(بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ) -
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأنصاري، زكريا
- الكتاب
- أسنى المطالب في شرح روض الطالب
- المؤلف
- زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
- عدد الأجزاء
- 4
- الناشر
- دار الكتاب الإسلامي
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومعه حاشية الرملي الكبير]
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ إلَخْ) اسْتَثْنَى جَمَاعَةٌ عَدَمَ اسْتِحْبَابِ الرَّفْعِ فِي الْمَسَاجِدِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ إذَا حَصَلَ بِهِ التَّشْوِيشُ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَنَحْوِهِمْ (قَوْلُهُ فَإِنْ جَهَرَتْ بِهَا كُرِهَ) هَذَا إذَا كَانَتْ عِنْدَ الْأَجَانِبِ فَإِنْ كَانَتْ وَحْدَهَا أَوْ بِحَضْرَةِ الزَّوْجِ أَوْ الْمَحَارِمِ أَوْ النِّسَاءِ فَتَجْهَرُ بِالتَّلْبِيَةِ كَمَا تَجْهَرُ فِي الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ ذَكَرَهُ هُنَاكَ النَّوَوِيُّ.
(قَوْلُهُ قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَدَعْوَاهُ ثُبُوتَهُ مَمْنُوعَةٌ بَلْ هُوَ مُرْسَلٌ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ رَوَاهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ اهـ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ إنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الْآخِرَةِ» ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ.
[بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ] (بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا) ، وَقَدْ «دَخَلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلًا فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ» كَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا نَعْلَمُ دُخُولَهَا لَيْلًا فِي غَيْرِهَا وَفِي مُسْلِمٍ وَمِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ لَفْظُهُ «كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلَّا بَاتَ بِذِي طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَارًا» وَكَتَبَ أَيْضًا مَكَّةَ أَفْضَلُ الْأَرْضِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي تَفْضِيلِهِ الْمَدِينَةَ، دَلِيلُنَا عَلَى أَفْضَلِيَّةِ مَكَّةَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ «إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي سُوقِ مَكَّةَ وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ الْأَرْضِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَيَّ وَلَوْ أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجْت» وَمَحَلُّ التَّفَاضُلِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّا هُوَ فَأَفْضَلُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ قَالَ شَيْخِي وَوَالِدِي وَقِيَاسُهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْكَعْبَةَ الْمُشَرَّفَةَ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ بِقَاعِ الْمَدِينَةِ قَطْعًا مَا عَدَا مَوْضِعَ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ وَبَيْتَ خَدِيجَةَ الَّذِي بِمَكَّةَ أَفْضَلُ مَوْضِعٍ مِنْهَا بَعْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي إيضَاحِهِ الْمُخْتَارِ اسْتِحْبَابُ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْوُقُوعُ فِي الْأُمُورِ الْمَحْذُورَةِ وَقَوْلُهُ، وَأَمَّا هُوَ فَأَفْضَلُ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ شَيْخُنَا وَأَفْضَلُ مِنْ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمِنْ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَمِنْ الْجَنَّةِ فَإِنْ قِيلَ يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُنْقَلُ مِنْ أَفْضَلَ لِمَفْضُولٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تِلْكَ التُّرْبَةِ فَلَوْ كَانَ ثَمَّ أَفْضَلُ مِنْهَا لَخُلِقَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قِيلَ «إنَّ صَدْرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا شُقَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ» فَلَوْ كَانَ ثَمَّ أَفْضَلُ مِنْهُ لَغُسِلَ بِذَلِكَ الْأَفْضَلِ عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» فَإِنْ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْجَنَّةِ حَقِيقَةً زَالَ الْإِشْكَالُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْبَيْنِيَّةِ مَا بَيْنَ ابْتِدَاءِ قَبْرِي أَيْ وَمِنْ آخِرِهِ وَمِنْبَرِي حَتَّى يَكُونَ الْقَبْرُ دَاخِلًا فِي الرَّوْضَةِ
وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ يُقَالُ مَكَّةَ بِالْمِيمِ وَبَكَّةَ بِالْبَاءِ لُغَتَانِ وَقِيلَ بِالْمِيمِ اسْمٌ لِلْحَرَمِ كُلِّهِ، وَبِالْبَاءِ اسْمٌ لِلْمَسْجِدِ، وَقِيلَ بِالْمِيمِ لِلْبَلَدِ وَبِالْبَاءِ لِلْبَيْتِ مَعَ الْمَطَافِ وَقِيلَ بِدُونِهِ (يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ) بِالْحَجِّ (أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ وَلِكَثْرَةِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ السُّنَنِ الْآتِيَةِ وَأَنْ يَدْخُلَهَا (مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمَدِّ وَالتَّنْوِينِ، وَالثَّنِيَّةُ الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ (مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ) يَعْنِي ثَنِيَّةَ كَدَاءٍ مَوْضِعٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مِنْهَا (وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي طَرِيقِهِ) لِمَا قَالَهُ الْجُوَيْنِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَجَ إلَيْهَا قَصْدًا» ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَصَوَّبَهُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ تَخْصِيصَهُ بِالْآتِي مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ لِلْمَشَقَّةِ وَأَنَّ دُخُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا كَانَ اتِّفَاقًا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْغُسْلِ بِذِي طُوًى.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي كَدَاءٍ مِنْ الْحِكْمَةِ أَيْ الْآتِيَةِ غَيْرُ حَاصِلٍ بِسُلُوكِ غَيْرِهَا وَفِي الْغُسْلِ مِنْ أَنَّ الْقَصْدَ النَّظَافَةُ حَاصِلٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ نَعَمْ فِي التَّفْرِقَةِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُعَرِّجَ لِلدُّخُولِ يَنْتَهِي إلَى مَا يَدْخُلُ مِنْهُ الْآتِي مِنْ الْمَدِينَةِ وَرُبَّمَا يَمُرُّ بِذِي طُوًى أَوْ يُقَارِبُهُ جِدًّا كَالْآتِي مِنْ الْيَمَنِ فَإِذَا أُمِرَ الْمَدَنِيُّ بِذَهَابِهِ إلَى قِبَلِ وَجْهِهِ لِيَغْتَسِلَ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى خَلْفٍ فَأَمْرُ الْيَمَنِيِّ، وَقَدْ مَرَّ بِهِ أَوْ قَارَبَهُ بِالْأَوْلَى وَأَقُولُ لَا تَرَدُّدَ فِي أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ قَبْلَ تَعْرِيجِهِ فَلَا يُؤْمَرُ بِهِ لِيَغْتَسِلَ بَلْ لِيَدْخُلَ مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، وَهُوَ قَبْلَ ذَلِكَ مَأْمُورٌ بِالْغُسْلِ مِنْ نَحْوِ تِلْكَ الْمَسَافَةِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّعْرِيجَ لِيَدْخُلَ مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ بِذِي طُوًى) بِفَتْحِ الطَّاءِ أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا وَكَسْرِهَا، وَادٍ بِمَكَّةَ بَيْنَ الثَّنِيَّتَيْنِ، وَأَقْرَبُ إلَى السُّفْلَى لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ هَذَا إنْ كَانَتْ بِطَرِيقِهِ بِأَنْ أَتَى مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَإِلَّا اغْتَسَلَ مِنْ نَحْوِ تِلْكَ الْمَسَافَةِ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَلَوْ قِيلَ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّعْرِيجُ إلَيْهَا وَالِاغْتِسَالُ بِهَا اقْتِدَاءً وَتَرْكًا لَمْ يَبْعُدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَبِهِ جَزَمَ الزَّعْفَرَانِيُّ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى بِئْرٍ مَطْوِيَّةٍ بِالْحِجَارَةِ أَيْ مَبْنِيَّةٍ، وَالطَّيُّ الْبِنَاءُ (وَ) أَنْ (يَخْرُجَ مِنْ ثَنِيَّةِ كُدًى) بِأَسْفَلِهَا أَيْ مَكَّةَ بِضَمِّ الْكَافِ وَالْقَصْرِ وَالتَّنْوِينِ عِنْدَ جَبَلِ قُعَيْقِعَانَ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالْمَعْنَى فِيهِ، وَفِي دُخُولِهِ مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ بِالْفَتْحِ الذَّهَابُ مِنْ طَرِيقٍ وَالْإِيَابُ مِنْ أُخْرَى كَالْعِيدِ وَغَيْرِهِ لِتَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ وَخُصَّتْ الْعُلْيَا بِالدُّخُولِ لِقَصْدِ الدَّاخِلِ مَوْضِعًا عَالِيَ الْمِقْدَارِ، وَالْخَارِجُ عَكْسُهُ وَلِأَنَّ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حِينَ قَالَ ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: 37] كَانَ عَلَى الْعُلْيَا كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَقَضِيَّتُهُ اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ أَيْضًا كَاسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الْيَمِينِ لِدَاخِلِ الْمَسْجِدِ، وَالْيَسَارِ لِلْخَارِجِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ عِبَادَةً فَيَنْبَغِي الْقَوْلُ بِهِ إلَّا أَنْ يَرِدْ نَقْلٌ بِدَفْعِهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيُسْتَحَبُّ إذَا وَصَلَ الْحَرَمَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي قَلْبِهِ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ وَيَتَذَكَّرَ جَلَالَةَ الْحَرَمِ وَمَزِيَّتَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ هَذَا حَرَمُكَ وَأَمْنُك فَحَرِّمْنِي عَلَى النَّارِ وَأَمِّنِّي مِنْ عَذَابِك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك وَاجْعَلْنِي مِنْ أَوْلِيَائِك وَأَهْلِ طَاعَتِك.
(وَدُخُولُهُ) مَكَّةَ (نَهَارًا وَمَاشِيًا) وَحَافِيًا، وَلَمْ تَلْحَقْهُ مَشَقَّةٌ، وَلَمْ يَخَفْ تَنَجُّسَ رِجْلَيْهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (أَفْضَلُ) مِنْ دُخُولِهِ لَيْلًا وَرَاكِبًا وَمُتَنَعِّلًا أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ لَهُ وَأَرْفَقُ بِهِ وَأَقْرَبُ إلَى مُرَاعَاتِهِ الْوَظَائِفَ الْمَشْرُوعَةَ، وَدُخُولُهُ أَوَّلَ النَّهَارِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَفْضَلُ اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَأَمَّا فِي الْبَاقِي فَلِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَالْأَدَبِ وَلَيْسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَلَا فَوَاتُ مُهِمٍّ بِخِلَافِ الرُّكُوبِ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ كَمَا مَرَّ لِمَا تَقَدَّمَ، ثَمَّ؛ وَلِأَنَّ الرَّاكِبَ فِي الدُّخُولِ مُتَعَرِّضٌ لِإِيذَاءِ النَّاسِ بِدَابَّتِهِ فِي الزَّحْمَةِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ أَفْضَلِيَّةِ الْمَشْيِ بِمَنْ لَا يُشَقُّ عَلَيْهِ، وَلَا يُضْعِفُهُ عَنْ الْوَظَائِفِ وَيُشْبِهُ أَنَّ دُخُولَ الْمَرْأَةِ فِي هَوْدَجِهَا وَنَحْوِهِ أَوْلَى، لَا سِيَّمَا عِنْدَ الزَّحْمَةِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ يُسْتَحَبُّ دُخُولُهُ مَكَّةَ بِخُشُوعِ قَلْبِهِ وَخُضُوعِ جَوَارِحِهِ دَائِمًا مُتَضَرِّعًا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيَكُونُ مِنْ دُعَائِهِ مَا رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ: اللَّهُمَّ الْبَلَدُ بَلَدُك وَالْبَيْتُ بَيْتُكَ جِئْت أَطْلُبُ رَحْمَتَك وَأَؤُمُّ طَاعَتَك مُتَّبِعًا لِأَمْرِكَ وَرَاضِيًا بِقَدَرِك مُسَلِّمًا لِأَمْرِك أَسْأَلُك مَسْأَلَةَ الْمُضْطَرِّ إلَيْكَ الْمُشْفِقِ مِنْ عَذَابِك أَنْ تَسْتَقْبِلَنِي بِعَفْوِك وَأَنْ تَتَجَاوَزَ عَنِّي بِرَحْمَتِك وَأَنْ تُدْخِلَنِي جَنَّتَكَ» قَالَ الزَّعْفَرَانِيُّ وَيَقُولُ آيِبُونَ -
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَصَوَّبَهُ) قَالَ السُّبْكِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ الْحَقُّ
(قَوْلُهُ أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا وَكَسْرِهَا) بِالتَّنْوِينِ وَعَدَمِهِ فَمَنْ نَوَّنَهُ جَعَلَهُ نَكِرَةً وَمَنْ لَمْ يُنَوِّنْهُ جَعَلَهُ مَعْرِفَةً (قَوْلُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَقَضِيَّتُهُ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ أَفْضَلِيَّتِهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ، وَيُشْبِهُ أَنَّ دُخُولَ الْمَرْأَةِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
تَائِبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَقْدَمَنِيهَا سَالِمًا مُعَافًى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا عَلَى تَيْسِيرِهِ وَحُسْنِ بَلَاغِهِ اللَّهُمَّ هَذَا حَرَمُكَ وَأَمْنُك فَحَرِّمْ لَحْمِي وَدَمِي وَشَعْرِي وَبَشَرِي عَلَى النَّارِ وَآمِنِّي مِنْ عَذَابِك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك وَاجْعَلْنِي مِنْ أَوْلِيَائِك وَأَحْبَابِك وَأَهْلِ طَاعَتِك اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُك وَالْبَلَدُ بَلَدُك وَالْحَرَمُ حَرَمُكَ وَالْأَمْنُ أَمْنُك جِئْت هَارِبًا عَنْ الذُّنُوبِ مُقْلِعًا وَلِفَضْلِكَ رَاجِيًا وَلِرَحْمَتِك طَالِبًا وَلِفَرَائِضِك مُؤَدِّيًا وَلِرِضَاكَ مُبْتَغِيًا وَلِعَفْوِك سَائِلًا فَلَا تَرُدُّنِي خَائِبًا وَأَدْخِلْنِي فِي رَحْمَتِك الْوَاسِعَةِ وَأَعِذْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ وَجُنْدِهِ وَشَرِّ أَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ.
(فَرْعٌ وَيُسْتَحَبُّ حِينَ يَرَى الْبَيْتَ) أَيْ الْكَعْبَةَ أَوْ يَصِلَ مَحَلَّ رُؤْيَتِهِ، وَلَمْ يَرَهُ لِعَمًى أَوْ ظُلْمَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فِيمَا يَظْهَرُ (أَنْ يَدْعُوَ بِالدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ) أَيْ الْمَنْقُولِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ، وَهُوَ «اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوْ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا» وَالْمَنْقُولُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِإِسْنَادٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَهُوَ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ (رَافِعًا يَدَيْهِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (وَ) أَنْ يَدْعُوَ (بِمَا أَحَبَّ) مِنْ الْمُهِمَّاتِ وَأَهَمُّهَا الْمَغْفِرَةُ وَأَنْ يَدْعُوَ وَاقِفًا (وَالدَّاخِلُ مِنْ الثَّنِيَّةِ) الْعُلْيَا (يَرَاهُ) أَيْ الْبَيْتَ (مِنْ) رَأْسِ (الرَّدْمِ) قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ فَيَقِفُ وَيَدْعُو كَمَا قُلْنَا (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الدُّعَاءِ (يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقِهِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرُوِيَ أَيْضًا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مِنْهُ وَخَرَجَ مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ إلَى الصَّفَا» وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ بَابِ بَنِي سَهْمٍ إلَى الْمَدِينَةِ» ، وَهَذَا بِخِلَافِ الدُّخُولِ مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ لِتَرَدُّدِهِمْ فِي أَنَّ دُخُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا كَانَ قَصْدًا أَوْ اتِّفَاقًا؛ وَلِأَنَّ الدَّوَرَانَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ لَا يَشُقُّ بِخِلَافِهِ حَوْلَ الْبَلَدِ، وَلِأَنَّ بَابَ بَنِي شَيْبَةَ مِنْ جِهَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ بَنِي سَهْمٍ إذَا خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ لِلرَّاوِيَةِ السَّابِقَةِ وَيُسَمَّى الْيَوْمَ بَابُ الْعُمْرَةِ.
(وَيَبْدَأُ) نَدْبًا عِنْدَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ (قَبْلَ تَغْيِيرِ ثِيَابِهِ وَاكْتِرَاءِ مَنْزِلِهِ) وَنَحْوِهِمَا (بِطَوَافِ الْقُدُومِ) إنْ لَمْ يَعْتَمِرْ (أَوْ) بِطَوَافِ (الْعُمْرَةِ إنْ اعْتَمَرَ) رَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ» وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ فَبَدَأَ بِهِ (هَذَا إنْ لَمْ تَقُمْ جَمَاعَةُ الْفَرِيضَةِ، وَلَمْ يَضِقْ وَقْتُ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ) أَوْ رَاتِبَةٍ أَوْ فَرِيضَةٍ فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَدَّمَهُ عَلَى الطَّوَافِ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَفُوتُ وَالطَّوَافُ لَا يَفُوتُ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ قَدَّمَهَا عَلَى الطَّوَافِ أَيْضًا، وَلَوْ دَخَلَ، وَقَدْ مُنِعَ النَّاسُ مِنْ الطَّوَافِ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنَّمَا قُدِّمَ الطَّوَافُ عَلَيْهَا فِيمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ إتْيَانِ الْمَسْجِدِ الْبَيْتُ وَتَحِيَّتُهُ الطَّوَافُ وَلِأَنَّهَا تَحْصُلُ بِرَكْعَتَيْهِ غَالِبًا وَذِكْرُ ابْتِدَاءِ طَوَافِ الْعُمْرَةِ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ أَوَّلَ قُدُومِهِ فَلَوْ أَخَّرَهُ فَفِي فَوَاتِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ انْتَهَى.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَفُوتُ بِالْجُلُوسِ كَمَا تَفُوتُ بِهِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ نَعَمْ يَفُوتُ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَيُحْتَمَلُ فَوَاتُهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ (، وَلَا طَوَافَ لِلْقُدُومِ) عَلَى الْحَاجِّ (بَعْدَ الْوُقُوفِ) ، وَلَا عَلَى الْمُعْتَمِرِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ الْمَفْرُوضَ عَلَيْهِمَا قَدْ دَخَلَ وَقْتُهُ وَخُوطِبَا بِهِ فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ أَدَائِهِ أَنْ يَتَطَوَّعَا بِطَوَافٍ قِيَاسًا عَلَى أَصْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَا نَحْنُ فِيهِ الصَّلَاةَ حَيْثُ أُمِرَ بِالتَّحِيَّةِ قَبْلَ الْفَرْضِ فَطَوَافُ الْقُدُومِ مُخْتَصٌّ بِحَلَالٍ دَخَلَ مَكَّةَ وَبِحَاجٍّ دَخَلَهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ وَيُسَمَّى طَوَافُ الْقَادِمِ وَطَوَافُ الْوُرُودِ وَالْوَارِدِ وَطَوَافُ التَّحِيَّةِ وَقَوْلُ الْأَصْلِ وَيُجْزِئُ طَوَافُ الْعُمْرَةِ عَنْ طَوَافِ الْقُدُومِ أَيْ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ عَلَى الْمُعْتَمِرِ طَوَافُ قُدُومٍ كَالْحَاجِّ الَّذِي دَخَلَ بَعْدَ الْوُقُوفِ كَمَا عُرِفَ (وَذَوَاتُ الْهَيْئَةِ) مِنْ النِّسْوَةِ لِجَمَالٍ أَوْ شَرَفٍ (يُؤَخِّرْنَهُ) أَيْ الطَّوَافَ (إلَى اللَّيْلِ)
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْعٌ يُسْتَحَبّ حين يَرَى الْبَيْت أَوْ يُصَلِّ مَحِلّ رُؤْيَته أَنْ يَدْعُوَا بِالدُّعَاءِ المأثور]
قَوْلُهُ أَوْ يُصَلِّ مَحَلَّ رُؤْيَتِهِ، وَلَمْ يَرَهُ إلَخْ) قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ هَلْ مُرَادُهُمْ بِرُؤْيَةِ الْبَيْتِ الْمُعَايَنَةُ أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَيَكُونُ عِلْمُ الْأَعْمَى وَالْأَعْشَى وَمَنْ جَاءَ فِي ظُلْمَةٍ كَرُؤْيَةِ الْبَصِيرِ نَهَارًا، وَلَا مَانِعَ وَكَذَلِكَ لَوْ اُتُّخِذَتْ أَبْنِيَةٌ مَنَعَتْ الرُّؤْيَةَ وَحَالَتْ دُونَ الْبَيْتِ لَا عِبْرَةَ بِهَا لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ وَالْأَقْرَبُ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقِهِ لِلِاتِّبَاعِ إلَخْ) الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ بَابَ الْكَعْبَةِ فِي جِهَةِ ذَلِكَ الْبَابِ، وَالْبُيُوتُ تُؤْتَى مِنْ أَبْوَابِهَا وَأَيْضًا فَلِأَنَّ جِهَةَ بَابِ الْكَعْبَةِ أَشْرَفُ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ فَكَانَ الدُّخُولُ مِنْ الْبَابِ الَّذِي يُشَاهِدُ بِهِ تِلْكَ الْجِهَةَ أَوْلَى وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ رَوَى أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ سَلَّامٍ فِي مُسْنَدِهِ «الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَمَنْ قَصَدَ مَلِكًا أَتَى بَابَهُ وَقَبَّلَ يَمِينَهُ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى» .
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهَا تَحْصُلُ بِرَكْعَتَيْهِ غَالِبًا) قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ أَجْزَأَتْهُ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ قَالَ فِي الْعُبَابِ، وَلَا يَبْدَأُ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إذْ تَحْصُلُ بِرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الطَّوَافُ لِنَحْوِ زِحَامٍ صَلَّى التَّحِيَّةَ وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ لِمُقِيمٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ انْتَهَى كَلَامُهُ فِي الْمُقِيمِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فِي أَنَّهُ يَكْثُرُ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ، وَلَا يَطُوفُ.
(قَوْلُهُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَفُوتُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ قَالَ شَيْخُنَا يَكْفِي التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ عَدَمِ فَوَاتِ التَّحِيَّةِ بِمُطْلَقِ التَّأْخِيرِ إذْ لَا يَلْزَمُ إعْطَاءُ الْمُشَبَّهِ حُكْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ سَائِرِ أَوْجُهِهِ (قَوْلُهُ، وَلَا طَوَافَ لِلْقُدُومِ بَعْدَ الْوُقُوفِ، وَلَا عَلَى الْمُعْتَمِرِ) نَعَمْ يَحْصُلُ لَهُمَا ثَوَابُهُ بِطَوَافِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُثِيبَ مُصَلِّي الْفَرِيضَةِ عَلَى التَّحِيَّةِ مَعَ إمْكَانِ فِعْلِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ شَغْلِ الْبُقْعَةِ بِالْعِبَادَةِ فَبِالْأَوْلَى هَذَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ الْمَفْرُوضَ عَلَيْهِمَا إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْحَاجَّ لَوْ دَخَلَ مَكَّةَ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَقَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ طَوَافِ الْفَرْضِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ طَوَافُ الْقُدُومِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ الظَّاهِرُ (قَوْلُهُ وَلِحَاجٍّ دَخَلَهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ) شَمَلَ الْمُفْرِدَ وَالْقَارِنَ (قَوْلُهُ وَذَوَاتُ الْهَيْئَةِ يُؤَخِّرْنَهُ إلَى اللَّيْلِ) قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا أَمِنَتْ الْحَيْضَ الَّذِي يَطُولُ زَمَنُهُ، وَهُوَ حَسَنٌ.
لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُنَّ وَأَسْلَمُ لَهُنَّ وَلِغَيْرِهِنَّ مِنْ الْفِتْنَةِ وَمِثْلُهُنَّ الْخَنَاثَى.
(وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ أَوْ مَكَّةَ) أَيْ لِمَنْ قَصَدَ دُخُولَ أَحَدِهِمَا لَا لِنُسُكٍ (أَنْ يُحْرِمَ بِنُسُكٍ) مِنْ حَجَّ أَوْ عُمْرَةٍ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ لِدَاخِلِهِ سَوَاءٌ أَتَكَرَّرَ دُخُولُهُ كَحَطَّابٍ وَصَيَّادٍ أَمْ لَا كَرَسُولٍ وَتَاجِرٍ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ، وَذِكْرُ اسْتِحْبَابِهِ لِمَنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ.
(فَصْلٌ وَوَاجِبَاتُ الطَّوَافِ) بِأَنْوَاعِهِ (خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ الطَّهَارَتَانِ) طَهَارَتَا الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ وَمَطَافِهِ (وَالسِّتْرُ) لِلْعَوْرَةِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَلِخَبَرِ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» وَلِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مَعَ خَبَرِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَرَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ لَمَّا حَاضَتْ، وَهِيَ مُحْرِمَةٌ اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي» (فَلَوْ أَحْدَثَ أَوْ تَنَجَّسَ) بَدَنُهُ أَوْ ثَوْبُهُ أَوْ مَطَافُهُ بِنَجَسٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ (أَوْ عَرِيَ) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى السَّتْرِ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ (تَطَهَّرَ وَسَتَرَ) عَوْرَتَهُ وَبَنَى عَلَى طَوَافِهِ وَلَوْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ إذْ يُحْتَمَلُ فِيهِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِيهَا كَكَثِيرِ الْفِعْلِ وَالْكَلَامِ سَوَاءٌ أَطَالَ الْفَصْلُ أَمْ قَصُرَ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ فِيهِ كَالْوُضُوءِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْنِفَ) الطَّوَافَ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِئْنَافَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَلَبَةُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَطَافِ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى، وَقَدْ اخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا الْعَفْوَ عَنْهَا قَالَ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا يُشَقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي دَمِ الْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالْبَقِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا مَرَّ وَكَمَا فِي كَثْرَةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ، وَكَمَا فِي طِينِ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنِ نَجَاسَتَهُ.
اهـ. أَمَّا الْعَارِي الْعَاجِزُ عَنْ عَنْ السَّتْرِ فَيَطُوفُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةٌ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْقِيَاسُ مَنْعُ الْمُتَيَمِّمِ وَالْمُتَنَجِّسِ عَنْ الْمَاءِ مِنْ طَوَافِ الرُّكْنِ لِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي فِعْلِهِ، وَإِنَّمَا فَعَلَتْ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَالطَّوَافِ لَا آخَرَ لِوَقْتِهِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ إذَا صَلَّى، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى التَّيَمُّمِ بَعْدَ الْوَقْتِ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ فِي الْحَضَرِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ الْوَاجِبَةِ.
(الثَّانِي التَّرْتِيبُ، وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَعَ خَبَرِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (فَلَا) وَفِي نُسْخَةٍ، وَلَا (يَعْتَدُّ بِمَا بَدَأَ بِهِ قَبْلَهُ) وَلَوْ سَهْوًا فَإِذَا انْتَهَى إلَيْهِ ابْتَدَأَ مِنْهُ (وَأَنْ يُحَاذِ بِهِ أَوْ بَعْضَهُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ) بِحَيْثُ لَا يَتَقَدَّمُ جُزْءٌ مِنْ بَدَنِهِ عَلَى جُزْءٍ مِنْ الْحَجَرِ فَلَوْ لَمْ يُحَاذِهِ أَوْ بَعْضَهُ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ بِأَنْ جَاوَزَهُ بِبَعْضِ بَدَنِهِ إلَى جِهَةِ الْبَابِ لَمْ تُحْسَبْ طَوْفَتُهُ وَالْمُرَادُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ جَمِيعُ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ وَاكْتُفِيَ بِمُحَاذَاتِهِ بَعْضِ الْحَجَرِ كَمَا يُكْتَفَى بِتَوَجُّهِهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ بَعْضَ الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَصِفَةُ الْمُحَاذَاةِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْبَيْتَ وَيَقِفَ بِجَانِبِ الْحَجَرِ الَّذِي إلَى جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحَجَرِ عَنْ يَمِينِهِ، وَمَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ عِنْدَ طَرَفِهِ، ثُمَّ يَنْوِي الطَّوَافَ، ثُمَّ يَمْشِي مُسْتَقْبِلًا الْحَجَرَ مَارًّا إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ فَإِذَا جَاوَزَهُ انْفَتَلَ وَجَعَلَ يَسَارَهُ إلَى الْبَيْتِ، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا مِنْ الْأَوَّلِ، وَتَرَكَ اسْتِقْبَالَ الْحَجَرِ جَازَ لَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ قَالَ فِي مَنَاسِكِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الطَّوَافِ يَجُوزُ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ إلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُرُورِهِ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فِي الطَّوْفَةِ الْأُولَى لَا غَيْرُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ غَيْرُ الِاسْتِقْبَالِ الْمُسْتَحَبِّ عِنْدَ لِقَاءِ الْحَجَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ بِالطَّوَافِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لَا خِلَافَ فِيهِ وَسُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
وَإِذَا اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ لِدُعَاءٍ أَوْ زَحْمَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلْيَحْتَرِزْ عَنْ الْمُرُورِ فِي الطَّوَافِ، وَلَوْ أَدْنَى جُزْءٍ قَبْلَ عَوْدِهِ إلَى جَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ (وَيَطُوفُ) بِالْبَيْتِ أَمَامَهُ (جَاعِلًا لَهُ عَنْ يَسَارِهِ)
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ أَوْ مَكَّةَ أَنْ يُحْرِمَ إلَخْ) ، وَلَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَهَا وَمَعَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ» ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ لَأَمَرَهُمْ بِهِ، وَلَوْ أَمَرَهُمْ بِهِ لَأَحْرَمُوا، وَلَوْ أَحْرَمُوا لَنُقِلَ.
[فَصْلٌ وَوَاجِبَاتُ الطَّوَافِ]
(قَوْلُهُ الْأَوَّلُ الطَّهَارَتَانِ وَالسَّتْرُ) قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ اعْلَمْ أَنَّ اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ وَسَتْرَ الْعَوْرَةِ أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ وَلَكِنْ إذَا طَافَ الْوَلِيُّ بِالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَبِالْمَجْنُونِ فَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الطَّهَارَةِ، وَلَا يَجِبُ سَتْرُ عَوْرَةِ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فَحِينَئِذٍ هَذَا الشَّرْطُ يُسْتَثْنَى مِنْ طَوَافِ الْوَلِيِّ بِالصَّبِيِّ (قَوْلُهُ وَلِخَبَرِ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» ) سَمَّاهُ صَلَاةً، وَهُوَ لَا يَضَعُ الْأَسْمَاءَ اللُّغَوِيَّةَ وَإِنَّمَا يُكْسِبُهَا أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً وَإِذَا أَثْبَتَ أَنَّهُ صَلَاةٌ لَمْ يَجُزْ بِدُونِ السَّتْرِ وَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَطَهَارَةِ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ الطَّوَافُ أَفْضَلُ الْأَرْكَانِ حَتَّى الْوُقُوفُ لِشَبَهِهِ بِالصَّلَاةِ (قَوْلُهُ وَبَنَى عَلَى طَوَافِهِ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّهُ فِي الْإِغْمَاءِ يَسْتَأْنِفُ وَفِي الْجُنُونِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْقِيَاسُ مَنْعُ التَّيَمُّمِ إلَخْ) ثُمَّ حَكَى عَنْ الرُّويَانِيِّ وَجْهَيْنِ فِي الْإِعَادَةِ فِيمَا لَوْ طَافَ بِالتَّيَمُّمِ لِعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ وَجَدَهُ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِالْجَوَازِ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَبِتَقْدِيرِ جَوَازِهِ لَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِ قَضَائِهِ قُلْت قَدْ يُقَالُ يُفْعَلُ لِشِدَّةِ الْمَشَقَّةِ فِي بَقَائِهِ مُحْرِمًا مَعَ عَوْدِهِ إلَى وَطَنِهِ وَتَجِبُ إعَادَتُهُ إذَا تَمَكَّنَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَهُ لِلضَّرُورَةِ وَقَدْ زَالَتْ بِعَوْدِهِ إلَى مَكَّةَ ع قَوْلُهُ قَدْ يُقَالُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ وَأَنْ يُحَاذِيهِ أَوْ بَعْضَهُ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ الْوَاجِبَةَ تَتَعَلَّقُ بِالرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ لَا بِالْحَجَرِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَوْ نُحِّيَ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - عَنْ مَكَانِهِ وَجَبَتْ مُحَاذَاةُ الرُّكْنِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ صِحَّةُ طَوَافِ الرَّاكِبِ (قَوْلُهُ وَيَطُوفُ جَاعِلًا لَهُ عَلَى يَسَارِهِ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ اعْلَمْ أَنَّ عِبَارَتَهُ تَتَنَاوَلُ بِالْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً؛ لِأَنَّ مَنْطُوقَهُ كَوْنُ الْبَيْتِ عَنْ الْيَسَارِ وَمَفْهُومُهُ مَنْعُ كَوْنِهِ عَلَى الْيَمِينِ أَوْ مُسْتَقْبِلًا أَوْ مُسْتَدْبِرًا وَعَلَى الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ فَقَدْ يَمْشِي تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَقَدْ يَمْشِي الْقَهْقَرَى فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَحْوَالٍ وَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَلَى الْيَسَارِ أَوْ الْيَمِينِ مَعَ الْمُعْتَادِ وَالْقَهْقَرَى فَقَدْ يَكُونُ مُنْتَصِبًا، وَقَدْ يَكُونُ مُنَكِّسًا أَيْ رَأْسَهُ إلَى أَسْفَلَ وَرِجْلَاهُ إلَى فَوْقَ، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ وَمَكْبُوبًا عَلَى وَجْهِهِ فَحَصَلَ مِنْ أَرْبَعَةٍ فِي أَرْبَعَةٍ
لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَعَ خَبَرِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (فَإِنْ عَكَسَ) بِأَنْ جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ، وَمَشَى أَمَامَهُ (لَمْ يَصِحَّ وَكَذَا لَوْ اسْتَقْبَلَهُ) أَوْ اسْتَدْبَرَهُ (وَطَافَ مُعْتَرِضًا أَوْ جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ وَمَشَى الْقَهْقَرَى) لِمُنَابَذَتِهِ لِمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ.
الْوَاجِبُ (الثَّالِثُ خُرُوجُ جَمِيعِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَيْتِ) قَالَ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] وَإِنَّمَا يَكُونُ طَائِفًا بِهِ إذَا كَانَ خَارِجًا عَنْهُ، وَإِلَّا فَهُوَ طَائِفٌ فِيهِ (وَكَذَا عَنْ جَمِيعِ الْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ الْمُحَوَّطِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ بِجِدَارٍ قَصِيرٍ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلٍّ مِنْ الرُّكْنَيْنِ فَتْحَةٌ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا طَافَ خَارِجَهُ وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْجَدْرِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «عَنْ الْحِجْرِ أَمِنْ الْبَيْتِ هُوَ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَمَا بَالُهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ قَالَ إنَّ قَوْمَك قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ قُلْت فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُك لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَك حَدِيثُ عَهْدٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ لَفَعَلْت» وَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ الْحِجْرَ جَمِيعَهُ مِنْ الْبَيْتِ قَالَ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَظَاهِرُ نَصِّ الْمُخْتَصَرِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الَّذِي هُوَ مِنْ الْبَيْتِ قَدْرُ سِتَّةِ أَذْرُعٍ تَتَّصِلُ بِالْبَيْتِ وَقِيلَ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ وَلَفْظُ الْمُخْتَصَرِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ الطَّوَافُ خَارِجَهُ لِمَا مَرَّ.
(فَلَوْ كَانَ يَطُوفُ وَيَمَسُّ بِيَدِهِ الْجِدَارَ) الْكَائِنَ (فِي مُوَازَاتِهِ الشَّاذَرْوَانُ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْخَارِجُ عَنْ عَرْضِ جِدَارِ الْبَيْتِ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ تَرَكَتْهُ قُرَيْشٌ لِضِيقِ النَّفَقَةِ أَوْ يُدْخِلُ يَدَهُ بِأَعْلَى الشَّاذَرْوَانِ وَإِنْ لَمْ يَمَسَّ الْجِدَارَ أَوْ يَدْخُلُ مِنْ إحْدَى فَتْحَتَيْ الْحِجْرِ وَيَخْرُجُ مِنْ الْأُخْرَى أَوْ يَخْلُفُ مِنْهُ قَدْرَ الَّذِي مِنْ الْبَيْتِ وَيَقْتَحِمُ الْجِدَارَ وَيَخْرُجُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ عَلَى السَّمْتِ (لَمْ يَصِحَّ) طَوَافُهُ لِمَا مَرَّ وَخَرَجَ بِمُوَازَاتِهِ مَا لَوْ مَسَّ الْجِدَارَ الَّذِي فِي جِهَةِ الْبَابِ فَلَا يَضُرُّ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَغَيْرِهَا عَنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَالشَّاذَرْوَانُ ظَاهِرٌ فِي جَوَانِبِ الْبَيْتِ لَكِنْ لَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَقَدْ أُحْدِثَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ عِنْدَهُ شَاذَرْوَانُ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَفَطَّنَ لِدَقِيقَةٍ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ قَبَّلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدَ فَرَأْسُهُ فِي حَالِ التَّقْبِيلِ فِي جُزْءٍ مِنْ الْبَيْتِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُقِرَّ قَدَمَيْهِ فِي مَحَلِّهِمَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ التَّقْبِيلِ وَيَعْتَدِلَ قَائِمًا.
الْوَاجِبُ (الرَّابِعُ كَوْنُهُ) أَيْ الطَّوَافِ (فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ وَسِعَ وَحَالَ حَائِلٌ) بَيْنَ الطَّائِفِ وَالْبَيْتِ كَالسِّقَايَةِ وَالسَّوَارِي (وَ) طَافَ (عَلَى سَطْحِهِ) أَيْ سَطْحِ الْمَسْجِدِ (الْمُنْخَفِضِ عَنْ الْبَيْتِ) كَمَا هُوَ الْيَوْمَ، نَعَمْ لَوْ زِيدَ فِيهِ حَتَّى بَلَغَ الْحِلَّ فَطَافَ فِيهِ فِي الْحِلِّ فَالْقِيَاسُ فِي الْمُهِمَّاتِ عَدَمُ الصِّحَّةِ بِقَوْلِهِ فِي الْمَسْجِدِ مَا لَوْ طَافَ خَارِجَهُ، وَلَوْ بِالْحَرَمِ فَلَا يَصِحُّ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَطُفْ إلَّا دَاخِلَهُ وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (فَإِنْ ارْتَفَعَ) السَّطْحُ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْبَيْتِ (جَازَ) الطَّوَافُ عَلَيْهِ أَيْضًا كَالصَّلَاةِ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ مَعَ ارْتِفَاعِهِ عَنْ الْبَيْتِ، وَلَوْ قَالَ وَعَلَى سَطْحِهِ، وَلَوْ مُرْتَفِعًا عَنْ الْبَيْتِ كَانَ أَوْلَى وَأَخْصَرَ.
(فَائِدَةٌ) الْمَسْجِدُ فِي زَمَنِنَا أَوْسَعُ مِمَّا كَانَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِزِيَادَاتٍ زِيدَتْ فِيهِ فَأَوَّلُ مَنْ وَسَّعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ اشْتَرَى دُورًا فَزَادَهَا فِيهِ وَاِتَّخَذَ لِلْمَسْجِدِ جِدَارًا قَصِيرًا دُونَ الْقَامَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَ لَهُ الْجِدَارَ، ثُمَّ وَسَّعَهُ عُثْمَانُ وَاِتَّخَذَ لَهُ الْأَرْوِقَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَهَا، ثُمَّ وَسَّعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي خِلَافَتِهِ، ثُمَّ وَسَّعَهُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ الْمَنْصُورُ، ثُمَّ الْمَهْدِيُّ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ بِنَاؤُهُ إلَى وَقْتِنَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا.
الْوَاجِبُ (الْخَامِسُ أَنْ يَطُوفَ سَبْعًا) ، وَلَوْ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا مَاشِيًا كَانَ أَوْ رَاكِبًا بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى سِتَّةٍ أَوْ تَرَكَ مِنْ السَّبْعِ خُطْوَةً أَوْ أَقَلَّ لَمْ يَجُزْ لِمَا مَرَّ فِي اشْتِرَاطِ جَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ كَرِهَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ تَسْمِيَةَ الطَّوَّافَةِ شَوْطًا وَدُورًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى إنَّمَا سَمَّاهَا بِالطَّوَافِ لَا بِهِمَا أَيْ وَلِأَنَّ الشَّوْطَ الْهَلَاكُ، ثُمَّ قَالَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ» وَرُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْكَرَاهَةِ
[حاشية الرملي الكبير]
سِتَّةَ عَشَرَ حَالَةً وَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُسْتَقْبِلًا أَوْ مُسْتَدْبِرًا مَعَ الْمُعْتَادِ وَالْقَهْقَرَى فَقَدْ يَكُونُ مُنْتَصِبًا، وَقَدْ يَكُونُ مُنَكِّسًا، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ فَهَذِهِ سِتَّةَ عَشْرَ حَالَةً أَيْضًا وَمَجْمُوعُهَا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ وَيَغْلِبُ وُقُوعُهَا فِي الْمَحْمُولِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَخُصُوصًا الْأَطْفَالُ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِحُكْمِ التَّنْكِيسِ وَالِاسْتِلْقَاءِ وَكَوْنِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَمُقْتَضَى إطْلَاقِهِ جَوَازُهَا إذَا كَانَ الْبَيْتُ عَلَى يَسَارِهِ سَوَاءٌ مَشَى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ أَوْ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ مُنَابِذٌ لِلشَّرْعِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ مُنْتَصِبًا مَاشِيًا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ قَدْ صَرَّحَ بِالثَّانِي فَقَالَ: وَهُوَ تِلْقَاءُ وَجْهِهِ وَقَالَ ابْنُ النَّقِيبِ الَّذِي يَظْهَرُ صِحَّتُهُ مَعَ الْعُذْرِ فَإِنَّ الْمَرِيضَ الْمَحْمُولَ قَدْ لَا يَتَأَتَّى حَمْلُهُ إلَّا كَذَلِكَ بَلْ قَدْ لَا يَتَأَتَّى حَمْلَهُ إلَّا وَوَجْهُهُ أَوْ ظَهْرُهُ إلَى الْبَيْتِ لِتَعَذُّرِ اضْطِجَاعِهِ إلَّا كَذَلِكَ (فَائِدَةٌ) سُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ الْحِكْمَةِ فِي أَنَّ رَبَّنَا - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - يُنَزِّلُ عَلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةً وَعِشْرِينَ رَحْمَةً مِنْ ذَلِكَ لِلطَّائِفُونَ سِتُّونَ وَلِلْمُصَلِّينَ أَرْبَعُونَ وَلِلنَّاظِرِينَ عِشْرُونَ فَأَجَابَ: الطَّائِفُونَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ ثَلَاثٍ: طَوَافٌ وَصَلَاةٌ وَنَظَرٌ فَصَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ سِتُّونَ وَالْمُصَلُّونَ فَاتَهُمْ الطَّوَافُ فَصَارَ لَهُمْ أَرْبَعُونَ وَالنَّاظِرُونَ فَاتَهُمْ الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ فَصَارَ لَهُمْ عِشْرُونَ.
(قَوْلُهُ لَكِنْ لَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) فَإِنَّهُمْ تَرَكُوا رَفْعَهُ لِتَهْوِينَ الِاسْتِلَامِ.
(قَوْلُهُ فَالْقِيَاسُ فِي الْمُهِمَّاتِ عَدَمُ الصِّحَّةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ كَالصَّلَاةِ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ) وَكَالطَّوَافِ بِالْعَرْصَةِ عِنْدَ ذَهَابِ بِنَائِهَا - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى -
(قَوْلُهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا) وَقَالَ غَيْرُهُ إنَّهُ زَادَ فِيهِ الْمَأْمُونُ وَأَتْقَنَ فِي بُنْيَانِهِ بَعْدَ الْمَهْدِيِّ بِاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً سَنَةَ اثْنَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَى الْآنَ.
(قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ كَرِهَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
لِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَازَ حَمْلُهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ كَمَا حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا» وَمَعَ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْعِشَاءِ عَتَمَةٌ مَكْرُوهٌ مِنْ غَيْرِهِ.
(وَسُنَنُهُ) أَيْ الطَّوَافِ (ثَمَانٍ: الْأُولَى النِّيَّةُ) فِي طَوَافِ النُّسُكِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهَا فِيهِ (وَلَا) الْأَوْلَى فَلَا (تَجِبُ) ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ النُّسُكِ شَمَلَتْهُ كَمَا تَشْمَلُ الْوُقُوفَ وَغَيْرَهُ (فَيَصِحُّ طَوَافُ) مُحْرِمٍ (نَائِمٍ مُمَكِّنِ) مَقْعَدَتِهِ مِنْ مَحَلِّهَا (اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ الْحَجِّ) أَوْ الْعُمْرَةِ (فَلَوْ صَرَفَهَا) الْأَوْجَهُ الْمُوَافِقُ لِأَصْلِهِ صَرْفُهُ أَيْ الطَّوَافِ (لِغَيْرِهِ) كَطَلَبِ غَرِيمٍ (بَطَلَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ طَائِفًا وَيُفَارِقُ فِيمَا سَيَأْتِي فِي الْوُقُوفِ بِأَنَّهُ قُرْبَةٌ بِرَأْسِهَا بِخِلَافِ الْوُقُوفِ (وَتَجِبُ) النِّيَّةُ (فِي) طَوَافِ (النَّفْلِ) الَّذِي لَمْ يَشْمَلْهُ نُسُكٌ (كَطَوَافِ الْوَدَاعِ) عَلَى الْأَصْلِ فِي وُجُوبِهَا فِي الْعِبَادَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ وَهَذَانِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ بِالْأَوَّلِ وَابْنُ الرِّفْعَةِ بِالثَّانِي، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَفِيمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ نَظَرٌ وَالْقِيَاسُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ أَوْ لَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي وَرُدَّ بِأَنَّ الْوَجْهَ مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ التَّحَلُّلَيْنِ فَلَا يَصِحُّ دُخُولُهُ فِي نِيَّةِ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ، وَكَطَوَافِ النَّفْلِ الطَّوَافُ الْمَنْذُورُ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ.
(فَرْعٌ وَإِنْ حَمَلَ مُحْرِمًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ مُحْرِمَيْنِ) صَغِيرَيْنِ أَوْ كَبِيرَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا صَغِيرًا وَالْآخَرَ كَبِيرًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (حَلَالٌ أَوْ مُحْرِمٌ قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ) أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ طَوَافِهِ وَطَافَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَحْمُولٍ (وَقَعَ لِلْمَحْمُولِ) بِشَرْطٍ لِأَنَّهُ كَرَاكِبِ دَابَّةٍ إذْ لَا طَوَافَ عَلَى الْحَامِلِ نَعَمْ إنْ قَصَدَ الْحَامِلُ نَفْسَهُ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الْمَحْمُولِ وَقَعَ لَهُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي (وَكَذَا لَوْ لَمْ يَطُفْ) أَيْ الْمُحْرِمُ الْحَامِلُ عَنْ نَفْسِهِ وَدَخَلَ وَقْتُ طَوَافِهِ وَقَعَ لِلْمَحْمُولِ (إنْ قَصَدَهُ لِلْمَحْمُولِ) لِعَدَمِ وُقُوعِهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرَ عَدَمُ صَرْفِهِ الطَّوَافَ إلَى غَرَضٍ أَخَّرَ، وَقَدْ صَرَفَهُ عَنْهُ إلَيْهِ (فَإِنْ قَصَدَ نَفْسَهُ أَوْ كِلَيْهِمَا) أَيْ نَفْسَهُ وَمَحْمُولَهُ (أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا وَقَعَ لِلْجَامِعِ فَقَطْ) ، وَإِنْ قَصَدَ مَحْمُولُهُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ الطَّائِفُ، وَلَمْ يَصْرِفْهُ عَنْ نَفْسِهِ وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ حَمَلَ حَلَالًا وَنَوَيَا وَقَعَ لِلْحَامِلِ وَسَوَاءٌ فِي الصَّغِيرِ أَحَمَلَهُ وَلِيُّهُ وَاَلَّذِي أَحْرَمَ عَنْهُ أَمْ غَيْرُهُ لَكِنْ يَنْبَغِي فِي حَمْلِ غَيْرِ الْوَلِيِّ أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ لِأَنَّ الصَّغِيرَ إذَا طَافَ رَاكِبًا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّهُ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُمَيِّزِ فَلَوْ لَمْ يَحْمِلْهُ بِأَنْ جَعَلَهُ فِي شَيْءٍ مَوْضُوعٍ عَلَى الْأَرْضِ وَجَذَبَهُ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِطَوَافِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِطَوَافِ الْآخَرِ لِانْفِصَالِهِ عَنْهُ وَنَظِيرِهِ مَا لَوْ كَانَ بِسَفِينَةٍ وَهُوَ يَجْذِبُهَا وَمَا ذَكَرَهُ كَأَصْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ كِلَيْهِمَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ عَلَى خِلَافِهِ إلَّا أَنَّ نَصَّ الْأُمِّ فِي وُقُوعِهِ لِلْمَحْمُولِ وَنَصَّ الْإِمْلَاءِ فِي وُقُوعِهِ لَهُمَا كَذَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ فَالنَّصَّانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى نَفْيِ مَا ذُكِرَ، وَنَصُّ الْأُمِّ أَقْوَى عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَهُوَ هُنَا بِخُصُوصِهِ أَظْهَرُ مِنْ نَصَّيْ الْإِمْلَاءِ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِهِ وَاعْتَرَضَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنْ نَقَلَهُ عَنْ الْبَحْرِ مِنْ نَقْلِهِ عَنْ الْإِمْلَاءِ مِنْ وُقُوعِهِ لَهُمَا غَلَطٌ بَلْ الَّذِي فِيهِ فِي عِدَّةِ نُسَخٍ عَنْ الْإِمْلَاءِ وُقُوعُهُ لِلْحَامِلِ دُونَ الْمَحْمُولِ وَرَجَّحَهُ الْأَصْحَابُ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْقِيَاسِ فَإِنَّهُ لَوْ نَوَى الْحَجَّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَقَعَ فَكَذَا رُكْنَهُ
(فَائِدَةٌ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَضِيَّةُ كَلَامِ صَاحِبِ الْكَافِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي أَحْكَامِ الْمَحْمُولِ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَفِيهِ نَظَرٌ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَإِنْ حَمَلَهُ فِي الْوُقُوفِ أَجْزَأَ فِيهِمَا يَعْنِي مُطْلَقًا وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ ثَمَّ السُّكُونُ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَهُنَا الْفِعْلُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا (وَلَوْ طَافَ) مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ (مُعْتَقِدًا أَنَّ إحْرَامَهُ عُمْرَةٌ فَبَانَ حَجًّا وَقَعَ عَنْهُ) كَمَا لَوْ طَافَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ طَوَافٌ.
(الثَّانِيَةُ) مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ (الْمُوَالَاةُ) بَيْنَ الطَّوَّافَاتُ السَّبْعِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهَا، وَقَوْلُهُ (وَهِيَ سُنَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ) إيضَاحٌ (فَيُكْرَهُ التَّفْرِيقُ بِلَا عُذْرٍ) فَلَا يَبْطُلُ بِهِ الطَّوَافُ، وَلَوْ فَرَّقَ كَثِيرًا قَالَ الْإِمَامُ وَالْكَثِيرُ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ تَرْكُهُ الطَّوَافَ، وَذِكْرُ الْكَرَاهَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَدَّمَهُ فِي كَرَاهَةِ التَّفْرِيقِ فِي الْوُضُوءِ، وَتَقَدَّمَ ثَمَّ إنَّ الْمَعْرُوفَ عَدَمُهَا، وَعَلَيْهِ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْوُضُوءَ وَسِيلَةٌ فَاغْتُفِرَ فِيهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الطَّوَافِ وَالْأَوْجَهُ حَمْلُ مَا هُنَا عَلَى التَّفْرِيقِ فِي طَوَافِ الْفَرْقِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي مَا تَفْرِيقُهُ بِعُذْرٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَلَا هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى (وَإِقَامَةُ الْمَكْتُوبَةِ) وَعُرُوضُ حَاجَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ (عُذْرٌ) فِي قَطْعِهِ (وَيُكْرَهُ قَطْعُ الطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ -
[حاشية الرملي الكبير]
[سُنَن الطَّوَاف]
قَوْلُهُ وَإِنْ حَمَلَ مُحْرِمًا صَغِيرًا إلَخْ) وَظَاهِرٌ أَنَّ تَصْوِيرَ الْمَسْأَلَةِ بِحَمْلِ وَاحِدٍ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ مِثَالٌ فَلَوْ كَانَ الْحَامِلُ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ الْمَحْمُولَ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ وَيَنْشَأُ مِنْ ذَلِكَ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ (قَوْلُهُ وَقَعَ لِلْمَحْمُولِ) سَوَاءٌ أَنَوَاهُ لِلْمَحْمُولِ أَمْ أَطْلَقَ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ عَدَمَ صَرْفِهِ الطَّوَافَ إلَخْ) سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالرَّوْضَةِ بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ أَنَّهُ مَتَى كَانَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَنَوَى غَيْرَهُ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ عَنْ نَفْسِهِ تَطَوُّعًا أَوْ قُدُومًا أَوْ وَدَاعًا وَقَعَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ كَمَا فِي وَاجِبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ اهـ وَظَاهِرُهُ التَّنَاقُضُ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَعَلَّ الشَّرْطَ فِي الصَّرْفِ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ إلَى غَيْرِ طَوَافٍ أَمَّا إذَا صَرَفَهُ إلَى طَوَافٍ آخَرَ فَلَا يَنْصَرِفُ سَوَاءٌ أَقَصَدَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ.
اهـ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْحَامِلَ جَعَلَ نَفْسَهُ آلَةَ الْمَحْمُولَةِ فَانْصَرَفَ فِعْلُهُ عَنْ الطَّوَافِ، وَالْوَاقِعُ لَهُمَا طَوَافُهُمَا لَا طَوَافُهُ كَمَا فِي رَاكِبِ الدَّابَّةِ بِخِلَافِ النَّاوِي فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ فَإِنَّهُ أَتَى بِطَوَافٍ لَكِنَّهُ صَرَفَهُ لِطَوَافٍ آخَرَ فَلَمْ يَنْصَرِفْ كَنَظِيرِهِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (قَوْلُهُ كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ) التَّقْيِيدُ بِالْوَلِيِّ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فَلَا يُنَافِي مَا هُنَا (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) كَالْبُلْقِينِيِّ (قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ) قَالَ أَبُو زُرْعَةَ بَلْ هُوَ وَاضِحٌ
(قَوْلُهُ وَهِيَ سُنَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا يُبْطِلُهَا التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ الْجُلُوسِ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَلَا يُبْطِلُهَا التَّفْرِيقُ الْكَثِيرُ كَالزَّكَاةِ (قَوْلُهُ وَتَقَدَّمَ ثَمَّ أَنَّ الْمَعْرُوفَ عَدَمُهَا) قَدْ تَقَدَّمَ ثَمَّ رَدُّهُ (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ قَطْعُ الطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ إلَخْ) وَكَذَا السَّعْيُ
لِجِنَازَةٍ أَوْ رَاتِبَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ فَلَا يُقْطَعُ لِنَافِلَةٍ وَلَا لِفَرْضِ كِفَايَةٍ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَكَذَا حُكْمُ السَّعْيِ.
(الثَّالِثَةُ الْمَشْيُ فِيهِ) وَلَوْ امْرَأَةٌ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّهُ أَشْبَهَ التَّوَاضُعَ وَالْأَدَبَ فَلَا يَرْكَبُ لِئَلَّا يُؤْذِيَ غَيْرَهُ وَيُلَوِّثَ الْمَسْجِدَ (إلَّا لِعُذْرٍ) كَمَرَضٍ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَدِمَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طُوفِي وَرَاءَ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةً» وَفِيهِمَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ رَاكِبًا فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ لِيَظْهَرَ فَيُسْتَفْتَى» فَلِمَنْ اُحْتِيجَ إلَى ظُهُورِهِ لِلْفَتْوَى أَنْ يَتَأَسَّى بِهِ (لَكِنْ لَوْ رَكِبَ) بِلَا عُذْرٍ (لَمْ يُكْرَهْ) لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْجُمْهُورِ وَصَحَّحَهُ قَالَ الْإِمَامُ وَفِي الْقَلْبِ مِنْ إدْخَالِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ تَلْوِيثُهَا الْمَسْجِدَ شَيْءٌ فَإِنْ أَمْكَنَ الِاسْتِيثَاقُ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَإِدْخَالُهَا مَكْرُوهٌ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ كَرَاهَةِ الرُّكُوبِ مَرْدُودٌ مُخَالِفٌ لِمَا فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ وَلِنَصِّ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِكَرَاهَتِهِ فِي شَرْحِ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ فِي مَجْمُوعِهِ فِي الْفَصْلِ الْمَعْقُودِ لِأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَةِ أَنَّ إدْخَالَ الصِّبْيَانِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ غَلَبَ تَنْجِيسُهُمْ لَهُ، وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ.
انْتَهَى وَيُرَدُّ ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّيْخَيْنِ نَقَلَا عَدَمَ الْكَرَاهَةِ عَنْ الْجُمْهُورِ، وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ مَعَ ذَلِكَ الْكَرَاهَةَ عَنْ جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَالَ وَالْمَشْهُورُ عَدَمُهَا وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَبِأَنَّ إدْخَالَ الْبَهِيمَةِ هُنَا إنَّمَا هُوَ لِحَاجَةِ إقَامَةِ السُّنَّةِ كَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِهَذَا لَا يُكْرَهُ إدْخَالُ الصَّبِيَّانِ الْمُحْرِمِينَ الْمَسْجِدَ لِيَطُوفُوا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَحُكْمُ طَوَافِ الْمَحْمُولِ عَلَى أَكْتَافِ الرِّجَالِ كَالرَّاكِبِ فِيمَا ذَكَرَ وَإِذَا كَانَ مَعْذُورًا فَطَوَافُهُ مَحْمُولًا أَوْلَى مِنْهُ رَاكِبًا صِيَانَةً لِلْمَسْجِدِ مِنْ الدَّابَّةِ وَرُكُوبُ الْإِبِلِ أَيْسَرُ حَالًا مِنْ رُكُوبِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعِ وَفِيهِ لَوْ طَافَ زَحْفًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَشْيِ صَحَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ حَافِيًا فِي طَوَافِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ وَأُحِبُّ لَوْ كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَافِيًا أَنْ يُقَصِّرَ فِي الْمَشْيِ لِتَكْثُرَ خُطَاهُ رَجَاءَ كَثْرَةِ الْأَجْرِ لَهُ.
(الرَّابِعَةُ أَنْ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ (بِيَدِهِ) أَوَّلَ طَوَافِهِ (ثُمَّ يُقَبِّلُهُ) عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَيُقَبِّلُهُ (وَيَضَعُ) بَعْدَ ذَلِكَ (جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ فِي الْأَوَّلَيْنِ الشَّيْخَانِ وَفِي الثَّالِثِ الْبَيْهَقِيُّ (وَلِلزَّحْمَةِ) الْمَانِعَةِ مِنْ تَقْبِيلِهِ وَالسُّجُودِ عَلَيْهِ (يَسْتَلِمُ) بِيَدِهِ (وَإِنْ عَجَزَ) عَنْ اسْتِلَامِهِ بِهَا (فَبِعُودٍ) أَوْ نَحْوِهِ كَيَدِهِ يَسْتَلِمُ (ثُمَّ يُقَبِّلُهُ) أَيْ مَا اسْتَلَمَ بِهِ فِيهِمَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ مَا تَرَكْته مُنْذُ رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُ مَعَ أَخْبَارٍ أُخَرَ أَنَّهُ يُقَبِّلُ يَدَهُ بَعْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ بِهَا مَعَ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ بِهِ وَصَرَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مَنَاسِكِهِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ لَكِنْ خَصَّهُ الشَّيْخَانِ وَمُخْتَصَرُ كَلَامِهِمَا يَتَعَذَّرُ تَقْبِيلُهُ كَمَا تَقَرَّرَ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ اسْتِلَامِهِ (أَشَارَ) إلَيْهِ (بِالْيَدِ) .
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ أَوْ بِشَيْءٍ فِيهَا، ثُمَّ قَبَّلَ مَا أَشَارَ بِهِ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ» (لَا بِالْفَمِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِلَامَ وَالْإِشَارَةَ إنَّمَا يَكُونَانِ بِالْيَدِ الْيُمْنَى فَإِنْ عَجَزَ فَبِالْيُسْرَى عَلَى الْأَقْرَبِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ (ثُمَّ لَا يُقَبِّلُ) ، وَلَا يَتَسَلَّمُ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الْحَجَرِ لِذَلِكَ وَلِخُلُوِّهِ عَنْ الْحَجَرِ (نَعَمْ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ أَكْثَرُ مِنْ تَشْدِيدِهَا نِسْبَةً إلَى الْيَمَنِ وَالْأَلِفُ بَدَلٌ مِنْ إحْدَى يَاءَيْ النَّسَبِ عَلَى الْأَوَّلِ وَزَائِدَةٌ عَلَى الثَّانِي (وَحْدَهُ) أَيْ لَا الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ وَسَائِرِ مَا عَدَا مَا مَرَّ (وَيُقَبِّلُ يَدَهُ) بَعْدَ اسْتِلَامِ الرُّكْنِ بِهَا قِيَاسًا عَلَى تَقْبِيلِهَا بَعْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ بِهَا (فَقَطْ) أَيْ دُونَ الرُّكْنِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِلَامِهِ أَشَارَ إلَيْهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَنِيِّ قِيَاسًا عَلَى الْأَسْوَدِ، وَدَلِيلُ اسْتِلَامِهِ دُونَ الشَّامِيَّيْنِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي كُلِّ طَوَافِهِ، وَلَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ الَّذِينَ يَلِيَانِ الْحَجَرَ، وَأَنَّهُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» كَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ أَيْضًا بِخِلَافِهِمَا فَلِلْأَسْوَدِ فَضِيلَتَانِ كَوْنُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِيهِ كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ وَلِلْيَمَانِيِ الثَّانِيَةُ.
وَلَيْسَ لِلشَّامِيَّيْنِ شَيْءٌ مِنْهُمَا فَلَا يُسَنُّ فِيهِمَا شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فَلَوْ قَبَّلَهُمَا أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ الْبَيْتِ أَوْ اسْتَلَمَ ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ، وَلَا هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، بَلْ هُوَ حَسَنٌ كَمَا فِي الِاسْتِقْصَاءِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَأَيُّ الْبَيْتِ قَبَّلَ فَحَسَنٌ غَيْرَ أَنَّا نَأْمُرُ بِالِاتِّبَاعِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهَذَا النَّصُّ غَرِيبٌ مُشْكِلٌ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ، وَلَا لِفَرْضِ كِفَايَةٍ) ، وَهَذَا يَقْدَحُ فِي الْقَوْلِ بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ
(قَوْلُهُ أَنَّ إدْخَالَ الصِّبْيَانِ إلَخْ) وَالْمَجَانِينِ (قَوْلُهُ، وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ) فَاقْتَضَى كَلَامُهُمَا تَحْرِيمَ الطَّوَافِ عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ غَلَبَةِ التَّنْجِيسِ وَكَرَاهَتَهُ عِنْدَ عَدَمِهَا فَإِنَّ أَقَلَّ مَرَاتِبِ الْبَهِيمَةِ أَنْ تَكُونَ كَالصِّبْيَانِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ اقْتَضَى كَلَامُهُمَا تَحْرِيمَ الطَّوَافِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ يُقَبِّلُهُ) يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُ الْقُبْلَةِ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ لَهَا صَوْتٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ التَّقْبِيلُ وَالسُّجُودُ ثَلَاثًا (قَوْلُهُ يَسْتَلِمُ بِيَدِهِ) أَيْ الْيُمْنَى فَإِنْ عَجَزَ فَبِالْيُسْرَى عَلَى الْأَقْرَبِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَالْغَزِّيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ فِي الْأُمِّ وَأُحِبُّ أَنْ يَسْتَلِمَ الرَّجُلُ إذَا لَمْ يُؤْذِ، وَلَمْ يُؤْذَ بِالزِّحَامِ وَيَدَعَ إذَا آذَى أَوْ أُوذِيَ بِالزِّحَامِ (قَوْلُهُ أَشَارَ إلَيْهِ بِالْيَدِ) أَيْ الْيُمْنَى (قَوْلُهُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ) أَيْ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِلَامِهِ أَشَارَ إلَيْهِ إلَخْ) ثُمَّ يَقْبَلُ مَا أَشَارَ بِهِ.
(وَهَكَذَا) يَفْعَلُ مَا ذُكِرَ (كُلَّ مَرَّةٍ) مِنْ الْمَرَّاتِ السَّبْعِ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ مَعَ قِيَاسِ مَا لَيْسَ فِيهِ عَلَيْهِ وَمَا عَبَّرَ لَهُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ أَصْلِهِ لِإِيهَامِهَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ السُّجُودُ عَلَى الْحَجَرِ إلَّا فِي الطَّوْفَةِ الْأُولَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ (وَ) فَعَلَ ذَلِكَ (فِي الْأَوْتَارِ) إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ كُلَّ مَرَّةٍ (آكَدُ) مِنْهُ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ اسْتِلَامُهُ وَتَقْبِيلُهُ وَالسُّجُودُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا وَأَنْ يُخَفِّفَ الْقُبْلَةَ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ لَهَا صَوْتٌ، (وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ فِيهِ اسْتِلَامٌ، وَلَا تَقْبِيلٌ) ، وَلَا سُجُودٌ (إلَّا عِنْدَ خُلُوِّ الْمَطَافِ) لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لِضَرَرِهِنَّ وَضَرَرِ الرِّجَالِ بِهِنَّ وَمِثْلُهُنَّ الْخَنَاثَى وَجَمِيعُ مَا تَقَرَّرَ لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي هَذَا الْبَابِ يَأْتِي لِمَوْضِعِهِ لَوْ قُلِعَ مِنْهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ.
(الْخَامِسَةُ الدُّعَاءُ الْمَأْثُورُ) أَيْ الْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (فِيهِ) أَيْ فِي الطَّوَافِ قَالَ الْأَصْحَابُ فَيَقُولُ عِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ وَالْأُولَى آكَدُ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إيمَانًا بِك وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُبَالَةَ الْبَابِ: اللَّهُمَّ الْبَيْتُ بَيْتُك وَالْحَرَمُ حَرَمُك وَالْأَمْنُ أَمْنُك، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِك مِنْ النَّارِ وَيُشِيرُ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَعِنْدَ الِانْتِهَاءِ إلَى الرُّكْنِ الْعِرَاقِيِّ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الشَّكِّ وَالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ وَالشِّقَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ وَعِنْدَ الِانْتِهَاءِ إلَى تَحْتِ الْمِيزَانِ اللَّهُمَّ أَظِلَّنِي فِي ظِلِّك يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّك وَاسْقِنِي بِكَأْسِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرَابًا هَنِيئًا لَا أَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَبَيْنَ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ وَالْيَمَانِيِّ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا وَعَمَلًا مَقْبُولًا وَتِجَارَةً لَنْ تَبُورَ أَيْ، وَاجْعَلْ ذَنْبِي ذَنْبًا مَغْفُورًا وَقِيسَ بِهِ الْبَاقِيَ وَالْمُنَاسِبُ لِلْمُعْتَمِرِ أَنْ يَقُولَ عُمْرَةً مَبْرُورَةً، وَيُحْتَمَلُ اسْتِحْبَابُ التَّعْبِيرِ بِالْحَجِّ مُرَاعَاةً لِلْخَبَرِ وَيَقْصِدُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ.
وَهُوَ الْقَصْدُ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الدُّعَاءِ الْآتِي فِي الرَّمَلِ مَحَلُّ الدُّعَاءِ بِهَذَا إذَا كَانَ الطَّوَافُ فِي ضِمْنِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَبَيْنَ الْيَمَانِيَّيْنِ: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ مِنْ الْخَيْرِ فِي جَمِيعِ طَوَافِهِ فَهُوَ سُنَّةٌ، مَأْثُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ الْمَأْثُورُ أَفْضَلَ (وَهُوَ) أَيْ الدُّعَاءُ الْمَأْثُورُ (لَا غَيْرُهُ أَفْضَلُ فِيهِ) أَيْ فِي الطَّوَافِ (مِنْ الْقِرَاءَةِ) لِلِاتِّبَاعِ أَمَّا غَيْرُ الْمَأْثُورِ فَالْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ ذِكْرٍ، وَالْقُرْآنُ أَفْضَلُهُ وَلِأَنَّ الشَّرْعَ شَبَّهَ الطَّوَافَ بِالصَّلَاةِ، وَالْقِرَاءَةُ أَخَصُّ بِهَا وَلِخَبَرِ «يَقُولُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «أَحَبُّ الْكَلَامِ إلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ اللَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهَا بَدَأْتَ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَحَبُّهُ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، أَوْ لِأَنَّ مُفْرَدَاتُهَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْمَأْثُورِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ: اللَّهُمَّ قَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ وَاخْلُفْ عَلَى كُلِّ غَائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ» .
وَمَا رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَالذُّلِّ وَمَوَاقِفِ الْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِسْرَارُ بِالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ أَجْمَعُ لِلْخُشُوعِ.
(السَّادِسَةُ الرَّمَلُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ (لِلذِّكْرِ) ، وَلَوْ صَبِيًّا بِخِلَافِ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى حَذَرًا مِنْ تَكَشُّفِهِمَا (وَيُسَمَّى) الرَّمَلُ (الْخَبَبُ، وَهُوَ خُطًا مُتَقَارِبَةٌ بِسُرْعَةٍ لَا عَدْوَ) فِيهِ (وَ) لَا (وَثْبَ) وَيَكُونُ (فِي) الْأَطْوَافِ (الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ) مُسْتَوْعِبًا بِهِ الْبَيْتَ وَعَطَفَ عَلَى الرَّمَلِ قَوْلُهُ (وَالْمَشْيُ) أَيْ عَلَى الْهِينَةِ (فِي الْأَرْبَعَةِ) الْبَاقِيَةِ رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا» وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْهُ قَالَ «رَمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعَةً» . لَكِنَّهُ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ الْحُمَّى حُمَّى يَثْرِبَ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ وَهَنَتْهُمْ الْحُمَّى فَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا أَرْبَعًا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَيُشِيرُ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ) كَذَا ذَكَرَهُ الْجُوَيْنِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ يُشِيرُ بِهَذَا إلَى نَفْسِهِ أَيْ هَذَا مَقَامُ الْمُلْتَجِئِ الْمُسْتَعِيذِ بِك مِنْ النَّارِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهَذَا أَحْسَنُ وَنَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مَنَاسِكِهِ مَا قَالَهُ الْجُوَيْنِيُّ عَنْ بَعْضِ مُصَنِّفِي الْمَنَاسِكِ ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى) ، وَلَوْ لَيْلًا فِي خَلْوَةٍ (قَوْلُهُ وَيُسَمَّى الرَّمَلُ الْخَبَبُ) وَمَنْ قَالَ إنَّهُ دُونَ الْخَبَبِ فَقَدْ غَلِطَ (قَوْلُهُ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ إلَخْ) فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى مَا قَالُوهُ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ» وَأَجَابَ عَنْهُ الْأَصْحَابُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّهُ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ سَنَةَ سَبْعٍ وَالْأَوَّلُ فِي حِجَّةَ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى لِتَأَخُّرِهِ وَإِنَّمَا شُرِعَ الرَّمَلُ مَعَ زَوَالِ سَبَبِهِ، وَهُوَ إظْهَارُ الْقُوَّةِ لِلْكُفَّارِ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ يَسْتَحْضِرُ بِهِ سَبَبَ ذَلِكَ، وَهُوَ ظُهُورُ أَمْرِهِمْ فَيَتَذَكَّرُ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْإِسْرَاعِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ كَمَا مَرَّ.
وَآكَدُهُ فِي رَمَلِهِ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ عِنْدَ مُحَاذَاةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَفِي مَشْيِهِ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزَ عَمَّا تَعْلَمُ إنَّك أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (وَإِنَّمَا يُسَنُّ) الرَّمَلُ (فِي طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ) مَطْلُوبٌ (فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَإِنْ كَانَ مَكِّيًّا) لِلِاتِّبَاعِ وَلِانْتِهَائِهِ فِيهِ إلَى تَوَاصُلِ الْحَرَكَاتِ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ فَإِنْ رَمَلَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَسَعَى بَعْدَهُ لَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الرُّكْنِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ بَعْدَهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ مَطْلُوبٍ وَلَا رَمَلَ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ لِذَلِكَ (وَالرَّمَلُ لَا يُقْضَى) فَلَوْ تَرَكَهُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ لَا يَقْضِيهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّ هَيْئَتَهَا الْهِينَةُ فَلَا تُغَيَّرَ كَالْجَهْرِ لَا يُقْضَى فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ مَعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الثَّانِيَةِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ لَوْ تَرَكَهُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَاَلَّذِي سَعَى بَعْدَهُ لَا يَقْضِيهِ فِي طَوَافِ الرُّكْنِ إذْ السَّعْيُ بَعْدَهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ مَطْلُوبٍ.
(فَرْعٌ الْقُرْبُ مِنْ الْبَيْتِ مُسْتَحَبٌّ) لِلطَّائِفِ تَبَرُّكًا بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَلِأَنَّهُ أَيْسَرُ فِي الِاسْتِلَامِ وَالتَّقْبِيلِ نَعَمْ إنْ تَأَذَّى بِالزِّحَامِ أَوْ آذَى غَيْرَهُ فَالْبُعْدُ أُولَى قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ كَذَا أَطْلَقُوهُ وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إلَّا فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ أَوْ أَخِرِهِ فَأُحِبُّ لَهُ الِاسْتِلَامَ، وَلَوْ بِالزِّحَامِ.
انْتَهَى، وَقَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ وَالْأَخِيرِ التَّأَذِّي وَالْإِيذَاءُ بِالزِّحَامِ، وَهُوَ مَا فَهِمَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ وَلَيْسَ مُرَادًا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ غَلَطٌ قَبِيحٌ وَحَاصِلُ نَصِّ الْأُمِّ أَنَّهُ يَتَوَقَّى التَّأَذِّي وَالْإِيذَاءَ بِالزِّحَامِ مُطْلَقًا وَيَتَوَقَّى الزِّحَامَ الْخَالِي عَنْهُمَا إلَّا فِي الِابْتِدَاءِ وَالْأَخِيرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِي مَعَ الْقُرْبِ الِاحْتِيَاطَ فَقَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالِاحْتِيَاطُ الْإِبْعَادُ عَنْ الْبَيْتِ بِقَدْرِ ذِرَاعٍ وَالْكَرْمَانِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ بِقَدْرِ ثَلَاثِ خُطُوَاتٍ لِيَأْمَنَ الطَّوَافَ عَلَى الشَّاذَرْوَانِ هَذَا كُلُّهُ لِلذَّكَرِ، أَمَّا الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى فَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَا فِي حَالِ طَوَافِ الذُّكُورِ بَلْ يَكُونَانِ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ بِحَيْثُ لَا يُخَالِطَانِ الذُّكُورَ (فَإِنْ تَعَذَّرَ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْقُرْبِ (الرَّمَلُ) لِزَحْمَةٍ، وَلَمْ يَرْجُ فُرْجَةً (تَبَاعَدَ) وَرَمَلَ؛ لِأَنَّ الرَّمَلَ شِعَارٌ مُسْتَقِلٌّ وَلِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ، وَالْقُرْبُ مُتَعَلِّقٌ بِمَكَانِهَا وَالْمُتَعَلِّقُ بِنَفْسِهَا أَوْلَى بِدَلِيلِ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ أَوْلَى مِنْ الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْمُتَّجَهُ الْبُعْدُ الْمُوجِبُ لِلطَّوَافِ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ، وَالْمَقَامُ مَكْرُوهٌ، وَتَرْكُ الرَّمَلِ أَوْلَى مِنْ ارْتِكَابِهِ هَذَا (إنْ لَمْ يَخْشَ مُلَامَسَةَ النِّسَاءِ) مَعَ التَّبَاعُدِ (فَإِنْ خَشِيَهَا) (تَرَكَهُ) أَيْ التَّبَاعُدَ وَالرَّمَلَ فَالْقُرْبُ حِينَئِذٍ بِلَا رَمَلٍ أَوْلَى تَحَرُّزًا عَنْ مُلَامَسَتِهِنَّ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِالْقُرْبِ أَيْضًا نِسَاءٌ، وَتَعَذَّرَ الرَّمَلُ فِي جَمِيعِ الْمَطَافِ لِخَوْفِ الْمُلَامَسَةِ فَتَرْكُ الرَّمَلِ أَوْلَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ، أَمَّا إذَا رَجَا فُرْجَةً فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقِفَ لِيَرْمُلَ إنْ لَمْ يُؤْذِ بِوُقُوفِهِ أَحَدًا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ (وَيَتَحَرَّكُ) نَدْبًا (فِي مَشْيِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّمَلِ وَالسَّعْيِ) الشَّدِيدِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَرَى مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ الرَّمَلُ وَالسَّعْيُ رَمَلَ وَسَعَى تَشَبُّهًا بِمَنْ يَرْمُلُ وَيَسْعَى (وَيَرْمُلُ الْحَامِلُ) بِمَحْمُولِهِ نَدْبًا (وَيُحَرِّكُ الْمَحْمُولُ دَابَّتَهُ) كَذَلِكَ لِمَا قُلْنَا.
(السَّابِعَةُ الِاضْطِبَاعُ) مِنْ الضَّبُعِ بِإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ الْعَضُدُ (وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَيَكْشِفَهُ) كَدَأْبِ أَهْلِ الشَّطَارَةِ (وَ) يَجْعَلَ (طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَهُوَ لِلذَّكَرِ) لَا لِلْأُنْثَى وَالْخُنْثَى (سُنَّةٌ فِي طَوَافٍ فِيهِ رَمَلٌ وَفِي السَّعْيِ) بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (أَيْضًا) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ وَجَعَلُوا أَرْدَيْتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَقِيسَ بِالطَّوَافِ السَّعْيُ بِجَامِعِ قَطْعِ مَسَافَةٍ مَأْمُورٍ بِتَكْرَارِهَا سَبْعًا وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ وَخَرَجَ بِمَا قَالَهُ الطَّوَافُ الَّذِي لَا رَمَلَ فِيهِ وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ الْمُصَرَّحِ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ (لَا) فِي (رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ اضْطِبَاعٌ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ فِيهِ وَلِكَرَاهَةِ الِاضْطِبَاعِ فِي الصَّلَاةِ فَيُزِيلُهُ عِنْدَ إرَادَتِهِمَا وَيُعِيدُهُ عِنْدَ إرَادَةِ السَّعْيِ
(الثَّامِنَةُ رَكْعَتَانِ عَقِبَ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يُسَنُّ فِي طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ إلَخْ) لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا وَمَشَوْا أَرْبَعًا» .
(قَوْلُهُ وَحَاصِلُ نَصِّ الْأُمِّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْكَرْمَانِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ) وَالزَّعْفَرَانِيُّ
الطَّوَافُ) يَقْرَأُ فِيهِمَا سُورَتَيْ الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ فِي غَيْرِ الْقِرَاءَةِ الشَّيْخَانِ وَفِيهَا مُسْلِمٌ وَلِمَا فِي قِرَاءَةِ السُّورَتَيْنِ مِنْ الْإِخْلَاصِ الْمُنَاسِبِ لِمَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ ثَمَّ (وَلَا تَجِبَانِ) لِخَبَرِ «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (فَتُجْزِئُ عَنْهُمَا الْفَرِيضَةُ) وَالرَّاتِبَةُ كَمَا فِي التَّحِيَّةِ (وَفِعْلُهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ أَفْضَلُ، ثُمَّ فِي الْحِجْرِ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ تَحْتَ الْمِيزَابِ (ثُمَّ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ حَيْثُ شَاءَ) مِنْ الْأَمْكِنَةِ (مَتَى شَاءَ) مِنْ الْأَزْمِنَةِ، وَلَا تَفُوتَانِ إلَّا بِمَوْتِهِ وَاعْتَرَضَ الْإِسْنَوِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحَرَمِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ كَمَا فِي تَحْرِيرِ الْجُرْجَانِيِّ، ثُمَّ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِيمَا شَاءَ مِنْ غَيْرِهِ.
انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ تُوَافِقُهُ قَالَ أَعْنِي الْإِسْنَوِيَّ، ثُمَّ إنَّ الصَّلَاةَ إلَى وَجْهِ الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَيَنْبَغِي مُرَاعَاةُ ذَلِكَ أَيْضًا وَالتَّرْتِيبُ الْمَذْكُورُ سُنَّةٌ لَا وَاجِبٌ فَلَوْ صَلَّاهُمَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ أَجْزَأَهُ وَيُنْدَبُ أَنْ يَدْعُوَ عَقِبَ صَلَاتِهِ هَذِهِ هَذِهِ خَلْفَ الْمَقَامِ بِمَا أَحَبَّ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَنْ يَدْعُوَ بِمَا دَعَا بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُنَاكَ مِنْ قَوْلِهِ «اللَّهُمَّ هَذَا بَلَدُك وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَبَيْتُك الْحَرَامُ وَأَنَا عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك ابْنِ أَمَتِك أَتَيْتُك بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ وَخَطَايَا جَمَّةٍ وَأَعْمَالٍ سَيِّئَةٍ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِك مِنْ النَّارِ فَاغْفِرْ لِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ اللَّهُمَّ إنَّك دَعَوْت عِبَادَك إلَى بَيْتِك الْحَرَامِ، وَقَدْ جِئْت طَالِبًا رَحْمَتَك مُبْتَغِيًا رِضْوَانَك وَأَنْتَ مَنَنْت عَلَيَّ بِذَلِكَ فَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيُكْرَهُ لَهُ فِي طَوَافِهِ الْأَكْلُ وَالشَّرَابُ وَكَرَاهَةُ الشُّرْبِ أَخَفُّ وَوَضْعُ الْيَدِ بِفِيهِ بِلَا حَاجَةٍ وَأَنْ يُشَبِّكَ أَصَابِعَهُ أَوْ يُفَرْقِعَهَا وَأَنْ يَطُوفَ بِمَا يَشْغَلُهُ كَالْحَقْنِ وَشِدَّةِ تَوْقِ الْأَكْلِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ طَافَتْ مُنْتَقِبَةً، وَهِيَ غَيْرُ مُحْرِمَةٍ كُرِهَ، وَلَا يُكْرَهُ الْكَلَامُ فِيهِ وَتَرْكُهُ أَوْلَى إلَّا بِخَيْرٍ كَتَعْلِيمٍ وَلْيَكُنْ بِحُضُورِ قَلْبٍ وَلُزُومِ أَدَبٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَلَوْ قَرَأَ فِيهِ آيَةَ سَجْدَةٍ سَجَدَ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةِ " ص " فَهَلْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ الطَّوَافَ وَيَسْجُدَ أَوْ لَا فِيهِ نَظَرٌ الظَّاهِرُ لَا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ بَلْ أَوْلَى.
(وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّاهُمَا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ إرَاقَةُ دَمٍ) لِتَأْخِيرِهِمَا إلَيْهِ عَنْ الْحَرَمِ لَمْ يُقَيِّدْ الْأَصْلُ بِصَلَاتِهَا، وَلَا بِغَيْرِ الْحَرَمِ بَلْ قَالَ إذَا أَخَّرَ يُسْتَحَبُّ لَهُ إرَاقَة دَمٍ (وَيَجْهَرُ) نَدْبًا بِالْقِرَاءَةِ (بِهِمَا) أَيْ فِيهِمَا (لَيْلًا لَا نَهَارًا) كَالْكُسُوفِ وَغَيْرِهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ شَعَائِرِ النُّسُكِ، وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِمَا ذَكَرُوهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي النَّافِلَةِ الْمَفْعُولَةِ لَيْلًا أَنْ يَتَوَسَّطَ فِيهَا بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ مَحَلُّهُ فِي النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ كَمَا مَرَّ ثَمَّ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ كَاللَّيْلِ وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّهَارِ فَيَجْهَرُ فِيهِ كَمَا مَرَّ ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَيُصَلِّيهِمَا) الْأَجِيرُ (عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ) وَالْوَلِيُّ عَنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ كَمَا سَيَأْتِي قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمُمَيِّزَ يُصَلِّيهِمَا وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ عَلَى الصَّحِيحِ فَمَا أَطْلَقُوهُ هُنَا مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَأْجِرُ مَغْصُوبًا، وَإِلَّا فَيُصَلِّيهِمَا الْمُسْتَأْجِرُ فِي بَلَدِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُحْرِمَ ثَمَّ فِي الْحَقِيقَةِ الصَّبِيُّ لَا الْوَلِيُّ كَمَا سَيَأْتِي وَهُنَا الْأَجِيرُ لَا الْمُسْتَأْجِرُ (وَلَوْ وَالَى بَيْنَ أَسَابِيعَ) طَوَافَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ (ثُمَّ) وَالَى (بَيْنَ رَكَعَاتِهَا) لِكُلِّ طَوَافٍ رَكْعَتَيْهِ (جَازَ) بِلَا كَرَاهَةٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ قَالَ وَرَوَوْهُ عَنْ عَائِشَةَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ (وَالْأَفْضَلُ خِلَافُهُ) بِأَنْ يُصَلِّيَ عَقِبَ كُلِّ طَوَافٍ رَكْعَتَيْهِ.
(فَرْعٌ مَنْ عَلَيْهِ طَوَافُ إفَاضَةٍ أَوْ نَذْرٍ، وَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ) زَمَنُهُ وَدَخَلَ وَقْتُ مَا عَلَيْهِ (فَنَوَى غَيْرَهُ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ عَنْ نَفْسِهِ) تَطَوُّعًا أَوْ قُدُومًا أَوْ وَدَاعًا (وَقَعَ عَنْ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ أَوْ النَّذْرِ) كَمَا فِي وَاجِبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
(فَصْلٌ، ثُمَّ يَعُودُ) نَدْبًا (بَعْدَ) فَرَاغِ (رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِيَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ مَا ابْتَدَأَ بِهِ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ حِينَئِذٍ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ، وَلَا السُّجُودِ عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَعَلَّ سَبَبَهُ الْمُبَادَرَةُ لِلسَّعْيِ.
انْتَهَى وَالظَّاهِرُ سَنُّ ذَلِكَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ تُشِيرُ إلَيْهِ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي التَّقْبِيلِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَنَّهُ يَأْتِي الْمُلْتَزَمَ وَالْمِيزَابَ بَعْدَ اسْتِلَامِهِ وَيَدْعُو شَاذٌّ، (ثُمَّ يَخْرُجُ لِلسَّعْيِ مِنْ بَابِ الصَّفَا) نَدْبًا لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ -
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ فَتُجْزِئُ عَنْهُمَا الْفَرِيضَةُ وَالرَّاتِبَةُ إلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي إيضَاحِهِ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَفِعْلُهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ أَفْضَلُ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَأَشْعَرَ كَلَامُهُمَا بِتَفْضِيلِ فِعْلِهِمَا خَلْفَ الْمَقَامِ عَلَى فِعْلِهِمَا فِي الْكَعْبَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ، وَقَدْ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ الصَّلَاةِ بِأَنَّ فِعْلَ النَّافِلَةِ فِي الْكَعْبَةِ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ثُمَّ إنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ الْبَيْتِ إلَى وَجْهِهِ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
اهـ قَالَ فِي التَّوَسُّطِ وَعَجِيبٌ قَوْلُهُ وَأَشْعَرَ كَلَامُهُمَا بِتَفْضِيلِ فِعْلِهَا خَلْفَ الْمَقَامِ وَقَوْلُهُ إنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ أَعْجَبُ مَعَ وُرُودِ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ حَجِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَا أَحْسَبُ فِي أَفْضَلِيَّةِ فِعْلِهِمَا خَلْفَ الْمَقَامِ خِلَافًا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ إجْمَاعٌ يُتَوَارَثُ لَا شَكَّ فِيهِ بَلْ ذَهَبَ النَّوَوِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُمَا إلَّا خَلْفَ الْمَقَامِ لِلْآيَةِ وَلِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ وَرَأَيْت فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَقَالَ مَالِكٌ رَكْعَتَا الطَّوَافِ يَخْتَصُّ أَدَاؤُهُمَا بِمَا خَلْفَ الْمَقَامِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ بِالْحِجْرِ.
اهـ (قَوْلُهُ وَيَجْهَرُ بِهِمَا لَيْلًا إلَخْ) لَوْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَتَأَذَّى بِالْجَهْرِ كَانَ السِّرُّ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ وَقَعَ عَنْ الْإِفَاضَةِ أَوْ النَّذْرِ) لَا عَنْ غَيْرِهِمَا مِمَّا نَوَاهُ
[فَصَلِّ يَعُودُ نَدْبًا بَعْدَ فَرَاغِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ]
(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ سَنُّ ذَلِكَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي التَّقْبِيلِ) وَكَذَلِكَ فِي الذَّخَائِرِ وَجَرَى عَلَيْهِ الدَّمِيرِيِّ وَعِبَارَةُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْحَجَرِ فَيُقَبِّلُهُ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ وَيَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا الْأَذْرَعِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرُوا عَلَى ذِكْرِ الِاسْتِلَامِ اكْتِفَاءً بِمَا بَيَّنُوهُ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ (قَوْلُهُ لِلِاتِّبَاعِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ» .
(فَيَرْقَى قَدْرَ قَامَةٍ) لِإِنْسَانٍ (عَلَى الصَّفَا وَيُشَاهِدُ الْبَيْتَ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ وَأَنَّهُ فَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا» وَالرُّقِيُّ هُنَا وَفِي الْمَرْوَةِ مَحَلُّهُ فِي الذَّكَرِ بِخِلَافِ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ فُصِّلَ فِيهِمَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَا بِخَلْوَةِ أَوْ بِحَضْرَةِ مَحَارِمَ وَأَنْ لَا يَكُونَا كَمَا قِيلَ بِهِ فِي جَهْرِ الصَّلَاةِ لَمْ يَبْعُدْ (وَيُكَرِّرُ) بَعْدَ اسْتِقْبَالِهِ الْبَيْتَ (الذِّكْرَ الْمَأْثُورَ ثَلَاثًا) ، وَهُوَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلَانَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدُهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (وَيَدْعُو) بِمَا أَحَبَّ (بَعْدَ كُلٍّ مِنْ) الْمَرَّتَيْنِ (الْأُولَتَيْنِ، وَكَذَا بَعْدَ الثَّالِثَةِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُطِيلُ الدُّعَاءَ هُنَاكَ وَاسْتَحَبُّوا مِنْ دُعَائِهِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنَّك قُلْت اُدْعُونِي اسْتَجِبْ لَكُمْ وَأَنْتَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَإِنِّي أَسْأَلُك كَمَا هَدَيْتنِي لِلْإِسْلَامِ أَنْ لَا تَنْزِعَهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي وَأَنَا مُسْلِمٌ وَلْيَكُنْ مِنْهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا بِدِينِك وَطَوَاعِيَتِك وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِك وَجَنِّبْنَا حُدُودَك اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا نُحِبُّكَ وَنُحِبُّ مَلَائِكَتَك وَأَنْبِيَاءَك وَرُسُلَك وَنُحِبُّ عِبَادَك الصَّالِحِينَ اللَّهُمَّ يَسِّرْنَا لِلْيُسْرَى وَجَنِّبْنَا الْعُسْرَى وَاغْفِرْ لَنَا فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى وَاجْعَلْنَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ.
(ثُمَّ يَنْزِلُ مِنْ الصَّفَا وَيَمْشِي) عَلَى هِينَتِهِ (حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْمِيلِ الْأَخْضَرِ الْمُعَلَّقِ بِالْمَسْجِدِ) أَيْ بِجِدَارِهِ (قَدْرَ سِتَّةِ أَذْرُعٍ فَيَسْعَى الذَّكَرُ) لَا الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَلَوْ بِخَلْوَةٍ وَلَيْلٍ (جَهْدَهُ) بِأَنْ يُسْرِعَ فَوْقَ الرَّمَلَ (فَإِنْ عَجَزَ تَشَبَّهَ) بِالْمُسْرِعِ، وَهَذَا قَدَّمَهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّمَلِ وَيَسْتَمِرُّ كَذَلِكَ (حَتَّى يُحَاذِيَ) أَيْ يُقَابِلَ (الْمِيلَيْنِ) الْأَخْضَرَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا بِجِدَارِ الْمَسْجِدِ وَالْآخَرُ مُقَابِلُهُ بِدَارِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَدَارِ الْعَبَّاسِ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ بَيْنَهُمَا لِمَا فِي خَبَرِ جَابِرٍ مِنْ قَوْلِهِ «، ثُمَّ نَزَلَ يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إذَا صَعِدَتَا مَشَى إلَى الْمَرْوَةِ» (قَائِلًا) فِي سَعْيِهِ (الذِّكْرَ) الْمُنَاسِبَ لِلْأَصْلِ وَغَيْرِهِ الدُّعَاءَ (الْمَأْثُورَ) ، وَهُوَ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ إنَّك أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَالْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَالْمُنَاسِبُ أَيْضًا تَأْخِيرُ قَائِلًا إلَى آخِرِهِ عَمَّا يَأْتِي عَقِبَهُ لِئَلَّا يُوهِمَ تَقْيِيدَهُ بِالْإِسْرَاعِ (ثُمَّ يَمْشِي) عَلَى هِينَتِهِ (حَتَّى يَصْعَدَ قَامَةً فِي الْمَرْوَةِ وَيُعِيدَ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ) مُسْتَقْبِلًا الْبَيْتَ كَمَا مَرَّ فِي الصَّفَا (هَذِهِ) الْفِعْلَةُ وَهِيَ الْمُرُورُ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (مَرَّةً) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمَرْوَةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّفَا؛ لِأَنَّهَا مُرُورُ الْحَاجِّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَالصَّفَا مُرُورُهُ ثَلَاثًا، وَالْبُدَاءَةُ بِالصَّفَا وَسِيلَةٌ إلَى اسْتِقْبَالِهَا قَالَ وَالطَّوَافُ أَفْضَلُ أَرْكَانُ الْحَجِّ حَتَّى الْوُقُوفِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ أَفْضَلُهَا الْوُقُوفُ لِخَبَرِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» وَلِهَذَا لَا يَفُوتُ الْحَجُّ إلَّا بِفَوَاتِهِ، وَلَمْ يَرِدْ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ فِي شَيْءِ مَا وَرَدَ فِي الْوُقُوفِ فَالصَّوَابُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَرْكَانِ وَالْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِتَصْرِيحِ الْأَصْحَابِ بِأَنَّ الطَّوَافَ قُرْبَةٌ فِي نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْوُقُوفِ
(وَالرُّقِيُّ) عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (وَالذِّكْرُ) فِيهِمَا الدُّعَاءُ (وَالْإِسْرَاعُ) فِيمَا مَرَّ (وَعَدَمُهُ) فِي غَيْرِهِ (سُنَّةٌ) فَلَا يَضُرُّ تَرْكُهَا (وَكَذَا الْمُوَالَاةُ فِيهِ) أَيْ فِي السَّعْيِ (وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ فَيَجُوزُ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومُ) وَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ طَوِيلٌ (مَا لَمْ يَقِفْ) بِعَرَفَةَ فَإِنْ وَقَفَ بِهَا لَمْ يَجُزْ السَّعْيُ إلَّا بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِدُخُولِ وَقْتِ طَوَافِ الْفَرْضِ فَلَمْ يَحُزْ أَنْ يَسْعَى بَعْدَ طَوَافَ نَفْلٍ مَعَ إمْكَانِهِ بَعْدَ طَوَافِ فَرْضٍ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيُكْرَهُ لِلسَّاعِي أَنْ يَقِفَ فِي سَعْيِهِ لِحَدِيثٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(فَرْعٌ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ السَّعْيُ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ) بِشَرْطِهِ السَّابِقِ (أَوْ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ وَ) إذَا سَعَى، وَلَوْ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ (تُكْرَهُ إعَادَتُهُ) وَلَوْ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهَا بِدْعَةٌ نَعَمْ يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ بِعَرَفَةَ إعَادَتُهُ كَمَا سَيَأْتِي (فَإِنْ أَخَّرَهُ إلَى مَا بَعْدَ) طَوَافِ (الْوَدَاعِ لَمْ يُعْتَدَّ بِوَدَاعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤْتَى
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ قَالَ وَالطَّوَافُ أَفْضَلُ أَرْكَانِ الْحَجِّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا هَذَا وَالْأَوْجَهُ أَنَّ أَفْضَلَ الْأَرْكَانِ الطَّوَافُ ثُمَّ الْوُقُوفُ ثُمَّ السَّعْيُ ثُمَّ الْحَلْقُ أَمَّا النِّيَّةُ فَهِيَ وَسِيلَةٌ لِلْعِبَادَةِ وَإِنْ كَانَتْ رُكْنًا كَاتَبَهُ.
(قَوْلُهُ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ الْإِفَاضَةِ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّعْيُ إلَّا بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ الْإِفَاضَةِ وَقَالَ فِي الْقُوتِ الْمَشْهُورِ انْحِصَارُ السَّعْيِ فِيمَا بَعْدَ الطَّوَافَيْنِ (قَوْلُهُ وَتُكْرَهُ إعَادَتُهُ إلَخْ) قَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَجْمُوعِ إنَّهَا خِلَافُ الْأَوْلَى وَنَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ ثُمَّ حَكَى فِيهِ فِي الْإِفَاضَةِ وَمِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ الْكَرَاهَةُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَجَزَمَ بِهَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَالْإِيضَاحِ (قَوْلُهُ نَعَمْ يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ) وَالرَّقِيقِ إذَا عَتَقَ (تَنْبِيهٌ) الْقَارِنُ يُسْتَحَبُّ لَهُ طَوَافَانِ وَسَعَيَانِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَوْ شَكَّ فِي شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ الْأَوَّلِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْ شُرُوطِ السَّعْيِ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يُعِيدُهُ لَكِنْ هَلْ يَجِبُ ذَلِكَ كَمَا إذَا شَكَّ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فِي أَثْنَائِهَا أَمْ لَا كَمَا إذَا شَكَّ فِي ذَلِكَ بَعْدَ السَّلَامِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَوْ يُفَرِّقُ هُنَا بَيْنَ أَنْ يَطْرَأَ الشَّكُّ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهُ لَمْ يَحْضُرْنِي فِيهِ مَسْطُورٌ، وَلَمْ أَتَطَلَّبْهُ، وَالْقِيَاسُ الِاحْتِمَالُ الثَّالِثُ بَلْ هُوَ الصَّوَابُ وَقَالَ الْغَزِّيِّ إنَّهُ الْأَقْرَبُ (قَوْلُهُ فَإِنْ أَخَّرَهُ إلَى مَا بَعْدَ الْوَدَاعِ إلَخْ) قَالَ فِي التَّوَسُّطِ إنَّمَا أَرَادَ الشَّيْخَانِ طَوَافَ الْوَدَاعِ الْمَشْرُوعِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمَنَاسِكِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِهِمَا لَا كُلُّ وَدَاعٍ قَالَ شَيْخُنَا وَأَمَّا طَوَافُ النَّفْلِ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ بِالْحَجِّ ثُمَّ تَنَفَّلَ بِالطَّوَافِ وَأَرَادَ السَّعْيَ بَعْدَهُ فَصَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِعَدَمِ إجْزَائِهِ لَكِنْ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ شَارِحُ التَّنْبِيهِ فِيهِ بِالْإِجْزَاءِ يُوَافِقُهُ قَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَقَعَ بَعْدَ طَوَافِهِ، وَلَوْ نَقْلًا إلَّا طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَعِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَالْبَسِيطِ وَغَيْرِهِمَا أَنْ يَقَعَ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ إمَّا فَرْضٌ
بِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَاذَا بَقِيَ السَّعْيُ لَمْ يَكُنْ الْمَأْتِيُّ بِهِ طَوَافَ وَدَاعٍ نَعَمْ إنْ بَلَغَ قَبْلَ سَعْيِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَقَالَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ قَائِلٌ اعْتَدَّ بِهِ نَدْبًا وَقَائِلٌ وُجُوبًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ مَنْ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا وَالْأَوْجَهُ الْمُوَافِقُ لِلْمَنْقُولِ خِلَافُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِهِ الْمُحْرِمُ لِمَا سَتَعْلَمُهُ عِنْدَ أَمْرِ الْمُتَمَتِّعِينَ بِهِ
(وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَعَ خَبَرِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَخَبَرِ «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» (فَإِنْ عَكَسَ) بِأَنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ (لَمْ يُحْسَبْ) مُرُورُهُ مِنْهَا إلَى الصَّفَا (مَرَّةً وَأَنْ يَبْدَأَ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ الْمَرْوَةِ) فَلَوْ وَصَلَهَا وَتَرَكَ الْعَوْدَ فِي طَرِيقِهِ وَعَدَلَ إلَى الْمَسْجِدِ وَابْتَدَأَ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الصَّفَا أَيْضًا لَمْ يَصِحَّ (وَيُسْتَحَبُّ الْعَوْدُ) مِنْهَا إلَى الصَّفَا مَرَّةً (أُخْرَى، وَهُوَ) أَيْ السَّعْيُ (سَبْعُ مَرَّاتٍ يُلْصِقُ) بِضَمِّ الْيَاءِ (عَقِبَهُ بِمَا يَذْهَبُ عَنْهُ وَأَصَابِعَ قَدَمَيْهِ بِمَا يَذْهَبُ إلَيْهِ) مِنْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا سَيَّرَ دَابَّتَهُ حَتَّى تُلْصِقَ حَافِرَهَا بِذَلِكَ (وَلَيْسَتْ الطَّهَارَةُ وَالسَّتْرُ شَرْطًا فِيهِ) أَيْ فِي السَّعْيِ بَلْ سُنَّةٌ (وَالسَّعْيُ رَاجِلًا فِي خُلُوِّ الْمَسْعَى) عَنْ النَّاسِ (أَفْضَلُ) مِنْهُ رَاكِبًا وَغَيْرَ خَالٍ بِلَا عُذْرٍ
(فَرْعٌ مَنْ شَكَّ) فِي عَدَدِ الطَّوَافِ أَوْ السَّعْيِ قَبْلَ فَرَاغِهِ (أَخَذَ بِالْأَقَلِّ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ (وَيَعْمَلُ فِي ذَلِكَ بِاعْتِقَادِهِ لَا بِخَبَرِ غَيْرِهِ) فَلَوْ اعْتَقَدَ إتْمَامَهَا فَأَخْبَرَهُ ثِقَةٌ فَأَكْثَرُ بِبَقَاءِ شَيْءٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْيَانُ بِهِ (وَ) لَكِنَّ (الِاحْتِيَاطَ أَوْلَى) لِيَخْرُجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ (وَالسَّعْيُ رُكْنٌ لَا يُتَحَلَّلُ بِدُونِهِ) ، وَلَا يُجْبَرُ بِدَمٍ.
[فَصَلِّ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْحَجِيجِ الْحَجَّ]
(فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْحَجِيجِ) الْحَجَّ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ إذَا لَمْ يَحْضُرْ أَنْ يُنَصِّبَ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ يُطِيعُونَهُ فِيمَا يَنُوبُهُمْ فَقَدْ «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ وَفِي التَّاسِعَةِ أَبَا بَكْرٍ وَفِي الْعَاشِرَةِ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفْسِهِ حِجَّةَ الْوَدَاعِ» وَإِذَا حَضَرَ أَحَدُهُمَا خَطَبَ كَمَا قَالَ (فَيَخْطُبُ هُوَ أَوْ مَنْصُوبُهُ) بِهِمْ (يَوْمَ السَّابِعِ) وَيُسَمَّى يَوْمَ الزِّينَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُزَيِّنُونَ فِيهِ حَوَامِلَهُمْ وَهَوَادِجَهُمْ لِلْخُرُوجِ (بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ الْجُمُعَةِ) إنْ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ (بِمَكَّةَ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ (خُطْبَةً وَاحِدَةً) وَأُفْرِدَتْ عَنْ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا التَّأْخِيرُ عَنْ الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَا التَّعْلِيمُ لَا الْوَعْظُ وَالتَّخْوِيفُ فَلَمْ تُشَارِكْ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ خُطْبَةِ الْكُسُوفِ (يَأْمُرهُمْ فِيهَا بِالْعَدْوِ إلَى مِنًى) بِالصَّرْفِ وَعَدَمِهِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يُمْنَى فِيهِمَا مِنْ الدِّمَاءِ أَيْ يُرَاقُ، وَيَفْتَحُ الْخُطْبَةَ بِالتَّلْبِيَةِ إنْ كَانَ مُحْرِمًا وَإِلَّا فَبِالتَّكْبِيرِ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَأَقَرَّهُ (يُعَلِّمُهُمْ) فِيهَا (الْمَنَاسِكَ) «قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ خَطَبَ النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَنَاسِكِهِمْ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
فَإِنْ كَانَ فَقِيهًا قَالَ هَلْ مِنْ سَائِلٍ وَقَدَّمْتُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَنَّ خُطَبَ الْحَجِّ أَرْبَعٌ هَذِهِ وَخُطَبُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ النَّحْرِ وَيَوْمِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ، وَكُلُّهَا فُرَادَى وَبَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ فَثِنْتَانِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا مَعَ مَا يَأْتِي، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُخْبِرُهُمْ فِي كُلِّ خُطْبَةٍ بِمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَنَاسِكِ، وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ الْخَبَرُ السَّابِقُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ لَكِنْ ذَكَرَ الْأَصْلُ بَعْدُ أَنَّهُ يُخْبِرُهُمْ فِي كُلِّ خُطْبَةٍ بِمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَنَاسِكِ إلَى الْخُطْبَةِ الْأُخْرَى قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَسَاقَ نَصَّهُ فِي الْإِمْلَاءِ، وَالْحَقُّ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ إذْ الْإِطْلَاقُ بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ وَالتَّقْيِيدُ بَيَانٌ لِلْأَقَلِّ (وَيَأْمُرُ) فِيهِمَا (الْمُتَمَتِّعِينَ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْمَكِّيِّينَ (بِطَوَافِ الْوَدَاعِ) قَبْلَ خُرُوجِهِمْ وَبَعْدَ إحْرَامِهِمْ كَمَا اقْتَضَاهُ نَقْلُ الْمَجْمُوعِ لَهُ عَنْ الْبُوَيْطِيِّ وَالْأَصْحَابِ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْمُفْرِدَ الْقَارِنَ الْآفَاقِيَّيْنِ لَا يُؤْمَرَانِ بِطَوَافِ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَحَلَّلَا مِنْ مَنَاسِكِهِمَا وَلَيْسَتْ مَكَّةُ مَحَلَّ إقَامَتِهَا
(، ثُمَّ يُبَكِّرُ بِهِمْ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَدَّمْت أَنَّهُ يُسَمَّى أَيْضًا يَوْمَ النَّقْلَةِ فَيَخْرُجُ بِهِمْ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِحَيْثُ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ بِمِنًى (فَإِنْ كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ خَرَجَ) بِهِمْ (قَبْلَ الْفَجْرِ) نَدْبًا؛ لِأَنَّ السَّفَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ إلَى حَيْثُ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حَرَامٌ فِيمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ إقَامَتُهَا بِمِنًى كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (وَيُصَلِّي بِهِمْ الظُّهْرَ وَسَائِرَ الْخَمْسِ) أَيْ بَاقِيهَا (بِمِنًى) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (إلَّا إنْ حَدَثَ) ثَمَّ (قَرْيَةٌ) وَاسْتَوْطَنَهَا أَرْبَعُونَ كَامِلُونَ (فَيُصَلُّونَ) فِيهَا (الْجُمُعَةَ) لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ إقَامَتِهَا وَإِنْ جَرُمَ الْبِنَاءُ، ثُمَّ يَجُوزُ خُرُوجُهُمْ بَعْدَ الْفَجْرِ «، وَلَمْ
[حاشية الرملي الكبير]
أَوْ نَفْلٌ وَبَسَطَ فِي التَّوَسُّطِ الْكَلَامَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَاَلَّذِي تَبَيَّنَ لِي بَعْدَ التَّنْقِيبِ أَنَّ الرَّاجِحَ مَذْهَبًا أَنَّ السَّعْيَ يَصِحُّ بَعْدَ كُلِّ طَوَافٍ صَحِيحٍ سَوَاءٌ كَانَ الْقُدُومُ أَوْ غَيْرُهُ نَفْلًا أَوْ فَرْضًا بِالشَّرْعِ أَوْ بِالنَّذْرِ
(قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا) أَيْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ وَالْخَامِسَةِ وَالسَّابِعَةِ وَبِالْمَرْوَةِ فِي الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ وَالسَّادِسَةِ
(قَوْلُهُ فَيَخْطُبُ هُوَ أَوْ مَنْصُوبُهُ إلَخْ) لَوْ تَوَجَّهُوا إلَى الْمَوْقِفِ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ اُسْتُحِبَّ لِإِمَامِهِمْ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا يَفْعَلُ إمَامُ مَكَّةَ وَقَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَالْحَقُّ الَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ يَجُوزُ خُرُوجُهُمْ بَعْدَ الْفَجْرِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا بَقِيَ بِمَكَّةَ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا فَالْأَشْبَهُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُمْ مُسِيئُونَ بِتَعْطِيلِ الْجُمُعَةِ بِهَا وَقَوْلُهُ هَذَا مَحْمُولٌ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
يُصَلِّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُمُعَةَ بِعَرَفَةَ» مَعَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ» (وَيَبِيتُونَ) نَدْبًا بِمِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ وَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ: الْمَبِيتُ بِهَا لَيْسَ بِنُسُكٍ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ (وَحِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ) وَتُشْرِقُ (عَلَى ثَبِيرَ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ جَبَلٌ كَبِيرٌ بِمُزْدَلِفَةَ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ (يَسِيرُ) بِهِمْ مُتَوَجِّهًا (إلَى عَرَفَةَ) قَائِلًا اللَّهُمَّ إلَيْك تَوَجَّهْت وَلِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَرَدْت فَاجْعَلْ ذَنْبِي مَغْفُورًا وَحَجِّي مَبْرُورًا وَارْحَمْنِي، وَلَا تُخَيِّبْنِي إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَيُنْدَبُ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَأَنْ يَسِيرَ بِهِمْ عَلَى طَرِيقٍ ضَبٍّ، وَيَعُودَ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْ يَعُودَ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ الَّتِي ذَهَبَ فِيهَا فَإِذَا وَصَلَ نَمِرَةَ سُنَّ أَنْ يُضْرَبَ بِهَا قُبَّةُ الْإِمَامِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ قُبَّةٌ ضَرَبَهَا اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَيَقِفُ) أَيْ فَيُقِيمُ بِهِمْ (بِنَمِرَةَ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا مَعَ فَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا مَوْضِعٌ بَيْنَ طَرَفَيْ الْحِلِّ وَعَرَفَةَ وَيَسْتَمِرُّ إلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ وَيَغْتَسِلُ لِلْوُقُوفِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَوَقْتُ الزَّوَالِ يَسِيرٌ) بِهِمْ (إلَى مَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَبَعْضُهُ مِنْ عَرَفَةَ) .
عِبَارَةُ الْأَصْلِ صَدْرُهُ مِنْ عَرَفَةَ وَآخِرُهُ مِنْ عَرَفَةَ وَيُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا صَخَرَاتٌ كِبَارٌ فُرِشَتْ هُنَاكَ (فَيَخْطُبُ بِهِمْ) بَعْدَ الزَّوَالِ (خُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ يُعَلِّمُهُمْ) فِي الْأُولَى (الْمَنَاسِكَ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى) إكْثَارِ (الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ) بِالْوَقْفِ وَيَجْلِسُ بَعْدَ فَرَاغِهَا بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ (وَحِينَ يَقُومُ إلَى) الْخُطْبَةِ (الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَخَفُّ) مِنْ الْأُولَى (يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ وَيَفْرُغَانِ) أَيْ الْأَذَانُ وَالْخُطْبَةُ (مَعًا) وَاسْتُشْكِلَ هَذَا بِأَنَّ الْأَذَانَ يَمْنَعُ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ أَوْ أَكْثَرَهَا فَيَفُوتُ مَقْصُودُهَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْخُطْبَةِ مِنْ التَّعْلِيمِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأُولَى وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَهِيَ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ فَشُرِعَتْ مَعَ الْأَذَانِ قَصْدًا لِلْمُبَادَرَةِ بِالصَّلَاةِ (وَيَجْمَعُ بِهِمْ) بَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَتَيْنِ (الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ) تَقْدِيمًا لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيَقْصُرُونَ) ، وَالْجَمْعُ وَالْقَصْرُ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي بِالْمُزْدَلِفَةِ لِلسَّفَرِ لَا لِلنُّسُكِ فَيَخْتَصَّانِ بِسَفَرِ الْقَصْرِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ هُنَا بِقَوْلِهِ (لَا) وَفِي نُسْخَةٍ إلَّا (الْمَكِّيُّونَ وَنَحْوُهُمْ) مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ سَفَرُهُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ (فَيَأْمُرهُمْ بِالْإِتْمَامِ) بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ بَعْدَ السَّلَامِ يَا أَهْلَ مَكَّةَ - وَمَنْ سَفَرُهُ قَصِيرٌ -: أَتِمُّوا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فَيَأْمُرُهُمْ بِالْإِتْمَامِ وَعَدَمِ الْجَمْعِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَإِذَا دَخَلَ الْحُجَّاجُ مَكَّةَ وَنَوَوْا أَنْ يُقِيمُوا بِهِمَا أَرْبَعًا لَزِمَهُمْ الْإِتْمَامُ فَإِذَا أُخْرِجُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إلَى مِنًى وَنَوَوْا الذَّهَابَ إلَى أَوْطَانِهِمْ عِنْدَ فَرَاغِ مَنَاسِكِهِمْ كَانَ لَهُمْ الْقَصْرُ مِنْ حِينِ خَرَجُوا؛ لِأَنَّهُمْ أَنْشَئُوا سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
(فَرْعٌ، ثُمَّ) بَعْدَ جَمْعِهِمْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ (يَذْهَبُونَ إلَى الْمَوْقِفِ) وَيَجْعَلُونَ السَّيْرَ إلَيْهِ (وَأَفْضَلُهُ) لِلذِّكْرِ مَوْقِفُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ (عِنْدَ الصَّخَرَاتِ) الْكِبَارِ الْمُفْتَرِشَةِ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي بِوَسَطِ أَرْضِ عَرَفَةَ وَيُقَالُ لَهُ الْإِلَالُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ بِوَزْنِ هِلَالٍ وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَالَ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَيْهَا لِلزَّحْمَةِ قَرُبَ مِنْهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَبَيْنَ مَوْقِفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ نَحْوُ مِيلٍ أَمَّا الْأُنْثَى فَيُنْدَبُ لَهَا الْجُلُوسُ فِي حَاشِيَةِ الْمَوْقِفِ كَمَا تَقِفُ فِي آخِرِ الْمَسْجِدِ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَأَقَرَّهُ، قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَقِيَاسُهُ نَدْبُ ذَلِكَ لِلْخُنْثَى وَيَكُونُ عَلَى تَرْتِيبِ الصَّلَاةِ قَالَ: ثُمَّ يَتَعَدَّى النَّظَرُ إلَى الصِّبْيَانِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمْ مَعَ الْبَالِغِينَ (وَ) أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ (بِوُضُوءٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ بِالتَّطَهُّرِ، وَهُوَ أَعَمُّ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ (وَيَسْتَقْبِلُونَ) فِي وُقُوفِهِمْ الْقِبْلَةَ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ (وَالرُّكُوبُ) فِيهِ (أَفْضَلُ) مِنْ الْمَشْيِ اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَهُوَ الْمُهِمُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
(وَيُكْثِرُونَ الذِّكْرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالدُّعَاءَ) وَالتَّلْبِيَةَ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ (إلَى الْغُرُوبِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرُوِيَ «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ إلَى مَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَزْرَقِيِّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَإِنْ أَنْكَرَهُ الْقَاضِي عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ وَقَالَ: لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ وَخَطَّأَهُمَا الْإِسْنَوِيُّ فِيهِ وَذَكَرَ أَنَّ ابْنَ سُرَاقَةَ سَبَقَهُمَا إلَى هَذَا الْخَطَأِ فَقَدْ قَالَ الْفَاسِيُّ فِي تَارِيخِهِ تُحْفَةِ الْكِرَامِ بِأَخْبَارِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ فِيمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَابْنُ جَمَاعَةَ نَظَرٌ لِمُخَالَفَةِ كَلَامِ الْأَزْرَقِيِّ، وَهُوَ عُمْدَةٌ فِي هَذَا الشَّأْنِ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَمَا نَقَلَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ خَلِيلٍ.
اهـ. وَابْنُ جَمَاعَةَ وَالْإِسْنَوِيُّ قَالَا إنَّ إبْرَاهِيمَ أَحَدُ أُمَرَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ بَابُ إبْرَاهِيمَ بِمَكَّةَ.
(قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَقِيَاسُهُ نَدْبُ ذَلِكَ لِلْخُنْثَى) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ ثُمَّ يَتَعَدَّى النَّظَرُ إلَخْ) فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّ تَعَدِّيَهُ إلَى الصِّبْيَانِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّا إنَّمَا أُمِرْنَا بِتَأْخِيرِ الصِّبْيَانِ فِي مَوْقِفِ الصَّلَاةِ وَتَقْدِيمِ الْبَالِغِينَ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ إلَى الِاسْتِخْلَافِ عِنْدَ خُرُوجِ الْأَمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَرْعِيٍّ هُنَا هَذَا كَمَا تَخْرُجُ الرِّجَالُ وَالصِّبْيَانُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِالتَّمْيِيزِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ هُنَا بَلْ أَوْلَى نَعَمْ لَوْ كَانَ الْأَمْرَدُ حَسَنًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْمَرَ بِالْوُقُوفِ خَلْفَ الرَّجُلِ.
اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ.
(قَوْلُهُ وَالرُّكُوبُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَشْيِ إلَخْ) كَذَا قَالَاهُ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَتُسْتَثْنَى الْمَرْأَةُ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَكُونَ قَاعِدَةً كَمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ فَإِنْ كَانَتْ مَسْتُورَةً فِي هَوْدَجٍ أَوْ خَيْمَةٍ فَالْمُتَّجَهُ اسْتِحْبَابُ الْوُقُوفِ اهـ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُقُوفُ عَلَى الدَّابَّةِ بَلْ يَجْلِسُ لِيَكُونَ أَقْوَى عَلَى الدُّعَاءِ، فَقُعُودُ الْمَرْأَةِ عَلَى الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ جُلُوسِ الرَّجُلِ عَلَى الدَّابَّةِ فَكَيْفَ تُؤْمَرُ بِالْقِيَامِ، وَالْقِيَامُ يُضْعِفُهَا عَنْ الدُّعَاءِ انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ.
(قَوْلُهُ رُوِيَ «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ» إلَخْ) قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا اللَّهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ» كَاَلَّذِي نَقُولُ وَخَيْرًا مِمَّا نَقُولُ «اللَّهُمَّ لَك صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي، وَإِلَيْك مَآبِي وَلَك تُرَاثِي اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ وَشَتَاتِ الْأَمْرِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا تَجِيءُ بِهِ الرِّيحُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللَّهُمَّ اُنْقُلْنِي مِنْ ذُلِّ الْمَعْصِيَةِ إلَى عِزِّ الطَّاعَةِ وَاكْفِنِي بِحَلَالِك عَنْ حَرَامِك وَأَغْنَنِي بِفَضْلِك عَمَّنْ سِوَاك وَنَوِّرْ قَلْبِي وَقَبْرِي وَأَعِذْنِي مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ، وَاجْمَعْ لِي الْخَيْرَ إنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى» وَيَكُونُ كُلُّ دُعَاءٍ ثَلَاثًا وَيَفْتَتِحُهُ بِالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ وَالتَّسْبِيحِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَخْتِمُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مَعَ التَّأْمِينِ وَيُكْثِرُ الْبُكَاءُ مَعَ ذَلِكَ فَهُنَاكَ تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ وَتُقَالُ الْعَثَرَاتُ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْحَشْرِ فِي عَرَفَةَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ذَلِكَ (يَرْفَعُ الْيَدَ) أَيْ يَدَيْهِ لِخَبَرِ «تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَاسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْمَوْقِفَيْنِ وَالْجَمْرَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ إنَّهُ مَعْلُولٌ (وَلَا يُجَاوِزُونَهَا) أَيْ الْيَدَ وَفِي نُسْخَةٍ، وَلَا يُجَاوِزْ بِهَا (الرَّأْسَ، وَلَا يُفْرِطُ فِي الْجَهْرِ) بِالدُّعَاءِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُنَّا إذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ، وَلَا غَائِبًا إنَّهُ مَعَكُمْ إنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قَرِيبٌ» وَالْأَفْضَلُ لِلْوَاقِفِ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ بَلْ يَبْرُزَ لِلشَّمْسِ إلَّا لِعُذْرٍ بِأَنْ يَتَضَرَّرَ أَوْ يَنْقُصَ دُعَاؤُهُ وَاجْتِهَادُهُ فِي الْأَذْكَارِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَظَلَّ بِعَرَفَاتٍ مَعَ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ ظُلِّلَ عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، وَهُوَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ» (، وَحَيْثُ تَغْرُبُ) الشَّمْسُ (يُسْتَحَبُّ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ) أَيْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إنْ أَرَادَ الْمَصِيرَ إلَى مُزْدَلِفَةَ لِيَجْمَعَهَا فِيهَا مَعَ الْعِشَاءِ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَيَدْفَعُونَ) مِنْ عَرَفَةَ مُكْثِرِينَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّلْبِيَةِ (طَرِيقَ) أَيْ فِي طَرِيقِ (الْمَأْزِمَيْنِ) بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْمِيمِ وَبِتَرْكِهَا مَعَ كَسْرِ الزَّايِ فِيهِمَا وَهُمَا جَبَلَانِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ فَالْمُرَادُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي بَيْنَهُمَا (بِسَكِينَةٍ) تَحَرُّزًا مِنْ الْإِيذَاءِ وَلِلْأَمْرِ بِهِ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ «رَاكِبًا كَانَ أَوْ مَاشِيًا» (وَمِنْ وَجَدَ فُرْجَةً أَسْرَعَ) فِيهَا نَدْبًا لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (إلَى الْمُزْدَلِفَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَدْفَعُونَ (فَيَجْمَعُ بِهِمْ) فِيهَا (الْمَغْرِبَ الْعِشَاءَ) تَأْخِيرًا لِلِاتِّبَاعِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَأَطْلَقَ كَأَصْلِهِ اسْتِحْبَابَ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَى مُزْدَلِفَةَ وَقَيَّدَهُ الدَّارِمِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِمَا إذَا لَمْ يَخْشَ فَوْتَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِلْعِشَاءِ فَإِنْ خَشِيَهُ صَلَّى بِهِمْ فِي الطَّرِيقِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّصِّ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَعَلَّ إطْلَاقَ الْأَكْثَرِينَ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا وَفِيهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلُّوا قَبْلَ حَطِّ رِحَالِهِمْ، ثُمَّ يُنِيخَ كُلُّ إنْسَانٍ جَمَلَهُ وَيَعْقِلَهُ، ثُمَّ يُصَلُّونَ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جَاءَ مُزْدَلِفَةَ تَوَضَّأَ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» (وَيُصَلِّي) كُلُّ أَحَدٍ (الرَّوَاتِبَ) الَّتِي لِلصَّلَوَاتِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْجُمَعِ (وَلَا يَتَنَفَّلُونَ) أَيْ لَا يُسَنُّ لَهُمْ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ لَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَلَا عَلَى إثْرِهِمَا لِئَلَّا يَنْقَطِعُوا عَنْ الْمَنَاسِكِ، اعْلَمْ إنَّ الْمَسَافَةَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى كُلٍّ مِنْ عَرَفَةَ وَمِنًى فَرْسَخٌ ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
(فَرْعٌ مِنْ حَصَلَ فِي عَرَفَةَ بِنِيَّةِ الْوُقُوفِ أَوْ) بِنِيَّةِ (غَيْرِهِ مِنْ طَلَبِ غَرِيمٍ أَوْ ضَائِعٍ أَوْ) حَصَلَ فِيهَا (مَارًّا أَوْ جَاهِلًا) بِهَا، وَلَوْ ظَنَّهَا غَيْرَهَا (أَجْزَأَهُ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «وَقَفْت هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (وَيُجْزِئُ النَّائِمَ) حُصُولُهُ فِيهِمَا وَلَوْ اسْتَغْرَقَ الْوَقْتَ بِالنَّوْمِ كَمَا فِي الصَّوْمِ (لَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالسَّكْرَانُ وَالْمَجْنُونُ) كَمَا فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ (فَيَقَعُ) حَجُّ الْمَجْنُونِ (نَفْلًا) كَحَجِّ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَاسْتَشْكَلَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَاتَهُ الْحَجُّ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنَافِي الْوُقُوعَ نَفْلًا فَإِنَّهُ إذَا جَازَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ الْمَجْنُونِ ابْتِدَاءً فَفِي الدَّوَامِ أَوْلَى أَنْ يُتِمَّ حَجَّهُ فَيَقَعُ نَفْلًا بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ ابْتِدَاءً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُتِمَّ حَجَّهُ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَاتَهُ الْحَجُّ حَجُّهُ الْوَاجِبُ فَيَكُونُ كَالْمَجْنُونِ وَمِثْلُهَا السَّكْرَانُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِلثَّلَاثَةِ وَالتَّصْرِيحُ بِعَدَمِ صِحَّةِ وُقُوفِ السَّكْرَانِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ وَمَنَاسِكِهِ وَحَدُّ عَرَفَةَ
[حاشية الرملي الكبير]
«إنَّ أَفْضَلَ الدُّعَاءِ بِعَرَفَةَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» سُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا ذِكْرٌ وَلَيْسَ بِدُعَاءٍ فَأَيْنَ الدُّعَاءُ فَأَنْشَدَ قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُكَ إنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ إذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ وَأَجَابَ غَيْرُ سُفْيَانَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أُعْطِيهِ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ» فَلَمَّا كَانَ الذِّكْرُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ الْمَقْصُودِ مِنْ الدُّعَاءِ شَابَهَ الدُّعَاءَ فَسُمِّيَ بِهِ.
(قَوْلُهُ وَقَيَّدَهُ الدَّارِمِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (تَنْبِيهٌ) سُئِلْت عَنْ مُرْتَكِبِ الْكَبَائِرِ الَّذِي لَمْ يَتُبْ مِنْهَا إذَا حَجَّ هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ وَصْفُ الْفِسْقِ وَأَثَرُهُ كَرَدِّ الشَّهَادَةِ أَوْ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى تَوْبَتِهِ فَأَجَبْت بِأَنَّهُ يَزُولُ عَنْهُ ذَلِكَ كَمَا يَزُولُ عَنْهُ بِتَوْبَتِهِ مِمَّا فُسِّقَ بِهِ.
(قَوْلُهُ فَيَقَعُ حَجُّ الْمَجْنُونِ نَفْلًا إلَخْ) فَتُشْتَرَطُ الْإِفَاقَةُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْحَلْقَ وَقِيَاسُ كَوْنِهِ نُسُكًا اشْتِرَاطُهَا فِيهِ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ إذَا جَازَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ الْمَجْنُونِ إلَخْ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَرَاوِزَةِ وَرَجَّحَهَا الشَّيْخَانِ أَنَّهُ يَصِحُّ إحْرَامُ الْوَلِيِّ عَنْ الْمَجْنُونِ وَطَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ عَنْهُ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ نَصِّ الْإِمْلَاءِ وَنَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْجُمْهُورِ وَاخْتَارَهُ.
مَا جَاوَزَ وَادِي عَرَفَةَ إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ مِمَّا يَلِي بَسَاتِينَ ابْنِ عَامِرٍ وَلَيْسَ مِنْهَا وَادِي عَرَفَةَ، وَلَا نَمِرَةَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ
(فَرْعٌ وَوَقْتُهُ) أَيْ الْوُقُوفُ (مِنْ زَوَالِ) شَمْسِ (يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى) طُلُوعِ (فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ خَبَرَ «الْحَجُّ عَرَفَةَ وَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ» وَفِي رِوَايَةِ مَنْ «جَاءَ عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْعٍ أَيْ لَيْلَةَ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» وَرَوَوْا أَيْضًا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ «عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ أَيْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي جِئْت مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ أَكْلَلْتُ رَاحِلَتِي وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي وَاَللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْت عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» وَالتَّفَثُ مَا يَفْعَلُهُ الْمُحْرِمُ عِنْدَ تَحَلُّلِهِ مِنْ إزَالَةِ شُعْثٍ وَوَسَخٍ وَحَلْقِ شَعْرٍ وَقَلْمِ ظُفْرٍ.
(، وَلَا دَمَ عَلَى مَنْ دَفَعَ) مِنْ عَرَفَةَ (قَبْلَ الْغُرُوبِ) وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ فِي خَبَرِ عُرْوَةَ «فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» فَلَوْ وَجَبَ الدَّمُ لَكَانَ حَجُّهُ نَاقِصًا مُحْتَاجًا إلَى الْجَبْرِ وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْ الْوُقُوفِ مَا أَجْزَأَهُ فَلَمْ يَجِبْ الدَّمُ كَمَا لَوْ وَقَفَ لَيْلًا (بَلْ يُسْتَحَبُّ إنْ لَمْ يَعُدْ) إلَيْهَا (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْغُرُوبِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ لِتَرْكِهِ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِنْ عَادَ فَلَا اسْتِحْبَابَ (وَيُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ لَيْلًا) لِخَبَرِ عُرْوَةَ، وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ مَا مَرَّ.
(فَرْعٌ وَإِنْ غَلِطَ الْجَمُّ الْغَفِيرُ) ضَمَّ الْغَفِيرَ إلَى الْجَمِّ سَهْوًا، وَإِنَّمَا يُضَمُّ إلَى الْجَمَّاءِ بِالْمَدِّ فَفِي الصِّحَاحِ فِي بَابِ الْمِيمِ: الْجَمُّ الْكَثِيرُ وَفِي بَابِ الرَّاءِ يَقُولُ جَاءُوا جَمَّاءَ غَفِيرًا وَالْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ أَيْ جَاءُوا بِجَمَاعَتِهِمْ الشَّرِيفُ وَالْوَضِيعُ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ وَكَانَتْ فِيهِمْ كَثْرَةُ الْجَمَّاءِ الْغَفِيرِ يُنْصَبُ كَمَا تُنْصَبُ الْمَصَادِرُ الَّتِي فِي مَعْنَاهُ كَجَاءُونِي جَمِيعًا وَقَاطِبَةً وَكَافَّةً وَطُرًّا وَأَدْخَلُوا فِيهِ أَلْ كَمَا أَدْخَلُوهَا فِي قَوْلِهِمْ أَوْرَدَهَا الْعِرَاكَ أَيْ عِرَاكًا فَكَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ: وَإِنْ غَلِطَ الْجَمُّ أَوْ جَمٌّ أَيْ كَثِيرُونَ (لَا قَلِيلُونَ) عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فِي الْحَجِيجِ (فَوَقَفُوا يَوْمَ الْعَاشِرِ) بِأَنْ ظَنُّوهُ التَّاسِعَ كَأَنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَأَكْمَلُوا عِدَّةً ذِي الْقِعْدَةِ ثَلَاثِينَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْهِلَالَ أُهِلَّ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ (وَلَوْ) كَانَ وُقُوفُهُمْ (بَعْدَ التَّبَيُّنِ) أَيْ تَبَيُّنِ أَنَّهُ الْعَاشِرُ (كَمَا إذَا ثَبَتَ) أَنَّهُ الْعَاشِرُ (لَيْلًا، وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا) مِنْ الْوُقُوفِ (صَحَّ) الْوُقُوفُ لِلْإِجْمَاعِ وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد مُرْسَلًا «يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي يُعَرِّفُ النَّاسُ فِيهِ» وَلِأَنَّهُمْ لَوْ كُلِّفُوا بِالْقَضَاءِ لَمْ يَأْمَنُوا وُقُوعَ مِثْلِهِ فِيهِ وَلِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَامَّةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا قَلُّوا وَلَيْسَ مِنْ الْغَلَطِ الْمُرَادُ لَهُمْ مَا إذَا وَقَعَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْحِسَابِ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ قَالَ الدَّارِمِيُّ وَإِذَا وَقَفُوا الْعَاشِرَ غَلَطًا حُسِبَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى حِسَابِ وُقُوفِهِمْ وَعَلَيْهِ فَلَا يُقِيمُونَ بِمِنًى إلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ خَاصَّةً (لَا) إنْ وَقَفُوا الْيَوْمَ (الثَّامِنَ) فَلَا يَصِحُّ وَفَارَقَ الْغَلَطُ بِالْعَاشِرَةِ بِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعِبَارَةِ عَنْ وَقْتِهَا أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِسَابِ مِنْ تَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ وَبِأَنَّ الْغَلَطَ بِالتَّقْدِيمِ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ لِغَلَطٍ فِي الْحِسَابِ أَوْ لِخَلَلٍ فِي الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَقْدِيمِ الْهِلَالِ، وَالْغَلَطُ بِالتَّأْخِيرِ قَدْ يَكُونُ بِالْغَيْمِ الْمَانِعِ مِنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَهُوَ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، ثُمَّ إنْ عَلِمُوا قَبْلَ فَوْتِ الْوَقْتِ وَجَبَ الْوُقُوفُ فِيهِ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْهُ أَوْ بَعْدَهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (وَلَا) إنْ وَقَفُوا (الْحَادِيَ عَشَرَ، وَلَا إنْ غَلِطُوا فِي الْمَكَانِ) فَوَقَفُوا بِغَيْرِ عَرَفَةَ فَلَا يَصِحُّ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ (فَيَقْضُونَ لِلْفَوَاتِ) أَيْ لِأَجْلِهِ (وَمَنْ رَأَى الْهِلَالَ وَحْدَهُ) أَوْ مَعَ غَيْرِهِ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ (وَوَقَفَ قَبْلَهُمْ لَا مَعَهُمْ أَجْزَأَهُ) إذْ الْعِبْرَةُ فِي دُخُولِ وَقْتِ عَرَفَةَ وَخُرُوجِهِ بِاعْتِقَادِهِ، وَهَذَا كَمَنْ شَهِدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ.
(فَصْلٌ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةُ) وَهِيَ مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ وَوَادِي مُحَسِّرٍ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الِازْدِلَافِ وَهُوَ التَّقَرُّبُ؛ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ يُقَرِّبُونَ مِنْهَا (نُسُكٌ) لِلِاتِّبَاعِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَوَاجِبٌ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ كَمَا سَيَأْتِي (وَيَكْفِي) فِي الْمَبِيتِ بِهَا الْحُصُولُ بِهَا (سَاعَةً) أَيْ لَحْظَةً -
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْعٌ وَقْتُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَة]
قَوْلُهُ «وَأَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» إلَخْ) اللَّفْظُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» مُخَصَّصٌ بِالنَّهَارِ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَتَأْخِيرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوُقُوفَ إلَى بَعْدِ الزَّوَالِ دَلِيلٌ عَلَى تَعَلُّقِ الْعِبَادَةِ بِالزَّوَالِ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الصَّلَاةَ عَلَى الْوُقُوفِ مُرَاعَاةً لِفَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا عَلَّقَ دُخُولَ الْوَقْتِ بِالزَّوَالِ تَقْلِيلًا لِلتَّخْصِيصِ، وَلَمْ يُعَلِّقْ بِفِعْلِ الثَّلَاثَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ التَّخْصِيصِ، وَتَقْلِيلُ الْمَجَازِ أَوْلَى لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ.
(قَوْلُهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ إنْ لَمْ يَعُدْ بَعْدَهُ) ، وَقَدْ وَهَمَ مَنْ نَقَلَ أَنَّ النَّوَوِيَّ صَحَّحَ فِي مَنَاسِكِهِ الْكُبْرَى وُجُوبَهُ.
[فَرْعٌ غَلِطَ الْجَمُّ الْغَفِيرُ فَوَقَفُوا يَوْمَ الْعَاشِرِ بِأَنْ ظَنُّوهُ التَّاسِعَ بِعَرَفَةَ]
(قَوْلُهُ فَوَقَفُوا يَوْمَ الْعَاشِرِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَوْ وَقَفُوا الْعَاشِرَ غَلَطًا وَكَانَ وُقُوفُهُمْ قَبْلَ الزَّوَالِ وَعَلِمُوا الْحَالَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ اللُّبْثُ إلَى بَعْدِ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُقُوفِ أَوْ يَجُوزُ النَّفْرُ قَبْلَهُ لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا وَالْأَقْرَبُ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهُ قَامَ فِي حَقِّهِمْ مَقَامَ عَرَفَةَ فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَنَفَرُوا لَزِمَهُمْ الْعَوْدُ لِيَكُونُوا بِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ.
اهـ. وَعِبَارَةُ الْبَهْجَةِ وَلِكَثِيرٍ غَلِطُوا، لَا النَّزْرُ بَيْنَ زَوَالِ نَحْرِهِمْ وَالْفَجْرِ.
وَعِبَارَةُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ الْعَاشِرُ، وَهُوَ لَا يَتَنَاوَلُ اللَّيْلَةَ فَذَكَرَهَا السُّبْكِيُّ بَحْثًا وَعِبَارَةُ الْحَاوِي تَنَاوَلَهَا فَهِيَ مَنْقُولَةٌ لَكِنْ صَحَّحَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ فِي وُقُوفِهِمْ فِيهَا قَوْلُهُ وَعِبَارَةُ الْحَاوِي إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ الدَّارِمِيُّ وَإِذَا وَقَفُوا الْعَاشِرَ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّ يَوْمَ الْحَادِيَ عَشَرَ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٌ بَعْدَهُ وَثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ الْوَاقِفِينَ وَمَنْ اتَّحَدَ مَطْلَعُ بَلَدِهِمْ لِبَلَدِ الْوُقُوفِ دُونَ مَنْ اخْتَلَفَ نَعَمْ يَبْقَى النَّظَرُ هَلْ الْمُرَادُ بِمَنْ اتَّحَدَ مَطْلَعُهُ مِمَّنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ أَوْ أَعَمُّ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ أَقْرَبُ (قَوْلُهُ غَلَطًا) مَفْعُولٌ لَا حَالٌ (قَوْلُهُ وَلَا إنْ غَلِطُوا فِي الْمَكَانِ) ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي الْمَوْقِفِ يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ وَكَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ يَجِدُ النَّصَّ بِخِلَافِهِ لَا يَعْتَدُّ بِحُكْمِهِ.
[فَصْلٌ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ]
(قَوْلُهُ وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ كَمَا سَيَأْتِي) كَمَنْ اشْتَغَلَ بِالْوُقُوفِ
كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (وَوَقْتُهُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ) كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَبَعْدَ قَطْعِ جُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ وَأَكْثَرِ الْخُرَاسَانِيِّينَ فَالْمُعْتَبَرُ الْحُصُولُ فِيهَا لَحْظَةً مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي لَا لِكَوْنِهِ يُسَمَّى مَبِيتًا إذْ الْأَمْرُ بِالْمَبِيتِ لَمْ يَرِدْ هُنَا بَلْ لِمَا سَيَأْتِي فِي إشْكَالِ الرَّافِعِيِّ بِخِلَافِ الْمَبِيتِ بِمِنًى لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمُعْظَمِ كَذَا قَرَّرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَقِيلَ يُشْتَرَطُ فِيهِ مُعْظَمُ اللَّيْلِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيتُ بِمَكَانٍ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِمُعْظَمِ اللَّيْلِ، وَهَذَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ، ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَهَا حَتَّى يَمْضِيَ نَحْوُ رُبْعِ اللَّيْلِ مَعَ جَوَازِ الدَّفْعِ مِنْهَا بَعْدَ النِّصْفِ (فَمَتَى) وَفِي نُسْخَةٍ وَمَتَى لَمْ يَبِتْ فِيهَا أَوْ بَاتَ لَكِنْ (دَفَعَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ النِّصْفِ (وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ) الْأَوْلَى إلَيْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ (لَزِمَهُ دَمٌ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ.
(وَيَأْخُذُونَ مِنْهَا) نَدْبًا (حَصَى الرَّمْيِ) لِمَا رَوَى النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ جَيِّدٍ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ الْتَقِطْ لِي حَصًى قَالَ فَلَقَطْت لَهُ حَصَيَاتٍ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ» وَلِأَنَّ بِهَا جَبَلًا فِي أَحْجَارِهِ رَخَاوَةٌ وَلِأَنَّ السُّنَّةَ أَنَّهُ إذَا أَتَى مِنًى لَا يُعَرِّجُ عَلَى غَيْرِ الرَّمْيِ فَسُنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْحَصَى مِنْ مُزْدَلِفَةَ حَتَّى لَا يَشْتَغِلَ عَنْهُ وَيَأْخُذُونَهُ (لَيْلًا) لِفَرَاغِهِمْ فِيهِ قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالَ الْبَغَوِيّ نَهَارًا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَهُوَ الصَّوَابُ نَقْلًا وَدَلِيلًا لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ وَلِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ وَيَأْخُذُونَ (لِيَوْمِهِمْ) أَيْ لِرَمْيِ يَوْمِهِمْ، وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ سَبْعًا فَقَطْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَزِيدَ فَرُبَّمَا سَقَطَ مِنْهَا شَيْءٌ (وَيَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْ غَيْرِهِمْ) كَوَادِي مُحَسِّرٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهُ لِرَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
(وَيُكْرَهُ) أَخْذُهَا (مِنْ حِلٍّ) لِعُدُولِهِ عَنْ الْحَرَمِ الْمُحْتَرَمِ (وَ) مِنْ (مَسْجِدٍ) ؛ لِأَنَّهَا فُرُشُهُ فَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ جُزْءٌ مِنْهُ وَالْإِحْرَامُ (وَ) مِنْ (حَشٍّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ أَشْهَرُ مِنْ ضَمِّهَا الْمِرْحَاضُ لِنَجَاسَتِهِ وَكَذَا مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ نَجَسٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَمُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ بَقَاءَ الْكَرَاهَةِ، وَلَوْ غُسِلَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْمَوْضِعِ النَّجَسِ وَيُؤَيِّدُهُ اسْتِحْبَابُ غَسْلِ الْجِمَارِ قَبْلَ الرَّمْيِ بِهَا سَوَاءٌ أَخَذَهَا مِنْ مَوْضِعٍ نَجَسِ أَمْ لَا (وَ) مِنْ (مَرْمِيٍّ بِهِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ الْمَقْبُولَ يُرْفَعُ وَالْمَرْدُودَ يُتْرَكُ» وَلَوْلَا ذَلِكَ لَسَدَّ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ فَإِنْ رَمَى بِشَيْءٍ مِنْهَا جَازَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ فَإِنْ قِيلَ لِمَ جَازَ الرَّمْيُ بِحَجَرٍ بِهِ دُونَ الْوُضُوءِ بِمَا تَوَضَّأَ بِهِ قُلْنَا فَرَّقَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ إتْلَافٌ لَهُ كَالْعِتْقِ فَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ مَرَّتَيْنِ كَمَا لَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ عَنْ الْكَفَّارَةِ مَرَّتَيْنِ وَالْحَجَرُ كَالثَّوْبِ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّي فِيهِ صَلَوَاتٍ وَذِكْرُ الْحِلِّ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَكْسِرَ الْحَصَى بَلْ يَلْتَقِطُهُ «؛؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْتِقَاطِهِ لَهُ وَنَهَى عَنْ كَسْرِهِ» وَلِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إلَى التَّأَذِّي
(وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالضُّعَفَاءِ بَعْدَ النِّصْفِ) مِنْ اللَّيْلِ إلَى مِنًى لِيَرْمُوا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ زَحْمَةِ النَّاسِ وَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ سَوْدَةَ أَفَاضَتْ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ بِإِذْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالدَّمِ، وَلَا النَّفَرَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهَا» وَفِيهِمَا «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ» (وَيَقِفُ غَيْرُهُمْ) نَدْبًا أَيْ يَمْكُثُونَ بِمُزْدَلِفَةَ (فَيُصَلُّونَ الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ يَرْكَبُونَ) أَيْ يَدْفَعُونَ إلَى مِنًى لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَيَتَأَكَّدُ التَّغْلِيسُ هُنَا عَلَى بَاقِي الْأَيَّامِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلِيَتَّسِعَ الْوَقْتُ لِمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ أَعْمَالِ يَوْمِ النَّحْرِ (وَيَقِفُونَ) بِمُزْدَلِفَةُ فِي أَيِّ جُزْءٍ شَاءُوا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (مُسْتَقْبِلِينَ الْقِبْلَةَ) لِلِاتِّبَاعِ وَلِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ (وَالْأَفْضَلُ) وُقُوفُهُمْ (عِنْدَ قُزَحَ) بِضَمِّ الْقَافِ وَبِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى، وَهُوَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ، وَهُوَ جَبَلٌ صَغِيرٌ بِآخِرِ الْمُزْدَلِفَةِ، وَهُوَ مِنْهَا قَالَا، وَقَدْ اسْتَبْدَلَ النَّاسُ الْوُقُوفَ بِهِ عَلَى بِنَاءٍ مُحْدَثٍ هُنَاكَ يَظُنُّونَهُ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ وَلَيْسَ كَمَا يَظُنُّونَهُ لَكِنْ يَحْصُلُ بِالْوُقُوفِ عِنْدَهُ أَصْلُ السُّنَّةِ وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ هُوَ بِأَوْسَطِ الْمُزْدَلِفَةِ، وَقَدْ بُنِيَ عَلَيْهِ بِنَاءٌ، ثُمَّ حَكَى كَلَامَ ابْنِ الصَّلَاحِ.
ثُمَّ قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبِنَاءَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْجَبَلِ وَالْمُشَاهَدَةُ تَشْهَدُ لَهُ قَالَ، وَلَمْ أَرَ مَا ذَكَرَهُ لِغَيْرِهِ وَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِالْمُرُورِ وَإِنْ لَمْ يَقِفْ فِي عَرَفَةَ نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي وَأَقَرَّهُ وَإِذَا وَقَفُوا (فَيَذْكُرُونَ) اللَّهَ تَعَالَى (وَيَدْعُونَ) فِي وُقُوفِهِمْ (إلَى الْإِسْفَارِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ كَمَا وَقَّفْتَنَا فِيهِ وَأَرَيْتنَا إيَّاهُ فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِك كَمَا هَدَيْتنَا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتنَا
[حاشية الرملي الكبير]
عَنْ الْمَبِيتِ بِهَا أَوْ اشْتَغَلَ بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ فَفَاتَهُ مَبِيتُ مُزْدَلِفَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ كَأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ الْمَذْكُورِ فِي مَبِيتِ لَيَالِي مِنًى وَاسْتَنْبَطَ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَوْ بَاتَ مَنْ شُرِطَ مَبِيتُهُ فِي مَدْرَسَةٍ خَارِجَهَا لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ زَوْجَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ نَحْوِهِمَا أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ مِنْ جَامِكِيَّتِهِ شَيْءٌ، كَمَا لَا يُجْبَرُ تَرْكُ الْمَبِيتِ لِلْمَعْذُورِينَ بِدَمٍ قَالَ وَهُوَ مِنْ النَّفَائِسِ الْحُسْنَى، وَلَمْ أُسْبَقْ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ كَمَا يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهُ لِرَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) سَكَتَ الْجُمْهُورُ عَنْ مَوْضِعِ أَخْذِ حَصَى الْجِمَار لِرَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَالَ ابْنُ كَجٍّ وَغَيْرُهُ تُؤْخَذُ مِنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ السُّبْكِيُّ لَا يَأْخُذُ لِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ إلَّا مِنْ مِنًى نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ.
(قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَمُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ بَقَاءُ الْكَرَاهَةِ إلَخْ) قَالَ بَعْضُهُمْ الْأَقْرَبُ زَوَالُهَا.
اهـ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِزَوَالِهَا الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ فَمَحْمَلُهُ إذَا لَمْ تَكُنْ جُزْءًا مِنْهُ وَإِلَّا حَرُمَ) قَدْ جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْغُسْلِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِتَحْرِيمِ إخْرَاجِ الْحَصَى مِنْ الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ كَحَصَاةٍ وَحَجَرٍ وَتُرَابٍ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ سَبَقَ تَحْرِيمُ التَّيَمُّمِ بِتُرَابِهِ (قَوْلُهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ الْمَقْبُولَ يُرْفَعُ» إلَخْ) أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
(قَوْلُهُ وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ النِّسَاءِ إلَخْ) عِبَارَةُ
بِقَوْلِك، وَقَوْلُك الْحَقُّ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: 198] إلَى قَوْلِهِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199] وَيُكْثِرُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَيَدْعُونَ بِمَا أَحَبُّوا وَيَصْعَدُونَ الْجَبَلَ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَيَقِفُونَ تَحْتَهُ وَلَوْ فَاتَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ لَمْ تُجْبَرْ بِدَمٍ كَسَائِرِ الْهَيْئَاتِ.
(فَصْلٌ ثُمَّ) بَعْدَ الْإِسْفَارِ (يَدْفَعُونَ إلَى مِنًى بِسَكِينَةٍ) وَشِعَارُهُمْ التَّلْبِيَةُ وَالذِّكْرُ وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ الدَّفْعِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (وَمَنْ وَجَدَ فُرْجَةً بَادَرَ) أَيْ أَسْرَعَ كَالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ (وَبِبُلُوغِ وَادِي مُحَسِّرٍ) بِكَسْرِ السِّنِينَ مَوْضِعٌ فَاصِلٌ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيلَ أَصْحَابِ الْفِيلِ حُسِرَ فِيهِ أَيْ أُعْيَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الْأَزْرَقِيُّ وَادِي مُحَسِّرٍ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَخَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا.
انْتَهَى، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْبَيَانِ كَمَا فِي جَبَلِ أُحَدٍ وَشَجَرِ أَرَاك وَبِبُلُوغِهِمْ مُحَسِّرًا (يُسْرِعُونَ) وَإِنْ لَمْ يَجِدُوا فُرْجَةً مُشَاةً كَانُوا أَوْ رُكْبَانًا (قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ) حَتَّى يَقْطَعُوا عَرْضَ الْوَادِي لِلِاتِّبَاعِ فِي الرَّاكِبِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقِيَاسُهُ عَلَيْهِ فِي الْمَاشِي وَلِنُزُولِ الْعَذَابِ فِيهِ عَلَى أَصْحَابِ الْفِيلِ؛ وَلِأَنَّ النَّصَارَى كَانَتْ تَقِفُ فِيهِ فَأُمِرْنَا بِمُخَالَفَتِهِمْ وَيَقُولُ الْمَارُّ بِهِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
إلَيْك تَعْدُوا قَلِقًا وَضِينُهَا ... مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا
مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا وَالْوَضِينُ حَبْلٌ كَالْحِزَامِ وَبَعْدَ قَطْعِهِمْ وَادِي مُحَسِّرٍ يَسِيرُونَ بِسَكِينَةٍ.
(وَيَدْخُلُونَهَا) أَيْ مِنًى (بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) وَارْتِفَاعِهَا قَدْرَ رُمْحٍ (وَيَرْمِي كُلٌّ مِنْهُمْ) حِينَئِذٍ (جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) وَهِيَ أَسْفَلُ الْجَبَلِ مُرْتَفِعَةٌ عَنْ الْجَادَّةِ عَلَى يَمِينِ السَّائِرِ إلَى مَكَّةَ (قَبْلَ نُزُولِ الرَّكْبِ) مِنْهُمْ (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) (وَيُكَبِّرُ) مَكَانَ التَّلْبِيَةِ (مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَحِكْمَةُ رَمْيِ الرَّاكِبِ قَبْلَ نُزُولِهِ أَنَّ الرَّمْيَ تَحِيَّةُ مِنًى فَلَا يَبْدَأُ بِغَيْرِهِ وَكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ (ثُمَّ) بَعْدَ الرَّمْيِ يَنْصَرِفُونَ فَيَنْزِلُونَ مَوْضِعًا بِمِنًى وَالْأَفْضَلُ مِنْهَا مَنْزِلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا قَارَبَهُ قَالَ الْأَزْرَقِيُّ وَمَنْزِلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى عَنْ يَسَارِ مُصَلَّى الْإِمَامِ، ثُمَّ (يَحْلِقُونَ) أَوْ يُقَصِّرُونَ (وَ) يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ (الْمُهْدِي بَعْدَ ذَبْحِ هَدْيِهِ) بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَبِكَسْرِهَا مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ وَذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ (يَدْخُلُونَ مَكَّةَ فَيَطُوفُونَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيُسَمَّى الزِّيَارَةُ وَالرُّكْنُ) أَيْ طَوَافُ الزِّيَارَةِ وَالرُّكْنُ وَالْفَرْضُ وَالصَّدْرُ بِفَتْحِ الدَّالِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَذَكَرَ الْأَصْلُ بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ نَحْوَهُ، لَكِنَّهُ قَالَ وَقَدْ يُسَمَّى طَوَافُ الصَّدْرِ وَالْأَشْهَرُ أَنَّ طَوَافَ الصَّدَرِ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَسُمِّيَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ لِإِتْيَانِهِمْ بِهِ عَقِبَ الْإِفَاضَةِ مِنْ مِنًى وَالزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْتُونَ مِنْ مِنًى زَائِرِينَ الْبَيْتَ وَيَعُودُونَ فِي الْحَالِ وَالرُّكْنُ وَالْفَرْضُ لِتَعَيُّنِهِ وَالصَّدَرُ؛ لِأَنَّهُمْ يَصْدُرُونَ لَهُ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَطُوفُوا يَوْمَ النَّحْرِ وَأَنْ يَكُونَ ضَحْوَةً وَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ (وَيَسْعَى بَعْدَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ) بِخِلَافِ مَا إذَا سَعَى لِمَا مَرَّ أَنَّهُ تُكْرَهُ إعَادَتُهُ (ثُمَّ) بَعْدَ السَّعْيِ (يَعُودُونَ) قَبْلَ صَلَاتِهِمْ الظُّهْرَ (مِنًى لِلْمَبِيتِ) بِهَا وَالرَّمْيِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (فَيُصَلُّونَ بِهَا الظُّهْرَ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَا يُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ» ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَفَاضَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَطَافَ وَصَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ مَرَّةً أُخْرَى إمَامًا لِأَصْحَابِهِ كَمَا صَلَّى بِهِمْ فِي بَطْنِ نَخْلٍ مَرَّتَيْنِ بِطَائِفَةٍ، وَمَرَّةً بِأُخْرَى «فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ صَلَاتَهُ بِمِنًى وَجَابِرٌ صَلَاتَهُ بِمَكَّةَ وَالْجَمْع» بِهَذَا قَدْ يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَ طَوَافَهُ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى اللَّيْلِ» فَجَوَابُهُ أَنَّ رِوَايَاتِ غَيْرِهِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ وَأَكْثَرُ رُوَاةً وَأَنَّهُ يُتَأَوَّلُ قَوْلُهُ «أَخَّرَ طَوَافَ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى اللَّيْلِ بِطَوَافِ نِسَائِهِ» فَإِنْ قِيلَ هَذَا التَّأْوِيلُ تَرُدُّهُ رِوَايَةُ «وَزَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ نِسَائِهِ لَيْلًا» قُلْنَا لَعَلَّهُ عَادَ لِلزِّيَارَةِ لَا لِلطَّوَافِ فَزَارَ مَعَ نِسَائِهِ، ثُمَّ عَادَ إلَى مِنًى فَبَاتَ بِهَا.
[فَرْعٌ الْحَلْق رُكْن]
(فَرْعُ الْحَلْقِ) أَيْ إزَالَةُ الشَّعْرِ مِنْ الرَّأْسِ (فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ رُكْنٌ) فَهُوَ نُسُكٌ (لَا اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ) لِلدُّعَاءِ لِفَاعِلِهِ بِالرَّحْمَةِ وَلِتَفْصِلِيهِ عَلَى التَّقْصِيرِ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَا تَفْصِيلَ فِي الْمُبَاحَاتِ فَيُثَابُ فَاعِلُهُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ -
[حاشية الرملي الكبير]
الْكِفَايَةِ الْأَوْلَى لِلضَّعَفَةِ أَنْ يُدْفَعُوا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ
لَا يُثَابُ، ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ (وَلَا تَحَلُّلَ) مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (دُونَهُ) كَسَائِرِ أَرْكَانِهِمَا (إلَّا لِمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ) فَيَتَحَلَّلُ مِنْهُمَا بِدُونِهِ فَلَا يُؤْمَرُ بِهِ بَعْدَ نَبَاتِ شَعْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي (وَلَا يَفْدِي عَاجِزٌ عَنْ أَخْذِهِ لِجِرَاحَةٍ) أَوْ نَحْوِهَا (بَلْ يَصْبِرُ إلَى قُدْرَتِهِ) ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ
(وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَيْهِ) تَشْبِيهًا بِالْحَالِقِينَ قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْمُوسَى يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِبَعْضِ رَأْسِهِ شَعْرٌ لَا يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى الْبَاقِي وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنْ كَمَا يُسْتَحَبُّ الْحَلْقُ فِي الْجَمِيعِ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي قَالُوهُ.
انْتَهَى وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْإِمْرَارُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ تَعَلَّقَ بِجُزْءِ آدَمِيٍّ فَسَقَطَ بِفَوَاتِهِ كَغَسْلِ الْيَدِ فِي الْوُضُوءِ وَأَمَّا خَبَرُ «الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ فَمَوْقُوفٌ» ضَعِيفٌ، وَلَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى النَّدْبِ فَإِنْ قُلْت: قِيَاسُ وُجُوبِ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَ فَقْدِ شَعْرِهِ الْوُجُوبُ هُنَا قُلْنَا: مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ تَعَلَّقَ ثَمَّ بِالرَّأْسِ وَهُنَا بِشَعْرِهِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ مَسَحَ بَشَرَةَ الرَّأْسِ يُسَمَّى مَاسِحًا وَمَنْ مَرَّ بِالْمُوسَى عَلَيْهِ لَا يُسَمَّى حَالِقًا (وَأَنْ يَأْخُذَ) مَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ (مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ) لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ أَخْذِ الشَّعْرِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَأَلْحَقَ بِهِ الْمُتَوَلِّي سَائِرَ مَا يُزَالُ لِلْفِطْرَةِ كَالْعَانَةِ لِمَا ذَكَرَ وَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يُقَيَّدُ بِمَا يُزَالُ لِلْفِطْرَةِ، الْوَاوُ فِي وَشَارِبِهِ بِمَعْنَى أَوْ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهَا كَأَصْلِهِ كَانَ أَوْلَى (وَلَا أَثَرَ لِمَا نَبَتَ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْحَلْقِ فَلَا يُؤْمَرُ بِحَلْقِهِ لِعَدَمِ اشْتِمَالِ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ.
(وَيُجْزِئُ التَّقْصِيرُ) عَنْ الْحَلْقِ (وَإِنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ) وَلَا عِبْرَةَ بِكَوْنِ التَّلْبِيدِ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْعَازِمُ عَلَى الْحَلْقِ غَالِبًا بِخِلَافِ نَذْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي الْوَاجِبُ الْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَقَ هُوَ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (وَهُوَ) أَيْ التَّقْصِيرُ (لِلْمَرْأَةِ أَفْضَلُ) مِنْ الْحَلْقِ رُوِيَ عَنْ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ خَبَرُ «لَيْسَ عَلَى النِّسَاء حَلْقٌ إنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ» يُكْرَهُ لَهَا الْحَلْقُ لِنَهْيِهَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعِ (كَالْحَلْقِ لِلرَّجُلِ) فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّقْصِيرِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ إذْ الْعَرَبُ تَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ وَالْأَفْضَلِ وَلِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَرَوَيَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمُقَصِّرِينَ فَقَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ» نَعَمْ إنْ اعْتَمَرَ قَبْلَ الْحَجِّ فِي وَقْتٍ لَوْ حَلَقَ فِيهِ جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَلَمْ يَسْوَدَّ رَأْسُهُ مِنْ الشَّعْرِ فَالتَّقْصِيرُ أَفْضَلُ نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْإِمْلَاءِ قَالَ فِي، وَقَدْ تَعَرَّضَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْمَسْأَلَةِ لَكِنَّهُ أَطْلَقَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ أَنْ يُقَصِّرَ فِي الْعُمْرَةِ وَيَحْلِقَ فِي الْحَجِّ لِيَقَعَ الْحَلْقُ فِي أَكْمَلِ الْعِبَادَتَيْنِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيُؤْخَذُ مِمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ مِثْلَهُ يَأْتِي فِيمَا لَوْ قَدَّمَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَالَ وَإِنَّمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِي ذَلِكَ بِحَلْقِ بَعْضِ رَأْسِهِ فِي الْحَجِّ وَبِحَلْقِ بَعْضِهِ فِي الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْقَزَعُ نَعَمْ لَوْ خُلِقَ لَهُ رَأْسَانِ فَحَلَقَ أَحَدَهُمَا فِي الْعُمْرَةِ وَالْآخَرَ فِي الْحَجِّ لَمْ يُكْرَهْ لِانْتِفَاءِ الْقَزَعِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَمَا مَرَّ مِنْ تَخْيِيرِ الرَّجُلِ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَنْذُرْ الْحَلْقَ (فَإِنْ نَذَرَهُ وَجَبَ) ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّهِ قُرْبَةٌ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى (وَلَمْ يُجْزِهِ) عَنْهُ (الْقَصُّ) وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يُسَمَّى حَلْقًا كَنَتْفٍ وَإِحْرَاقٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِمَا الْأَصْلُ إذْ الْحَلْقُ اسْتِئْصَالُ الشَّعْرِ -
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصَلِّ بَعْدَ الْإِسْفَارِ يَدْفَعُونَ إلَى مِنًى بِسَكِينَةٍ وَشِعَارُهُمْ التَّلْبِيَةُ وَالذِّكْرُ]
قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لِلرَّجُلِ دُونَ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ لَهُمَا (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ كَمَا يُسْتَحَبُّ الْحَلْقُ فِي الْجَمِيعِ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ هَذَا الْقِيَاسُ بَاطِلٌ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ كَالتَّيَمُّمِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، الثَّانِي أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الِاسْتِحْبَابِ هِيَ التَّشْبِيهُ بِالْحَالِقِينَ وَمَنْ عَلَى رَأْسِهِ بَعْضُ الشَّعْرِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَالِقِينَ فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِالتَّشَبُّهِ، وَهُوَ حَالِقٌ الثَّالِثُ أَنْ يَلْزَمَ عَلَى قِيَاسِ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّقْصِيرِ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى بَقِيَّةِ شَعْرِ رَأْسِهِ هَذِهِ وَسَاوِسُ، وَلَا أَصْلَ لَهَا (قَوْلُهُ وَالْوَجْهُ أَنْ لَا يُقَيَّدَ بِمَا يُزَالُ لِلْفِطْرَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ اشْتِمَالِ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ) الْمُرَادُ بِاشْتِمَالِ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ كَوْنُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ لِلْمَرْأَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْحَلْقِ) بَلْ يُكْرَهُ لَهَا عَلَى الْأَصَحِّ وَقَيَّدَ فِي الْمُهِمَّاتِ الْكَرَاهَةَ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ كَبِيرَةٌ، وَقَالَ الْمُتَّجَهُ فِي صَغِيرَةٍ لَمْ تَنْتَهِ إلَى سِنٍّ يُتْرَكُ فِيهِ شَعْرُهَا أَنَّهَا كَالرَّجُلِ فِي اسْتِحْبَابِ الْحَلْقِ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ حُرَّةً فَالْأَمَةُ إنْ مَنَعَهَا السَّيِّدُ مِنْ الْحَلْقِ حَرُمَ وَكَذَا إنْ لَمْ يَمْنَعْ، وَلَمْ يَأْذَنْ عَلَى الْمُتَّجَهِ الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ خَلِيَّةً عَنْ زَوْجٍ فَالْمُتَزَوِّجَةُ إنْ مَنَعَهَا الزَّوْجُ الْحَلْقَ اُحْتُمِلَ الْجَزْمُ بِامْتِنَاعِهِ لِأَنَّ فِيهِ تَشْوِيهًا وَاحْتُمِلَ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي إجْبَارِهَا عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَمَالُ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْأَصَحُّ الْإِجْبَارُ وَفِي التَّحْرِيمِ عَلَيْهَا عِنْدَ مَنْعِ الْوَلَدِ نَظَرٌ وَالْأَوْجَهُ إثْبَاتُهُ.
اهـ. قَوْلُهُ وَقَالَ فِي صَغِيرَةٍ إلَخْ قَالَ فِي التَّوَسُّطِ، وَهَذَا غَلَطٌ صَرِيحٌ لِعِلَّةِ التَّشْبِيهِ وَلَيْسَ الْحَلْقُ بِمَشْرُوعِ لِلنِّسَاءِ مُطْلَقًا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ اهـ وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ تَغْلِيظِهِ.
الْإِسْنَوِيُّ حَلْقَ رَأْسِ الصَّغِيرَةِ يَوْمَ سَابِعِ وِلَادَتِهَا لِلتَّصْدِيقِ بِزِنَتِهِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ الْعَقِيقَةِ وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنْ كَرَاهَةِ الْحَلْقِ لِلْمَرْأَةِ صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا إذَا كَانَ بِرَأْسِهِمَا أَذَى لَا يُمْكِنُ زَوَالُهُ إلَّا بِالْحَلْقِ كَمُعَالَجَةِ حَبٍّ أَوْ نَحْوِهِ الثَّانِيَةُ إذَا حَلَقَ رَأْسَهَا لِيُخْفِيَ كَوْنَهَا امْرَأَةً خَوْفًا عَلَى نَفْسِهَا مِنْ الزِّنَا أَوْ نَحْوِهِ (قَوْلُهُ فَالتَّقْصِيرُ لَهُ أَفْضَلُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ) فَقَالَ فِي الْخَادِمِ يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ النَّصِّ أَنَّ النُّسُكَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّعْرِ الْحَادِثِ عَلَى الرَّأْسِ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَالتَّحَلُّلِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ لَا يُؤْمَرُ بِالْحَلْقِ بَعْدَ النَّبَاتِ؛ لِأَنَّ النُّسُكَ حَلْقُ شَعْرٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَذَا النُّسُكِ اهـ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِيمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ وَقْتَ الْإِحْرَامِ إنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِحَلْقِهِ بَعْدَ نَبَاتِهِ بِلَا خِلَافٍ قَالَ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ النُّسُكَ هُوَ حَلْقُ شَعْرٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ.
اهـ.
بِالْمُوسَى، وَإِذَا اسْتَأْصَلَهُ بِمَا لَا يُسَمَّى حَلْقًا هَلْ يَبْقَى الْحَلْقُ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِالشَّعْرِ الْمُتَخَلِّفِ تَدَارُكًا لِمَا الْتَزَمَهُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ النُّسُكَ إنَّمَا هُوَ إزَالَةُ شَعْرٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ الْمُتَّجَهُ الثَّانِي لَكِنْ يَلْزَمُهُ لِفَوَاتِ الْوَصْفِ دَمٌ كَمَا لَوْ نَذَرَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مُفْرَدَيْنِ فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ وَكَمَا لَوْ نَذَرَ الْحَجَّ مَاشِيًا وَقُلْنَا بِوُجُوبِ الْمَشْيِ فَرَكِبَ، ثُمَّ نَاذِرُ الْحَلْقِ قَدْ يُطْلِقُهُ فَيَكْفِيهِ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالِاسْتِيعَابِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْقَفَّالِ وَلَهَا أَخَوَاتٌ تَأْتِي فِي النَّذْرِ وَأَشَارَ بِهِ إلَى مَا نُذِرَ وَاسْتِيعَابُ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ وَنَحْوِهِ الْأَصَحُّ فِيهِ اللُّزُومُ، وَقَدْ يُعَبِّرُ بِالْحَلْقِ مُضَافًا فَيَقُولُ: لِلَّهِ عَلَيَّ حَلْقُ رَأْسِي.
وَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُ كَتَصْرِيحِهِ بِالْجَمِيعِ لِلْعُرْفِ وَيُحْتَمَلُ إلْحَاقُهُ بِقَوْلِهِ عَلَيَّ الْحَلْقُ أَوْ أَنْ أَحْلِقَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَنَذْرُ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى التَّقْصِيرَ كَنَذْرِ الرَّجُلِ الْحَلْقَ فِيمَا ذُكِرَ.
(وَيُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ) أَيْ الِابْتِدَاءُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ (وَالِاسْتِقْبَالُ) أَيْ اسْتِقْبَالُ الْمَحْلُوقِ الْقِبْلَةَ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالتَّكْبِيرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ (فِي الْحَلْقِ) وَأَنْ يَبْلُغَ بِالْحَلْقِ إلَى الْعَظْمَيْنِ اللَّذَيْنِ عِنْدَ مُنْتَهَى الصُّدْغَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مُنْتَهَى نَبَاتِ شَعْرِ الرَّأْسِ، وَلَا يَخْتَصُّ مَا عَدَا التَّمْيِيزَ مِنْهَا بِحَلْقِ النُّسُكِ وَفِي نُسْخَةٍ فِي الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ، وَتَقْيِيدُ الرَّافِعِيِّ كَالْمَاوَرْدِيِّ التَّكْبِيرَ بِفَرَاغِ الْحَلْقِ مُحْتَمَلٌ وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلدَّمِيرِيِّ تَقْيِيدَهُ بِعِنْدِهِ إلَى الْفَرَاغِ فَقَالَ وَأَنْ يُكَبِّرَ عِنْدَهُ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُ قَالَ وَفِي مُثِيرِ الْعَزْمِ السَّاكِنِ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ قَالَ: أَخْطَأْت فِي حَلْقِ رَأْسِي فِي خَمْسَةِ أَحْكَامٍ عَلَّمَنِيهَا حَجَّامٌ أَتَيْتُهُ بِمِنًى فَقُلْت لَهُ بِكَمْ تَحْلِقُ رَأْسِي؟ فَقَالَ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ قُلْت نَعَمْ قَالَ النُّسُكُ لَا يُشَارَطُ عَلَيْهِ اجْلِسْ قَالَ فَجَلَسْت مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ فَقَالَ لِي: حَوِّلْ وَجْهَكَ إلَى الْقِبْلَةِ فَحَوَّلْته، وَأَرَدْته أَنْ يَحْلِقَ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَقَالَ أَدِرْ الْأَيْمَنَ فَأَدَرْته فَجَعَلَ يَحْلِقُ وَأَنَا سَاكِتٌ فَقَالَ: كَبِّرْ كَبِّرْ فَكَبَّرْت فَلَمَّا فَرَغَ قُمْت لِأَذْهَبَ فَقَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ امْضِ قُلْت لَهُ مِنْ أَيْنَ لَك مَا أَمَرْتَنِي بِهِ قَالَ رَأَيْت عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَفْعَلُهُ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (التَّقْصِيرُ) لِمَنْ يُقَصِّرُ (قَدْرَ أُنْمُلَةٍ مِنْ جَمِيعِ الرَّأْسِ) وَحُكْمُ تَقْصِيرِ مَا زَادَ عَلَيْهَا حُكْم الْحَلْقُ (وَيُجْزِئُ) فِي الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ (ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ دُفْعَةً مِنْ الرَّأْسِ) لِوُجُوبِ الدَّمِ بِإِزَالَتِهَا الْمُحَرَّمَةِ وَاكْتِفَاءً بِمُسَمَّى الْجَمْعِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] أَيْ شَعْرًا مِنْ رُءُوسِكُمْ (لَا دُفُعَاتٍ) بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ عَدَمِ تَكْمِيلِ الدَّمِ بِإِزَالَتِهَا الْمُحَرِّمَةِ، وَهَذَا وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ أَصْلِهِ مِنْ الْبِنَاءِ الْمَذْكُورِ لَكِنْ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ وَمَنَاسِكِهِ الِاكْتِفَاءُ بِهَا مَعَ فَوَاتِ الْفَضِيلَةِ وَيُجَابُ عَنْ الْبِنَاءِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاتِّحَادُ فِي التَّصْحِيحِ وَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِيمَا قُلْنَاهُ لَا يَأْتِي فِي الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ الْمَأْخُوذَةِ بِدُفُعَاتٍ وَإِنْ سَوَّى الْأَصْلُ بَيْنَهُمَا فِي الْبِنَاءِ الْمَذْكُورِ وَيَكْتَفِي فِي أَخْذِ الشَّعْرِ (بِقَصٍّ أَوْ نَتْفٍ أَوْ إحْرَاقٍ) أَوْ غَيْرِهِ (مِنْ مُسْتَرْسِلٍ وَغَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إزَالَةُ الشَّعْرِ، وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ طَرِيقٌ إلَيْهَا عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي مَا دُونَ الثَّلَاثِ، وَلَا ثَلَاثَ مِنْ غَيْرِ الرَّأْسِ أَوْ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّ مَا وَرَدَ مِنْ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ مُخْتَصٌّ بِالرَّأْسِ (وَيُسْتَحَبُّ دَفْنُ الشَّعْرِ) احْتِرَامًا لَهُ قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ وَدَفْنُ الشَّعْرِ الْحَسَنِ آكَدُ لِئَلَّا يُؤْخَذَ لِلْوَصْلِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ وَأَظْفَارِهِ إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْحَلْقِ اللَّهُمَّ آتِي بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً وَامْحُ عَنِّي سَيِّئَةً وَارْفَعْ لِي بِهَا دَرَجَةً وَاغْفِرْ لِي وَلِلْمُحَلِّقِينَ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ يَتَطَيَّبَ وَيَلْبَسَ.
(فَصْلٌ أَعْمَالُ يَوْمِ النَّحْرِ) فِي الْحَجِّ (أَرْبَعَةٌ: رَمْيُ الْجَمْرَةِ) أَيْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (وَالذَّبْحُ لِلْهَدْيِ وَالْحَلْقُ) أَوْ التَّقْصِيرُ (وَالطَّوَافُ) كَمَا مَرَّ (وَتَرْتِيبُهَا) عَلَى مَا ذَكَرَ (سُنَّةٌ) لِلِاتِّبَاعِ (فَلَوْ حَلَقَ) أَوْ قَصَّرَ (أَوَّلًا) أَيْ قَبْلَ الثَّلَاثَةِ الْأُخَرِ (فَلَا فِدْيَةَ) عَلَيْهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ تَرْتِيبُهَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُمْ يَسْأَلُونَهُ فَقَالَ رَجُلٌ لَمْ أُشْعِرْ فَحَلَقْت قَبْلَ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ الْمُتَّجَهُ الثَّانِي إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَمُرَادُ الْأَصْلِ عَدَمُ إجْزَائِهِ فِي خُرُوجِهِ عَنْ عُهْدَةِ نَذْرِهِ لَا عَدَمُ حُصُولِ التَّحَلُّلِ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِذَلِكَ لَا مَحَالَةَ وَإِنْ أَثِمَ بِتَفْوِيتِ الْوَفَاءِ بِالْمَنْذُورِ مَعَ التَّمَكُّنِ وَكَتَبَ أَيْضًا الْمُتَّجَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ ثُمَّ نَاذِرُ الْحَلْقِ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فَإِنْ نَذَرَهُ فِي وَقْتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا حَلْقُ شَعْرِ الرَّأْسِ جَمِيعِهِ (قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ فِي اللُّزُومِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُ كَتَصْرِيحِهِ بِالْجَمِيعِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلدَّمِيرِيِّ إلَخْ) وَأَنْ يُكَبِّرَ عِنْدَ فَرَاغِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ
(قَوْلُهُ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] أَيْ شَعْرَهَا؛ لِأَنَّهَا نَفْسَهَا لَا تُحْلَقُ وَلَا تُقَصَّرُ وَالشَّعْرُ جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ كَذَا اسْتَدَلُّوا بِهِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْنَا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُضَافُ يُفِيدُ الْعُمُومَ وَيَدُلُّ لَهُ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ الطَّرِيقُ فِي التَّوْجِيهِ أَنْ يُقَدَّرَ لَفْظُ الشَّعْرِ مُنَكَّرًا مَقْطُوعًا عَنْ الْإِضَافَةِ (قَوْلُهُ أَيْ شَعْرًا مِنْ رُءُوسِكُمْ) أَوْ نَقُولُ قَامَ الْإِجْمَاعُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ فَاكْتَفَيْنَا فِي الْوُجُوبِ بِمُسَمَّى الْجَمْعِ.
اهـ.، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إلَّا شَعْرَةٌ أَوْ ثِنْتَانِ وَجَبَ إزَالَتُهَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ لَكِنْ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ وَمَنَاسِكِهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِيمَا قُلْنَاهُ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ قَالَ شَارِحٌ هُنَا لَوْ أَخَذَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا ثُمَّ شَيْئًا ثُمَّ شَيْئًا فَإِنْ تَقَطَّعَ الزَّمَانُ كَفَى وَإِنْ تَوَاصَلَ فَكَالشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ هَذَا مَرْدُودٌ كَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إعَادَةِ الضَّمِيرِ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فَظَنَّ أَنَّهُ لِلشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَةِ ذَلِكَ فَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ حَلْقًا، وَلَا تَقْصِيرًا شَرْعِيًّا وَلَا يُعَضِّدُهُ خَبَرٌ، وَلَا أَثَرٌ.
أَنْ أَذْبَحَ فَقَالَ: اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ لَمْ أُشْعِرْ فَنَحَرْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ ارْمِ، وَلَا حَرَجَ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَمْرٍو أَيْضًا «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ ارْمِ، وَلَا حَرَجَ وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ إنِّي ذَبَحْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ ارْمِ، وَلَا حَرَجَ وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ إنِّي أَفَضْت إلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ ارْمِ، وَلَا حَرَجَ قَالَ فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ يَوْمَئِذٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ» .
(وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا إلَّا الذَّبْحُ) لِلْهَدْيِ (بِانْتِصَافِ لَيْلَةِ النَّحْرِ) لِمَنْ وَقَفَ قَبْلَهُ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَفَاضَتْ وَقِيسَ بِالرَّمْيِ الْآخَرَانِ» بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ، وَوُجِّهَتْ الدَّلَالَةُ مِنْ الْخَبَرِ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّقَ الرَّمْيَ بِمَا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَهُوَ صَالِحٌ لِجَمِيعِ اللَّيْلِ، وَلَا ضَابِطَ لَهُ فَجَعَلَ النِّصْفَ ضَابِطًا؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ مِمَّا قَبْلَهُ؛ وَلِأَنَّهُ وَقْتُ الدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَلِأَذَانِ الصُّبْحِ فَكَانَ وَقْتًا لِلرَّمْيِ كَمَا بَعْدَ الْفَجْرِ أَمَّا الذَّبْحُ لِلْهَدْيِ أَيْ الْمَسُوقُ تَقَرُّبًا لِلَّهِ فَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِدُخُولِ وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ (وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ غَيْرِ الذَّبْحِ (إلَى بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ) لِلِاتِّبَاعِ (وَمَا بَدَأَ بِهِ مِنْهَا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ) بِالتَّكْبِيرِ (مَعَهُ) لَأَخْذِهِ فِي أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ فَلَا مَعْنَى لِلتَّلْبِيَةِ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِإِجَابَةِ الدَّاعِي إلَى أَدَاءِ النُّسُكِ (وَيَقْطَعُهَا) أَيْ التَّلْبِيَةَ (فِي الْعُمْرَةِ بِالطَّوَافِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ تَحَلُّلِهَا (وَيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْيِ إلَى مَغْرِبِ يَوْمِ النَّحْرِ) رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنِّي رَمَيْت بَعْدَمَا أَمْسَيْت قَالَ لَا حَرَجَ» وَالْمَسَاءُ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ وَخَرَجَ بِالْمَغْرِبِ مَا بَعْدَهُ فَلَا يَكْفِي الرَّمْيُ بَعْدَهُ لِعَدَمِ وُرُودِهِ، كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا أَخَّرَ رَمْيَ يَوْمٍ إلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ يَقَعُ أَدَاءً وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ وَقْتَهُ لَا يَخْرُجُ بِالْغُرُوبِ، وَأُجِيبَ بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَمَا هُنَاكَ عَلَى وَقْتِ الْجَوَازِ، وَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ وَقْتَ الْفَضِيلَةِ لِرَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ يَنْتَهِي بِالزَّوَالِ فَيَكُونُ لِرَمْيِهِ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ وَوَقْتُ جَوَازٍ.
(وَ) يَبْقَى وَقْتُ (الذَّبْحِ لِلْهَدْيِ إلَى آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) كَالْأُضْحِيَّةِ (وَالْآخَرَانِ) أَيْ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ وَالطَّوَافُ الْمَتْبُوعُ بِالسَّعْيِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى (لَا يَتَوَقَّتَانِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّوْقِيتِ نَعَمْ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهُمَا عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَتَأْخِيرُهُمَا عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَشَدُّ كَرَاهَةً وَعَنْ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ أَشَدُّ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِهِمَا عَنْ أَيَّامِ الْحَجِّ وَاسْتُشْكِلَ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ لِصَاحِبِ الْفَوَاتِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى إحْرَامِهِ لِلسَّنَةِ الْقَابِلَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْإِحْرَامِ كَابْتِدَائِهِ، وَابْتِدَاؤُهُ لَا يَجُوزُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ فِي تِلْكَ لَا يَسْتَفِيدُ بِبَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ شَيْئًا غَيْرَ مَحْضِ تَعْذِيبَ نَفْسِهِ لِخُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَحَرُمَ بَقَاؤُهُ عَلَى إحْرَامِهِ وَأُمِرَ بِالتَّحَلُّلِ، وَأَمَّا هُنَا فَوَقْتُ مَا أَخَّرَهُ بَاقٍ فَلَا يَحْرُمُ بَقَاؤُهُ عَلَى إحْرَامِهِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِالتَّحَلُّلِ وَهُوَ بِمَثَابَةِ مَنْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ وَقْتَهَا ثَمَّ مَدَّهَا بِالْقِرَاءَةِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ (فَمَنْ نَفَرَ قَبْلَ الطَّوَافِ، وَلَمْ يَطُفْ لِوَدَاعٍ، وَلَا غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَبِحْ النِّسَاءَ) وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ لِبَقَائِهِ مُحْرِمًا.
(فَرْعٌ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ) لِطُولِ زَمَنِهِ وَكَثْرَةِ أَفْعَالِهِ كَالْحَيْضِ لَمَّا طَالَ زَمَنُهُ جُعِلَ لَهُ تَحَلُّلَانِ: انْقِطَاعُ الدَّمِ، وَالْغُسْلُ بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ لَيْسَ لَهَا إلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ كَمَا سَيَأْتِي لِقِصَرِ زَمَنِهَا كَالْجَنَابَةِ (فَيَحْصُلُ) التَّحَلُّلُ (الْأَوَّلُ) مِنْ تَحَلُّلَيْ الْحَجِّ (بِاثْنَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ: الرَّمْيُ) أَيْ رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ (وَالْحَلْقُ) أَوْ التَّقْصِيرُ (وَالطَّوَافُ) وَاحْتَجُّوا لَهُ بِخَبَرِ «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَضَعَّفُوهُ وَاَلَّذِي صَحَّ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» وَقَضِيَّةُ حُصُولِ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ بِالرَّمْيِ وَحْدَهُ (فَإِنْ بَقِيَ السَّعْيُ فَهُوَ كَالْجُزْءِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الطَّوَافِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ (وَيَحِلُّ بِهِ) أَيْ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ (مَا سِوَى الْجِمَاعِ، وَكَذَا مُقَدِّمَاتِهِ وَعَقْدِهِ) أَيْ يَحِلُّ بِهِ مَا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مِنْ لُبْسٍ وَقَلْمٍ وَصَيْدٍ وَطِيبٍ وَدَهْنٍ وَسَتْرِ رَأْسِ الرَّجُلِ وَوَجْهِ الْمَرْأَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهَا بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ غَيْرِ السَّابِقِ فِيهِمَا وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ» (وَيُسْتَحَبُّ الطِّيبُ) أَيْ اسْتِعْمَالُهُ (بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ أَعْمَالُ يَوْمِ النَّحْرِ فِي الْحَجِّ]
قَوْلُهُ وَيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْيِ إلَى مَغْرِبِ يَوْمِ النَّحْرِ) لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُشْعِرُ بِهِ سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ لَهُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ (قَوْلُهُ وَيَبْقَى وَقْتُ الذَّبْحِ لِلْهَدْيِ إلَخْ) قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ وَلَا يَخْتَصُّ الذَّبْحُ بِزَمَنٍ قُلْت الصَّحِيحُ اخْتِصَاصُهُ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ عَلَى الصَّوَابِ وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مُرَادَ الرَّافِعِيِّ هُنَا دَمُ الْجُبْرَانَاتِ وَالْمَحْظُورَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ كَوَفَاءِ الدُّيُونِ وَأَمَّا مَا يُسَاقُ مِنْ هَدْيٍ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ لَكِنَّ الرَّافِعِيَّ أَطْلَقَ ذِكْرَ الْهَدْيِ هُنَا، وَلَمْ يَخُصَّهُ بِوَاجِبٍ، وَلَا غَيْرِهِ وَاسْمُ الْهَدْيِ يَقَعُ عَلَى الْجَمِيعُ فَتَوَجَّهَ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِهِمَا عَنْ أَيَّامِ الْحَجِّ) قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الطَّوَافِ إلَى آخِرِ الْعُمْرَةِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ قَدْ تَحَلَّلَ التَّحَلُّلَ الْأَوَّلَ أَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ إلَى الْعَامِ الْقَابِلِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ قَالَ الدَّمِيرِيِّ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ، فَوَاتُ الْحَجِّ يَحْرُمُ فِيهِ مُصَابَرَةُ الْإِحْرَامِ جَزْمًا وَالْمُحْصَرُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالْكُلِّيَّةِ وَالطَّوَافُ وَالْحَلْقُ وَالرَّمْيُ لَا آخَرَ لِوَقْتِهَا (قَوْلُهُ فَلَا يَحْرُمُ بَقَاؤُهُ عَلَى إحْرَامِهِ إلَخْ) ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَأْخِيرِ التَّحَلُّلِ لِيَمُوتَ مُحْرِمًا فَيُبْعَثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا، وَأَمَّا الْحَجُّ الْفَاسِدُ فَلَيْسَ لَهُ وَقْتُ أَدَاءٍ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ بَلْ يَجِبُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ الِاسْتِمْرَارُ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْفَاسِدَةِ
التَّحَلُّلَيْنِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَحِلُّهُ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» وَالدُّهْنُ مُلْحَقٌ بِالطِّيبِ (وَيَحْصُلُ) التَّحَلُّلُ (الثَّانِي بِالثَّالِثِ) مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ فَيَحِلُّ بِهِ بَاقِي الْمُحَرَّمَاتِ وَهِيَ الْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ وَعَقْدُهُ.
(وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْوَطْءِ عَنْ رَمْيِ بَاقِي الْأَيَّامِ) أَيْ أَيَّامِ الرَّمْيِ وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ لِيَزُولَ عَنْهُ أَثَرُ الْإِحْرَامِ كَذَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْجُمْهُورِ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَلَا مَعْنَى لَهُ وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ خَبَرُ «أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» وَخَبَرُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أُمَّ سَلَمَةَ لِتَطُوفَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَكَانَ يَوْمَهَا فَأَحَبَّ أَنْ تُوَفِّيهِ لِيُوَاقِعَهَا» وَعَلَيْهِ بَوَّبَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَّةِ بَابِ الرَّجُلِ يَزُورُ الْبَيْتَ، ثُمَّ يُوَاقِعُ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مِنًى فَذَكَرَهُ (فَلَوْ فَاتَهُ الرَّمْيُ) أَيْ رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ بِأَنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَلَزِمَهُ بَدَلُهُ (تَوَقَّفَ التَّحَلُّلُ عَلَى الْبَدَلِ) ، وَلَوْ صَوْمًا لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ التَّوَقُّفِ وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَنَقَلَ فِي الْكِفَايَةِ فِيهِ عَنْ بَعْضِهِمْ الْإِجْمَاعَ، قَالَ فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ عَلَى الْأَوَّلِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمُحْصَرِ إذَا عَدِمَ الْهَدْيَ فَإِنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ تَوَقُّفِ التَّحَلُّلِ عَلَى بَدَلِهِ، وَهُوَ الصَّوْمُ قُلْنَا: الْفَرْقُ أَنَّ التَّحَلُّلَ إنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَصْرِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَتَضَرَّرَ بِالْمَقَامِ عَلَى الْإِحْرَامِ فَلَوْ أَمَرْنَاهُ بِالصَّبْرِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَدَلِ لَتَضَرَّرَ، وَفَرَّقَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمُحْصَرَ لَيْسَ لَهُ إلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ فَلَوْ تَوَقَّفَ تَحَلُّلُهُ عَلَى الْبَدَلِ لَشَقَّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ عَلَى سَائِرِ مُحَرَّمَاتِ الْحَجِّ إلَى الْإِتْيَانِ بِالْبَدَلِ وَاَلَّذِي يَفُوتُهُ الرَّمْيُ يُمْكِنُهُ الشُّرُوعُ فِي التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَإِذَا أَتَى بِهِ حَلَّ لَهُ مَا عَدَا النِّكَاحَ وَمُقَدِّمَاتِهِ وَعَقْدَهُ فَلَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي الْإِقَامَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْبَدَلِ.
[فَرْعٌ التَّحَلُّل مِنْ الْعُمْرَة]
(فَرْعٌ يَحِلُّ مِنْ الْعُمْرَةِ) الْمُحْرِمُ بِهَا (بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَكَذَا الْحَلْقِ) أَوْ التَّقْصِيرِ وَإِنَّمَا لَمْ يَعُدُّوا السَّعْيَ فِي الْحَجِّ مُسْتَقِلًّا كَمَا فِي الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ فِيهِ إذْ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِخِلَافِهِ فِي الْعُمْرَةِ (فَيُفْسِدُهَا الْجِمَاعُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْحَلْقِ لِوُقُوعِهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ (وَوَقْتُ الْحَلْقِ) لِلْمُعْتَمِرِ (بَعْدَ السَّعْيِ) فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ مَبِيتُ لَيَالِي أَيَّام التَّشْرِيق وَاجِب]
(فَصْلٌ مَبِيتُ لَيَالِي مِنًى) وَهِيَ لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (وَاجِبٌ) لِلِاتِّبَاعِ مَعَ خَبَرِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ لِأَجْلِ السِّقَايَةِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ تَرْكُهُ (مُعْظَمَ اللَّيْلِ) كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيتُ بِمَكَانٍ لَا يَحْنَثُ بِمَبِيتِهِ مُعْظَمَ اللَّيْلِ وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِسَاعَةٍ فِي نِصْفِ الثَّانِي بِمُزْدَلِفَةَ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ وَقَعَ فِيهَا بِخُصُوصِهَا إذْ بَقِيَّةُ الْمَنَاسِكِ يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِالنِّصْفِ وَهِيَ كَثِيرَةُ مَشَقَّةٍ فَسُومِحَ فِي التَّخْفِيفِ لِأَجْلِهَا (فَيَجِبُ بِتَرْكِهِ) أَيْ مَبِيتِ لَيَالِيِ مِنًى (دَمٌ) لِتَرْكِهِ الْمَبِيتَ الْوَاجِبَ كَنَظِيرِهِ تَرْكَ مَبِيتِ مُزْدَلِفَةَ (وَفِي) تَرْكِ مَبِيتِ (اللَّيْلَةِ) الْوَاحِدَةِ مِنْ لَيَالِيِ مِنًى (مُدٌّ وَاللَّيْلَتَيْنِ مُدَّانِ) مِنْ الطَّعَامِ وَفِي تَرْكِ الثَّلَاثِ مَعَ لَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ دَمَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَبِيتَيْنِ زَمَانًا وَمَكَانًا وَيُفَارِقُ مَا يَأْتِي فِي تَرْكِ الرَّمْيَيْنِ بِأَنَّ تَرْكَهَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ مَكَانَيْنِ وَزَمَانَيْنِ وَتَرْكَ الرَّمْيَيْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ إلَّا تَرْكَ زَمَانَيْنِ (فَلَوْ نَفَرَ مَعَ ذَلِكَ) أَيْ مَعَ تَرْكِهِ مَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى (فِي) الْيَوْمِ (الثَّانِي فَدَمٌ) يَلْزَمُهُ (أَوْ فِي) الْيَوْمِ (الْأَوَّلِ) وَفِي نُسْخَةٍ أَوْ فِي اللَّيْلِ أَيْ لَيْلِ الثَّالِثِ (فَدَمٌ) أَيْضًا لِتَرْكِهِ جِنْسَ الْمَبِيتِ بِمِنًى فِيهِمَا، وَلَوْ قَالَ فِي الثَّانِي أَوْ فِي الْأَوَّلِ فَدَمٌ لَكَانَ أَوْضَحَ وَأَخْصَرَ.
(وَيَسْقُطُ الْمَبِيتُ) بِمُزْدَلِفَةُ وَمِنًى (وَالدَّمُ عَنْ الرِّعَاءِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ (إنْ خَرَجُوا) مِنْهَا (قَبْلَ الْغُرُوبِ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ أَنْ يَتْرُكُوا الْمَبِيتَ بِمِنًى» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقِيسَ بِمِنًى مُزْدَلِفَةَ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا قَبْلَ الْغُرُوبِ بِأَنْ كَانُوا بِهِمَا بَعْدَهُ وَلَزِمَهُمْ مَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَالرَّمْيُ مِنْ الْغَدِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْخُرُوجِ قَبْلَ الْغُرُوبِ فِي مَبِيتِ مُزْدَلِفَةَ مِنْ زِيَادَتِهِ وَصُورَتُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا حِينَئِذٍ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ (وَعَنْ أَهْلِ السِّقَايَةِ) بِكَسْرِ السِّينِ مَوْضِعٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يُسْقَى فِيهِ الْمَاءُ وَيُجْعَلُ فِي حِيَاضِ يُسَبَّلُ لِلشَّارِبِينَ (مُطْلَقًا) عَنْ تَقْيِيدِ خُرُوجِهِمْ بِقَبْلِ الْغُرُوبِ (وَلَوْ كَانَتْ) أَيْ السِّقَايَةُ (مُحْدَثَةً) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى» لِأَجْلِ السِّقَايَةِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُ الْعَبَّاسِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ السِّقَايَةِ فِي مَعْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَبَّاسِيًّا، وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِمْ قَبْلَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ بِاللَّيْلِ بِخِلَافِ الرَّعْيِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي السِّقَايَةِ الْحَادِثَةِ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ -
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْعٌ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ]
قَوْلُهُ، وَلَوْ قَالَ فِي الثَّانِي أَوْ فِي الْأَوَّلِ فَدَمٌ إلَخْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَلَوْ نَفَرَ مَعَ ذَلِكَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ فَدَمٌ.
وَأَمَّا الرَّافِعِيُّ فَإِنَّمَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَغَوِيّ وَنَقَلَ الْمَنْعَ عَنْ ابْنِ كَجٍّ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ فَقَدْ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَذَكَرَ الْأَذْرَعِيُّ نَحْوَهُ وَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ يُؤَيِّدُهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ إلْحَاقِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسٍ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يَأْتِي قَرِيبًا بِهَؤُلَاءِ (وَلِهَؤُلَاءِ) أَيْ الرِّعَاءِ وَأَهْلِ السَّاقِيَّةِ (تَأْخِيرُ الرَّمْيِ يَوْمًا فَقَطْ وَيَقْضُونَهُ) بِمَعْنَى يُؤَدُّونَهُ فِي تَالِيهِ (أَوَّلًا) أَيْ قَبْلَ رَمْيِهِ لَا رَمْيَ يَوْمَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ فَلَوْ نَفَرُوا بَعْدَ الرَّمْيِ يَوْمَ النَّحْرِ عَادُوا فِي ثَانِي التَّشْرِيقِ أَوْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَادُوا فِي الثَّالِثِ وَلَهُمْ أَنْ يَنْفِرُوا مَعَ النَّاسِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ تَأْخِيرِ رَمْيِ يَوْمَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِوَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَإِلَّا فَقَدْ مَرَّ أَنَّ وَقْتَ الْجَوَازِ يَمْتَدُّ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَوْلُ الْمَجْمُوعِ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ لَا يُرَخَّصُ لِلرِّعَاءِ فِي تَرْكِ رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ أَيْ فِي تَأْخِيرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ لَهُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ.
(وَيُعْذَرُ فِي) تَرْكِ (الْمَبِيتِ) وَعَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ (خَائِفٌ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ فَوْتِ أَمْرٍ) بِطَلَبِهِ كَآبِقٍ (أَوْ ضَيْعَةٍ) أَوْ ضَيَاعِ (مَرِيضٍ) بِتَرْكِ تَعَهُّدِهِ؛ لِأَنَّهُ ذُو عُذْرٍ فَأَشْبَهَ الرِّعَاءَ وَأَهْلَ السِّقَايَةِ وَلَهُ أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَ) يُعْذَرُ فِيمَا ذُكِرَ (مَشْغُولٌ بِتَدَارُكِ الْحَجِّ) بِأَنْ انْتَهَى إلَى عَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَاشْتَغَلَ بِالْوُقُوفِ بِهَا (عَنْ مَبِيتِ مُزْدَلِفَةَ) لِاشْتِغَالِهِ بِالْأَهَمِّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ إلَى مُزْدَلِفَةَ لَيْلًا فَإِنْ أَمْكَنَهُ وَجَبَ جَمْعًا بَيْنَ الْوَاجِبَيْنِ (وَكَذَا) يُعْذَرُ (مَنْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ) إلَى مَكَّةَ (لِيَطُوفَ) لِلْإِفَاضَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَفَاتَهُ الْمَبِيتُ لِاشْتِغَالِهِ بِالطَّوَافِ كَاشْتِغَالِهِ بِالْوُقُوفِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمُرَّ فِي طَرِيقِهِ بِمُزْدَلِفَةَ أَمْ لَا.
(فَصْلٌ وَيَخْطُبُ بِهِمْ الْإِمَامُ) أَوْ نَائِبُهُ نَدْبًا (بَعْدَ) صَلَاةِ (ظُهْرِ) يَوْمِ (النَّحْرِ بِمِنًى خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا حُكْمَ الطَّوَافِ وَالرَّمْيِ) وَالنَّحْرِ (وَالْمَبِيتِ وَمَنْ يُعْذَرُ فِيهِ) لِيَأْتُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا مِنْهُمَا عَلَى وَجْهِهِ، وَيَتَدَارَكُوا مَا أَخَلُّوا بِهِ مِنْهَا مِمَّا فَعَلُوهُ وَمَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ كَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِيهَا الْأَحَادِيثُ وَهِيَ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّهَا كَانَتْ صَخْرَةً يَوْمَ النَّحْرِ (ثُمَّ يَخْطُبُ بِهِمْ كَذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِمِنًى خُطْبَةَ (ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (وَيُعَلِّمُهُمْ) فِيهَا (جَوَازَ النَّفْرِ) فِيهِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَغَيْرِهِ (وَيُوَدِّعُهُمْ) وَيَأْمُرُهُمْ بِخَتْمِ الْحَجِّ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَحَصَى الرَّمْيِ) جَمِيعُهُ (سَبْعُونَ) حَصَاةً لِرَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ سَبْعٌ وَلِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إحْدَى وَعِشْرُونَ لِكُلِّ جَمْرَةٍ سَبْعٌ (فَإِنْ نَفَرَ فِي) الْيَوْمِ (الثَّانِي قَبْلَ الْغُرُوبَ سَقَطَ عَنْهُ الْمَبِيتُ) أَيْ مَبِيبُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ (وَرَمَى) الْيَوْمَ (الثَّالِثَ، وَهُوَ) أَيْ مَا يُرْمَى بِهِ فِيهِ (إحْدَى وَعِشْرُونَ حَصَاةً) ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَلَا إثْمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] وَلِإِتْيَانِهِ بِمُعْظَمِ الْعِبَادَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا بَاتَ اللَّيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَبِتْهُمَا لَمْ يَسْقُطْ مَبِيتُ الثَّالِثَةِ، وَلَا رَمْيُ يَوْمِهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ فِيمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الرُّويَانِيِّ عَنْ الْأَصْحَابِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَيُتَّجَهُ طَرْدُ ذَلِكَ فِي الرَّمْيِ أَيْضًا (فَيَتْرُكُهَا) أَيْ الْإِحْدَى وَالْعِشْرِينَ أَيْ يَطْرَحُهَا أَوْ يَدْفَعُهَا لِمَنْ لَمْ يَرْمِ (وَلَا يَنْفُرُ بِهَا) وَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ دَفْنِهَا لَا أَصْلَ لَهُ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ النَّفْرِ إلَى الثَّالِثِ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَرَ فِيهِ» وَالتَّأْخِيرُ لِلْإِمَامِ آكَدُ مِنْهُ لِغَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ وَشَمَلَ كَلَامُهُ كَالرَّوْضَةِ مَا لَوْ نَفَرَ قَبْلَ رَمْيِهِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا ذُكِرَ وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ مَعَ تَقْيِيدِهِ النَّفْرَ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَاسْتَحْسَنَهُ فَقَالَ مَا حَاصِلُهُ: إنَّهُ لَوْ نَفَرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَلَمْ يَرْمِ فَإِنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَاتَهُ الرَّمْيُ، وَلَا اسْتِدْرَاكَ لَزِمَهُ الدَّمُ، وَلَا حُكْمَ لِمَبِيتِهِ لَوْ عَادَ بَعْدَ غُرُوبِهَا وَبَاتَ حَتَّى لَوْ رَمَى فِي النَّفْرِ الثَّانِي لَمْ يُعْتَدَّ بِرَمْيِهِ؛ لِأَنَّهُ بِنَفَرِهِ أَعْرَضَ عَنْ مِنًى وَالْمَنَاسِكِ وَإِنْ لَمْ تَغْرُبْ فَأَقْوَالٌ: أَحَدُهَا أَنَّ الرَّمْيَ انْقَطَعَ، وَلَا يَنْفَعُهُ الْعَوْدُ، وَثَانِيهَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ وَيَرْمِي مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ فَإِنْ غَرَبَتْ تَعَيَّنَ الدَّمُ، وَثَالِثُهَا تَخَيَّرَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ نَفَرَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَعَادَ وَزَالَتْ، وَهُوَ بِمِنًى فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِأَنَّ خُرُوجَهُ لَا يُؤَثِّرُ أَوْ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَقَدْ انْقَطَعَتْ الْعَلَائِقُ أَوْ بَيْنَهُمَا فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَرْمِيَ لَكِنَّ تَقْيِيدَ الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ وَالشَّرْحَيْنِ النَّفْرَ بَعْدَ الرَّمْيِ يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي سُقُوطِ الْمَبِيتِ وَالرَّمْيِ وَبِهِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ إلَخْ) اسْتَنْبَطَ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَوْ بَاتَ مَنْ شُرِطَ مَبِيتُهُ فِي مَدْرَسَةٍ مَثَلًا خَارِجَهَا لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ زَوْجَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ نَحْوِهَا لَمْ يَسْقُطْ مِنْ جَامِكِيَّتِهِ شَيْءٌ كَمَا لَا يُجْبَرُ تَرْكُ الْمَبِيتِ لِلْمَعْذُورِ بِالدَّمِ قَالَ وَهُوَ مِنْ النَّفَائِسِ الْحُسْنَى، وَلَمْ أُسْبَقْ إلَيْهِ.
اهـ. (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا فَرْقَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَصَلِّ وَيَخْطُبُ بِهِمْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ نَدْبًا بَعْدَ صَلَاةِ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى خُطْبَةً]
(قَوْلُهُ فَإِنْ نَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي) أَيْ بَعْدَ رَمْيِهِ (قَوْلُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ، وَلَا يَنْفِرُ بِهَا) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا مَعْنَاهُ يَذْهَبُ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ بِنَفْرِهِ أَعْرَضَ عَنْ مِنًى وَالْمَنَاسِكِ) فَاسْتَقَرَّتْ الْفِدْيَةُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (قَوْلُهُ وَثَانِيهَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ وَيَرْمِي) وَهُوَ الْأَصَحُّ لِبَقَاءِ وَقْتِهِ (قَوْلُهُ فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِأَنَّ خُرُوجَهُ لَا يُؤَثِّرُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ وَقْتَ الرَّمْيِ وَإِمْكَانِهِ (وَقَوْلُهُ أَوْ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَدْ انْقَطَعَتْ الْعَلَائِقُ) إنْ كَانَ خُرُوجُهُ قَبْلَ وَقْتِ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْخُرُوجِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ حَلَّتْ مَحَلَّ إنْشَاءِ الْخُرُوجِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ (وَقَوْلُهُ أَوْ بَيْنَهُمَا فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَرْمِي) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
صَرَّحَ الْعِمْرَانِيُّ عَنْ الشَّرِيفِ الْعُثْمَانِيِّ قَالَ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّفْرَ غَيْرُ جَائِزٍ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَّجَهٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَالشَّرْطُ أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالرَّمْيِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ قَبْلَ الْغُرُوبِ إيضَاحٌ لِمَا قَبْلَهُ وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْمَبِيتُ، وَلَا الرَّمْيُ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ (فَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَهُوَ فِي شُغْلِ الِارْتِحَالِ فَلَهُ النَّفْرُ) ؛ لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِ حَلَّ الرَّحْلِ وَالْمَتَاعِ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا تَبِعَ فِيهِ أَصْلَ الرَّوْضَةِ وَهُوَ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَغَيْرُهُ غَلَطٌ سَبَبُهُ سُقُوطُ شَيْءٍ مِنْ بَعْضِ نُسَخِ الْعَزِيزِ.
وَالْمُصَحَّحُ فِيهِ وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَمَنَاسِكِ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ النَّفْرُ بِخِلَافِ مَا لَوْ ارْتَحَلَ وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ مِنْ مِنًى فَإِنْ لَهُ النَّفْرَ (وَكَذَا لَوْ عَادَ) إلَى مِنًى بَعْدَ نَفَرِهِ قَبْلَ الْغُرُوبِ (لِحَاجَةٍ) كَزِيَارَةٍ (فَغَرَبَتْ) أَوْ غَرَبَتْ فَعَادَ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ فَلَهُ النَّفْرُ وَسَقَطَ عَنْهُ الْمَبِيتُ وَالرَّمْيُ (بَلْ لَوْ بَاتَ هَذَا) مُتَبَرِّعًا (سَقَطَ عَنْهُ الرَّمْيُ) لِحُصُولِ الرُّخْصَةِ لَهُ بِالنَّفْرِ.
(وَيَدْخُلُ رَمْيُ) أَيْ وَقْتُ رَمْيِ (كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِزَوَالِ شَمْسِهِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيُنْدَبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ (وَيَمْتَدُّ) وَقْتُهُ الْمُخْتَارُ (إلَى غُرُوبِهَا) ، وَإِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ وَقْتِهِ مِنْ الزَّوَالِ (فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شِعَارُ هَذِهِ الْأَيَّامِ فَلَوْ قَدَّمَ فِي يَوْمٍ مِنْهَا لَخَلَتْ الْبَقِيَّةُ عَنْ الشِّعَارِ وَمَا اقْتَضَاهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ جَوَازِ تَرْكِ رَمْيِ يَوْمَيْنِ وَوُقُوعِهِ أَدَاءً بِالتَّدَارُكِ لَا يَشْكُلُ بِقَوْلِهِمْ لَيْسَ لِلْمَعْذُورِينَ أَنْ يَدَعُوا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمِ، وَأَنَّهُمْ يَقْضُونَ مَا فَاتَهُمْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي تَرْكِ الرَّمْيِ فَقَطْ وَهُنَاكَ فِي تَارِكِهِ مَعَ الْبَيَاتِ بِمِنًى وَالتَّعْبِيرُ بِالْقَضَاءِ لَا يُنَافِي الْأَدَاءَ كَمَا مَرَّ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَالْيَوْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يُسَمَّى يَوْمَ الْقَرِّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ؛ لِأَنَّهُمْ قَارُّونَ بِمِنًى وَالْيَوْمُ الثَّانِي النَّفْرُ الْأَوَّلُ، وَالثَّالِثُ النَّفَرُ الثَّانِي (وَالْمَتْرُوكُ) ، وَلَوْ عَمْدًا (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرَّمْيِ (وَلَوْ رَمَى) وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَتَرْكُ رَمْيٍ أَيْ مَتْرُوكُ رَمْيِ (يَوْمِ النَّحْرِ يُتَدَارَكُ) فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (أَدَاءً إلَى انْقِضَائِهَا) بِالنَّصِّ فِي الرِّعَاءِ وَأَهْلِ السَّاقِيَةِ وَبِالْقِيَاسِ فِي غَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا وَقَعَ أَدَاءً؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ قَضَاءً لَمَا دَخَلَهُ التَّدَارُكُ كَالْوُقُوفِ بَعْدَ فَوَاتِهِ وَلِأَنَّ صِحَّتَهُ مُوَقَّتَةٌ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ وَالْقَضَاءُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
(وَالتَّرْتِيبُ فِيهِ) أَيْ فِي الرَّمْيِ الْمَتْرُوكِ وَرَمْيِ يَوْمِ التَّدَارُكِ (وَاجِبٌ) رِعَايَةً لِلتَّرْتِيبِ فِي الزَّمَانِ كَرِعَايَتِهِ فِي الْمَكَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَدَاءً (فَإِنْ خَالَفَ وَقَعَ عَنْ الْقَضَاءِ) ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْحَجِّ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى، وَبِذَلِكَ عُلِمَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ رَمَى إلَى كُلِّ جَمْرَةٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ حَصَاةً سَبْعًا عَنْ أَمْسِهِ وَسَبْعًا عَنْ يَوْمِهِ لَمْ يُجْزِئُهُ عَنْ يَوْمِهِ (وَلَا يَجُوزُ رَمْيُ الْمُتَدَارَكِ قَبْلَ الزَّوَالِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ رَمْيٌ فَصَارَ كَاللَّيْلِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّوْمِ (وَلَا لَيْلًا) ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ عِبَادَةُ النَّهَارِ كَالصَّوْمِ وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ تَبِعَ فِيهِمَا كَالْإِسْنَوِيِّ تَرْجِيحَ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالْأَصَحُّ فِيهِمَا الْجَوَازُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَوَّلِ الْأَصْلُ، وَاقْتَضَاهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَالثَّانِي ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي شَامِلِهِ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِمَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَتَعْلِيلًا لِلْمَنْعِ بِمَا ذَكَرَ مَمْنُوعَانِ فِي الْمُتَدَارَكِ فَجُمْلَةُ أَيَّامِ مِنًى بِلَيَالِيِهَا كَوَقْتٍ وَاحِدٍ وَكُلُّ يَوْمٍ لِرَمْيِهِ وَقْتُ اخْتِيَارٍ لَكِنْ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ رَمْيِ كُلِّ يَوْمٍ عَلَى زَوَالِ شَمْسِهِ كَمَا مَرَّ.
(فَرْعٌ يُشْتَرَطُ) فِي رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى) وَهِيَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ (ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مَعَ خَبَرِ «خُذُوا
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ، وَهَذَا تَبِعَ فِيهِ الْأَصْلَ) وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الرَّافِعِيِّ (قَوْلُهُ مِنْ بَعْضِ نُسَخِ الْعَزِيزِ) عِبَارَةُ الْعَزِيزِ فِي نُسَخِهِ الْمُعْتَمَدَةِ، وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَهُوَ فِي شُغْلِ الِارْتِحَالِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا، وَلَوْ نَفَرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَعَادَ لِشُغْلٍ: أَمَّا قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ بَعْدَهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَنْفِرَ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ اهـ. (قَوْلُهُ وَالْمُصَحَّحُ فِيهِ وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ تَعُمُّ الْبَلْوَى بِهَا، وَهِيَ أَنَّ أُمَرَاءَ الْحَجِيجِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ يَبِيتُونَ بِمُعْظَمِ الْحَجِيجِ بِمِنًى اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ مِنْ التَّشْرِيقِ ثُمَّ يَنْفِرُونَ غَالِبًا بُكْرَةَ الثَّالِثِ وَيَدَعُونَ الرَّمْيَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَلَا يُمْكِنُ التَّخَلُّفُ عَنْهُمْ خَوْفًا عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْأَبْضَاعِ وَيُحْرِمُ أَكْثَرُ الْحَجِيجِ بِالْعُمْرَةِ مَعَ بَقَاءِ الرَّمْيِ عَلَيْهِمْ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَنْعَقِدُ لِبَقَاءِ الرَّمْيِ عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ لِحُصُولِ الرُّخْصَةِ بِالنَّفْرِ) لَوْ عَادَ لِلْمَبِيتِ وَالرَّمْيِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَا عَوْدَهُ لِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِنًى وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّا نَجْعَلُهُ كَالْمُسْتَدِيمِ لِلْفِرَاقِ وَنَجْعَلُ وُجُودَ عَوْدِهِ كَعَدَمِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّمْيُ وَلَا الْمَبِيتُ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي تَارِكِ الرَّمْيِ فَقَطْ إلَخْ) وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الرِّعَاءَ وَأَهْلَ السِّقَايَةِ لَمَّا تَرَكُوا الْمَبِيتَ بِمِنًى امْتَنَعَ فِي حَقِّهِمْ تَأْخِيرُ رَمْيِ يَوْمَيْنِ لِعَدَمِ إتْيَانِهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ الشِّعَارِ فِي الْيَوْمَيْنِ بِخِلَافِ مَنْ أَتَى بِالْمَبِيتِ فَإِنَّهُ أَتَى بِشِعَارِهِ فَسُومِحَ بِتَأْخِيرِ الرَّمْيِ (قَوْلُهُ وَالْمَتْرُوكُ وَمِنْهُ، وَلَوْ رَمَى يَوْمَ النَّحْرِ إلَخْ) لَوْ فَاتَهُ رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ وَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَى رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَمَا فِي مَنَاسِكِ النَّوَوِيِّ وَابْنِ الصَّلَاحِ فَتَفَطَّنْ لَهُ فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ (قَوْلُهُ أَدَاءً إلَى انْقِضَائِهَا) وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ لِلرَّمْيِ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَاخْتِيَارٍ وَجَوَازٍ.
(قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَدَاءٌ) شَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ يَوْمَ النَّحْرِ (قَوْلُهُ وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ تَبِعَ فِيهِمَا الْإِسْنَوِيُّ تَرْجِيحَ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ) اعْتَرَضَهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ الرَّافِعِيُّ: وَلَا إلَى تَقْدِيمِهِ عَلَى الزَّوَالِ رَاجِعٌ إلَى رَمْيِ كُلِّ يَوْمٍ (قَوْلُهُ الْأَصَحُّ فِيهِمَا الْجَوَازُ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ كَالسُّبْكِيِّ إنَّ الرَّاجِحَ مَذْهَبَا الْجَوَازِ فِيهِمَا تَبَعًا لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ (قَوْلُهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَوَّلِ) الْأَصْلِ وَالْمَجْمُوعِ وَالْمَنَاسِكِ (وَقَوْلُهُ فَجُمْلَةُ أَيَّامِ مِنًى بِلَيَالِيِهَا كَوَقْتٍ وَاحِدٍ) وَمَا اقْتَضَاهُ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ جَوَازِ رَمْيِ يَوْمَيْنِ وُقُوعُهُ أَدَاءً بِالتَّدَارُكِ لَا يَشْكُلُ بِقَوْلِهِمْ لَيْسَ لِلْمَعْذُورِينَ أَنْ يَدَعُوا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَأَنْ يَقْضُوا مَا فَاتَهُمْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي تَارِكِ الرَّمْيِ فَقَطْ، وَهُنَاكَ فِي تَارِكِهِ مَعَ الْبَيَانِ بِمِنًى وَالتَّعْبِيرُ بِالْقَضَاءِ لَا يُنَافِي الْأَدَاءَ
عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ مُتَكَرِّرٌ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ التَّرْتِيبُ كَمَا فِي السَّعْيِ فَلَا يَعْتَدَّ بِرَمْيِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْأُولَى وَلَا بِالثَّالِثَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْأَوَّلَيْنِ (وَ) يُشْتَرَطُ (أَنْ يَرْمِيَ كُلًّا) مِنْهَا (بِسَبْعٍ) مِنْ الْحَصَيَاتِ كَمَا مَرَّ (وَإِنْ تَرَكَ حَصَاةً وَشَكَّ) فِي مَحَلِّهَا مِنْ الثَّلَاثِ (جَعَلَهَا مِنْ الْأُولَى) احْتِيَاطًا (فَيَرْمِي بِهَا) إلَيْهَا (وَبَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَتَيْنِ) الْأُخْرَيَيْنِ (إذْ الْمُوَالَاةُ) بَيْنَ الرَّمْيِ فِي الْجَمَرَاتِ (لَا تَجِبُ) وَإِنَّمَا تُسَنُّ كَمَا فِي الطَّوَافِ (وَصَرْفُ النِّيَّةِ فِي الرَّمْيِ كَصَرْفِهَا فِي الطَّوَافِ) يَعْنِي صَرْفَ الرَّمْيِ بِالنِّيَّةِ لِغَيْرِ النُّسُكِ كَأَنْ رَمَى إلَى شَخْصٍ أَوْ دَابَّةٍ فِي الْجَمْرَةِ كَصَرْفِ الطَّوَافِ بِهَا إلَى غَيْرِهِ فَيَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ وَبَحَثَ فِي الْمُهِمَّاتِ إلْحَاقَ الرَّمْيِ بِالْوُقُوفِ أَخْذًا مِمَّا قَدَّمْته مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ أَشْبَهَ بِالطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ فِي الْعَادَة وَفِي الْعِبَادَةِ إلَى رَمْيِ الْعَدُوِّ فَهُوَ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ وَحْدَهُ كَالطَّوَافِ، وَأَمَّا السَّعْيُ فَالظَّاهِرُ أَخْذًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَالْوُقُوفِ.
(فَرْعٌ السُّنَّةُ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ بِالرَّمْيِ) حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ الرَّمْيُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، وَالسُّنَّةُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَرْفَعَ يَدَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ وَالْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى (وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ يَوْمَ النَّحْرِ) فِي رَمْيِهِ (الْجَمْرَةَ وَالْقِبْلَةُ عَلَى يَسَارِهِ) وَعَرَفَةُ عَلَى يَمِينِهِ (وَ) أَنْ (يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) لِلِاتِّبَاعِ فِيهِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (وَأَنْ يَرْمِيَ رَاجِلًا فِي الْيَوْمَيْنِ) الْأَوَّلَيْنِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ خَبَرُ التِّرْمِذِيِّ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ مَشَى إلَيْهَا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا» (وَرَاكِبًا يَوْمَ نَفْرِهِ لِيَنْفِرَ عَقِبَهُ) كَمَا أَنَّهُ يَوْمَ النَّحْرِ يَرْمِي رَاكِبًا كَمَا مَرَّ (وَأَنْ يَدْنُوَ) مِنْ الْجَمْرَةِ فِي رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُهُ حَصَى الرَّامِينَ فَيَقِفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ (وَيَدْعُوَ وَيَذْكُرَ) اللَّهَ تَعَالَى وَيُهَلِّلَ وَيُسَبِّحَ (بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ الْأُولَى بِقَدْرِ) سُورَةِ (الْبَقَرَةِ وَكَذَا) بَعْدَ رَمْيِ (الثَّانِيَةِ لَا الثَّالِثَةِ) بَلْ يَمْضِي بَعْدَ رَمْيِهَا لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «إلَّا بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ.
(فَرْعٌ وَإِذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمِ النَّحْرِ وَ) رَمْيَ (أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) وَلَوْ سَهْوًا (لَزِمَهُ دَمٌ وَكَذَا) يَلْزَمُهُ دَمٌ (بِتَرْكِ) رَمْيِ (ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ) مِنْ ذَلِكَ لِاتِّحَادِ جِنْسِ الرَّمْيِ فِي الْأُولَى كَحَلْقِ الرَّأْسِ وَلِمُسَمَّى الْجَمْعِ فِي الثَّانِيَةِ كَحَلْقِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ وَالتَّرْجِيحُ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ مَا فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ (أَوْ) تَرَكَ (حَصَاةً مِنْ غَيْرِ آخِرِ رَمْيٍ) لِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَيَلْزَمُهُ بِهِ دَمٌ (لِبُطْلَانِ مَا بَعْدَهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ) لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ كَمَا مَرَّ، وَالتَّرْجِيحُ فِي هَذَا أَيْضًا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَفِي تَرْكِ الْحَصَاةِ وَالْحَصَاتَانِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ آخِرِ رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (مُدٌّ) فِي الْأُولَى (وَمُدَّانِ) فِي الثَّانِيَةِ مِنْ الطَّعَامِ كَالشَّعْرَةِ وَالشَّعْرَتَيْنِ لِعُسْرِ تَبْعِيضِ الدَّمِ وَالشَّرْعُ قَدْ عَدَلَ الْحَيَوَانَ بِالطَّعَامِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ، وَالشَّعْرَةُ الْوَاحِدَةُ هِيَ النِّهَايَةُ فِي الْقِلَّةِ وَالْمُدُّ أَقَلُّ مَا وَجَبَ فِي الْكَفَّارَاتِ فَقُوبِلَتْ بِهِ.
(فَرْعٌ وَإِنْ أَضَلَّ حَصَاتَيْنِ) بِأَنْ تَرَكَهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ مَحَلَّهَا (جَعَلَهَا وَاحِدًا مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَوَاحِدَةٌ مِنْ ثَالِثَةٍ) ، وَهُوَ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ وَمِنْ أَيْ جَمْرَةٍ كَانَتْ أَخْذًا بِالْأَسْوَأِ (وَحَصَلَ رَمْيُ) يَوْمِ (النَّحْرِ وَاحِدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) وَعَدَلَ إلَى مَا قَالَهُ عَنْ تَصْوِيرِ الْأَصْلِ لَهُ نَقْلًا عَنْ الْمُتَوَلِّي بِتَرْكِ ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ يَجْعَلُ وَاحِدَةً مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَوَاحِدَةً مِنْ الْجَمْرَةِ الْأُولَى مِنْ ثَانِيَةٍ وَوَاحِدَةً مِنْ الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ ثَالِثَهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى مَا قَالَهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ هُوَ تَكَلُّفٌ مُوهِمٌ خِلَافَ الْمُرَادِ.
(، وَلَا يُجْزِئُ الرَّمْيُ إلَّا بِالْحَجَرِ، وَلَوْ يَاقُوتًا وَحَجَرَ حَدِيدٍ) وَبِلَّوْرٍ وَعَقِيقٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ» «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى بِالْحَصَى وَقَالَ بِمِثْلِ هَذَا فَارْمُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَخَرَجَ بِالْحَصَى الْمَذْكُورِ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ (لَا اللُّؤْلُؤُ) أَيْ لَا الرَّمْيُ بِاللُّؤْلُؤِ (وَالتِّبْرَيْنِ) أَيْ تِبْرِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (وَالْإِثْمِدِ وَنَحْوِهِ) وَمِمَّا لَا يُسَمَّى حَجَرًا كَنُورَةٍ وَزِرْنِيخٍ وَمَدَرٍ وَجِصٍّ وَآجُرَّ وَخَزَفٍ وَمِلْحٍ وَجَوَاهِرَ مُنْطَبِعَةٍ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَحَدِيدٍ (وَيُجْزِئُ حَجَرُ نَوْرَةٍ لَمْ يُطْبَخْ) بِخِلَافِ مَا طُبِخَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُسَمَّى حَجَرًا بَلْ نُورَةً، وَقَدْ مَرَّ آنِفًا.
(وَالسُّنَّةُ الرَّمْيُ بِطَاهِرٍ مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ) بِالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَيْنِ وَهُوَ قَدْرُ الْبَاقِلَّا وَذَلِكَ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ (وَدُونَهُ وَفَوْقَهُ مَكْرُوهٌ) وَلِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ وَلِلنَّهْيِ عَنْ الرَّمْيِ بِمَا فَوْقَهُ فِي خَبَرِ النَّسَائِيّ وَغَيْرِهِ (وَ) لَكِنَّهُ (يُجْزِئُ) لِوُجُودِ الرَّمْيِ بِحَجَرٍ
(فَرْعٌ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَأَمَّا السَّعْيُ فَالظَّاهِرُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
[فَرْعٌ السُّنَّةُ فِي رَمْيِ الْجِمَار]
(قَوْلُهُ وَالسُّنَّةُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَرْفَعَ يَدَهَا إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُسْتَحَبُّ لَهَا الرَّفْعُ التَّامُّ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ أَوْ كَانَ زَوْجٌ أَوْ مَحَارِمُ فَقَطْ أَوْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إذَا اتَّفَقَ الرَّمْيُ لَيْلًا (قَوْلُهُ وَرَاكِبًا يَوْمَ نَفْرِهِ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ قَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَهُوَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَمَى الْجِمَارَ مَشَى إلَيْهَا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَجَبُ أَنَّ النَّوَوِيَّ قَدْ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ اهـ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي مَشَى إلَيْهَا يُحْتَمَلُ مَشْيُهُ بِدَابَّتِهِ وَعَدَمُ الْإِسْرَاعِ فِي السَّيْرِ وَمَشْيُ الدَّابَّةِ مَنْسُوبٌ إلَى صَاحِبِهَا وَلِهَذَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمَشْيِ دَابَّتِهِ، وَلَا تَبْطُلُ بِمَشْيِ السَّفِينَةِ.
اهـ. .
(قَوْلُهُ وَلَوْ يَاقُوتًا) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَظْهَرُ تَحْرِيمُ الرَّمْيِ بِالْيَاقُوتِ وَنَحْوِهَا إذَا كَانَ الرَّمْيُ يَكْسِرُهَا وَيُذْهِبُ مُعْظَمَ مَالِيَّتِهَا، وَلَا سِيَّمَا النَّفِيسُ مِنْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَالسَّرَفِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ حَجَرًا أَوْ سَرَقَهُ وَرَمَى بِهِ كَفَى ثُمَّ رَأَيْت الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ جَزَمَ بِهِ قَالَ كَالصَّلَاةِ فِي الثَّوَابِ الْمَغْصُوبِ قَوْلُهُ وَيَظْهَرُ تَحْرِيمُ الرَّمْيِ وَقَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِمَا.
يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْجَمْرَةِ) بِالرَّمْيِ فَلَوْ رَمَى إلَى غَيْرِهَا كَأَنْ رَمَى فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ فِي الْمَرْمَى لَمْ يَكْفِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ رَمَى إلَى الْعَلَمِ الْمَنْصُوبِ فِي الْجَمْرَةِ أَوْ الْحَائِطِ الَّتِي بِجَمْرَةٍ الْعَقَبَةِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَأَصَابَهُ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْمَرْمَى لَا يُجْزِئُ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِيهِ بِفِعْلِهِ مَعَ قَصْدِ الرَّمْيِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالثَّانِي مِنْ احْتِمَالَيْهِ أَقْرَبُ قَالَ الطَّبَرِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَرْمَى حَدًّا مَعْلُومًا غَيْر أَنَّ كُلَّ جَمْرَةٍ عَلَيْهَا عَلَمٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْمِي تَحْتَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا يَبْعُدُ عَنْهُ احْتِيَاطًا، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ الْجَمْرَةُ مُجْتَمَعُ الْحَصَى لَا مَا سَالَ مِنْ الْحَصَى فَمَنْ أَصَابَ مُجْتَمَعَهُ أَجْزَأَهُ وَمَنْ أَصَابَ سَائِلَهُ لَمْ يُجْزِهِ (وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ) أَيْ الرَّامِي (فِيهَا) فَلَوْ وَقَفَ بِطَرِيقٍ مِنْهَا وَرَمَى إلَى طَرَفٍ آخَرَ كَفَى لِحُصُولِ اسْمِ الرَّمْيِ (وَ) يُشْتَرَطُ (إصَابَةُ الْمَرْمَى يَقِينًا) فَلَوْ شَكَّ فِيهَا لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُقُوعِ فِيهَا، وَبَقَاءُ الرَّمْيِ عَلَيْهِ (لَا بَقَاؤُهُ) أَيْ الْحَجَرِ وَفِي نُسْخَةٍ بَقَاؤُهَا أَيْ الْحَصَاةِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْمَرْمَى فَلَا يَضُرُّ تَدَحْرُجُهُ وَخُرُوجُهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ فِيهِ لِوُجُودِ الرَّمْيِ وَحُصُولِ الْحَجَرِ فِيهِ.
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الرَّمْيِ (بِهَيْئَةِ الرَّمْيِ بِالْيَدِ) لِلِاتِّبَاعِ (لَا بِالْقَوْسِ وَالرِّجْلِ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ لِعَدَمِ انْطِلَاقِ اسْمِ الرَّمْيِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا بِالرَّمْيِ بِالْمِقْلَاعِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَلَا يُسَنُّ أَنْ يَرْمِيَ بِهَيْئَةِ الْخَذْفِ بِأَنْ يَضَعَ الْحَصَى عَلَى بَطْنِ إبْهَامِهِ وَيَرْمِيَهُ بِرَأْسِ السَّبَّابَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي وَجْهٍ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَرْمِي، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْخَذْفِ» وَقَالَ «إنَّهُ لَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ إنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَهُوَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْخَذْفَ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ نَبَّهَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْعِلَّةِ فِي كَرَاهَةِ الْخَذْفِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ هُنَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِعَدَمِ الْقَتْلِ وَالنِّكَايَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ غَيْرُ مُرَادٍ وَأَنَّهُ إنَّمَا سَبَقَ لِعَدَمِ الِاشْتِغَالِ بِهِ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ فِي الْحَرْبِ وَفِي آخِرِ خَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ «وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُشِيرُ بِيَدِهِ» كَمَا يَخْذِفُ الْإِنْسَانُ، وَهَذَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَذْفِ أَظْهَرُ مِمَّا اسْتَدَلَّ هُوَ بِهِ عَلَى عَكْسِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ مَخْصُوصٌ بِالرَّمْيِ إلَى الْحَيَوَانِ لَا مُطْلَقًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الرَّمْيِ لِلْبِنَاءِ وَنَحْوِهِ لَا يُمْنَعُ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ عُمُومِ الْحَدِيثِ (وَلَا يُوضَعُ الْحَجَرُ) فِي الْمَرْمَى؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الرَّمْيُ فَلَا بُدَّ مِنْ صِدْقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ وَاسْتُشْكِلَ هَذَا بِالِاكْتِفَاءِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بِوَضْعِ الْيَدِ مَبْلُولَةً عَلَيْهِ وَفُرِّقَ بِأَنَّ مَبْنَى الْحَجِّ عَلَى التَّعَبُّدِ وَبِأَنَّ الْوَاضِعَ هُنَا لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَرْمَى بِخِلَافِ مَا هُنَاكَ فِيهِمَا.
(وَإِنْ رَمَى) الْحَجَرَ (فَأَصَابَ شَيْئًا) كَأَرْضٍ أَوْ مَحْمِلٍ أَوْ عُنُقِ بَعِيرٍ (فَارْتَدَّ إلَى الْمَرْمَى لَا بِحَرَكَةِ مَا أَصَابَهُ أَجْزَأَهُ) لِحُصُولِهِ فِي الْمَرْمَى بِفِعْلِهِ بِلَا مُعَاوَنَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ ارْتَدَّ بِحَرَكَةِ إصَابَةٍ بِأَنْ حَرَّكَ الْمَحْمِلَ صَاحِبُهُ فَنَقَضَهُ أَوْ تَحَرَّكَ الْبَعِيرُ فَدَفَعَهُ فَوَقَعَ فِي الْمَرْمَى (وَكَذَا) يُجْزِئُ رَمْيُ الْحَصَاةِ (لَوْ رَدَّتْهَا الرِّيحُ) إلَيْهِ (أَوْ تَدَحْرَجَتْ) إلَيْهِ (مِنْ الْأَرْضِ) لِحُصُولِهَا فِيهِ لَا بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَلَا أَثَرَ لِرَدِّ الرِّيحِ؛ لِأَنَّ الْجَوَّ لَا يَخْلُو عَنْهَا (لَا) إنْ تَدَحْرَجَتْ (مِنْ ظَهْرِ بَعِيرٍ وَنَحْوِهِ) كَعُنُقِهِ وَمَحْمِلٍ فَلَا يَكْفِي (لِإِمْكَانِ) أَيْ لِاحْتِمَالِ (تَأَثُّرِهَا بِهِ) .
(وَ) يُشْتَرَطُ (أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ سَبْعَ مَرَّاتٍ) لِلِاتِّبَاعِ مَعَ خَبَرِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَلَوْ بِتَكْرِيرِ حَصَاةٍ) كَمَا لَوْ دَفَعَ مُدًّا إلَى فَقِيرٍ عَنْ كَفَّارَتِهِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَدَفَعَهُ إلَى آخَرَ وَعَلَى هَذَا تَتَأَدَّى الرَّمْيَاتُ كُلُّهَا بِحَصَاةٍ وَاحِدَةٍ (فَإِنْ رَمَى حَصَاتَيْنِ مَعًا) ، وَلَوْ بِرَمْيِ أَحَدِهِمَا بِالْيُمْنَى وَالْأُخْرَى بِالْيُسْرَى (وَتَرَتَّبَا) الْأَوْلَى وَتَرَتَّبَتَا (فِي الْوُقُوعِ) أَوْ وَقَعَتَا مَعَهَا كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى (فَوَاحِدَةٌ) بِالِاتِّفَاقِ (أَوْ عَكَسَ) بِأَنْ رَمَاهُمَا مُرَتَّبَتَيْنِ فَوَقَعَا مَعًا أَوْ مَرَّتَيْنِ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى (فَاثْنَتَانِ) اعْتِبَارًا بِالرَّمْيِ وَكَذَا إنْ وَقَعَتْ الثَّانِيَةُ قَبْلَ الْأُولَى.
[فَرْعٌ لِلْعَاجِزِ عَنْ الرَّمْي أَنْ يَسْتَنِيب]
(فَرْعٌ يَجُوزُ لِلْعَاجِزِ) عَنْ الرَّمْيِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ (إنْ يَئِسَ مِنْ الْبُرْءِ فِي الْوَقْتِ أَنْ يَسْتَنِيبَ لِلرَّمْيِ) عِنْدَ خَشْيَةِ فَوَاتِهِ كَالْحَجِّ وَقَوْلُهُ لِلْعَاجِزِ أَيْ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ كَحَبْسٍ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَوْ بِحَقٍّ بِالِاتِّفَاقِ لَكِنْ شَرَطَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنْ يُحْبَسَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَذَكَرَ أَنَّ الْبَنْدَنِيجِيَّ حَكَاهُ عَنْ النَّصِّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْحَاوِي وَالتَّتِمَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرِهِمَا وَسَيَأْتِي فِي الْمُحْصَرِ أَنَّهُ إذَا حُبِسَ بِحَقٍّ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّحَلُّلُ، ثُمَّ إنْ اسْتَنَابَ (مَنْ قَدْ رَمَى) عَنْ نَفْسِهِ أَوْ حَلَالًا فَرَمَى عَنْهُ وَقَعَ عَنْهُ كَمَا فِي طَوَافِ الْحَامِلِ لِغَيْرِهِ -
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَا بِالرَّمْيِ بِالْمِقْلَاعِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَبِأَنَّ الْوَاضِعَ هُنَا لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ مَقْصُودٌ لِعَيْنِهِ لَا طَرِيقَ لِتَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ وَلِأَنَّ جَوْهَرَ الرَّمْيِ عَلَى حَذْفِ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ بِخِلَافِ وَامْسَحُوا فَإِنَّ جَوْهَرَ لَفْظِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَدٍّ بَلْ حُصُولُ مُلَاقَاةِ شَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ لِشَيْءٍ مِنْ الرَّأْسِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ جَرَى الْمَاءُ الَّذِي قَطَّرَهُ كَفَى بِلَا خِلَافٍ.
(قَوْلُهُ يَجُوزُ لِلْعَاجِزِ إنْ يَئِسَ مِنْ الْبُرْءِ إلَخْ) قَالَ الْغَزِّيِّ كَلَامُهُمْ يُفْهَمُ أَنَّهُ إذَا ظَنَّ الْقُدْرَةَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَقُلْنَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ لَمْ يُصَرِّحْ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْعَاجِزَ عَلَى الرَّمْيِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ قَالَ وَالْمُتَّجَهُ الْوُجُوبُ لِضِيقِ الْوَقْتِ بِخِلَافِ الْمَغْصُوبِ.
اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ فَاقِدَ الْيَدَيْنِ بِقَطْعٍ وَغَيْرِهِ لَيْسَ بِعَاجِزٍ فَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي بِأَنَّ الرَّمْيَ بِالْيَدِ غَيْرُ وَاجِبٍ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْحَصَاةُ فِي ذَيْلِهِ أَوْ فِي كُمِّهِ فَنَفَضَهَا حَتَّى وَقَعَتْ فِي الرَّمْيِ يُجْزِئُهُ، وَلَوْ وَضَعَ الْحَصَاةَ بِفِيهِ وَلَفَظَهَا إلَى الرَّمْيِ لَمْ يُجْزِئْهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ لَا نَقْلَ فِيهِ وَيُحْتَمَلُ الْإِجْزَاءُ (قَوْلُهُ خَشْيَةَ فَوَاتِهِ كَالْحَجِّ) بِمَعْنَى أَنَّ الِاسْتِنَابَةَ فِي الْحَجِّ جَائِزَةٌ فَكَذَلِكَ فِي أَبْعَاضِهِ.
(قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَوْ بِحَقٍّ بِالِاتِّفَاقِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لَكِنْ شَرَطَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنْ يُحْبَسَ بِغَيْرِ حَقٍّ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَهُوَ بَاطِلٌ نَقْلًا وَمَعْنًى، وَصُورَةُ الْمَحْبُوسِ بِحَقِّ إنْ يَجِبَ عَلَيْهِ قَوْدٌ لِصَغِيرٍ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَبْلُغَ وَمَا أَشْبَهَهَا (قَوْلُهُ وَسَيَأْتِي فِي الْمُحْصَرِ أَنَّهُ إذَا حُبِسَ بِحَقٍّ إلَخْ) كَلَامُ الْمَجْمُوعِ (وَإِلَّا) فِي حَقِّ عَاجِزٍ عَنْ أَدَائِهِ وَمَفْهُومُ النَّصِّ وَغَيْرِهِ فِي حَقِّ قَادِرٍ عَلَى أَدَائِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا (قَوْلُهُ وَمَنْ قَدْ رَمَى) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ لَمْ يُبَيِّنُوا مَا الْمُرَادُ مِنْ تَقَدُّمِ
(وَإِلَّا) بِأَنْ اسْتَنَابَ مَنْ لَمْ يَرْمِ فَرَمَى (وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّ رَمْيَهُ يَقَعُ عَنْهُ دُونَ الْمُسْتَنِيبِ كَالْحَجِّ وَإِذَا اسْتَنَابَ عَنْهُ مَنْ رَمَى أَوْ حَلَالًا (فَيُنَاوَلُهُ الْحَصَى نَدْبًا وَيُكَبِّرُ) كَذَلِكَ (إنْ أَمْكَنَ) ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ تَنَاوَلَهَا النَّائِبُ وَكَبَّرَ بِنَفْسِهِ لَوْ أَخَّرَ نَدْبًا عَنْ قَوْلِهِ وَيُكَبِّرُ كَانَ أَوْلَى، أَمَّا إذَا لَمْ يَيْأَسْ مِنْ الْبُرْءِ فِي الْوَقْتِ فَلَا يَسْتَنِيبُ كَمَا فِي الْحَجِّ (وَلَا يَنْعَزِلُ نَائِبُهُ) عَنْ الرَّمْيِ عَنْهُ (بِإِغْمَائِهِ) أَيْ إغْمَاءِ الْمُسْتَنِيبِ كَمَا لَا يَنْعَزِلُ عَنْهُ وَعَنْ الْحَجِّ بِمَوْتِهِ وَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ زِيَادَةٌ فِي الْعَجْزِ الْمُبِيحِ لِلْإِنَابَةِ فَلَا يَكُونُ مُفْسِدًا لَهَا فَارَقَ سَائِرَ الْوَكَالَاتِ بِوُجُوبِ الْإِذْنِ هُنَا (فَيُجْزِئُهُ رَمْيُهُ) عَنْهُ (وَلَوْ بَرِئَ) مِنْ عُذْرِهِ (فِي الْوَقْتِ) بَعْدَ الرَّمْيِ فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ لَكِنَّهَا تُسَنُّ وَيُفَارِقُ نَظِيرَهُ فِي الْحَجِّ بِأَنَّ الرَّمْيَ تَابِعٌ وَيُجْبَرَ تَرْكُهُ بِدَمٍ بِخِلَافِ الْحَجِّ فِيهِمَا أَمَّا إغْمَاءُ النَّائِبِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
(فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ) لِلْحَاجِّ (بَعْدَ رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُحَصَّبَ) بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ، ثُمَّ جَاءَ وَصَادٍ وَمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ اسْمٌ لِمَكَانٍ مُتَّسَعٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى، وَهُوَ إلَى مِنًى أَقْرَبُ وَيُقَالُ لَهُ: الْأَبْطَحُ وَالْبَطْحَاءُ وَخَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ وَحْدَهُ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إلَى الْمَقْبَرَةِ (مِنْ الظُّهْرِ) يَعْنِي فِي وَقْتِهِ فَيَنْزِلُ بِهِ (وَيُصَلِّي) فِيهِ الْعَصْرَيْنِ وَالْمَغْرِبَيْنِ (وَيَبِيتُ فِيهِ) لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشْرَ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَلَوْ تَرَكَ النُّزُولَ بِهِ لَمْ يُؤَثِّرَ فِي نُسُكِهِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ «لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُحَصَّبُ لَيْسَ بِشَيْءٍ إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» «وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ نُزُولُ الْمُحَصَّبِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ» رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُتَعَجِّلَ فِي ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ نُزُولُ الْمُحَصَّبِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
انْتَهَى، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ وَأَنَّ كَلَامَهُمْ جَرَوْا فِيهِ عَلَى الْغَالِبِ
(فَصْلٌ طَوَافُ الْوَدَاعِ) الْمُسَمَّى أَيْضًا بِطَوَافِ الصَّدَرِ (وَاجِبٌ) عَلَى مَنْ أَرَادَ السَّفَرَ كَمَا سَيَأْتِي رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ طَافَ لِلْوَدَاعِ» وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خَبَرَ «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ أَيْ الطَّوَافِ بِهِ» كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَلَا وَدَاعَ عَلَى مُرِيدِ الْإِقَامَةِ وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بَعْدَهُ قَالَهُ الْإِمَامُ، وَلَا عَلَى مُرِيدِ السَّفَرِ قَبْلَ فَرَاغِ الْأَعْمَالِ، وَلَا عَلَى الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ الْخَارِجِ إلَى التَّنْعِيمِ وَنَحْوِهِ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَخَا عَائِشَةَ بِأَنْ يُعَمِّرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ، وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِوَدَاعٍ» ، وَهَذَا فِيمَنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ يَعُودُ، وَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْمَجْمُوعِ فِيمَنْ أَرَادَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فِيمَنْ خَرَجَ إلَى مَنْزِلِهِ أَوْ مَحَلٍّ يُقِيمُ فِيهِ
[حاشية الرملي الكبير]
رَمْيِهِ هَلْ هُوَ فِي رَمْيِ يَوْمٍ بِكَمَالِهِ وَإِذَا رَمَى جَمْرَةً لِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يَرْمِيَ إلَيْهَا لِلْعَاجِزِ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ فَلَوْ فَعَلَ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ فِي جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الرَّمْيِ بِالْعُذْرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ الْأَجِيرِ إجَارَةَ عَيْنٍ أَمَّا هُوَ فَقَدْ أَطْلَقُوا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي شَيْءٍ مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فَإِمَّا أَنْ تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ وَإِمَّا أَنْ يَجْرِيَ كَلَامُهُمْ هُنَا عَلَى إطْلَاقِهِ وَيُغْتَفَرُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ، وَهَذَا أَقْرَبُ وَقَوْلُهُ يَدُلُّ عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إنَّهُ الظَّاهِرُ وَقَوْلُهُ وَإِمَّا أَنْ يَجْرِيَ كَلَامُهُمْ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ بِأَنْ اسْتَنَابَ لَمْ يَرْمِ) ، وَلَوْ بَعْضَ الْجَمَرَاتِ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ رَمْيَهُ يَقَعُ عَنْهُ دُونَ الْمُسْتَنِيبِ) يُخَالِفُهُ مَا سَبَقَ فِي الطَّوَافِ عَنْ الْغَيْرِ إذَا كَانَ مُحْرِمًا فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْغَيْرِ إذَا نَوَاهُ لَهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّوَافَ لَمَّا كَانَ مِثْلَ الصَّلَاةِ أَثَّرَتْ فِيهِ نِيَّةُ الصَّرْفِ إلَى غَيْرِهِ بِخِلَافِ الرَّمْيِ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَبِيهًا بِالصَّلَاةِ، وَقِيَاسُ السَّعْيِ أَنْ يَكُونَ كَالرَّمْيِ وَيُحْتَمَلُ إلْحَاقُهُ بِالطَّوَافِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ طَوَافًا بِقَوْلِهِ ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] (قَوْلُهُ: وَلَا يَنْعَزِلُ نَائِبُهُ بِإِغْمَائِهِ إلَخْ) الْمَجْنُونُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لِغَيْرِهِ فِي الرَّمْيِ عَنْهُ لَمْ يُجْزِ الرَّمْيُ عَنْهُ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَيَنْبَغِي قِرَاءَتُهُ بِضَمِّ الْيَاءِ بِمَعْنَى يَكْفِي لَا بِفَتْحِهَا بِمَعْنَى يَحِلُّ لِقَوْلِ الْإِمْلَاءِ وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَحْبَبْتُ لِمَنْ مَعَهُ أَنْ يَرْمِيَ عَنْهُ وَعَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالرَّمْيِ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِهِ.
وَإِنْ صَحَّ فَكَيْفَ يَصِحُّ بِلَا إذْنٍ وَأَيْضًا الصِّحَّةُ تَسْتَلْزِمُ الْبَرَاءَةَ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْخَادِمِ وَالتَّعَقُّبَاتِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّا إنَّمَا نَحْتَاجُ إلَى الْإِذْنِ حَيْثُ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الرِّضَا أَمَّا إذَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَامَ مَقَامَ الْإِذْنِ وَكَيْفَ وَنَحْنُ نَجْزِمُ بِأَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ مُفِيقًا لَأَذِنَ لِغَيْرِهِ فِي الرَّمْيِ عَنْهُ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ تَوْسِعَةً أَوْ زِيَادَةً لَمْ يَشْرِطْهَا الْوَاقِفُ جَازَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَغْيِيرِ مَعَالِمِ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّ تَغْيِيرَ مَعَالِمِ الْوَاقِفِ عِبَارَةٌ عَنْ تَغْيِيرِ شُرُوطِهِ وَأَمَّا هَذَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْوَاقِفَ لَوْ كَانَ حَيًّا لَرَضِيَ بِذَلِكَ وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ وَمَا صَحَّحَ الْأَصْحَابُ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُضْطَرِّ إذَا أَطْعَمَهُ إنْسَانٌ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ لَالْتَزَمَ الْأَكْلَ بِعِوَضٍ وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا دَاوَى الْوَلِيُّ الصَّغِيرَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ هَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الرُّجُوعُ وَوَجْهُ الرُّجُوعِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَالِغًا لَأَذِنَ عَنْ الثَّانِي بِمَنْعِ اللُّزُومِ فَقَدْ يَصِحُّ الشَّيْءُ، وَلَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ كَصَلَاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَالْحَجِّ الْفَاسِدِ قَالَ شَيْخُنَا فَإِنَّهُمَا صَحِيحَانِ، وَلَا تَبْرَأُ بِهِمَا الذِّمَّةُ.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْحَجِّ فِيهِمَا) ، وَقَدْ يُقَالُ فِي الْفَرْقِ إنَّ الرَّمْيَ عَلَى الْفَوْرِ، وَقَدْ ظَنَّ الْعَجْزَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي وَكَلَامُهُمْ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَقُلْنَا إنَّ أَيَّامَ الرَّمْيِ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ، وَلَوْ عَجَزَ الْأَجِيرُ عَلَى عَيْنِهِ عَنْ الرَّمْيِ هَلْ يَسْتَنِيبُ هُنَا لِلضَّرُورَةِ أَوْ لَا يَسْتَنِيبُ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ قَالَ الْغَزِّيِّ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي خِلَافُهُ وَيُرِيقُ دِمًا (قَوْلُهُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
[فَصَلِّ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ بَعْدَ رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُحَصَّبَ]
(قَوْلُهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ نُزُولُ الْمُحَصَّبِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
[فَصْلٌ طَوَافُ الْوَدَاعِ]
(قَوْلُهُ، وَهَذَا فِيمَنْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْعِمْرَانِيِّ وَغَيْرِهِ فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا.
(وَإِنْ نَفَرَ مِنْ مِنَى) ، وَلَمْ يَطُفْ الْوَدَاعَ (جَبَرَ بِالدَّمِ) لِتَرْكِهِ نُسُكًا وَاجِبًا فَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى بَلَدِهِ مِنْ مِنًى لَزِمَهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَإِنْ كَانَ قَدْ طَافَهُ قَبْلَ عَوْدِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ (فَإِنْ عَادَ) بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنًى بِلَا وَدَاعٍ (قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَطَافَ) لِلْوَدَاعِ (سَقَطَ) عَنْهُ (الدَّمُ) ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ وَكَمَا لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ (لَا) إنْ عَادَ (بَعْدَهَا) فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ لِاسْتِقْرَارِهِ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَمَا قِيلَ فِيمَا إذَا عَادَ قَبْلَهَا مِنْ أَنَّ فِي تَعْلِيلِ سُقُوطِ الدَّمِ عَنْهُ بِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ نَظَرٌ إذَا سَوَّيْنَا بَيْنَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ فِي وُجُوبِ الْوَدَاعِ قَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ سَفَرَهُ هُنَا لَمْ يَتِمَّ لِعَوْدِهِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ وَبِأَنَّ فِي اسْتِقْرَارِ الدَّمِ إشْغَالُ الذِّمَّةِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِهِ كَالْمُقِيمِ فِي دَفْعِ إشْغَالِهَا جَعْلُهُ كَذَلِكَ فِي دَفْعِ وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ الْمُنَاسِبِ لِمُفَارَقَةِ مَكَّةَ (لَكِنْ لَا) وَفِي نُسْخَةٍ وَهِيَ الْأَوْلَى، وَلَا (يَجِبُ) عَلَى مَنْ وَصَلَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ (الْعَوْدُ) لِلْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُصَلِّهَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ إنْ خَرَجَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لِطَوَافِ الْوَدَاعِ.
(، وَلَا يَلْزَمُ) الطَّوَافُ (حَائِضًا طَهُرَتْ خَارِجَ مَكَّةَ، وَلَوْ فِي الْحَرَمِ) لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَكُونَ أَخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ صَفِيَّةَ حَاضَتْ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَنْصَرِفَ بِلَا وَدَاعٍ» بِخِلَافِ مَا لَوْ طَهُرَتْ قَبْلَ خُرُوجِهَا وَكَالْحَائِضِ النُّفَسَاءُ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَيْضِ أَنَّ لِلْمُتَحَيِّرَةِ أَنْ تَطُوفَ قَالَ الرُّويَانِيُّ فَإِنْ لَمْ تَطُفْ طَوَافَ الْوَدَاعِ فَلَا دَمَ عَلَيْهَا لِلْأَصْلِ.
(وَمَنْ مَكَثَ) ، وَلَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ أَوْ زِيَارَةِ صَدِيقٍ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ الْمَتْبُوعِ بِرَكْعَتَيْهِ وَبِمَا يَأْتِي فِي الْفَرْعِ الْآتِي (أَعَادَةً) وُجُوبًا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ وَلِخُرُوجِهِ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ وَدَاعًا (لَا) إنْ مَكَثَ (لِشِرَاءِ زَادٍ وَشَدِّ رَحْلٍ) وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَشْغَالِ السَّفَرِ (وَصَلَاةُ جَمَاعَةٍ أُقِيمَتْ) ؛ لِأَنَّ الْمَشْغُولَ بِذَلِكَ غَيْرُ مُقِيمٍ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَتَقَدَّمَ فِي الِاعْتِكَافِ أَنَّ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ إذَا لَمْ يُعْرِجْ لَهَا لَا تَقْطَعُ الْوَلَاءَ بَلْ يُغْتَفَرُ صَرْفُ قَدْرِهَا فِي سَائِرِ الْأَغْرَاضِ، وَكَذَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَيُجْزِئُ ذَلِكَ هُنَا بِالْأَوْلَى، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ.
انْتَهَى.
(وَلَيْسَ) طَوَافُ الْوَدَاعِ (مِنْ الْمَنَاسِكِ) أَيْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ (فَمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ) مِنْ مَكَّةَ (إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ أَوْ دُونَهَا عَلَى الصَّحِيحِ (وَدَّعَ) مَكِّيًّا كَانَ أَوْ آفَاقِيًّا تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ وَتَشْبِيهًا لِاقْتِضَاءِ خُرُوجِهِ الْوَدَاعَ بِاقْتِضَاءِ دُخُولِهِ الْإِحْرَامَ، وَلَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ قَاصِدَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ لَا يُؤْمَرُ، وَلَوْ كَانَ مِنْهَا لَأُمِرَ بِهِ هَذَا مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ وَنُقِلَا عَنْ صَاحِبَيْ التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِمَا وَنُقِلَا عَنْ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَأَنَّهُ مِنْهَا وَيَخْتَصُّ بِمَنْ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْ ذَوِي النُّسُكِ قَالَ السُّبْكِيُّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا إلَّا الْمُتَوَلِّي فَجَعَلَهُ تَحِيَّةً لِلْبُقْعَةِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَأْوِيلُ كَلَامِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا رُكْنًا كَمَا قَالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ قَالَ: وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الشَّيْخَيْنِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْهَا لَأَمَرَ بِهِ قَاصِدَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِلْمُفَارَقَةِ، وَلَمْ تَحْصُلْ كَمَا أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَا يُشْرَعُ لِلْمُحْرِمِ مِنْ مَكَّةَ يَلْزَمُهُمَا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ بِدَمٍ، وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَذَكَرَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ ذَكَرْتُهَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَذَكَرَ نَحْوَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرَهُ، وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَفِي مَجْمُوعِهِ فِي كَلَامِهِ عَلَى أَعْمَالِ الْحَجِّ وَاقْتِضَاءُ كَلَامِ الْأَصْلِ آخِرَ الْبَابِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَا نُقِلَ عَنْ التَّهْذِيبِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ فِيهِ أَنَّهُ نُسُكٌ حَيْثُ قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَوَافِ الْقُدُومِ حَيْثُ لَا يَجِبُ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ تَحِيَّةَ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَسْقُطُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ نُسُكٌ لَا يَسْقُطُ بِطَوَافٍ آخَرَ وَاجِبٌ.
انْتَهَى وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ أَوْ لَا وَفِي أَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَجِيرَ فِعْلُهُ أَوْ لَا وَفِي أَنَّهُ يُحَطُّ شَيْءٌ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَإِنْ نَفَرَ مِنْ مِنًى جُبِرَ بِالدَّمِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ طَوَافُ الْوَدَاع وَاجِبٌ إنْ نَفَرَ مِنْ مِنًى وَيُجْبَرُ بِدَمٍ.
(قَوْلُهُ وَكَالْحَائِضِ النُّفَسَاءُ إلَخْ) الْمَعْذُورُ هَلْ يَلْحَقُ بِالْحَائِضِ كَخَوْفِ ظَالِمٍ وَفَوْتِ رُفْقَةٍ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلطَّبَرِيِّ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَ لَا تُقَاسَ وَالْأَظْهَرُ الِالْتِحَاقُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْحَائِضِ الْمَسْجِدَ عَزِيمَةٌ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ الْأَظْهَرُ الِالْتِحَاقُ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الرُّويَانِيُّ فَإِنْ لَمْ تَطُفْ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ أَوْ جَاهِلًا) أَوْ مُكْرَهًا (قَوْلُهُ إلَّا إنْ مَكَثَ لِشِرَاءِ زَادٍ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَلَوْ مَكَثَ مُكْرَهًا بِأَنْ ضُبِطَ أَوْ هُدِّدَ بِمَا يَكُونُ إكْرَاهًا فَهَلْ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ مَكَثَ مُخْتَارًا فَيَبْطُلُ الْوَدَاعُ أَوْ نَقُولُ الْإِكْرَاهُ يُسْقِطُ أَثَرَ هَذَا اللُّبْثِ فَإِذَا أَطْلَقَ وَانْصَرَفَ فِي الْحَالِ جَازَ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ فِيهِ احْتِمَالٌ وَمِثْلُهُ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ عَقِبَ الْوَدَاعِ أَوْ جُنَّ لَا بِفِعْلِهِ الْمَأْثُومِ بِهِ قَالَ شَيْخُنَا الْأَوْجَهُ لُزُومُ الْإِعَادَةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ حَيْثُ تَمَكَّنَ مِنْهَا كَ (قَوْلِهِ فَيُجْزِئُ ذَلِكَ هُنَا بِالْأَوْلَى) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ، وَلَوْ كَانَ مِنْهَا لَأَمَرَ بِهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا خَبَرُ مُسْلِمٍ «يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا» سَمَّاهُ قَبْلَ الْوَدَاعِ قَاضِيًا لِلْمَنَاسِكِ وَحَقِيقَتُهُ جَمِيعُهَا (قَوْلُهُ وَيَلْزَمُهُمَا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ بِدَمٍ وَلَا قَائِلَ بِهِ) وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ النَّوَوِيِّ بِالْخَبَرِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النُّسُكُ الَّذِي تُمْكِنُ الْإِقَامَةُ مَعَهُ أَوْ الَّذِي لَيْسَ بِتَابِعٍ عَلَى أَنَّ الْمُهَاجِرَ إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا لَا غَيْرُ لِلْخَبَرِ فَلَا يَلْزَمُ حَمْلُهُ عَلَى الْإِقَامَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ فَإِنْ قُلْت: الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مِنْهَا مَعَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ يَقْتَضِي مَنْعَ الْعُمْرَةِ قَبْلَهُ كَمَا يَمْنَعُهَا بَقَاءُ الرَّمْيِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ اعْتَمَرَتْ عَائِشَةُ قَبْلَهُ قُلْنَا يَنْدَفِعُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوَدَاعُ آخِرَ مَا يَفْعَلُهُ قَاصِدُ الْخُرُوجِ تَعَذَّرَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهَا فَاحْتَمَلَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الرَّمْيِ (قَوْلُهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ نُسُكٌ لَا يَسْقُطُ بِطَوَافٍ آخَرَ وَاجِبٌ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ غَيْرِهِ لَمْ يَذْكُرْ فِي الرَّوْضَةِ، وَلَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَهُوَ حُكْمٌ مُهِمٌّ بَلْ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ حَتَّى لَوْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى أَوْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَوْ عَنْ نَذْرٍ ثُمَّ أَرَادَ السَّفَرَ عَقِبَهُ لَمْ يَكْفِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَطُوفَ لِلْوَدَاعِ أَيْضًا قَالَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ (قَوْلُهُ فِي أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَفِي أَنَّهُ يُحَطُّ شَيْءٌ
مِنْ أُجْرَةِ الْأَجِيرِ عِنْدَ تَرْكِهِ أَوْ لَا وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
(فَرْعٌ وَيُسْتَحَبُّ) لِمَنْ أَتَى بِطَوَافِ الْوَدَاعِ الْمَتْبُوعِ بِرَكْعَتَيْهِ (أَنْ يَدْعُوَ بَعْدَهُ عِنْدَ الْمُلْتَزَمِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَلْتَزِمُونَهُ بِالدُّعَاءِ وَيُسَمَّى بِالْمُدَّعَى وَالْمُتَعَوَّذِ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَبَابِ الْكَعْبَةِ (وَبِالْمَأْثُورِ) أَيْ الْمَنْقُولِ وَبِغَيْرِهِ لَكِنَّ الْمَأْثُورَ أَفْضَلُ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ الْبَيْتُ بَيْتُك وَالْعَبْدُ عَبْدُك وَابْنُ أَمَتِك حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْت لِي مِنْ خَلْقِك حَتَّى سَيَّرْتنِي فِي بِلَادِك وَبَلَّغْتنِي بِنِعْمَتِك وَحَتَّى أَعَنْتنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِك فَإِنْ كُنْت رَضِيَتْ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا وَإِلَّا فَمُنَّ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِك دَارِي وَيَبْعُدَ عَنْهُ مَزَارِي هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إنْ أَذِنْت لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِك، وَلَا بَيْتِكَ وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلَا عَنْ بَيْتِك اللَّهُمَّ فَاصْحَبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي وَارْزُقْنِي الْعَمَلَ بِطَاعَتِك مَا أَبْقَيْتنِي وَمَا زَادَ فَحَسَنٌ، وَقَدْ زِيدَ فِيهِ وَاجْمَعْ لِي خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّك قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، وَلَفْظُ فَمُنَّ الْآنَ يَجُوزُ فِيهِ ضَمُّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدُ النُّونِ، وَهُوَ الْأَجْوَدُ وَكَسْرُ الْمِيمِ وَتَخْفِيفُ النُّونِ وَمَعَ فَتْحِهَا وَكَسْرِهَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَفِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ الشَّافِعِيُّ اُسْتُحِبَّ لِمَنْ فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمَ فَيُلْصِقَ بَطْنَهُ وَصَدْرَهُ بِحَائِطِ الْبَيْتِ وَيَبْسُطَ يَدْيَهُ عَلَى الْجِدَارِ فَيَجْعَلَ الْيُمْنَى مِمَّا يَلِي الْبَابَ وَالْيُسْرَى مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَيَدْعُوَ بِمَا أَحَبَّ.
(، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ اُسْتُحِبَّ أَنْ تَأْتِيَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَتَمْضِيَ (وَ) أَنْ (يَنْصَرِفَ مُلْتَفِتًا إلَى الْبَيْتِ) بِوَجْهِهِ (مَا أَمْكَنَهُ) وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ أَنَّهُ يَمْشِي تِلْقَاءَ وَجْهِهِ مُسْتَدْبَرَ الْبَيْتِ وَصَوَّبَهُ فِي مَجْمُوعِهِ (وَأَنْ يَتَضَلَّعَ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الدُّعَاءِ وَقَبْلَ انْصِرَافِهِ، عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَأَنْ يَشْرَبَ (مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ) ، ثُمَّ يَعُودَ إلَى الْحَجَرِ فَيَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَنْصَرِفَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ كَمَا قُلْنَا وَيُسَنُّ لِمَنْ يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ أَنْ يَشْرَبَهُ لِمَا يَطْلُبُهُ فَإِذَا قَصَدَهُ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ اللَّهُمَّ إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَاءُ زَمْزَمُ لِمَا شُرِبَ لَهُ» اللَّهُمَّ إنِّي أَشْرَبُهُ لِكَذَا اللَّهُمَّ فَافْعَلْ، ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ وَيَشْرَبُ وَيَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا قَالَ الْحَاكِمُ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إذَا شَرِبَهُ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَأَنْ يَشْرَبَ مِنْ نَبِيذِ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ مَا لَمْ يُسْكِرْ وَيَقُولَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا، وَلَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعَدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ (وَ) أَنْ (يَدْخُلَ) الشَّخْصُ قَبْلَ دُعَائِهِ عِنْدَ الْمُلْتَزَمِ (الْبَيْتَ حَافِيًا مَا لَمْ يُؤْذِ أَوْ يَتَأَذَّ) بِزِحَامٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ الْحَلِيمِيُّ وَأَنَّ لَا يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلَى سَقْفِهِ، وَلَا يَنْظُرَ إلَى أَرْضِهِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَحَيَاءً مِنْهُ.
(وَ) أَنْ (يُصَلِّيَ) فِيهِ وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْصِدَ مُصَلَّى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يَمْشِيَ بَعْدَ دُخُولِهِ الْبَابَ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْبُخَارِيِّ (وَ) أَنْ (يَدْعُوَ فِي جَوَانِبِهِ وَيُكْثِرَ الِاعْتِمَارَ وَالطَّوَافَ) تَطَوُّعًا (وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الطَّوَافِ وَأَنْ يَزُورَ الْمَوَاضِعَ الْمَشْهُورَةَ بِالْفَضْلِ بِمَكَّةَ وَهِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْهَا بَيْتُ الْمَوْلِدِ وَبَيْتُ خَدِيجَةَ وَمَسْجِدُ دَارِ الْأَرْقَمِ وَالْغَارُ الَّذِي فِي ثَوْرٍ وَالْغَارُ الَّذِي فِي حِرَاءَ، وَقَدْ أَوْضَحَهَا النَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ (، ثُمَّ يَزُورُ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ لِخَبَرِ «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» وَخَبَرُ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا» رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَخَبَرُ «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرُوِيَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتَاهُ وَلْيُكْثِرْ الْمُتَوَجِّهُ إلَيْهَا فِي طَرِيقِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ وَيَزِيدُ مِنْهُمَا إذَا أَبْصَرَ أَشْجَارَهَا مَثَلًا.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ دُخُولِهِ وَيَلْبَسَ أَنْظَفَ ثِيَابِهِ فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَصَدَ الرَّوْضَةَ فَيُصَلِّي فِيهَا تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ بِجَنْبِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَبْرَ فَيَسْتَقْبِلُ رَأْسَهُ وَيَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ وَيَبْعُدُ مِنْهُ نَحْوَ أَرْبَعِ أَذْرُعٍ وَيَقِفُ نَاظِرًا إلَى أَسْفَلَ مَا يَسْتَقْبِلُهُ فِي مَقَامِ الْهَيْبَةِ وَالْإِجْلَالِ فَارِغَ الْقَلْبِ مِنْ عَلَائِقِ الدُّنْيَا وَيُسَلِّمُ، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ إلَى صَوْبِ يَمِينِهِ قَدْرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّ رَأْسَهُ عِنْدَ مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ -
[حاشية الرملي الكبير]
مِنْ أُجْرَةِ الْأَجِيرِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا الْأَرْجَحُ نَعَمْ.
(قَوْلُهُ وَأَنْ يَنْصَرِفَ مُلْتَفِتًا إلَى الْبَيْتِ إلَخْ) بِأَنْ يُكْثِرَ الِالْتِفَاتَ إلَى أَنْ يَغِيبَ عَنْهُ كَالْمُتَحَزِّنِ الْمُتَأَسِّفِ لِفِرَاقِهِ (قَوْلُهُ وَصَوَّبَهُ فِي الْمَجْمُوعِ) وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إذَا خَرَجَ الْمُوَدِّعُ وَلَّى ظَهْرَهُ الْكَعْبَةَ لَمْ يَرْجِعْ الْقَهْقَرَى كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ جَهَلَةَ الْمُتَنَسِّكِينَ؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ لَا سُنَّةَ فِيهِ، وَلَا أَثَرَ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِي أَنَّ الْمُوَدِّعَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ يَخْرُجُ وَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ بَنِي سَهْمٍ (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَوْضَحَهَا النَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ) أَيْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ (قَوْلُهُ ثُمَّ يَزُورُ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) يَنْوِي الزَّائِرُ مَعَ الزِّيَارَةِ التَّقَرُّبَ بِقَصْدِ مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَائِدَةٌ) يُدْعَى لِلْقَادِمِ: قَبِلَ اللَّهُ حَجَّك وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَأَخْلَفَ نَفَقَتَك (قَوْلُهُ وَيَبْعُدُ مِنْهُ نَحْوُ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ) وَيَقِفُ وَالْقِنْدِيلُ الَّذِي فِي الْقِبْلَةِ حِذَاءَ رَأْسِهِ وَالْمِسْمَارُ الْفِضَّةُ الَّذِي فِي جِدَارِ الْقَبْرِ تُجَاهُهُ.
يَتَأَخَّرُ قَدْرَ ذِرَاعٍ آخَرَ فَيُسَلِّمُ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَوْقِفِهِ الْأَوَّلِ قُبَالَةَ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَتَوَسَّلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَيَسْتَشْفِعُ بِهِ إلَى رَبِّهِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَمَنْ شَاءَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ سَائِرَ الْمَشَاهِدِ بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ نَحْوُ ثَلَاثِينَ مَوْضِعًا يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَكَذَا يَأْتِي الْآبَارَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ مِنْهَا أَوْ يَغْتَسِلُ فَيَشْرَبُ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأُ وَهِيَ سَبْعُ آبَارٍ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِمْ، ثُمَّ يَزُورُ أَنَّ الزِّيَارَةَ تَتَأَكَّدُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَإِلَّا فَهِيَ مَطْلُوبَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ قَبْلَ الْحَجِّ وَبَعْدَهُ لَا سِيَّمَا الْمَارُّ بِالْمَدِينَةِ ذَهَابًا وَإِيَابًا.
(فَصْلٌ وَأَرْكَانُ الْحَجِّ سِتَّةٌ الْإِحْرَامُ) أَيْ نِيَّةُ الْإِحْرَامِ فِيهِ لِخَبَرِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَالْوُقُوفُ) بِعَرَفَةَ لِخَبَرِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» (وَالطَّوَافُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] (وَالسَّعْيُ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فِي السَّعْيِ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا فَإِنَّ السَّعْيَ قَدْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ» (وَالْحَلْقُ) أَوْ التَّقْصِيرُ لِتَوَقُّفِ التَّحَلُّلِ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ جَبْرِ تَرْكِهِ بِدَمٍ كَالطَّوَافِ (وَالتَّرْتِيبُ فِي الْمُعْظَمِ) بِأَنْ يُقَدِّمَ الْإِحْرَامَ عَلَى الْجَمِيعِ وَيُؤَخَّرَ السَّعْيَ عَنْ طَوَافٍ وَيُقَدَّمَ الْوُقُوفَ عَلَى طَوَافِ الرُّكْنِ وَالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ لِلِاتِّبَاعِ مَعَ خَبَرِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَهِيَ) أَيْ السِّتَّةُ (أَرْكَانٌ لِلْعُمْرَةِ إلَّا الْوُقُوفُ) لِشُمُولِ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ لَهَا وَاعْتِبَارُ التَّرْتِيبِ فِيهَا بِمَا مَرَّ مَعَ تَقْدِيمِ السَّعْيِ عَلَى الْحَلْقِ وَعُدَّ فِي الْمَجْمُوعِ التَّرْتِيب شَرْطًا (، وَلَا تُجْبَرُ الْأَرْكَانُ بِالدَّمِ) إذْ الْمَاهِيَّةُ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِجَمِيعِ أَرْكَانِهَا (وَالْوَاجِبَاتُ) هِيَ (الْمَجْبُورَةُ) مِنْ حَيْثُ تَرْكُهَا (بِالدَّمِ) وَتُسَمَّى أَبْعَاضًا وَهِيَ خَمْسَةٌ (الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ) لِمُرِيدِ النُّسُكِ (وَالرَّمْيُ وَكَذَا الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَطَوَافُ الْوَدَاعِ) ، وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْجِيحِ هُنَا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَمَا ذَكَرَ مِنْ جَبْرِ تَرْكِ الْأَخِيرِ مِنْهَا إنَّمَا يُلَائِمُ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ (وَالْبَاقِي هَيْئَاتٌ لَا تُجْبَرُ)
(بَابُ حَجِّ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ) (يَصِحُّ إحْرَامُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ) لِصِحَّةِ مُبَاشَرَتِهِ (بِإِذْنِ الْوَلِيِّ) لِافْتِقَارِهِ إلَى الْمَالِ، وَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهِ وَبِهِ فَارَقَ الصَّوْمَ وَنَحْوَهُ، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى مَالٍ زَائِدٍ عَلَى مَا يَحْتَاجُهُ فِي الْحَضَرِ يَصِحُّ إحْرَامُهُ بِلَا إذْنٍ، وَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إحْرَامُ السَّفِيهِ بِلَا إذْنٍ لَكِنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ أَوَائِلَ الْحَجِّ أَنَّهُ يَصِحُّ وَلِلْوَلِيِّ تَحْلِيلُهُ (وَ) يَصِحُّ (إحْرَامُهُ عَنْهُ) بِنَفْسِهِ أَوْ مَأْذُونِهِ «؛ لِأَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ حَجَّ بِي أَبِي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَا يَسْتَقِلُّ) الصَّبِيُّ بِالْإِحْرَامِ هَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ (وَهُوَ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ) أَبُوهُ وَإِنْ عَلَا (ثُمَّ الْوَصِيُّ) إنْ كَانَ (أَوْ الْقَيِّمُ) إنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيٌّ وَالْمُرَادُ الْحَاكِمُ أَوْ قَيِّمَهُ وَإِنَّمَا لَمْ يُعْطَفْ هَذَا عَلَى مَا قَبْلَهُ لِعَدَمِ اجْتِمَاعِهِمَا (لَا غَيْرُهُمْ مِنْ أُمٍّ وَأَخٍ) وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، وَلَيْسَ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَنَّ «امْرَأَةً رَفَعَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ أَنَّهَا أَحْرَمَتْ عَنْهُ» وَبِتَقْدِيرِهِ يَحْتَمِلُ كَوْنُهَا وَصِيَّةً أَوْ قَيِّمَةً أَوْ أَنَّ الْأَجْرَ الْحَاصِلَ لَهَا إنَّمَا هُوَ أَجْرُ الْحَمْلِ وَالنَّفَقَةِ وَعُلِمَ مِنْ تَرْتِيبِ الْمَذْكُورِينَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إحْرَامُ الْمُؤَخَّرِ مِنْهُمْ مَعَ وُجُودِ الْمُقَدَّمِ حَتَّى الْجَدِّ حَيْثُ لَا مَانِعَ فِي الْأَبِ وَفَارَقَ التَّبَعِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ بِأَنَّهُ عَقَدَ الْإِسْلَامَ لِنَفْسِهِ فَتَبِعَهُ فَرْعُهُ بِحُكْمِ الْبَعْضِيَّةِ وَالْإِحْرَامُ عَقَدَهُ لِغَيْرَةِ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ.
(وَيُحْرِمُ الْوَلِيُّ أَوْ مَأْذُونُهُ عَنْ) الصَّبِيِّ (غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَعَنْ الْمَجْنُونِ) كَمَا يَتَصَرَّفُ عَنْهُمَا فِي مَالِهِمَا (لَا) عَنْ (الْمُغْمَى عَلَيْهِ) كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُرْجَى بُرْؤُهُ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ لَيْسَ لِأَحَدٍ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ بِسَبَبِ الْإِغْمَاءِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونِ فَصَحَّ إحْرَامُهُ عَنْهُمَا (وَلَوْ فِي غَيْبَتِهِمَا) لَكِنَّهُ يُكْرَهُ فِي غَيْبَتِهِمَا لِاحْتِمَالِ ارْتِكَابِهِمَا شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمَا بِهِ (حَلَالًا كَانَ) الْوَلِيُّ (أَوْ مُحْرِمًا) عَنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ إحْرَامِهِ عَنْهُ مِنْ زِيَادَتِهِ بِقَوْلِهِ (بِأَنْ يَقُولَ: أَحْرَمْت عَنْهُ أَوْ جَعَلْتُهُ مُحْرِمًا وَيُلَبِّي عَنْهُ) ، ذِكْرُ التَّلْبِيَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَيْفِيَّةِ إحْرَامِهِ عَنْهُ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الدَّارِمِيِّ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ كَيْفِيَّتَهُ أَنْ يَنْوِيَ جَعْلَهُ مُحْرِمًا فَيَصِيرُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ عَبْدِهِ الْبَالِغِ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ أَرْكَانُ الْحَجِّ]
فَصْلٌ وَأَرْكَانُ الْحَجِّ إلَخْ) (قَوْلُهُ الْإِحْرَامُ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُفْهِمُ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ سِوَى الْإِحْرَامِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ لَكِنَّ الشَّافِعِيُّ قَالَ يُشْتَرَطُ الْقَصْدُ وَالْإِفَاقَةُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: الْإِحْرَامُ وَالْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَخْتَصُّ بِفِعْلٍ كَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ وَمَا لَا، بَلْ يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ اللُّبْثِ فَلَا (قَوْلُهُ وَالطَّوَافُ إلَخْ) قَالَ الرَّافِعِيُّ فَأَمَّا الْحَلْقُ وَالطَّوَافُ فَلَا يَتَأَقَّتُ أَحَدُهُمَا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَطُوفَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ قَالَ فِي التَّتِمَّةِ إذَا تَأَخَّرَ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ صَارَ قَضَاءً.
اهـ. وَكَلَامُهُ يُشْعِرُ بِجَوَازِ تَأْخِيرِ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ إلَى خُرُوجِ أَيَّامِ الْحَجِّ وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْحَلْقِ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ عَنْ هَذَا الْيَوْمِ وَتَأْخِيرُهُمَا عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَشَدُّ لَكِنْ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِمَا، وَلَا يَزَالُ مُحْرِمًا حَتَّى يَأْتِيَ بِذَلِكَ.
اهـ. قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَيُشْكِلُ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْفَوَاتِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْفَوَاتِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى إحْرَامِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ صَاحِبَ الْفَوَاتِ لَا يَسْتَفِيدُ بِبَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ شَيْئًا بِخِلَافِ مَنْ أَخَّرَ الْحَلْقَ وَالطَّوَافَ
[بَابُ حَجِّ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ]
(بَابُ حَجِّ الصَّبِيِّ) (قَوْلُهُ يَصِحُّ إحْرَامُ الصَّبِيِّ إلَخْ) قَالَ الْأَصْحَابُ يُكْتَبُ لِلصَّبِيِّ ثَوَابُ مَا عَمِلَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ، وَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ بِالْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الدَّارِمِيِّ إلَخْ) لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا إذْ مَا ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ بَيَانًا لِلْأَفْضَلِ
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ فِي الصَّغِيرِ لَكِنْ رَأَيْت فِي الْأُمِّ الْجَزْمَ بِالصِّحَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالصَّغِيرِ فَقَالَ: وَإِذَا أَذِنَ لِلْمَمْلُوكِ بِالْحَجِّ أَوْ أَحَجَّهُ سَيِّدُهُ كَانَ حَجُّهُ تَطَوُّعًا وَأَحَجَّهُ بِالْهَمْزِ مَعْنَاهُ سَيَّرَهُ حَاجًّا انْتَهَى وَالْأَوْجَهُ لِيَتَّفِقَ الْكَلَامَانِ حَمْلُ قَوْلِ الْأُمِّ وَأَحَجَّهُ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ بِجَعْلِ " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ.
(فَصْلٌ يَفْعَلُ عَنْهُ) يَعْنِي بِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْأَصْلُ أَيْ بِالصَّبِيِّ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ (الْوَلِيُّ مَا عَجَزَ عَنْهُ) مِنْ غُسْلٍ وَتَجَرُّدٍ عَنْ مَخِيطٍ وَلُبْسِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَغَيْرِهَا (وَيَطُوفُ) وَيَسْعَى (بِغَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَيَرْكَعُ عَنْهُ) رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ فَعِبَارَتُهُ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ وَيُصَلِّي عَنْهُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ (فَإِنْ أَرْكَبَهُ) الْوَلِيُّ (فِي الطَّوَافِ) أَوْ السَّعْيِ (فَلْيَكُنْ) بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ (سَائِقًا أَوْ قَائِدًا) لِلدَّابَّةِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْمُتَّجَهُ الْجَزْمُ بِوُجُوبِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الطَّوَافِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا مَرَّ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ وَالصَّبِيُّ مُتَوَضِّئَيْنِ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُتَوَضِّئًا دُونَ الْوَلِيِّ لَمْ يُجْزِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَوَجْهَانِ وَكَأَنَّهُ اغْتَفَرَ صِحَّةَ وُضُوءِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ كَمَا اغْتَفَرَ صِحَّةَ طُهْرِ الْمَجْنُونَةِ الَّتِي انْقَطَعَ حَيْضُهَا لِتَحِلَّ لِحَلِيلِهَا (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُحْضِرَهُ) أَيْ الصَّبِيَّ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ (الْمَوَاقِفَ) فَيُحْضِرَهُ وُجُوبًا فِي الْوَاجِبَةِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبَةِ كَعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ لِإِمْكَانِ فِعْلِهَا مِنْهُ، وَلَا يُغْنِي حُضُورُهُ عَنْهُ.
(وَإِنْ قَدَرَ) الصَّبِيُّ عَلَى الرَّمْيِ (رَمَى) وُجُوبًا فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَنَاوُلِ الْأَحْجَارِ نَاوَلَهَا لَهُ وَلِيُّهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ عَجَزَ عَنْ الرَّمْيِ (اُسْتُحِبَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَضَعَ الْحَجَرَ فِي يَدِهِ وَيَأْخُذَهَا) أَيْ يَدَهُ (وَيَرْمِيَ) بِهَا (عَنْهُ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِلَّا فَيَأْخُذَ الْحَجَرَ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ يَرْمِيَ بِهِ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ مُحْتَمِلَةٌ لِلْكَيْفِيَّتَيْنِ، وَهِيَ إلَى الثَّانِيَةِ أَقْرَبُ (بَعْدَ رَمْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ وَقَعَ الرَّمْيُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الصَّبِيَّ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْحَجِّ عَلَى أَنْ لَا يَتَبَرَّعَ بِهِ مَعَ قِيَامِ الْفَرْضِ، وَلَوْ تَبَرَّعَ وَقَعَ فَرْضًا لَا تَبَرُّعًا.
[فَصْل الزَّائِدُ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ وَالْفِدْيَةِ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى الْوَلِيِّ]
(فَصْلٌ الزَّائِدُ) مِنْ النَّفَقَةِ (عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ وَالْفِدْيَةِ) الَّتِي تَجِبُ فِي النُّسُكِ (وَالْكَفَّارَةِ) بِجِمَاعٍ (عَلَى الْوَلِيِّ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُوَرِّطُ لَهُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا قَبِلَ لِلْمُمَيِّزِ نِكَاحًا، إذْ الْمَنْكُوحَةُ قَدْ تَفُوتُ وَالنُّسُكُ يُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ إلَى الْبُلُوغِ وَفَارَقَ ذَلِكَ أُجْرَةُ تَعْلِيمِهِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ حَيْثُ وَجَبَتْ فِي مَالِ الصَّبِيِّ بِأَنَّ مَصْلَحَةَ التَّعْلِيمِ كَالضَّرُورَةِ وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْهَا الْوَلِيُّ فِي الصِّغَرِ احْتَاجَ الصَّبِيُّ إلَى اسْتِدْرَاكِهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ بِخِلَافِ الْحَجِّ وَبِأَنَّ مُؤْنَةَ التَّعْلِيمِ يَسِيرَةٌ غَالِبًا (وَإِذَا جَامَعَ) الصَّبِيُّ فِي حَجِّهِ (فَسَدَ) حَجُّهُ (وَقُضِيَ) ، وَلَوْ (فِي الصِّبَا كَالْبَالِغِ) الْمُتَطَوِّعِ بِجَامِعِ صِحَّةِ إحْرَامِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَيُعْتَبَرُ فِيهِ لِفَسَادِ حَجِّهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَالِغِ مِنْ كَوْنِهِ: عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ مُجَامِعًا قَبْلَ التَّحَلُّلَيْنِ، وَإِذَا قَضَى (فَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَ فِي الْفَاسِدِ قَبْلَ) فَوَاتِ (الْوُقُوفِ أَجْزَأَهُ قَضَاؤُهُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَهُ انْصَرَفَ الْقَضَاءُ إلَيْهَا) أَيْضًا (وَبَقِيَ الْقَضَاءُ) فِي هَذِهِ (كَمَا قَدَّمْنَاهُ) فِي فَصْلِ الْعَبْدِ الْمُفْسِدِ لِلْحَجِّ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ قَوْلِهِ أَجْزَأَهُ إلَى آخِرِهِ انْصَرَفَ أَيْ قَضَاؤُهُ إلَى حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَقَضِيَّتُهَا أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ فِي الْفَاسِدِ بَعْدَ فَوَاتِ الْوُقُوفِ لَمْ يَنْصَرِفْ قَضَاؤُهُ إلَى حِجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ نَعَمْ لَوْ عَبَّرَ فِيهَا بَدَلَ الْفَاسِدِ بِالْقَضَاءِ أَوْ قَالَ فِي قَضَاءِ الْفَاسِدِ صَحَّ
(فَرْعٌ، وَإِنْ خَرَجَ بِمَجْنُونٍ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْفَرْضُ) قَبْلَ جُنُونِهِ (نُظِرَتْ فَإِنْ أَفَاقَ وَأَحْرَمَ وَأَتَى بِالْأَرْكَانِ مُفِيقًا أَجْزَأَهُ) مَا أَتَى بِهِ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ (وَسَقَطَ عَنْ الْوَلِيِّ زِيَادَةُ النَّفَقَةِ) الْحَاصِلَةِ بِالسَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا عَلَيْهِ (وَإِلَّا فَلَا) يُجْزِئُهُ ذَلِكَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ لِنَقْصِهِ فِيهِ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْ الْوَلِيِّ زِيَادَةُ النَّفَقَةِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ الْمُتَوَلِّي لَهُ الْمُسَافَرَةُ بِهِ قَالَ، وَأَمَّا مَنْ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَتْ مُدَّةُ إفَاقَتِهِ يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ الْحَجِّ وَوُجِدَتْ الشُّرُوطُ الْبَاقِيَةُ لَزِمَهُ الْحَجُّ، وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى.
وَاشْتِرَاطُ الْإِفَاقَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ شَرْطٌ لِسُقُوطِ زِيَادَةِ النَّفَقَةِ عَنْ الْوَلِيِّ لَا لِوُقُوعِ الْمَأْتِيِّ بِهِ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَلَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ الْوَلِيُّ فَأَفَاقَ وَأَتَى بِبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ مُفِيقًا وَقَعَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ كَنَظِيرِهِ فِي الصَّبِيِّ.
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ لَكِنْ رَأَيْت فِي الْأُمِّ إلَخْ) اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْأُمِّ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَنْ الْبَالِغِ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ فَإِنَّ الْبَالِغَ الْعَاقِلَ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا لَا يَدْخُلُ فِي صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ وَحَجٍّ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْهُ اتِّفَاقًا وَأَيْضًا لَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ طَاعَةُ سَيِّدِهِ فِي تَعَاطِي الْعِبَادَةِ الشَّاقَّةِ فِي الصِّيَامِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَحَجِّ التَّطَوُّعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ فِي الْأُمِّ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْحَجِّ عَلَى الْبَالِغِ وَقَوْلِهِ أَوْ أَحَجَّهُ عَلَى الصَّغِيرِ (قَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ لِيَتَّفِقَ الْكَلَامَانِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ كَتَزْوِيجِهِ قَالَ ابْنُ الْمُلَقَّنِ الْفَرْقُ لَائِحٌ فَإِنَّ الْحَجَّ فِيهِ ثَوَابٌ وَتَمْرِينٌ عَلَى الْعِبَادَةِ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ مَالٍ، وَلِهَذَا جَوَّزْنَاهُ لِلْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ بِخِلَافِ الْإِجْبَارِ عَلَى التَّزْوِيجِ (قَوْلُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْمُتَّجَهُ الْجَزْمُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
[فَصْلٌ مَا يَفْعَلُهُ الْوَلِيُّ بِالصَّبِيِّ فِي الْحَجّ]
(قَوْلُهُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ إلَخْ) هَلْ يُشْتَرَطُ وُضُوءُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لِلطَّوَافِ وَجْهَانِ فِي الْكِفَايَةِ وَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ لَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ فَوُضُوءُ الْوَلِيِّ هُوَ الْمُعْتَبَرُ وَعِبَارَةُ الدَّمِيرِيِّ وَيُشْتَرَطُ إذَا طَافَ بِهِ أَنْ يَكُونَا مُتَطَهِّرَيْنِ مَسْتُورَيْ الْعَوْرَةِ.
اهـ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ وَقَدْ تَدْخُلُ النِّيَابَةُ فِي الْوُضُوءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَلِيِّ فِي حَقِّ الطِّفْلِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ إذَا طَافَ بِهِ، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ عَنْهُ وَيَتَوَضَّأُ عَنْهُ لَكِنْ لَوْ أَحْدَثَ الصَّبِيُّ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَلِيِّ التَّجْدِيدُ، وَقَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ إذَا طَافَ بِهِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَكَأَنَّهُ اُغْتُفِرَ صِحَّةُ وُضُوءِ) غَيْرِ الْمُمَيِّزِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ وَيَنْوِي الْوَلِيُّ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ وَالْفِدْيَةُ الَّتِي تَجِبُ فِي النُّسُكِ كَفِدْيَةِ مُحْرِمِ الْإِحْرَامِ) أَوْ الْحَرَمِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْفَوَاتِ وَفِدْيَةُ الْمُجَاوَزَةِ.
[فَرْعٌ خَرَجَ بِمَجْنُونٍ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْفَرْضُ قَبْلَ جُنُونِهِ فِي الْحَجّ]
(قَوْلُهُ فَإِنْ أَفَاقَ وَأَحْرَمَ وَأَتَى بِالْأَرْكَانِ) شَمَلَ الْحَلْقَ (قَوْلُهُ شَرْطٌ لِسُقُوطِ زِيَادَةِ النَّفَقَةِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إلَخْ) فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ فَرْضِ الْإِسْلَامِ إذَا أَفَاقَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ
(فَصْلٌ.
وَإِنْ بَلَغَ) الصَّبِيُّ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ، وَلَوْ بَعْدَ وُقُوفِهِ (فَأَدْرَكَ الْوُقُوفَ أَجْزَأَهُ عَنْ فَرْضِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مُعْظَمَ الْعِبَادَةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُدْرِكْ الْوُقُوفَ (وَ) لَكِنْ (يُعِيدُ السَّعْيَ) وُجُوبًا (بَعْدَ الطَّوَافِ) إنْ كَانَ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ قَبْلَ بُلُوغِهِ لِيُوقِعَهُ حَالَ الْبُلُوغِ بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَدَامٌ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ أَيْضًا إذَا تَقَدَّمَ الطَّوَافُ أَوْ الْحَلْقُ وَأَعَادَهُ بَعْدَ إعَادَةِ الْوُقُوفِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ تَجِبُ إعَادَتُهُ لِتَبَيُّنِ وُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) بِإِتْيَانِهِ بِالْإِحْرَامِ قَبْلَ الْبُلُوغِ (وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْمِيقَاتِ بَالِغًا) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ، وَلَا إسَاءَةَ (وَالطَّوَافُ فِي الْعُمْرَةِ كَالْوُقُوفِ فِي الْحَجِّ) قَالَ فِي الْأَصْلِ فَإِذَا بَلَغَ قَبْلَهُ أَجْزَأَتْهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ زَادَ فِي الْمَجْمُوعِ وَكَذَا لَوْ بَلَغَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَا وَوَقَعَ لِلْبُلْقِينِيِّ لِعَدَمِ وُقُوفِهِ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ - مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ لَكِنْ لَوْ بَلَغَ فِيهِ لَا يَكُونُ كَبُلُوغِهِ فِي الْوُقُوفِ؛ لِأَنَّ مُسَمَّى الْوُقُوفِ حَاصِلٌ بِمَا وُجِدَ بَعْدَ بُلُوغِهِ بِخِلَافِ الطَّوَافِ، وَحَيْثُ أَجْزَأَهُ مَا أَتَى بِهِ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ وَقَعَ إحْرَامُهُ أَوَّلًا تَطَوُّعًا وَانْقَلَبَ عَقِبَ الْبُلُوغِ فَرْضًا عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَفِيهِ عَنْ الدَّارِمِيِّ لَوْ فَاتَ الصَّبِيَّ الْحَجُّ وَبَلَغَ فَإِنْ بَلَغَ قَبْلَ الْفَوَاتِ فَعَلَيْهِ حِجَّةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ حِجَّتَانِ حِجَّةٌ لِلْفَوَاتِ وَحِجَّةٌ لِلْإِسْلَامِ وَيَبْدَأُ بِحِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ أَفْسَدَ الْحُرُّ الْبَالِغُ حَجَّهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ، ثُمَّ فَاتَهُ أَجْزَأَتْهُ حِجَّةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْفَوَاتِ وَالْقَضَاءِ، وَعَلَيْهِ فِدْيَتَانِ إحْدَاهُمَا لِلْإِفْسَادِ وَالْأُخْرَى لِلْفَوَاتِ (وَالْعِتْقُ) لِلرَّقِيقِ فِي أَثْنَاءِ النُّسُكِ (كَالْبُلُوغِ) لِلصَّبِيِّ فِيهِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي وُجُوبُهُ إذَا كَانَ قَضَاءً عَنْ وَاجِبٍ مِنْ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ أَفْسَدَهُ بَلْ يَنْبَغِي وُجُوبُهُ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْحُرِّيَّةِ بِأَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ هُوَ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِهَا تَنْزِيلًا لِلْمُتَوَقَّعِ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ قُلْت الِانْبِغَاءُ الثَّانِي ظَاهِرٌ دُونَ الْأَوَّلِ قَالَ وَسَكَتَ الرَّافِعِيُّ عَنْ إفَاقَةِ الْمَجْنُونِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالصَّبِيِّ فِي حُكْمِهِ (وَلَوْ أَحْرَمَ ذِمِّيٌّ) الْأَوْلَى كَافِرٌ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ (مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَحْرَمَ، وَلَمْ يَعُدْ) إلَى الْمِيقَاتِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (لَزِمَهُ دَمٌ) ، وَإِنْ عَادَ فَلَا كَمُسْلِمٍ جَاوَزَهُ بِقَصْدِ النُّسُكِ نَعَمْ إنْ حَجَّ مِنْ سَنَةٍ أُخْرَى فَلَا دَمَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا أَعَادَ إحْرَامَهُ فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ الْأَوَّلَ لَمْ يَنْعَقِدْ وَالتَّصْرِيحُ بِالثَّانِيَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَصَرَّحَ بِهَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَكَالْكَافِرِ فِيمَا ذَكَرَ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ كَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ (وَمَنْ طَيَّبَ أَوْ حَلَقَ صَبِيًّا) أَوْ مَجْنُونًا.
وَلَوْ لِحَاجَتِهِ (لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ) وَلِيًّا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا لِإِسَاءَتِهِ وَكَالتَّطْيِيبِ وَالْحَلْقِ مَا يُشْبِهُهُمَا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ كَاللُّبْسِ وَالدُّهْنِ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا كَانَ الْوَلِيُّ وَالْأَجْنَبِيُّ حَلَالَيْنِ فَإِنْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ لَزِمَهُمَا فِدْيَتَانِ لَا يَنْبَغِي قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ لَوْ أَلْجَأَهُ الْوَلِيُّ إلَى التَّطَيُّبِ أَوْ فَوَّتَهُ الْحَجَّ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْوَلِيِّ بِلَا خِلَافٍ وَمِثْلُهُ الْأَجْنَبِيُّ.
(بَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ) أَيْ الْمُحَرَّمَاتِ بِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا أَخْبَارٌ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ فَقَالَ لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ إلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ» زَادَ الْبُخَارِيُّ، وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ وَكَخَبَرِ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسِ الْقَمِيصِ وَالْأَقْبِيَةِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ وَالْخُفَّيْنِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ النَّعْلَيْنِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَالسُّؤَالُ وَقَعَ فِي الْخَبَرِ الْأَوَّلِ عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ فَأُجِيبَ بِمَا لَا يَلْبَسُ؛ لِأَنَّهُ مَحْصُورٌ بِخِلَافِ مَا يَلْبَسُ إذْ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي السُّؤَالُ عَمَّا لَا يَلْبَسُ وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْجَوَابِ مَا يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ، وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ السُّؤَالَ صَرِيحًا (وَهِيَ) أَنْوَاعٌ (سَبْعَةٌ: الْأَوَّلُ اللُّبْسُ فَيَحْرُمُ سَتْرُ رَأْسِ الرَّجُلِ أَوْ بَعْضِهِ كَالْبَيَاضِ) الَّذِي
[حاشية الرملي الكبير]
وَلَمْ يَذْكُرُوا الْحَلْقَ وَقِيَاسُ كَوْنِهِ نُسُكًا اشْتِرَاطُ الْإِفَاقَةِ فِيهِ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْحَلْقِ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ فِعْلُ الْحَاجِّ فَلَوْ حُلِقَ رَأْسُهُ، وَهُوَ نَائِمٌ كَفَى فِيمَا يَظْهَرُ قَالَ شَيْخُنَا فَعُلِمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مَرْدُودٌ.
[فَصْلٌ بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ وَلَوْ بَعْدَ وُقُوفِهِ فَأَدْرَكَ الْوُقُوفَ]
(قَوْلُهُ وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ إلَخْ) لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَقَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهِ، وَلَمْ يَعُدْ إلَى الْمَوْقِفِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِمُضِيِّ الْمُعْظَمِ فِي حَالِ النُّقْصَانِ، وَيُخَالِفُ الصَّلَاةُ حَيْثُ تُجْزِئُهُ إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ تَتَكَرَّرُ بِخِلَافِ الْحَجِّ (قَوْلُهُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ يَنْبَغِي إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَكَالْكَافِرِ فِيمَا ذُكِرَ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا هَذَا إذَا جَاوَزَهُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَلَا يُنَافِي مَا قَالَهُ ابْنُ شُهْبَةَ وَابْنُ قَاسِمٍ مِنْ عَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ فِي الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ إذْ هُوَ فِي مُجَاوَزَتِهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ (قَوْلُهُ لَا يَنْبَغِي) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
[بَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ]
(بَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ) عَدَّهَا فِي اللُّبَابِ وَأَصْلِهِ عِشْرِينَ شَيْئًا وَجَرَى عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ فِي التَّدْرِيبِ وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ إنَّهَا عَشَرَةٌ يَعْنِي وَالْبَاقِيَةُ مُتَدَاخِلَةٌ (قَوْلُهُ: فَيَحْرُمُ سَتْرُ رَأْسِ الرَّجُلِ) إذَا غَطَّى رَأْسَهُ بِثَوْبٍ شَفَّافٍ تَبْدُو الْبَشَرَةُ مِنْهُ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوهُ فِي الصَّلَاةِ سَاتِرًا، وَلَوْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاتِرًا قَالَ ابْنُ الْمُقْرِي وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمَاءَ الْكَدِرِ كَالصَّافِي، لَكِنَّهُ قَدْ عُدَّ الْمَاءُ الْكَدِرُ فِي الصَّلَاةِ سَاتِرًا فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ.
وَقَالَ الكوهكيلوني وَمَاءٌ، وَلَوْ كَدِرًا فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاتِرًا بِخِلَافِ مَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ أَوْ بَعْضَهُ) ضَبَطَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ الْبَعْضَ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَقْصِدُ سَتْرَهُ لِغَرَضِ سَتْرِهِ الْعِصَابَةَ وَإِلْصَاقٌ لُصُوقُ شَجَّةٍ، وَأَبْطَلَهُ الرَّافِعِيُّ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ شَدَّ خَيْطًا عَلَى رَأْسِهِ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ يُقْصَدُ لِمَنْعِ الشَّعْرِ مِنْ الِانْتِشَارِ فَالْوَجْهُ الضَّبْطُ بِتَسْمِيَتِهِ سَاتِرًا، لَكِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ إنَّ الصَّوَابَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ، وَلَا يَنْتَقِضُ بِمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ
(وَرَاءَ الْأُذُنِ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا) عُرْفًا، وَإِنْ، وَلَمْ يُحِطْ بِالرَّأْسِ (وَلَوْ بِعِصَابَةٍ وَمَرْهَمٍ) ، وَهُوَ مَا يُوضَعُ عَلَى الْجِرَاحَةِ (وَطِينٍ) وَحِنَّاءٍ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ وَلِخَبَرِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ.
وَقَوْلُهُ (سَاتِرٌ) إيضَاحٌ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ تَرْكِيبِهِ السَّابِقِ (لَا) سَتْرُهُ (بِمَاءٍ) كَأَنْ غَطَسَ فِيهِ (وَخَيْطٍ) شَدَّ بِهِ رَأْسَهُ (وَهَوْدَجٍ) اسْتَظَلَّ بِهِ (وَإِنْ مَسَّهُ) وَطِينٍ وَحِنَّاءٍ رَقِيقَيْنِ (، وَلَا بِوَضْعِ كَفِّهِ، وَكَذَا كَفِّ غَيْرِهِ وَمَحْمُولٍ) كَقُفَّةٍ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَأْسِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُرَدُّ سَاتِرًا وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ «حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْت أُسَامَةَ وَبِلَالًا وَأَحَدُهُمَا أَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنْ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ حُرْمَةِ ذَلِكَ سَوَاءٌ أَقَصَدَ السَّتْرَ بِهِ أَمْ لَا لَكِنْ جَزَمَ الْفُورَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فِيمَا إذَا قَصَدَ بِحَمْلِ الْقُفَّةِ وَنَحْوِهَا السَّتْرَ وَظَاهِرُهُ حُرْمَةُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ، وَلَا أَثَرَ لِتَوَسُّدِ وِسَادَةٍ أَوْ عِمَامَةٍ فَإِنَّهُ حَاسِرُ الرَّأْسِ عُرْفًا وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: لَا أَثَرَ لِلطِّلَاءِ بِعَسَلٍ أَوْ لَبَنٍ مَحْمُولٌ عَلَى الرَّقِيقِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالْأَفْضَلُ بُرُوزُ الرَّجُلِ لِلشَّمْسِ حَيْثُ لَا ضَرَرَ وَالسَّتْرُ لِلْمَرْأَةِ انْتَهَى.
وَكَالْمَرْأَةِ الْخُنْثَى أَمَّا غَيْرُ الرَّأْسِ مِنْ الرَّجُلِ فَيَجُوزُ سَتْرُهُ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى شَيْئًا لِيَسْتَوْعِبَ الرَّأْسَ بِالْكَشْفِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ (وَيَحْرُمُ) أَنْ يَلْبَسَ فِيهِ (مَا يُحِيطُ بِالْبَدَنِ وَكَذَا بِالْعُضْوِ وَنَحْوِهِ كَخَرِيطَةِ لِحْيَةٍ) ، وَإِنْ بَدَا الْمَسْتُورُ كَمَا فِي السَّتْرِ بِزُجَاجٍ شَفَّافٍ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّ خَرِيطَةَ اللِّحْيَةِ فِي مَعْنَى الْقُفَّازَيْنِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُحِيطُ (بِخِيَاطَةٍ كَالْقَمِيصِ أَوْ الْخُفِّ) وَالْقُفَّازِ (أَوْ نَسْجٍ كَالدِّرْعِ أَوْ عِقْدٍ كَجُبَّةِ اللَّبَدِ أَوْ اللَّزُوقِ) الْأَوْلَى لَزُوقٌ أَوْ لَزِقَ عَطْفًا عَلَى خِيَاطَةٍ وَكَأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى اللَّبَدِ فَعَرَّفَهُ وَكَلَامُ أَصْلِهِ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ إلَى الْأَوَّلِ أَقْرَبُ وَعَلَيْهِ جَرَى فِي الْبَهْجَةِ وَعَبَّرَ بِاللَّصْقِ بِالصَّادِ هَذَا وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي كَوْنِ اللَّبَدِ مَعْقُودًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي قَوْلِ الْمِنْهَاجِ أَوْ الْمَعْقُودُ يَعْنِي الْمَلْزُوقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَالثَّوْبِ مِنْ اللَّبَدِ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّبَدَ عَلَى نَوْعَيْنِ نَوْعٌ مَعْقُودٌ وَنَوْعٌ مَلْزُوقٌ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُتَّخَذُ مِنْ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ وَغَيْرِهِمَا (وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ إنْ لَبِسَهُ) أَيْ مَا يُحِيطُ بِمَا ذُكِرَ (كَالْعَادَةِ) عَامِدًا مُخْتَارًا (وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ الْيَدَ فِي الْكُمِّ) مِنْ الْقَبَاءِ وَنَحْوِهِ قَصُرَ الزَّمَنُ أَوْ طَالَ وَخَرَجَ بِالْعَادَةِ مَا لَوْ أَلْقَى عَلَى نَفْسِهِ قَبَاءً أَوْ فَرَجِيَّةً، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ قَامَ أَوْ قَعَدَ لَمْ يَسْتَمْسِكْ عَلَيْهِ إلَّا بِمَزِيدِ أَمْرٍ فَلَا تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ وَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ (لَا إنْ ارْتَدَى بِالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ أَوْ اتَّزَرَ بِهِمَا) أَوْ أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ سَاقَيْ الْخُفِّ فَلَا فِدْيَةَ كَمَا لَوْ اتَّزَرَ بِإِزَارٍ لَفَّقَهُ مِنْ رِقَاعٍ؛ وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي كُلِّ مَلْبُوسٍ بِمَا يُعْتَادُ إذْ بِهِ
[حاشية الرملي الكبير]
لِأَنَّ الْخَيْطَ لَا يُسَمَّى سَاتِرًا بِخِلَافِ الْعِصَابَةِ الْعَرِيضَةِ (قَوْلُهُ لَا بِمَاءٍ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي إطْلَاقِ الْمَاءِ وَقْفَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ عَدُّوا الْمَاءَ الْكَدِرَ فِي الْمُتَرَاكَمِ سَاتِرًا فِي الصَّلَاةِ فَلِمَ لَا يَجْرِي ذَلِكَ هُنَا (قَوْلُهُ كَقُفَّةٍ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَعَلَّ مَا ذَكَرُوهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَسْتَرْخِ الزِّنْبِيلُ وَنَحْوُهُ عَلَى رَأْسِهِ لِصَلَابَةٍ أَسْفَلَهُ أَوْ امْتِلَائِهِ بِشَيْءٍ، أَمَّا لَوْ اسْتَرْخَى فَهُوَ سَاتِرٌ كَالْقَلَنْسُوَةِ الْوَاسِعَةِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ حُرْمَةُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ) وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ عَدَمُ تَعَدُّدِ الْفِدْيَةِ فِيمَا إذَا سَتَرَ رَأْسَهُ بِقُبَعٍ، ثُمَّ بِعِمَامَةٍ، ثُمَّ بِطَيْلَسَانٍ فِي أَزْمِنَةٍ أَوْ نَزَعَ الْعِمَامَةَ، ثُمَّ لَبِسَهَا وَكَثِيرًا مَا يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ هُوَ عَدَمُ التَّعَدُّدِ مَا دَامَ الرَّأْسُ مَسْتُورًا؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِي الرَّأْسِ إنَّمَا هُوَ السَّتْرُ وَالْمَسْتُورُ، وَلَا يُسْتَرُ بِخِلَافِ الْبَدَنِ فَإِنَّ الْفِدْيَةَ فِيهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِاللُّبْسِ فَيُقَالُ لِلَّابِسِ لَبِسَ وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ مُحِبِّ الدِّينِ الطَّبَرِيِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْبَدَنَ كَالرَّأْسِ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِهِ عَلَى التَّنْبِيهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى دَقِيقِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْحَابَ ذَكَرُوا تَصْوِيرَ تَكْرَارِ اللُّبْسِ فِي مَجَالِسَ بِأَنْ يَلْبَسَ الْقَمِيصَ فِي مَجْلِسٍ وَالسَّرَاوِيلَ فِي مَجْلِسٍ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْبُدَاءَةِ بِالسَّرَاوِيلِ أَوْ الْقَمِيصِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ التَّسْوِيَةُ فِي طَرْدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إذْ بَدَأَ بِالسَّرَاوِيلِ، ثُمَّ الْقَمِيصِ فَإِنْ عَكَسَ فَلَا يَتَّجِهُ طَرْدُ الْخِلَافِ فِيهِ فَإِنَّهُ بِلُبْسِ الْقَمِيصِ سَتَرَ مَحَلَّ السَّرَاوِيلِ بِالْمَخِيطِ، وَوَجَبَتْ الْفِدْيَةُ فَلَا تَتَكَرَّرُ بِسَاتِرٍ آخَرَ مَعَ بَقَاءِ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ لَبِسَ قَمِيصًا فَوْقَ قَمِيصٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِالثَّانِي شَيْءٌ، وَلَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا يَظْهَرُ فَرْقٌ بِأَنْ يَلْبَسَ لِبَاسًا فَوْقَ لِبَاسٍ وَجَبَتْ بِهِ الْفِدْيَةُ أَوْ تَحْتَهُ، وَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ لَبِسَ تَحْتَ قَمِيصٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَتَقْدِيرُ نَزْعِ الْقَمِيصِ بِلُبْسِ السَّرَاوِيلِ تَحْتَهُ أَوْ الْقَبَاءِ وَتَصْبِيرِهِ كَأَنَّهُ كَشَفَ الْقَمِيصَ عَنْ مَحَلِّ السَّرَاوِيلِ، ثُمَّ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ فِيهِ بَعْدُ، وَلَا نَظَرَ إلَى الْمُبَاشِرَةِ فَإِنَّهُ لَوْ الْتَفَّ بِثَوْبِ إحْرَامِهِ، ثُمَّ يَلْبَسُ فَوْقَهُ قَمِيصًا فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ قَالَ، وَلَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى نَصٍّ، وَإِنَّمَا سَاقَ الْبَحْثَ إلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ لَا بُعْدَ فِيهِ.
اهـ.
وَارْتَضَى الْإِسْنَوِيُّ فِي مُهِمَّاتِهِ وَالْأَذْرَعِيُّ فِي تَوَسُّطِهِ مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وَتَبِعَاهُ عَلَيْهِ لَكِنْ قَالَ الدَّمِيرِيِّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ الطَّبَرِيِّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ وَالْمُعْتَمَدُ الْفَرْقُ.
اهـ. وَقَوْلُ الطَّبَرِيِّ فَإِنَّهُ بِلُبْسِ الْقَمِيصِ سَتَرَ مَحَلَّ السَّرَاوِيلِ بِالْمَخِيطِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْقَمِيصُ سَابِغًا، وَإِلَّا فَقَدْ سَتَرَ السَّرَاوِيلُ شَيْئًا مِنْ الْبَدَنِ لَمْ يَسْتُرْهُ الْقَمِيصُ، وَحِينَئِذٍ فَتَتَكَرَّرُ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ سَاتِرًا آخَرَ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوَسُّطِ، وَلَا يَخْفَى مَجِيئُهُ فِي سَتْرِ الرَّأْسِ بِالْقُبَعِ وَالْقَلَنْسُوَةِ، ثُمَّ بِالْعِمَامَةِ (قَوْلُهُ فَلَا تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ) فَإِنْ أَخَذَ مِنْ بَدَنِهِ مَا إذَا قَامَ عُدَّ لَابِسُهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ (قَوْلُهُ فَلَا فِدْيَةَ) كَمَا لَوْ اتَّزَرَ بِإِزَارٍ لَفَّقَهُ مِنْ رِقَاعٍ، كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ لَكِنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَهُ بِأَسْطُرٍ أَنَّهُ لَوْ أَلْقَى عَلَى نَفْسِهِ قَبَاءً أَوْ فَرَجِيَّةً، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ إنْ أَخَذَ مِنْ بَدَنِهِ مَا إذَا قَامَ عُدَّ لَابِسُهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ قَامَ أَوْ قَعَدَ لَمْ يَسْتَمْسِكْ إلَّا بِمَزِيدِ أَمْرٍ فَلَا.
اهـ. وَاعْتَرَضَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ بِأَنَّ الِالْتِحَافَ الْمَذْكُورَ إمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْإِلْقَاءُ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ أَوَّلًا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ مَعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ التَّكْرَارِ عَلَى قُرْبٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي أَيْ، وَهُوَ مَا لَمْ يَسْتَمْسِكْ عِنْدَ الْقِيَامِ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ إلَى التَّعْبِيرِ بِالِالْتِحَافِ فَعَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ كَلَامٌ عَجِيبٌ.
اهـ.
وَجُمِعَ بَيْنَ كَلَامَيْ الرَّافِعِيِّ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَوَّلًا مَا إذَا وَضَعَهُ عَلَى هَيْئَةِ اللُّبْسِ الْمُعْتَادَةِ بِأَنْ يَضَعَ طَوْقَ الْقَبَاءِ أَوْ الْفَرْجِيَّةِ عِنْدَ رَقَبَتِهِ وَتَوَسَّدَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي كُمِّهِ فَإِنَّهُ إذَا قَامَ، وَهُوَ عَلَيْهِ عُدَّ لَابِسًا لَهُ، وَلِهَذَا مَثَّلَ بِالْقَبَاءِ وَالْفَرْجِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا هَكَذَا بِالْأَصْلِ
يَحْصُلُ التَّرَفُّهُ بِخِلَافِ الْحِنْثِ بِهِ لِوُجُودِ اسْمِ اللُّبْسُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَكَذَا لَوْ الْتَحَفَ بِقَمِيصٍ أَوْ عَبَاءَةٍ أَوْ إزَارٍ أَوْ نَحْوِهَا وَلَفَّ عَلَيْهِ طَاقًا، أَوْ أَكْثَرَ فَلَا فِدْيَةَ (وَلَهُ تَقَلُّدُ السَّيْفِ) وَالْمُصْحَفِ (وَشَدُّ الْمِنْطَقَةِ) وَالْهِمْيَانِ عَلَى وَسَطِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَقَدْ قَدِمَتْ الصَّحَابَةُ مَكَّةَ مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبُخَارِيُّ.
وَلَهُ أَنْ يَلُفَّ بِوَسَطِهِ عِمَامَةً، وَلَا يَعْقِدُهَا وَأَنْ يَلْبَسَ الْخَاتَمَ وَأَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي كُمِّ قَمِيصٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ (وَ) لَهُ (عَقْدُ الْإِزَارِ بِتِكَّةٍ) بِكَسْرِ التَّاءِ أَوْ نَحْوِهَا (فِي حُجُزِهِ) بِضَمِّ الْحَاءِ أَيْ فِي حُجْزَةِ الْإِزَارِ أَيْ مَعْقِدِهِ لِحَاجَةِ إحْكَامِهِ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا قَالَ الْمُتَوَلِّي، وَلَهُ شَدُّهُ بِخَيْطٍ، وَلَوْ مَعَ عَقْدِ الْإِزَارِ لِحَاجَةِ ثُبُوتِهِ بِخِلَافِ اتِّخَاذِ الشَّرَجِ وَالْعُرَى لِلرِّدَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَصْلُ (لَا إنْ عَقَدَهُ) أَيْ الْإِزَارَ (بِشَرَجٍ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَالرَّاءِ أَيْ أَزْرَارٍ (فِي عُرًى أَوْ شَقَّهُ) نِصْفَيْنِ (وَلَفَّ كُلَّ نِصْفٍ عَلَى سَاقٍ وَعَقَدَهُ أَوْ عَقَدَ طَرَفَيْ رِدَائِهِ) بِخَيْطٍ أَوْ بِدُونِهِ (أَوْ خَلَّهُمَا بِخِلَالٍ) كَمِسَلَّةِ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا لِشَبَهِ الثَّانِي بِالسَّرَاوِيلِ وَمَا عَدَاهُ بِالْمَخِيطِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَسْتَمْسِكُ وَقَيَّدَ الْغَزَالِيُّ وَالْقَاضِي مُجَلِّيٌّ الْأَوَّلَ بِمَا إذَا تَقَارَبَ الشَّرَجُ بِحَيْثُ أَشْبَهَتْ الْخِيَاطَةُ، وَإِلَّا فَلَا فِدْيَةَ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَلَا يَتَقَيَّدُ الرِّدَاءُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّرَجَ الْمُتَبَاعِدَ يُشْبِهُ الْعَقْدَ، وَهُوَ فِيهِ مُمْتَنِعٌ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْإِزَارِ.
(وَلَهُ أَنْ يَشُدَّ طَرَفَ إزَارِهِ فِي طَرَفِ رِدَائِهِ) لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهِ فِي الِاسْتِمْسَاكِ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَلَهُ غَرْزُ رِدَائِهِ فِي إزَارِهِ وَالتَّوَشُّحُ بِهِ (وَلِلْمَرْأَةِ) وَلَوْ أَمَةً (سَتْرُ مَا سِوَى الْوَجْهِ بِمَخِيطٍ وَغَيْرِهِ) مِنْ الْمَلْبُوسَاتِ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوْ الزَّعْفَرَانُ مِنْ الثِّيَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَلْيَلْبَسْنَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ حَرِيرٍ أَوْ حُلِيٍّ أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ خُفٍّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنَّمَا جَازَ لَهَا السَّتْرُ بِالْمَخِيطِ دُونَ الرَّجُلِ لِلْإِخْبَارِ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَوْلَى بِالسَّتْرِ وَغَيْرُ الْمَخِيطِ لَا يَتَأَتَّى مَعَهُ الْأَمْنُ مِنْ الْكَشْفِ كَالْمَخِيطِ، وَلِهَذَا لَوْ اجْتَمَعَا عَلَى السَّتْرِ قُدِّمَتْ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (لَا) سَتْرَ (الْكَفَّيْنِ بِقُفَّارَيْنِ) أَوْ إحْدَاهُمَا بِأَحَدِهِمَا فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ لِلْخَبَرَيْنِ السَّابِقَيْنِ؛ وَلِأَنَّ الْقُفَّازَ مَلْبُوسُ عُضْوٍ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ فَأَشْبَهَ خُفَّ الرَّجُلِ وَخَرِيطَةَ لِحْيَتِهِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ، وَالْقُفَّازُ شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ يُحْشَى بِقُطْنٍ وَتَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ تُزَرُّ عَلَى السَّاعِدَيْنِ مِنْ الْبَرْدِ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ فِي يَدَيْهَا، وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ مَا يَشْمَلُ الْمَحْشُوَّ وَغَيْرَهُ.
(وَيَجُوزُ) سَتْرُهُمَا (بِغَيْرِهِمَا) كَكُمٍّ وَخِرْقَةٍ لَفَّتْهَا عَلَيْهِمَا لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ وَمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ سَوَاءٌ أَخَضَبَتْهُمَا أَمْ لَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْقُفَّازِ عَلَيْهَا مَا مَرَّ آنِفًا وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ لَا الْكَفَّيْنِ إلَى آخِرِهِ لَا الْقُفَّازَيْنِ وَيَجُوزُ لَفُّ يَدِهَا بِغَيْرِهِمَا أَمَّا الْوَجْهُ فَلَا تَسْتُرُهُ لِلْخَبَرَيْنِ السَّابِقَيْنِ (وَ) لَكِنْ (يُعْفَى عَمَّا تَسْتُرُهُ مِنْ الْوَجْهِ احْتِيَاطًا لِلرَّأْسِ) إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ سَتْرِهِ إلَّا بِسِتْرِ قَدْرٍ يَسِيرٍ مِمَّا يَلِيهِ مِنْ الْوَجْهِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى سَتْرِهِ بِكَمَالِهِ لِكَوْنِهِ عَوْرَةً أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى كَشْفِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْوَجْهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْأَمَةَ لَا تَسْتُرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَأْسَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ لَكِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ فِي إحْرَامِ الْمَرْأَةِ وَلُبْسِهَا لَمْ يُفَرِّقُوا فِيهِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَشَذَّ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَحَكَى وَجْهًا أَنَّ الْأَمَةَ كَالرَّجُلِ، وَوَجْهَيْنِ فِي الْمُبَعَّضَةِ هَلْ هِيَ كَالْأَمَةِ أَوْ كَالْحُرَّةِ (وَلَهَا أَنْ تُسْدِلَ) أَيْ تُرْخِيَ عَلَى وَجْهِهَا (ثَوْبًا مُتَجَافِيًا) عَنْهُ بِخَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا سَوَاءٌ أَفَعَلَتْهُ لِحَاجَةٍ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ وَفِتْنَةٍ أَمْ لَا كَمَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ سَتْرُ رَأْسِهِ بِمِظَلَّةٍ وَنَحْوِهَا (وَإِنْ أَصَابَهُ) كَأَنْ وَقَعَتْ الْخَشَبَةُ فَأَصَابَ الثَّوْبُ وَجْهَهَا (بِلَا اخْتِيَارٍ مِنْهَا فَرَفَعَتْهُ فَوْرًا فَلَا فِدْيَةَ، وَإِلَّا) بِأَنْ اخْتَارَتْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ تَرْفَعْهُ فَوْرًا (وَجَبَتْ) مَعَ الْإِثْمِ.
(وَلِلْخُنْثَى) الْمُشْكِلِ (سَتْرُ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ، وَلَا فِدْيَةَ؛ لِأَنَّا لَا نُوجِبُ شَيْئًا بِالشَّكِّ (فَقَطْ) أَيْ لَا سَتْرَهُمَا، فَلَوْ سَتَرَهُمَا لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ لِتَيَقُّنِ سَتْرِ مَا لَيْسَ لَهُ سَتْرُهُ وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتُرَ بِالْمَخِيطِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ رَجُلًا وَيُمْكِنُهُ سَتْرُهُ بِغَيْرِهِ هَكَذَا ذَكَرَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ لَا خِلَافَ أَنَّا نَأْمُرُهُ بِالسَّتْرِ وَلُبْسِ الْمَخِيطُ كَمَا نَأْمُرُهُ أَنْ يَسْتَتِرَ فِي صَلَاتِهِ كَالْمَرْأَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ السُّلَمِيُّ عَقِبَ ذَلِكَ قُلْت أَمَّا سَتْرُ رَأْسِهِ فَوَاجِبٌ احْتِيَاطًا، وَلَا يَسْتُرُ وَجْهَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أُنْثَى فَكَشْفُهُ وَاجِبٌ أَوْ رَجُلًا لَمْ يَلْزَمْهُ سَتْرُهُ، وَأَمَّا سَتْرُ بَدَنِهِ فَيَجِبُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أُنْثَى فَوَاضِحٌ أَوْ رَجُلًا فَجَائِزٌ وَالسَّتْرُ مَعَ التَّرَدُّدِ وَاجِبٌ، وَلِهَذَا «أُمِرَتْ سَوْدَةُ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ وَأَمَرَ الْخُنْثَى بِالِاحْتِجَابِ» قَالَ وَتَجْوِيزُ الْقَاضِي لُبْسَ الْمَخِيطِ فِيهِ نَظَرٌ، وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَلَا يَتَقَيَّدُ الرَّدُّ بِذَلِكَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ سَتْرِهِ إلَّا بِسِتْرِهِ إلَخْ وَالْوَجْهُ إنَّمَا نَهَى فِيهِ عَنْ النِّقَابِ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ لَيْسَ بِنِقَابٍ، وَلَا فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ إظْهَارُ الشِّعَارِ، وَهُوَ لَا يَفُوتُ بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ السَّتْرَ آكِدٌ (قَوْلُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْأَمَةَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِ إرْشَادِهِ وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ عَلَى الْمَذْهَبِ لَكِنَّ الْحُرَّةَ لَا تُؤَاخَذُ بِمَا تَسْتُرُهُ مِنْ الْوَجْهِ احْتِيَاطًا لِسَتْرِ الرَّأْسِ
(قَوْلُهُ وَقَالَ السُّلَمِيُّ عَقِبَ ذَلِكَ إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَمَا قَالَهُ حَسَنٌ وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ يُخَمِّرُ رَأْسَهُ، وَلَا يُخَمِّرُ وَجْهَهُ
ذَكَرًا حَرُمَ عَلَيْهِ أَوْ أُنْثَى جَازَ فَقَدْ تَرَدَّدَ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَالْحَظْرُ أَوْلَى وَمَقْصُودُ السَّتْرِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ الْمَخِيطِ فَلَا مَعْنَى لِتَجْوِيزِ الْمَخِيطِ مَعَ جَوَازِ الْحَظْرِ وَعَدَمِ الْحَاجَةِ وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا سَتْرَ الرَّأْسِ، وَإِنْ تَرَدَّدَ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّ سَتْرَ رَأْسِ الْمَرْأَةِ وَاجِبٌ أَصْلِيٌّ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَتَحْرِيمُ سَتْرِ الرَّأْسِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ عَارِضٌ لِحُرْمَةِ الْعِبَادَةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي حَقِّ الْخُنْثَى حُكْمُ الْأُنُوثَةِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ حَاصِلَ كَلَامِ الْقَاضِي وُجُوبُ سَتْرِ رَأْسِهِ وَسَتْرِ بَدَنِهِ، وَلَوْ بِغَيْرِ مَخِيطٍ بِقَرِينَةِ تَنْظِيرِهِ الْمَذْكُورِ فَلَا يُنَافِي كَلَامَ السُّلَمِيُّ إلَّا فِي لُبْسِ الْمَخِيطِ فَالْقَاضِي يُجَوِّزُهُ، وَهُوَ يُحَرِّمُهُ، ثُمَّ كَلَامُ الْجُمْهُورِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِحْرَامِ وَكَلَامُهُمَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ وَلِوُجُوبِ السَّتْرِ عَنْ الْأَجَانِبِ فَلَا مُنَافَاةَ إلَّا فِي لُبْسِ الْمَخِيطِ فَالْجُمْهُورُ وَالْقَاضِي يُجَوِّزُونَهُ وَالسُّلَمِيُّ يُحَرِّمُهُ فَتَنْظِيرُهُ فِي كَلَامِ الْقَاضِي لَا يَخُصُّهُ بَلْ يَأْتِي عَلَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ أَيْضًا وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الْخُنْثَى لَيْسَ لَهُ سَتْرُ وَجْهِهِ مَعَ كَشْفِ رَأْسِهِ خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ الْخُنْثَى بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْأَجَانِبِ جَازَ لَهُ كَشْفُ رَأْسِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا.
(فَرْعٌ مَنْ لَبِسَ) فِي الْإِحْرَامِ مَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ بِهِ أَوْ سَتَرَ مَا يَحْرُمُ سَتْرُهُ فِيهِ (لِحَاجَةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مُدَاوَاةٍ) أَوْ نَحْوِهَا (جَازَ وَفَدَى) كَمَا فِي الْحَلْقِ لِذَلِكَ بِجَامِعِ التَّرَفُّهِ الْحَاصِلِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا
(وَلَهُ لُبْسُ مُكَعَّبٍ) أَيْ مَدَاسٍ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَوْزَةً وَالزُّرْبُولِ الَّذِي لَا يَسْتُرُ الْكَعْبَيْنِ (وَكَذَا) لُبْسُ (خُفٍّ إنْ قَطَعَ أَسْفَلَ كَعْبِهِ) ، وَإِنْ اسْتَتَرَ ظَهْرُ الْقَدَمَيْنِ فِيهِمَا بِبَاقِيهِمَا (وَكَذَا) لُبْسُ (سَرَاوِيلَ) ، وَهَذَا (لِعَاجِزٍ عَنْ تَحْصِيلِ نَعْلَيْنِ) فِي الْأُولَيَيْنِ (وَإِزَارٍ) فِي الثَّالِثَةِ بِالطَّرِيقَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّيَمُّمِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ يَقُولُ: السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ» أَيْ مَعَ قَطْعِ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ بِقَرِينَةِ خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ وَالْأَصْلُ فِي مُبَاشَرَةِ الْجَائِزِ نَفْيُ الضَّمَانِ وَاسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ ذَلِكَ بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَى النَّعْلِ، وَالْإِزَارُ مُوجِبَةٌ لِلدَّمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ وَخَرَجَ بِالْعَاجِزِ غَيْرُهُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُ ذَلِكَ لِلْخَبَرِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالْمُرَادُ بِالنَّعْلِ التَّاسُومَةُ وَيَلْحَقُ بِهِ الْقَبْقَابُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَخِيطٍ، وَلَا فَرْقَ فِي السَّرَاوِيلِ بَيْنَ مَا يَتَأَتَّى مِنْهُ إزَارٌ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ وَإِضَاعَةُ الْمَالِ بِجَعْلِهِ إزَارًا وَيُفَارِقُ الْخُفُّ لِلْأَمْرِ بِقَطْعِهِ نَعَمْ يُتَّجَهُ عَدَمُ جَوَازِ قَطْعِ الْخُفِّ إذَا وُجِدَ الْمُكَعَّبُ، هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَتَأَتَّ الِاتِّزَارُ بِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَإِلَّا حَرُمَ لُبْسُهُ كَمَا يَحْرُمُ لُبْسُ الْقَمِيصِ عِنْدَ فَقْدِ الرِّدَاءِ كَمَا سَيَأْتِي قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِالسَّرَاوِيلِ إزَارًا مُتَسَاوِيَ الْقِيمَةِ فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وُجُوبُهُ إنْ لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ تَبْدُو فِيهِ عَوْرَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَلَوْ لَمْ يَجِدْ رِدَاءً لَمْ يَجُزْ لُبْسُ الْقَمِيصِ) بَلْ يَرْتَدِي بِهِ (وَلَوْ عَدِمَ الْإِزَارَ) أَوْ النَّعْلَ وَاحْتَاجَ إلَيْهِ (فَبِيعَ مِنْهُ نَسِيئَةً أَوْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ) لِعِظَمِ الْمِنَّةِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ فِي الشِّرَاءِ نَسِيئَةً وَفِي قَرْضِ الثَّمَنِ مَا ذُكِرَ فِي التَّيَمُّمِ (أَوْ أُعِيرَ) لَهُ (لَزِمَهُ) قَبُولُهُ كَنَظِيرِهِ فِي التَّيَمُّمِ، النَّوْعُ (الثَّانِي التَّطَيُّبُ فَيَجِبُ) مَعَ التَّحْرِيمِ (الْفِدْيَةُ بِالتَّطَيُّبِ) ، وَلَوْ أَخْشَمَ (فِي بَدَنِهِ) ، وَلَوْ بَاطِنًا بِنَحْوِ أَكْلٍ (أَوْ مَلْبُوسِهِ) ، وَلَوْ نَعْلًا أَمَّا التَّحْرِيمُ فَلِلْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ فِي الْمَلْبُوسِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا الْفِدْيَةُ فَكَالْحَلْقِ هَذَا إنْ تَطَيَّبَ (قَصْدًا بِمَا تُقْصَدُ مِنْهُ رَائِحَتُهُ) غَالِبًا (كَالْمِسْكِ وَالْعُودِ وَالْوَرْدِ) وَقَوْلُهُ (وَكَذَا دُهْنُهُ) أَيْ الْوَرْدِ مُكَرَّرٌ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي (وَالْوَرْسُ) ، وَهُوَ أَشْهَرُ طِيبٍ فِي بِلَادِ الْيَمَنِ وَسَيَأْتِي مَا خَرَجَ بِقَصْدٍ أَوْ أَمَّا مَا خَرَجَ بِمَا بَعْدَهُ فَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ (لَا مَا) أَيْ بِمَا (يُقْصَدُ بِهِ الْأَكْلُ أَوْ التَّدَاوِي) وَإِنْ كَانَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ (كَالتُّفَّاحِ وَالْأُتْرُجِّ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ مِنْ تُرُّنْجٍ وَيُقَالُ لَهُ الْأُتْرُنْجُ (وَالْقَرَنْفُلِ وَالدَّارْ صِينِيِّ وَالسُّنْبُلِ وَسَائِرِ الْأَبَازِيرِ الطَّيِّبَةِ) كَالْفُلْفُلِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ) وَاسْتَحْسَنَهُ كَالْإِسْنَوِيِّ (قَوْلُهُ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الْخُنْثَى لَيْسَ لَهُ سَتْرُ وَجْهِهِ إلَخْ) وَفِي أَحْكَامِ الْخَنَاثَى لِابْنِ الْمُسْلِمِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرَ رَأْسَهُ، وَأَنْ يَكْشِفَ وَجْهَهُ، وَأَنْ يَسْتُرَ بَدَنَهُ إلَّا فِي الْمَخِيطِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَمَا قَالَهُ حَسَنٌ.
[فَرْعٌ لَبِسَ فِي الْإِحْرَامِ مَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ بِهِ أَوْ سَتَرَ مَا يَحْرُمُ سَتْرُهُ فِيهِ فِي الْإِحْرَامِ]
(قَوْلُهُ مَنْ لَبِسَ لِحَاجَةِ حَرٍّ إلَخْ) يَنْبَغِي ضَبْطُهَا بِمَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ (قَوْلُهُ جَازَ وَفَدَى) كُلُّ مَحْظُورٍ فِي الْإِحْرَامِ أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ
إلَّا السَّرَاوِيلَ وَالْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَوِقَايَةَ الرِّجْلِ عَنْ النَّجِسِ مَأْمُورٌ بِهِمَا فَخُفِّفَ فِيهِمَا لِذَلِكَ وَجَمِيعُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فِيهَا الْكَفَّارَةُ إلَّا فِي مَسَائِلَ مِنْهَا عَقْدُ النِّكَاحِ، وَمِنْهَا تَمَلُّكُ الصَّيْدِ بِالْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ فَإِنْ قَبَضَهُ ضَمِنَهُ بِالْقَبْضِ إذَا تَلِفَ، وَمَا دَامَ حَيًّا فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَمِنْهَا وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ بِاصْطِيَادٍ لَا شَيْءَ فِيهِ مَا لَمْ يَمُتْ، وَمِنْهَا تَنْفِيرُهُ مَا لَمْ يَمُتْ فِي نُفَارَةٍ، وَمِنْهَا مَا إذَا أَكَلَ مَا صَادَهُ أَوْ ذَبَحَهُ فَإِنَّ الْأَكْلَ حَرَامٌ، وَلَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْأَكْلُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَكَلَ مِمَّا صِيدَ وَذُبِحَ مِنْ أَجْلِهِ، وَمِنْهَا مَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا أَوْ غَيْرَهُ عَلَى صَيْدٍ فَلَمْ يُمْسِكْهُ أَوْ أَمْسَكَهُ مِنْ غَيْرِ إتْلَافٍ، وَمِنْهَا إذَا صَاحَ عَلَى صَيْدٍ فَمَاتَ فَوَجْهَانِ لَكِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ الظَّاهِرُ مِنْهُمَا وُجُوبُ الضَّمَانِ، وَمِنْهَا سَتْرُ الرَّأْسِ بِمِكْتَلٍ إذَا حَرَّمْنَاهُ فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ طَرِيقَانِ (قَوْلُهُ، وَكَذَا خُفٌّ إنْ قُطِعَ إلَخْ) حُكْمُ الْمَدَاسِ، وَهُوَ السَّرْمُوزَةُ حُكْمُ الْخُفِّ الْمَقْطُوعِ كَمَا عُلِمَ (قَوْلُهُ، وَإِنْ سَتَرَ ظَهْرَ الْقَدَمَيْنِ إلَخْ) وَسَتَرَ الْعَقِبَيْنِ (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) أَيْ كَالْأَذْرَعِيِّ (قَوْلُهُ وَيُفَارِقُ الْخُفُّ لِلْأَمْرِ بِقَطْعِهِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ لَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ تَكْلِيفَ ذَلِكَ فِي السَّرَاوِيلِ يُؤَدِّي إلَى مَشَقَّةٍ، وَهُوَ الْقَطْعُ، ثُمَّ الْخِيَاطَةُ الْمُحْتَاجَةُ إلَى زَمَانٍ طَوِيلٍ بِخِلَافِ قَطْعِ الْخُفِّ، وَأَيْضًا فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْخُفِّ، وَهُوَ سَتْرُ الرِّجْلِ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْأَوْعَارِ حَاصِلٌ بِالْمَقْطُوعِ بِخِلَافِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ الْحَاصِلِ مِنْ السَّرَاوِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِالْإِزَارِ لِانْكِشَافِ الْعَوْرَةِ مِنْهُ غَالِبًا، فَلَمْ نُوجِبْ عَلَى الْمُحْرِمِ قَطْعَهُ لِتَضَرُّرِهِ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ (قَوْلُهُ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَتَأَتَّ الِاتِّزَارُ بِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ) لِصِغَرِهِ أَوْ لِفَقْدِ آلَةِ خِيَاطَتِهِ أَوْ لِخَوْفِ التَّخَلُّفِ عَنْ الْقَافِلَةِ (قَوْلُهُ فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ) شَمِلَ مَا لَوْ كَانَ الْوَاهِبُ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ (قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
وَالْمَصْطَكَى فَلَا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْأَكْلُ أَوْ التَّدَاوِي كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ (وَلَا مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ) . وَإِنْ كَانَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ (كَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ) وَالْإِذْخِرِ وَالْخُزَامِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ طِيبًا، وَإِلَّا لَاسْتُنْبِتَ وَتُعُهِّدَ كَالْوَرْدِ (وَلَا بِالْعُصْفُرِ وَالْحِنَّاءِ) ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقْصَدُ مِنْهُ لَوْنُهُ (وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ فِي النِّرْجِسِ وَالرَّيْحَانِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ (الْفَارِسِيِّ) ، وَهُوَ الضُّمَيْرَانِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ كَذَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ لَكِنَّهُ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَالْمَعْرُوفُ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الصِّحَاحِ أَنَّهُ الضَّوْمَرَانُ بِالْوَاوِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، وَهُوَ نَبْتٌ بَرِّيٌّ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ الْمُرْسِينُ (وَالْبَنَفْسَجِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ (وَالْبَانِ) وَاللِّينُوفَرِ؛ لِأَنَّهَا طِيبٌ وَحَمَلُوا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْبَنَفْسَجَ لَيْسَ بِطِيبٍ عَلَى الْمُرَبَّى بِالسَّكَرِ الَّذِي ذَهَبَ رِيحُهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ أَنَّ الْبَانَ لَيْسَ طِيبًا عَلَى يَابِسٍ لَا يَظْهَرُ رِيحُهُ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَيُعْتَبَرُ مَعَ الْقَصْدِ الِاخْتِيَارُ وَالْعِلْمُ بِالتَّحْرِيمِ كَمَا تُعْتَبَرُ الثَّلَاثَةُ فِي سَائِرِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي وَخَرَجَ بِالْفَارِسِيِّ الْعَرَبِيُّ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ، وَلَوْ احْتَاجَ الْمُحْرِمُ إلَى التَّدَاوِي بِطِيبٍ تَدَاوَى بِهِ وَافْتَدَى نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ.
(فَرْعٌ دُهْنُ الْبَانِ) الْمَغْلِيُّ (وَدُهْنُ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ طِيبٌ) وَالْمُرَادُ بِدُهْنِ هَذَيْنِ دُهْنٌ طُرِحَا فِيهِ (لَا دُهْنٌ تُرُوِّحَ سِمْسِمُهُ بِهِمَا) بِأَنْ اُسْتُخْرِجَ مِنْ سِمْسِمٍ تُرُوِّحَ بِوَضْعِهِمَا فِيهِ؛ لِأَنَّ رِيحَهُ رِيحُ مُجَاوَرَةٍ (وَفِي دُهْنِ الْأُتْرُجِّ تَرَدُّدٌ) أَيْ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَقَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِأَنَّهُ طِيبٌ ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ (فَرْعٌ وَإِنْ اُسْتُهْلِكَ الطِّيبُ فِي الْمُخَالِطِ) لَهُ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ رِيحٌ، وَلَا طَعْمٌ، وَلَا لَوْنٌ (أَوْ) الْأُولَى كَأَنْ (اُسْتُعْمِلَ فِي دَوَاءٍ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ وَأَكْلُهُ) ، وَلَا فِدْيَةَ (وَإِنْ بَقِيَ الرِّيحُ فِيمَا اُسْتُهْلِكَ ظَاهِرًا أَوْ خَفِيًّا) لِمُرُورِ الزَّمَانِ أَوْ لِغُبَارٍ أَوْ غَيْرِهِ لَكِنَّهُ (يَظْهَرُ بِرَشِّ الْمَاءِ) عَلَيْهِ (فَدَى) ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْأَعْظَمَ مِنْ الطِّيبِ الرِّيحُ (وَكَذَا) لَوْ بَقِيَ (الطَّعْمُ) لِدَلَالَتِهِ عَلَى بَقَاءِ الطِّيبِ (لَا اللَّوْنِ) ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ الزِّينَةُ بِدَلِيلِ حِلِّ الْمُعَصْفَرِ.
(فَرْعٌ) فِي بَيَانِ اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ (إنَّمَا تُؤَثِّرُ مُبَاشَرَتُهُ) إذَا كَانَ (صَالِحًا لِلِاسْتِعْمَالِ الْمُعْتَادِ) بِأَنْ يُلْصِقَهُ بِبَدَنِهِ أَوْ مَلْبُوسِهِ عَلَى الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ الطِّيبِ، وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي مَحَلٍّ لَا يُعْتَادُ التَّطَيُّبُ فِيهِ، وَلَفْظُ صَالِحًا مِنْ زِيَادَتِهِ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ لَا دَخْلَ لَهُ هُنَا (فَإِذَا مَسَّ طِيبًا يَابِسًا) كَمِسْكٍ وَكَافُورٍ (فَعَبِقَ) بِكَسْرِ الْبَاءِ أَيْ لَزِقَ (بِهِ رِيحُهُ لَا عَيْنُهُ أَوْ حَمَلَ الْعُودَ أَوْ أَكَلَهُ لَمْ يَضُرَّ) فَلَا يَحْرُمُ، وَلَا يَجِبُ بِهِ فِدْيَةٌ أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ الرِّيحَ قَدْ تَحْصُلُ بِالْمُجَاوَرَةِ بِلَا مَسٍّ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَأَمَّا الْبَاقِي؛ فَلِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ تَطَيُّبًا وَالتَّقْيِيدُ بِالْيَابِسِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (وَإِنْ تَجَمَّرَ) أَيْ تَبَخَّرَ (بِهِ) أَيْ بِالْعُودِ (أَوْ حَمَلَ الْمِسْكَ وَنَحْوَهُ) كَالْعَنْبَرِ (فِي ثَوْبٍ) مَلْبُوسٍ لَهُ (أَوْ حَمَلَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي جَيْبِهَا أَوْ) فِي (حَشْوِ حُلِيِّهَا وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَطَيُّبٌ بَلْ الْعُودُ لَا يُتَطَيَّبُ بِهِ إلَّا كَذَلِكَ.
(وَكَذَا) تَجِبُ الْفِدْيَةُ (لَوْ اسْتَعَطَ بِهِ) أَيْ بِالطِّيبِ (أَوْ احْتَقَنَ) أَوْ اكْتَحَلَ بِهِ أَوْ أَدْخَلَهُ فِي إحْلِيلِهِ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي لِمَا قُلْنَا (لَا إنْ عَبِقَ بِهِ) رِيحُهُ لَا عَيْنُهُ (بِالْجُلُوسِ عِنْدَ عَطَّارٍ وَ) عِنْدَ (مُتَجَمَّرٍ) أَيْ مُتَبَخَّرٍ كَالْكَعْبَةِ أَوْ بَيْتٍ تَبَخَّرَ سَاكِنُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ تَطَيُّبًا (وَيُكْرَهُ) الْجُلُوسُ عِنْدَ ذَلِكَ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِهِ هَذَا (إنْ قَصَدَ الشَّمَّ) ، وَإِلَّا فَلَا وَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِهِمْ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ مُسْتَعْمِلًا لِلْمِبْخَرَةِ لِيُوَافِقَ مَا مَرَّ فِي اسْتِعْمَالِ مِبْخَرَةِ آنِيَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ (وَالتَّطَيُّبُ بِالْوَرْدِ أَنْ يَشُمَّهُ) مَعَ اتِّصَالِهِ بِأَنْفِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ كَجٍّ (وَ) التَّطَيُّبُ (بِمَائِهِ أَنْ يَمَسَّهُ كَالْعَادَةِ) بِأَنْ يَصُبَّهُ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ مَلْبُوسِهِ فَلَا يَكْفِي شَمُّهُ (وَإِنْ حَمَلَ مِسْكًا وَنَحْوَهُ فِي خِرْقَةٍ مَشْدُودَةٍ أَوْ فَارَةٍ غَيْرِ مَشْقُوقَةٍ لَمْ يَضُرَّ) ، وَإِنْ شَمَّ الرِّيحَ لِوُجُودِ الْحَائِلِ (أَوْ مَشْقُوقَةٍ فَدَى) ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ تَطَيُّبًا قَالَ فِي الْأَصْلِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ تَطَيُّبًا (وَإِنْ جَلَسَ) مَثَلًا (عَلَى مَكَان مُطَيَّبٍ) مِنْ أَرْضٍ أَوْ فِرَاشٍ (أَوْ دَاسَ طِيبًا بِنَعْلِهِ فَدَى) ؛ لِأَنَّهُ تَطَيُّبٌ (إلَّا إنْ فَرَشَ عَلَيْهِ ثَوْبًا) أَوْ لَمْ يَفْرِشْ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ عَيْنِ الطِّيبِ فَلَا فِدْيَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَطَيُّبًا (وَ) لَكِنْ (إنْ كَانَ الثَّوْبُ رَقِيقًا) مَانِعًا لِلطِّيبِ مِنْ مَسَّ بَشَرَتِهِ (كُرِهَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُ عَنْهُ رَائِحَةَ الطِّيبِ بِالْكُلِّيَّةِ.
(فَرْعٌ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَى) الْمُتَطَيِّبِ (النَّاسِي) لِلْإِحْرَامِ (وَ) لَا عَلَى (الْمُكْرَهِ) عَلَى التَّطَيُّبِ (وَ) لَا عَلَى (الْجَاهِلِ بِالتَّحْرِيمِ أَوْ بِكَوْنِهِ) أَيْ الْمَمْسُوسِ (طِيبًا أَوْ رُطَبًا) لِعُذْرِهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ (لَا) الْجَاهِلِ (بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فَقَطْ) أَيْ دُونَ التَّحْرِيمِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَحَقُّهُ الِامْتِنَاعُ (فَإِنْ عَلِمَ) التَّحْرِيمَ بَعْدَ لُبْسِهِ جَاهِلًا بِهِ (وَأَخَّرَ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْعٌ دُهْنُ الْبَانِ الْمَغْلِيُّ وَدُهْنُ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ لِلْمُحْرِمِ]
قَوْلُهُ وَقَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِأَنَّهُ طِيبٌ) قَالَ شَيْخُنَا هُوَ الْأَصَحُّ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فِي دُهْنِ الْبَانِ
[فَرْعٌ اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ]
(قَوْلُهُ إنَّمَا تُؤَثِّرُ مُبَاشَرَتُهُ صَالِحًا لِلِاسْتِعْمَالِ إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَجْرَى بَعْضُهُمْ فِي الطِّيبِ الَّذِي لَا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ الْخِلَافُ فِي النَّجَاسَةِ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا الطَّرَفُ وَأَوْلَى بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ الْمَوْضِعِ، وَلَوْ وَقَعَ عَلَى الْمُحْرِمِ طِيبٌ، وَهُوَ مُحْدِثٌ، وَلَمْ تُمْكِنْهُ إزَالَتُهُ بِغَيْرِ الْمَاءِ وَوَجَدَ مَا يَكْفِيهِ لِإِزَالَةِ الطِّيبِ أَوْ الْوُضُوءِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَيَجْمَعَهُ، ثُمَّ يَغْسِلَ بِهِ الطِّيبَ لَزِمَهُ، وَإِلَّا أَزَالَ بِهِ الطِّيبَ، ثُمَّ تَيَمَّمَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَطِيبٌ وَالْمَاءُ يَكْفِي لِإِزَالَةِ أَحَدِهِمَا غَسَلَ بِهِ النَّجَاسَةَ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِهِمْ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَلَا يَكْفِي شَمُّهُ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِسْكٌ فَإِنْ كَانَ فَقَدْ تَطَيَّبَ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ فِي التَّطَيُّبِ بِهِ.
اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ
(قَوْلُهُ أَوْ دَاسَ طَيِّبًا بِنَعْلِهِ فَدَى) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ شَرْطُهُ أَنْ يَعْلَقَ شَيْءٌ مِنْهُ كَذَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ
[فَرْعٌ وَلَا فِدْيَةَ عَلَى الْمُتَطَيِّبِ النَّاسِي لِلْإِحْرَامِ]
(قَوْلُهُ فَإِنْ عَلِمَ وَأَخَّرَ
إزَالَتَهُ) مَعَ إمْكَانِهَا (فَدَى وَأَثِمَ) ، وَلَهُ إزَالَتُهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا بِتَرْكٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا تَحْرِيمٌ لَكِنَّ إزَالَتَهُ بِغَيْرِهِ أَيْ مِمَّنْ هُوَ حَلَالٌ أَوْلَى وَالتَّصْرِيحُ بِالْإِثْمِ مِنْ زِيَادَتِهِ.
النَّوْعُ (الثَّالِثُ الدَّهْنُ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ التَّدَهُّنُ بِدُهْنٍ، وَلَوْ غَيْرَ مُطَيَّبٍ (فَيَحْرُمُ) التَّدَهُّنُ (فِي شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ) ، وَلَوْ مِنْ امْرَأَةٍ (بِالسَّمْنِ وَالزُّبْدِ) وَالشَّحْمِ وَالشَّمْعِ الذَّائِبَيْنِ (وَالْمُعْتَصَرِ مِنْ الْحُبُوبِ) كَالزَّيْتِ (وَلَوْ كَانَ) كُلٌّ مِنْ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ (حَلِيقًا) أَيْ مَحْلُوقًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَزْيِينِ الشَّعْرِ وَتَنْمِيَتِهِ الْمُنَافِيَيْنِ لِخَبَرِ: الْمُحْرِمُ أَشْعَثُ أَغْبَرُ.
أَيْ شَأْنُهُ الْمَأْمُورُ بِهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ اللَّبَنِ، وَإِنْ كَانَ يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ السَّمْنُ وَالتَّقْيِيدُ بِاللِّحْيَةِ يُشْعِرُ بِالْجَوَازِ فِي بَاقِي شُعُورِ الْوَجْهِ كَالْحَاجِبِ وَالشَّارِبِ وَالْعَنْفَقَةِ وَالْعِذَارِ لَكِنْ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَاللِّحْيَةِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ (لَا) فِي رَأْسِ (أَقْرَعَ) وَأَصْلَعَ، وَلَا فِي ذَقَنِ (أَمْرَدَ) لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى، وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِالْحُرْمَةِ وَلُزُومِ الْفِدْيَةِ لِلْأَخْشَمِ إذَا تَطَيَّبَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى هُنَا مُنْتَفٍ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَإِنَّ الْمَعْنَى فِيهِ التَّرَفُّهُ بِالطِّيبِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِالتَّطَيُّبِ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَطَيِّبُ أَخَشْمَ (وَلَهُ دَهْنُ بَدَنِهِ) ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (وَسَائِرِ شَعْرِهِ) بِذَلِكَ (وَأَكْلُهُ وَجَعْلُهُ فِي شَجَّةٍ فِي رَأْسِهِ) أَوْ غَيْرِهِ كَجَبْهَتِهِ لِمَا مَرَّ وَالْمُحْرِمُ مِمَّا ذَكَرَ وَمِمَّا يَأْتِي مِنْ نَظَائِرِهِ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ (تَنْبِيهٌ)
لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ دُهْنُ الْحَلَالِ كَنَظِيرِهِ الْآتِي فِي الْحَلْقِ (فَرْعٌ لِلْمُحْرِمِ غَسْلُ رَأْسِهِ بِالسِّدْرِ) أَوْ نَحْوِهِ فِي حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِ (مِنْ غَيْرِ نَتْفِ شَعْرِهِ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ لِإِزَالَةِ الْأَوْسَاخِ بِخِلَافِ الدُّهْنِ فَإِنَّهُ لِلتَّنْمِيَةِ كَمَا مَرَّ
(وَ) لَهُ (الِاكْتِحَالُ لَا بِمُطَيِّبٍ) أَمَّا بِالْمُطَيِّبِ فَيَحْرُمُ (وَالْأَوْلَى تَرْكُهُمَا) أَيْ الْغُسْلِ وَالِاكْتِحَالِ الْمَذْكُورَيْنِ وَقِيلَ: يُكْرَهَانِ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا تَزْيِينًا قَالَ فِي الْأَصْلِ فِي الِاكْتِحَالِ وَتَوَسَّطَ قَوْمٌ فَقَالُوا: إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زِينَةٌ كَالتُّوتْيَا لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ زِينَةٌ كَالْإِثْمِدِ كُرِهَ إلَّا لِحَاجَةِ رَمَدٍ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْجُمْهُورِ وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْكَرَاهَةُ فِي الْمَرْأَةِ أَشَدُّ وَالتَّصْرِيحُ بِأَوْلَوِيَّةِ التَّرْكِ فِي الِاكْتِحَالِ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ (وَلَهُ خَضْبُ لِحْيَتِهِ) وَغَيْرِهَا مِنْ الشُّعُورِ (بِالْحِنَّاءِ) وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَمِّي الشَّعْرَ، وَلَيْسَ طِيبًا وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُنَّ يَخْتَضِبْنَ بِالْحِنَّاءِ، وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ» نَعَمْ إنْ كَانَ الْحِنَّاءُ ثَخِينًا وَالْمَحَلُّ يَحْرُمُ سَتْرُهُ حَرُمَ لَا لِلْخَضْبِ بَلْ لِسَتْرِ مَا يَحْرُمُ سَتْرُهُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (وَ) لَهُ (الِاحْتِجَامُ) وَالْفَصْدُ (مَا لَوْ يَقْطَعُ بِهِمَا شَعْرًا) فَإِنْ كَانَ يَقْطَعُهُ بِهِمَا حَرُمَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ ضَرُورَةٌ إلَيْهِمَا.
(وَ) لَهُ (إنْشَادُ الشِّعْرِ الْمُبَاحِ وَالنَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ، وَلَهُ النَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ) كَالْحَلَالِ فِيهِمَا
النَّوْعُ (الرَّابِعُ الْحَلْقُ) لِشَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ (وَالْقَلْمُ) لِشَيْءٍ مِنْ ظُفُرِهِ (فَيَحْرُمُ) كُلٌّ مِنْهُمَا (وَإِنْ قَلَّ) ذَلِكَ كَبَعْضِ شَعْرَةٍ أَوْ ظُفُرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: 196] أَيْ شَعْرَهَا وَقِيسَ بِشَعْرِهَا شَعْرُ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ وَبِالْحَلْقِ غَيْرُهُ فَإِنَّ الْمُرَادَ الْإِزَالَةُ وَبِإِزَالَةِ الشَّعْرِ إزَالَةُ الظُّفُرِ بِجَامِعِ التَّرَفُّهِ فِي الْجَمِيعِ (وَيَجِبُ، وَلَوْ عَلَى نَاسٍ) لِلْإِحْرَامِ (وَجَاهِلٍ) بِحُرْمَةِ ذَلِكَ (بِإِزَالَةِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ دَفْعَةً) يَعْنِي فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ بَلْ وَفِي مَكَان وَاحِدٍ لِمَا سَيَأْتِي (مِنْ الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ
[حاشية الرملي الكبير]
إزَالَتَهُ فَدَى وَأَثِمَ) ، وَكَذَا حُكْمُ النَّاسِي إذَا تَذَكَّرَ وَالْمُكْرَهِ إذَا خُلِّيَ قَالَ فِي الْخَادِمِ إذَا كَانَ مُحْدِثًا وَمَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِي الْوُضُوءَ وَالطِّيبَ غَسَلَ بِهِ الطِّيبَ؛ لِأَنَّ لِلْوُضُوءِ بَدَلًا، وَغَسْلُ الطِّيبِ لَا بَدَلَ لَهُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْوَافِي وَعِنْدِي الْأَوْلَى أَنْ يَتَوَضَّأَ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ النَّصِّ يُوَافِقُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ فَفِي الْأُمِّ وَمَتَى أَمْكَنَهُ الْمَاءُ غَسَلَهُ، وَلَوْ وَجَدَ مَاءً قَلِيلًا إنْ غَسَلَهُ بِهِ لَمْ يَكْفِهِ لِوُضُوئِهِ غَسَلَهُ بِهِ وَتَيَمَّمَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِهِ، وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي تَرْكِهِ إذَا قَدَرَ عَلَى غَسْلِهِ، وَهَذَا مُرَخَّصٌ لَهُ فِي التَّيَمُّمِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: هَذَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَيَجْمَعَهُ، ثُمَّ يَغْسِلَ بِهِ الطِّيبَ فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ وَجَبَ فِعْلُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا تَقْدِيمُ إزَالَةِ الطِّيبِ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى إزَالَةِ الْأَحْدَاثِ فِي الْمَاءِ الْمُوصَى بِهِ لِأَوْلَى النَّاسِ بِهِ وَجُعِلَتْ اسْتِدَامَةً لِطِيبٍ هُنَا طِيبًا بِخِلَافِهَا فِي بَابِ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا عَدَمُ التَّرَفُّهِ، وَهُنَاكَ صِدْقُ الِاسْمِ عُرْفًا، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِيهِ (قَوْلُهُ لَكِنَّ إزَالَتَهُ بِغَيْرِهِ إلَخْ) إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَأْخِيرٌ
(قَوْلُهُ لَكِنْ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَاللِّحْيَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالْوَجْهُ الْمَنْعُ وَقَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: التَّحْرِيمُ ظَاهِرٌ فِيمَا اتَّصَلَ بِاللِّحْيَةِ كَالشَّارِبِ وَالْعَنْفَقَةِ وَالْعِذَارِ، وَأَمَّا الْحَاجِبُ وَالْهُدْبُ وَمَا عَلَى الْجَبْهَةِ فَفِيهِ بُعْدٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ دَهْنُ الْمُحْرِمِ شَعْرَ نَفْسِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ دَهْنُهُ شَعْرَ مُحْرِمٍ آخَرَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلْمُحْرِمِ فِعْلَ ذَلِكَ بِالْحَلَالِ كَمَا ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ مِثْلَهُ فِي الْحَلْقِ (قَوْلُهُ، وَلَا فِي ذَقَنِ أَمْرَدَ) قَيَّدَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ مَسْأَلَةَ الْأَمْرَدِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِ نَبَاتِ لِحْيَتِهِ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي مَعْنَى مَحْلُوقِ الرَّأْسِ وَقَدْ تَقَدَّمَ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَوْلُهُ وَقَيَّدَ الزَّرْكَشِيُّ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ وَتَوَسَّطَ قَوْمٌ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ أَيْ شَعْرِهَا) ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَا يُحْلَقُ وَالشُّعُورُ جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ فَأَوْجَبْنَا بِحَلْقِهَا الْفِدْيَةَ (قَوْلُهُ فَإِنَّ الْمُرَادَ الْإِزَالَةُ) أَيْ بِحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ أَوْ نَتْفٍ أَوْ إحْرَاقٍ أَوْ نُورَةٍ (قَوْلُهُ وَيَجِبُ، وَلَوْ عَلَى نَاسٍ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّكْرَانَ الْعَاصِي بِسُكْرِهِ كَالصَّاحِي، وَكَذَا كُلُّ مَأْثُومٍ بِمَا يُزِيلُ عَقْلَهُ، وَهَلْ الْمُكْرَهُ عَلَى تَعَاطِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ كَالْمُخْتَارِ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ كَهُوَ كَالْإِتْلَافَاتِ.
اهـ. وَلَوْ زَالَ شَيْءٌ مِنْ شَعْرِ سَاقِ الرَّاكِبِ أَوْ فَخِذِهِ بِوَاسِطَةِ الْحَكِّ بِالرِّجْلِ النَّاشِئِ عَنْ ضَرُورَةِ الرُّكُوبِ غَالِبًا لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا وَالظَّاهِرُ بَلْ الْقَطْعُ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ فَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ سَلَفًا وَخَلَفًا وَاقِعِينَ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ أَحَدٍ إيجَابُ الْفِدْيَةِ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ مِنْ الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ) لَوْ حَلَقَ الْمُحْرِمُ مِنْ رَأْسِهِ الرُّكْنَ، وَلَمْ يَأْتِ بِغَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شُعُورِ بَدَنِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مُحْرِمٌ لَمْ يَتَحَلَّلْ التَّحَلُّلَ الْأَوَّلَ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ فِي تَدْرِيبِهِ فَقَالَ ضَابِطٌ: لَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ بِغَيْرِ عُذْرٍ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ إلَّا حَلْقُ شَعْرِ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ بَعْدَ حَلْقِ الرُّكْنِ أَوْ سُقُوطِهِ لِمَنْ لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ وَعَلَى هَذَا صَارَ لِلْحَجِّ ثَلَاثُ تَحَلُّلَاتٍ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ، وَقِيَاسُهُ جَوَازُ التَّقْلِيمِ حِينَئِذٍ كَالْحَلْقِ إذْ هُوَ شَبَهُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
اهـ.
وَ) بِإِزَالَةِ (ثَلَاثَةِ أَظْفَارٍ) كَذَلِكَ (لَا مَعَ الْجِلْدِ وَالْعُضْوِ - دَمٌ) لِلْآيَةِ وَكَسَائِرِ الْإِتْلَافَاتِ وَالشَّعْرُ يَصْدُقُ بِالثَّلَاثِ وَقِيسَ بِهَا الْأَظْفَارُ، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ فِي التَّمَتُّعِ بِاللُّبْسِ وَالطِّيبِ وَالدُّهْنِ وَالْجِمَاعِ وَمُقَدَّمَاتِهِ لِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ وَالْقَصْدِ فِيهِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِيهِمَا وَبِخِلَافِ مَا لَوْ أَزَالَهَا مَجْنُونٌ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ صَبِيٌّ غَيْرُ مُمَيِّزٍ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّ النَّاسِي وَالْجَاهِلَ يَعْقِلَانِ فِعْلَهُمَا فَيُنْسَبَانِ إلَى تَقْصِيرٍ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ الْجَارِي عَلَى قَاعِدَةِ الْإِتْلَافِ وُجُوبُهَا عَلَيْهِمْ أَيْضًا وَمِثْلُهُمْ فِي ذَلِكَ النَّائِمُ أَمَّا إذَا أَزَالَهَا بِقَطْعِ الْجِلْدِ أَوْ الْعُضْوِ فَلَا يَجِبُ بِهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَا أُزِيلَ تَابِعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْإِزَالَةِ وَشَبَّهُوهُ بِالزَّوْجَةِ تُقْتَلُ فَلَا يَجِبُ مَهْرُهَا عَلَى الْقَاتِلِ، وَلَوْ أَرْضَعَتْهَا زَوْجَتُهُ الْأُخْرَى لَزِمَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ فِي تِلْكَ تَلِفَ تَبَعًا بِخِلَافِهِ فِي هَذِهِ، وَقَوْلُ الْأَصْلِ هُنَا فِي هَذِهِ لَزِمَهَا الْمَهْرُ يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِصَغِيرَةٍ وَطِئَهَا الزَّوْجُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمُزِيلَ لِمَا ذُكِرَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ إرَاقَةِ دَمٍ وَإِخْرَاجِ ثَلَاثَةِ آصُعٍ وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَمَا هُنَا مُنَزَّلٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَحُكْمُ مَا فَوْقَ الثَّلَاثَةِ حُكْمُهَا كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى (وَفِي) إزَالَةِ (الْوَاحِدِ مِنْهَا أَوْ بَعْضَهُ مُدٌّ) مِنْ الطَّعَامِ (وَفِي الِاثْنَيْنِ مُدَّانِ) لِعُسْرِ تَبْعِيضِ الدَّمِ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ فِي تَرْكِ الرَّمْيِ وَعَلَى مَا مَرَّ مِنْ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إذَا أَزَالَ شَعْرَةً أَوْ ظُفُرًا فَإِنْ اخْتَارَ الدَّمَ أَخْرَجَ مُدًّا؛ لِمَا قُلْنَا أَوْ الطَّعَامَ أَخْرَجَ صَاعًا أَوْ الصَّوْمَ صَامَ يَوْمًا نَقَلَ ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ الْعِمْرَانِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَالَ أَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ.
(وَلَوْ شَكَّ) وَقَدْ انْسَلَّ مِنْهُ شَعْرٌ (هَلْ سَلَّهُ الْمُشْطُ) بَعْدَ انْتِتَافِهِ (أَوْ نَتَفُهُ فَلَا فِدْيَةَ) ؛ لِأَنَّ النَّتْفَ لَمْ يَتَحَقَّقْ.
وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَيُكْرَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنْ يَمْتَشِطَ وَأَنْ يُفَلِّيَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ وَأَنْ يَحُكَّ شَعْرَهُ لَا جَسَدَهُ بِأَظْفَارِهِ لَا بِأَنَامِلِهِ.
[فَرْعٌ حَلَقَ لِأَذَى قَمْلٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا كَحَرٍّ وَوَسَخٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ]
(فَرْعٌ.
وَإِنْ حَلَقَ لِأَذَى قَمْلٍ أَوْ جِرَاحَةٍ) أَوْ نَحْوِهِمَا كَحَرٍّ وَوَسَخٍ (جَازَ) لِلْعُذْرِ (وَفَدَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: 184] الْآيَةَ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَكَذَا كُلُّ مُحَرَّمٍ أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ إلَّا لُبْسَ السَّرَاوِيلِ وَالْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَوِقَايَةَ الرِّجْلِ عَنْ النَّجَاسَةِ مَأْمُورٌ بِهِمَا فَخَفَّفَ فِيهِمَا وَالْحَصْرُ فِيمَا قَالَهُ مَمْنُوعٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ فَقَدْ قَالُوا بِعَدَمِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ فِي أُمُورٍ مِنْهَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ (فَإِنْ أَزَالَ مَا نَبَتَ مِنْهُ) أَيْ الشَّعْرِ (فِي عَيْنِهِ) وَتَأَذَّى بِهِ (أَوْ) أَزَالَ (قَدْرَ مَا يُغَطِّيهَا مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَحَاجِبَيْهِ إنْ كَانَ) ثَمَّ مَا يُغَطِّيهَا بِأَنْ طَالَ بِحَيْثُ سَتَرَ بَصَرَهُ (أَوْ انْكَسَرَ ظُفُرُهُ فَقَطَعَ الْمُؤْذِي) مِنْهُ (فَقَطْ فَلَا فِدْيَةَ) ؛ لِأَنَّهُ مُؤْذٍ.
[فَرْعٌ يَأْثَمُ الْحَالِقُ بِلَا عُذْرٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ]
(فَرْعٌ يَأْثَمُ الْحَالِقُ) بِلَا عُذْرٍ لِارْتِكَابِهِ مُحَرَّمًا (وَالْفِدْيَةُ عَلَى الْمَحْلُوقِ، وَلَوْ بِلَا إذْنٍ) مِنْهُ فِي الْحَلْقِ (إنْ أَطَاقَ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ أَوْ مِنْ نَارٍ) طَارَتْ إلَى شَعْرِهِ، ثُمَّ (أَحْرَقَتْهُ) لِتَفْرِيطِهِ فِيمَا عَلَيْهِ حِفْظُهُ وَلِإِضَافَةِ الْفِعْلِ إلَيْهِ فِيمَا إذَا أَذِنَ لِلْحَالِقِ بِدَلِيلِ الْحِنْثِ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُمَا، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي الْحُرْمَةِ فِي هَذِهِ فَقَدْ انْفَرَدَ الْمَحْلُوقُ بِالتَّرَفُّهِ، وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِقَوْلِهِمْ الْمُبَاشِرُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَعُدْ نَفْعُهُ عَلَى الْآمِرِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَادَ كَمَا لَوْ غَصَبَ شَاةً وَأَمَرَ قَصَّابًا بِذَبْحِهَا لَمْ يَضْمَنْهَا إلَّا الْغَاصِبُ (وَلَا) بِأَنْ حَلَقَ لَهُ بِلَا إذْنٍ، وَلَمْ يُطِقْ مَنْعَهُ بِأَنْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ (فَعَلَى الْحَالِقِ) ، وَلَوْ حَلَالًا - الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ الْمُقَصِّرُ؛ وَلِأَنَّ الشَّعْرَ فِي يَدِ الْمُحْرِمِ كَالْوَدِيعَةِ لَا الْعَارِيَّةِ وَضَمَانُ الْوَدِيعَةِ مُخْتَصٌّ بِالْمُتْلِفِ (وَلِلْمَحْلُوقِ مُطَالَبَتُهُ بِهَا) إذْ الْمُودَعُ خَصْمٌ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ كَذَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ هُنَا لَكِنَّهُ ذَكَرَ فِي الرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ وَالسَّرِقَةِ أَنَّ الْمُودَعَ لَا يُخَاصِمُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ هَذَا حَيْثُ عَلَّلَ بِأَنَّ الْفِدْيَةَ فِي الْمَحْلُوقِ وَجَبَتْ بِسَبَبِهِ وَبِأَنَّ نُسُكَهُ يَتِمُّ بِأَدَائِهَا فَكَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا.
وَنَقَلَ تَعْلِيلَهُ الْأَوَّلَ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَالثَّانِي عَنْ الْفَارِقِيِّ وَبِهِمَا يُعْلَمُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحْلُوقِ وَالْمُودَعِ هَذَا وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ الْعِمَادِ عَمَّا عَلَّلَ بِهِ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْمُحْرِمَ هُنَا كَالْمَالِكِ فِي الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ مِلْكُهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَأْخُذُ حُكُومَتَهُ إنْ فَسَدَ مَنْبَتُهُ، وَبِأَنَّ الْمُودَعَ إنَّمَا لَمْ يُخَاصِمْ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يُطَالِبُ وَالْكَفَّارَةُ لَا طَالِبَ لَهَا مُعَيَّنٌ وَفَارَقَ عَدَمَ جَوَازِ مُطَالَبَةِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا بِإِخْرَاجِ فِطْرَتِهَا بِأَنَّ الْفِدْيَةَ فِي مُقَابَلَةِ إتْلَافِ جُزْءٍ مِنْهُ فَسَاغَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِخِلَافِ الْفِطْرَةِ وَمَا أَجَابَ بِهِ إنَّمَا يَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِلْحُكْمِ لَا جَوَابًا عَنْ التَّنَاقُضِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ أَنَّ الشَّعْرَ مِلْكُهُ مَمْنُوعٌ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مُنْتَقَضٌ بِأَخْذِ دِيَةِ يَدِهِ مَثَلًا وَدِيَةِ مُوَرِّثِهِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمِلْكِ (فَلَوْ أَخْرَجَهَا الْمَحْلُوقُ بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْحَالِقِ (لَمْ تَسْقُطْ) كَالْأَجْنَبِيِّ بِخِلَافِ قَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ شَبِيهَةٌ بِالْكَفَّارَةِ، فَلَوْ أَخْرَجَهَا بِإِذْنِهِ سَقَطَتْ (وَلِلْمُحْرِمِ حَلْقُ شَعْرِ الْحَلَالِ) إذْ لَيْسَ لَهُ حُرْمَةُ الْإِحْرَامِ فَأَشْبَهَ شَعْرَ الْبَهِيمَةِ (فَإِنْ أَمَرَ حَلَالٌ حَلَالًا بِحَلْقِ) شَعْرِ (مُحْرِمٍ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَثَلَاثَةِ أَظْفَارٍ) أَوْ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهَا (قَوْلُهُ وَفِي الْوَاحِدَةِ مِنْهَا إلَخْ) لَوْ أَخَذَ مِنْ شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ شَيْئًا، ثُمَّ شَيْئًا، ثُمَّ شَيْئًا فَإِنْ تَقَطَّعَ الزَّمَانُ فَثَلَاثَةُ أَمْدَادٍ، وَإِنْ تَوَاصَلَ فَكَالشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَوْ أَضْعَفَ قُوَّةَ الشَّعْرِ بِأَنْ شَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَالظَّاهِرُ مِنْ تَعْبِيرِهِمْ بِالْإِزَالَةِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ (قَوْلُهُ، وَقَالَ إنَّهُ مُتَعَيِّنٌ) قَالَ شَيْخُنَا لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ فِي فَتَاوِيهِ
(قَوْلُهُ يَأْثَمُ الْحَالِقُ) النِّكَاحُ وَالْإِنْكَاحُ وَالِاصْطِيَادُ إذَا أَرْسَلَ الصَّيْدَ وَتَكْرِيرُ النَّظَرِ لِامْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ حَتَّى أَنْزَلَ (قَوْلُهُ بِدَلِيلِ الْحِنْثِ بِهِ) أَيْ عَلَى رَأْيٍ مَرْجُوحٍ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَيْمَانِ بِخِلَافِهِ (قَوْلُهُ لَمْ يَضْمَنْهَا إلَّا الْغَاصِبُ) قَالَ شَيْخُنَا أَيْ ضَمَانًا مُسْتَقِرًّا، وَإِلَّا فَالْقَصَّابُ طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ (قَوْلُهُ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ) أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ (قَوْلُهُ وَبِأَنَّ نُسُكَهُ يَتِمُّ بِأَدَائِهَا إلَخْ) وَبِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَمَلَكَ الْمَحْلُوقُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ عِتْقِهِ وَقُلْنَا الْحَقُّ فِي الْعِتْقِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَإِنَّ لِلْبَائِعِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ
نَائِمٍ) أَوْ نَحْوِهِ فَحَلَقَ (فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْآمِرِ إنْ جَهِلَ الْحَالِقُ) الْحَالَ أَوْ أُكْرِهَ أَوْ كَانَ أَعْجَمِيًّا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ طَاعَةِ آمِرِهِ (وَإِلَّا لَزِمَتْهُ) أَيْ الْحَالِقَ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا أَوْ عَكْسَهُ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ
النَّوْعُ (الْخَامِسُ: الْجِمَاعُ، وَلَوْ لِبَهِيمَةٍ) فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ (مُفْسِدٌ لِلْحَجِّ) ، وَلَوْ كَانَ الْمُجَامِعُ رَقِيقًا أَوْ صَبِيًّا لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة: 197] أَيْ فَلَا تَرْفُثُوا وَالرَّفَثُ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْجِمَاعِ وَالْأَصْلُ فِي النَّهْيِ اقْتِضَاءُ الْفَسَادِ (قَبْلَ التَّحَلُّلَيْنِ) بَعْدَ وَقْتِهِمَا أَوْ قَبْلَهُ (لَا بَيْنَهُمَا) لِضَعْفِ الْإِحْرَامِ حِينَئِذٍ (وَ) مُفْسِدٌ (لِلْعُمْرَةِ) كَالْحَجِّ (قَبْلَ الْفَرَاغِ) مِنْهَا (وَيَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِمَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ ذَلِكَ مَعَ الْقَضَاءِ مِنْ قَابِلٍ وَإِخْرَاجِ الْهَدْيِ - عَنْ جَمْعِ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ لِلْخُرُوجِ مِنْهَا بِالْفَسَادِ إذْ لَا حُرْمَةَ لَهَا بَعْدَهُ نَعَمْ يَجِبُ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ لِحُرْمَةِ زَمَانِهِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ (وَ) تَجِبُ بِهِ (الْكَفَّارَةُ، وَهِيَ بَدَنَةٌ) ، وَلَوْ كَانَ نُسُكُهُ نَفْلًا رَوَى ذَلِكَ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ وَالْبَدَنَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَإِذَا جَامَعَ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ أَوْ بَعْدَ الْإِفْسَادِ) قَبْلَهُمَا أَوْ بَيْنَهُمَا (لَزِمَهُ شَاةٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ لَا يُوجِبُ فَسَادًا فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمَحْظُورَاتِ.
(فَرْعٌ يَجِبُ عَلَى الْمُفْسِدِ الْقَضَاءُ) اتِّفَاقًا (وَإِنْ كَانَ) نُسُكُهُ (تَطَوُّعًا) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَاسْتُشْكِلَ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ قَضَاءً بِأَنَّ مَنْ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَعَادَهَا فِي الْوَقْتِ كَانَتْ أَدَاءً لَا قَضَاءً لِوُقُوعِهَا فِي وَقْتِهَا الْأَصْلِيِّ خِلَافًا لِلْقَاضِي وَأَجَابَ السُّبْكِيُّ بِأَنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْقَضَاءَ هُنَا عَلَى مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَبِأَنَّهُ يَتَضَيَّقُ بِالْإِحْرَامِ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَيَّقْ وَقْتُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا لَا يَتَغَيَّرُ بِالشُّرُوعِ فِيهَا فَلَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهَا بَعْدَ الْإِفْسَادِ مُوقِعًا لَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَالنُّسُكُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ تَضَيَّقَ وَقْتُهُ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً فَإِنَّهُ يَنْتَهِي بِوَقْتِ الْفَوَاتِ فَفَعَلَهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ خَارِجَ وَقْتِهِ فَصَحَّ وَصْفُهُ بِالْقَضَاءِ وَأَيَّدَ وَلَدُهُ فِي التَّوْشِيحِ الْأَوَّلَ بِقَوْلِ ابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ أَدَاءً لَا قَضَاءً (وَيَقَعُ الْقَضَاءُ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْفَاسِدِ فَإِنْ كَانَ فَرْضًا وَقَعَ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا فَتَطَوُّعًا، فَلَوْ أَفْسَدَ التَّطَوُّعَ، ثُمَّ نَذَرَ حَجًّا وَأَرَادَ تَحْصِيلَ الْمَنْذُورِ بِحِجَّةِ الْقَضَاءِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ (وَلْيَكُنْ) أَيْ الْإِحْرَامُ بِالْقَضَاءِ (مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ) أَيْ مِنْ مَكَانِ إحْرَامِهِ بِالْأَدَاءِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ (أَوْ مِنْ الْمِيقَاتِ) ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِإِحْرَامِهِ بِالْأَدَاءِ، فَلَوْ أَحْرَمَ دُونَهُ لَزِمَهُ دَمٌ (وَإِنْ جَاوَزَهُ) أَيْ الْمِيقَاتَ (حَلَالًا، وَلَوْ غَيْرَ مُسِيءٍ) بِأَنْ لَمْ يُرِدْ النُّسُكَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَحْرَمَ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ فِي الْقَضَاءِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ فِي الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ أَصَالَةً وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ مَا صَرَّحَ بِهِ أَصْلُهُ أَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ الْحَجَّ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ، ثُمَّ أَفْسَدَهَا كَفَاهُ أَنْ يُحْرِمَ فِي قَضَائِهَا مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ وَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ سُلُوكُ طَرِيقِ الْأَدَاءِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ قَدْرِ مَسَافَتِهِ (وَلَا يَتَعَيَّنُ الزَّمَانُ) بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْقَضَاءِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ بِالْأَدَاءِ بَلْ لَهُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ، وَفَارَقَ الْمَكَانُ بِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّرْعِ بِالْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ أَكْمَلُ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ بِخِلَافِ الزَّمَانِيِّ حَتَّى لَوْ نَذَرَ الْإِحْرَامَ فِي شَوَّالٍ جَازَ لَهُ تَأْخِيرُهُ كَذَا فَرَّقَ الْأَصْلُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَهُوَ عَجِيبٌ فَإِنَّهُ سَوَّى فِي كِتَابِ النَّذْرِ بَيْنَ نَذْرِ الْمَكَانِ وَنَذْرِ الزَّمَانِ فَصَحَّحَ وُجُوبَ التَّعْيِينِ فِيهِمَا قَالَ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْمَكَانَ يَنْضَبِطُ بِخِلَافِ الزَّمَانِ (فَإِنْ) وَفِي نُسْخَةٍ، وَإِنْ (أَفْسَدَ الْقَضَاءَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ) لِمَا مَرَّ (وَقَضَاءُ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ وَاحِدٌ فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ (وَيُتَصَوَّرُ الْقَضَاءُ عَامَ الْإِفْسَادِ بِأَنْ يَتَحَلَّلَ) بَعْدَهُ (لِلْإِحْصَارِ، ثُمَّ يُطْلَقُ) مِنْ الْحَصْرِ أَوْ بِأَنْ يَرْتَدَّ بَعْدَهُ أَوْ يَتَحَلَّلَ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ الْجِمَاعُ، وَلَوْ لِبَهِيمَةٍ مُفْسِدٌ لِلْحَجِّ) أَمَّا قَبْلَ الْوُقُوفِ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَإِنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا صَحِيحًا لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَ الْوُقُوفِ (قَوْلُهُ أَيْ فَلَا تَرْفُثُوا) أَيْ، وَلَا تَفْسُقُوا فَلَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ إذْ لَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارَ عَنْ نَفْيِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْحَجِّ لَاسْتَحَالَ وُقُوعُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى صَدَقَ قَطْعًا (قَوْلُهُ وَيَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِمَا) وَيُثَابُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ) مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (قَوْلُهُ: وَهِيَ بَدَنَةٌ) فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَبَقَرَةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَسَبْعُ شِيَاهٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا قَوَّمَ الْبَدَنَةَ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ بِسِعْرِ مَكَّةَ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ كَذَا نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ نَصِّ الْمُخْتَصَرِ وَعَنْ الْقَاضِيَيْنِ أَبِي الطَّيِّبِ وَالْحُسَيْنِ وَفِي شَرْحِ السُّبْكِيّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ سِعْرُ مَكَّةَ حَالَةَ الْوُجُوبِ جَرَى عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ وَابْنُ النَّقِيبِ، وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الشَّرْحَيْنِ، وَلَا فِي الرَّوْضَةِ وَيَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ أَنْ يَدْفَعَ الْوَاجِبَ إلَى ثَلَاثَةٍ إنْ قَدَرَ، وَالْمُرَادُ الطَّعَامُ الْمُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا (قَوْلُهُ وَالْبَدَنَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ إلَخْ) الْبَدَنَةُ حَيْثُ أُطْلِقَتْ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ أَوْ الْحَدِيثِ فَالْمُرَادُ بِهَا كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ الْبَعِيرُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَشَرْطُهَا سِنٌّ يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ تُطْلَقُ عَلَى الْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ.
اهـ. وَالْمُرَادُ هُنَا مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فَإِنَّ الْبَقَرَةَ لَا تُجْزِئُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْبَدَنَةِ
[فَرْعٌ يَجِبُ عَلَى الْمُفْسِدِ الْقَضَاءُ فِي الْحَجّ]
(قَوْلُهُ وَأَيَّدَ وَلَدُهُ فِي التَّوْشِيحِ الْأَوَّلَ إلَخْ) ، ثُمَّ قَالَ وَبَسْطُ الثَّانِي أَنَّ النُّسُكَ، وَإِنْ وُقِّتَ بِالْعُمُرِ فَإِنَّمَا يَقَعُ فِي سَنَةٍ فَأَيُّ سَنَةٍ وَقَعَ فِيهَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا الْمَطْلُوبَةُ لِلْإِيقَاعِ وَأَنَّهَا وَقْتُهُ الْأَصْلِيُّ لَا الْعَارِضُ بِالْإِحْرَامِ فَالْمَعْنَى بِكَوْنِ الْعُمُرِ وَقْتًا لِلْحَجِّ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَخْلُوَ الْعُمُرُ عَنْهُ لَا أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ وَقْتٌ لَهُ فَمَتَى أَفْسَدَهُ وَقَعَ الثَّانِي بَعْدَ وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا فَكَانَ قَضَاءً، وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ مُسْتَطِيعًا بِلَا أَدَاءٍ عَصَى مِنْ آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ، وَلَوْ كَانَ وَقْتُهُ جَمِيعَ الْعُمُرِ لَعَصَى مِنْ أَوَّلِهَا، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَوَقْتُهَا بَيْنَ مُعَيَّنَيْنِ فَبِإِيقَاعِهَا فِي جُزْءٍ مِنْهُ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ وَقْتُهَا إذْ الْإِحْرَامُ بِهَا لَمْ يُغَيِّرْ وَقْتَهَا بَلْ يُضَيِّقُهَا لِتَحْرِيمِ الْخُرُوجِ مِنْ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ.
اهـ.، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَبِتَقْدِيرِ تَمَامِهِ فِي الْقَضَاءِ فِي غَيْرِ
كَذَلِكَ لِمَرَضٍ شُرِطَ التَّحَلُّلُ بِهِ، ثُمَّ يُشْفَى (وَالْوَقْتُ بَاقٍ) فَيَشْتَغِلُ بِالْقَضَاءِ.
(فَرْعٌ لَا يَفْسُدُ حَجُّ الْمَرْأَةِ) الْمُحْرِمَةِ (الْمُكْرَهَةِ وَالنَّائِمَةِ) بِجِمَاعِ زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ لِعُذْرِهَا (وَإِنْ طَاوَعَتْهُ) مُخْتَارَةً عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ ذَاكِرَةً لِلْإِحْرَامِ (فَسَدَ) لِمَا مَرَّ (وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ) يَعْنِي عَلَى زَوْجِهَا الْمُحْرِمِ الْمُجَامِعِ (دُونَهَا) كَمَا فِي الصَّوْمِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ يُجْزِئُ عَنْهُمَا جَزُورٌ وَرَوَى هُوَ عَنْهُ أَيْضًا إنْ كَانَتْ أَعَانَتْكَ فَعَلَى كُلٍّ مِنْكُمَا بَدَنَةٌ، وَإِلَّا فَعَلَيْك نَاقَةٌ وَحُمِلَتْ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِإِمْكَانِ حَمْلِ الْأُولَى عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُعِنْهُ.
(وَلَوْ قَضَتْ الزَّوْجَةُ) حَجَّهَا بِأَنْ خَرَجَتْ لِقَضَائِهِ (لَزِمَهُ) أَيْ زَوْجَهَا (زِيَادَةُ نَفَقَةِ السَّفَرِ) مِنْ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ ذَهَابًا وَإِيَابًا؛ لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ فَلَزِمَتْهُ كَالْكَفَّارَةِ أَمَّا نَفَقَةُ الْحَضَرِ فَلَا تَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا مَعَهَا، وَلَوْ عُضِبَتْ لَزِمَتْهُ الْإِنَابَةُ عَنْهَا مِنْ مَالِهِ، وَمُؤْنَةُ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ بِزِنًا عَلَيْهَا (وَيُسْتَحَبُّ افْتِرَاقُهُمَا) إذَا خَرَجَا لِلْقَضَاءِ مَعًا (مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ) إلَى أَنْ يَفْرُغَ التَّحَلُّلَانِ كَيْ لَا تَدْعُوهُ الشَّهْوَةُ إلَى الْمُعَاوَدَةِ فَإِنَّ عَهْدَ الْوِصَالِ مَشُوقٌ (وَ) افْتِرَاقُهُمَا (فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ) أَيْ مَكَانِ الْجِمَاعِ (آكَدُ) لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِ أَمَّا لَوْ فَسَدَ نُسُكُهَا فَقَطْ كَأَنْ كَانَتْ مُحْرِمَةً دُونَهُ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْبَدَنَةَ لَازِمَةٌ لَهَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ وَجَرَى عَلَيْهِ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ لَكِنْ قَيَّدَهُ بِمَا إذَا كَانَ الْوَاطِئُ لَا يَتَحَمَّلُ عَنْهَا، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ زَوْجَهَا أَوْ سَيِّدَهَا فَهِيَ لَازِمَةٌ لَهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مُوجِبَاتِ الْوَطْءِ عَلَى مَا مَرَّ فِي نَظِيرِهِ فِي الصَّوْمِ انْتَهَى.
وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحِ عَدَمِ اللُّزُومِ مُطْلَقًا لَكِنْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْحَجَّ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً فَكَانَ أَوْلَى مِنْ الصَّوْمِ بِالِاحْتِيَاطِ وَأَشَدَّ مِنْهُ فِي إلْزَامِ الْكَفَّارَةِ، وَلِهَذَا كَثُرَتْ فِيهِ الْفِدْيَةُ بِأَسْبَابٍ
(فَرْعٌ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ) ؛ لِأَنَّهُ تَضَيَّقَ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَلِمَا مَرَّ عَنْ الْبَيْهَقِيّ (وَكَذَا) يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ (كُلُّ كَفَّارَةٍ وَجَبَتْ بِعُدْوَانٍ) ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْكَفَّارَاتِ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ لَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
(فَرْعٌ، وَإِنْ أَفْسَدَ مُفْرِدٌ) نُسُكَهُ (فَتَمَتَّعَ فِي الْقَضَاءِ أَوْ قَرَنَ جَازَ) ، وَلَا يَضُرُّ الْعُدُولُ إلَى الْمَفْضُولِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَادَرَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَوْرِ (وَكَذَا عَكْسُهُ) بِأَنْ أَفْسَدَ مُتَمَتِّعٌ أَوْ قَارِنٌ نُسُكَهُ فَأَفْرَدَ فِي الْقَضَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا وَمَا حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ حَمَلَهُ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَمٍ وَقَدْ بَيَّنَ لُزُومَ الدَّمِ لَهُ فِي قَوْلِهِ (وَإِنْ أَفْسَدَ الْقَارِنُ) نُسُكَهُ (لَزِمَهُ بَدَنَةٌ) وَاحِدَةٌ لِانْغِمَارِ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ (مَعَ دَمِهِ) أَيْ دَمِ الْقِرَانِ الَّذِي أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَ بِالشُّرُوعِ فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِفْسَادِ (وَ) لَزِمَهُ (دَمٌ آخَرُ لِلْقِرَانِ) الَّذِي الْتَزَمَهُ بِالْإِفْسَادِ (فِي الْقَضَاءِ، وَلَوْ أَفْرَدَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْإِفْرَادِ وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ فِي الْقَضَاءِ وَبِهِ صَرَّحَ أَصْلُهُ لَكِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ هَذَا فِي الْقِرَانِ وَاضِحٌ أَمَّا فِي التَّمَتُّعِ فَيَلْزَمُهُ دَمَانِ آخَرَانِ دَمٌ لِلْقِرَانِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِالْإِفْسَادِ لِلْقَضَاءِ وَدَمٌ لِلتَّمَتُّعِ الَّذِي فَعَلَهُ انْتَهَى.
وَيَجُوزُ فِي دَمٍ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الرَّفْعُ كَمَا تَقَرَّرَ وَالْجَرُّ عَطْفًا عَلَى دَمِهِ وَفِي الْقَضَاءِ مُتَعَلَّقٌ يَلْزَمُ أَوْ بِمَعْنَى الْمَعِيَّةِ.
(وَإِذَا فَاتَ الْقَارِنَ الْحَجُّ) لِفَوَاتِ الْوُقُوفِ (فَالْعُمْرَةُ فَائِتَةٌ) تَبَعًا لَهُ كَمَا تَفْسُدُ بِفَسَادِهِ، وَإِنْ كَانَ الْجِمَاعُ بَعْدَ أَعْمَالِهَا كَأَنْ طَافَ الْقَارِنُ وَسَعَى وَحَلَقَ، ثُمَّ جَامَعَ وَكَمَا تَصِحُّ لِصِحَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْجِمَاعُ قَبْلَ أَعْمَالِهَا كَأَنْ جَامَعَ الْقَارِنُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ (لَكِنْ يُجْزِئُهُ) الْأَوْلَى يَلْزَمُهُ (دَمَانِ) دَمٌ (لِلْفَوَاتِ وَ) دَمٌ لِأَجْلِ (الْقِرَانِ وَفِي الْقَضَاءِ) دَمٌ (ثَالِثٌ) ، وَإِنْ أَفْرَدَهُ كَنَظِيرِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْإِفْسَادِ
(فَرْعٌ إذَا جَامَعَ جَاهِلًا) بِالتَّحْرِيمِ (أَوْ نَاسِيًا) لِلْإِحْرَامِ (أَوْ مَجْنُونًا أَوْ مُكْرَهًا) أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ (لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ) ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِالْمَذْكُورَاتِ وَأَضْدَادِهَا كَالصَّوْمِ وَيُفَارِقُ الْفَوَاتُ بِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِارْتِكَابِ مَحْظُورٍ وَالْفَوَاتُ بِتَرْكِ مَأْمُورٍ وَتَرْجِيحُ عَدَمِ الْفَسَادِ فِي الْمُكْرَهِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَوْلُهُ (وَلَا دَمَ) مِنْ زِيَادَتِهِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ.
(فَرْعٌ لَوْ أَحْرَمَ مُجَامِعًا لَمْ يَنْعَقِدْ) إحْرَامُهُ كَمَا لَا تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ مَعَ الْحَدَثِ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ هُنَا لَكِنَّهُ جَزَمَ كَالرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ بِانْعِقَادِهِ صَحِيحًا، ثُمَّ يَفْسُدُ، وَلَوْ أَحْرَمَ فِي حَالِ نَزْعِهِ فَقِيلَ: يَنْعَقِدُ صَحِيحًا وَقِيلَ: فَاسِدًا وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ حَكَاهَا فِي الْكِفَايَةِ وَالْمُوَافِقُ لِلْقَوَاعِدِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ انْعِقَادُهُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ النَّزْعَ لَيْسَ بِجِمَاعٍ.
[حاشية الرملي الكبير]
سَنَةِ الْإِفْسَادِ لَا يَتِمُّ فِي سَنَتِهِ فَالْمُعْتَمَدُ فِي الْجَوَابِ - الْأَوَّلُ س
[فَرْعٌ حَجُّ الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ الْمُكْرَهَةِ وَالنَّائِمَةِ]
(قَوْلُهُ فَلَزِمَتْهُ كَالْكَفَّارَةِ) أَيْ وَالْمَهْرِ وَكَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ أَمَتَهُ فَإِنَّ نَفَقَتَهَا عَلَيْهِ قَطْعًا (قَوْلُهُ وَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ تَرْجِيحِ اللُّزُومِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
[فَرْعٌ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْحَجّ]
(قَوْلُهُ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ) وَيُتَصَوَّرُ قَضَاؤُهُ فِي سَنَةِ الْإِفْسَادِ بِأَنْ جَامَعَ، ثُمَّ أُحْصِرَ أَوْ عَكَسَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ فَيَتَحَلَّلُ، ثُمَّ يَزُولُ الْحَصْرُ وَالْوَقْتُ بَاقٍ فَيُحْرِمُ بِهِ
[فَرْعٌ أَفْسَدَ مُفْرِدٌ نُسُكَهُ فَتَمَتَّعَ فِي الْقَضَاءِ أَوْ قَرَنَ]
(قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ الْجِمَاعُ قَبْلَ أَعْمَالِهَا إلَخْ) ؛ لِأَنَّهَا تَقَعُ تَبَعًا لَهُ
[فَرْعٌ جَامَعَ جَاهِلًا لِلْإِحْرَامِ أَوْ مَجْنُونًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ]
(قَوْلُهُ أَوْ مُكْرَهًا) أَوْ غَالِطًا
[فَرْعٌ أَحْرَمَ مُجَامِعًا]
(قَوْلُهُ وَالْمُوَافِقُ لِلْقَوَاعِدِ إلَخْ) هُوَ الْأَصَحُّ
(فَصْلٌ، وَإِنْ ارْتَدَّ) فِي أَثْنَاءِ نُسُكِهِ (فَسَدَ إحْرَامُهُ) فَيَفْسُدُ نُسُكُهُ (كَصَوْمِهِ) وَصَلَاتِهِ، وَإِنْ قَصُرَ زَمَنُ رِدَّتِهِ (وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ (وَلَا يَمْضِي فِيهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ) لِعَدَمِ وُرُودِ شَيْءٍ فِيهِمَا بِخِلَافِ الْجِمَاعِ فَإِنَّهُ، وَإِنْ فَسَدَ بِهِ نُسُكُهُ لَمْ يَفْسُدْ بِهِ إحْرَامُهُ حَتَّى يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ كَمَا مَرَّ.
النَّوْعُ (السَّادِسُ مُقَدَّمَاتُ الْجِمَاعِ فَتَحْرُمُ) عَمْدًا بِشَهْوَةٍ عَلَى الْمُحْرِمِ وَيَحْرُمُ تَمْكِينُهُ مِنْهَا عَلَى الْحَلَالِ لِئَلَّا يُعِينُهُ عَلَى الْحَرَامِ (قَبْلَ التَّحَلُّلَيْنِ وَبَيْنَهُمَا) ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ (حَتَّى اللَّمْسُ بِشَهْوَةٍ لَا بِغَيْرِهَا) كَمَا فِي الِاعْتِكَافِ بَلْ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يَحْرُمُ بِالْإِحْرَامِ كَمَا سَيَأْتِي فَهَذِهِ أَوْلَى، وَلَوْ عَبَّرَ بِالنَّظَرِ بَدَلَ اللَّمْسِ كَانَ أَوْلَى بِالْغَايَةِ، وَكَأَنَّهُ عَبَّرَ بِاللَّمْسِ لِيَعُودَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ (وَيَجِبُ بِهِ) أَيْ بِاللَّمْسِ يَعْنِي بِالْمُبَاشَرَةِ عَمْدًا بِشَهْوَةٍ (دَمٌ) لِمَا مَرَّ فِي الْجِمَاعِ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَظَرَ بِشَهْوَةٍ أَوْ قَبَّلَ بِحَائِلٍ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَنْزَلَ فِيهِمَا (وَيَسْقُطُ) عَنْهُ الدَّمُ (لَوْ جَامَعَ) بَعْدَ اللَّمْسِ يَعْنِي أَنَّهُ يَنْدَرِجُ فِي بَدَنَةِ الْجِمَاعِ كَمَا يَنْدَرِجُ الْحَدَثُ فِي الْجِنَايَةِ (وَلَوْ اسْتَمْنَى) بِيَدِهِ أَوْ نَحْوِهَا وَأَنْزَلَ (لَزِمَهُ) دَمٌ (وَنِكَاحُ الْمُحْرِمِ، وَإِنْكَاحُهُ) مُحَرَّمٌ (لَا يَنْعَقِدُ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ وَكَمَا لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ، وَلَا إنْكَاحُهُ لَا يَصِحُّ إذْنُهُ لِعَبْدِهِ الْحَلَالِ فِي النِّكَاحِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَفِيهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ نَظَرٌ وَحَكَى الدَّارِمِيُّ كَلَامَ ابْنِ الْقَطَّانِ، ثُمَّ قَالَ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي الْجَوَازَ (وَلْيَتْرُكْ) الْمُحْرِمُ (الْخِطْبَةَ) بِكَسْرِ الْخَاءِ (نَدْبًا) بَلْ قَالَ الْمُتَوَلِّي أَنَّهَا تُكْرَهُ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلْعَقْدِ فَإِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا كُرِهَ الِاشْتِغَالُ بِأَسْبَابِهِ وَأَفَادَ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْإِحْرَامِ فَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا يَحْرُمُ بِالْإِحْرَامِ لَزِمَهُ فِدْيَةٌ، وَكَذَا الِاصْطِيَادُ إذَا أَرْسَلَ الصَّيْدَ وَتَكْرِيرُ النَّظَرِ لِامْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ حَتَّى أَنْزَلَ وَالْمُتَسَبِّبُ بِإِمْسَاكٍ أَوْ نَحْوِهِ فِي قَتْلِ غَيْرِهِ الصَّيْدَ.
(النَّوْعُ السَّابِعُ الِاصْطِيَادُ فَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِكُلِّ) صَيْدٍ (بَرِّيٍّ وَوَحْشِيٍّ مَأْكُولٍ) كَبَقَرِ وَحْشٍ وَدَجَاجَةٍ وَحَمَامَةٍ (أَوْ مَا هُوَ) أَيْ الْبَرِّيُّ الْوَحْشِيُّ الْمَأْكُولُ (أَحَدُ أَصْلَيْهِ) كَمُتَوَلِّدٍ بَيْنَ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ وَحِمَارٍ أَهْلِيٍّ أَوْ بَيْنَ شَاةٍ وَظَبْيٍ أَوْ بَيْنَ ضَبُعٍ وَذِئْبٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: 96] أَيْ أَخْذُهُ ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] وَقَوْلُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْ لَا يَجُوزُ تَنْفِيرُ صَيْدِهِ لِمُحْرِمٍ، وَلَا حَلَالٍ فَغَيْرُ التَّنْفِيرِ أَوْلَى وَقِيسَ بِمَكَّةَ بَاقِي الْحَرَمِ وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْمُوَاسَاةِ وَخَرَجَ بِمَا قَالَهُ مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ وَحْشِيٍّ غَيْرِ مَأْكُولٍ، وَإِنْسِيٍّ مَأْكُولٍ كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالشَّاةِ وَمَا تَوَلَّدَ بَيْنَ غَيْرِ مَأْكُولَيْنِ أَحَدُهُمَا وَحْشِيٌّ كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْحِمَارِ وَالدُّبِّ وَمَا تَوَلَّدَ بَيْنَ أَهْلِيَّيْنِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ مَأْكُولٍ كَالْبَغْلِ فَلَا يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْهَا وَكَلَامُ الْأَصْلِ يَقْتَضِي خِلَافَهُ فِي أَوَّلِهَا.
(وَيَجِبُ بِهِ) يَعْنِي بِإِتْلَافِ مَا حَرُمَ التَّعَرُّضُ لَهُ مِمَّا ذُكِرَ (الْجَزَاءُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] (مَعَ الْغُرْمِ) لَقِيمَتِهِ لِمَالِكِهِ (إنْ كَانَ مَمْلُوكًا) لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ سَوَاءٌ أَذَبَحَهُ وَرَدَّهُ إلَيْهِ مَذْبُوحًا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ ذَبِيحَةَ الْمُحْرِمِ مَيْتَةٌ كَمَا سَيَأْتِي (فَإِنْ شَكَّ) فِي أَنَّهُ مَأْكُولٌ أَوْ لَا أَوْ أَنَّ أَحَدَ أَصْلَيْهِ وَحْشِيٌّ مَأْكُولٌ أَوْ لَا (اُسْتُحِبَّ) الْجَزَاءُ (وَبَيْضُهُ، وَلَبَنُهُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ) وَكَذَا سَائِرُ أَجْزَائِهِ كَشَعْرِهِ وَرِيشِهِ وَفَارَقَ الشَّعْرَ وَرَقُ أَشْجَارِ الْحَرَمِ حَيْثُ لَا يَجِبُ فِيهِ جَزَاءٌ بِأَنَّ جَزَّهُ يَضُرُّ الْحَيَوَانِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ بِخِلَافِ الْوَرَقِ فَإِنْ حَصَلَ مَعَ تَعَرُّضِهِ لِلَّبَنِ نَقْصٌ فِي الصَّيْدِ ضَمِنَهُ فَقَدْ سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عَمَّنْ حَلَبَ عَنْزًا مِنْ الظِّبَاءِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ: تُقَوَّمُ الْعَنْزُ بِاللَّبَنِ وَبِلَا لَبَنٍ وَيُنْظَرُ نَقْصُ مَا بَيْنَهُمَا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ (لَا) الْبَيْضَةَ (الْمَذِرَةَ) فَلَا تُضْمَنُ كَمَا لَوْ قَدَّ صَيْدًا مَيِّتًا
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ نُسُكِهِ فِي الْحَجِّ]
قَوْلُهُ فَتَحْرُمُ عَمْدًا بِشَهْوَةٍ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ (قَوْلُهُ وَيَسْقُطُ لَوْ جَامَعَ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ فَإِنْ بَاشَرَ فِي مَجْلِسٍ وَجَامَعَ فِي آخَرَ تَعَدَّدَتْ قَطْعًا (قَوْلُهُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَالْفَسَادَ، وَهُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَشَمِلَتْ عِبَارَتُهُ الْإِمَامَ وَالْقَاضِيَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ لَا يَصِحُّ إذْنُهُ لِعَبْدِهِ الْحَلَالِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَأَفَادَ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ يَعْنِي بِإِتْلَافِ مَا حَرُمَ التَّعَرُّضُ لَهُ إلَخْ) مِثْلُهُ مَا لَوْ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ أَمَّا الْمُتَعَمِّدُ لِلْإِتْلَافِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] ، وَأَمَّا الْمُخْطِئُ فِيهِ فَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الضَّبُعِ كَبْشٌ إذَا أَصَابَهَا الْمُحْرِمُ» ؛ وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَجَبَتْ بِقَتْلٍ فَاسْتَوَى فِيهَا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ كَكَفَّارَةِ قَتْلٍ لِآدَمِيٍّ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ فِي الْآيَةِ بِالْمُتَعَمِّدِ لِتَضَمُّنِهَا الْوَعِيدَ بِالْعِقَابِ لَا لِنَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْمُخْطِئِ، وَأَمَّا الْبَاقِي فَبِالْقِيَاسِ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] إلَخْ) سَوَاءٌ أَكَانَتْ قِيمَةُ الْمِثْلِ كَقِيمَةِ الصَّيْدِ أَمْ أَكْثَرَ أَمْ أَقَلَّ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وقَوْله تَعَالَى ﴿مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ إذْ لَوْ دَخَلَ الْكَافِرُ وَقَتَلَ صَيْدًا ضَمِنَهُ (قَوْلُهُ مَعَ الْغُرْمِ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا) قَدْ أَلْغَزَ بِذَلِكَ ابْنُ الْوَرْدِيِّ قَوْلَهُ عِنْدِي سُؤَالٌ حَسَنٌ مُسْتَظْرَفٌ فَرْعٌ عَلَى أَصْلَيْنِ قَدْ تَفَرَّعَا قَابِضُ شَيْءٍ بِرِضَا مَالِكِهِ وَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ وَالْمِثْلَ مَعًا (قَوْلُهُ وَبَيْضُهُ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ بَيْضَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَا يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ، وَلَا يَضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَصْلَيْ بَائِضِهِ مَأْكُولًا وَحْشِيًّا كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا حَرَّمْنَاهُ كَمَا رَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ، أَمَّا إذَا قُلْنَا أَنَّهُ ظَاهِرٌ يَحِلُّ أَكْلُهُ كَمَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَوَاضِعَ فَالْأَقْرَبُ فِي بَيْضِ الْمُتَوَلِّدِ التَّحْرِيمُ كَأَصْلِهِ وَالصَّوَابُ فِي بَيْضِ الْفَوَاسِقِ إبَاحَةُ الْكَسْرِ وَعَدَمُ الضَّمَانِ وَتَحْرِيمُ الْأَكْلِ وَقَوْلُهُ فَالْأَقْوَى إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ لَا الْمَذِرَةُ) مُرَادُهُ بِالْمَذِرَةِ الَّتِي صَارَتْ دَمًا فَإِنَّ الْأَصَحَّ نَجَاسَتُهَا أَمَّا الَّتِي اخْتَلَطَ بَيَاضُهَا بِصُفْرَتِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ كَاللَّبَنِ؛ لِأَنَّهَا مَأْكُولَةٌ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ النَّجَاسَةِ فَسَّرَ الْمَذِرَةَ بِالْمُخْتَلِطَةِ دُونَ الْمُسْتَحِيلَةِ فَقَالَ: الْبَيْضَةُ الطَّاهِرَةُ إذَا اسْتَحَالَتْ دَمًا فَالْأَصَحُّ نَجَاسَتُهَا، وَلَوْ صَارَتْ مَذِرَةً، وَهِيَ مَا اخْتَلَطَ بَيَاضُهَا