ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ مُتَحَتِّمٌ وَلَوْ لَمْ يُرَاعَ فِيهِ الْقِصَاصُ لَمْ تَلْزَمْهُ الدِّيَةُ بَلْ مُجَرَّدُ التَّعْزِيرِ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ (وَبِنَفْسِ التَّوْبَةِ) قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (تَسْقُطُ عَنْهُ حُقُوقُ اللَّهِ) تَعَالَى (كَالْقَطْعِ، وَالصَّلْبِ وَانْحِتَامِ الْقَتْلِ وَيَبْقَى الْقِصَاصُ، وَالْمَالُ) هَذَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ هَذَا الطَّرَفِ (وَإِذَا جَرَحَ) جُرْحًا (وَلَمْ يَسْرِ لَمْ يَتَحَتَّمْ جُرْحُهُ) ؛ لِأَنَّ الِانْحِتَامَ تَغْلِيظٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَخْتَصُّ بِالنَّفْسِ كَالْكَفَّارَةِ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ الْجُرْحَ فِي الْآيَةِ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ، فَلَوْ عُفِيَ عَنْهُ سَقَطَ، فَإِنْ سَرَى فَهُوَ قَاتِلٌ وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ وَنَبَّهَ بِلَمْ يَتَحَتَّمْ جُرْحُهُ عَلَى أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا فِيهِ قَوَدٌ مِنْ الْأَعْضَاءِ كَقَطْعِ يَدٍ وَرِجْلٍ أَمَّا غَيْرُهُ كَالْجَائِفَةِ فَوَاجِبَةُ الْمَالِ وَلَا قَوَدَ كَمَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْقَاطِعِ (وَإِنْ قَتَلَ خَطَأً) أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ (فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) وَلَا قَتْلَ عَلَيْهِ
(فَصْلٌ) (يُوَالِي) عَلَى قَاطِعِ الطَّرِيقِ (قَطْعَ يَدِهِ وَرِجْلِهِ) لِاتِّحَادِ الْعُقُوبَةِ كَالْجَلَدَاتِ فِي الْحَدِّ الْوَاحِدِ (فَإِنْ فُقِدَتْ إحْدَاهُمَا اكْتَفَى بِالْأُخْرَى) وَلَا يُجْعَلُ طَرَفٌ آخَرُ بَدَلَ الْمَفْقُودِ، وَالتَّصْرِيحُ بِفَقْدِ الْيَسَارِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَإِنْ فُقِدَتَا) قَبْلَ أَخْذِهِ الْمَالَ (قُطِعَ لِأُخْرَيَانِ) أَوْ بَعْدَهُ سَقَطَ الْقَطْعُ كَمَا فِي السَّرِقَةِ (وَإِنْ وَجَبَ عَلَى الْمُحَارِبِ قِصَاصٌ فِي يَمِينِهِ) مِنْ يَدَيْهِ (قُطِعَتْ قِصَاصًا) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يُغَلَّبُ فِي ذَلِكَ حَقُّ الْآدَمِيِّ فَلَا تُقْطَعُ قِصَاصًا وَمُحَارَبَةً وَمِنْهُ يُؤْخَذُ مَا صَرَّحَ بِهِ أَصْلُهُ أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ الرَّجْمُ لِزِنًا وَقَتْلِ قِصَاصٍ لَا يُقْتَلُ رَجْمًا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ بَلْ يُسَلَّمُ إلَيْهِ لِيَقْتَصَّ مِنْهُ (ثُمَّ) قُطِعَتْ (رِجْلُهُ) الْيُسْرَى (لِلْمُحَارَبَةِ بِلَا) وُجُوبِ (مُهْلَةٍ) بَيْنَ الْقَطْعَيْنِ بَلْ يُوَالِي بَيْنَهُمَا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْعُقُوبَتَانِ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا مُسْتَحَقَّةٌ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ قَطْعُهُمَا جَمِيعًا عَنْهُ لَمْ يَسْقُطْ إذْ الْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ.
(فَإِنْ عَفَا) مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ (وَلَوْ بِمَالٍ أَخَذَ) الْمَالَ فِي صُورَتِهِ (وَقُطِعَا) الْأَوْلَى وَقُطِعَتَا (حَدًّا) ، وَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ بِمَالٍ أُخِذَ مِنْ زِيَادَتِهِ (أَوْ) وَجَبَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ (فِي يَسَارِهِ) مِنْ يَدَيْهِ (قُطِعَتْ) أَوَّلًا لِلْقِصَاصِ (وَأُمْهِلَ) لِقَطْعِ يَدِهِ الْيُمْنَى وَرِجْلِهِ الْيُسْرَى (لِلْحَدِّ حَتَّى يَبْرَأَ) ، فَإِذَا بَرِئَ قُطِعَتَا (أَوْ فِي عُضْوَيْ الْمُحَارِبِ) الْمَقْطُوعَيْنِ فِي الْمُحَارَبَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا (وَاقْتُصَّ مِنْهُ) فِيهِمَا (سَقَطَ) عَنْهُ (الْحَدُّ) لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ وَإِنْ عَفَا عَنْهُ قُطِعَا حَدًّا وَلَوْ قَطَعَ يَسَارَ غَيْرِهِ وَسَرَقَ قُطِعَتْ يَسَارُهُ قِصَاصًا وَأُهْمِلَ حَتَّى يَبْرَأَ ثُمَّ تُقْطَعُ يَمِينُهُ عَنْ السَّرِقَةِ وَلَا يُوَالَى؛ لِأَنَّهُمَا عُقُوبَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ وَقُدِّمَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ آكَدُ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ
(فَصْلٌ) لَوْ (لَزِمَهُ قَتْلٌ وَقَطْعٌ) عَنْ قِصَاصٍ (وَقَذْفٍ) أَيْ حَدُّهُ (لِثَلَاثَةٍ وَطَالَبُوهُ) بِذَلِكَ (جُلِدَ) وَإِنْ تَأَخَّرَ الْقَذْفُ (وَأُمْهِلَ) حَتَّى يَبْرَأَ وَإِنْ قَالَ مُسْتَحِقُّ الْقَتْلِ عَجِّلُوا الْقَطْعَ وَأَنَا أُبَادِرُ بَعْدَهُ بِالْقَتْلِ لِئَلَّا يَهْلِكَ
[حاشية الرملي الكبير]
بِهَا إمَارَاتٌ تَدُلُّ عَلَى التَّوْبَةِ فَفِي الْقَبُولِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ.
اهـ. (قَوْلُهُ: لِمَفْهُومِ الْآيَةِ إلَخْ) وَلِأَنَّ دَفْعَ الْعُقُوبَةِ بِذَلِكَ يُفْضِي إلَى انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ وَسَدِّ بَابِ الْعُقُوبَاتِ عَلَى الْجَرَائِمِ (قَوْلُهُ: وَقِيَاسًا عَلَى الْكَفَّارَةِ) وَاحْتَجَّ لَهُ الرَّبِيعُ فِي الْأُمُّ بِحَدِيثِ «مَاعِزٍ حِينَ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَقَرَّ بِالزِّنَا وَأَمَرَ بِحَدِّهِ» وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُخْبِرَهُ بَلْ تَائِبًا فَلَمَّا أَقَامَ حَدَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْمُحَارِبِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّا لَوْ أَسْقَطْنَاهُ لَصَارَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً فِي إبْطَالِ حِكْمَةِ الْحُدُودِ
(قَوْلُهُ: وَإِذَا قَتَلَ أَحَدٌ بِلَا إذْنٍ فَلِوَرَثَتِهِ الدِّيَةُ عَلَى قَاتِلِهِ) قَالَ شَيْخُنَا هَذَا أَحَدُ مَوْضُوعَيْنِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْبَيْعِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى قَاتِلِ الْمُرْتَدِّ إذَا كَانَ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَا هُنَاكَ فِي رَقِيقٍ غَيْرِ جَانٍ وَمَا هُنَا فِي حُرٍّ جَانٍ (قَوْلُهُ: هَذَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ هَذَا الطَّرَفِ) ذَكَرَهُ ثَمَّ لِبَيَانِ مُخَالَفَتِهِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْحُدُودِ وَهُنَا لِبَيَانِ مُخَالَفَتِهِ الْقِصَاصَ وَالْمَالَ (قَوْلُهُ: وَإِذَا جَرَحَ وَلَمْ يَسْرِ لَمْ يَتَحَتَّمْ جَرْحُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة: 33] فَحَتَّمَ الْقَتْلَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ نَبَّهَ بِهِ عَلَى الْجُرْحِ أَوْ قَصَدَ بِهِ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا، وَالْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ أَغْلَظُ وَإِنَّمَا يُنَبِّهُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى دُونَ الْعَكْسِ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي
(قَوْلُهُ: فَإِنْ فُقِدَتْ إحْدَاهُمَا اكْتَفَى بِالْأُخْرَى) فِي مَعْنَى فَقْدِهَا أَنْ تَكُونَ شَلَّاءَ لَا تُحْسَمُ عُرُوقُهَا لَوْ قُطِعَتْ (قَوْلُهُ: صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ) وَحَذَفَهُ الْمُصَنِّفُ لِفَهْمِهِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ فِي يَسَارِهِ إلَخْ
بِالْمُوَالَاةِ فَيَفُوتُ الْقَتْلُ قِصَاصًا نَعَمْ لَوْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ مَخُوفٌ يُخْشَى مِنْهُ الزُّهُوقُ إنْ لَمْ يُبَادِرْ بِالْقَطْعِ بُودِرَ بِهِ لِئَلَّا يَضِيعَ حَقُّهُ أَيْضًا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (ثُمَّ قُطِعَ ثُمَّ قُتِلَ بِلَا) وُجُوبِ (مُهْلَةٍ) بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ مُسْتَوْفَاةٌ (وَإِنْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ) حَدِّ (الْقَذْفِ صُيِّرَا) أَيْ الْآخَرَانِ (حَتَّى يَسْتَوْفِيَ) حَقَّهُ وَإِنْ تَقَدَّمَ اسْتِحْقَاقُهُمَا لَهُ لِئَلَّا يُفَوِّتَا عَلَيْهِ حَقَّهُ (أَوْ) أَخَّرَ (مُسْتَحِقُّ) قَطْعِ (الطَّرَفِ صَبَرَ وَلِيُّ الْقَتْلِ) حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ بِذَلِكَ (فَإِنْ بَادَرَ وَقَتَلَهُ عُزِّرَ) لِتَعَدِّيهِ وَكَانَ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ (وَرَجَعَ الْآخَرُ) وَهُوَ مُسْتَحِقُّ الْقَطْعِ (إلَى الدِّيَةِ وَإِنْ زَنَى بِكْرٌ أَوْ شَرِبَ) مُسْكِرًا (أَوْ سَرَقَ مَرَّاتٍ فَحَدٌّ وَاحِدٌ) يَلْزَمُهُ (وَإِنْ تَخَلَّلَ) بَيْنَهُمَا (عِتْقٌ) لِلْعَبْدِ الْفَاعِلِ لِذَلِكَ وَلَوْ فَعَلَهُ فَحُدَّ ثُمَّ فَعَلَهُ لَزِمَهُ حَدٌّ آخَرُ وَلَوْ حُدَّ بَعْضَ الْحَدِّ فَفَعَلَ ثَانِيًا دَخَلَ الْبَاقِي فِي الْحَدِّ الثَّانِي
(وَلَا يُوَالَى بَيْنَ حَدَّيْنِ) لِاثْنَيْنِ بَلْ يُمْهَلُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَبْرَأَ لِئَلَّا يَهْلِكَ بِالْمُوَالَاةِ، وَمِثْلُهُ قَطْعُ الْأَطْرَافِ قِصَاصًا لِجَمَاعَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لِوَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يُوَالَى فِيهِ (وَلَوْ حَدَّيْ قَذْفٍ) لِاثْنَيْنِ (عَلَى عَبْدٍ) ، فَإِنَّهُ لَا يُوَالَى بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا حَدَّانِ وَقِيلَ يُوَالَى بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا كَحَدِّ حُرٍّ، وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْجِيحِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَيُقَدَّمُ الْأَوَّلُ) أَيْ حَدُّ الْأَوَّلِ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ مُوجِبَيْ حَدَّيْ الْقَذْفِ إنْ تَرَتَّبَا (وَإِلَّا) بِأَنْ قَذَفَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ (فَالْقُرْعَةُ) تَجِبُ
(فَرْعٌ) لَوْ (زَنَى بِكْرٌ وَسَرَقَ وَشَرِبَ) مُسْكِرًا (وَحَارَبَ وَارْتَدَّ قُدِّمَ الْأَخَفُّ) مِنْهَا فَالْأَخَفُّ وَقْعًا؛ لِأَنَّهُ الْأَقْرَبُ لِاسْتِيفَائِهَا فَوْرًا (فَيُجْلَدُ لِلشُّرْبِ وَيُمْهَلُ) حَتَّى يَبْرَأَ (ثُمَّ) يُجْلَدُ (لِلزِّنَا وَيُمْهَلُ) حَتَّى يَبْرَأَ (ثُمَّ تُقْطَعُ يَدُهُ لِلسَّرِقَةِ، وَالْمُحَارَبَةِ وَرِجْلُهُ لِلْمُحَارَبَةِ ثُمَّ يُقْتَلُ) لِلرِّدَّةِ وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ بَدَلَ قَتْلِهَا قَتْلَ قِصَاصٍ أَوْ مُحَارَبَةٍ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَيُوَالَى بَيْنَ الثَّلَاثَةِ) أَيْ قَطْعِ الْيَدِ وَقَطْعِ الرِّجْلِ، وَالْقَتْلِ (لَا بَيْنَ الِاثْنَيْنِ) الْأَخِيرَيْنِ مِنْهَا فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تَقَعُ عَنْ الْمُحَارَبَةِ، وَالسَّرِقَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ الْمُحَارَبَةُ فَيُمْهَلُ فِيمَا ذُكِرَ وَيُوَالَى بَيْنَ الثَّلَاثَةِ.
(وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ لِلْمُحَارَبَةِ وَلِلرِّدَّةِ) الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ زِيَادَتِهِ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ قَتْلَ مُحَارَبَةٍ فَهَلْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْحُدُودِ الْمُقَامَةِ قَبْلَ الْقَتْلِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا؛ لِأَنَّهُ مُتَحَتِّمُ الْقَتْلِ فَلَا مَعْنَى لِلْإِمْهَالِ بِخِلَافِ قَتْلِ الرِّدَّةِ، وَالْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ يَتَوَقَّعُ الْإِسْلَامَ، وَالْعَفْوَ وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ بِالْمُوَالَاةِ فَيَفُوتُ سَائِرُ الْحُدُودِ وَعُلِمَ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَخَفِّ أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ مَعَهَا التَّعْزِيرُ قُدِّمَ؛ لِأَنَّهُ الْأَخَفُّ وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ اجْتَمَعَ قَتْلٌ وَرِدَّةٌ وَرَجْمٌ قَالَ الْقَاضِي قُدِّمَ قَتْلُ الرِّدَّةِ إذْ فَسَادُهَا أَشَدُّ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ يُرْجَمُ وَيَدْخُلُ فِيهِ قَتْلُ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الرَّجْمَ أَكْثَرُ نَكَالًا (وَإِنْ كَانَ فِيهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ وَفِي نُسْخَةٍ فِيهِ أَيْ الْمَذْكُورِ (حَقُّ آدَمِيٍّ كَحَدِّ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصِ طَرَفٍ قُدِّمَ عَلَى حَدِّ الشُّرْبِ) وَإِنْ كَانَ حَدُّ الشُّرْبِ أَخَفَّ لِبِنَاءِ حَقِّ الْآدَمِيِّ عَلَى الضِّيقِ (بِلَا تَوَالٍ) بَلْ يُمْهِلُهُ لِئَلَّا يَهْلِكَ بِالتَّوَالِي، وَإِنْ اجْتَمَعَ قَتْلُ رِدَّةٍ وَقَتْلُ مُحَارَبَةٍ وَرَجْمٍ قَالَ الْقَاضِي قُدِّمَ قَتْلُ الْمُحَارَبَةِ وَإِنْ جُعِلَ حَدًّا؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ (وَإِنْ اجْتَمَعَ قَتْلُ قِصَاصٍ) فِي غَيْرِ مُحَارَبَةٍ (وَ) قَتْلُ (مُحَارَبَةٍ) (قُدِّمَ السَّابِقُ) مِنْهُمَا (وَرَجَعَ الْآخَرُ إلَى الدِّيَةِ وَفِي انْدِرَاجِ قَطْعِ السَّرِقَةِ فِي قَتْلِ الْمُحَارَبَةِ) فِيمَا لَوْ سَرَقَ وَقَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ (وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْأَوْجَهُ نَعَمْ تَغْلِيبًا لِحَقِّ الْآدَمِيِّ وَثَانِيهِمَا لَا بَلْ يُقْطَعُ لِلسَّرِقَةِ ثُمَّ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ لِلْمُحَارَبَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ لَا يَفُوتُ بِتَقْدِيمِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَإِنْ جُلِدَ) لِلزِّنَا (ثُمَّ زَنَى) ثَانِيًا (قَبْلَ التَّغْرِيبِ أَوْ جُلِدَ) لَهُ (خَمْسِينَ ثُمَّ زَنَى) ثَانِيًا (كَفَاهُ) فِيهِمَا (جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ وَاحِدٍ) وَدَخَلَ فِي الْمِائَةِ الْخَمْسُونَ الْبَاقِيَةُ وَفِي التَّغْرِيبِ لِلثَّانِي التَّغْرِيبُ لِلْأَوَّلِ (وَلَوْ زَنَى بِكْرًا ثُمَّ مُحْصَنًا) قَبْلَ أَنْ يُجْلَدَ (دَخَلَ التَّغْرِيبُ لَا الْجَلْدُ تَحْتَ الرَّجْمِ) لِئَلَّا تَطُولَ الْمُدَّةُ مَعَ أَنَّ النَّفْسَ مُسْتَوْفَاةٌ وَلِأَنَّ التَّغْرِيبَ صِفَةٌ فَيُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا بِخِلَافِ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ لَزِمَهُ قَتْلٌ وَقَطْعٌ عَنْ قِصَاصٍ وَقَذْفٍ لِثَلَاثَةٍ وَطَالَبُوا قَاطِع الطَّرِيق بِذَلِكَ]
قَوْلُهُ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ فَيُقَدَّمُ جَلْدُ الزِّنَا عَلَى قِصَاصِ النَّفْسِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ زَنَى بِكْرٌ أَوْ شَرِبَ أَوْ سَرَقَ مَرَّاتٍ فَحَدٌّ وَاحِدٌ) قَالَ شَيْخُنَا عُلِمَ مِنْ إتْيَانِهِ بِأَوْ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ عَلَيْهِ مُوجِبُ حَدَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَوْ اجْتَمَعَا كَأَنْ شَرِبَ وَزَنَى وَجَبَ حَدَّانِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَسْطُرٍ
(قَوْلُهُ: وَلَا يُوَالَى بَيْنَ حَدَّيْنِ إلَخْ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْحَدَّانِ الْقَاطِعُ جِنَايَتُهُ الْإِتْلَافُ فَأَتْلَفَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، وَالْقَاذِفُ جِنَايَتُهُ الْإِيذَاءُ فَلَمْ يُحَدَّ إلَّا مُتَفَرِّقًا وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ بِفَرْقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحَدَّ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ بِزِيَادَةٍ وَالْقِصَاصُ مُقَدَّرٌ بِالْجِنَايَةِ فَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِطُ بِزِيَادَةٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْقَصَاصَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَالْأَوَّلُ ضَعِيفٌ لِزَوَالِ الْمَحْذُورِ بِلَحْظَةٍ أَوْ ضَبْطِ الْعَدَدِ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُ قَدْ يَجْتَمِعُ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ بِأَنْ يَقْذِفَهُ بِزَنْيَةٍ أُخْرَى ثُمَّ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ وَبَيْنَ عَدَمِ التَّوَالِي وَإِنَّمَا الْفَرْقُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَيُقَدَّمُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا) يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إذَا كَانَ حَدُّ الْأَوَّلِ قَابِلًا لِإِسْقَاطِهِ بِاللِّعَانِ فَلَا يَتَقَدَّمُ
[فَرْعٌ زَنَى بِكْرٌ وَسَرَقَ وَشَرِبَ مُسْكِرًا وَحَارَبَ وَارْتَدَّ]
(قَوْلُهُ: قُدِّمَ الْأَخَفُّ مِنْهَا فَالْأَخَفُّ أَيْ وُجُوبًا) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِاسْتِيفَائِهَا) أَيْ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ الْأَشَقَّ لَوْ قُدِّمَ لَطَالَ الِانْتِظَارُ إلَى الْبُرْءِ وَلِأَنَّ حِفْظَ مَحَلِّ الْحَقِّ وَاجِبٌ فَلَوْ تَقَدَّمَ الْأَشَقُّ لَكَانَ تَعْزِيرًا بِضَيَاعِ مَحَلِّ الْحَقِّ (قَوْلُهُ: ثُمَّ تُقْطَعُ يَدُهُ لِلسَّرِقَةِ) قَدْ يُفْهِمُ كَلَامُهُ قَطْعَهُ قَبْلَ التَّقْرِيبِ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا تَعَرُّضًا لَهُ اهـ قَوْلُهُمْ قُدِّمَ الْأَخَفُّ فَالْأَخَفُّ وَقَوْلُهُمْ ثُمَّ لِلزِّنَا وَيُمْهَلُ ثُمَّ تُقْطَعُ يَدُهُ لِلسَّرِقَةِ كُلٌّ مِنْهُمَا كَالصَّرِيحِ فِي تَقَدُّمِ جَلْدِ الزِّنَا وَتَغْرِيبِهِ عَلَى قَطْعِ السَّرِقَةِ وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي غَيْرِ هَذَا وَظَاهِرٌ أَنَّ التَّغْرِيبَ لَا يَسْقُطُ وَأَنَّهُ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ اهـ وَشَمَلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ثُمَّ لِلزِّنَا وَيُمْهَلُ إمْهَالُهُ لِلْبُرْءِ أَوْ لِلتَّغْرِيبِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ يُرْجَمُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ يَفْعَلُ الْإِمَامُ مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْكَلَامَاتُ ش (قَوْلُهُ: قَالَ الْقَاضِي قُدِّمَ قَتْلُ الْمُحَارَبَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَثَانِيهِمَا لَا بَلْ يُقْطَعُ إلَخْ) وَهُوَ الْأَصَحُّ لِاخْتِلَافِ الْعُقُوبَتَيْنِ وَجَرِيمَتَيْهِمَا
الْجَلْدِ لِاخْتِلَافِ الْعُقُوبَتَيْنِ وَقِيلَ يَدْخُلُ فِيهِ الْجَلْدُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا عُقُوبَةُ جَرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ بِكْرًا عِنْدَ الزَّنْيَتَيْنِ، وَالتَّرْجِيحُ فِي هَذِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ اللِّعَانِ وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ مُحْصَنٌ ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ وَاسْتُرِقَّ فَزَنَى ثَانِيًا فَفِي دُخُولِ الْجَلْدِ فِي الرَّجْمِ وَجْهَانِ صَحَّحَ مِنْهُمَا الْبَغَوِيّ الْمَنْعَ ذَكَرَهُ الْأَصْلُ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ الْأَصَحُّ الدُّخُولُ كَالْحَدَّيْنِ
(فَصْلٌ) لَوْ (شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ الرُّفْقَةِ عَلَى الْمُحَارِبِ لِغَيْرِهِمَا وَلَمْ يَتَعَرَّضَا؛ لِأَنْفُسِهِمَا) فِي الشَّهَادَةِ (قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُمَا (وَلَيْسَ عَلَى الْقَاضِي الْبَحْثُ عَنْ كَوْنِهِمَا مِنْ الرُّفْقَةِ) أَوْ لَا (وَإِنْ بَحَثَ) عَنْ ذَلِكَ (لَمْ يَلْزَمْهُمَا أَنْ يُجِيبَا، فَإِنْ قَالَا: نَهَبُونَا) فَأَخَذُوا مَالَنَا رُفْقَتُنَا (لَمْ يُقْبَلَا) لَا فِي حَقِّهِمَا وَلَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا (لِلْعَدَاوَةِ وَلَوْ أَوْصَى لَهُمْ) أَيْ لِجَمَاعَةٍ بِشَيْءٍ (فَقَالَا) أَيْ اثْنَانِ مِنْهُمْ (نَشْهَدُ بِهَا) أَيْ بِالْوَصِيَّةِ (لِهَؤُلَاءِ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِنَا قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُمَا وَإِنْ قَالَا نَشْهَدُ بِهَا لَهُمْ وَلَنَا لَمْ تُقْبَلْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِلتُّهْمَةِ
[بَابٌ حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ]
[الطَّرَف الْأَوَّلُ فِي مُتَعَلِّقِ حَدّ شَارِب الْخَمْر]
(بَابٌ حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ) شُرْبُهُ مِنْ كَبَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: 90] الْآيَةَ وَرَوَى الشَّيْخَانِ خَبَرَ «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» وَرَوَى مُسْلِمٌ خَبَرَ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ حُرِّمَتْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَالْخَمْرُ (هِيَ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا اشْتَدَّتْ وَقَذَفَتْ بِالزَّبَدِ) الْأَوْلَى حَذْفُ التَّاءِ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الْعَصِيرِ (وَالرُّطَبُ) أَيْ عَصِيرُهُ إذَا صَارَ مُسْكِرًا (، وَالْأَنْبِذَةُ الْمُسْكِرَةُ) وَهِيَ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ التَّمْرِ وَنَحْوِهِ (مِثْلُهَا) أَيْ مِثْلُ الْخَمْرِ (فِي التَّحْرِيمِ، وَالْحَدِّ، وَالنَّجَاسَةِ) لِمُشَارَكَتِهَا لَهَا فِي كَوْنِهَا مَائِعَةً مُسْكِرَةً (لَكِنْ لَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا بِخِلَافِ الْخَمْرِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا) دُونَ تِلْكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِهَا وَلَمْ يَسْتَحْسِنْ الْإِمَامُ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّ الْخَمْرِ قَالَ وَكَيْفَ يَكْفُرُ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَنَحْنُ لَا نُكَفِّرُ مَنْ يَرُدُّ أَصْلَهُ إنَّمَا نُبَدِّعُهُ وَأَوَّلَ كَلَامَ الْأَصْحَابِ عَلَى مَا إذَا صَدَّقَ الْمُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ ثَبَتَ شَرْعًا ثُمَّ حَلَّلَهُ، فَإِنَّهُ رَدٌّ لِلشَّرْعِ حَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إنْ صَحَّ فَلْيَجْرِ فِي سَائِرِ مَا حَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى افْتِرَاضِهِ فَنَفَاهُ أَوْ تَحْرِيمِهِ فَأَثْبَتَهُ، وَأَجَابَ عَنْهُ الزَّنْجَانِيُّ بَلْ مُسْتَحِلُّ الْخَمْرِ لَا نُكَفِّرُهُ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ فَقَطْ بَلْ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا ثَبَتَ ضَرُورَةً أَنَّهُ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْإِجْمَاعُ، وَالنَّصُّ عَلَيْهِ وَذَكَرْت فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ زِيَادَةً عَلَى هَذَا (وَفِيهِ طَرَفَانِ الْأَوَّلُ فِي مُتَعَلِّقِ الْحَدِّ فَكُلُّ مُلْتَزِمِ التَّحْرِيمِ) أَيْ تَحْرِيمِ الْمَشْرُوبِ (شَرِبَ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ) مِنْ خَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ الْقَدْرُ الْمَشْرُوبُ مِنْهُ (مُخْتَارًا بِلَا ضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرٍ لَزِمَهُ الْحَدُّ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَحُدُّ فِي الْخَمْرِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَصَحَّحَ الْحَاكِمُ خَبَرَ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» وَقِيسَ بِهِ شُرْبُ النَّبِيذِ وَإِنَّمَا حَرَّمَ الْقَلِيلَ وَحَدَّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ كَمَا حَرَّمَ تَقْبِيلَ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَالْخَلْوَةَ بِهَا لِإِفْضَائِهِمَا إلَى الْوَطْءِ
(وَيُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْكِرِ الْمُنَصَّفُ) أَيْ شُرْبُهُ (وَهُوَ مَا يُعْمَلُ مِنْ ثَمَرٍ وَرُطَبٍ، وَالْخَلِيطُ) أَيْ شُرْبُهُ (وَهُوَ) مَا يُعْمَلُ (مِنْ بُسْرٍ وَرُطَبٍ) وَقِيلَ مِنْ ثَمَرٍ وَزَبِيبٍ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسَبَبُ النَّهْيِ أَنَّ الْإِسْكَارَ يُسْرِعُ إلَى ذَلِكَ بِسَبَبِ الْخَلْطِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ فَيَظُنُّ الشَّارِبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْكِرٍ وَيَكُونُ مُسْكِرًا (فَيُحَدُّ) بِشُرْبِ الْمُسْكِرِ (الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ وَلَوْ حَنَفِيًّا شَرِبَ النَّبِيذَ وَإِنْ قَلَّ) وَلَا يُؤَثِّرُ اعْتِقَادُهُ حِلَّهُ لِقُوَّةِ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِهِ وَلِأَنَّ الطَّبْعَ
[حاشية الرملي الكبير]
(قَوْلُهُ: وَالتَّرْجِيحُ فِي هَذِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا إلَخْ) جَرَى فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ عَلَى الْأَوَّلِ فِي بَابِ اللِّعَانِ وَعَلَى الثَّانِي فِي بَابِ الزِّنَا قَالَ الكوهكيلوني كَلَامُهُ فِي حَدِّ الزِّنَا فِيمَا إذَا كَانَ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ لِشَخْصٍ وَفِي بَابِ اللِّعَانِ فِيمَا إذَا تَعَلَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ بِشَخْصٍ (قَوْلُهُ: صَحَّحَ مِنْهُمَا الْبَغَوِيّ الْمَنْعَ) هُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ الْأَصْلُ) هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ
[فَصْلٌ شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ الرُّفْقَةِ عَلَى الْمُحَارِبِ لِغَيْرِهِمَا وَلَمْ يَتَعَرَّضَا؛ لِأَنْفُسِهِمَا فِي الشَّهَادَةِ]
(بَابُ حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ)
(قَوْلُهُ شُرْبُهُ مِنْ كَبَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ) أَيْ وَإِنْ مَزَجَهَا بِمِثْلِهَا مِنْ الْمَاءِ (قَوْلُهُ: قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: 90] الْآيَةَ وَقَالَ ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ﴾ [الأعراف: 33] وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْإِثْمَ هِيَ الْخَمْرُ وَتَظَافَرَتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى تَحْرِيمِهَا وَكَذَا الْإِجْمَاعُ (قَوْلُهُ: وَرَوَى الشَّيْخَانِ إلَخْ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «لَعَنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَوَاهِبَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا» (قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ) وَقِيلَ بَلْ كَانَ الْمُبَاحُ الشُّرْبُ لَا مَا يَنْتَهِي إلَى السُّكْرِ الْمُزِيلِ لِلْعَقْلِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ فِي كُلِّ مِلَّةٍ وَحَكَاهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ الْقَفَّالِ يَعْنِي الشَّاشِيَّ ثُمَّ نَازَعَهُ فِيهِ وَقَالَ تَوَاتَرَ الْخَبَرُ حَيْثُ كَانَتْ مُبَاحَةً بِالْإِطْلَاقِ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْإِبَاحَةَ كَانَتْ إلَى حَدٍّ لَا يُزِيلُ الْعَقْلَ وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْصِيلَ عِنْدَهُ إنَّ السُّكْرَ لَمْ يَزَلْ مُحَرَّمًا فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ اهـ وَعَلَى هَذَا فَهَلْ كَانَتْ إبَاحَتُهَا لَهُمْ بِاسْتِصْحَابٍ أَوْ شَرْعٍ مُبْتَدَأٍ وَجْهَانِ أَشْبَهُهُمَا فِي الْحَاوِي وَالْبَحْرِ الْأَوَّلُ قَالَ شَيْخُنَا وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ الثَّانِيَ.
(قَوْلُهُ: دُونَ تِلْكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِهَا) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ اسْتَحَلَّ الْمُسْكِرَ مِنْهَا يَكْفُرُ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ مِنْهَا وَقَدْ أَفْتَيْت بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ هَذَا يَقْتَضِي إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَذَكَرْت فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ زِيَادَةً عَلَى هَذَا) قَالَ فِيهِ بَعْدَمَا فِي الشَّرْحِ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ظَاهِرُ حَدِيثِ «التَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ» أَنَّ مُخَالِفَ الْإِجْمَاعِ كَافِرٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَلَيْسَ بِالْهَيِّنِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَسَائِلَ الْإِجْمَاعِيَّةَ إنْ صَحِبَهَا التَّوَاتُرُ كَالصَّلَاةِ كَفَرَ مُنْكِرُهَا لِمُخَالَفَتِهِ التَّوَاتُرَ لَا لِمُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ وَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهَا التَّوَاتُرُ لَمْ يَكْفُرْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَعَلَيْهِ فَلَا يَنْبَغِي عَدُّ إنْكَارِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فِي أَنْوَاعِ الرِّدَّةِ (قَوْلُهُ: شُرْبُ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ) سَيَأْتِي مَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ شُرْبُ لَيْسَ بِقَيْدٍ فَيُحَدُّ بِدُرْدِيِّ الْخَمْرِ وَجَامِدِهِ وَجَامِدِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ قَالَ شَيْخُنَا أَيْ مِمَّا أَصْلُهُ مَائِعٌ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ حَنَفِيًّا شَرِبَ النَّبِيذَ وَإِنْ قَلَّ) ، فَإِنْ قِيلَ
يَدْعُو إلَيْهِ فَيَحْتَاجُ إلَى الزَّجْرِ عَنْهُ وَبِهَذَيْنِ التَّعْلِيلَيْنِ فَارَقَ ذَلِكَ عَدَمُ وُجُوبِ الْحَدِّ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَخَرَجَ بِالْمُسْلِمِ الْكَافِرُ وَلَوْ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَيْ مُطْلَقًا لِيَخْرُجَ الْحَنَفِيُّ الشَّارِبُ لِلنَّبِيذِ وَبِالْمُكَلَّفِ غَيْرُهُ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ (لَا) أَيْ يُحَدُّ مَنْ ذُكِرَ بِشُرْبِ الْمُسْكِرِ لَا (بِإِسْعَاطٍ وَحُقْنَةٍ) بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لِلزَّجْرِ وَلَا حَاجَةَ فِيهِمَا إلَى زَجْرٍ، فَإِنَّ النَّفْسَ لَا تَدْعُو إلَيْهِمَا (وَ) يُحَدُّ (بِمَرَقِ) أَيْ بِشُرْبِ مَرَقِ (مَا طُبِخَ بِهِ) أَيْ بِالْمُسْكِرِ (لَا) بِأَكْلِ (لَحْمِهِ) لِذَهَابِ الْعَيْنِ مِنْهُ (وَ) يُحَدُّ (بِأَكْلِ مَا ثُرِدَ بِهِ) أَوْ غُمِسَ فِيهِ (لَا) بِأَكْلِ (مَا عُجِنَ بِهِ) لِاسْتِهْلَاكِهِ فِيهِ (وَلَا بِشُرْبِهِ) أَيْ الْمُسْكِرِ (فِيمَا اسْتَهْلَكَهُ) كَأَنْ شَرِبَ مَا فِيهِ قَطَرَاتُ خَمْرٍ، وَالْمَاءُ غَالِبٌ بِصِفَاتِهِ لِذَلِكَ (وَلَا يُحَدُّ مُكْرَهٌ بِشُرْبِهِ) لِشُبْهَةِ الْإِكْرَاهِ وَلِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ شُرْبُهُ بِالْإِكْرَاهِ (وَ) لَا (مُسِيغُ) أَيْ مُزْدَرِدُ (لُقْمَةٍ) بِهِ حِينَ (غَصَّ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ أَيْ شَرِقَ (بِهَا وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ) مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ الْإِسَاغَةُ (وَخَافَ) الْهَلَاكَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ لِلضَّرُورَةِ (وَيَجُوزُ) لَهُ حِينَئِذٍ إسَاغَتُهَا بِهِ (بَلْ يَجِبُ) دَفْعًا لِلْهَلَاكِ (فَلَوْ شَرِبَهَا) أَيْ الْخَمْرَ (لِتَدَاوٍ أَوْ) لِدَفْعِ (جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَثِمَ) وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا كَمَا مَرَّ مَعَ زِيَادَةٍ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ (وَلَا حَدَّ) عَلَيْهِ بِشُرْبِهَا لِذَلِكَ وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ فِي التَّدَاوِي وَمِثْلُهُ مَا بَعْدَهُ وَلَمْ يُصَحِّحْ كَالرَّافِعِيِّ فِيهِمَا شَيْئًا وَإِنَّمَا قَالَا قَالَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ لَا حَدَّ بِالتَّدَاوِي، وَإِنْ حَكَمْنَا بِالْحُرْمَةِ لِشُبْهَةِ الْخِلَافِ فِي حِلِّ الشُّرْبِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَطْلَقَ الْأَئِمَّةُ الْمُعْتَبَرُونَ أَقْوَالَهُمْ: إنَّهُ حَرَامٌ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ ثُمَّ قَالَ فِي الشُّرْبِ لِلْعَطَشِ وَإِذَا حَرَّمْنَاهُ فَفِي الْحَدِّ الْخِلَافُ كَالتَّدَاوِي وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ فِيهِمَا فَيَكُونُ هُوَ الْأَصَحَّ مَذْهَبًا وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَ شَيْخُنَا الْحِجَازِيُّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْجَهُ لِشُبْهَةِ قَصْدِ التَّدَاوِي كَمَا جُعِلَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الزِّنَا شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْحَدِّ وَإِنْ كَانَ لَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ
(وَيَجُوزُ التَّدَاوِي بِنَجَسٍ) غَيْرِ مُسْكِرٍ (كَلَحْمِ حَيَّةٍ وَبَوْلٍ وَمَعْجُونِ خَمْرٍ) كَمَا مَرَّ فِي الْأَطْعِمَةِ (وَلَوْ) كَانَ التَّدَاوِي (لِتَعْجِيلِ شِفَاءٍ) كَمَا يَكُونُ لِرَجَائِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ (بِشَرْطِ إخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ) عَدْلٍ بِذَلِكَ (أَوْ مَعْرِفَةِ الْمُتَدَاوِي) بِهِ إنْ عُرِفَ (وَ) بِشَرْطِ (عَدَمِ مَا يَقُومُ بِهِ مَقَامَهُ) مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّدَاوِي مِنْ الطَّاهِرَاتِ (، وَالْمَعْذُورُ) فِي شُرْبِ الْمُسْكِرِ بِشَيْءٍ (مَنْ جَهْلِ التَّحْرِيمَ) لَهُ (لِقُرْبِ عَهْدٍ) مِنْهُ بِالْإِسْلَامِ (وَنَحْوِهِ) كَنَشْئِهِ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ (أَوْ) مَنْ (جَهِلِ كَوْنَهُ خَمْرًا لَا يُحَدُّ) لِعُذْرِهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِنَحْوِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ) الْفَائِتَةِ (مُدَّةَ السُّكْرِ) كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ (بِخِلَافِ الْعَالِمِ) بِذَلِكَ لِتَعَدِّيهِ (وَإِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ أَوْ كَوْنَهُ مُسْكِرًا لِقِلَّتِهِ حُدَّ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَحَقُّهُ أَنْ يَمْتَنِعَ
(وَإِنَّمَا يُحَدُّ) السَّكْرَانُ (بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ إقْرَارِهِ أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ مُسْكِرًا) لَا بِنِسْوَةٍ وَلَا بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَلَا بِرَجُلٍ وَيَمِينٍ (فَيَكْفِي) ذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ عَالِمًا مُخْتَارًا) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الشَّارِبِ الْعِلْمُ بِمَا يَشْرَبُهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ فَصَارَ كَالْإِقْرَارِ بِالْبَيْعِ، وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِمَا، وَالشَّهَادَةِ بِهَا بِخِلَافِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مُقَدِّمَاتِهِ كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ» فَاحْتِيجَ فِي الْإِقْرَارِ، وَالشَّهَادَةِ بِهِ إلَى الِاحْتِيَاطِ (وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى) مُشَاهَدَةِ (السُّكْرِ وَ) لَا عَلَى ظُهُورِ (النَّكْهَةِ) أَيْ رَائِحَةِ الْفَمِ وَلَا عَلَى تَقَيُّؤِ الْخَمْرِ لِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ أَوْ الْإِكْرَاهِ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ
(فَرْعٌ مُزِيلُ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ الْأَشْرِبَةِ كَالْبَنْجِ) ، وَالْحَشِيشَةِ حَرَامٌ لِإِزَالَتِهِ الْعَقْلَ (لَا حَدَّ
[حاشية الرملي الكبير]
الشَّافِعِيُّ لَا يُحَدُّ الْحَنَفِيُّ إذَا وَطِئَ مُطَلَّقَتَهُ الرَّجْعِيَّةَ وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ إذَا صَلَّى خَلْفَ الْحَنَفِيِّ بَعْدَ مَا مَسَّ فَرْجَهُ لَا تَصِحُّ بِخِلَافِ مَا إذَا اقْتَصَدَ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ وَكَذَلِكَ إذَا تَوَضَّأَ الْحَنَفِيُّ بِغَيْرِ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ، فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فَالْجَوَابُ أَمَّا مَسْأَلَةُ الرَّجْعَةِ فَلِأَنَّ الْوَطْءَ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ يَكُونُ رَجْعَةً فَأَشْبَهَ عَقْدَ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ إنْكَارُهُ عَلَى الْحَنَفِيِّ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ أَوْ مَعَ مَسِّ الْفَرْجِ لَيْسَ لِلشَّافِعَيَّ إنْكَارُهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُوصَفُ بِالِانْعِقَادِ فَهِيَ كَالْبِيَاعَاتِ وَالْأَنْكِحَةِ وَغَيْرِهَا بِخِلَافِ شُرْبِ النَّبِيذِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ فِي عَقْدٍ تَحْصُلُ مِنْهُ إبَاحَةٌ وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافٌ فِي نَفْسِ الْإِبَاحَةِ وَلَا ضَرُورَةَ لِلْحَنَفِيِّ إلَى تَعَاطِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الْعُقُودِ، فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى تَعَاطِيهَا وَأَمَّا الِاقْتِدَاءُ وَالْوُضُوءُ، فَإِنَّمَا قُلْنَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ عَمَلًا بِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ وَقُلْنَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا عَمَلًا بِاعْتِقَادِ الْمُتَوَضِّئِ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ بِالذِّمَّةِ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُهُ إلَّا الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْعِبَادِ وَكَتَبَ أَيْضًا كَيْفَ يُقَالُ هَذَا وَقَدْ قَرَّرَ أَهْلُ الْأُصُولِ أَنَّ الْخَمْرَ لَمْ يَزَلْ مُحَرَّمًا فِي كُلِّ الْمِلَلِ (قَوْلُهُ: وَلَا مُسِيغُ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ) قَالَ شَيْخُنَا وَكَذَا لَا حَدَّ فِي كُلِّ مَنْ شَرِبَهُ لِلْعَطَشِ أَوْ التَّدَاوِي أَوْ كَوْنِهِ غَصَّ وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لِدَفْعِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَثِمَ) أَيْ إنْ لَمْ يَخَفْ الْهَلَاكَ (قَوْلُهُ وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْأَقْوَى وَقَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ لَا حَدَّ عَلَى الْمُتَدَاوِي وَإِنْ لَمْ يَجُزْ الشُّرْبُ تَدَاوِيًا وَيَكُونُ قَصْدُ التَّدَاوِي شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْحَدِّ وَقِيلَ بِخِلَافِهِ اهـ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالْقِيَاسُ نَفْيُ الْحَدِّ وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَى الزِّنَا وَجُعِلَ الْإِكْرَاهُ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْحَدِّ وَإِنْ كَانَ لَا يُبَاحُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ بِالْإِكْرَاهِ فَهَذَا مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي حِلِّهِ أَوْلَى (قَوْلُهُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَطْلَقَ الْأَئِمَّةُ إلَخْ) ضَعَّفَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ
(قَوْلُهُ: وَالْمَعْذُورُ مَنْ جَهِلَ التَّحْرِيمَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ اسْمٌ مَوْصُولٌ أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ خَبَرُ الْمَعْذُورُ وَلَا يُحَدُّ خَبَرٌ ثَانٍ أَوْ بِكَسْرِهَا تَعْلِيلِيَّةٌ (قَوْلُهُ: لِقُرْبِ عَهْدِهِ مِنْهُ بِالْإِسْلَامِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِيمَنْ نَشَأَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ بِبَادِيَةٍ نَائِيَةٍ فَأَمَّا النَّاشِئُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُخَالِطُ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَحْرِيمُهَا فِي شَرْعِنَا
(قَوْلُهُ: أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا إلَخْ) كَأَنْ قَالَ شَرِبْت مِمَّا شَرِبَ مِنْهُ غَيْرِي فَسَكِرَ مِنْهُ أَوْ قَالَ الشَّاهِدُ مِثْلَ ذَلِكَ
فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلَذُّ وَلَا يُطْرِبُ وَلَا يَدْعُو قَلِيلُهُ إلَى كَثِيرِهِ بَلْ فِيهِ التَّعْزِيرُ (وَلَهُ تَنَاوُلُهُ) لِيُزِيلَ عَقْلَهُ (لِقَطْعِ) عُضْوٍ (مُتَآكِلٍ، وَالنَّدُّ) بِالْفَتْحِ (الْمَعْجُونُ بِخَمْرٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) لِنَجَاسَتِهِ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ كَالثَّوْبِ النَّجَسِ لِإِمْكَانِ تَطْهِيرِهِ بِنَقْعِهِ فِي الْمَاءِ (وَدُخَانُهُ كَدُخَانِ النَّجَاسَةِ فَفِي تَنْجِيسِهِ الْمُتَبَخِّرَ بِهِ وَجْهَانِ) قَضِيَّةُ تَشْبِيهِهِ بِدُخَانِ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْمَنْعَ مِنْ التَّبَخُّرِ بِهِ وَقَدْ قَدَّمَ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ أَنَّهُ جَائِزٌ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ
ثُمَّ (الطَّرَفُ الثَّانِي فِي نَفْسِ الْحَدِّ) الْوَاجِبُ فِي الشُّرْبِ (وَهُوَ أَرْبَعُونَ) جَلْدَةً (لِلْحُرِّ) فَفِي مُسْلِمٍ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَلَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ» وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ، وَالنِّعَالِ أَرْبَعِينَ» (وَعِشْرُونَ لِلْعَبْدِ) عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ كَنَظَائِرِهِ وَمِثْلُهُ الْأَمَةُ، وَالْمُبَعَّضُ وَإِنَّمَا يُحَدُّ الشَّارِبُ (بَعْدَ الْإِفَاقَةِ) مِنْ سُكْرِهِ لِيَرْتَدِعَ، فَلَوْ حُدَّ فِيهِ فَفِي الِاعْتِدَادِ بِهِ وَجْهَانِ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي، وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ الِاعْتِدَادُ بِهِ لِظَاهِرِ خَبَرِ الْبُخَارِيِّ «أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَكْرَانَ فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ فَمِنَّا مَنْ ضَرَبَهُ بِيَدِهِ وَمِنَّا مَنْ ضَرَبَهُ بِنَعْلِهِ وَمِنَّا مَنْ ضَرَبَهُ بِثَوْبِهِ» وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ «فَضَرَبُوهُ بِالْأَيْدِي، وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَبِكُلِّ حَالٍ فَيُضْرَبُ» (بِالْأَيْدِي، وَالنِّعَالِ، وَالسَّوْطِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ) بَعْدَ فَتْلِهَا حَتَّى تَشْتَدَّ (وَلَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) بَلْ كُلٌّ مِنْهَا أَوْ نَحْوُهُ كَافٍ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ فِي الْقَوِيِّ إنْ كَانَ مِمَّا يَرْدَعُهُ الضَّرْبُ بِغَيْرِ السَّوْطِ وَنَحْوِهِ اُقْتُصِرَ عَلَيْهِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ السَّوْطُ وَنَحْوُهُ (وَلَوْ بَلَّغَهُ الْإِمَامُ ثَمَانِينَ جَازَ) كَمَا مَرَّ فِعْلُهُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَآهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: لِأَنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَحَدُّ الِافْتِرَاءِ ثَمَانُونَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَالْأَرْبَعُونَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِهَذَا كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ فِي نَفْسِي مِنْ جَلْدِ شَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ شَيْءٌ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسُنَّهُ ثُمَّ مَحَلُّ ذَلِكَ فِي الْحُرِّ أَمَّا الْعَبْدُ، فَلَوْ رَأَى الْإِمَامُ تَبْلِيغَهُ أَرْبَعِينَ جَازَ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا (وَكَانَ الزَّائِدُ) عَلَى الْأَرْبَعِينَ أَوْ الْعِشْرِينَ (تَعْزِيرًا) وَإِلَّا لَمَا جَازَ تَرْكُهُ وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ وَضْعَ التَّعْزِيرِ النَّقْصُ عَنْ الْحَدِّ فَكَيْفَ يُسَاوِيهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لِجِنَايَاتٍ تَوَلَّدَتْ مِنْ الشَّارِبِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَيْسَ شَافِيًا، فَإِنَّ الْجِنَايَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ حَتَّى يُعَزَّرَ، وَالْجِنَايَاتُ الَّتِي تَتَوَلَّدُ مِنْ الْخَمْرِ لَا تَنْحَصِرُ فَلْتَجُزْ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّمَانِينَ وَقَدْ مَنَعُوهَا قَالَ وَفِي قِصَّةِ تَبْلِيغِ الصَّحَابَةِ الضَّرْبَ ثَمَانِينَ أَلْفَاظٌ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ الْكُلَّ حَدٌّ وَعَلَيْهِ فَحَدُّ الشُّرْبِ مَخْصُوصٌ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْحُدُودِ بِأَنْ لَمْ يَتَحَتَّمْ بَعْضُهُ وَيَتَعَلَّقُ بَعْضُهُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ
(وَسَوْطُ الْحُدُودِ) ، وَالتَّعَازِيرِ مُعْتَدِلُ (الْحَجْمِ) فَيَكُونُ بَيْنَ الْقَضِيبِ، وَالْعَصَا وَيُقَاسُ بِالسَّوْطِ غَيْرُهُ (وَ) مُعْتَدِلُ (الرُّطُوبَةِ) فَلَا يَكُونُ رَطْبًا فَيَشُقُّ الْجِلْدَ بِثِقَلِهِ وَلَا شَدِيدَ الْيُبُوسَةِ فَلَا يُؤْلِمُ لِخِفَّتِهِ وَفِي خَبَرٍ مُرْسَلٍ رَوَاهُ مَالِكٌ الْأَمْرُ بِسَوْطٍ بَيْنَ الْخَلِقِ، وَالْجَدِيدِ وَ (ضَرْبُهُ) أَيْ السَّوْطِ أَوْ نَحْوِهِ (بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ فَيَرْفَعُ) الضَّارِبُ (ذِرَاعَهُ) لِيُكْسِبَ السَّوْطَ ثِقَلًا (لَا عَضُدَهُ) بِحَيْثُ يُرَى بَيَاضُ إبْطِهِ لِئَلَّا يَعْظُمَ أَلَمُهُ وَلَا يَضَعُهُ عَلَيْهِ وَضْعًا لَا يَتَأَلَّمُ بِهِ (وَيُفَرِّقُهُ عَلَى الْأَعْضَاءِ) فَلَا يَجْمَعُهُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ لِلْجَلَّادِ: أَعْطِ عَلَى كُلِّ عُضْوٍ حَقَّهُ وَاتَّقِ الْوَجْهَ، وَالْمَذَاكِيرَ، وَالْمَعْنَى فِي التَّفْرِيقِ أَنَّ الضَّرْبَ فِي الْمَحَلِّ الْوَاحِدِ مُهْلِكٌ (وَيَتَّقِي الْوَجْهَ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ» وَلِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ فَيَعْظُمُ أَثَرُ شَيْنِهِ (وَ) يَتَّقِي (الْمَقَاتِلَ) كَنَقْرَةِ النَّحْرِ، وَالْفَرْجِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ رَدْعُهُ لَا قَتْلُهُ (لَا الرَّأْسَ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِلْجَلَّادِ: اضْرِبْ الرَّأْسَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِيهِ وَلِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِالشَّعْرِ وَغَيْرِهِ غَالِبًا فَلَا يُخَافُ تَشْوِيهُهُ بِخِلَافِ الْوَجْهِ (وَلَا يُبَالِي بِرَقِيقِ جِلْدٍ) أَيْ بِكَوْنِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْأَصْلِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ إلَخْ) يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِبَقَاءِ مُعْظَمِ مَنَافِعِ الثَّوْبِ مَعَ نَجَاسَتِهِ وَبِسُهُولَةِ تَطْهِيرِهِ بِخِلَافِ النَّدِّ فِيهِمَا (قَوْلُهُ قَضِيَّةُ تَشْبِيهِهِ بِدُخَانِ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[الطَّرَفُ الثَّانِي الْحَدِّ الْوَاجِبُ فِي الشُّرْبِ]
(قَوْلُهُ: بَعْدَ الْإِفَاقَةِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ تَأْخِيرَ حَدِّ السَّكْرَانِ إلَى الْإِفَاقَةِ عَلَى الِاخْتِيَارِ لَا الْوُجُوبِ اهـ وَقَالَ فِي الْبَهْجَةِ وَيَجِبُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يُفِيقَ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ إرْشَادِهِ وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَجْلِدَهُ سَكْرَانَ حَتَّى يَصْحُوَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ حُجَّةٌ تَدْفَعُ الْحَدَّ (قَوْلُهُ: وَجْهَانِ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي) وَأَجْرَاهُمَا فِيمَا لَوْ أَفَاقَ ثُمَّ جُنَّ وَحُدَّ فِي جُنُونِهِ (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُمَا الِاعْتِدَادُ بِهِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ هَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى وُجُوبِ التَّأْخِيرِ (قَوْلُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ وَضْعَ التَّعْزِيرِ النَّقْصُ عَنْ الْحَدِّ فَكَيْفَ يُسَاوِيهِ) وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ وَالزِّيَادَةُ تَعْزِيرَاتٌ وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ تَعْزِيرٌ قَالَ شَيْخُنَا يُمْكِنُ حَمْلُ عِبَارَةِ الْقَائِلِ بِالتَّعْزِيرِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِهِ الْجِنْسُ فَيَرْجِعُ إلَى عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ كا (قَوْلُهُ: قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَيْسَ شَافِيًا إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا جَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ مَا زَادَ عَلَيْهَا فَهِيَ تَعْزِيرَاتٌ عَلَى كَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ لِلْوُرُودِ كا
(قَوْلُهُ: وَيُفَرِّقُهُ عَلَى الْأَعْضَاءِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ هَلْ التَّفْرِيقُ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِلْأَصْحَابِ وَالظَّاهِرُ وُجُوبُهُ وَسَيَأْتِي عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الضَّرْبَ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ يُهْلِكُ وَقَوْلُهُ هَلْ التَّفْرِيقُ وَاجِبٌ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَيَتَّقِي الْمَقَاتِلَ) لَوْ ضَرَبَ عَلَى مَقْتَلٍ فَمَاتَ بِهِ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ جَلَدَ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ مُفْرِطَيْنِ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِالشَّعْرِ وَغَيْرِهِ غَالِبًا إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَعْرٌ لِقَرَعٍ أَوْ حَلْقِ رَأْسِهِ اجْتَنَبَهُ قَطْعًا وَرَجَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّهُ يَجِبُ اتِّقَاءُ الرَّأْسِ وَحَكَاهُ عَنْ نَصِّ الْبُوَيْطِيِّ وَقَالَ إذَا اتَّقَيْنَا الْفَرْجَ؛ لِأَنَّهُ مَقْتَلٌ فَالرَّأْسُ أَوْلَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ مِنْ ضَرْبِهِ نُزُولُ الْمَاءِ فِي الْعَيْنِ وَزَوَالُ الْعَقْلِ وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَصَاحِبُ التَّنْبِيهِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي وَالتَّحْرِيرِ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ قَدْ غَلِطَ مَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ
الْمَجْلُودِ رَقِيقَ جِلْدٍ يَدْمَى بِالضَّرْبِ الْخَفِيفِ (وَيَتَّقِي) أَيْ الْمَجْلُودُ (بِيَدِهِ) الْيُمْنَى، وَالْيُسْرَى (فَلَا يُشَدُّ وَلَا يُمَدُّ) عَلَى الْأَرْضِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاتِّقَاءِ بِيَدَيْهِ، فَلَوْ وَضَعَهُمَا أَوْ إحْدَاهُمَا عَلَى مَوْضِعٍ عَدَلَ عَنْهُ الضَّارِبُ إلَى آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ أَلَمِهِ بِالضَّرْبِ فِيهِ (وَلَا يُجَرَّدُ مِنْ قَمِيصٍ أَوْ قَمِيصَيْنِ بَلْ) يُجَرَّدُ (مِنْ) جُبَّةٍ (مَحْشُوَّةٍ وَفَرْوَةٍ) وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَدْفَعُ الْأَلَمَ مُلَاحَظَةً لِمَقْصُودِ الْحَدِّ
(وَيُجْلَدُ) الرَّجُلُ (قَائِمًا، وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً) ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، فَلَوْ عَكَسَهُ الْجَلَّادُ أَسَاءَ وَأَجْزَأَهُ وَلَا يَضْمَنُ أَنْ تَلِفَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَغْيِيرُ حَالٍ لَا زِيَادَةُ ضَرْبٍ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ وَلَا يُنَافِيهِ التَّعْبِيرُ بِالْإِسَاءَةِ (وَيَجْلِدُهَا) أَيْ الْمَرْأَةَ (رَجُلٌ) ؛ لِأَنَّ الْجَلْدَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ (وَامْرَأَةٌ) أَوْ نَحْوُهَا كَمَحْرَمٍ (تُشَدُّ ثِيَابُهَا) وَظَاهِرٌ أَنَّ الْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ فِيمَا ذُكِرَ لَكِنْ لَا يَخْتَصُّ بِشَدِّ ثِيَابِ الْمَرْأَةِ وَنَحْوِهَا، وَيَحْتَمِلُ تَعْيِينَ الْمَحْرَمِ وَنَحْوِهِ (وَيُوَالِي الضَّرْبَ) بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِهِ زَجْرٌ وَتَنْكِيلٌ فَلَا يُفَرَّقُ عَلَى الْأَيَّامِ، وَالسَّاعَاتِ لِعَدَمِ الْإِيلَامِ وَالزَّجْرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لِيَضْرِبَنَّهُ عَدَدًا فَفَرَّقَهُ عَلَى الْأَيَّامِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَّبَعَ هُنَاكَ مُوجِبُ اللَّفْظِ وَهُنَا الزَّجْرُ، وَالتَّنْكِيلُ، فَلَوْ حَصَلَ مَعَ التَّفْرِيقِ هُنَا إيلَامٌ قَالَ الْإِمَامُ: فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ مَا يَزُولُ بِهِ الْأَلَمُ الْأَوَّلُ كَفَى وَإِلَّا فَلَا (فَإِنْ ضَرَبَ فِي الزِّنَا فِي يَوْمٍ خَمْسِينَ مُتَوَالِيَةً وَفِي غَدٍ خَمْسِينَ كَذَلِكَ جَازَ) لِحُصُولِ الْإِيلَامِ، وَالزَّجْرِ بِذَلِكَ وَهَذَا مِثَالٌ، وَالضَّابِطُ مَا تَقَرَّرَ عَنْ الْإِمَامِ
(فَرْعٌ لَا يُحَدُّ وَلَا يُعَزَّرُ فِي الْمَسْجِدِ) لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ» وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَلَوَّثَ مِنْ جِرَاحَةٍ تَحْدُثُ (فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ) كَالصَّلَاةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَقَضِيَّتُهُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ وَبِهِ جَزَمَ الْبَنْدَنِيجِيُّ لَكِنْ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْلُ فِي بَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيِّ
(بَابٌ) (التَّعْزِيرُ) هُوَ لُغَةً التَّأْدِيبُ وَشَرْعًا تَأْدِيبٌ عَلَى ذَنْبٍ لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ (وَهُوَ) مَشْرُوعٌ (فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ) سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ لِآدَمِيٍّ وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ مُقَدِّمَاتِ مَا فِيهِ حَدٌّ كَمُبَاشَرَةِ أَجْنَبِيَّةٍ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ وَسَرِقَةِ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ، وَالسَّبُّ بِمَا لَيْسَ بِقَذْفٍ أَمْ لَا كَالتَّزْوِيرِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَالضَّرْبِ بِغَيْرِ حَقٍّ بِخِلَافِ الزِّنَا لِإِيجَابِهِ الْحَدَّ وَبِخِلَافِ التَّمَتُّعِ بِالطِّيبِ وَنَحْوِهِ فِي الْإِحْرَامِ لِإِيجَابِهِ الْكَفَّارَةَ وَقَدْ يَنْتَفِي التَّعْزِيرُ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَدِّ، وَالْكَفَّارَةِ كَمَا فِي صَغِيرَةٍ صَدَرَتْ مِنْ وَلِيٍّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَمَا فِي قَطْعِ شَخْصٍ أَطْرَافَ نَفْسِهِ وَكَمَا فِي وَطْءِ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ فِي دُبُرِهَا فَلَا يُعَذَّرُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ بَلْ يُنْهَى عَنْ الْعَوْدِ، فَإِنْ عَادَ عُزِّرَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَصَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَكَمَا فِي تَكْلِيفِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ فَوْقَ مَا يُطِيقُ مِنْ الْخِدْمَةِ فَلَا يُعَزَّرُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَيْضًا وَكَمَا لَوْ رَعَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ مِنْ الْحِمَى الَّذِي حَمَاهُ الْإِمَامُ لِلضَّعَفَةِ وَنَحْوِهِمْ فَلَا
[حاشية الرملي الكبير]
فَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ وَلَا نَعْلَمُ لِلشَّافِعِيِّ نَصًّا يُعَارِضُهُ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّهُ الْمُعْتَمَدُ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِلْجَلَّادِ: اضْرِبْ الرَّأْسَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِي الرَّأْسِ فَفِي إسْنَادِهِ الْمَسْعُودِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اضْرِبْ وَأَوْجِعْ وَاتَّقِ الْفَرْجَ وَالرَّأْسَ
(قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: قَالَ الْإِمَامُ، فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ مَا يَزُولُ بِهِ الْأَلَمُ كَفَى وَإِلَّا فَلَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ حَكَاهُ عَنْهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَأَقَرَّهُ (قَوْلُهُ: فَإِنْ ضَرَبَ فِي الزِّنَا فِي يَوْمٍ خَمْسِينَ مُتَوَالِيَةً وَفِي غَدٍ خَمْسِينَ كَذَلِكَ جَازَ) قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ وَإِنَّمَا خُصَّ الْخَمْسُونَ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهَا تَعْدِلُ حَدَّ الْعَبْدِ فَجَازَ ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوصِ
[فَرْعٌ إقَامَة الْحَدُّ وَالتَّعْزِيرُ فِي الْمَسْجِدِ]
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ) أَيْ إنْ خِيفَ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ) أَيْ إنْ لَمْ يُخَفْ تَلْوِيثُهُ وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مَا إذَا لَمْ يُشَوِّشْ عَلَى الْمُصَلِّينَ، فَإِنْ شَوَّشَ عَلَيْهِمْ حَرُمَ؛ لِأَنَّ الْبُقْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمُصَلِّينَ
[بَابٌ التَّعْزِيرُ]
(قَوْلُهُ وَهُوَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ) التَّعْزِيرُ يُشْرَعُ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ كَمَنْ يَكْتَسِبُ بِاللَّهْوِ الَّذِي لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مَعَ أَنَّ فِعْلَهُمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ السَّرِقَةِ عَنْ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ أَنَّ الْمُحْتَسِبَ يَمْنَعُهُ وَيُؤَدَّبُ عَلَيْهِ الْآخِذُ وَالْمُعْطِي وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الْقَتْلِ بَعْدَ الْقِصَاصِ وَقَالُوا أَخْطَأْنَا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُعَزِّرُهُمْ لِعَدَمِ التَّثَبُّتِ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: وَسَرِقَةُ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ) أَيْ وَإِدَارَةُ كَأْسِ الْمَاءِ كَالْخَمْرِ قَالَ شَيْخُنَا بِقَصْدِ التَّشْبِيهِ بِشَرِبْتُهُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَنْتَفِي التَّعْزِيرُ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَدِّ وَالْكَفَّارَةِ كَمَا فِي صَغِيرَةٍ صَدَرَتْ إلَخْ) وَالْأَصْلُ لَا يُعَزَّرُ لِحَقِّ الْفَرْعِ كَمَا لَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْإِمَامِ مِنْ ذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَإِذَا رَأَى مَنْ يَزْنِي بِزَوْجَتِهِ وَهُوَ مُحْصَنٌ فَقَتَلَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِ وَإِنْ افْتَاتَ عَلَى الْإِمَامِ لِأَجْلِ الْحَمِيَّةِ وَالْغَيْظِ حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ ابْنِ دَاوُد وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَإِنْ كَانَ يُقَادُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْأُمُّ.
وَإِذَا ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُعَزَّرُ أَوَّلَ مَرَّةٍ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَإِذَا آذَى زَوْجَتَهُ بِلَا سَبَبٍ، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ إلَّا إنْ نَهَاهُ الْحَاكِمُ وَعَادَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَتَعْزِيرُهُ إمَّا لِمُخَالَفَتِهِ نَهْيَهُ أَوْ لِتَضْمِينِ النَّهْيِ الْحُكْمَ بِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ إذْ عِنْدَ الْحُكْمِ تَرْتَفِعُ شُبْهَةُ الْخِلَافِ فِي حَقِّ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ إذْ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَأْتِي غَيْرُهُ وَإِذَا تَلَاعَنَا ثُمَّ قَذَفَهَا بِالْأَوَّلِ نُهِيَ، فَإِنْ عَادَ عُزِّرَ وَمِنْهَا أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ: إنَّهُ ظَالِمٌ أَوْ فَاجِرٌ أَوْ نَحْوُهُ فِي حَالِ الْمُخَاصَمَةِ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ مِنْهُ أَيْ وَلَا يُعَزَّرُ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَإِذَا نَظَرَ إلَى بَيْتِ غَيْرِهِ فَرَمَاهُ صَاحِبُهُ، فَإِنْ أَصَابَهُ لَمْ يُعَزِّرْهُ السُّلْطَانُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ عَزَّرَهُ وَقَوْلُهُ: صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَقَيَّدَهُ شَيْخُنَا بِمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ رِعَايَةُ التَّدْرِيجِ وَقَوْلُهُ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَتَعْزِيرُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
يُعَزَّرُ وَلَا يَغْرَمُ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ قَالَ: وَإِطْلَاقُ كَثِيرِينَ أَوْ الْأَكْثَرِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُعَزَّرُ وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ الْحَدِّ كَمَا فِي تَكْرَارِ الرِّدَّةِ وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ الْكَفَّارَةِ كَمَا فِي الظِّهَارِ، وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَإِفْسَادِ الصَّائِمِ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعِ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ وَكَمَا فِي قَتْلِ مَنْ لَا يُقَادُ بِهِ كَوَلَدِهِ وَعَبْدِهِ قَالَ الْإِسْنَوِيِّ نَعَمْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ لَيْسَ لِلْمَعْصِيَةِ بَلْ لِإِعْدَامِ النَّفْسِ بِدَلِيلِ إيجَابِهَا بِقَتْلِ الْخَطَأِ فَلَمَّا بَقِيَ التَّعَمُّدُ خَالِيًا مِنْ الزَّاجِرِ أَوْجَبْنَا فِيهِ التَّعْزِيرَ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] الْآيَةَ، وَفِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَصْحِيحِهِ
وَيَحْصُلُ التَّعْزِيرُ (بِحَبْسٍ أَوْ جَلْدٍ أَوْ صَفْعٍ أَوْ تَوْبِيخٍ) بِكَلَامٍ أَوْ فِعْلٍ كَنَفْيٍ أَوْ نَحْوِهَا كَكَشْفِ رَأْسٍ وَإِقَامَةٍ مِنْ مَجْلِسٍ (وَجَمْعٍ بَيْنَهَا) وَكُلُّ ذَلِكَ (بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ) أَيْ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ بِاجْتِهَادِهِ جِنْسًا وَقَدْرًا إفْرَادًا أَوْ جَمْعًا (فَلَا يَرْتَفِعُ عَنْ التَّوْبِيخِ) إلَى غَيْرِهِ (إذَا كَانَ يَكْفِي) فَلَا يَرْقَى إلَى مَرْتَبَةٍ وَهُوَ يَرَى مَا دُونَهَا كَافِيًا (بَلْ يُعَزَّرُ بِالْأَخَفِّ ثُمَّ الْأَخَفِّ) كَمَا فِي دَفْعِ الصَّائِلِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيَجُوزُ حَلْقُ رَأْسِهِ لَا لِحْيَتِهِ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَجُوزُ تَسْوِيدُ وَجْهِهِ (فَلَوْ جُلِدَ) أَوْ حُبِسَ (لَمْ يَبْلُغْ بِتَعْزِيرِ حُرٍّ) بِالضَّرْبِ (أَرْبَعِينَ) وَبِالْحَبْسِ سَنَةً (وَلَا بِتَعْزِيرِ عَبْدٍ) بِالضَّرْبِ (عِشْرِينَ) وَبِالْحَبْسِ نِصْفَ سَنَةٍ لِخَبَرِ «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ الْمَحْفُوظُ إرْسَالُهُ وَكَمَا يَجِبُ نَقْصُ الْحُكُومَةِ عَنْ الدِّيَةِ، وَالرَّضْخِ عَنْ السَّهْمِ فَيَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ وَأَمَّا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِهِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ قَالَ الْقُونَوِيُّ وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ أَهْوَنُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى النَّسْخِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ
(فَصْلٌ) (لِلْأَبِ، وَالْأُمِّ ضَرْبُ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ زَجْرًا) لَهُمَا عَنْ سَيِّئِ الْأَخْلَاقِ (وَإِصْلَاحًا) لَهُمَا مِثْلُهُمَا السَّفِيهُ (وَلِلْمُعَلِّمِ) ذَلِكَ (بِإِذْنِ الْوَلِيِّ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَسَكَتَ الْخُوَارِزْمِيَّ وَغَيْرُهُ عَنْ هَذَا الْقَيْدِ، وَالْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ مُطَّرِدٌ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ (وَلِلزَّوْجِ) ضَرْبُ زَوْجَتِهِ (لِنُشُوزِهَا وَلِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) مِنْ حُقُوقِهِ عَلَيْهَا لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ أَوَّلَ الْبَابِ (لَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ضَرْبُهَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ لَكِنْ أَفْتَى ابْنُ الْبَزْرِيِّ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَفِي الْوُجُوبِ نَظَرٌ (وَلِلسَّيِّدِ) ضَرْبُ رَقِيقِهِ (لِحَقِّ نَفْسِهِ) كَمَا فِي الزَّوْجِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ سُلْطَتَهُ أَقْوَى (وَكَذَا لِحَقِّ اللَّهِ) تَعَالَى لِمَا مَرَّ فِي الزِّنَا (وَيُسَمَّى الْكُلُّ تَعْزِيرًا) وَقِيلَ إنَّمَا يُسَمَّى مَا عَدَا ضَرْبَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مِمَّا ذُكِرَ تَأْدِيبًا لَا تَعْزِيرًا (وَإِنْ لَمْ يُفِدْ تَعْزِيرُهُ إلَّا بِضَرْبٍ مُبَرِّحٍ) أَيْ شَدِيدٍ مُؤْذٍ (تُرِكَ) ضَرْبُهُ؛ لِأَنَّ الْمُبَرِّحَ مُهْلِكٌ وَغَيْرُهُ لَا يُفِيدُ (وَلِلْإِمَامِ تَرْكُ تَعْزِيرٍ لِحَقِّ اللَّهِ) تَعَالَى لِإِعْرَاضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ جَمَاعَةٍ اسْتَحَقُّوهُ كَالْغَالِّ فِي الْغَنِيمَةِ وَلَاوِي شَدْقِهِ فِي حُكْمِهِ لِلزُّبَيْرِ (وَكَذَا الْآدَمِيُّ) أَيْ لِحَقِّهِ وَلَوْ طَلَبَهُ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَإِطْلَاقُ كَثِيرِينَ أَوْ الْأَكْثَرِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُعَزَّرُ) يُعَزَّرُ مُوَافِقُ الْكُفَّارِ فِي أَعْيَادِهِمْ وَمَنْ يُمْسِكُ الْحَيَّةَ وَيَدْخُلُ النَّارَ وَمَنْ قَالَ لِذِمِّيٍّ يَا حَاجُّ وَمَنْ هَنَّأَهُ بَعِيدٍ وَمَنْ سَمَّى زَائِرَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ حَاجًّا (قَوْلُهُ كَمَا فِي تَكَرُّرِ الرِّدَّةِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ) وَمَنْ شَهِدَ بِزِنًا ثُمَّ رَجَعَ حُدَّ لِلْقَذْفِ وَعُزِّرَ لِشَهَادَةِ الزُّورِ.
(قَوْلُهُ: وَإِفْسَادُ الصَّائِمِ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعِ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ) كَمَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ يُونُسَ فِي شَرْحِ التَّعْجِيزِ وَوَقَعَ فِي الْكِفَايَةِ مَا حَاصِلُهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ فَاجْتَنِبْهُ (قَوْلُهُ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ نَعَمْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ إلَخْ) قَالَ وَهَذَا يَقْتَضِي إيجَابَ التَّعْزِيرِ فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ إنْ كَانَتْ إتْلَافًا كَالْحَلْقِ وَالصَّيْدِ دُونَ الِاسْتِمْتَاعِ كَاللُّبْسِ وَالطِّيبِ قَالَ وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى أَنَّهُ لَوْ زَنَى بِأُمِّهِ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ مُعْتَكِفٌ مُحْرِمٌ لَزِمَهُ الْعِتْقُ وَالْبَدَنَةُ وَيُحَدُّ لِلزِّنَا وَيُعَزَّرُ لِقَطْعِ رَحِمِهِ وَانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْكَعْبَةِ اهـ
وَمِثْلُهُ الظِّهَارُ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُعَزَّرُ مَعَ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ التَّعْزِيرِ هُوَ الْكَذِبُ وَالْكَفَّارَةُ وَجَبَتْ بِالْعَوْدِ وَقَوْلُهُ وَهَذَا يَقْتَضِي إيجَابَ التَّعْزِيرِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ: كَكَشْفِ رَأْسٍ) أَيْ وَنَفْيٍ أَوْ إعْرَاضٍ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (قَوْلُهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيَجُوزُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَقَوْلُهُ لَا لِحْيَتِهِ قَالَ شَيْخُنَا؛ لِأَنَّ حَلْقَهَا مُثْلَةٌ لَهُ وَيَشْتَدُّ تَعْيِيرُهُ بِذَلِكَ بَلْ قَدْ يُعَيَّرُ بِمَا ذُكِرَ أَوْلَادُهُ فَلَا يُقَالُ: إنَّ الْمَانِعَ مِنْ ذَلِكَ فَرْعُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِحُرْمَةِ حَلْقِ لِحْيَةِ نَفْسِهِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ جَازَ كا (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ يَجُوزُ تَسْوِيدُ وَجْهِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ جُلِدَ أَوْ حُبِسَ لَمْ يَبْلُغْ إلَخْ) مَحَلُّهُ إذَا كَانَ التَّعْزِيرُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي حَقِّ الْعِبَادِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ أَوْ التَّعْزِيرِ لِوَفَاءِ الْحَقِّ الْمَالِيِّ، فَإِنَّهُ يُحْبَسُ إلَى أَنْ يَثْبُتَ إعْسَارُهُ وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ الْوَفَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ ضُرِبَ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ أَوْ يَمُوتَ؛ لِأَنَّهُ كَالصَّائِلِ وَكَذَا لَوْ غَصَبَ مَالًا وَامْتَنَعَ مِنْ رَدِّهِ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ قَالَ شَيْخُنَا وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الضَّمَانِ بِالتَّعْزِيرِ لِوُجُودِ جِهَةٍ أُخْرَى (قَوْلُهُ وَكَمَا يَجِبُ نَقْصُ الْحُكُومَةِ عَنْ الدِّيَةِ إلَخْ) وَلِأَنَّ جِنَايَتَهُ دُونَ جِنَايَةِ الْحُرِّ (قَوْلُهُ: قَالَ الْقُونَوِيُّ وَحَمَلَهُ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ إلَخْ) أَيْ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُجْلَدَ فَوْقَ عَشَرَةٍ إلَّا فِي حَدٍّ
[فَصْلٌ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ضَرْبُ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ زَجْرًا لَهُمَا عَنْ سَيِّئِ الْأَخْلَاقِ]
(قَوْلُهُ: لَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَشَبَهِهِمَا (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ضَرْبُهَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لَكِنْ أَفْتَى ابْنُ الْبَزْرِيِّ) بِتَقْدِيمِ الزَّايِ بَعْدَ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَقَوْلُهُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَقَالَ الْقَمُولِيُّ رَأَيْت فِيمَا عُلِّقَ عَنْ مَشَايِخِ عَصْرِنَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ لِلزَّوْجِ تَأْدِيبَ زَوْجَتِهِ الصَّغِيرَةِ لِلتَّعْلِيمِ وَاعْتِيَادِ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ لَا يُفِيدُ) قَالَ فِي الْعُزَيْرِ وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ يَضْرِبُهُ غَيْرَ مُبَرِّحٍ إقَامَةً لِصُورَةِ الْوَاجِبِ وَاخْتَارَهُ الْبُلْقِينِيُّ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ مَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ ضَرَبَ نَحِيفًا ضَرْبًا يَقْتُلُ مِثْلَهُ غَالِبًا دُونَ الْجَانِي (قَوْلُهُ: لِإِعْرَاضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَمَاعَةٍ اسْتَحَقُّوهُ إلَخْ) «وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَسِّمُ الْغَنَائِمَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ
كَمَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ عِنْدَ طَلَبِهِ كَالْقِصَاصِ، وَالتَّرْجِيحِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَجَرَى الْحَاوِي الصَّغِيرُ وَمُخْتَصَرُهُ عَلَى الثَّانِي وَهُوَ الْأَوْجَهُ (وَلَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (تَعْزِيرُ مَنْ عَفَا عَنْهُ مُسْتَحِقُّ التَّعْزِيرِ) لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ لَا يُعَزِّرُهُ قَبْلَ مُطَالَبَتِهِ الْمُسْتَحِقَّ لَهُ (لَا) تَعْزِيرُ مَنْ عَفَا عَنْهُ مُسْتَحِقُّ (الْحَدِّ) ؛ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ يَتَعَلَّقُ أَصْلُهُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ فَجَازَ أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِيهِ إسْقَاطُ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْحَدِّ
(كِتَابُ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ) (وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ فِي ضَمَانِ الْوِلَادَةِ وَفِيهِ طَرَفَانِ الْأَوَّلُ فِي مُوجِبِهِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ (فَإِنْ مَاتَ) الْمُعَزَّرُ (بِتَعْزِيرٍ) مِنْ الْإِمَامِ (ضَمِنَهُ الْإِمَامُ) وَلَوْ عَزَّرَهُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ لِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ إذْ الْمَقْصُودُ التَّأْدِيبُ لَا الْهَلَاكُ، فَإِذَا حَصَلَ الْهَلَاكُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ جَاوَزَ الْحَدَّ الْمَشْرُوطَ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ مَاتَ بِتَعْزِيرِ الْإِمَامِ ضَمِنَهُ (ضَمَانَ شِبْهِ الْعَمْدِ وَكَذَا) يَضْمَنُ كَذَلِكَ (زَوْجٌ وَمُعَلِّمٌ) وَأَبٍ وَأُمٌّ وَنَحْوُهَا بِتَعْزِيرِهِمْ لِلزَّوْجَةِ، وَالصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ (وَإِنْ أَذِنَ الْأَبُ) فِيهِ لِلْمُعَلِّمِ وَفَارَقَ ذَلِكَ عَدَمُ ضَمَانِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلدَّابَّةِ، وَالرَّائِضِ لَهَا بِمَوْتِهَا بِالضَّرْبِ الْمُعْتَادِ بِأَنَّهُمَا لَا يَسْتَغْنِيَانِ عَنْ ضَرْبِهَا بِخِلَافِ الْمُعَزِّرِ قَدْ يَسْتَغْنِي عَنْ الضَّرْبِ بِغَيْرِهِ (لَا) إنْ كَانَ مَمْلُوكًا فَمَاتَ بِضَرْبِ غَيْرِهِ لَهُ (بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) فَلَا يَضْمَنُ كَقَتْلِهِ بِإِذْنِهِ وَكَذَا لَوْ عَزَّرَ الْوَالِي مَنْ اعْتَرَفَ بِمَا يَقْتَضِي التَّعْزِيرَ وَطَلَبَهُ بِنَفْسِهِ لِإِذْنِهِ قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ (فَإِنْ أَسْرَفَ) الْمُعَزِّرُ (وَظَهَرَ مِنْهُ قَصْدُ الْقَتْلِ) بِأَنْ ضَرَبَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا (فَالْقِصَاصُ) يَلْزَمُهُ (وَإِنْ مَاتَ) الْمَحْدُودُ (بِحَدٍّ مُقَدَّرٍ فَلَا ضَمَانَ) وَلَوْ حُدَّ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ مُفْرِطَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَتْلُهُ وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ مُقَدَّرٍ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَكُونُ إلَّا مُقَدَّرًا (فَإِنْ جَاوَزَ) الْمُقَدَّرَ فَمَاتَ (ضَمِنَ بِالْقِسْطِ) مِنْ الْعَدَدِ (فَإِنْ جَلَدَ فِي الشُّرْبِ ثَمَانِينَ) فَمَاتَ (لَزِمَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ) ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ مَضْمُونٍ وَغَيْرِهِ (أَوْ سِتِّينَ فَثُلُثُهَا أَوْ وَاحِدَةٌ وَأَرْبَعِينَ فَجُزْءٌ مِنْ أَحَدٍ وَأَرْبَعِينَ) جُزْءًا أَوْ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ فَجُزْءَانِ مِنْ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا أَوْ إحْدَى وَثَمَانِينَ فَأَحَدٌ وَأَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ أَحَدٍ وَثَمَانِينَ جُزْءًا وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ (وَكَذَا لَوْ زَادَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَجَلَدَ إحْدَى وَثَمَانِينَ) فَمَاتَ (لَزِمَهُ جُزْءٌ مِنْهَا) أَوْ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ فَجُزْءَانِ مِنْهَا (وَإِنْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِالزِّيَادَةِ) عَلَى الْمُقَدَّرِ وَجَهِلَ ظُلْمَهُ وَخَطَأَهُ فِيهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (أَوْ قَالَ) لَهُ (اضْرِبْ وَأَنَا أَعُدُّ فَغَلِطَ) فِي عَدِّهِ (فَزَادَ ضَمِنَ الْإِمَامُ) نَعَمْ لَوْ أَمَرَهُ بِثَمَانِينَ فِي الشُّرْبِ فَزَادَ وَاحِدَةً وَمَاتَ الْمَجْلُودُ وُزِّعَتْ الدِّيَةُ إحْدَى وَثَمَانِينَ جُزْءًا يَسْقُطُ مِنْهَا أَرْبَعُونَ وَيَجِبُ أَرْبَعُونَ عَلَى الْإِمَامِ وَجُزْءٌ عَلَى الْجَلَّادِ
(فَصْلٌ) (يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْتَقِلِّ) بِنَفْسِهِ (رُكُوبُ) أَيْ ارْتِكَابُ (الْخَطَرِ فِي قَطْعِ غُدَّةٍ) مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ (تَشِينُ) بِلَا خَوْفٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إهْلَاكِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي قَطْعِهَا خَطَرٌ فَلَهُ وَلَوْ سَفِيهًا أَوْ مُكَاتَبًا بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ قَطْعُهَا لِإِزَالَةِ الشَّيْنِ، وَالْغُدَّةُ مَا يَخْرُجُ بَيْنَ الْجِلْدِ، وَاللَّحْمِ نَحْوُ الْحِمَّصَةِ إلَى الْجَوْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا (فَإِنْ خِيفَتْ) أَيْ خِيفَ مِنْهَا (وَزَادَ خَطَرُ التَّرْكِ) لَهَا عَلَى خَطَرِ قَطْعِهَا (جَازَ) لَهُ (الْقَطْعُ) لَهَا لِزِيَادَةِ رَجَاءِ السَّلَامَةِ مَعَ إزَالَةِ الشَّيْنِ بَلْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ لَوْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ: إنْ لَمْ يُقْطَعْ حَصَلَ أَمْرٌ يُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ وَجَبَ الْقَطْعُ كَمَا يَجِبُ دَفْعُ الْمُهْلِكَاتِ وَيَحْتَمِلُ الِاسْتِحْبَابَ انْتَهَى وَمِثْلُهُ يَجْرِي فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيِّ الْآتِيَةِ (وَكَذَا) يَجُوزُ قَطْعُهَا (لَوْ تَسَاوَيَا) أَيْ الْخَطَرَانِ لِتَوَقُّعِ السَّلَامَةِ مَعَ إزَالَةِ الشَّيْنِ (وَإِلَّا) بِأَنْ زَادَ خَطَرُ قَطْعِهَا (فَلَا) يَجُوزُ قَطْعُهَا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى هَلَاكِ النَّفْسِ (وَمِثْلُهَا) فِيمَا ذُكِرَ (الْعُضْوُ الْمُتَآكِلُ، فَإِنْ قَطَعَهُمَا) مِنْهُ (أَجْنَبِيٌّ بِلَا إذْنٍ) مِنْهُ (فَمَاتَ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ وَكَذَا الْإِمَامُ) يَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ بِقَطْعِهِمَا كَذَلِكَ لِتَعَدِّي كُلٍّ مِنْهُمَا بِذَلِكَ (وَلِلْأَبِ، وَالْجَدِّ) وَإِنْ عَلَا (قَطْعُهُمَا لِلصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ) مَعَ الْخَطَرِ فِيهِ (إنْ زَادَ خَطَرُ التَّرْكِ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا يَلِيَانِ صَوْنَ مَالِهِمَا عَنْ الضَّيَاعِ فَبَدَنُهُمَا أَوْلَى (فَإِنْ تَسَاوَيَا) أَيْ الْخَطَرَانِ أَوْ زَادَ خَطَرُ الْقَطْعِ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى (ضَمِنَا) لِعَدَمِ جَوَازِ الْقَطْعِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْمُسْتَقِلِّ فِي صُورَةِ
[حاشية الرملي الكبير]
فَلَسْت تَعْدِلُ فَقَالَ خِبْت وَخَسِرْت إنْ لَمْ أَعْدِلْ فَمَنْ يَعْدِلُ وَالْأَعْرَابِيُّ الَّذِي جَبَذَهُ وَقَالَ احْمِلْنِي، فَإِنَّك لَا تَحْمِلُنِي عَلَى بَعِيرِك وَلَا بَعِيرِ أَبِيك» وَلِأَنَّهُ ضَرَبَ غَيْرَ مُحَدَّدٍ فَلَمْ يَجِبْ كَضَرْبِ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ عِنْدَ طَلَبِهِ كَالْقِصَاصِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَوْجَهُ) هُوَ الْأَصَحُّ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَيُوَافِقُهُ كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَالصَّيْدَلَانِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَهُ تَعْزِيرُ مَنْ عَفَا عَنْهُ مُسْتَحِقُّ التَّعْزِيرِ) لَا يُعَزَّرُ الْأَصْلُ بِحَقِّ الْفَرْعِ كَمَا لَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْإِمَامِ مِنْ ذَلِكَ
[كِتَابُ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَاب]
[الْبَاب الْأَوَّلُ فِي ضَمَانِ الْوِلَادَةِ]
(كِتَابُ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ) (قَوْلُهُ، فَإِنْ مَاتَ بِتَعْزِيرٍ) خَرَجَ بِقَوْلِهِ مَاتَ بِتَعْزِيرٍ مَا إذَا مَاتَ بِغَيْرِهِ كَمَا إذَا عَزَّرَهُ بِالْحَبْسِ وَالتَّوْبِيخِ وَالنَّفْيِ (قَوْلُهُ: قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا مَا إذَا كَانَ التَّعْزِيرُ عَلَى مَعْصِيَةٍ مَوْجُودَةٍ كَمَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ وَدِيعَةٍ وَنَحْوِهَا وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ مَعَ إمْكَانِهِ، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ فِيهِ كَمَا أَنَّ الْقَتْلَ إذَا أَدَّى إلَيْهِ الْمُقَاتَلَةُ الْجَائِزَةُ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ وَيُحْمَلُ كَلَامُهُمْ هُنَا عَلَى التَّعْزِيرِ لِمَعْصِيَةٍ سَابِقَةٍ لِأَجْلِ الِاسْتِصْلَاحِ ع وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا تَعَيَّنَ الضَّرْبُ طَرِيقًا فِي الْخَلَاصِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ دَفْعَ الصَّائِلِ غ قَالَ شَيْخُنَا ل تَقَدَّمَ ذَلِكَ بِخَطِّ الْوَالِدِ
[فَصْلٌ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْتَقِلِّ بِنَفْسِهِ ارْتِكَابُ الْخَطَرِ فِي قَطْعِ غُدَّة مِنْهُ]
(قَوْلُهُ: يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْتَقِلِّ بِنَفْسِهِ) بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا أَوْ رَقِيقًا كَسْبُهُ لَهُ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ الْمُرَادُ بِالْمُسْتَقِلِّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْحُرُّ وَلَوْ مَعَ السَّفَهِ أَوْ الْمُكَاتَبُ أَوْ الْمُوصَى بِإِعْتَاقِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ إعْتَاقِهِ إذَا جَعَلْنَا كَسْبَهُ لَهُ بِخِلَافِ الْمَنْذُورِ إعْتَاقُهُ أَوْ الْمَشْرُوطِ إعْتَاقُهُ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ لِمَالِكِهِ فَلَيْسَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ وَبِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ قَالَ وَإِنْ شِئْت قُلْت هُوَ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ وَالرَّقِيقُ الَّذِي كَسْبُهُ لَهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَفِيهًا أَوْ مُكَاتَبًا) أَيْ أَوْ مُوصًى بِإِعْتَاقِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ إعْتَاقِهِ (قَوْلُهُ: وَجَبَ الْقَطْعُ كَمَا يَجِبُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
التَّسَاوِي كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ ثَمَّ مِنْ نَفْسِهِ وَهُنَا مِنْ غَيْرِهِ (وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ) وَلَا لِغَيْرِهِ مَا عَدَا الْأَبَ، وَالْجَدَّ كَالْوَصِيِّ (ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ دَقِيقٍ وَفَرَاغٍ وَشَفَقَةٍ تَامَّيْنِ وَكَمَا أَنَّ لِلْأَبِ، وَالْجَدِّ تَزْوِيجَ الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ دُونَ غَيْرِهِمَا وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ وَصِيَّةً جَازَ لَهَا ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ
(وَلِلسُّلْطَانِ) وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (لَا الْأَجْنَبِيِّ مُعَالَجَةُ الصَّبِيِّ) ، وَالْمَجْنُونِ (بِمَا لَا خَطَرَ فِيهِ) كَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ وَقَطْعِ غُدَّةٍ لَا خَطَرَ فِي قَطْعِهَا لِلْمَصْلَحَةِ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْأَبَ الرَّقِيقَ، وَالسَّفِيهَ كَالْأَجْنَبِيِّ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ (فَإِنْ عَالَجَهُ الْأَجْنَبِيُّ فَسَرَى) أَثَرُ الْعِلَاجِ (إلَى النَّفْسِ فَالْقِصَاصُ) يَلْزَمُهُ لِعَمْدِيَّتِهِ مَعَ عَدَمِ وِلَايَتِهِ (أَوْ) عَالَجَهُ (الْإِمَامُ) أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (بِمَا لَا خَطَرَ فِيهِ) فَمَاتَ (فَلَا ضَمَانَ) لِئَلَّا يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ فَيَتَضَرَّرَ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ (أَوْ بِمَا فِيهِ خَطَرٌ فَلَا قِصَاصَ) لِشُبْهَةِ الْإِصْلَاحِ وَلِلْبَعْضِيَّةِ فِي الْأَبِ، وَالْجَدِّ (بَلْ) تَلْزَمُهُ (الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً فِي مَالِهِ) لِعَمْدِيَّتِهِ
(وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُتَأَلِّمِ تَعْجِيلُ الْمَوْتِ) وَإِنْ عَظُمَتْ آلَامُهُ وَلَمْ يُطِقْهَا؛ لِأَنَّ بُرْأَهُ مَرْجُوٌّ (فَلَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ مُحْرِقٍ) عَلِمَ أَنَّهُ (لَا يَنْجُو مِنْهُ إلَى) مَائِعٍ (مُغْرِقٍ) وَرَآهُ (أَهْوَنَ) عَلَيْهِ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى لَفَحَاتِ الْمُحْرِقِ (جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ أَهْوَنُ وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّ لَهُ قَتْلَ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إغْرَاقٍ وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ عَنْ وَالِدِهِ وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
(فَصْلٌ) (لَا بُدَّ مِنْ كَشْفِ جَمِيعِ الْحَشَفَةِ فِي الْخِتَانِ) لِلرَّجُلِ بِقَطْعِ الْجِلْدَةِ الَّتِي تُغَطِّيهَا فَلَا يَكْفِي قَطْعُ بَعْضِهَا وَيُقَالُ لِتِلْكَ الْجِلْدَةِ الْقُلْفَةُ (وَ) مَنْ (قَطْعِ شَيْءٍ مِنْ بَظْرِ الْمَرْأَةِ) (الْخِفَاض) أَيْ اللَّحْمَةِ الَّتِي فِي أَعْلَى الْفَرْجِ فَوْقَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ تُشْبِهُ عُرْفَ الدِّيكِ، وَتَقْلِيلُهُ أَفْضَلُ رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْخَاتِنَةِ: لَا تُنْهِكِي، فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ وَأَحَبُّ لِلْبَعْلِ» ، وَالْخِتَانُ وَاجِبٌ (وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالْبُلُوغِ) ، وَالْعَقْلِ وَاحْتِمَالِ الْخِتَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123] وَكَانَ مِنْ مِلَّتِهِ الْخِتَانُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ اخْتَتَنَ وَعُمْرُهُ ثَمَانُونَ سَنَةً» وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ «مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَقِيلَ سَبْعُونَ سَنَةً» وَلِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْخِتَانِ رَجُلًا أَسْلَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالُوا وَلِأَنَّهُ قَطْعُ عُضْوٍ لَا يُخْلَفُ فَلَا يَكُونُ إلَّا وَاجِبًا كَقَطْعِ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ وَلِأَنَّهُ جُرْحٌ يُخَافُ مِنْهُ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ لَمْ يَجُزْ بِخِلَافِ خِتَانِ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ وَمَنْ لَا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، وَالثَّالِثَ يَتَضَرَّرُ بِهِ وَكَمَا يَجِبُ الْخِتَانُ يَجِبُ قَطْعُ السُّرَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى ثُبُوتُ الطَّعَامِ إلَّا بِهِ إلَّا أَنَّ وُجُوبَهُ عَلَى الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْعَلُ إلَّا فِي الصِّغَرِ كَذَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ
(وَيُسْتَحَبُّ) أَنْ يُخْتَنَ (لِسَبْعٍ) مِنْ الْأَيَّامِ (غَيْرِ يَوْمِ الْوِلَادَةِ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَتَنَ الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ وِلَادَتِهِمَا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَإِنَّمَا حُسِبَ يَوْمُ الْوِلَادَةِ مِنْ السَّبْعَةِ فِي الْعَقِيقَةِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَتَسْمِيَةِ الْوَلَدِ لِمَا فِي الْخَتْنِ مِنْ الْأَلَمِ الْحَاصِلِ بِهِ الْمُنَاسِبُ لَهُ التَّأْخِيرُ الْمُفِيدُ لِلْقُوَّةِ عَلَى تَحَمُّلِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُهُ عَلَى السَّابِعِ قَالَ وَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْتَنَ فِي الْأَرْبَعِينَ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهَا فَفِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يُؤْمَرُ فِيهِ بِالطَّهَارَةِ أَوْ الصَّلَاةِ (وَلَا يَجُوزُ خِتَانُ ضَعِيفٍ) خِلْقَةً (يُخَافُ عَلَيْهِ) مِنْهُ بَلْ يُنْتَظَرُ حَتَّى يَصِيرَ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ سَلَامَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ مِنْهُ اُسْتُحِبَّ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يَحْتَمِلَهُ
(وَيَحْرُمُ خِتَانُ) الْخُنْثَى (الْمُشْكِلِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَمْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يَجُوزُ بِالشَّكِّ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ وَصِيَّةً إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ: ظَاهِرٌ أَنَّ الْأَبَ الرَّقِيقَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَوْ بِمَا فِيهِ خَطَرٌ فَلَا قِصَاصَ) مَحَلُّ عَدَمِ الْقِصَاصِ فِي الْإِمَامِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْخَوْفُ فِي الْقَطْعِ أَكْثَرَ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ كَمَا قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ
(قَوْلُهُ: وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ عَنْ وَالِدِهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَصْلٌ كَيْفِيَّة الْخِتَانِ]
(قَوْلُهُ: لَا بُدَّ مِنْ كَشْفِ جَمِيعِ الْحَشَفَةِ فِي الْخِتَانِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا بِلَا قُلْفَةٍ لَا خِتَانَ عَلَيْهِ إيجَابًا وَلَا نَدْبًا كَمَا رَأَيْته فِي التَّبْصِرَةِ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ كُتُبِ الْبَغَوِيّ وَهُوَ ظَاهِرٌ نَعَمْ لَوْ كَانَ ثَمَّ شَيْءٌ يُغَطِّي بَعْضَ الْحَشَفَةِ وَجَبَ قَطْعُهُ كَمَا لَوْ خُتِنَ خِتَانًا غَيْرَ كَامِلٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَكْمِيلُهُ ثَانِيًا حَتَّى تَذْهَبَ جَمِيعُ الْقُلْفَةِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِزَالَتِهَا فِي الْخِتَانِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ غ وَكَتَبَ أَيْضًا سُئِلَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ صَبِيٍّ شَمَّرَ غُرْلَتَهُ وَرَبَطَهَا بِخَيْطٍ وَتَرَكَهَا مُدَّةً فَتَشَمَّرَتْ وَانْقَطَعَ الْخَيْطُ وَصَارَ كَالْمَخْتُونِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ خِتَانُهُ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ إنْ صَارَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ قَطْعُ غُرْلَتِهِ وَلَا شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا بِقَطْعِ غَيْرِهَا سَقَطَ وُجُوبُهُ وَإِنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ كَانَتْ الْحَشَفَةُ قَدْ انْكَشَفَتْ كُلُّهَا سَقَطَ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَكُونَ تَقَلُّصُ الْغُرْلَةِ وَاجْتِمَاعُهَا بِحَيْثُ يَنْقُصُ عَنْ الْمَقْطُوعِ فِي طَهَارَتِهِ وَجِمَاعِهِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ وُجُوبُ قَطْعِ مَا يُمْكِنُ قَطْعُهُ مِنْهَا حَتَّى يَلْتَحِقَ بِالْمَخْتُونِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَنْكَشِفْ كُلُّهَا فَيَجِبُ مِنْ الْخِتَانِ مَا يَكْشِفُ جَمِيعَهَا (تَنْبِيهٌ) لَوْ وُلِدَ مَخْتُونًا أَجْزَأَهُ وَأَوَّلُ مَنْ اُخْتُتِنَ مِنْ النِّسَاءِ هَاجَرُ وَوُلِدَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَخْتُونًا أَرْبَعَةَ عَشَرَ آدَم وَشِيثٌ وَنُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَلُوطٌ وَشُعَيْبٌ وَيُوسُفُ وَمُوسَى وَسُلَيْمَانُ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَحَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ نَبِيُّ أَصْحَابِ الرَّسِّ وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَوْقُوفًا أَنَّ جِبْرِيلَ خَتَنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ طَهَّرَ قَلْبَهُ وَرَوَى أَبُو عَمْرٍو فِي الِاسْتِيعَابِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ خَتَنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ سَابِعِهِ وَجَعَلَ لَهُ مَأْدُبَةً وَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالْبُلُوغِ) يَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ يُحْسِنُ خِتَانَ نَفْسِهِ بِيَدِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ كَشْفُ عَوْرَتِهِ لِلْخَاتِنِ غ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ جُرْحٌ يُخَافُ مِنْهُ إلَخْ) وَلِأَنَّ الْعَوْرَةَ تُكْشَفُ لَهُ فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يَجُوزُ بِالشَّكِّ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَنْ لَهُ كَفَّانِ فِي يَدِهِ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ الْأَصْلِيَّةُ مِنْ الزَّائِدَةِ ثُمَّ سَرَقَ نِصَابًا حَيْثُ تُقْطَعُ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَةِ السَّرِقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْآدَمِيِّ وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ وَالْمُضَايَقَةِ وَالْحَقُّ فِي الْخِتَانِ