(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي الْمُصَاهَرَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرَّضَاعِ وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ مُرْضِعَةُ زَوْجَتِهِ) ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ (وَ) مُرْضِعَةُ (مُطَلَّقَتِهِ الصَّغِيرَةِ) ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ مَنْ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأنصاري، زكريا
- الكتاب
- أسنى المطالب في شرح روض الطالب
- المؤلف
- زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
- عدد الأجزاء
- 4
- الناشر
- دار الكتاب الإسلامي
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومعه حاشية الرملي الكبير]
حِسًّا، وَلَا شَرْعًا فَصَارَ قَوْلُهُمْ شَرْطًا مَحْضًا كَالْإِمْسَاكِ (وَسَيَأْتِي) بَيَانُ ذَلِكَ مَعَ زِيَادَةٍ (فِي الشَّهَادَاتِ وَالثَّالِثُ عُرْفِيٌّ كَتَقْدِيمِ) طَعَامٍ (مَسْمُومٍ) لِمَنْ يَأْكُلُهُ (فَإِنْ أَوْجَرَهُ سُمًّا) صِرْفًا أَوْ مَخْلُوطًا (يَقْتُلُ) مِثْلَ الْمُوجَرِ بِفَتْحِ الْجِيمِ (غَالِبًا فَمَاتَ فَالْقِصَاصُ) وَاجِبٌ سَوَاءٌ كَانَ السُّمُّ مُوحِيًا أَوْ غَيْرَ مُوحٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَشِبْهُ عَمْدٍ فَلَا قِصَاصَ (وَكَذَا) يُوجِبُ الْقِصَاصَ (إكْرَاهُ جَاهِلٍ) بِأَنَّهُ سُمٌّ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى شُرْبِهِ لَهُ فَشَرِبَهُ وَمَاتَ (لَا) إكْرَاهُ (عَالِمٍ) بِذَلِكَ، وَكَلَامُ الْأَصْلِ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ لَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى إكْرَاهِهِ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ حَيْثُ قَالَ وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِ سُمٍّ فَشَرِبَهُ، وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَعَلَى الْمُكْرِهِ الْقِصَاصُ قَطْعًا (فَإِنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ الْجَهْلَ بِكَوْنِهِ سُمًّا) ، وَنَازَعَهُ الْوَلِيُّ (فَقَوْلَانِ) أَحَدُهُمَا لَا يُصَدَّقُ فَيَلْزَمُهُ الْقِصَاصُ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ، وَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَمُوتُ بِهَذِهِ الْجِرَاحَةِ وَالثَّانِي يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى بِخِلَافِ الْجِرَاحَةِ الْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي إنْ كَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ صُدِّقَ، وَإِلَّا فَلَا (أَوْ بِكَوْنِهِ قَاتِلًا) ، وَنَازَعَهُ الْوَلِيُّ (فَالْقِصَاصُ) وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ سُمٌّ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يُوجِرَهُ (وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ السُّمَّ الَّذِي أَوْجَرَهُ يَقْتُلُ غَالِبًا) ، وَقَدْ ادَّعَى أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا (وَجَبَ الْقِصَاصُ) فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ فَإِنْ سَاعَدَتْهُ بَيِّنَةٌ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ السَّبَبِ الْعُرْفِيِّ (السِّحْرُ وَسَيَأْتِي) بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ فِي مُوجِبِ الدِّيَةِ وَحُكْمِ السِّحْرِ.
(فَرْعٌ:) لَوْ (أَضَافَ رَجُلًا عَاقِلًا) الْأَوْلَى أَضَافَ عَاقِلًا (بِمَسْمُومٍ أَوْ دَسَّ سُمًّا فِي طَعَامِ الرَّجُلِ) الْمَذْكُورُ (أَوْ) فِي (مَاءٍ فِي طَرِيقِهِ) وَكَانَ (يَتَنَاوَلُهُ) أَيْ كُلًّا مِنْ الطَّعَامِ وَالْمَاءِ (غَالِبًا) فَتَنَاوَلَهُ وَمَاتَ بِهِ (فَلَا قِصَاصَ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا هَلَكَ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ غَيْرِ إلْجَاءٍ حِسِّيٍّ، وَلَا شَرْعِيٍّ مَعَ أَنَّ الْقِصَاصَ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ (بَلْ) تَجِبُ لَهُ (الدِّيَةُ) أَيْ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ (إنْ جَهِلَ السُّمَّ) ؛ لِأَنَّ الدَّاسَّ غَرَّهُ، وَلَمْ يَقْصِدْ هُوَ إهْلَاكَ نَفْسِهِ فَأُحِيلَ عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ، وَكَذَا إذَا كَانَ يَتَنَاوَلُهُ نَادِرًا (وَ) تَجِبُ لَهُ (قِيمَةُ الطَّعَامِ) أَوْ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الدَّاسَّ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ (وَكَذَا إنْ غَطَّى بِئْرًا فِي دِهْلِيزِهِ وَدَعَاهُ) إلَيْهِ أَوْ إلَى بَيْتِهِ، وَكَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُ يَمُرُّ عَلَيْهَا إذَا أَتَاهُ فَأَتَاهُ وَوَقَعَ فِيهَا وَمَاتَ بِذَلِكَ فَلَا قِصَاصَ بَلْ لَهُ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ إنْ جَهِلَ الْبِئْرَ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُغَطَّاةٍ أَوْ لَمْ يَدْعُهُ فَمُهْدَرٌ نَعَمْ إنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ لَا يُبْصِرُهَا لِعَمًى أَوْ نَحْوِهِ فَشِبْهُ عَمْدٍ (وَيُهْدَرُ آكِلُ مَسْمُومٍ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ (وَإِنْ أَضَافَهُ أَوْ أَوْجَرَهُ) مَسْمُومًا بِسُمٍّ يَقْتُلُ غَالِبًا (، وَهُوَ لَا يُمَيِّزُ) لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ نَحْوِهِ فَتَنَاوَلَهُ وَمَاتَ بِهِ (فَالْقِصَاصُ) وَاجِبٌ، وَإِنْ قَالَ هُوَ مَسْمُومٌ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ لَا اخْتِيَارَ لَهُ وَالتَّقْيِيدُ بِغَيْرِ الْمُمَيِّزِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ، وَوَقَعَ فِي الْأَنْوَارِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ أَوْ أَوْجَرَهُ صَوَابُهُ أَوْ نَاوَلَهُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْأَصْلُ إذْ الْإِيجَارُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الضَّرْبِ الثَّالِثِ (وَلَوْ قَالَ لِعَاقِلٍ كُلْهُ فَفِيهِ) الْأَوْلَى قَوْلُ أَصْلِهِ وَفِيهِ (سُمٌّ لَا يَقْتُلُ فَأَكَلَهُ) وَمَاتَ بِهِ (فَلَا قِصَاصَ) بَلْ، وَلَا دِيَةَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ.
(فَصْلٌ: لَوْ أَلْقَى رَجُلًا لَا صَبِيًّا) غَيْرَ مُمَيِّزٍ (فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ أَوْ نَارٍ، وَأَمْكَنَهُ التَّخَلُّصُ) مِنْهُمَا بِسِبَاحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (فَقَصَّرَ) كَأَنْ تَرَكَ السِّبَاحَةَ بِلَا عُذْرٍ (فَهَدَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ بِإِعْرَاضِهِ عَمَّا يُنْجِيهِ (وَإِنْ شَكَّ فِي) إمْكَانِ
[حاشية الرملي الكبير]
(قَوْلُهُ: وَالثَّالِثُ عُرْفِيٌّ) كَتَقْدِيمِ مَسْمُومٍ مِنْ الْعُرْفِيِّ السِّحْرِ وَسَيَأْتِي (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ أَيْضًا هُوَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ سُمٌّ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يُؤْجِرَهُ) فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَهُ، وَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ السُّمَّ إلَخْ) سُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ عَمَّا إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ بِأَنَّ تَنَاوُلَ الْقَدْرِ الْفُلَانِيِّ مِنْ السُّمِّ يَقْتُلُ غَالِبًا وَلَمْ يَقُولَا إنَّ الْقَدْرَ الَّذِي تَنَاوَلَهُ يَقْتُلُ غَالِبًا هَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى مَنْ قَدَّمَ إلَيْهِ السُّمَّ أَمْ لَا؟ . فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ هُنَا إلَّا إذَا ظَهَرَ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْمَطْعُومُ قَدْرٌ يَقْتُلُ غَالِبًا.
[فَرْعٌ أَضَافَ رَجُلًا عَاقِلًا بِمَسْمُومٍ أَوْ دَسَّ سُمًّا فِي طَعَامِ الرَّجُلِ فَمَاتَ بِهِ]
(قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا كَانَ يَتَنَاوَلُهُ نَادِرًا) فَهِمَهُ الشَّارِحُ كَبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ قَوْلِهِمْ غَالِبًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ لِأَجْلِ جَرَيَانِ الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ بِجَرَيَانِ الْقِصَاصِ لَا لِأَجْلِ ضَمَانِ الدِّيَةِ وَهَذَا وَاضِحٌ ثُمَّ رَأَيْت الْبُلْقِينِيَّ قَالَ إنَّ الْقَيْدَ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ أَكْلَهُ مِنْهُ قَلَّ مَنْ ذَكَرَهُ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّ الْمَأْكُولَ يُهْلِكُ غَالِبًا، وَأَمَّا عَادَةُ الْأَكْلِ فَلَا أَثَرَ لَهَا.
اهـ. وَكَتَبَ أَيْضًا أَخَذَ الشَّارِحُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يَتَنَاوَلُهُ غَالِبًا تَبَعًا لِأَخْذِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَهُ مِنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ وَالرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا الْغَالِبُ أَكْلُهُ مِنْهُ وَإِنَّمَا ذَكَرُوهُ لِأَجْلِ جَرَيَانِ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ لَا لِإِهْدَارِهِ إذَا كَانَ نَادِرًا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ كَالْأَذْرَعِيِّ قَوْلُهُ: الْغَالِبُ أَكْلُهُ مِنْهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأَكْثَرُونَ.
اهـ. وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّ مَنْ رَمَى إلَى شَخْصٍ فَقَتْلُهُ لَا يُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ الْإِصَابَةُ غَالِبَةً بَلْ الْعِبْرَةُ فِي الْمُرْمَى بِهِ أَنْ يَكُونَ سِلَاحًا يَنْهَرُ الدَّمَ، وَيَشُقُّ اللَّحْمَ أَوْ غَيْرَهُ يَقْتُلُ غَالِبًا مِنْ غَيْرِ غَلَبَةِ الْإِصَابَةِ كَذَلِكَ هُنَا.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا إنْ غَطَّى بِئْرًا فِي دِهْلِيزِهِ وَدَعَاهُ) قَالَ الكوهكيلوني الْحَقُّ أَنَّهُ إذَا دَعَا إنْسَانًا إلَى دَارِهِ وَغَطَّى بِئْرًا فِي دِهْلِيزِ دَارِهِ وَالْغَالِبُ الْمَمَرُّ عَلَيْهِ فَوَقَعَ فِيهِ وَمَاتَ فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ عَجَمِيًّا يَرَى وُجُوبَ الطَّاعَةِ وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمْ يَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي نَظِيرِهَا، وَهُوَ إضَافَةُ مُكَلَّفٍ بِمَسْمُومٍ (قَوْلُهُ: أَوْ جُنُونٍ أَوْ نَحْوِهِ) أَيْ كَأَعْجَمِيٍّ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ طَاعَةِ الْآمِرِ (قَوْلُهُ: وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ إلَخْ) وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِهِ وَمَنْ أَطْلَقَ الصَّبِيَّ كَأَنَّهُ اكْتَفَى بِقَرْنِهِ بِالْمَجْنُونِ وَالْأَعْجَمِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ (قَوْلُهُ: صَوَابُهُ أَوْ نَاوَلَهُ) هُوَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الدَّبِيلِيُّ: لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ ثَوْبًا فِيهِ حَيَّةٌ مَلْفُوفَةٌ وَلَمْ يُخْبِرْهُ فَقَتَلَتْهُ فَلَا ضَمَانَ، وَقِيلَ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ جَعَلَ السُّمَّ فِي طَعَامٍ فَتَنَاوَلَهُ
(تَخَلُّصِهِ) بِأَنْ قَالَ الْمُلْقِي كَانَ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِمَّا أَلْقَيْته فِيهِ فَقَصَّرَ، وَقَالَ الْوَلِيُّ لَمْ يُمْكِنْهُ (صُدِّقَ الْوَلِيُّ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ لَخَرَجَ (وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ) مِنْهُ (قَبْلَ التَّقْصِيرِ) فِي خُرُوجِهِ مِنْ الْمَاءِ وَالنَّارِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ اقْتِصَارِ الْأَصْلِ عَلَى ذَلِكَ فِي النَّارِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّخَلُّصُ لِصِغَرِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَوَّلًا أَوْ لِضَعْفِهِ أَوْ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ السِّبَاحَةَ أَوْ لِعِظَمِ الْمَاءِ وَالنَّارِ أَوْ لِنَحْوِهَا، أَوْ أَمْكَنَهُ التَّخَلُّصُ لَكِنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ وَمَاتَ بِذَلِكَ (فَالْقِصَاصُ) وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُهْلِكٌ لِمِثْلِهِ (وَإِنْ مَنَعَهُ السِّبَاحَةَ عَارِضُ رِيحٍ، وَنَحْوُهُ) كَمَوْجٍ (فَشِبْهُ عَمْدٍ) فَفِيهِ دِيَتُهُ (وَيُهْدَرُ مَقْصُودُ تَرْكِ الْعَصَبِ) عَلَى مَحَلِّ الْفَصْدِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ؛ لِأَنَّ الْعَصَبَ مَوْثُوقٌ بِهِ، وَالْفَصْدَ لَيْسَ مُهْلِكًا (بِخِلَافِ مَجْرُوحٍ) جِرَاحَةً مُهْلِكَةً (تَرَكَ الْعِلَاجَ) لَهَا حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ لَا يُهْدَرُ بَلْ عَلَى جَارِحِهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْجِرَاحَةِ مُهْلِكٌ؛ وَلِأَنَّ الْبُرْءَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ لَوْ عَالَجَ.
[فَرْعٌ رَبَطَهُ عِنْدَ مَاءٍ يَزِيدُ غَالِبًا فَزَادَ وَمَاتَ بِهِ]
(فَرْعٌ:) لَوْ (رَبَطَهُ) وَطَرَحَهُ (عِنْدَ مَاءٍ يَزِيدُ) إلَيْهِ (غَالِبًا فَزَادَ) وَمَاتَ بِهِ (فَعَمْدٌ، أَوْ لَا يَزِيدُ) فَزَادَ وَمَاتَ بِهِ (فَخَطَأٌ، أَوْ قَدْ يَزِيدُ) ، وَقَدْ لَا يَزِيدُ فَزَادَ وَمَاتَ بِهِ (فَشِبْهُ عَمْدٍ) وَفِي مَعْنَى الرَّبْطِ عَدَمُ إمْكَانِ الِانْتِقَالِ لِنَحْوِ زَمَانَةٍ، أَوْ طُفُولِيَّةٍ.
(الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي اجْتِمَاعِ الْمُبَاشَرَةِ وَالسَّبَبِ، أَوْ الشَّرْطِ فَالشَّرْطُ يَسْقُطُ) أَثَرُهُ (مَعَ الْمُبَاشَرَةِ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ) فِيمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا، وَلَوْ عُدْوَانًا فَرَدَى غَيْرُهُ فِيهَا آخَرَ (عَلَى الْمُرْدِي لَا الْحَافِرِ، وَ) فِيمَا لَوْ أَمْسَكَهُ فَقَتَلَهُ آخَرُ عَلَى (الْقَاتِلِ لَا الْمُمْسِكِ) ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ أَقْوَى مِنْ الشَّرْطِ نَعَمْ إنْ مَنَعَ مَانِعٌ مِنْ تَعَلُّقِ الْقِصَاصِ بِهَا كَأَنْ كَانَ الْقَاتِلُ مَجْنُونًا، أَوْ سَبُعًا ضَارِيًا تَعَلَّقَ بِالْمُمْسِكِ (بَلْ يَأْثَمُ) كُلٌّ مِنْ الْحَافِرِ عُدْوَانًا وَالْمُمْسِكِ (وَيُعَزَّرُ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا، وَلَا كَفَّارَةَ (وَيَضْمَنُ الْعَبْدُ) وَالْمُمْسِكُ لِلْقَتْلِ (بِالْإِمْسَاكِ) أَيْ يَضْمَنُهُ الْمُمْسِكُ إذَا مَاتَ (وَالْقَرَارُ عَلَى الْقَاتِلِ وَيُقْتَصُّ مِنْ وَاضِعِ الصَّبِيِّ عَلَى الْهَدَفِ بَعْدَ الرَّمْيِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ فَهُوَ كَالْمُرْدِي وَالرَّامِي كَالْحَافِرِ (لَا قَبْلَهُ) فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ بَلْ مِنْ الرَّامِي؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ.
(وَالسَّبَبُ قَدْ يَغْلِبُ الْمُبَاشَرَةَ وَيَسْقُطُ الْإِثْمُ) عَنْ الْمُبَاشَرَةِ بِأَنْ أَخْرَجَهَا عَنْ كَوْنِهَا عُدْوَانًا مَعَ تَوْلِيدِهِ لَهَا (كَالشُّهُودِ) الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى شَخْصٍ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ فَقَتَلَهُ الْقَاضِي، أَوْ الْجَلَّادُ، أَوْ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فَقَتَلَهُ الْوَلِيُّ، أَوْ وَكِيلُهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ زُورٌ وَاعْتَرَفُوا بِاَلَّتِي عَمَدِ وَالْعِلْمِ (فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِمْ) دُونَ الْقَاضِي وَالْوَلِيِّ وَنَائِبِهِمَا، وَقَوْلُهُ وَيَسْقُطُ الْإِثْمُ أَيْ يَمْنَعُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَقَدْ تَغْلِبُهُ الْمُبَاشَرَةُ كَمَنْ أَلْقَى رَجُلًا فِي) مَاءٍ (مُغْرِقٍ) لَا يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ مِنْهُ (فَقَدَّهُ آخَرُ بِالسَّيْفِ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَادِّ) الْمُلْتَزِمِ لِلْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُلْقِي، وَإِنْ عَرَفَ الْحَالَ، أَوْ كَانَ الْقَادُّ مِمَّنْ لَا يَضْمَنُ كَحَرْبِيٍّ (فَإِنْ الْتَقَمَهُ حُوتٌ) ، وَلَوْ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى الْمَاءِ (فَعَلَى الْمُلْقِي) الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ أَلْقَاهُ فِي مَهْلَكٍ، وَقَدْ هَلَكَ بِسَبَبِ إلْقَائِهِ، وَلَا نَظَرَ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي هَلَكَ بِهَا؛ وَلِأَنَّ لُجَّةَ الْبَحْرِ مَعْدِنُ الْحُوتِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَتَّفَهُ، وَحَذَفَهُ لِلسَّبُعِ وَفَارَقَ صُورَةَ الْقَدِّ السَّابِقَةِ بِأَنَّ الْقَدَّ صَدَرَ مِنْ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ يَفْعَلُ بِرَأْيِهِ فَقَطَعَ أَثَرَ السَّبَبِ الْأَوَّلِ، وَالْحُوتُ يَلْتَقِمُ بِطَبْعِهِ كَالسَّبُعِ الضَّارِي فَهُوَ كَالْآلَةِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُغْرِقِ قَيْدٌ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (كَمَنْ أَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ فِيهَا سِكِّينٌ مَنْصُوبٌ، أَوْ حَيَّةٌ، أَوْ مَجْنُونٌ) ، وَكَانَا (ضَارِيَيْنِ) فَمَاتَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُلْقِي؛ لِأَنَّهُ الْقَاتِلُ وَالسِّكِّينُ وَالضَّارِي كَالْآلَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الطَّارِئُ فِعْلَ مَنْ لَهُ رَوِيَّةٌ (وَغَيْرُ الضَّارِي كَالْعَاقِلِ) فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْ الْمُرْدِي (فَإِنْ الْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَالْمَاءُ قَلِيلٌ) أَيْ غَيْرُ مُغْرِقٍ (أَوْ دَفَعَهُ دَفْعًا خَفِيفًا فَوَقَعَ عَلَى سِكِّينٍ فَجَرَحَتْهُ) ، وَ (لَمْ يَعْلَمْهُ) أَيْ كُلًّا مِنْ الْحُوتِ وَالسِّكِّينِ (الدَّافِعُ) وَمَاتَ بِذَلِكَ (فَشِبْهُ عَمْدٍ) فَفِيهِ دِيَتُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إهْلَاكَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ سَبَبَ الْهَلَاكِ فَإِنْ عَلِمَهُ فَعَمْدٌ (وَقَدْ يَعْتَدِلَانِ) أَيْ السَّبَبُ وَالْمُبَاشَرَةُ (كَالْإِكْرَاهِ) عَلَى الْقَتْلِ، وَلَوْ مِنْ السُّلْطَانِ (فَيُقْتَصُّ مِنْ الْآمِرِ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ أَلْقَى رَجُلًا لَا صَبِيًّا فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ أَوْ نَارٍ وَأَمْكَنَهُ التَّخَلُّصُ فَقَصَّرَ]
قَوْلُهُ: فَرْعٌ رَبَطَهُ عِنْدَ مَاءٍ يَزِيدُ غَالِبًا إلَخْ) امْرَأَةٌ أَوْقَدَتْ نَارًا لِحَاجَتِهَا فَتَرَكَتْ وَلَدَهَا قَرِيبًا مِنْهَا وَذَهَبَتْ لِحَاجَةٍ فَقَرُبَ الطِّفْلُ مِنْ النَّارِ فَاحْتَرَقَ عُضْوٌ مِنْهُ قَالَ الْأَصْبَحِيُّ فِي فَتَاوِيهِ إنْ تَرَكَتْهُ فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ مِنْ النَّارِ لَا تُعَدُّ فِيهِ مُفَرِّطَةً فِي الْعَادَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهَا أَوْ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ بِحَيْثُ تُعَدُّ مُفَرِّطَةً فِي الْعَادَةِ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَقَدْ نَصَّ بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى نَظِيرٍ لِهَذَا.
[الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي اجْتِمَاعِ الْمُبَاشَرَةِ وَالسَّبَبِ فِي الْجِنَايَات]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ أَقْوَى مِنْ الشَّرْطِ) وَلِخَبَرِ «إذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَجَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ قُتِلَ الْقَاتِلُ وَحُبِسَ الْمُمْسِكُ» أَيْ تَأْدِيبًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَ ابْنُ الْقَطَّانِ إسْنَادَهُ، وَقَاسَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى مُمْسِكِ الْمَرْأَةِ لِلزِّنَا يُحَدُّ الزَّانِي دُونَهُ (قَوْلُهُ: تَعَلَّقَ بِالْمُمْسِكِ) ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ قَاتِلَهُ عُرْفًا حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ عَنْ النَّصِّ، وَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ شَيْخُنَا: وَلِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ هُنَا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ لِوُجُودِ الْإِمْسَاكِ مَعَهَا مَثَلًا فَلَا يُخَالِفُ مَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: لَا يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ مِنْهُ) أَيْ فِي الْأَغْلَبِ (قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُلْقِي، وَإِنْ عَرَفَ الْحَالَ إلَخْ) أَيْ لِصَيْرُورَةِ إلْقَائِهِ بِطُرُوِّ مُبَاشَرَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ شَرْطًا مَحْضًا قَالَ شَيْخُنَا وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ بِقَلِيلٍ فِي قَوْلِهِ نَعَمْ إنْ مَنَعَ مَانِعٌ مِنْ تَعَلُّقِ الْقِصَاصِ بِهَا كَأَنْ كَانَ الْقَاتِلُ مَجْنُونًا أَوْ سَبُعًا ضَارِبًا تَعَلَّقَ بِالْمُمْسِكِ، وَإِنْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ الْمُخَالَفَةَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ الْتَقَمَهُ حُوتٌ فَعَلَى الْمُلْقِي الْقِصَاصُ) لَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ لَقَطَهُ الْحُوتُ سَالِمًا لَمْ يَلْزَمْ الْمُقْتَصَّ قِصَاصٌ وَتَلْزَمُهُ دِيَةُ الْمُلْقِي فِي مَالِهِ قَالَ شَيْخُنَا دِيَةُ عَمْدٍ (قَوْلُهُ: وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُغْرِقِ) قَيْدٌ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى غَيْرُ الْمُغْرِقِ فِيهَا مَفْهُومٌ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْقَتْلِ) وَلَوْ مِنْ السُّلْطَانِ وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْقَتْلِ أَوْ بِمَا يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ كَالْقَطْعِ وَالْجُرْحِ وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَفِي الصَّغِيرِ أَنَّهُ الْأَرْجَحُ وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ الْإِكْرَاهَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَفِي الْبَحْرِ لَوْ كَتَبَ كِتَابًا بِقَتْلِ رَجُلٍ وَالْكَاتِبُ ذُو قُوَّةٍ وَلَا يَخْلُصُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ إلَّا بِامْتِثَالِهِ فَكَاللَّفْظِ (قَوْلُهُ: فَيُقْتَصُّ مِنْ الْآمِرِ)
وَكَذَا) مِنْ (الْمَأْمُورِ كَمُضْطَرٍّ قَتَلَ إنْسَانًا لِيَأْكُلَهُ) فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ؛ وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يُوَلِّدُ فِي الْمُكْرَهِ دَاعِيَةَ الْقَتْلِ غَالِبًا لَهُ لِيَدْفَعَ الْهَلَاكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ آثَرَهَا بِالْبَقَاءِ فَصَارَا شَرِيكَيْنِ، وَلَا يُشْبِهُ قَتْلَ الصَّائِلِ فَإِنَّهُ بِالصِّيَالِ مُتَعَدٍّ فَمُكِّنَ مِنْ دَفْعِهِ وَلِهَذَا لَا يَأْثَمُ بِقَتْلِهِ.
وَالْمُكْرَهُ يَأْثَمُ كَمَا يَأْثَمُ الْمُخْتَارُ وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّنْظِيرِ بِمَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الرَّوْضَةِ.
فَلَوْ آلَ الْأَمْرُ فِي مَسْأَلَةِ الْإِكْرَاهِ إلَى الدِّيَةِ فَهِيَ عَلَى الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ كَالشَّرِيكَيْنِ وَلِلْوَلِيِّ فِيمَا إذَا لَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيَأْخُذَ نِصْفَ الدِّيَةِ مِنْ الْآخَرِ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مُكَافِئٍ) لِلْمَقْتُولِ (فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ) لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِلْقَتْلِ آثِمٌ (وَعَلَى الْآخَرِ) ، وَهُوَ الْمُكَافِئُ (الْقِصَاصُ) كَشَرِيكِ الْأَبِ (كَأَنْ أَكْرَهَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا عَلَى قَتْلِ ذِمِّيٍّ، أَوْ حُرٌّ عَبْدًا عَلَى قَتْلِ عَبْدٍ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْعَبْدِ) فِي الثَّانِيَةِ (وَالذِّمِّيِّ) فِي الْأُولَى (وَعَلَى الْآخَرِ) ، وَهُوَ الْحُرُّ فِي الثَّانِيَةِ وَالْمُسْلِمِ فِي الْأُولَى (نِصْفُ الضَّمَانِ) ، وَكَأَنْ أَكْرَهَ ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا عَلَى قَتْلِ ذِمِّيٍّ، أَوْ عَبْدٌ حُرًّا عَلَى قَتْلِ عَبْدٍ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ وَعَلَى الْمَأْمُورِ نِصْفُ الضَّمَانِ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَبِيًّا) مُمَيِّزًا (أَوْ الْمَأْمُورُ) بِالرَّمْيِ إلَى شَاخِصٍ (جَاهِلًا كَوْنَهُ آدَمِيًّا فَالْقِصَاصُ عَلَى الْبَالِغِ) فِي الْأُولَى بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ عَمْدٌ.
(وَ) عَلَى (الْآمِرِ) فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنْ كَانَ شَرِيكٌ مُخْطِئٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخَطَأَ نَتِيجَةُ إكْرَاهِهِ فَجُعِلَ عَمْدًا فِي حَقِّهِ، وَالْمَأْمُورُ كَالْآلَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ لِظَنِّهِ الْحِلَّ (لَكِنْ لَا دِيَةَ عَلَى الْجَاهِلِ، وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ إذْ هُوَ كَالْآلَةِ) ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فِي الْأُولَى فَفِي مَالِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ مُغَلَّظَةً كَمَا سَيَأْتِي وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا دِيَةَ أَيْ لَا يَجِبُ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْجَاهِلِ هُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ يُؤْخَذَانِ مِنْ كَلَامِ الْأَصْلِ فَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ وُجُوبُ نِصْفِهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ مُخَفَّفَةً، وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأَنْوَارِ، وَلَوْ تَرَكَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ الْمَأْمُورُ، وَأَبْدَلَ قَوْلَهُ وَالْآمِرِ بِقَوْلِهِ وَالْعَالِمَ كَانَ أَعَمَّ لَكِنَّهُ تَبِعَ فِي ذَلِكَ أَصْلَهُ (فَإِنْ كَانَا مُخْطِئَيْنِ) فِيمَا ذُكِرَ بِأَنْ جَهِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَوْنَ الْمَرْمِيِّ آدَمِيًّا (فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ) مِنْهُمَا (نِصْفُهَا) مُخَفَّفَةً فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَعَمَّدَا قَتْلَهُ (وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى صُعُودِ شَجَرَةٍ، أَوْ نُزُولِ بِئْرٍ) فَفَعَلَ (فَزَلَقَ) فَمَاتَ (فَشِبْهُ عَمْدٍ) فَلَا قِصَاصَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ الْقَتْلَ غَالِبًا وَمَحِلُّ كَوْنِهِ شِبْهَ عَمْدٍ فِي صُعُودِ الشَّجَرَةِ إذَا كَانَتْ مِمَّا يُزْلَقُ عَلَى مِثْلِهَا غَالِبًا، وَإِلَّا فَخَطَأٌ نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ نُكَتِ الْوَسِيطِ لِلنَّوَوِيِّ.
(فَرْعٌ: لَوْ قَالَ) لِمُمَيِّزٍ (اُقْتُلْ نَفْسَك، أَوْ قَالَ) لَهُ (اشْرَبْ هَذَا السُّمَّ، وَإِلَّا قَتَلْتُك فَقَتَلَ) نَفْسَهُ (أَوْ شَرِبَ) السُّمَّ فَمَاتَ (فَلَا قِصَاصَ) عَلَى الْآمِرِ؛ لِأَنَّ مَا جَرَى لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ حَقِيقَةً إذْ الْمُكْرَهُ مَنْ يَتَخَلَّصُ بِمَا أُمِرَ بِهِ عَمَّا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِ، وَهُنَا اتَّحَدَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَالْمُخَوَّفُ بِهِ فَكَأَنَّهُ اخْتَارَهُ قَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ لَوْ هَدَّدَهُ بِقَتْلٍ يَتَضَمَّنُ تَعْذِيبًا شَدِيدًا لَوْ لَمْ يَقْتُلْ نَفْسَهُ كَانَ إكْرَاهًا (وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ) كَذَا قَالَهُ تَبَعًا لِأَصْلِهِ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا سَقَطَ لِانْتِفَاءِ الْإِكْرَاهِ فَيَنْتَفِي مُوجِبُهُ فَلَا يَجِبُ عَلَى فَاعِلِهِ شَيْءٌ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الزَّرْكَشِيُّ وَبِهِ صَرَّحَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ السَّابِقِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي مُوجِبَاتِ الدِّيَةِ عَلَى الصَّوَابِ (وَلَوْ قَالَ اقْطَعْ يَدَك، وَإِلَّا قَتَلْتُك فَقَطَعَهَا اُقْتُصَّ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ (وَإِنْ قَالَ اُقْتُلْنِي، أَوْ اقْطَعْ يَدِي، أَوْ اقْذِفْنِي) مَعَ قَوْلِهِ، وَإِلَّا -
[حاشية الرملي الكبير]
لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ إذَا أَكْرَهَ لَزِمَهُ الْقَوَدُ لَكَفَّ عَنْ الْإِكْرَاهِ فَحَصَلَ الْمَقْصُودُ (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمَأْمُورُ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ إيجَابَهُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِمَا إذَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى حَالَةِ الدَّهْشِ وَالْغَلَبَةِ فَإِنْ أَفْرَطَ فَزَعُهُ بِحَيْثُ أَسْقَطَ اخْتِيَارَهُ فَيَكُونُ آلَةً وَلَا قَوَدَ جَزْمًا وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ، وَكَتَبَ أَيْضًا عَنْ الْبَغَوِيّ مَا يُفْهِمُ أَنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُكْرَهِ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُبِيحُ لَهُ الْإِقْدَامَ أَمَّا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يُبِيحُهُ لَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ آلَةً، وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ جَزْمًا حَكَاهُ عَنْهُ فِي الْقُوتِ فَعَلَى هَذَا يُقَيَّدُ بِهِ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ.
اهـ. الْمُعْتَمَدُ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ (قَوْلُهُ: كَأَنْ أَكْرَهَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا إلَخْ) لَوْ أَكْرَهَ أَجْنَبِيًّا الْأَبُ عَلَى قَتْلِ وَلَدِهِ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ فَقَطْ، وَفِي عَكْسِهِ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرَهِ، وَسُئِلَ الْبُلْقِينِيُّ عَمَّا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْلٍ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَقُلْنَا الْمُغَلَّبُ فِيهِ مَعْنَى الْحَدِّ، وَقُلْنَا لَا أَثَرَ لِلْإِكْرَاهِ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْقَتْلِ فَهَلْ يُقْتَلُ الْمَأْمُورُ أَمْ لَا فَأَجَابَ نَعَمْ يُقْتَلُ الْمَأْمُورُ قَطْعًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَبِيًّا مُمَيِّزًا) أَوْ مَجْنُونًا لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ.
(فَرْعٌ) لَوْ أَمَرَ صَغِيرًا يَسْتَقِي لَهُ مَاءً فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ وَمَاتَ فَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا يُسْتَعْمَلُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ هَدَرٌ، وَإِلَّا ضَمِنَهُ عَاقِلَةُ الْآمِرِ، وَلَوْ قَرَصَ مَنْ يَحْمِلُ رَجُلًا فَتَحَرَّكَ، وَسَقَطَ الْمَحْمُولُ فَكَإِكْرَاهِهِ عَلَى إلْقَائِهِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْأَوْجُهَ وُجُوبُ نِصْفِهَا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ) عَنْ نُكَتِ الْوَسِيطِ لِلنَّوَوِيِّ إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ النَّوَوِيُّ قَوْلَ الْوَسِيطِ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ عَقِبَ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ، وَقِيلَ عَمْدٌ هَذَا إذَا كَانَتْ الشَّجَرَةُ مِمَّا يُزْلَقُ عَلَى مِثْلِهَا غَالِبًا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي نُكَتِ الْوَسِيطِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَخَطَأٌ، وَهُوَ وَاضِحٌ.
اهـ. مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ عَمْدٌ فَقَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَخَطَأٌ أَيْ خَطَأُ عَمْدٍ، وَهُوَ بِمَعْنَى شِبْهِ الْعَمْدِ فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَقَالَ ابْنُ السُّكَّرِيِّ فِي حَوَاشِيهِ: التَّحْقِيقُ أَنَّ نُزُولَ الْبِئْرِ وَصُعُودَ الشَّجَرَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يُسْلَمُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ غَالِبًا فَيَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُسْلَمُ مِنْهُ غَالِبًا فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ.
اهـ.
[فَرْعٌ قَالَ لِمُمَيِّزِ اُقْتُلْ نَفْسَك أَوْ اشْرَبْ هَذَا السُّمَّ وَإِلَّا قَتَلْتُك فَقَتَلَ نَفْسَهُ]
(قَوْلُهُ: أَوْ قَالَ اشْرَبْ هَذَا السُّمَّ، وَإِلَّا قَتَلْتُك إلَخْ) قَالَ فِي الْأَنْوَارِ، وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِ سُمٍّ يَعْرِفُهُ وَشَرِبَهُ وَمَاتَ فَلَا قِصَاصَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ أَبِي الْفَرَجِ الزَّازِ لِتَخَلُّصِهِ عَنْ الْأَشَدِّ بِالشَّدِيدِ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ كَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي مُوجِبَاتِ الدِّيَةِ عَلَى الصَّوَابِ) الْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ شَرِيكٌ، وَإِنْ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ لِلشُّبْهَةِ بِسَبَبِ مُبَاشَرَةِ الْمُكْرِهِ قَتْلَ نَفْسِهِ
قَتَلْتُك، أَوْ بِدُونِهِ فَفَعَلَ (فَهَدَرٌ) لِإِذْنِهِ لَهُ فِيهِ فَصَارَ كَإِتْلَافِ مَالِهِ بِإِذْنِهِ، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ (، وَإِذْنُ الْعَبْدِ) فِي قَتْلِهِ، أَوْ قَطْعِ يَدِهِ مَثَلًا (لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ) ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ السَّيِّدِ (وَهَلْ يَسْقُطُ) الْأَوْلَى يَجِبُ (الْقِصَاصُ) فِيمَا إذَا كَانَ الْمَأْذُونُ لَهُ عَبْدًا أَيْضًا (وَجْهَانِ) أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ لَا يَجِبُ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ (وَلِلْمَأْمُورِ) بِالْقَتْلِ (دَفْعُ الْمُكْرِهِ وَلِلثَّالِثِ) ، وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِقَتْلِهِ (دَفْعُهُمَا) أَيْ الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرِهِ (وَإِنْ أَفْضَى) الدَّفْعُ فِي الثَّلَاثِ (إلَى الْقَتْلِ فَهَدَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ صَائِلٌ فِيهَا.
(فَرْعٌ:) لَوْ (قَالَ اُقْتُلْ زَيْدًا، أَوْ عَمْرًا) ، وَإِلَّا قَتَلْتُك (فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ) بَلْ تَخْيِيرٌ فَمَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمَا كَانَ مُخْتَارًا لِقَتْلِهِ، وَإِنَّمَا الْمُكْرَهُ مَنْ حَمَلَ عَلَى قَتْلِ مُعَيَّنٍ لَا يَجِدُ عَنْهُ مَحِيصًا فَيَلْزَمُ الْقَاتِلَ الْقِصَاصُ، أَوْ الدِّيَةُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآمِرِ غَيْرَ الْإِثْمِ (وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى إكْرَاهِ غَيْرِهِ) عَلَى أَنْ يَقْتُلَ رَابِعًا فَفَعَلَا (اقْتَصَّ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الثَّلَاثَةِ (وَلَوْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِقَتْلِهِ) فَقَتَلَهُ غَيْرَ ظَانٍّ أَنَّ الْإِمَامَ ظَالِمٌ (فَبَانَ ظَالِمًا اُقْتُصَّ مِنْ الْإِمَامِ) عِبَارَةُ الْأَصْلِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوْ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ (دُونَهُ) أَيْ الْمَأْمُورِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِحَقٍّ؛ وَلِأَنَّ طَاعَتَهُ وَاجِبَةٌ فِيمَا لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ (وَيُسَنُّ لِلْمَأْمُورِ أَنْ يُكَفِّرَ) لِمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْلَ (وَكَذَا زَعِيمُ الْبُغَاةِ) أَيْ سَيِّدُهُمْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْإِمَامِ فِيمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَهُ نَافِذَةٌ (فَلَوْ عَلِمَ) مَأْمُورُ كُلٍّ مِنْهُمَا (بِظُلْمِهِ انْعَكَسَ الْحُكْمُ) أَيْ اُقْتُصَّ مِنْ الْمَأْمُورِ دُونَ الْآمِرِ (إنْ لَمْ يَخَفْ سَطْوَتَهُ) عَلَيْهِ أَيْ قَهْرَهُ بِالْبَطْشِ، وَالْمُرَادُ سَطْوَتُهُ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِكْرَاهُ (وَإِنْ خَافَهَا) (فَكَالْمُكْرَهِ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ مُتَغَلِّبٌ لَمْ يَجُزْ امْتِثَالُ أَمْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِمَعْصِيَةٍ، وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ، لَكِنَّهُ إذَا اعْتَقَدَ حَقِيقَتَهُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَاَلَّذِي فِي الْأَصْلِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوْ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، وَلَيْسَ عَلَى الْآمِرِ إلَّا الْإِثْمُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْتَقِدَهُ حَقًّا، أَوْ يَعْرِفَ أَنَّهُ ظُلْمٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبِ الطَّاعَةِ.
انْتَهَى.
هَذَا إنْ لَمْ يَخَفْ سَطْوَتَهُ (فَإِنْ خَافَ سَطْوَتَهُ فَكَالْمُكْرَهِ) فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا تَنْزِيلًا لِأَمْرِهِ بِالْقَتْلِ حِينَئِذٍ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ إذْ الْمَعْلُومُ كَالْمَلْفُوظِ الْمُصَرَّح بِهِ (وَإِنْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِصُعُودِ شَجَرَةٍ) ، أَوْ بِنُزُولِ بِئْرٍ فَفَعَلَ (فَهَلَكَ) بِذَلِكَ (فَإِنْ لَمْ يَخَفْ سَطْوَتَهُ فَلَا ضَمَانَ) عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ بِذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَإِنْ خَافَهَا) (فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ (لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا إذَا أَكْرَهَهُ عَلَى صُعُودِهَا) أَيْ الشَّجَرَةِ، أَوْ عَلَى نُزُولِ الْبِئْرِ (غَيْرُ الْإِمَامِ) فَفَعَلَ فَهَلَكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ، أَوْ خَطَأٌ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ قُبَيْلَ الْفَرْعِ السَّابِقِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا تَنْظِيرًا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا.
(فَرْعٌ:) لَوْ (أَمَرَ) إنْسَانٌ (عَبْدَهُ) ، أَوْ عَبْدَ غَيْرِهِ الْمُمَيِّزَ الَّذِي لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ طَاعَتِهِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُهُ (بِقَتْلٍ، أَوْ إتْلَافٍ) لِغَيْرِهِ ظُلْمًا فَفَعَلَ (أَثِمَ) الْآمِرُ لِإِتْيَانِهِ بِمَعْصِيَةٍ (وَاقْتُصَّ مِنْ الْعَبْدِ وَتَعَلَّقَ الضَّمَانُ) أَيْ ضَمَانُ الْمَالِ (بِرَقَبَتِهِ، وَإِنْ أَمَرَ صَبِيًّا غَيْرَ مُمَيِّزٍ، أَوْ مَجْنُونًا ضَارِيًا، أَوْ أَعْجَمِيًّا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ طَاعَتِهِ) فِيمَا ذُكِرَ بِقَتْلٍ، أَوْ إتْلَافٍ فَفَعَلَ (فَالْقِصَاصُ) ، أَوْ الْمَالُ (عَلَى الْآمِرِ) وَلِيًّا كَانَ، أَوْ أَجْنَبِيًّا عَبْدًا، أَوْ حُرًّا ضَاقَ الْمَكَانُ، أَوْ اتَّسَعَ (عَبْدًا كَانَ الْمَأْمُورُ، أَوْ حُرًّا، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ وَذِمَّتِهِ مَالٌ) ؛ لِأَنَّهُ كَالْآلَةِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَغْرَى بَهِيمَةً عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَتْهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ضَمَانٌ، وَذِكْرُ الْأَعْجَمِيِّ الْحُرِّ مِنْ زِيَادَتِهِ.
(وَإِنْ أَمَرَ) إنْسَانٌ (أَحَدَ هَؤُلَاءِ بِقَتْلِ نَفْسِهِ) فَقَتَلَهَا (اُقْتُصَّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْآمِرِ (لَا فِي) صُورَةِ (الْأَعْجَمِيِّ) فَلَا يُقْتَصُّ مِنْ آمِرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الطَّاعَةِ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ بِحَالٍ (نَعَمْ إنْ أَمَرَهُ) بِبَطِّ جُرْحِهِ، أَوْ (بِفَتْحِ عِرْقِهِ الْقَاتِلِ) بِأَنْ كَانَ بِمَقْتَلٍ فَفَعَلَ (وَجَهِلَهُ) أَيْ وَجَهِلَ كَوْنَهُ قَاتِلًا (ضَمِنَ) الْآمِرُ؛ لِأَنَّ الْأَعْجَمِيَّ حِينَئِذٍ لَا يَظُنُّهُ قَاتِلًا فَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ وُجُوبَ الطَّاعَةِ أَمَّا إذَا عَلِمَهُ قَاتِلًا فَلَا ضَمَانَ عَلَى آمِرِهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ وَجَهْلِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ.
(وَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ تَمْيِيزٌ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا دُونَهُ) أَيْ الْآمِرِ (وَمَا أَتْلَفَهُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ بِلَا أَمْرٍ فَخَطَأٌ لَا هَدَرٌ) فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ إنْ كَانَ عَبْدًا وَبِذِمَّتِهِ إنْ كَانَ حُرًّا، وَكَلَامُ الْأَصْلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ أَنَّهُ هَدَرٌ فَعَدَلَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ إلَى مَا قَالَهُ لِقَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ إنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ فِي الرَّضَاعِ مِنْ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا دَبَّ وَارْتَضَعَ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ لَزِمَهُ الْغُرْمُ وَلِمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى شَرِيكِ السَّبْعِ.
(فَرْعٌ: إذَا أَكْرَهَ عَبْدًا مُرَاهِقًا) الْأَوْلَى قَوْلُ أَصْلِهِ مُمَيِّزًا عَلَى قَتْلٍ مَثَلًا فَفَعَلَ (تَعَلَّقَتْ الدِّيَةُ) أَيْ نِصْفُهَا (بِرَقَبَتِهِ) بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الْمُكْرَهَ الْحُرَّ تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ.
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ) أَيْ الْقَتْلِ، وَقَطْعِ الْيَدِ، وَكَذَا الْقَذْفُ حَيْثُ لَا إكْرَاهَ فَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِ غَيْرِهِ اُقْتُلْ عَبْدِي فَقَتَلَهُ هَدَرٌ، وَإِنْ جَرَحَهُ فَمَاتَ فَوَجْهَانِ أَرْجَحُهُمَا عَدَمُ ضَمَانِهِ (قَوْلُهُ: أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) أَيْ كَالْبُلْقِينِيِّ وَغَيْرِهِ.
[فَرْعٌ قَالَ اُقْتُلْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا وَإِلَّا قَتَلْتُك]
(قَوْلُهُ: فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ) شَمِلَ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ الْمُكْرَهِ إلَّا بِالْقَتْلِ خِلَافًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِحَقٍّ) قَالَ فِي الْأَنْوَارِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِمَامِ هُنَا الظَّلَمَةَ الْمُسْتَوْلِينَ عَلَى الرِّقَابِ وَالْأَمْوَالِ الْمُمَزِّقِينَ لَهُمْ كَالسِّبَاعِ وَالْمُنْتَهِبِينَ لِأَمْوَالِهِمْ كَأَهْلِ الْحَرْبِ إذَا ظَفِرُوا بِالْمُسْلِمِينَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْإِمَامُ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ مِنْهُ الظُّلْمُ وَالْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ خَافَ سَطْوَتَهُ فَكَالْمُكْرَهِ) هَلْ كَتْبُهُ إلَى مَنْ يَقْتُلُهُ كَأَمْرِهِ لَفْظًا فِيهِ تَرَدُّدٌ، الرَّاجِحُ مِنْهُ أَنَّهُ مِثْلُهُ نَظَرًا لِلْعُرْفِ
[فَرْعٌ أَمَرَ إنْسَانٌ عَبْدَهُ أَوْ عَبْدَ غَيْرِهِ الْمُمَيِّزَ بِقَتْلٍ أَوْ إتْلَافٍ]
(قَوْلُهُ: وَبِذِمَّتِهِ إنْ كَانَ حُرًّا) هَذَا مَحْمَلُ كَلَامِ الْأَصْلِ
[فَصْلٌ فِيمَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ وَمَا لَا يُبَاحُ بِهِ]