(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي التَّنَازُعِ)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأنصاري، زكريا
- الكتاب
- أسنى المطالب في شرح روض الطالب
- المؤلف
- زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
- عدد الأجزاء
- 4
- الناشر
- دار الكتاب الإسلامي
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومعه حاشية الرملي الكبير]
(مَتَى ادَّعَى) شَخْصٌ (عَلَى اثْنَيْنِ دَارًا) فِي يَدِهِمَا (فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا) فِي أَنَّ نَصِيبَهُ لَهُ، وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ (وَصَالَحَهُ) الْمُصَدِّقُ (بِمَالٍ فَلِلْمُكَذِّبِ الشُّفْعَةُ) فِيهَا، وَإِنْ مَلَكَاهَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ كَإِرْثٍ وَشِرَاءٍ مَعًا؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا فِي الظَّاهِرِ بِصِحَّةِ الصُّلْحِ، وَلَا يَبْعُدُ انْتِقَالُ مِلْكِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ، وَإِنْ مَلَكَا بِسَبَبٍ (إلَّا أَنْ صَدَرَ مِنْهُ) أَيْ الْمُكَذِّبِ (مَا يَقْتَضِي أَنَّ الشَّرِيكَ) الْمُصَدِّقَ (مَالِكٌ) لِنَصِيبِهِ (فِي الْحَالِ) فَلَا شُفْعَةَ لَهُ لِاعْتِرَافِهِ بِبُطْلَانِ الصُّلْحِ وَاسْتُشْكِلَ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ فِيمَا ذُكِرَ بِمَا يَأْتِي فِي الْإِيلَاءِ فِي دَارٍ بِيَدِ اثْنَيْنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا جَمِيعَهَا، وَالْآخَرُ نِصْفَهَا فَصَدَّقْنَا الثَّانِيَ بِيَمِينِهِ لِلْيَدِ ثُمَّ بَاعَ الْأَوَّلُ نَصِيبَهُ الثَّالِثَ، فَأَرَادَ الْآخَرُ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ، وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي مِلْكَهُ مِنْ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ وَيَمِينُهُ أَفَادَتْ نَفْيَ مَا يَدَّعِيهِ شَرِيكُهُ لَا إثْبَاتَ الْمِلْكِ لَهُ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ هُنَا لَمْ يُنْكِرْ مِلْكَ الْمُكَذِّبِ، وَهُنَاكَ أَنْكَرَهُ لَكَ مُدَّعِي النِّصْفِ فَلَيْسَ لِمُدَّعِيهِ الْأَخْذُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِمِلْكِهِ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الرِّفْعَةِ أَجَابَ بِذَلِكَ.
(وَإِنْ ادَّعَيَا عَلَيْهِ) أَيْ وَإِنْ ادَّعَى اثْنَانِ عَلَى ثَالِثٍ (مِلْكَ دَارٍ فِي يَدِهِ بِالْإِرْثِ أَوْ الشِّرَاءِ) مَثَلًا (مَعًا فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِنِصْفِهَا اشْتَرَكَا) أَيْ الْمُدَّعِيَانِ (فِيهِ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَوْرُوثِ وَالْمُشْتَرِي مُشْتَرِكٌ فَالْخَالِصُ مِنْهُ مُشْتَرَكٌ كَمَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ، وَبَقِيَ بَعْضُهُ (لَا إنْ كَانَا ادَّعَيَا) مَعَ ذَلِكَ (الْقَبْضَ) لَهُ بِأَنْ قَالَا: وَرِثْنَاهُ أَوْ اشْتَرَيْنَاهُ مَعًا، وَقَبَضْنَاهُ ثُمَّ غَصَبْنَاهُ فَلَا مُشَارَكَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَصَلَ فِي يَدِهِمَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا قَابِضًا لِحَقِّهِ، وَانْقَطَعَ حَقُّهُ عَمَّا فِي يَدِ الْآخَرِ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَيَاهُ وَتَعَرَّضَا لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ أَوْ أَطْلَقَا نَعَمْ إنْ رُوجِعَ الْمُقِرُّ لَهُ فِي الْأَخِيرَةِ فَادَّعَى اتِّحَادَهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ ادَّعَاهُ مَعَ صَاحِبِهِ أَوَّلًا قَالَهُ الْإِمَامُ قَالَ: وَلَوْ اشْتَرَيَاهُ دَفْعَتَيْنِ فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ فَإِنَّ الشِّرَاءَ يَتَمَيَّزُ عَنْ الشِّرَاءِ تَمْيِيزَ الشِّرَاءِ عَنْ الْهِبَةِ، وَالتَّمْيِيزُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ وَيُقَاسُ بِمَا قَالَهُ الْإِرْثُ فَلَفْظَةُ مَعًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رَاجِعَةٌ إلَى الْإِرْثِ وَالشِّرَاءِ، وَالتَّصْرِيحُ بِهَا فِي الْإِرْثِ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَالْعِبْرَةُ فِي اتِّحَادِ الْإِرْثِ بِاتِّحَادِ الْمُورَثِ وَفِي اتِّحَادِ الشِّرَاءِ بِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَإِنْ قَالَا: اتَّهَبْنَا مَعًا وَقَبَضْنَا مَعًا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ كَالْإِرْثِ.
وَالثَّانِي لَا مُشَارَكَةَ (وَحَيْثُ شَرِكْنَا) بَيْنَ الِاثْنَيْنِ (فَصَالَحَهُ) أَيْ الثَّالِثُ (الْمُصَدَّقُ بِإِذْنِ الْمُكَذَّبِ) بِفَتْحِ ثَالِثِهِمَا بِمَالٍ (صَحَّ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ (بَطَلَ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ) الْمُكَذَّبِ (وَتَفَرَّقَتْ الصَّفْقَةُ، وَإِنْ أَقَرَّ) الثَّالِثُ (لِأَحَدِهِمَا بِالْكُلِّ وَقَدْ اعْتَرَفَ الْمُقِرُّ لَهُ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا) كَمَا قَالَ
[حاشية الرملي الكبير]
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي التَّنَازُعِ] ِ) (قَوْلُهُ: وَاسْتُشْكِلَ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ فِيمَا ذُكِرَ بِمَا يَأْتِي فِي الْإِيلَاءِ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُنْكِرَ هَاهُنَا مُعْتَرِفٌ لِلْمُقِرِّ بِالنِّصْفِ، وَمِنْ لَازِمِ اعْتِرَافِهِ بِصِحَّةِ الصُّلْحِ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ بِلَازِمِ قَوْلِهِ الثَّانِي: أَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ هَا هُنَا قَدْ حَصَلَ ضِمْنًا؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلصُّلْحِ وَحُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ بِخِلَافِ مَنْ فِي يَدِهِ الدَّارُ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ اعْتِرَافٌ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ هُنَاكَ إلَى تَصْدِيقِ الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ فِي الصُّلْحِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِيَ النِّصْفَ الَّذِي فِي يَدِ الْمُكَذِّبِ لِثَالِثٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ وَبَطَلَ بِمُقْتَضَى دَعْوَاهُ أَنْ يَكُونَ لِثَالِثٍ انْحَصَرَ الْمِلْكُ فِي الْمُكَذِّبِ بِلَازِمِ قَوْلِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَكْلِيفُ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمِلْكِ لِيَأْخُذَ مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ بِخِلَافِهِ هُنَاكَ لَمْ يَعْتَرِفْ بِانْحِصَارِ الْمِلْكِ لِلْآخَرِ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِثَالِثٍ (قَوْلُهُ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الرِّفْعَةِ أَجَابَ بِذَلِكَ) هَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا يَتَمَشَّى فِي صُورَةِ إقْرَارِ الْمُشْتَرِي بِصِدْقِ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ عَلَيْهِ دُونَ تَعَرُّضٍ فِي إقْرَارِهِ لِنَصِيبِ شَرِيكِهِ أَمَّا فِي صُورَةِ إقْرَارِهِ بِاسْتِحْقَاقِ الْمُدَّعِي مَا ادَّعَاهُ بِكَمَالِهِ فَقَدْ أَجَابَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ إرْشَادِهِ بِالْفَرْقِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الصُّلْحِ إنَّمَا ثَبَتَ لِلْبَائِعِ الْمِلْكُ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي وَبِشِرَائِهِ تَعَلَّقَ حَقُّ الشَّرِيكِ بِالشُّفْعَةِ فَلَا يُصْلَحُ إقْرَارُهُ الْمُثْبِتُ لِمِلْكِ الْبَائِعِ الَّذِي يَسْتَنِدُ إلَيْهِ الشِّرَاءُ أَنْ يَكُونَ مُثْبِتًا حَقًّا لَهُ فِي دَفْعِ الشُّفْعَةِ لِتَنَافِيهِمَا وَإِنَّمَا يَسْتَوِي الْمَعْنَيَانِ لَوْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِ الْمُقِرِّ
(قَوْلُهُ أَوْ الشِّرَاءِ مَثَلًا) وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ وَسَتَأْتِي مَسْأَلَةُ الدَّيْنِ فِي آخِرِ الشَّرِكَةِ (قَوْلُهُ وَالتَّصْرِيحُ بِهَا فِي الْإِرْثِ مِنْ زِيَادَتِهِ) عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَإِنْ قَالَا اشْتَرَيْنَا مَعًا (قَوْلُهُ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ كَالْإِرْثِ) أَيْ فَلَا يُشَارِكُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَحَذَفَهَا الْمُصَنِّفُ: لِأَنَّ أَصْلَهُ إنَّمَا ذَكَرَهَا لِبَيَانِ الْخِلَافِ وَكَتَبَ أَيْضًا إلْحَاقَ الْهِبَةِ بِالشِّرَاءِ وَالْإِرْثِ نَازَعَ فِيهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَقَالَ: أَمَّا الْهِبَةُ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى فِيهَا إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ، فَإِنْ صَحَّ إجْرَاءُ الْخِلَافِ فِي الْمُشَارَكَةِ فِيهَا كَانَ بِلَا شَكٍّ مُفَرَّعًا عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ فِي الْإِرْثِ وَالْبَيْعِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْمُشَارَكَةِ أَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ الْمُشَارَكَةِ فَلَا يَظْهَرُ إلْحَاقُ الْهِبَةِ بِهِمَا بَلْ يَجْزِمُ عِنْدَ نِسْبَتِهِمَا الْمِلْكَ إلَى هِبَةٍ وَاحِدَةٍ بِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ لَا جَرَمَ كَانَتْ طَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَاضِي تَخْصِيصَ مَحَلِّ الْخِلَافِ فِي الْمُشَارَكَةِ بِحَالَةِ عَدَمِ اعْتِرَافِهِمَا بِالْقَبْضِ وَالْجَزْمِ فِي حَالَةِ الِاعْتِرَافِ بِالْقَبْضِ بِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ فِيهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذِكْرِ الْهِبَةِ لِوُضُوحِ حُكْمِهَا مِمَّا ذَكَرُوهُ اهـ وَلَعَلَّ هَذَا سَبَبُ حَذْفِ الْمُصَنِّفُ لَهَا
الْكُلُّ بَيْنَنَا (شَارَكَهُ) فِيهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ الْمُقِرُّ لَهُ بِذَلِكَ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى دَعْوَى النِّصْفِ (أَخَذَ الْجَمِيعَ إنْ صَدَقَ الْمُقِرُّ بَعْدَ الْإِقْرَارِ) بِالْكُلِّ (وَلَا يَضُرُّ اقْتِصَارُهُ عَلَى دَعْوَى النِّصْفِ أَوَّلًا) فَلَعَلَّهُ إنَّمَا ادَّعَاهُ لِكَوْنِ الْبَيِّنَةِ لَا تُسَاعِدُهُ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ يَخَافُ الْجُحُودَ الْكُلِّيَّ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ تَصْدِيقُ الْمُقِرِّ لَهُ الْمُقِرَّ هُنَا مَعَ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْإِقْرَارِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إلَّا عَدَمُ تَكْذِيبِهِ لَهُ لِأَنَّ دَعْوَاهُ مَعَ الْآخَرِ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا النِّصْفَ فَاعْتُبِرَ تَصْدِيقُهُ لِرَفْعِ ذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي النِّصْفِ) الْآخَرِ (بَلْ أَقَرَّ بِهِ لِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ) صَاحِبَهُ لِتَعَيُّنِهِ لَهُ بِإِسْقَاطِ الْآخَرِينَ حَقَّهُمَا مَعَ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ (وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ لَهُ) أَيْ لِصَاحِبِهِ أَيْضًا (بِهِ وَقَفَ النِّصْفُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْإِقْرَارِ.
(وَإِنْ تَدَاعَيَا جِدَارًا بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا (وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِجِدَارِ أَحَدِهِمَا) اتِّصَالًا لَا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ بَعْدَ بِنَاءِ جِدَارِهِ بِأَنْ اتَّصَلَ بِهِ (اتِّصَالَ تَدَاخُلٍ) لِنِصْفِ لَبِنَاتٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ (فِي جَمِيعِ السَّمْكِ) الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا (أَوْ) كَانَ لَهُ عَلَيْهِ (أَزَجٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالزَّايِ وَبِالْجِيمِ أَيْ عَقْدٌ (قَدْ أُمِيلَ مِنْ أَصْلِهِ) قَلِيلًا قَلِيلًا (أَوْ بَنَى) الْجِدَارَ الَّذِي بَيْنَهُمَا (عَلَى خَشَبَةٍ طَرَفُهَا فِي مِلْكِهِ) أَيْ مِلْكِ أَحَدِهِمَا (فَالْيَدُ لَهُ) عَلَيْهِ وَعَلَى الْخَشَبَةِ الْمَذْكُورَةِ لِظُهُورِ أَمَارَةِ الْمِلْكِ بِذَلِكَ فَيَحْلِفُ وَيُحْكَمُ لَهُ بِالْمِلْكِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ، وَلَوْ كَانَ الْجِدَارُ مَبْنِيًّا عَلَى تَرْبِيعِ أَحَدِ الْمِلْكَيْنِ زَائِدًا، أَوْ نَاقِصًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مِلْكِ الْآخَرِ فَهُوَ كَالْمُتَّصِلِ بِجِدَارِ أَحَدِهِمَا اتِّصَالًا لَا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ كَمَا ذُكِرَ بِأَنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْ جِدَارَيْهِمَا، أَوْ مُتَّصِلًا بِهِمَا اتِّصَالًا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ أَوْ لَا يُمْكِنُ أَوْ مُتَّصِلًا بِأَحَدِهِمَا اتِّصَالًا لَا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ بِأَنْ وُجِدَ الِاتِّصَالُ فِي بَعْضِهِ، أَوْ أُمِيلَ الْأَزَجُ الَّذِي عَلَيْهِ بَعْدَ ارْتِفَاعِهِ أَوْ بَنَى الْجِدَارَ عَلَى خَشَبَةٍ طَرَفَاهَا فِي مِلْكَيْهِمَا (فَلَهُمَا) الْيَدُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ فَقَوْلُهُ.
(وَلَوْ اتَّصَلَ بِجِدَارَيْهِمَا فَهُوَ فِي يَدِهِمَا، وَكَذَا إنْ لَمْ يَتَّصِلْ) تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ، وَلَعَلَّهُمَا نُسْخَتَانِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَإِلَّا حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يَسْلَمُ لَهُ، فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا جُعِلَ الْجِدَارُ بَيْنَهُمَا بِظَاهِرِ الْيَدِ، وَإِنْ حَلَفَ مَنْ اُبْتُدِئَ بِيَمِينِهِ، وَنَكَلَ الْآخَرُ حَلَفَ الْأَوَّلُ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ، وَقُضِيَ لَهُ بِالْكُلِّ، وَإِنْ نَكَلَ الْأَوَّلُ وَرَغِبَ الثَّانِي فِي الْيَمِينِ فَقَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ يَمِينُ النَّفْيِ لِلنِّصْفِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْأَوَّلُ، وَيَمِينُ الْإِثْبَاتِ لِلنِّصْفِ الَّذِي ادَّعَاهُ هُوَ فَيَكْفِيهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ يَجْمَعُ فِيهَا النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ فِي الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ (وَلَا تَرْجِيحَ بِالنَّقْشِ) بِظَاهِرِ الْجِدَارِ كَالصُّورَةِ وَالْكِتَابَاتِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ جِصٍّ أَوْ آجُرٍّ أَوْ غَيْرِهِ (وَالطَّاقَاتِ) وَالْمَحَارِيبِ الَّتِي بِبَاطِنِهِ (وَالْجُذُوعِ وَتَوْجِيهِ الْبِنَاءِ) أَيْ جَعْلِ أَحَدِ جَانِبَيْهِ وَجْهًا كَأَنْ يُبْنَى بِلَبِنَاتٍ مُقَطَّعَةٍ وَتُجْعَلُ الْأَطْرَافُ الصِّحَاحُ إلَى جَانِبٍ وَمَوْضِعُ الْكَسْرِ إلَى جَانِبٍ (وَمَعَاقِدُ الْقِمْطِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ، وَبِضَمِّهِمَا لَكِنَّهُ بِضَمِّهِمَا جَمْعُ قِمَاطٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَعْنَى الْقِمْطِ، وَهُوَ حَبْلٌ رَقِيقٌ يُشَدُّ بِهِ الْجَرِيدُ وَنَحْوُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُرَجَّحْ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْجِدَارِ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ عَلَامَةٌ قَوِيَّةٌ فِي الِاشْتِرَاكِ فَلَا يُغَيَّرُ بِأَسْبَابٍ ضَعِيفَةٍ مُعْظَمُ الْقَصْدِ بِهَا الزِّينَةُ كَالتَّحْصِيصِ وَالتَّزْوِيقِ وَلِأَنَّ الْجُذُوعَ تُشْبِهُ الْأَمْتِعَةَ فِيمَا لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ دَارًا بِيَدِهِمَا، وَلِأَحَدِهِمَا فِيهَا أَمْتِعَةٌ، فَإِذَا حَلَفَا بَقِيَتْ الْجُذُوعُ بِحَالِهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا وُضِعَتْ بِحَقٍّ مِنْ إعَارَةٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ قَضَاءِ قَاضٍ يَرَى الْإِجْبَارَ عَلَى الْوَضْعِ، وَاَلَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْهَا الْإِعَارَةُ؛ لِأَنَّهَا أَضْعَفُ الْأَسْبَابِ فَلِمَالِكِ الْجِدَارِ قَلْعُ الْجُذُوعِ بِالْأَرْشِ أَوْ الْإِبْقَاءُ بِالْأُجْرَةِ
(وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ فِي سَقْفٍ لَا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ) بَعْدَ بِنَاءِ الْعُلُوِّ (كَالْأَزَجِ) الَّذِي لَا يُمْكِنُ عَقْدُهُ عَلَى وَسَطِ الْجِدَارِ بَعْدَ امْتِدَادِهِ فِي الْعُلُوِّ (فَالْيَدُ لِلْأَسْفَلِ) عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ أَمْكَنَ إحْدَاثُهُ بِأَنْ يَكُونَ السَّقْفُ عَالِيًا فَيَنْقُبُ وَسَطَ الْجِدَارِ، وَتُوضَعُ رَأْسُ الْجُذُوعِ فِي النَّقْبِ (فَلَهُمَا) الْيَدُ عَلَيْهِ لِمَا مَرَّ فِي الْجِدَارِ (أَوْ) تَنَازَعَا (فِي الدِّهْلِيزِ أَوْ الْعَرْصَةِ فَمِنْ الْبَابِ إلَى الْمَرْقَى) مُشْتَرَكٌ (بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَدًا وَتَصَرُّفًا بِالِاسْتِطْرَاقِ، وَوَضْعُ الْأَمْتِعَةِ وَغَيْرِهَا (وَالْبَاقِي لِلْأَسْفَلِ) لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ يَدًا وَتَصَرُّفًا (وَالسُّلَّمُ) الْكَائِنُ (فِي الْمَرْقَى) أَيْ مَوْضِعِ الرُّقِيِّ (لِلْأَعْلَى وَلَوْ لَمْ يُسَمَّرْ) لِعَوْدِ مَنْفَعَتِهِ إلَيْهِ، وَمَا قَالَهُ فِيمَا إذَا لَمْ يُسَمَّرْ هُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً قَضَى لَهُ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْيَدِ، وَتَكُونُ الْعَرْصَةُ لَهُ تَبَعًا عَلَى الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يُسَلِّمُ لَهُ) أَيْ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِإِثْبَاتِهِ لَهُ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ النَّصِّ وَقَالَا: إنَّهُ الْمَذْهَبُ (قَوْلُهُ: وَنَكَلَ الْآخَرُ) أَيْ عَنْ يَمِينِ الْإِثْبَاتِ أَوْ النَّفْيِ أَوْ عَنْهُمَا (قَوْلُهُ فَيَكْفِيهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ يَجْمَعُ فِيهَا النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ إلَخْ) فَيَحْلِفُ أَنَّ الْجَمِيعَ لَهُ، وَلَا حَقَّ لِصَاحِبِهِ فِيهِ، أَوْ يَقُولُ: لَا حَقَّ لَهُ فِي النِّصْفِ الَّذِي يَدَّعِيهِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرِ لِي (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْجُذُوعَ تُشْبِهُ الْأَمْتِعَةَ إلَخْ) يُخَالِفُ التَّرْجِيحَ بِالْجِدَارِ عَلَى الْأُسِّ فِي الْأَظْهَرِ بِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْمِلْكِ وَالْيَدِ، وَتَرْجِيحُ رَاكِبِ الدَّابَّةِ عَلَى الْآخِذِ بِلِجَامِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ بِاقْتِضَاءِ الرُّكُوبِ الْيَدَ بِخِلَافِ وَضْعِ الْجُذُوعِ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يُجَوِّزُهُ قَهْرًا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ فِي سَقْفٍ إلَخْ) لَوْ انْهَدَمَ السَّقْفُ الْحَامِلُ وَلَمْ يَبِنْ مَوْضِعُهُ مِنْ الْبِنَاءِ، وَكَانَ ارْتِفَاعُ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ عِشْرِينَ ذِرَاعًا مَثَلًا فَقَالَ صَاحِبُ السُّفْلِ: ارْتِفَاعُهُ مِنْ جِهَةِ السُّفْلِ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَارْتِفَاعُ الْعُلُوِّ خَمْسٌ وَادَّعَى عَكْسَهُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ قَالَ الرُّويَانِيُّ فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ السُّفْلِ مِنْ أَسْفَلِ الْجِدَارِ خَمْسًا وَلِصَاحِبِ الْعُلُوِّ مِنْ أَعْلَاهُ خَمْسًا وَاخْتَلَفَا فِي الْعَشَرَةِ الْوُسْطَى فَيَحْلِفَانِ وَتُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، وَيُجْعَلُ السَّقْفُ فِي وَسَطِ الْبِنَاءِ عَلَى السَّوَاءِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي بِنَاءِ السَّقْفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا فَيَخْتَصَّ بِبِنَائِهِ، وَلَوْ تَنَازَعَا فِي حِيطَانِ السُّفْلِ الَّتِي عَلَيْهَا الْغُرْفَةُ فَالْمُصَدَّقُ صَاحِبُ السُّفْلِ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ أَوْ فِي حِيطَانِ الْغُرْفَةِ فَالْمُصَدَّقُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ فِي الْجِدَارِ) وَلِشَرِكَةِ الِانْتِفَاعِ فَإِنَّهُ أَرْضُ الْأَعْلَى وَسَمَاءُ الْأَسْفَلِ
عَنْ الْأَكْثَرِينَ، وَنَقَلَ عَنْ ابْنِ خَيْرَانَ أَنَّهُ لِلْأَسْفَلِ كَسَائِرِ الْمَنْقُولَاتِ قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَهُوَ الْوَجْهُ فَإِنْ كَانَ غَيْرُ الْمُسَمَّرِ فِي بَيْتٍ لِلْأَسْفَلِ فَهُوَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي غُرْفَةٍ لِلْأَعْلَى فَفِي يَدِهِ (وَالْبَيْتُ) الَّذِي (تَحْتَ الدَّرَجَةِ) أَيْ دَرَجَةِ السُّلَّمِ (بَيْنَهُمَا فَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ مَوْضِعُ حُبٍّ) بِضَمِّ الْحَاءِ أَيْ خَابِيَةٍ (أَوْ جَرَّةٍ فَلِلْأَعْلَى) مَا قَالَهُ فِي الْبَيْتِ وَمَا بَعْدَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَا مُطَابِقَ لِأُصَلِّهِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ الْأَصْلُ فِيهِمَا إنَّمَا هُوَ فِي الْمَرْقَى حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمَرْقَى مُثَبَّتًا كَسُلَّمٍ مُسَمَّرٍ فَلِلْأَعْلَى لِعَوْدِ نَفْعِهِ إلَيْهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ مَبْنِيًّا إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ شَيْءٌ فَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ بَيْتٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا كَسَائِرِ السُّقُوفِ، أَوْ مَوْضِعِ حُبٍّ، أَوْ جَرَّةٍ فَلِلْأَعْلَى عَمَلًا بِالظَّاهِرِ مَعَ ضَعْفِ مَنْفَعَةِ الْأَسْفَلِ.
(كِتَابُ الْحَوَالَةِ) هِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا مِنْ التَّحَوُّلِ وَالِانْتِقَالِ يُقَالُ: حَالَتْ الْأَسْعَارُ إذَا انْتَقَلَتْ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَفِي الشَّرْعِ عَقْدٌ يَقْتَضِي نَقْلَ دَيْنٍ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ، وَتُطْلَقُ عَلَى انْتِقَالِهِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى أُخْرَى وَالْأَصْلُ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» بِإِسْكَانِ التَّاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَيْ فَلْيَحْتَلْ كَمَا رَوَاهُ هَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ وَلَهَا سِتَّةُ أَرْكَانٍ مُحِيلٌ وَمُحْتَالٌ وَمُحَالٌ عَلَيْهِ وَدَيْنٌ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحِيلِ وَدَيْنٌ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَصِيغَةٌ وَكُلُّهَا تُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ الْآتِي، وَإِنْ سَمَّى بَعْضَهَا شُرُوطًا (يُسْتَحَبُّ قَبُولُهَا عَلَى مَلِيءٍ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَصَرْفُهُ عَنْ الْوُجُوبِ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ وَخَبَرُ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَيُشْبِهُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي اسْتِحْبَابِ قَبُولِهَا عَلَى مَلِيءٍ كَوْنُهُ وَفِيًّا وَكَوْنُ مَالِهِ طَيِّبًا لِيُخْرِجَ الْمُمَاطَلَ، وَمَنْ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ (وَهِيَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ) وَلِهَذَا لَمْ يُعْتَبَرْ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ رِبَوِيَّيْنِ فَهِيَ بَيْعٌ؛ لِأَنَّهَا إبْدَالُ مَالٍ بِمَالٍ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ يَمْلِكُ بِهَا مَا لَمْ يَمْلِكْهُ قَبْلَهَا (لَا اسْتِيفَاءَ) لِحَقٍّ بِأَنْ يُقَدَّرَ أَنَّ الْمُحْتَالَ اسْتَوْفَى مَا كَانَ لَهُ عَلَى الْمُحِيلِ وَأَقْرَضَهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ
(وَشُرُوطُهَا ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ) لِأَنَّ لِلْمُحِيلِ إيفَاءَ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ شَاءَ فَلَا يَلْزَمُ بِجِهَةٍ، وَحَقُّ الْمُحْتَالِ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ فَلَا يَنْتَقِلُ إلَّا بِرِضَاهُ كَمَا فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ وَمَعْرِفَةِ رِضَاهُمَا بِالصِّيغَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَعَبَّرَ كَغَيْرِهِ هُنَا بِالرِّضَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَالِ الرِّضَا بِالْحَوَالَةِ وَتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ (لَا الْمُحَالُ عَلَيْهِ) فَلَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْحَقِّ وَالتَّصَرُّفِ كَالْعَبْدِ الْمَبِيعِ وَلِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُحِيلِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِالِاسْتِيفَاءِ (وَالرِّضَا) أَيْ الْمُرَادُ بِهِ (هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ) كَمَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْحَوَالَةِ بَلْ هُوَ أَوْ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ كَ نَقَلْتُ حَقَّك إلَى فُلَانٍ أَوْ جَعَلْت مَا أَسْتَحِقُّهُ عَلَى فُلَانٍ لَك أَوْ مَلَّكْتُك الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بِحَقِّك (وَقَوْلُهُ أَحِلْنِي كَقَوْلِهِ بِعْنِي) فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ وَظَاهِرُ الْخَبَرِ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ إنْ أَتْبَعْتُك عَلَى فُلَانٍ كَأَحَلْتُك عَلَيْهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَهَلْ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ إنْ رَاعَيْنَا اللَّفْظَ لَمْ تَنْعَقِدْ أَوْ الْمَعْنَى انْعَقَدَتْ كَالْبَيْعِ بِلَفْظِ السَّلَمِ، وَلَوْ قَالَ: أَحَلْتُك عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا، وَلَمْ يَقُلْ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَكَ عَلَيَّ فَهُوَ كِنَايَةٌ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَوَاخِرَ الْبَابِ وَصَرَّحَ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ بِتَصْحِيحِهِ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ) الْحَوَالَةُ (بِدَيْنٍ) مِثْلِيٍّ أَوْ مُتَقَوِّمٍ (لَازِمٍ) كَالثَّمَنِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ (يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ) وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ أَصْلُهُ بِكَوْنِهِ مُسْتَقِرًّا (أَوْ) بِدَيْنٍ (أَصْلُهُ اللُّزُومُ) كَالثَّمَنِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَلَا تَصِحُّ بِالْعَيْنِ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا بَيْعُ دَيْنٍ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ كَسَائِرِ الْمَنْقُولَاتِ) يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِمَا مَرَّ مِنْ التَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ مَا قَالَهُ فِي الْبَيْتِ، وَمَا بَعْدَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَا مُطَابِقٌ لِأَصْلِهِ) هُوَ صَحِيحٌ وَمُطَابِقٌ لِأَصْلِهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَالْبَيْتِ مَجْرُورٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَرْقَى، وَقَوْلُهُ: تَحْتَ الدَّرَجَةِ حَالٌ مِنْ الْبَيْتِ وَفِيهِ إقَامَةُ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ وَقَوْلُهُ بَيْنَهُمَا خَبَرُ قَوْلِهِ السُّلَّمُ الْمُقَدَّرُ فَصَارَ تَقْدِيرُهُ وَالسُّلَّمُ فِي الْبَيْتِ حَالَ كَوْنِ الْبَيْتِ تَحْتَهُ بَيْنَهُمَا، وَقَوْلُهُ فَلِلْأَعْلَى خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَائِدٍ عَلَى الدَّرَجَةِ
[كِتَابُ الْحَوَالَةِ]
(كِتَابُ الْحَوَالَةِ) (قَوْلُهُ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» ) أَيْ فَيَفْسُقُ بِهِ إذَا تَكَرَّرَ (قَوْلُهُ بِإِسْكَانِ التَّاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ) أَوْ بِتَشْدِيدِهَا فِي الثَّانِي (قَوْلُهُ: وَيُشْبِهُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ) كَمَا جُوِّزَ الْقَرْضُ مَعَ كَوْنِهِ بَيْعَ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ تَقَابُضٍ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا لَمْ يُعْتَبَرْ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ إلَخْ) وَلَا تَجُوزُ فِيهَا الْإِقَالَةُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ وَكَذَلِكَ الْقَمُولِيُّ وَالسُّبْكِيُّ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ فَنَقَلَ جَوَازَهَا فِيهَا عَنْ كَافِي الْخُوَارِزْمِيَّ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: الْحَوَالَةُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ، وَلَوْ فُسِخَتْ لَا تَنْفَسِخُ، وَقَوْلُهُ كَمَا جَزْم بِهِ الرَّافِعِيُّ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: لَا اسْتِيفَاءَ لِحَقٍّ) قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: إنَّ التَّفْرِيعَ عَلَى قَوْلِ الْبَيْعِ لَمْ أَرَهُ مُسْتَمِرًّا فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ وَصَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ وَقَالَ: إنَّ مِنْ تَأَمَّلَ مَسَائِلَ الْبَابِ عَرَفَ أَنَّ التَّفْرِيعَ عَلَى قَوْلِ الْبَيْعِ لَا يَسْتَمِرُّ.
[شُرُوط الْحَوَالَةِ]
(قَوْلُهُ الْأَوَّلُ رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ) قَدْ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا لَوْ كَانَ شَخْصٌ وَلِيَّ طِفْلَيْنِ وَثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ فَأَحَالَ الْوَلِيَّ بِالدَّيْنِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى طِفْلِهِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَالَهُ الْمَرْعَشِيُّ، وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْحَظُّ فِيهِ فَلَوْ كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُعْسِرًا أَوْ كَانَ بِالدَّيْنِ رَهَنَ أَرْضَ مَنْ لَمْ يُجِزْ ع وَقَوْلُهُ: قَالَ الْمَرْعَشِيُّ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ إلَخْ (قَوْلُهُ: إنْ رَاعَيْنَا اللَّفْظَ لَمْ تَنْعَقِدْ) هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ بِاللَّفْظِ لَا بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ فَهُوَ كِنَايَةٌ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَوَاخِرَ الْبَابِ إلَخْ) كَلَامُهُمْ ثَمَّ مُصَرِّحٌ بِصَرَاحَتِهِ مَا لَمْ يَنْوِ بِهِ غَيْرَهَا، وَإِنْ حَكَى الْخُوَارِزْمِيَّ فِيهَا وَجْهَيْنِ وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ: أَحَلْتُك عَلَى فُلَانٍ هَلْ تَنْعَقِدُ وَكَالَةً وَجْهَانِ أَشْبَهَهُمَا الْمَنْعُ.
(قَوْلُهُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ بِدَيْنٍ لَازِمٍ) فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهَا أَعْيَانٌ وَتَصِحُّ عَلَى الْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْبَارِزِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ (قَوْلُهُ: يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ إلَخْ) فَلَوْ كَانَ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ غَيْرَ جَائِزٍ بِأَنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ عَنْهُ قَبْلَ التَّقَابُضِ كَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ إذَا كَانَ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ كَمَا إذَا بَاعَ نَقْدًا بِنَقْدٍ فِي الذِّمَّةِ فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ وَلَا عَلَيْهِ وَكَذَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا كَمَا سَيَأْتِي أَنَّ
بِدَيْنٍ وَلَا بِالدَّيْنِ قَبْلَ ثُبُوتِهِ وَلَا بِدَيْنٍ غَيْرِ لَازِمٍ، وَلَا أَصْلُهُ اللُّزُومُ كَدَيْنِ الْجَعَالَةِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَلَا بِمَا لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ كَدَيْنِ السَّلَمِ كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَلَا تَصِحُّ بِدَيْنِ السَّلَمِ، وَلَا عَلَيْهِ، وَتَصِحُّ بِثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ يُقْبَضْ) بِأَنْ يُحِيلَ بِهِ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى ثَالِثٍ (وَعَلَيْهِ) بِأَنْ يُحِيلَ الْبَائِعُ غَيْرَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي (وَلَوْ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ، وَالْخِيَارُ عَارِضٌ فِيهِ فَيُعْطَى حُكْمَ اللُّزُومِ، وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ اسْتِقْرَارِهِ بِمَعْنَى أَنَّا لَا نَأْمَنُ انْفِسَاخَ الْعَقْدِ فِيهِ بِتَلَفِ مُقَابِلِهِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِاسْتِقْرَارِهِ هُنَا الْأَمْنَ مِنْ ذَلِكَ بَلْ جَوَازَ بَيْعِهِ
(وَيَبْطُلُ الْخِيَارُ فِي الْحَوَالَةِ بِالثَّمَنِ) لِتَرَاضِي عَاقِدِيهَا؛ وَلِأَنَّ مُقْتَضَاهَا اللُّزُومُ فَلَوْ بَقِيَ الْخِيَارُ فَاتَ مُقْتَضَاهَا (وَكَذَا) فِي الْحَوَالَةِ (عَلَيْهِ) يَبْطُلُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ لِرِضَاهُ بِهَا وَلِمُقْتَضَاهَا السَّابِقِ (لَا فِي حَقِّ مُشْتَرٍ لَمْ يَرْضَ) بِهَا فَإِنْ رَضِيَ بِهَا بَطَلَ فِي حَقِّهِ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ الْخِيَارُ فِيمَا ذُكِرَ، وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَاسْتُشْكِلَ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبَائِعَ إذَا أَحَالَ فَقَدْ أَجَازَ فَوَقَعَتْ الْحَوَالَةُ مُقَارِنَةً لِلْمِلْكِ، وَذَلِكَ كَافٍ، فَإِنْ قُلْت: هَذَا يُشْكِلُ بِامْتِنَاعِ بَيْعِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ الْمُعَيَّنَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ لَهُ قُلْت: لَمَّا تَوَسَّعُوا فِي بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ تَوَسَّعُوا فِي بَيْعِهِ فِيمَا ذُكِرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ (فَإِنْ فَسَخَ) الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ فِي زَمَنِ خِيَارِهِ (بَطَلَتْ) لِارْتِفَاعِ الثَّمَنِ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ، وَكَأَنَّهُ قَاسَهُ عَلَى مَا فَرَّعَهُ الْأَصْلُ عَلَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ بُطْلَانِ الْخِيَارِ فِيمَا ذُكِرَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِعُمُومِ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى الثَّمَنِ لَا تَبْطُلُ بِالْفَسْخِ إلَّا أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَاكَ الْفَسْخُ بِالْخِيَارِ، وَهُوَ بَعِيدٌ.
(وَتَصِحُّ) حَوَالَةُ الْمُكَاتِبِ سَيِّدَهُ (بِمَالِ الْكِتَابَةِ) لِوُجُودِ اللُّزُومِ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ فَيَتِمُّ الْغَرَضُ مِنْهَا وَلِصِحَّةِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ لَكِنْ جَرَى الْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ فَتَشْكُلُ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ بِهِ بِعَدَمِ صِحَّتِهَا بِدَيْنِ السَّلَمِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ لِلْعِتْقِ، وَفَرَّقَ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا احْتَالَ بِمَالُ الْكِتَابَةِ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ أَنْ يَصِيرَ الدَّيْنُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَبَضَهُ قَبْلَ التَّعْجِيزِ فَوَاضِحٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ الْمُكَاتَبِ، وَصَارَ بِالتَّعْجِيزِ لِلسَّيِّدِ بِخِلَافِ دَيْنِ السَّلَمِ قَدْ يَنْقَطِعُ الْمُسْلَمُ فِيهِ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَصِلَ الْمُحْتَالُ إلَى حَقِّهِ (لَا) حَوَالَةُ السَّيِّدِ غَيْرَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ فَلَا تَصِحُّ لِعَدَمِ لُزُومِهِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ؛ إذْ لَهُ إسْقَاطُهُ فَلَا يُمْكِنُ إلْزَامُهُ الدَّفْعَ لِلْمُحْتَالِ (وَلَوْ أَحَالَ) السَّيِّدُ (بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ عَلَى مُكَاتَبِهِ جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ بِخِلَافِ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِهَا حَيْثُ قَالَ - نَقْلًا عَنْ الْمُتَوَلِّي -: إنْ قُلْنَا بِبَقَاءِ دَيْنِ الْمُعَامَلَةِ لَوْ عَجَّزَ نَفْسَهُ صَحَّتْ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ أَحَالَ الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ جَازَ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (وَالْحَوَالَةُ بِإِبِلِ الدِّيَةِ وَعَلَيْهَا لَا تَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ) بِصِفَاتِهَا (وَلَا) تَصِحُّ الْحَوَالَةُ (لِلسَّاعِي) وَلَا لِلْمُسْتَحِقِّ (بِالزَّكَاةِ) مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ وَلَا عَكْسُهُ وَإِنْ تَلِفَ النِّصَابُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ (لِامْتِنَاعِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهَا وَلَا) الْحَوَالَةُ فِي (الْجَعَالَةِ) بِدَيْنِهَا أَوْ عَلَيْهِ (قَبْلَ التَّمَامِ) لِلْعَمَلِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ دَيْنِهَا حِينَئِذٍ بِخِلَافِهِ بَعْدَ التَّمَامِ (فَرْعٌ) لَوْ (أَحَالَ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ) الْحَوَالَةُ (وَلَوْ رَضِيَ) بِهَا لِعَدَمِ الِاعْتِيَاضِ؛ إذْ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَجْعَلُهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّ الْمُحْتَالِ (فَإِنْ تَطَوَّعَ) بِأَدَاءِ دَيْنِ الْمُحِيلِ (كَانَ قَاضِيًا دَيْنَ غَيْرِهِ وَهُوَ جَائِزٌ) .
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ جِنْسًا وَقَدْرًا وَحُلُولًا وَتَأْجِيلًا وَصِحَّةً وَتَكَسُّرًا وَجَوْدَةً وَرَدَاءَةً) وَلَوْ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيِّ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ لَيْسَتْ عَلَى حَقِيقَةِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُعَاوَضَةُ إرْفَاقٍ جُوِّزَتْ لِلْحَاجَةِ فَاعْتُبِرَ فِيهَا الِاتِّفَاقُ كَمَا فِي الْقَرْضِ وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِاتِّفَاقِهِمَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْحَوَالَةِ بِإِبِلِ الدِّيَةِ، وَعَلَيْهَا فَلَوْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدَهُمَا لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ، وَإِنْ اتَّفَقَ الدَّيْنَانِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِمَا
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلَهُ: وَلَوْ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) إنَّمَا تَصِحُّ إذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ كَذَا قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ح (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ) أَيْ بِنَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ فَسَخَ بَطَلَتْ) قَالَ الْمُصَنِّفُ إذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ صَحَّتْ الْحَوَالَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ الَّذِي لَهُ فِي ذِمَّتِهِ بِالدَّيْنِ الَّذِي لِلْمُشْتَرِي فِي ذِمَّةِ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْمُشْتَرِي بَاعَ الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ فِي ذِمَّةِ الْأَجْنَبِيِّ بِالثَّمَنِ الَّذِي لِلْبَائِعِ فِي ذِمَّتِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ لِلْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمَا وَلِأَنَّ تَرَاضِيهِمَا عَلَى الْحَوَالَةِ اخْتِيَارٌ لِإِمْضَاءِ الْعَقْدِ أَمَّا إذَا أَحَالَ الْبَائِعُ أَجْنَبِيًّا عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ فَحَوَالَتُهُ عَلَيْهِ تَقَعُ إجَازَةً وَبَيْعًا عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُشْتَرِي فِي الْخِيَارِ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْمُشْتَرِي لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ ثَابِتٍ حَالَ الْبَيْعِ نَعَمْ إنْ أَذِنَ لَهُ الْمُشْتَرِي صَحَّتْ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا إذَا أَذِنَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي فِي بَيْعِ الْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِهِ هَذَا مُقْتَضَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا قُلْنَا: إنَّ الْحَوَالَةَ مُعَاوَضَةٌ فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ التَّصَرُّفِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، وَحُكْمُ الثَّمَنِ حُكْمُ الْمَبِيعِ اهـ قُلْت: وَهَذَا حُكْمُ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي الْعَزِيزِ وَالرَّوْضَةِ لَكِنَّهُمَا حَكَمَا بِأَنَّ الْبَيْعَ إجَازَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَهَا هُنَا فِي الْحَوَالَةِ ذَكَرُوا خِلَافًا فِي كَوْنِهَا إجَازَةً وَنَقَلَا عَنْ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إجَازَةً بَلْ لَوْ اتَّفَقَ فَسْخُ الْبَيْعِ انْقَطَعَتْ الْحَوَالَةُ، وَهُوَ مُبَايِنٌ لِمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ فَرَّعَ أَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ اهـ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا نَقَلَاهُ عَنْ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ لَمْ يُصَرِّحَا بِتَرْجِيحِهِ بَلْ قَالَا عَقِبَهُ: إنَّ مَنْقُولَ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ وَاخْتِيَارَهُ بُطْلَانَ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْحَوَالَةِ اللُّزُومُ فَلَوْ بَقِيَ الْخِيَارُ فَاتَ مُقْتَضَاهَا اهـ وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِتَرْجِيحِهِمَا أَنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعٌ، وَأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ الْمُشْتَرِي إجَازَةٌ فَلْيَكُنْ هُوَ الرَّاجِحَ عِنْدَهُمَا أَنَّ (قَوْلُهُ وَهُوَ بَعِيدٌ) لَيْسَ بِبَعِيدٍ لِمَا عَلَّلُوا بِهِ مِنْ أَنَّهَا إنَّمَا صَحَّتْ لِإِفْضَاءِ الْبَيْعِ إلَى اللُّزُومِ فَإِنْ لَمْ يُفْضِ إلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ قَالَا نَقْلًا عَنْ الْمُتَوَلِّي إنْ قُلْنَا إلَخْ) يُرَدُّ بِأَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَبْقَ لَهُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ عَلَى مُكَاتَبِهِ دَيْنٌ (قَوْلُهُ وَلِامْتِنَاعِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهَا) وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَاعْتُبِرَ أَدَاؤُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ
بِحَالِ الْعِوَضَيْنِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُهُمَا فِي الرَّهْنِ، وَلَا فِي الضَّمَانِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بَلْ لَوْ أَحَالَهُ بِدَيْنٍ أَوْ عَلَى دَيْنٍ بِهِ رَهْنٌ أَوْ ضَامِنٌ انْفَكَّ الرَّهْنُ، وَبَرِئَ الضَّامِنُ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَالْقَبْضِ بِدَلِيلِ سُقُوطِ حَبْسِ الْمَبِيعِ وَالزَّوْجَةِ فِيمَا إذَا أَحَالَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَالزَّوْجُ بِالصَّدَاقِ، وَيُفَارِقُ الْمُحْتَالُ الْوَارِثَ فِي نَظِيرِهِ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَارِثَ خَلِيفَةُ مُورَثِهِ فِيمَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الْحُقُوقِ (وَلَوْ شَرَطَ) الْعَاقِدُ فِي الْحَوَالَةِ (رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا) مِنْ الْمُحِيلِ أَوْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَسْقُطَ حَقُّ الْمُحْتَالِ بِقَبْضٍ أَوْ غَيْرِهِ (جَازَ) هَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعُ عَيْنٍ بِدَيْنٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ كَمَا مَرَّ، وَعَلَيْهِ فَالْأَقْرَبُ - كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ - عَدَمُ جَوَازِ ذَلِكَ، وَبِهِ جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ.
(فَصْلٌ الْمُحِيلُ يَبْرَأُ بِالْحَوَالَةِ) عَنْ دَيْنِ الْمُحْتَالِ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ يَبْرَأُ عَنْ دَيْنِ الْمُحِيلِ (وَيَلْزَمُ الدَّيْنَ) الْمُحَالَ بِهِ (الْمُحَالُ عَلَيْهِ) لِلْمُحْتَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ فَائِدَةُ الْحَوَالَةِ، وَتَعْبِيرُهُ بِاللُّزُومِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالتَّحَوُّلِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي - ظَاهِرًا - كَوْنَهَا بَيْعًا، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ غَيْرُ الَّذِي كَانَ لَهُ وَالتَّحَوُّلُ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوَّلَ بَاقٍ بِعَيْنِهِ لَكِنْ تَغَيَّرَ مَحَلِّهِ (فَإِنْ أَفْلَسَ) الْمُحَالُ عَلَيْهِ (أَوْ مَاتَ) مُفْلِسًا (أَوْ جَحَدَ) الْحَوَالَةَ أَوْ دَيْنَ الْمُحِيلِ وَحَلَفَ (فَلَا رُجُوعَ) لِلْمُحْتَالِ (عَلَى الْمُحِيلِ) كَمَا لَا رُجُوعَ لَهُ فِيمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا، وَغَبَنَ فِيهِ، أَوْ أَخَذَ عِوَضًا عَنْ دَيْنِهِ، وَتَلِفَ عِنْدَهُ، وَلِأَنَّهُ أَوْجَبَ فِي الْخَبَرِ اتِّبَاعَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، أَوْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لَمَا كَانَ لِذِكْرِ الْمُلَاءَةِ فِي الْخَبَرِ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَصِلْ إلَى حَقِّهِ رَجَعَ بِهِ فَعُلِمَ بِذَكَرِهَا أَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ انْتِقَالًا لَا رُجُوعَ بِهِ وَأَنَّ فَائِدَةَ ذِكْرِهَا حِرَاسَةُ الْحَقِّ لَا يُقَالُ بَلْ فَائِدَتُهُ عَدَمُ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَى غَيْرِ الْمَلِيءِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ تِلْكَ صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: مِنْ فَوَائِدِهِ عَدَمُ نَدْبِ قَبُولِهَا حِينَئِذٍ، وَيُفَارِقُ عَدَمُ رُجُوعِهِ هُنَا رُجُوعَهُ فِيمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا، وَأَفْلَسَ بِالثَّمَنِ بِأَنَّ الْعَلَقَةَ ثَمَّ بَاقِيَةٌ فِي الثَّمَنِ وَهُنَا لَا عَلَقَةَ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَلَوْ قَبِلَ الْمُحْتَالُ الْحَوَالَةَ بِغَيْرِ اعْتِرَافٍ بِالدَّيْنِ كَانَ قَبُولُهُ مُتَضَمِّنًا لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ فَيُؤَاخَذُ بِذَلِكَ لَوْ أَنْكَرَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ، وَهَلْ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُحِيلِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَرَاءَتَهُ فِيهِ وَجْهَانِ انْتَهَى وَأَوْجَهُهُمَا نَعَمْ (فَإِنْ شَرَطَ) فِي الْحَوَالَةِ (الرُّجُوعَ بِذَلِكَ) أَيْ بِشَيْءٍ مِنْهُ (لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ) لِاقْتِرَانِهَا بِشَرْطٍ يُخَالِفُ مُقْتَضَاهَا، وَقِيلَ: تَصِحُّ، وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَسَبَقَهُ إلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ (وَلَوْ بَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُعْسِرًا فَلَا خِيَارَ) لِلْمُحْتَالِ لِمَا مَرَّ (وَلَوْ شُرِطَ يَسَارُهُ) إذْ لَوْ اخْتَارَ عِنْدَ الشَّرْطِ لَاخْتَارَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْإِعْسَارَ نَقْصٌ فِي الذِّمَّةِ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ، وَكَذَا لَا خِيَارَ لَهُ (إنْ بَانَ) الْمُحَالُ عَلَيْهِ (عَبْدًا لِغَيْرِهِ) أَيْ الْمُحِيلِ كَمَا لَوْ بَانَ مُعْسِرًا (بَلْ يُطَالِبُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ) وَإِنْ بَانَ عَبْدًا لَهُ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ قَبْلَ مِلْكِهِ لَهُ لِسُقُوطِهِ عَنْهُ بِمِلْكِهِ
(فَرْعٌ لَوْ صَالَحَهُ) أَيْ الْمُدَّعِيَ (أَجْنَبِيٌّ مِنْ دَيْنٍ عَلَى عَيْنٍ ثُمَّ جَحَدَهُ) أَيْ الْأَجْنَبِيُّ الصُّلْحَ قَبْلَ قَبْضِهَا وَحَلَفَ (رَجَعَ) الْمُدَّعِي (عَلَى صَاحِبِهِ) إنْ فُسِخَ الصُّلْحُ كَنَظِيرِهِ فِي الْبَيْعِ وَيُفَارِقُ الْحَوَالَةَ بِأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا صَارَ مَقْبُوضًا قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُصَالِحَهُ لِقَطْعِ النِّزَاعِ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا إذَا اعْتَرَفَ الْأَجْنَبِيُّ فَإِنْ صَالَحَهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ ابْتِيَاعُ دَيْنٍ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَعَنْدَ النَّوَوِيِّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي الْبَيْعِ أَمَّا إذَا صَالَحَهُ مِنْ دَيْنٍ عَلَى دَيْنٍ فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ بِغَيْرِ حَوَالَةٍ
[فَرْعٌ فُسِخَ الْعَقْدُ بِعَيْبٍ أَوْ إقَالَة أَوْ تَحَالُفٍ وَقَدْ أُحِيلَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ]
(فَرْعٌ وَإِنْ فُسِخَ الْعَقْدُ) أَيْ عَقْدُ الْمَبِيعِ بِعَيْبٍ أَوْ إقَالَةٍ أَوْ تَحَالُفٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَقَدْ أُحِيلَ) الْبَائِعُ (بِالثَّمَنِ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ) لِارْتِفَاعِ الثَّمَنِ بِانْفِسَاخِ الْعَقْدِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْفَسْخُ بَعْدَ قَبْضِ الْمَبِيعِ وَمَالِ الْحَوَالَةِ أَوْ قَبْلَهُ (وَعَادَ الثَّمَنُ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي، وَيَرُدُّهُ الْبَائِعُ إلَيْهِ إنْ كَانَ قَدْ قَبَضَهُ) وَهُوَ بَاقٍ (أَوْ بَدَلَهُ إنْ تَلِفَ) فَلَا يَرُدُّهُ إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَإِنْ رَدَّهُ إلَيْهِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَقَدْ قَبَضَهُ الْبَائِعُ بِإِذْنِهِ فَإِذَا لَمْ يَقَعْ عَنْ الْبَائِعِ يَقَعُ عَنْهُ وَيَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِيمَا قَبَضَهُ الْبَائِعُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ حَتَّى لَا يَجُوزَ إبْدَالُهُ إنْ بَقِيَتْ عَيْنُهُ وَإِبْرَاءُ الْبَائِعِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَبِهِ جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ) عِبَارَةُ الْأَنْوَارِ السَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُعَلَّقًا وَلَا مُوَقَّتًا وَلَا مَشْرُوطًا بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ أَوْ ضَمِينٍ أَوْ خِيَارٍ، وَإِلَّا فَيَبْطُلُ اهـ الْأَصَحُّ مَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ إذْ شَرْطُ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ سَائِغٌ لِعِوَضٍ فِي الذِّمَّةِ، وَقَدْ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْكِفَايَةِ: لَوْ احْتَالَ عَلَى شَخْصٍ بِشَرْطِ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ رَهْنًا أَوْ يَكُونَ بِهِ ضَامِنٌ فَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ، أَوْ إرْفَاقٌ، فَإِنْ قُلْنَا: بَيْعٌ صَحَّ، وَإِلَّا بَطَلَ الشَّرْطُ، وَفِي بُطْلَانِ الْحَوَالَةِ وَجْهَانِ اهـ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَمُولِيُّ وَعِبَارَةُ جَامِعِ الْمُخْتَصَرَاتِ وَلَوْ شَرَطَ رَهْنًا أَوْ ضَامِنًا وَجَعَلَتْ بَيْعًا صَحَّ اهـ فَالْجَوَازُ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَعَدَمِهِ فِي اشْتِرَاطِهِ عَلَى الْمُحِيلِ؛ إذْ الدَّيْنُ الْمَرْهُونُ بِهِ أَوْ الْمَضْمُونُ لَيْسَ عَلَيْهِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا.
[فَصْلٌ الْمُحِيلُ يَبْرَأُ بِالْحَوَالَةِ عَنْ دَيْنِ الْمُحْتَالِ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ يَبْرَأُ عَنْ دَيْنِ الْمُحِيلِ]
(قَوْلُهُ فَإِنْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ مَاتَ مُفْلِسًا إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: مَا ذَكَرُوهُ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْحَقُّ لِلْمُحْتَالِ أَمَّا لَوْ كَانَ لِغَيْرِهِ وَهُوَ يَتَصَرَّفُ عَلَيْهِ بِوِلَايَةٍ فَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ بَانَ فَسَادُهَا، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: بَلْ تَدُومُ الصِّحَّةُ وَلَكِنْ يَضْمَنُ الْوَلِيُّ لِتَقْصِيرِهِ كَمَا لَوْ أَقْرَضَ مَالَ الطِّفْلِ مِنْ غَيْرِ مَلِيءٍ وَجَوَّزْنَاهُ (قَوْلُهُ فَلَا رُجُوعَ عَلَى الْمُحِيلِ) ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَنْفَسِخُ بِفَسْخِهِمَا أَمَّا إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّ الْمُحِيلَ قَبَضَ مِنْهُ دَيْنَهُ قَبْلَ الْحَوَالَةِ فَإِنَّ الْمُحْتَالَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ (قَوْلُهُ: وَأَوْجَهُهُمَا نَعَمْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَسَبَقَهُ إلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ) وَهُوَ الْوَجْهُ (قَوْلُهُ لِسُقُوطِهِ عَنْهُ بِمِلِكِهِ) قَالَ شَيْخُنَا أَيْ لِسُقُوطِ الدَّيْنِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْحَوَالَةِ لَوْ قِيلَ بِصِحَّتِهَا مَعَ تَبَيُّنِ كَوْنِهِ مِلْكًا لَهُ أَمَّا الدَّيْنُ الثَّابِتُ فِي ذِمَّةِ الرَّقِيقِ فَلَا يَسْقُطُ بِمِلْكِ رَبِّ الدَّيْنِ لَهُ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا فُسِخَ الْعَقْدُ وَقَدْ أُحِيلَ بِالثَّمَنِ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ؛ لِأَنَّهَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ نَوْعُ إرْفَاقٍ وَمُسَامَحَةٍ فَإِذَا بَطَلَ الْأَصْلُ بَطَلَتْ هَيْئَةُ الْإِرْفَاقِ التَّابِعَةُ لَهُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِمُكَسَّرَةٍ وَتَطَوَّعَ بِأَدَاءِ الصِّحَاحِ ثُمَّ رَدَّهُ بِعَيْبٍ فَإِنَّهُ بِتَرَدُّدِ الصِّحَاحِ (قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ) وَقَدْ أَفَادَهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ
مِنْ الدَّيْنِ قَبْلَ الْفَسْخِ كَقَبْضِهِ لَهُ فِيمَا ذُكِرَ فَلِلْمُشْتَرِي مُطَالَبَتُهُ بِمِثْلِ الْمُحَالِ بِهِ (وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ فَلَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ) ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي (فَإِنْ قَبَضَهُ ضَمِنَ) فَلَا يَقَعُ قَبْضُهُ عَنْ الْمُشْتَرِي لِعَدَمِ الْحَوَالَةِ وَالْوَكَالَةِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْبِضُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ بِخِلَافِ مَا إذَا فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ وَالْوَكَالَةُ فَإِنَّ التَّصَرُّفَ يَصِحُّ لِبَقَاءِ الْإِذْنِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي التَّصَرُّفِ عَنْ الْإِذْنِ، وَإِذْنُهُ بَاقٍ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ فِي قَبْضِ الْبَائِعِ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ الْإِذْنِ، وَقَدْ ارْتَفَعَ بِمَا ذُكِرَ، وَالتَّصْرِيحُ بِالضَّمَانِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَإِنْ أَحَالَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ) عَلَى الْمُشْتَرِي (لِثَالِثٍ) بِزِيَادَةِ اللَّامِ أَيْ ثَالِثًا ثُمَّ فُسِخَ الْعَقْدُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ (لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ) وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْمُحْتَالُ مَالَهَا لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ بِخِلَافِهِ فِيمَا مَرَّ فَيَبْعُدُ ارْتِفَاعُهَا بِفَسْخٍ يَخْتَصُّ بِالْعَاقِدَيْنِ كَمَا لَا يَفْسَخُ لِذَلِكَ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ إذَا تَصَرَّفَ فِيهِ ثُمَّ فُسِخَ الْعَقْدُ (لَكِنْ لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ) بِالثَّمَنِ (إلَّا بَعْدَ التَّسْلِيمِ) أَيْ تَسْلِيمِهِ لِلْمُحْتَالِ (بَلْ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِطَلَبِ الْقَبْضِ) مِنْهُ (لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْبَائِعِ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ كَانَتْ الْحَوَالَةُ كَالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْقَبْضِ حَقِيقَةً لَا حُكْمًا، وَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ: بَلْ لَهُ مُطَالَبَتُهُ إلَى آخِرِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ.
(فَرْعٌ لَوْ أَحَالَهَا) زَوْجُهَا (بِصَدَاقِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ) قَبْلَهُ (بِرِدَّتِهَا أَوْ بِعَيْبٍ) أَوْ بِخُلْفِ شَرْطٍ (لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ) بِخِلَافِهَا فِيمَا مَرَّ فِيمَا لَوْ أُحِيلَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ أَثْبَتُ مِنْ غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا لَوْ زَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ إلَّا بِرِضَاهَا بِخِلَافِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ (وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ) مِنْ الصَّدَاقِ (إنْ طَلَّقَ أَوْ الْكُلِّ إنْ انْفَسَخَ) النِّكَاحُ.
(فَرْعٌ) لَوْ (أَحَالَ) الْبَائِعُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُشْتَرِي (بِثَمَنِ عَبْدٍ) بَاعَهُ مِنْهُ (فَتَصَادَقَ هُوَ وَالْمُشْتَرِي عَلَى حُرِّيَّتِهِ) إمَّا ابْتِدَاءً أَوْ بِزَعْمِ الْعَبْدِ أَنَّهُ حُرٌّ (لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ) لِتَعَلُّقِهَا بِثَالِثٍ فَلِلْمُحْتَالِ أَخْذُ الْمُحَالِ بِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي (وَيَرْجِعُ) الْمُشْتَرِي بِالْمَأْخُوذِ مِنْهُ عَلَى الْبَائِعِ بَعْدَ الْأَخْذِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِإِذْنِهِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْحَوَالَةُ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا، وَهُوَ مَتْرُوكٌ فِي نُسَخٍ اكْتِفَاءً بِمَا سَيَأْتِي (إلَّا إنْ صَدَّقَهُمَا الْمُحْتَالُ أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ) بِحُرِّيَّتِهِ فَتَبْطُلُ الْحَوَالَةُ بِمَعْنَى أَنَّهُ تَبَيَّنَ بُطْلَانُهُمْ؛ لِأَنَّهُ بَانَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ أَنْ لَا ثَمَنَ حَتَّى يُحَالَ بِهِ فَيُرَدَّ الْمُحْتَالُ مَا أَخَذَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَيَبْقَى حَقُّهُ كَمَا كَانَ، وَالْبَيِّنَةُ (لِلْعَبْدِ) بِأَنْ يُقِيمَهَا هُوَ (أَوْ) تَشْهَدَ (حِسْبَةٌ) وَمَحَلُّ إقَامَتِهِ لَهَا إذَا تَصَادَقَ الْعَاقِدَانِ بَعْدَ بَيْعِهِ بِأَنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي لِآخَرَ كَمَا صَوَّرَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ؛ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ إقَامَتُهُ لَهَا قَبْلَ بَيْعِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ بِتَصَادُقِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْ الْمُحْتَالُ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ، وَمِثْلُهُ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُقَامُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الْبَيْعِ (لَا لِلْعَاقِدَيْنِ) بِأَنْ يُقِيمَاهَا لِعَدَمِ تَصَوُّرِهَا مِنْهُمَا (لِأَنَّهُمَا كَذَبَاهَا بِالْبَيْعِ) . قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ خِلَافُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الَّذِي أَقَامَهَا صَرَّحَ بِمِلْكِ الْمَبِيعِ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَيْعِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الرُّويَانِيُّ خِلَافُ مَا قَالَهُ هُنَا وَكَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِي الدَّعَاوَى صَرِيحٌ فِيهِ انْتَهَى وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَذْكُرْ تَأْوِيلًا فَإِنْ ذَكَرَهُ كَأَنْ قَالَ أَعْتَقْته وَنَسَبْت أَوْ اشْتَبَهَ عَلَيَّ بِغَيْرِهِ فَيَنْبَغِي سَمَاعُهَا قَطْعًا كَنَظِيرِهِ فِيمَا لَوْ قَالَ: لَا شَيْءَ لِي عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ نَسَبَهُ، أَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدُ ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ وَغَيْرَهُ قَدْ بَحَثُوا ذَلِكَ (وَلَهُمَا تَحْلِيفُ الْمُحْتَالِ) إنْ كَذَّبَهُمَا وَلَا بَيِّنَةَ (يَمِينٍ) نَفَى (الْعِلْمَ) بِالْحُرِّيَّةِ فَبِقَوْلِ وَاَللَّهِ لَا أَعْلَمُ حُرِّيَّتَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ قَاعِدَةُ الْحَلِفِ عَلَى النَّفْيِ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَتَعْبِيرُهُمْ قَدْ يُوهِمُ تَوَقُّفَ الْحَلِفِ عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا وَالْمُوَافِقُ لِلْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَحْلِفُ لِمَنْ اسْتَحْلَفَهُ مِنْهُمَا أَمَّا الْبَائِعُ فَلِغَرَضِ بَقَاءِ مِلْكِهِ فِي الثَّمَنِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِغَرَضِ دَفْعِ الْمُطَالَبَةِ نَعَمْ إذَا حَلَفَهُ أَحَدُهُمَا فَهَلْ لِلثَّانِي تَحْلِيفُهُ أَيْضًا أَوْ لَا لِيَكُونَ خُصُومَتُهُمَا وَاحِدَةً فِيهِ نَظَرٌ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْأَوْجَهُ فِيمَا نَظَرٌ فِيهِ أَنَّ لِلثَّانِي تَحْلِيفَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فَإِنْ حَلَفَ بَقِيَتْ الْحَوَالَةُ فِي حَقِّهِ (فَلَوْ سَلَّمَ) لَهُ (الْمُشْتَرِي)
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ) وَهُوَ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ الثَّمَنُ فَلَمْ يَبْطُلُ حَقُّهُ بِفَسْخِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ الْبَائِعُ فِي الثَّمَنِ ثُمَّ رَدَّ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ بِعَيْبِهِ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ لَا يَبْطُلُ (قَوْلُهُ لَكِنْ لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ إلَّا بَعْدَ التَّسْلِيمِ) وَإِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ.
[فَرْعٌ أَحَالَهَا زَوْجُهَا بِصَدَاقِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَهُ]
(قَوْلُهُ: وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا) وَاقْتَضَى كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ تَرْجِيحَهُ، وَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ: إنَّهُ الْحَقُّ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ بَانَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ أَنْ لَا ثَمَنَ حَتَّى يُحَالَ بِهِ) وَكَذَا كُلُّ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ (قَوْلُهُ: وَالْبَيِّنَةُ لِلْعَبْدِ بِأَنْ يُقِيمَهَا هُوَ) مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ لَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ طَلَبُ الْمُحْتَالِ بِإِقَامَةِ الْعَاقِدَيْنِ الْبَيِّنَةَ يَأْتِي أَيْضًا فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالرِّقِّ حِينَ الْبَيْعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِلَا بَيِّنَةٍ وَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِبَيِّنَتِهِ صَرِيحًا فَهُوَ أَقْوَى مِنْ تَكْذِيبِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالدُّخُولِ فِي الْبَيْعِ فَإِنْ تَخَيَّلَ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى فَتُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ مَعَ التَّكْذِيبِ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ نَعَمْ تَصَوُّرُ الْمَسْأَلَةِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ صَغِيرًا حِينَ الْبَيْعِ أَوْ أَعْجَمِيًّا يَظُنُّ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى إنْسَانًا شِرَاءً فَاسِدًا مَلَكَهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمَا كَذَبَاهَا بِالْبَيْعِ) وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الضَّمَانِ: مَنْ أَقْدَمَ عَلَى عَقْدٍ كَانَ فِي ضِمْنِهِ الِاعْتِرَافُ بِوُجُودِ شُرُوطِهِ حَتَّى لَا تُسْمَعَ مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ وَغَيْرَهُ قَدْ بَحَثُوا ذَلِكَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَالْمُوَافِقُ لِلْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَحْلِفُ لِمَنْ اسْتَحْلَفَهُ مِنْهُمَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَمَّا الْبَائِعُ إلَخْ) سَمَاعُ دَعْوَى الْبَائِعِ عَلَى الْمُحْتَالِ بِمَاذَا فَإِنَّهُ بَعْدَ وُقُوعِ الْحَوَالَةِ غَيْرُ مُطَالَبٍ وَلَا حَقَّ لَهُ بِزَعْمِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي حَتَّى إذَا بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ رَجَعَ بِهِ، وَأَجَابَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّ الْبَائِعَ لَهُ إجْبَارُ مَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَى قَبْضِهِ عَلَى الصَّحِيحِ فَيُحْضِرُهُ إلَيْهِ وَيَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ قَبْضِهِ لِيَحْكُمَ بِبُطْلَانِ الْحَوَالَةِ بِحُرِّيَّةِ الْعَبْدِ الَّذِي أَحَالَ بِثَمَنِهِ (قَوْلُهُ فَلِغَرَضِ انْتِفَاءِ مِلْكِهِ) قَالَ شَيْخُنَا: هَذَا الْمَحَلُّ مِنْ إصْلَاحِ الْوَالِدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي أَصْلِ النُّسَخِ فَلِغَرَضِ بَقَاءٍ وَلَا مَعْنًى لَهُ (قَوْلُهُ أَوَّلًا لِكَوْنِ خُصُومَتِهِمَا وَاحِدَةً) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
مَا احْتَالَ بِهِ عَلَيْهِ (رَجَعَ) بِهِ (عَلَى الْبَائِعِ) ؛ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِإِذْنِهِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْحَوَالَةُ.
وَقَالَ الْبَغَوِيّ: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: ظَلَمَنِي الْمُحْتَالُ بِمَا أَخَذَهُ وَالْمَظْلُومُ لَا يَرْجِعُ إلَّا عَلَى ظَالِمِهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْجِيحِ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَكَذَا ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ (فَإِنْ نَكَلَ الْمُحْتَالُ) عَنْ الْيَمِينِ (حَلَفَ الْمُشْتَرِي) عَلَى الْحُرِّيَّةِ (وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ) بِالْمَعْنَى السَّابِقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَحْلِفُ وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَحْلِفُ وَيُوَجَّهُ بِمَا وَجَّهَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ صِحَّةَ دَعْوَاهُ عَلَى الْمُحْتَالِ مِنْ أَنَّ لَهُ إجْبَارَ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ عَلَى قَبْضِهِ عَلَى الصَّحِيحِ فَيُحْضِرُهُ لَهُ، وَيَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ قَبْضِهِ فَيَحْكُمُ بِبُطْلَانِ الْحَوَالَةِ بِالْحُرِّيَّةِ وَكَالْحُرِّيَّةِ فِيمَا ذُكِرَ جَمِيعُ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ هَذَا كُلُّهُ إذَا وَقَعَ التَّعَرُّضُ لِكَوْنِ الْحَوَالَةِ بِالثَّمَنِ وَإِلَّا (فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: الْحَوَالَةُ) عَلَى الْمُشْتَرِي (بِدَيْنٍ) آخَرَ لِي عَلَيْهِ (غَيْرَ الثَّمَنِ فَإِنْ أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي أَصْلَ الدَّيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) بِيَمِينِهِ (وَإِنْ صَدَّقَهُ وَأَنْكَرَ الْحَوَالَةَ) بِهِ (فَلَا عِبْرَةَ بِإِنْكَارِهِ) بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ الْمُحْتَالُ: الْحَوَالَةُ لَمْ تَكُنْ بِالثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ، وَالْعَاقِدَانِ يَدَّعِيَانِ فَسَادَهَا قَالَهُ الْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا
(فَصْلٌ) لَوْ (قَالَ) لَك مَنْ لَهُ عَلَيْك دَيْنٌ (أَحَلْتنِي) بِهِ عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا (فَقُلْت بَلْ وَكَّلْتُك) لِتَقْبِضَهُ لِي (فَالْقَوْلُ قَوْلُك) بِيَمِينِك؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَقَّيْنِ (وَكَذَا لَوْ قُلْت أَرَدْت الْوَكَالَةَ بِقَوْلِي أَحَلْتُك وَقَدْ قُلْت) أَحَلْتُك (بِمِائَةٍ) مَثَلًا لِذَلِكَ وَلِأَنَّك أَعْرَفُ بِإِرَادَتِك وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذَ أَنَّ أَحَلْتُك فِيمَا ذُكِرَ كِنَايَةٌ، وَقَدْ قَدَّمْته فَعَلَيْهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إرَادَةٌ فَلَا حَوَالَةَ وَلَا وَكَالَةَ (لَا إنْ قُلْت) أَحَلْتُك (بِالْمِائَةِ الَّتِي لَك عَلَيَّ) فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ هَذَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا حَقِيقَةَ الْحَوَالَةِ (فَلَوْ حَلَفْت) فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ (لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ) عَنْك سَوَاءٌ أَقَبَضَ أَمْ لَا فَلَهُ مُطَالَبَتُك بِحَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ وَكِيلًا فَظَاهِرٌ، أَوْ مُحْتَالًا فَقَدْ أَحَلْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَقِّهِ بِجَحْدِك وَحَلِفِك (وَمَنْعِ الْقَبْضِ) إنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ انْدَفَعَتْ وَصَارَ مَعْزُولًا عَنْ الْوَكَالَةِ بِإِنْكَارِهِ وَلَك مُطَالَبَةُ زَيْدٍ بِحَقِّك (فَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ بَرِئَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ) لِدَفْعِهِ إلَى وَكِيلٍ أَوْ مُحْتَالٍ (وَلَزِمَ) الْقَابِضَ (رَدُّ الْمَقْبُوضِ إلَيْك) إنْ كَانَ بَاقِيًا (فَإِنْ خَشِيَ امْتِنَاعَك مِنْ التَّسْلِيمِ) لَهُ (فَلَهُ) فِي الْبَاطِنِ (أَخْذُهُ وَجَحْدُك) لِأَنَّهُ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِك، وَهُوَ يَخْشَى ضَيَاعَهُ (وَلَوْ تَلِفَ) الْمَقْبُوضُ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْقَابِضِ (بِلَا تَفْرِيطٍ) مِنْهُ (لَمْ تُطَالِبْهُ) أَنْتَ إذْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (لِزَعْمِك الْوَكَالَةَ) وَالْوَكِيلُ أَمِينٌ (وَلَمْ يُطَالِبْك لِزَعْمِهِ الِاسْتِيفَاءَ أَوْ) تَلِفَ مَعَهُ (بِتَفْرِيطِ طَالِبَتِهِ) لِأَنَّهُ صَارَ ضَامِنًا (وَبَطَلَ حَقُّهُ) لِزَعْمِهِ اسْتِيفَاءَهُ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَإِنْ قُلْت: أَحَلْتُك) عَلَى زَيْدٍ (فَقَالَ) بَلْ (وَكَّلْتنِي) لَا قَبْضَ لَك مِنْهُ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) بِيَمِينِهِ سَوَاءٌ (جَرَى لَفْظُ الْحَوَالَةِ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَقَّيْنِ (فَإِنْ حَلَفَ) وَلَمْ يَقْبِضْ (طَالَبَك) بِحَقِّهِ (وَلَا يَسْقُطُ حَقُّك) عَنْ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ وَكِيلًا فَلَمْ يَقْبِضْ فَيَبْقَى حَقُّك أَوْ مُحْتَالًا فَقَدْ ظَلَمَك بِأَخْذِهِ مِنْك إنْ كَانَ قَدْ أَخَذَ وَمَا عَلَى زَيْدٍ حَقُّهُ فَلَكَ أَخْذُهُ عِوَضًا عَمَّا ظَلَمَك بِهِ وَقِيلَ يَسْقُطُ حَقُّك عَنْهُ؛ لِأَنَّك اعْتَرَفْت بِتَحَوُّلِ مَا عَلَيْهِ إلَى غَيْرِك، وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ (فَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَهُ) مِنْ زَيْدٍ (فَلَهُ أَخْذُهُ)
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ قَالَ لَك مَنْ لَهُ عَلَيْك دَيْنٌ أَحَلْتنِي بِهِ عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا فَقُلْت بَلْ وَكَّلْتُك لِتَقْبِضَهُ لِي]
قَوْلُهُ قَالَ: أَحَلْتنِي فَقُلْت بَلْ وَكَّلْتُك فَالْقَوْلُ قَوْلُك إلَخْ) لَوْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّ زَيْدًا أَحَالَنِي عَلَيْك فَإِنْ كَانَ زَيْدٌ حَاضِرًا وَجَبَ صِدْقُهُ وَتَسْلِيمُ الْمَالِ إلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ صُدِّقَ زَيْدٌ بِيَمِينِهِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمَدْيُونِ بِدَيْنِهِ، وَسَقَطَتْ مُطَالَبَةُ الْمُدَّعِي عَنْ زَيْدٍ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَإِنْ صَدَّقَهُ لَزِمَهُ التَّسْلِيمُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ فَإِذَا رَجَعَ الْغَائِبُ فَإِنْ صُدِّقَ الطَّالِبُ أَوْ كُذِّبَ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذُكِرَ، وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً وَأَخَذَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَائِبِ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ الْغَائِبُ دَيْنَ الْمُدَّعِي، وَالْحَوَالَةُ وَعَدَمُ الدَّيْنِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَالَ الْبَغَوِيّ فِي الْفَتَاوَى: وَلَوْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ عَشَرَةً، وَأَقَامَ بَيِّنَةً، أَوْ أَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَدَّيْتهَا فَقَالَ الْمُدَّعِي: لَمْ تَكُنْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَكَانَ لِي عَلَيْك عَشَرَةٌ أُخْرَى فَالْقَوْلُ لِلدَّافِعِ بِيَمِينِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَحَلْت عَلَيَّ زَيْدًا بِهَا فَقَالَ الْمُدَّعِي: تِلْكَ عَشَرَةٌ غَيْرُ هَذِهِ صُدِّقَ الْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَوَالَةَ إيفَاءٌ وَهُوَ مُنْكِرٌ أَنَّهُ أَحَالَهُ بِمَا يَدَّعِي، وَأَمَّا ثَمَّ فَإِنَّهُ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ أَخَذَ الْمَالَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤَدِّي فِي جِهَةِ الْأَدَاءِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَقَّيْنِ) وَلِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي صِفَةِ الْإِذْنِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْإِذْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فَكَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ وَسَوَاءٌ أَتَنَازَعَا فِي أَنَّ الصَّادِرَ لَفْظُ الْوَكَالَةِ أَوْ لَفْظُ الْحَوَالَةِ أَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الصَّادِرَ أَقَبْضُ مِنْ زَيْدٍ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّك أَعْرَفُ بِإِرَادَتِك) أَصْلُ الْوَجْهَيْنِ الْقَوْلَانِ فِيمَا إذَا قَدَّمَا فَرْقًا ثُمَّ اخْتَلَفَ هُوَ وَوَارِثُهُ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ، وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ كَذَلِكَ هُنَا الْأَصْلُ بَقَاءُ حَقِّ الْمُحِيلِ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلَفْظُ أَحَلْتُك حَقِيقَةٌ فِي التَّحَوُّلِ مُخْتَصَرُ الْكِفَايَةِ (قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إرَادَةٌ فَلَا حَوَالَةَ وَلَا وَكَالَةَ) قُدِّمْت أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْحَوَالَةِ حِينَئِذٍ، وَالِاحْتِمَالُ فِي قَوْلِهِ: أَحَلْتُك بِالْمِائَةِ أَوْ بِالْمِائَةِ الَّتِي لِي عَلَى عَمْرٍو فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَفْظُ الْحَوَالَةِ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْوَكَالَةُ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ وَالثَّانِي: لَفْظُ مِائَةٍ فَإِنَّهَا مُبْهَمَةٌ لَا تَتَعَيَّنُ لِلْمِائَةِ الَّتِي عَلَيْهِ بَلْ هِيَ صَالِحَةٌ لَهَا وَلِغَيْرِهَا عَلَى السَّوَاءِ، فَإِذَا أَرَادَ بِهَا غَيْرَهَا لَمْ يَنْتَظِمْ فِيهِ مَعْنَى الْحَوَالَةِ فَيَخْرُجُ عَنْ مَوْضُوعِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ بِمَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَجِدْ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ فَكَانَ كِنَايَةً فِي الْوَكَالَةِ (قَوْلُهُ: فَقَدْ أَحَلْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَقِّهِ إلَخْ) وَالْحَيْلُولَةُ مُوجِبَةٌ لِلضَّمَانِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ إنَّمَا اعْتَرَفَ بِبَرَاءَتِك فِي مُقَابَلَةِ مَا ثَبَتَ لَهُ عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ رَجَعَ إلَى حَقِّهِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ فِي نَظِيرِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَقَالَ فِي الْأُمِّ فِيمَا إذَا أَقَرَّ أَحَدُ الِابْنَيْنِ بِأَخٍ وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ: لَا يَثْبُتُ الْإِرْثُ وَقَاسَهُ عَلَى مَا لَوْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك هَذِهِ الدَّارَ بِأَلْفٍ وَأَنْكَرَ الْبَيْعَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْأَلْفَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَهَا فِي مُقَابَلَةِ مَا ثَبَتَ لَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ.
أَيْ تَمَلُّكُهُ (بِحَقِّهِ) إنْ كَانَ بَاقِيًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ مِلْكُهُ (وَإِنْ تَلِفَ) مَعَهُ (بِلَا تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ) ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ أَمِينٌ (أَوْ بِتَفْرِيطٍ ضَمِنَ وَتَقَاصَّا) أَيْ وَوَقَعَ بَيْنَهُمَا التَّقَاصُّ؛ لِأَنَّ لَك عَلَيْهِ مِثْلَ مَا لَهُ عَلَيْك.
(مَسَائِلُ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَابِ (لِلْمُحْتَالِ أَنْ يُحِيلَ) غَيْرَهُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَأَنْ (يَحْتَالَ) مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى مَدِينِهِ (وَكَذَا فُرُوعُهُ) أَيْ الْمُحْتَالِ أَوْ كُلٍّ مِنْهُ، وَمِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَلَوْ أَحَلْت زَيْدًا عَلَى عَمْرٍو فَأَحَالَ زَيْدٌ بَكْرًا عَلَى عَمْرٍو فَأَحَالَ بَكْرٌ آخَرَ عَلَى عَمْرٍو، أَوْ أَحَلْت زَيْدًا عَلَى عَمْرٍو فَأَحَالَهُ عَمْرٌو عَلَى بَكْرٍ فَأَحَالَهُ بَكْرٌ عَلَى آخَرَ أَوْ أَحَلْت زَيْدًا عَلَى عَمْرٍو ثُمَّ ثَبَتَ لِعَمْرٍو عَلَيْك مِثْلَ ذَلِكَ الدَّيْنِ فَأَحَالَ زَيْدًا عَلَيْك جَازَ (وَلَوْ أَقْرَضْتهمَا) أَيْ اثْنَيْنِ (مِائَةً) مَثَلًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسُونَ (وَتَضَامَنَا فَأَحَلْت بِهَا لِرَجُلٍ) بِزِيَادَةِ اللَّامِ أَيْ رَجُلًا عَلَيْهِمَا (عَلَى أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ جَازَ) وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مُطَالَبَةُ وَاحِدٍ فَلَا يَسْتَفِيدُ بِالْحَوَالَةِ زِيَادَةَ صِفَةٍ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا زِيَادَةَ فِي الْقَدْرِ، وَلَا فِي الصِّفَةِ، وَتَرْجِيحُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَمِمَّنْ رَجَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَقَوْلُهُ كَأَصْلِهِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْإِطْلَاقُ كَافٍ كَمَا صَوَّرَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَفِي الْأَصْلِ لَوْ أَحَالَك أَحَدُهُمَا بِالْمِائَةِ بَرِئَا جَمِيعًا أَوْ أَحَلْت عَلَى أَحَدِهِمَا بِهَا بَرِئَ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَالْقَبْضِ أَوْ أَحَلْت عَلَيْهِمَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْمُحْتَالُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ جَازَ، وَيَبْرَأُ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَّا ضَمِنَ انْتَهَى
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَلَوْ أَحَالَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِخَمْسِينَ فَهَلْ تَنْصَرِفُ إلَى الْأَصْلِيَّةِ أَوْ تُوَزَّعُ أَوْ يَرْجِعُ إلَى إرَادَةِ الْمُحِيلِ فَإِنْ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا صَرَفَهُ بِنِيَّتِهِ فِيهِ نَظَرٌ، وَفَائِدَتُهُ فِكَاكُ الرَّهْنِ الَّذِي بِأَحَدِهِمَا انْتَهَى، وَالْقِيَاسُ الرُّجُوعُ إلَى إرَادَتِهِ (وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ غَرِيمَهُ) الدَّائِنَ (أَحَالَ عَلَيْهِ فُلَانًا الْغَائِبَ سُمِعْت) وَسَقَطَتْ مُطَالَبَتُهُ لَهُ فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً صُدِّقَ غَرِيمُهُ بِيَمِينِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَهَلْ يُقْضَى بِهَا) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ (لِلْغَائِبِ) بِأَنْ ثَبَتَتْ بِهَا الْحَوَالَةُ فِي حَقِّهِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إلَى إقَامَةِ بَيِّنَةٍ (إنْ قَدَّمَ وَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ لَا؛ إذْ لَا يُقْضَى بِالْبَيِّنَةِ لِلْغَائِبِ، وَالثَّانِي وَهُوَ احْتِمَالٌ لِابْنِ الصَّبَّاغِ نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَدَّمَ يَدَّعِي عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَا الْمُحِيلِ وَهُوَ مُقِرٌّ لَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
.
(كِتَابُ الضَّمَانِ) هُوَ لُغَةً الِالْتِزَامُ وَشَرْعًا يُقَالُ: لِالْتِزَامِ حَقٍّ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ، أَوْ إحْضَارِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَوْ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ وَيُقَالُ لِلْعَقْدِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ وَيُسَمَّى الْمُلْتَزِمُ لِذَلِكَ ضَامِنًا وَضَمِينًا وَحَمِيلًا وَزَعِيمًا وَكَافِلًا وَكَفِيلًا وَصَبِيرًا وَقَبِيلًا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرَ أَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِأَنَّ الضَّمِينَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَمْوَالِ، وَالْحَمِيلُ فِي الدِّيَاتِ وَالزَّعِيمُ فِي الْأَمْوَالِ الْعِظَامِ وَالْكَفِيلُ فِي النُّفُوسِ وَالصَّبِيرُ فِي الْجَمِيعِ وَكَالضَّمِينِ فِيمَا قَالَهُ الضَّامِنُ وَكَالْكَفِيلِ الْكَافِلُ وَكَالصَّبِيرِ الْقَبِيلُ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالزَّعِيمُ لُغَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْحَمِيلُ لُغَةُ أَهْلِ مِصْرَ وَالْكَفِيلُ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: 40] وَقَوْلُهُ ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] وَكَانَ حِمْلُ الْبَعِيرِ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إذَا وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ ذَلِكَ كَخَبَرِ «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ وَخَبَرِ الْحَاكِمِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحَمَّلَ عَنْ رَجُلٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ» وَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: هَلْ تَرَكَ شَيْئًا، قَالُوا: لَا قَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ» وَذَكَرْت فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ مَا لَهُ بِهَذَا الْخَبَرِ تَعَلُّقٌ (وَفِيهِ بَابَانِ الْأَوَّلُ) مِنْهُمَا (فِي أَرْكَانِهِ وَهِيَ خَمْسَةٌ الْأَوَّلُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ)
[حاشية الرملي الكبير]
[مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِبَابِ الْحَوَالَة]
قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إلَخْ) وَإِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّهُ الصَّوَابُ (قَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ الرُّجُوعُ إلَى إرَادَتِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (تَنْبِيهٌ) لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفٌ فَقَالَ الْآخَرُ: لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ أَحَلْتُك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى فُلَانٍ عَلَى أَنَّكَ إذَا أَخَذْت مِنْهُ فَأَنْت مِنِّي بَرِيءٌ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَا يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا وَكَالَةٌ؛ إذْ لَا يَصِحُّ حَوَالَةً وَلَا هِبَةً فَإِذَا مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ وَإِنْ مَاتَ الْمُحِيلُ بَطَلَتْ وَلَوْ أَحَالَهُ عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ دَفَعَ الْمُحِيلُ الْمَالَ إلَى الْمُحْتَالِ صَحَّ قَضَاؤُهُ الدَّيْنَ عَنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي الْفَتَاوَى: لَوْ ادَّعَى عَشَرَةً، وَأَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَعْطَيْتُكَهَا فَقَالَ الْمُدَّعِي: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَانَتْ لِي عَلَيْك غَيْرَ هَذِهِ صُدِّقَ الدَّافِعُ بِيَمِينِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَحَلْت عَلَيَّ زَيْدًا بِهَا فَقَالَ: تِلْكَ عَشَرَةٌ غَيْرُ هَذِهِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَوَالَةَ إيفَاءٌ وَهُوَ مُنْكِرٌ أَنَّهُ أَخَذَ مَا يَدَّعِي، وَأَمَّا ثَمَّ فَهُوَ مُقِرٌّ أَنَّهُ أَخَذَ الْمَالَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤَدَّى فِي جِهَةِ الْأَدَاءِ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي) وَهُوَ احْتِمَالٌ لِابْنِ الصَّبَّاغِ تَابَعَهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَقَوْلُهُ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
[كِتَابُ الضَّمَانِ وَفِيهِ بَابَانِ]
[الْبَاب الْأَوَّل أَرْكَان الضَّمَان]
(كِتَابُ الضَّمَانِ) (قَوْلُهُ: وَشَرْعًا: يُقَالُ: لِالْتِزَامِ حَقٍّ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ) الضَّمَانُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ فَقَطْ وَهُوَ وَاضِحٌ ثَانِيهَا: يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَالْعَيْنِ كَمَا إذَا قَالَ: ضَمِنْت دَيْنَك عَلَى أَنْ أُؤَدِّيَهُ مِنْ هَذِهِ الْعَيْنِ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا ثَالِثُهَا: بِالْعَيْنِ فَقَطْ كَمَا إذَا قَالَ: ضَمِنْت دَيْنَك فِي هَذِهِ الْعَيْنِ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ قَالَ الْأَصْحَابُ: ذِمَّةُ الْمَيِّتِ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ ذِمَّتَهُ مُرْتَهَنَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ قَدْ خَرِبَتْ فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ صَلَاحِيَّةِ الْمُطَالَبَةِ فِي الدُّنْيَا لَا أَنَّهَا لَيْسَتْ صَالِحَةً لِلشَّغْلِ بِالدُّيُونِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا يَتَجَدَّدُ لَهَا الشَّغْلُ بِنَحْوِ رَدِّ مَبِيعٍ بِعَيْبٍ وَتَرَدِّي بَهِيمَةٍ فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا فِي مَحَلِّ عُدْوَانٍ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَوْلُهُ كَذَا صَرَّحَ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَشَارَ شَيْخُنَا إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ كَذَا جَزْمُ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَكَتَبَ عَلَيْهِ هُوَ الْأَصَحُّ وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ الرَّهْنِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَعَارَهُ عَيْنًا لِيَرْهَنَهَا عَلَى دَيْنِهِ صَحَّ وَكَانَ ضَمَانًا فِي رَقَبَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ الضَّمَانِ فِي الْعَيْنِ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى كا (قَوْلُهُ وَذَكَرْت فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ مَا لَهُ بِهَذَا الْخَبَرِ تَعَلُّقٌ) عِبَارَتُهُ
حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا (وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُ) لِجَوَازِ التَّبَرُّعِ بِأَدَاءِ دَيْنِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَمَعْرِفَتِهِ (فَيَصِحُّ) الضَّمَانُ (عَنْ الْمَيِّتِ) وَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ وَفَاءً لِخَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقِ (وَكَذَا) يَصِحُّ (عَمَّنْ لَمْ يَعْرِفْهُ) الضَّامِنُ وَلَوْ بِعَيْنِهِ لِمَا مَرَّ
(الرُّكْنُ الثَّانِي الْمَضْمُونُ لَهُ) وَهُوَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ (وَمَعْرِفَتُهُ) بِأَنْ يَعْرِفَ الضَّامِنُ عَيْنَهُ (شَرْطٌ) لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ تَشْدِيدًا وَتَسْهِيلًا، وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ وَكِيلِ الْمَضْمُونِ لَهُ كَمَعْرِفَتِهِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ بِخِلَافِهِ (لَا رِضَاهُ) لِأَنَّ الضَّمَانَ مَحْضُ الِالْتِزَامِ لَمْ يُوضَعْ عَلَى قَوَاعِدِ الْمُعَاقَدَاتِ (وَلَوْ ضَمِنَ أَوْ قَضَى) شَخْصٌ (دَيْنَ رَجُلٍ) أَيْ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ (بِإِذْنِهِ لَا بِغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ إذْنِهِ (لَزِمَ الْغَرِيمَ) وَهُوَ رَبُّ الدَّيْنِ (قَبُولُ الْمَالِ) الَّذِي يُؤَدِّيهِ لَهُ الشَّخْصُ الْمَذْكُورُ؛ لِأَنَّ مَا يُؤَدِّيهِ فِي حُكْمِ مِلْكِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلِلْغَرِيمِ أَنْ يَقْبَلَ، وَأَنْ يَمْتَنِعَ، وَلَهُ فِي صُورَةِ الضَّمَانِ أَنْ يُطَالِبَ الشَّخْصَ الْمَذْكُورَ، وَأَنْ يَتْرُكَهُ
(الرُّكْنُ الثَّالِثُ الضَّامِنُ وَشَرْطُهُ) لِيَصِحَّ ضَمَانُهُ (صِحَّةُ الْعِبَارَةِ وَأَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ) مِنْهُ وَالْقَيْدُ الثَّانِي يُغْنِي عَنْ الْأَوَّلِ فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ إلَّا السَّكْرَانَ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَا ضَمَانُ الْمُكْرَهِ، وَلَوْ رَقِيقًا بِإِكْرَاهِ سَيِّدٍ وَلَا ضَمَانُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَلَوْ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ كَمَا سَيَأْتِي وَإِذَا شَرَطَ ذَلِكَ (فَيَصِحُّ) الضَّمَانُ مِمَّنْ اتَّصَفَ بِهِ (وَلَوْ بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ وَكِتَابَتِهِ عِنْدَ الْقَرِينَة الْمُشْعِرَةِ) بِالضَّمَانِ وَإِنْ أَحْسَن الْإِشَارَة بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ إشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ، وَلَا كِتَابَةٌ تُشْعِرُ بِالْمُرَادِ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ ثُمَّ إنْ اخْتَصَّ بِفَهْمِ إشَارَتِهِ فَطِنُونَ فَهِيَ كِنَايَةٌ، وَإِلَّا فَصَرِيحَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ (وَكَذَا كِتَابَةُ نَاطِقٍ نَوَى) بِهَا الضَّمَانَ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ نَوَى مِنْ زِيَادَتِهِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّ كِتَابَةَ النَّاطِقِ كِنَايَةٌ، وَكِتَابَةُ الْأَخْرَسِ بِالْقَرِينَةِ صَرِيحَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(فَإِنْ قَالَ ضَمِنْت وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إنْ أَمْكَنَ صِبَاهُ) فِي الْأُولَى عِنْدَ ضَمَانِهِ (أَوْ سَبَقَ لَهُ جُنُونٌ) فِي الثَّانِيَةِ، وَأَمْكَنَ عِنْدَهُ بِأَنْ عُرِفَ مِنْهُ ذَلِكَ أَوْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، وَإِلَّا صُدِّقَ الْمَضْمُونُ لَهُ بِيَمِينِهِ، وَفَارَقَ مَا إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ ادَّعَى ذَلِكَ حَيْثُ صَدَّقَ الزَّوْجَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ قُبَيْلَ الصَّدَاقِ بِأَنَّ الْأَنْكِحَةَ يُحْتَاطُ فِيهَا غَالِبًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَقَعُ بِشُرُوطِهَا (وَيَصِحُّ ضَمَانُ سَكْرَانَ بِمُحَرَّمٍ) كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ (لَا بِمُبَاحٍ) كَالْمَجْنُونِ (وَلَا يَصِحُّ) الضَّمَانُ (مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَتَبَرُّعُهُ لَا يَصِحُّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ (وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْمُفْلِسِ فِي الذِّمَّةِ) كَشِرَائِهِ فِيهَا، وَيُطَالَبُ بِمَا ضَمِنَهُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ (وَالْمَرِيضُ إنْ ضَمِنَ) شَخْصًا (بِلَا إذْنٍ) مِنْهُ (فَمِنْ الثُّلُثِ) مُعْتَبَرٌ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ تَبَرُّعٌ كَمَا مَرَّ (أَوْ بِإِذْنٍ) مِنْهُ، وَوَجَدَ الضَّامِنُ مَرْجِعًا (فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ) مُعْتَبَرٌ (لَا يَرْجِعُ بِهِ) أَيْ لَا يَرْجِعُ وَارِثُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَالْمُوَافِقُ لِأَصْلِهِ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ أَيْ لِأَنَّ الضَّامِنَ يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْهُ النُّونُ وَالْهَاءُ مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ مَسْأَلَةَ الْمَرِيضِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ سَيَذْكُرُهَا مَعَ مَا لَهَا بِهِ تَعَلُّقٌ.
(فَرْعٌ لَوْ ضَمِنَ الْعَبْدُ) وَلَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ سَيِّدِهِ (لَمْ يَصِحَّ) ضَمَانُهُ
[حاشية الرملي الكبير]
امْتِنَاعُهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ شَفَاعَةٌ وَشَفَاعَتُهُ مَقْبُولَةٌ، وَنَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ قَالَ جَابِرٌ فِي رِوَايَتِهِ: كَانَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَفِي قِلَّةٍ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ الْفُتُوحَ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَنْ خَلَّفَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ خَلَّفَ كَلًّا أَوْ دَيْنًا فَكُلُّهُ إلَيَّ وَدَيْنُهُ عَلَيَّ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَى كُلِّ إمَامٍ بَعْدَك قَالَ: وَعَلَى كُلِّ إمَامٍ بَعْدِي» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَقَضِيَّتُهُ وُجُوبُ قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ الْمُعْسِرِ عَلَى كُلِّ إمَامٍ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَعِدَّاتِهِ بِدَلِيلِ قَضَائِهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَيُحْمَلُ الْخَبَرُ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَلَى تَأَكُّدِ نَدْبِ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ
ش (قَوْلُهُ بِأَنْ يَعْرِفَ الضَّامِنُ عَيْنَهُ) وَجْهُ الِاكْتِفَاءِ بِمَعْرِفَةِ عَيْنِهِ أَنَّ الظَّاهِرَ عِنْوَانُ الْبَاطِنِ فَيَظُنُّهُ بِهَا إنْ طَلَبَهُ لِلدَّيْنِ عَلَى وَجْهِ السُّهُولَةِ فَيَضْمَنُ أَوْ عَلَى وَجْهِ الشِّدَّةِ فَلَا يَضْمَنُ وَكَتَبَ أَيْضًا أَفَلَا تَكْفِي مَعْرِفَتُهُ نَسَبَهُ، وَبِهَذَا قَطَعَ فِي الْبَسِيطِ وَالْبَيَانِ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَالْمُعِينِ وَادَّعَى جَمَالُ الدِّينِ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَقِيلَ: مَعْرِفَةُ مُعَامَلَتِهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ قَاسِمٍ الْحَكَمِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عُجَيْلٍ وَإِسْمَاعِيلُ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ الرِّيمِيُّ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدِي؛ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي مُشَاهَدَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ مُعَامَلَتَهُ، وَقَوْلُهُ: وَبِهَذَا قَطَعَ فِي الْبَسِيطِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ وَكِيلِ الْمَضْمُونِ لَهُ كَمَعْرِفَتِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ الصِّحَّةُ وَأَحْكَامُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ اهـ وَبِهَا أَفْتَيْت وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّا إذَا قُلْنَا بِاشْتِرَاطِ رِضَا الْمَضْمُونِ لَهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَكْفِي رِضَا وَكِيلِهِ (قَوْلُهُ لَا رِضَاهُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مَحْضُ الْتِزَامٍ إلَخْ) فَيَصِحُّ مَعَ سُكُوتِهِ وَيَرْتَدُّ إنْ رَدَّهُ
(قَوْلُهُ: وَلَا ضَمَانُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ) وَلَوْ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُ إيجَابٌ مَالِيٌّ بِعَقْدٍ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ (قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّ كِتَابَةَ النَّاطِقِ كِنَايَةٌ إلَخْ) لَيْسَ ذَلِكَ قَضِيَّةَ كَلَامِ أَصْلِهِ، وَلَا كَلَامِهِ؛ إذْ مَعْنَى قَوْلِهِ عِنْدَ الْقَرِينَةِ الْمُشْعِرَةِ أَنْ يَكْتُبَ أَنَّهُ نَوَى بِهَا لِضَمَانٍ فَالْكِتَابَةُ كِنَايَةٌ، وَلَوْ مِنْ الْأَخْرَسِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَأَصْلِهِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ (قَوْلُهُ أَوْ مَجْنُونٍ) أَيْ أَوْ مُبَرْسَمٍ (قَوْلُهُ إنْ أَمْكَنَ صِبَاهُ فِي الْأُولَى) هَذَا إذَا كَانَ بُلُوغُهُ بِالِاحْتِلَامِ، فَإِنْ كَانَ بِالسِّنِّ رَجَعَ إلَى تَارِيخِ الْوِلَادَةِ فَإِنْ وَقَعَ فِيهِ نِزَاعٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الضَّامِنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ (قَوْلُهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ قُبَيْلَ الصَّدَاقِ) وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ ثَمَّ (قَوْلُهُ بِأَنَّ الْأَنْكِحَةَ) أَيْ وَنَحْوَهَا مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ، وَسَكَتُوا عَمَّا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ فَيُحْتَمَلُ إلْحَاقُهُ بِدَعْوَى الصِّبَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إقْدَامُهُ عَلَى الضَّمَانِ مُتَضَمِّنٌ لِدَعْوَاهُ الرُّشْدَ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ كَانَ سَفِيهًا بِخِلَافِ الصِّبَا، وَقَوْلُهُ: فَيُحْتَمَلُ إلْحَاقُهُ بِدَعْوَى الصِّبَا أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ إلَخْ) خَرَجَ بِهِ مَنْ سَفُهَ بَعْدَ رُشْدِهِ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ (قَوْلُهُ وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْمُفْلِسِ فِي الذِّمَّةِ) ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِمْ فِيهِ (قَوْلُهُ مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ مَسْأَلَةَ الْمَرِيضِ كَانَ أَوْلَى) هِيَ مَتْرُوكَةٌ فِي نُسَخٍ
لِأَنَّهُ إثْبَاتُ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ بِعَقْدٍ فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ، وَفَارَقَ صِحَّةَ خُلْعِ الْأَمَةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى الضَّمَانِ، وَالْأَمَةُ قَدْ تَحْتَاجُ إلَى الْخُلْعِ لِسُوءِ الْعِشْرَةِ (أَوْ بِإِذْنٍ) مِنْهُ (صَحَّ حَتَّى عَنْ السَّيِّدِ) لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ لِحَقِّهِ، وَقَدْ زَالَ بِالْإِذْنِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَهَلْ تُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ السَّيِّدِ قَدْرَ الدَّيْنِ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُتَّجَهُ اشْتِرَاطُهُ بِنَاءً عَلَى تَعَلُّقِهِ بِمَالِ السَّيِّدِ لَا بِذِمَّةِ الْعَبْدِ (لَا لَهُ) أَيْ لِسَيِّدِهِ أَيْ لَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مِنْ كَسْبِهِ، وَهُوَ لِسَيِّدِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ ضَمِنَ الْمُسْتَحِقُّ لِنَفْسِهِ، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ، وَكَلَامُهُ الْآتِي فِي صِحَّةِ ضَمَانِ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ (فَإِنْ عَيَّنَ السَّيِّدُ لِلْأَدَاءِ جِهَةً) كَكَسْبِ الْعَبْدِ أَوْ مَا فِي يَدِهِ لِلتِّجَارَةِ (تَعَيَّنَتْ) لِلْأَدَاءِ لِرِضَا السَّيِّدِ بِهَا (وَإِلَّا تَعَلَّقَ) غُرْمُ الضَّمَانِ (بِحَادِثِ كَسْبِهِ) أَيْ بِكَسْبِهِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْإِذْنِ لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَبِهِ (مَعَ مَالِ تِجَارَةٍ فِي يَدِهِ وَرِبْحِهَا) إنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِيهَا كَمَا فِي الْمَهْرِ، فَإِنْ قُلْت: لِمَ اعْتَبَرُوا فِي الْكَسْبِ هُنَا حُدُوثَهُ بَعْدَ الْإِذْنِ وَثَمَّ حُدُوثَهُ بَعْدَ النِّكَاحِ قُلْت لِأَنَّ الدَّيْنَ الْمَضْمُونَ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الضَّمَانِ فَعُلِّقَ بِمَا بَعْدَ الْإِذْنِ بِخِلَافِ الْمَهْرِ وَسَائِرِ مُؤَنِ النِّكَاحِ وَكَلَامُ الْأَصْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَعْيِينَ جِهَةِ الْأَدَاءِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ إذَا اتَّصَلَ بِالْإِذْنِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ كَذَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
(فَلَوْ كَانَ) الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ (مَدْيُونًا فَبِالْفَاضِلِ عَنْ) حُقُوقِ (الْغُرَمَاءِ) يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ (وَأُمُّ الْوَلَدِ) وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ (وَالْمُبَعَّضُ كَالْقِنِّ) فِيمَا ذُكِرَ، وَمَحَلُّهُ الْمُبَعَّضُ إذَا لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ أَوْ جَرَتْ وَضَمِنَ فِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ (فَإِنْ جَرَتْ مُهَايَأَةٌ صَحَّ) الضَّمَانُ (فِي نَوْبَةِ الْمُبَعَّضِ) وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ (وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْمُكَاتَبِ بِالْإِذْنِ) مِنْ سَيِّدِهِ (فَقَطْ) أَيْ لَا بِغَيْرِ إذْنِهِ كَمَا فِي سَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَوْقُوفُ فَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ: يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِعَدَمِ صِحَّةِ ضَمَانِهِ إذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ عِتْقُهُ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُوصَى بِرَقَبَتِهِ دُونَ مَنْفَعَتِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ كَالْقِنِّ لَكِنْ هَلْ الْمُعْتَبَرُ إذْنُ مَالِكِ الرَّقَبَةِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ يُلْتَفَتُ إلَى أَنَّ ضَمَانَ الْقِنِّ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِذِمَّتِهِ أَوْ بِكَسْبِهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ أَبَدًا فَلَا سَبِيلَ إلَى التَّعَلُّقِ بِكَسْبِهِ بِإِذْنِ مَالِكِ الرَّقَبَةِ بِمُفْرَدِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ إذْنُهُمَا جَمِيعًا أَوْ لَا يَصِحُّ انْتَهَى وَالْأَوْجَهُ اعْتِبَارُ إذْنِ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ بِنَاءً عَلَى الشِّقِّ الْأَخِيرِ مِنْ كَلَامِ الْمَطْلَبِ (وَ) يَصِحُّ ضَمَانُ (الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ) كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهَا (فَرْعٌ لَوْ أَدَّى) الْعَبْدُ الضَّامِنُ (مَا ضَمِنَهُ عَنْ الْأَجْنَبِيِّ بِالْإِذْنِ) مِنْهُ وَمِنْ سَيِّدِهِ (بَعْدَ الْعِتْقِ فَحَقُّ الرُّجُوعِ لَهُ) أَوْ قَبْلَ عِتْقِهِ فَحَقُّ الرُّجُوعِ لِسَيِّدِهِ (أَوْ) أَدَّى مَا ضَمِنَهُ (عَنْ السَّيِّدِ فَلَا رُجُوعَ) لَهُ.
وَإِنْ أَدَّاهُ بَعْدَ عِتْقِهِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَجَّرَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي الْمُدَّةِ لَا يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ لِمَا بَقِيَ، وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْجِيحِ فِيمَا إذَا أَدَّاهُ بَعْدَ عِتْقِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَفَارَقَتْ هَذِهِ مَا قَبْلَهَا بِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ فِيهَا وَقَعَتْ لِلسَّيِّدِ فَكَأَنَّهُ اسْتَوْفَاهَا حَالَ رِقِّهِ كَمَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ بِخِلَافِهَا فِي تِلْكَ فَإِنَّهَا وَقَعَتْ لِلْأَجْنَبِيِّ فَكَانَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ (وَيَضْمَنُ) جَوَازًا السَّيِّدُ (عَنْ عَبْدِهِ) دَيْنًا ثَبَتَ عَلَيْهِ بِمُعَامَلَةٍ كَالْأَجْنَبِيِّ (لَا لَهُ) أَيْ لِعَبْدِهِ أَيْ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ سَيِّدِهِ لَهُ (إلَّا إنْ كَانَ مَأْذُونًا) لَهُ فِي مُعَامَلَةٍ وَثَبَتَ عَلَيْهِ بِهَا دَيْنٌ فَيَصِحُّ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ يُشِيرُ إلَيْهِ، وَفِي نُسْخَةٍ إلَّا إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنُ تِجَارَةٍ فَيَصِحُّ وَفِي تَعْبِيرِهِ فِيهَا كَأَصْلِهِ بِالتِّجَارَةِ قُصُورٌ فَالتَّعْبِيرُ بِالْمُعَامَلَةِ كَمَا عَبَّرْت بِهَا أَوْلَى، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ضَمَانَهُ لَهُ يَصِحُّ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنُ مُعَامَلَةٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِغَيْرِ مُعَامَلَةٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِمَا فِيهِ فِي الْأُولَى مِنْ تَوْفِيَةِ مَا عَلَى الْعَبْدِ بِخِلَافِهِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ فَكَأَنَّهُ ضَمِنَ لِنَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا وَفَّى دَيْنَهُ فِي الْأُولَى بَرِئَ السَّيِّدُ مِنْ ضَمَانِهِ لِانْتِفَاءِ فَائِدَةِ بَقَائِهِ
(الرُّكْنُ الرَّابِعُ) الْحَقُّ (الْمَضْمُونُ وَيُشْتَرَطُ) فِي صِحَّةِ ضَمَانِهِ (كَوْنُهُ ثَابِتَا لَازِمًا مَعْلُومًا) مُعَيَّنًا يَصِحُّ التَّبَرُّعُ بِهِ
[حاشية الرملي الكبير]
مُعْتَمَدَةٍ.
(قَوْلُهُ وَالْمُتَّجَهُ اشْتِرَاطُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ السَّيِّدُ بِقَدْرِ الْمَالِ الَّذِي أَذِنَ فِي ضَمَانِهِ، وَأَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُعْجِزَ نَفْسَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ مَا فِي يَدِهِ لِلتِّجَارَةِ) إذَا عَيَّنَ لِلْأَدَاءِ مَالَ التِّجَارَةِ فَلَمْ يَكُنْ وَافِيًا بِالدَّيْنِ تَعَلَّقَ الْبَاقِي بِالْمُسْتَقْبَلِ مِنْ كَسْبِهِ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَأَقَرَّهُ قَالَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ: وَالْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُقْتَصَرُ عَلَى مَا عَيَّنَهُ وَيُتْبَعُ بِالْبَاقِي إذَا عَتَقَ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ يُقَصِّرُ الطَّمَعَ عَلَى مَا عُيِّنَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّيْخَانِ لِلْمَسْأَلَةِ، وَقَوْلُهُ: وَالْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ الْأَصْحَاب إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَيْ بِكَسْبِهِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْإِذْنِ لَهُ) سَوَاءٌ أَكَانَ الْكَسْبُ مُعْتَادًا أُمّ نَادِرًا (قَوْلُهُ: قُلْت: لِأَنَّ الْمَضْمُونَ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الضَّمَانِ إلَخْ) وَأَيْضًا الضَّمَانُ غَرَامَةٌ مَحْضَةٌ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ د وَخَرَجَ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ مَالُ تِجَارَةٍ فِي يَدِهِ، وَرِبْحُهَا كَسْبُ يَدِهِ بِاحْتِطَابٍ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَطْلَبِ بِعَدَمِ دُخُولِهِ كَذَا قِيلَ، وَيَرُدُّهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَإِلَّا تَعَلَّقَ بِحَادِثِ كَسْبِهِ (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَوْقُوفُ فَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ: يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِعَدَمِ صِحَّةِ ضَمَانِهِ) أَيْ بِغَيْرِ إذْنٍ أَمَّا ضَمَانُهُ بِإِذْنِ مَالِكِ مَنْفَعَتِهِ فَصَحِيحٌ.
(قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى الشِّقِّ الْأَخِيرِ مِنْ كَلَامِ الْمَطْلَبِ) الْمُعْتَبَرُ إذْنُهُمَا مَعًا وَهُوَ الشِّقُّ الْأَوَّلُ مِنْ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ؛ إذْ التَّعَلُّقُ بِكَسْبِهِ شَامِلٌ لِلْمُعْتَادِ مِنْهُ وَالنَّادِرِ فَإِنْ أَذِنَ فِيهِ مَالِكُ الرَّقَبَةِ فَقَطْ صَحَّ، وَتَعَلَّقَ بِكَسْبِهِ النَّادِرِ أَوْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ فَقَطْ صَحَّ وَتَعَلَّقَ بِالْمُعْتَادِ (قَوْلُهُ: وَيَضْمَنُ السَّيِّدُ عَنْ عَبْدِهِ دَيْنًا إلَخْ) ثُمَّ إنْ أَدَّاهُ السَّيِّدُ عَنْهُ قَبْلَ عِتْقِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الضَّمَانِ
(قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ ثَابِتًا) لَازِمًا مَعْلُومًا أَيْ لِلضَّامِنِ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا (قَوْلُهُ يَصِحُّ التَّبَرُّعُ بِهِ) هَذَا الشَّرْطُ ضَرَرُهُ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ فَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَى طَرْدِهِ حَقُّ الْقَسْمِ لِلْمَظْلُومَةِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ، وَيَصِحُّ التَّبَرُّعُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ لِلْمَرْأَةِ، وَعَلَى عَكْسِهِ دَيْنُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّبَرُّعُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الدَّيْنُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ يَصِحُّ ضَمَانُهُ، وَلَا يَصِحُّ التَّبَرُّعُ بِهِ عَلَى
كَمَا سَيَأْتِي بَيْنَهُمَا (فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنٍ لَمْ يَجِبْ) كَدَيْنِ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ سَيَقَعُ (وَكَذَا نَفَقَةُ مَا بَعْدَ الْيَوْمِ لِلزَّوْجَةِ وَخَادِمِهَا) وَإِنْ جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهَا لِأَنَّهُ تَوْثِقَةٌ فَلَا يَتَقَدَّمُ ثُبُوتَ الْحَقِّ كَالشَّهَادَةِ وَيَكْفِي ثُبُوتُهُ بِاعْتِرَافِ الضَّامِنِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْإِقْرَارِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ شَخْصٌ: لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو أَلْفٌ، وَأَنَا ضَامِنُهُ، فَأَنْكَرَ عَمْرٌو فَلِزَيْدٍ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ (وَيَصِحُّ) الضَّمَانُ (بِنَفَقَةِ الْيَوْمِ، وَمَا قَبْلَهُ) لِوُجُوبِهَا فَإِنَّهَا تَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ نَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ أَمْ الْمُعْسِرِينَ (لَا بِنَفَقَةِ الْقَرِيبِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَنْ الْيَوْمِ أَمْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ سَبِيلَهَا سَبِيلُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ؛ وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَبِضِيَافَةِ الْغَيْرِ، وَالتَّرْجِيحُ فِي ضَمَانِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ عَنْ الْيَوْمِ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَفِي كَلَامِ أَصْلِهِ إشَارَةٌ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ: بَلْ يَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ لَا نَفَقَةِ الْقَرِيبِ لِمُسْتَقْبَلٍ وَلِيَوْمِهِ وَجْهَانِ فَعَلَيْهَا لَا زِيَادَةَ
(فَصْلٌ يَصِحُّ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ) وَيُسَمَّى ضَمَانَ الدَّرَكِ، وَهُوَ التَّبِعَةُ أَيْ الْمُطَالَبَةُ وَالْمُؤَاخَذَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَقٍّ ثَابِتٍ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَهُوَ ضَمَانُ الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي إنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مَغْصُوبًا) أَيْ مُسْتَحَقًّا (أَوْ) إنْ (أُخِذَ بِشُفْعَةٍ سَابِقَةٍ) عَلَى الْبَيْعِ بِبَيْعٍ آخَرَ وَشَمِلَ قَوْلُهُ مَغْصُوبًا مَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ أُخِذَ بِشُفْعَةٍ (وَ) يَصِحُّ (ضَمَانُ نَقْصِ الصَّنْجَةِ) الَّتِي وُزِنَ بِهَا الثَّمَنُ (وَالرَّدَاءَةِ) أَيْ وَضَمَانُ رَدَاءَتِهِ (لِلْبَائِعِ) وَلَا يَخْتَصُّ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ بِالثَّمَنِ بَلْ يَجْرِي فِي الْمَبِيعِ فَيَضْمَنُهُ لِلْبَائِعِ إنْ خَرَجَ الثَّمَنُ الْمُعَيَّنُ مُسْتَحَقًّا، أَوْ أُخِذَ وَيَضْمَنُ لِلْمُشْتَرِي رَدَاءَتَهُ وَنَقَصَ الصَّنْجَةَ الَّتِي يُوزَنُ هُوَ بِهَا (وَلَوْ اخْتَلَفَ الضَّامِنُ وَالْبَائِعُ فِي نَقْصِهَا) أَيْ الصَّنْجَةِ (صُدِّقَ الضَّامِنُ بِيَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ (أَوْ) اخْتَلَفَ (الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي) فِي نَقْصِهَا (صُدِّقَ الْبَائِعُ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّ ذِمَّةَ الْمُشْتَرِي كَانَتْ مَشْغُولَةً بِخِلَافِ الضَّامِنِ فِيمَا ذُكِرَ (فَلَوْ حَلَفَ) الْبَائِعُ (طَالَبَ) بِالنَّقْصِ (الْمُشْتَرِي لَا الضَّامِنُ) إلَّا إذَا اعْتَرَفَ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ (وَلَوْ ضَمِنَ عُهْدَةَ فَسَادِ الْبَيْعِ) بِغَيْرِ الِاسْتِحْقَاقِ (أَوْ) عُهْدَةَ (الْعَيْبِ أَوْ التَّلَفِ قَبْلَ الْقَبْضِ) لِلْمَبِيعِ (صَحَّ) لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَلَا يَنْدَرِجُ) ذَلِكَ (تَحْتَ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ) بِأَنْ يَقُولَ ضَمِنْت لَك عُهْدَةَ أَوْ دَرَكَ الثَّمَنِ أَوْ الْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ اسْتِحْقَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ الرُّجُوعُ بِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَسُمِّيَ مَا ذُكِرَ ضَمَانَ الْعُهْدَةِ لِالْتِزَامِ الضَّامِنِ مَا فِي الْعُهْدَةِ، وَهِيَ الصَّكُّ الْمَكْتُوبُ فِيهِ الثَّمَنُ وَالْمُثَمَّنُ وَضَمَانُ الدَّرَكِ لِالْتِزَامِهِ الْغُرْمَ عِنْدَ إدْرَاكِ الْمُسْتَحِقِّ عَيْنَ مَالِهِ
(فُرُوعٌ) أَحَدُهَا فِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ وَكَيْفِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّمَنِ (أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْتَرِي ضَمِنْت لَك عُهْدَةَ الثَّمَنِ أَوْ دَرَكَهُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا (أَوْ خَلَاصَك مِنْهُ فَإِنْ قَالَ) ضَمِنْت لَك (خَلَاصَ الْمَبِيعِ لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِتَخْلِيصِهِ إذَا اُسْتُحِقَّ (وَإِنْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ كَفِيلًا بِخَلَاصِ الْمَبِيعِ بَطَلَ) الْبَيْعُ لِفَسَادِ الشَّرْطِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَطَ كَفِيلًا بِالثَّمَنِ كَمَا مَرَّ (وَإِنْ ضَمِنَ الْعُهْدَةَ) أَيْ عُهْدَةَ الثَّمَنِ (وَخَلَاصَ الْمَبِيعِ مَعًا صَحَّ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ لَا) ضَمَانُ (خَلَاصِ الْمَبِيعِ) تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ (وَلَوْ خَصَّ ضَمَانَ الْعُهْدَةِ بِنَوْعٍ كَخُرُوجِ الْمَبِيعِ مُسْتَحَقًّا فَلَا يُطَالَبُ بِجِهَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ عَيَّنَ) جِهَةً (غَيْرَ) جِهَةِ (الِاسْتِحْقَاقِ لَمْ يُطَالَبْ عِنْدَ) ظُهُورِ (الِاسْتِحْقَاقِ) لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ: وَإِنْ عَيَّنَ إلَى آخِرِهِ لِدُخُولِهِ فِيمَا قَبْلَهُ
(الْفَرْعُ الثَّانِي يُشْتَرَطُ أَنْ يَضْمَنَ مِنْ بَعْدِ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ) الَّذِي يُرَادُ ضَمَانُهُ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ مَا دَخَلَ فِي ضَمَانِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَزِمَهُ رَدُّهُ بِتَقْدِيرِ مَا ذُكِرَ (وَ) بَعْدَ (الْعِلْمِ) أَيْ عِلْمِهِ (بِهِ) وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْرُهُ فِي الْمُرَابَحَةِ مَعْلُومًا
(الْفَرْعُ الثَّالِثُ يَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ) لِلْمُسْلَمِ إلَيْهِ (بَعْدَ الْأَدَاءِ) أَيْ أَدَائِهِ لِلْمُسْلَمِ (إنْ اسْتَحَقَّ رَأْسَ الْمَالِ) الْمُعَيَّنِ فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ الْأَدَاءِ لِمَا مَرَّ (لَا عَكْسُهُ) أَيْ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ رَأْسِ الْمَالِ لِلْمُسْلَمِ إنْ اسْتَحَقَّ
[حاشية الرملي الكبير]
غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ الدَّيْنُ الَّذِي لِلْمَرِيضِ الْمُعْسِرِ أَوْ الْمَيِّتِ الْمُعْسِرِ يَصِحُّ ضَمَانُهُ وَلَا يَصِحُّ التَّبَرُّعُ بِهِ فس (قَوْلُهُ: كَدَيْنِ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ فَيَقَعُ) وَنُجُومُ كِتَابَةٍ وَدَيْنُهُ عَلَى مُكَاتَبِهِ (قَوْلُهُ وَفِي كَلَامِ الْأَصْلِ إشَارَةٌ إلَيْهِ) وَرَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ (قَوْلُهُ وَبِهِ صَرَّحَ الْأَذْرَعِيُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَصْلٌ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ]
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ إلَخْ) قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَالْمَضْمُونُ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَيْسَ هُوَ رَدَّ الْعَيْنِ، وَإِلَّا لَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ لَا تَجِبَ قِيمَتُهُ عِنْدَ التَّلَفِ بَلْ الْمَضْمُونُ إنَّمَا هُوَ مَالِيَّتُهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّهِ حَتَّى لَوْ بَانَ الِاسْتِحْقَاقُ وَالثَّمَنُ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَا يُطَالَبُ الضَّامِنُ بِقِيمَتِهِ قَالَ: وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدِي، وَإِنْ لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا (قَوْلُهُ بِبَيْعٍ آخَرَ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: بِبَيْعٍ سَابِقٍ عَمَّا لَوْ ثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْبَيْعِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الضَّامِنِ وَلَوْ ظَهَرَ مَرْهُونًا مَقْبُوضًا فَهَلْ هُوَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مِنْ فُرُوعِ الْوَجْهَيْنِ أَوْ يُقْطَعُ بِأَنَّ الضَّامِنَ غَارِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَبْسُ الْمَبِيعِ لِيَسْتَرِدَّ الثَّمَنَ، وَيَكُونَ كَالشُّفْعَةِ بِالْبَيْعِ السَّابِقِ لَمْ أَقِفْ عَلَى نَقْلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهُ يَكُونُ غَارِمًا، وَفِي الْمَطْلَبِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مِنْ فُرُوعِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ عِنْدِي غَيْرُ مُسَلَّمٍ
[فَرْعٌ فِي كَيْفِيَّةِ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ وَكَيْفِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّمَنِ]
(قَوْلُهُ بِخَلَاصِ الْمَبِيعِ) أَيْ أَوْ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ (قَوْلُهُ: لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ: وَإِنْ عَيَّنَ إلَى آخِرِهِ لِدُخُولِهِ فِيمَا قَبْلَهُ) لَيْسَ كَذَلِكَ لِشُمُولِهِ مَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ كَمَا لَوْ ضَمِنَ فَسَادَ الْبَيْعِ بِغَيْرِ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ عُهْدَةِ الْعَيْبِ أَوْ تَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ
(قَوْلُهُ: الثَّانِي: أَنْ يَضْمَنَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ) خَرَجَ بِقَوْلِهِ: بَعْدَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ مَا لَوْ ثَبَتَ دَيْنٌ عَلَى غَائِبٍ فَبَاعَ الْحَاكِمُ عَقَارَهُ مِنْ الْمُدَّعِي بِدِينِهِ، وَضَمِنَ لَهُ الدَّرَكَ شَخْصٌ إنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الضَّمَانُ لِعَدَمِ الْقَبْضِ، وَنَحْوُهُ مَا فِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ لَوْ أَجَّرَ الْمَدْيُونُ وَقْفًا عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ، وَضَمِنَ ضَمَانَ الدَّرَكِ، ثُمَّ بَانَ بُطْلَانُ الْإِجَارَةِ لِمُخَالَفَتِهَا شَرْطَ الْوَاقِفِ لَا يَلْزَمُ الضَّمَانَ شَيْءٌ مِنْ الْأُجْرَةِ لِبَقَاءِ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ أُجْرَةٌ بِحَالِهِ فَلَمْ يُفَوِّتْ عَلَيْهِ شَيْئًا وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ ضَمَانِ الدَّرَكِ فِي الْإِجَارَةِ وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْقَمُولِيُّ وَالسُّبْكِيُّ
(فَرْعٌ) لَوْ قَالَ لِلْبَائِعِ: لَا أَعْرِفُك فَائْتِنِي بِمَنْ يَعْرِفُك فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا أَعْرِفُهُ ثُمَّ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي مُطَالَبَةُ الرَّجُلِ
الْمُسْلَمَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ فِي الذِّمَّةِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمَقْبُوضِ (وَلَوْ بَانَ) فِي صُورَةِ ضَمَانِ عُهْدَةِ الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي (فَسَادُ الْعَقْدِ بِشَرْطٍ أَوْ غَيْرِهِ) غَيْرِ الِاسْتِحْقَاقِ (أَوْ فُسِخَ) الْعَقْدُ (بِعَيْبٍ أَوْ وَجَبَ بِهِ أَرْشٌ) لِحُدُوثِ مَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِهِ كَحُدُوثِ عَيْبٍ عِنْدَهُ (أَوْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ) بِتَلَفِ الْمَبِيعِ أَوْ نَحْوِهِ (لَمْ يُطَالَبْ) بِالثَّمَنِ أَوْ الْأَرْشِ (ضَامِنُ الْعُهْدَةِ) بَلْ الْبَائِعُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ ضَمَانِهَا إنَّمَا هُوَ الرُّجُوعُ عَلَى الضَّامِنِ بِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ كَمَا مَرَّ، وَقَيَّدَ الْأَخِيرَةَ بِقَبْلِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَإِلَّا فَبَعْدَ الْقَبْضِ كَذَلِكَ كَالْفَسْخِ بِخِيَارِ شَرْطٍ، أَوْ مَجْلِسٍ أَوْ تَقَايُلٍ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ فِيمَا مَرَّ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا يُطَالَبُ الضَّامِنُ كَالْبَائِعِ وَبِهِ صَرَّحَ الْأَصْلُ هُنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ خُرُوجَهُ مَرْهُونًا أَوْ نَحْوَهُ دَاخِلٌ فِي خُرُوجِهِ مُسْتَحَقًّا (وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُ الْمَبِيعِ مُسْتَحَقًّا طُولِبَ الضَّامِنُ بِقِسْطِ الْمُسْتَحِقِّ) مِنْ الثَّمَنِ تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ سَوَاءٌ أَفَسَخَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ أَمْ أَجَازَهُ
(الْفَرْعُ الرَّابِعُ) لَوْ (ضَمِنَ) فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ (عُهْدَةَ) ثَمَنِ (الْأَرْضِ وَأَرْشَ نَقْصِ مَا يُغْرَسُ وَيُبْنَى فِيهَا إنْ قُلِعَ بِاسْتِحْقَاقِهَا) فِيمَا إذَا اشْتَرَاهَا شَخْصٌ وَغَرَسَ فِيهَا أَوْ بَنَى ثُمَّ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً (لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُ الْأَرْشِ) لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عِنْدَ ضَمَانِهِ (وَفِي الْعُهْدَةِ قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ) وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ وَقَوْلُهُ: إنْ قَلَعَ بِاسْتِحْقَاقِهَا تَصْوِيرٌ لِوُجُوبٍ الْأَرْشِ وَلَوْ ضَمِنَ الْأَرْشَ فَقَطْ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ ظُهُورِ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْقَلْعِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُمَا صَحَّ إنْ عُلِمَ قَدْرُهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَصْلِ وَحَذَفَهُ الْمُصَنِّفُ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا مَرَّ وَمِمَّا يَأْتِي (وَلَوْ شَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ بِهِمَا) أَيْ بِعُهْدَةِ الْأَرْضِ وَالْأَرْشِ فِيمَا ذُكِرَ (كَفِيلًا فِي الْبَيْعِ فَكَشَرْطِ رَهْنٍ فَاسِدٍ فِي الْبَيْعِ) فَيَبْطُلُ، وَقَوْلُهُ: بِهِمَا مُتَعَلِّقٌ بِ كَفِيلًا، وَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُ كَأَصْلِهِ كَانَ أَوْلَى
[فَصْلٌ ضَمَانُ الدَّيْنِ غَيْرِ اللَّازِمِ]
(فَصْلٌ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ) الدَّيْنِ (غَيْرِ اللَّازِمِ) إذَا لَمْ يَؤُلْ إلَى اللُّزُومِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (كَنُجُومِ الْمُكَاتَبِ) فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهَا كَمَا لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لِلتَّوَثُّقِ (وَيَصِحُّ) الضَّمَانُ (عَنْهُ بِغَيْرِهَا) لِأَجْنَبِيٍّ (لَا لِلسَّيِّدِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا يَسْقُطُ أَيْضًا عَنْ الْمُكَاتَبِ بِعَجْزِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ (وَيَصِحُّ) الضَّمَانُ (بِالثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَلَوْ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) لِأَنَّهُ بَعْدَهَا لَازِمٌ وَقَبْلَهَا آيِلٌ إلَى اللُّزُومِ بِنَفْسِهِ عَنْ قُرْبٍ فَاحْتِيجَ فِيهِ إلَى التَّوَثُّقِ، وَأَشَارَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّ تَصْحِيحَ الضَّمَانِ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ فِي الثَّمَنِ إلَى الْبَائِعِ أَمَّا إذَا مَنَعَهُ فَهُوَ ضَمَانٌ مَا لَمْ يَجِبْ، وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ الْمُتَّجَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا، أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ لَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ (وَ) يَصِحُّ (بِالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) لِلُزُومِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا، وَلَا نَظَرَ فِيهِ، وَفِيمَا ضَمِنَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ إلَى احْتِمَالِ سُقُوطِهِمَا كَمَا لَا نَظَرَ إلَى احْتِمَالِ سُقُوطِ اللَّازِمِ وَالْمُسْتَقِرِّ بِالْإِبْرَاءِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِمَا (لَا) ضَمَانُ (مَالِ الْجَعَالَةِ) فَلَا يَصِحُّ (وَلَوْ شَرَعَ) فِي الْعَمَلِ كَالرَّهْنِ بِهِ (، وَضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ) الثَّابِتَةِ (فِي الذِّمَّةِ كَالْمَالِ) فَيَصِحُّ ضَمَانُهَا
(فَصْلٌ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْمَجْهُولِ) وَلَا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ كَأَحَدِ الدَّيْنَيْنِ، وَلَا مَا لَا يُتَبَرَّعُ بِهِ كَقِصَاصٍ وَشُفْعَةٍ وَحَدِّ قَذْفٍ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ بِعَقْدٍ كَالْبَيْعِ، وَبِهِ مَعَ مَا مَرَّ أَيْضًا يُعْلَمُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ (وَلَا) يَصِحُّ (الْإِبْرَاءُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَجْهُولِ (لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ) لِلْمَدِينِ مَا فِي ذِمَّتِهِ (لَا إسْقَاطٌ) كَالْإِعْتَاقِ (فَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُمَا) أَيْ الْمُبْرِئِ وَالْمُبْرَأِ (بِالدَّيْنِ) كَمَا فِي عَاقِدَيْ الْهِبَةِ وَهَذَا تَبِعَ فِيهِ مُقْتَضَى كَلَامِ أَصْلِهِ هُنَا لَكِنَّهُ تَبِعَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَصْلِهِ أَوْ أَخَّرَ الصَّدَاقَ، وَتَصْحِيحُ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالرَّوْضَةِ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُبْرَأِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَعَلَيْهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ انْتَهَى، وَهُوَ الْأَوْجَهُ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ، وَإِنْ كَانَ تَمْلِيكًا، الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْإِسْقَاطُ نَعَمْ إنْ كَانَ الْإِبْرَاءُ فِي مُقَابَلَةِ طَلَاقٍ اُعْتُبِرَ عِلْمُ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى مُعَاوَضَةٍ فَيَخُصُّ كَلَامَهُمْ بِمَا لَا عِوَضَ فِيهِ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَلَى أَنَّهُ فِي الرَّجْعَةِ مِنْ الرَّوْضَةِ قَالَ الْمُخْتَارُ: إنَّ كَوْنَ الْإِبْرَاءِ تَمْلِيكًا أَوْ إسْقَاطًا مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يُطْلَقُ فِيهَا تَرْجِيحٌ بَلْ يَخْتَلِفُ الرَّاجِحُ بِحَسَبِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ وَضَعْفِهِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَأَشَارَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّ تَصْحِيحَ الضَّمَانِ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ لَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَكَلَامُ الْمُتَوَلِّي الْمُخَالِفُ لَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، وَهُوَ أَنَّ مِلْكَ الْمَبِيعُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي فَالرَّاجِحُ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ كَلَامُ الْإِمَامِ
[فَصْلٌ ضَمَانُ الْمَجْهُولِ]
(قَوْلُهُ: وَبِهِ مَعَ مَا مَرَّ أَيْضًا يُعْلَمُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ) لَوْ ضَمِنَ دَيْنًا وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ فَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ وَيَلْزَمُهُ عَلَى صِفَتَيْهِ مِنْ الْحُلُولِ أَوْ التَّأْجِيلِ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ حَكَاهُ الْإِمَامُ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا (فَرْعٌ) هَلْ قَوْلُهُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ كَذَا صَرِيحٌ فِي الْإِبْرَاءِ أَوْ كِنَايَةٌ فِيهِ وَجْهَانِ.
اهـ. وَأَصَحُّهُمَا أَوَّلُهُمَا (قَوْلُهُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَيَخُصُّ كَلَامُهُمْ بِمَا لَا عِوَضَ فِيهِ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ هُنَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْإِبْرَاءُ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ كَصُلْحِ الْحَطِيطَةِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُبْرَأِ مِنْهُ كَمَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ، وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ اللَّفْظَ بِوَضْعِهِ يَقْتَضِيهِ أَيْ لِقِيَامِ صُورَةِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَحِينَئِذٍ فَيَنْدَفِعُ التَّنَاقُضُ (قَوْلُهُ بَلْ يَخْتَلِفُ الرَّاجِحُ بِحَسَبِ الْمَسَائِلِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ وَضَعْفِهِ) أَيْ فَإِنَّهُمْ مَنَعُوا تَعْلِيقَهُ بِالشَّرْطِ وَأَبْطَلُوهُ مِنْ الْمَجْهُولِ، وَمَنَعُوا إبْهَامَ الْمَحَلِّ فِيمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا دَيْنٌ فَقَالَ: أَبْرَأْت أَحَدَكُمَا، وَلَوْ كَانَ إسْقَاطًا لَصَحَّ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَرَجَّحُوا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمَدْيُونِ بِهِ، وَلَا قَبُولُهُ وَأَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ، وَلَوْ كَانَ تَمْلِيكًا لَشُرِطَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَلِهَذَا تَوَسَّطَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ: إنَّهُ تَمْلِيكٌ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ إسْقَاطٌ فِي حَقِّ الْمَدْيُونِ وَذَلِكَ
وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُبْرِئَ مِنْ مَجْهُولٍ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَذْكُرَ عَدَدًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ الدَّيْنُ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ مَثَلًا فَيَقُولُ: أَبْرَأْتُك مِنْ مِائَةٍ، وَلَوْ قَالَ: أَبْرَأْتُك مِنْ الدَّعْوَى، وَلَمْ يَبْرَأْ، وَلَهُ الْعَوْدُ إلَيْهَا وَيَكْفِي فِي الْإِبْرَاءِ عِلْمُ الْمُوَكِّلِ فَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْوَكِيلِ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْوَكَالَةِ (وَإِنْ مَلَّكَهُ) أَيْ مَدِينُهُ (مَا فِي ذِمَّتِهِ بَرِئَ) مِنْهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ أَوْ قَرِينَةٍ (وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ كَالْإِبْرَاءِ) وَاحْتَجَّ الْمُتَوَلِّي بِذَلِكَ لِكَوْنِ الْإِبْرَاءِ تَمْلِيكًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا لَافْتَقَرَ إلَى نِيَّةٍ أَوْ قَرِينَةٍ كَمَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: مَلَّكْتُك رَقَبَتَك أَوْ لِزَوْجَتِهِ مَلَّكْتُك نَفْسَكَ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ، وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ الْقَبُولُ فِي الْإِبْرَاءِ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ (وَلَوْ أَبْرَأَ أَحَدَ خَصْمَيْهِ) مُبْهَمًا (لَمْ يَصِحَّ أَوْ) أَبْرَأَ وَارِثٌ (عَنْ دَيْنِ مُوَرِّثٍ) لَهُ (لَمْ يَعْلَمْ مَوْتَهُ صَحَّ) كَمَا فِي الْبَيْعِ فِيهِمَا
(فَرْعٌ) لَوْ (اسْتَحَلَّ مِنْهُ مِنْ غِيبَةٍ) اغْتَابَهَا لَهُ وَ (لَمْ يُبَيِّنْهَا) لَهُ (فَأَحَلَّهُ) مِنْهَا (فَهَلْ يَبْرَأُ) مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ مَحْضٌ كَمَنْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْ عَبْدٍ ثُمَّ عَفَا سَيِّدُهُ عَنْ الْقِصَاصِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ عَيْنَ الْمَقْطُوعِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رِضَاهُ، وَلَا يُمْكِنُ الرِّضَا بِالْمَجْهُولِ، وَيُفَارِقُ الْقِصَاصَ بِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ بِخِلَافِ إسْقَاطِ الْمَظَالِمِ (وَجْهَانِ) جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ بِالثَّانِي، قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ يُسَامَحُ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، وَزَعَمَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْحَلِيمِيِّ وَغَيْرِهِ الْجَزْمُ بِهِ (وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْأَرْشِ) بِجِنَايَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (كَالْإِبْرَاءِ عَنْهُ وَلَوْ) كَانَ الْمَضْمُونُ أَوْ الْمُبْرَأُ عَنْهُ (إبِلًا) حَتَّى إبِلَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةُ السِّنِّ وَالْعَدَدِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ اُغْتُفِرَ جَهْلُ صِفَتِهَا فِي إثْبَاتِهَا فِي ذِمَّةِ الْجَانِي فَيُغْتَفَرُ فِي ضَمَانِهَا وَالْإِبْرَاءِ عَنْهَا تَبَعًا لَهُ، وَيَرْجِعُ فِي صِفَتِهَا إلَى غَالِبِ إبِلِ الْبَلَدِ، وَتَعْبِيرُهُ بِمَا قَالَهُ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَبِإِبِلِ الدِّيَةِ (وَيَرْجِعُ) ضَامِنُهَا إنْ ضَمِنَهَا بِالْإِذْنِ، وَغَرِمَهَا (بِمِثْلِهَا لَا الْقِيمَةِ) كَمَا فِي الْقَرْضِ، وَقِيلَ: الْعَكْسُ وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْجِيحِ مِنْ زِيَادَتِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الدِّيَةِ عَنْ الْعَاقِلَةِ قَبْلَ الْحُلُولِ) ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ بَعْدُ وَلَوْ سُلِّمَ ثُبُوتُهَا فَلَيْسَتْ لَازِمَةً وَلَا آيِلَةً إلَى اللُّزُومِ عَنْ قُرْبٍ بِخِلَافِ الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ (وَلَوْ ضَمِنَ أَوْ أَبْرَأَ) مِنْ الدَّيْنِ (مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ، أَوْ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ صَحَّ) كُلٌّ مِنْ الضَّمَانِ وَالْإِبْرَاءِ لِانْتِفَاءِ الْغَرَرِ (وَتَعَيَّنَ) لِلضَّمَانِ أَوْ لِلْإِبْرَاءِ (مَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ) بِقَوْلِهِ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ، أَوْ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ، فَيَتَعَيَّنُ فِي الْأُولَى تِسْعَةٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ ثَمَانِيَةٌ كَمَا يَأْتِي إيضَاحُهُ فِي الْإِقْرَارِ لَكِنَّهُ ذُكِرَ تَبَعًا لِأَصْلِهِ فِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ وَقَعَ ثَلَاثٌ، وَقِيَاسُهُ تَعَيُّنُ الْعَشَرَةِ فِي الْأُولَى هُنَا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ هُنَا، وَعَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلنَّوَوِيِّ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ مَحْصُورٌ فِي عَدَدٍ فَالظَّاهِرُ اسْتِيفَاؤُهُ بِخِلَافِ الدَّيْنِ الَّذِي يُضْمَنُ وَيُبْرَأُ مِنْهُ (وَإِنْ قَالَ جَاهِلًا) بِقَدْرِ الدَّيْنِ (ضَمِنْت) لَك (دَرَاهِمَك) الَّتِي (عَلَيْهِ فَهَلْ يَصِحُّ) ضَمَانُهُ (فِي ثَلَاثٍ مِنْهَا) لِدُخُولِهَا فِي اللَّفْظِ بِكُلِّ حَالٍ (وَجْهَانِ) قَالَ فِي الْأَصْلِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَجَّرْتُك كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ هَلْ يَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ قَالَ: وَمِثْلُهُ الْإِبْرَاءُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقَضِيَّةُ التَّشْبِيهِ الْمَذْكُورِ تَصْحِيحُ الْمَنْعِ لَكِنَّ كَلَامَهُ فِي التَّفْوِيضِ فِي الصَّدَاقِ يَقْتَضِي تَصْحِيحَ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ أَبْطَلَ الْإِبْرَاءَ فِي غَيْرِ الْمُتَيَقَّنِ، وَجَعَلَ الْمُتَيَقَّنَ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنْ تَفْرِيق الصَّفْقَةِ، هَذَا وَقَدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ وَقْفَةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ: أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ يَقُولُ: الْمُتَيَقَّنُ دِرْهَمَانِ فَعَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا دِرْهَمَانِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الضَّامِنُ مِمَّنْ يَرَى ذَلِكَ، وَمَا قَالَهُ يَأْتِي مِثْلُهُ فِي الْإِبْرَاءِ
(فَرْعٌ لَوْ ضَمِنَ عَنْهُ زَكَاتَهُ صَحَّ) كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ (وَيُعْتَبَرُ الْإِذْنُ عِنْدَ الْأَدَاءِ) كَمَا لَوْ أَخْرَجَ عَنْهُ غَيْرُهُ زَكَاتَهُ بِلَا ضَمَانٍ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي الضَّمَانِ عَنْ الْحَيِّ أَمَّا الْمَيِّتُ فَيَجُوزُ أَدَاءُ الزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ عَنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَإِنْ انْتَفَى الْإِذْنُ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ بَيْنَ أَنْ يَسْبِقَهُ ضَمَانٌ أَمْ لَا قَالَ: ثُمَّ إنْ كَانَتْ الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعَيْنِ فَيَظْهَرُ صِحَّتُهَا أَيْضًا كَمَا أَطْلَقُوهُ
[حاشية الرملي الكبير]
لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إنَّمَا يَكُونُ تَمْلِيكًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ مَالًا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْمَالِيَّةِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي حَقِّهِ اهـ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: اشْتِرَاطُ عِلْمِ الْمَدْيُونِ مُفَرَّعٌ عَلَى اعْتِبَارِ قَبُولِهِ أَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ قَبُولُهُ فَلَا يُعْتَبَرُ عِلْمُهُ (قَوْلُهُ وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ الْقَبُولُ فِي الْإِبْرَاءِ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ مَا صَحَّحَهُ يُشْكَلُ بِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْوَقْفِ وَهُوَ أَنَّا إذَا شَرَطْنَا الْقَبُولَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ أَوْ لَمْ نَشْرِطْهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا هُنَاكَ: إذَا رَدَّ يَبْطُلُ حَقُّهُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْإِبْرَاءِ يَمْلِكُ الدَّيْنَ فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ، وَيَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ وَقَدْ نَفَذَ الْإِبْرَاءُ فَلَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ لِحُصُولِهِ فِي مِلْكِ الْمَدْيُونِ قَهْرًا مِمَّنْ كَانَ يَمْلِكُهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْوَاقِفِ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيمَا وَقَفَهُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَارْتَدَّ بِرَدِّهِمْ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ قَبُولُهُمْ لَبَعُدَ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ قَالَ شَيْخُنَا: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا بِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطٌ، وَالْوَقْفُ تَمْلِيكٌ لِلرِّيعِ
(قَوْلُهُ جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ بِالثَّانِي) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَغَيْرُهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: وَلَوْ أَنَّهُ حَلَّلَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَجَبَ لَهُ لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى يُبَيِّنَ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ حَلَّلَهُ مِنْ كَذَا إلَى كَذَا اهـ (قَوْلُهُ: وَلَوْ ضَمِنَ أَوْ أَبْرَأَ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ إلَخْ) وَكَذَا لَوْ قَالَ: أُعْطُوهُ مِنْهُ وَاحِدًا إلَى عَشَرَةٍ، وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْحِسَابَ فَلِلْمُوصَى لَهُ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ؛ لِأَنَّهُ الْحَاصِلُ مِنْ جَمْعِ وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةٍ عَلَى تَوَالِي الْعَدَدِ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مُطَّرِدٌ فِي الْإِقْرَارِ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ وَلَا يَكُونُ وَجْهًا ثَالِثًا فَمَتَى ثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَهُ لَزِمَهُ الْجُمْلَةُ قَطْعًا (قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ التَّشْبِيهِ الْمَذْكُورِ تَصْحِيحُ الْمَنْعِ) ؛ لِأَنَّ الْمُرَجَّحَ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ كَلَامَهُ فِي التَّفْوِيضِ فِي الصَّدَاقِ يَقْتَضِي تَصْحِيحَ الصِّحَّةِ) هُوَ الرَّاجِحُ، وَبِهِ جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ
كَالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ انْتَهَى فَيَجِبُ تَقْيِيدُ الْعَيْنِ هُنَا بِمَا إذَا تَمَكَّنَ مِنْ أَدَائِهَا، وَلَمْ يُؤَدِّهَا، وَفِي مَعْنَى الزَّكَاةِ الْكَفَّارَةُ
(فَصْلٌ) فِي كَفَالَةِ الْبَدَنِ، وَتُسَمَّى أَيْضًا كَفَالَةَ الْوَجْهِ (تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ مَالٌ يَصِحُّ ضَمَانُهُ، وَلَوْ جَهِلَ) قَدْرَهُ، أَوْ كَانَ زَكَاةً لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا وَاسْتُؤْنِسَ لَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: 66] وَخَرَجَ بِمَنْ عَلَيْهِ مَالٌ يَصِحُّ ضَمَانُهُ التَّكَفُّلُ بِبَدَنِ غَيْرِهِ كَالتَّكَفُّلِ بِبَدَنِ مُكَاتَبٍ لِلنُّجُومِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْعِلْمَ بِقَدْرِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ تَكَفَّلَ بِالْبَدَنِ لَا بِالْمَالِ، وَقَوْلُهُ: كَأَصْلِهِ مَنْ عَلَيْهِ مَالٌ يُوهِمُ أَنَّ الْكَفَالَةَ لَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عِنْدَهُ مَالٌ لِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ تَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ أَمَانَةً كَوَدِيعَةٍ كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي: أَوْ اسْتَحَقَّ إحْضَارَهُ وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا صَرَّحَ بِهِ أَصْلُهُ مِنْ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ بِبَدَنِ الْمَحْبُوسِ وَالْغَائِبِ وَإِنْ تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ الْغَرَضِ مِنْهُمَا حَالًا (أَوْ) بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ (عُقُوبَةٌ لِآدَمِيٍّ) كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ لِأَنَّهَا حَقٌّ لَازِمٌ كَالْمَالِ وَلِأَنَّ الْحُضُورَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ (لَا) بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ (لِلَّهِ) تَعَالَى لِبِنَاءِ حَقِّهِ - تَعَالَى عَلَى الدَّرْءِ، وَتَعْبِيرُهُ بِالْعُقُوبَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ فِيهِ بِالْحَدِّ لِشُمُولِهِ التَّعْزِيرَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْمَنْعِ حَيْثُ لَا يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاءُ الْعُقُوبَةِ فَإِنْ تَحَتَّمَ.
وَقُلْنَا: لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالصِّحَّةِ (وَالضَّابِطُ) لِصِحَّةِ الْكَفَالَةِ (صِحَّتُهَا) أَيْ وُقُوعِهَا (بِالْإِذْنِ) مِنْ الْمَكْفُولِ مَعَ مَعْرِفَةِ الْكَفِيلِ لَهُ؛ إذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ إلْزَامُ غَيْرِهِ بِالْحُضُورِ إلَى الْحَاكِمِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِخِلَافِ الضَّمَانِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إذْنُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَا مَعْرِفَتُهُ لِجَوَازِ التَّبَرُّعِ بِأَدَاءِ دَيْنٍ مِنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَمَعْرِفَتِهِ كَمَا مَرَّ، وَيُعْتَبَرُ مَعَ مَا ذُكِرَ مَعْرِفَةُ الْمَكْفُولِ لَهُ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْمَضْمُونِ لَهُ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ (بِمَنْ) أَيْ بِبَدَنِ مَنْ (لَزِمَهُ إجَابَةٌ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَوْ اسْتَحَقَّ إحْضَارَهُ) إلَيْهِ عِنْدَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْحَقِّ (كَدَعْوَى زَوْجِيَّتِهَا) أَيْ كَالْكَفَالَةِ بِبَدَنِ امْرَأَةٍ يَدَّعِي رَجُلٌ زَوْجِيَّتَهَا؛ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ إلَى مَا ذُكِرَ لَازِمَةٌ لَهَا، وَلِأَنَّ الْحُضُورَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا (وَعَكْسُهُ) أَيْ وَكَالْكَفَالَةِ بِبَدَنِ رَجُلٍ تَدَّعِي امْرَأَةٌ زَوْجِيَّتَهُ لِذَلِكَ، وَهَذِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَكَذَا الْكَفَالَةُ بِهَا) أَيْ بِالْمَرْأَةِ (لِمَنْ ثَبَتَتْ زَوْجِيَّتُهُ) وَكَذَا عَكْسُهُ فِيمَا يَظْهَرُ كَأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مُولِيًا (وَ) تَصِحُّ (بِبَدَنِ آبِقٍ) لِمَالِكِهِ (وَأَجِيرٍ) لِمُسْتَأْجَرِهِ لِمَا ذَكَر وَقَيَّدَهُ الْأَصْلُ بِالْعَيْنِ فَإِنْ اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ أَوْ عَنْ الْمُبْهَمِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا يَأْتِي (وَ) بِبَدَنِ (مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ أَنْكَرَ) لِمَا ذُكِرَ وَلِأَنَّ مُعْظَمَ الْكَفَالَاتِ إنَّمَا يَقَعُ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ وَهَذَا يَشْمَلُ بَعْضَ مَنْ تَقَدَّمَ (وَكَذَا) بِبَدَنِ (مَيِّتٍ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ) فِي الْأَخِيرَيْنِ (وَالْوَرَثَةِ) فِي الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَحِقُّ إحْضَارَهُمْ (لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى صُورَتِهِمْ إذَا تَحَمَّلَ الشُّهُودُ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَعْرِفُوا اسْمَهُمْ وَنَسَبَهُمْ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِي الْمَيِّتِ قَبْلَ دَفْنِهِ فَإِنْ دُفِنَ لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ، وَإِنْ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْعٌ ضَمِنَ عَنْهُ زَكَاتَهُ]
قَوْلُهُ كَالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ) قَالَ فِي التَّوَسُّطِ: وَفِي تَشْبِيهِ ضَمَانِ عَيْنِ مَالِ الزَّكَاةِ بِضَمَانِ رَدِّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ وَنَحْوِهَا نَظَرٌ ظَاهِرٌ بَلْ هُوَ غَلَطٌ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ بَعْدَ هَذَا أَنَّ الْعَيْنَ إذَا لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ كَالْوَدِيعَةِ لَا يَصِحُّ ضَمَانُهَا قَطْعًا.
اهـ. يُجَابُ بِأَنَّ كَلَامَيْهِمَا لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْأَوَّلِ صُدُورُ ضَمَانِهَا بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ إخْرَاجِهَا، وَصُورَةُ الثَّانِي قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ
[فَصْلٌ فِي كَفَالَةِ الْبَدَنِ]
فَصْلٌ (قَوْلُهُ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ مَالٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْخَادِمِ: هَذَا التَّعْبِيرُ قَاصِرٌ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي جَوَازُ الْكَفَالَةِ بِالْحُقُوقِ كَالْمَرْأَةِ لِمَنْ يَدَّعِي زَوْجِيَّتَهَا، وَلِهَذَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَكْفُولِ بِبَدَنِهِ حَقٌّ تَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ ثَابِتًا فِي الظَّاهِرِ أَمْ لَا وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ مَالِيٌّ لِلَّهِ تَعَالَى كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ صِحَّتُهَا إذَا صَحَّ ضَمَانُ ذَلِكَ فِي الذِّمَّةِ.
اهـ. وَسَيَأْتِي أَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ ضَمَانُ الزَّكَاةِ بِإِذْنِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْأَدَاءُ بِإِذْنِهِ (قَوْلُهُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى مُعَامَلَةِ الْغَرِيبِ وَلَا يُوثَقُ بِمِلْكِهِ وَيُخَافُ عَدَمُ الظَّفَرِ بِهِ وَلَوْ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ إنْ لَمْ يَخْرُجْ مُسْتَحَقًّا فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ خَرَجَ بَانَ وُجُوبُ رَدِّ الثَّمَنِ وَصِحَّةُ الضَّمَانِ، وَلَا جَهَالَةَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَعْلُومٌ فَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ فَهُوَ بَعْضُ مَا ضَمِنَهُ فَلَا يَضُرُّ جَهَالَتُهُ كَصِحَّةِ الْبَيْعِ فِيمَا إذَا خَرَجَ بَعْضُ الْمَبِيعِ مُسْتَحَقًّا وَكَتَبَ أَيْضًا وَلِإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَيْهَا فِي الْإِعْصَارِ كَالْمَالِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِالْعَبَّاسِ تَكَفَّلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَبِي سُفْيَانَ (قَوْلُهُ كَالتَّكَفُّلِ بِبَدَنِ مُكَاتَبٍ لِلنُّجُومِ) أَوْ بِبَدَنِ مَنْ أَخَذَهُ ظَالِمٌ لِيُصَادِرَهُ.
(قَوْلُهُ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ) مَثَّلَ بِمِثَالَيْنِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مِمَّا يَدْخُلُهُ الْمَالُ كَالْقِصَاصِ أَوْ لَا كَالْقَذْفِ (قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ: وَيُشْبِهُ إلَخْ مَا تَفَقَّهَهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ فَيُؤْخَذُ بِإِطْلَاقِهِمْ، وَاسْتُشْكِلَ تَصْوِيرُ الْكَفَالَةِ بِحَدِّ اللَّهِ - تَعَالَى؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَهُ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، وَأُجِيبَ بِتَصْوِيرِهِ بِأَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا مِثْلًا فِي وَقْتٍ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ فِيهِ كَالْحَرِّ الشَّدِيدِ وَنَحْوِهِ فَيَجِيءُ مَنْ يَتَكَفَّلُ بِبَدَنِهِ لِيَتْرُكَهُ الْحَاكِمُ (قَوْلُهُ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ عِنْدَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْحَقِّ) أَيْ لِإِثْبَاتِهِ أَوْ اسْتِيفَائِهِ (قَوْلُهُ وَبِبَدَنِ آبِقٍ وَأَجِيرٍ) أَيْ وَغَائِبٍ، وَمَحَلُّهُ فِي الْمُمْكِنِ حُضُورُهُ فَأَمَّا الْمُنْقَطِعُ الْخَبَرِ فَلَا يَجُوزُ صَرَّحَ بِهِ فِي التَّجْرِيدِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْجَوَازِ بِمَا إذَا كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى أَوْ فَوْقَهَا وَلَكِنْ تَكَفَّلَ بِإِحْضَارِهِ إلَى مَكَان يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ فِيهِ.
اهـ. مَا بَحَثَهُ مَرْدُودٌ (قَوْلُهُ: أَوْ عَنْ الْمُبْهَمِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا: أَرَادَ بِهِ مُقَابِلَ الْمُبْهَمِ، وَأَتَى بِهِ هُنَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنْ يُرَادَ بِالْمُعَيَّنِ غَيْرُ الْمُشْتَرَكِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُعَيَّنَ تَحْتَهُ أَمْرَانِ مُعَيَّنٌ خَاصٌّ وَمُشْتَرَكٌ (قَوْلُهُ وَكَذَا بِبَدَنِ مَيِّتٍ) قَالَ فِي الْقُوتِ: الظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُ قَبْلَ الدَّفْنِ، وَعِنْدَ الْأَمْنِ مِنْ التَّغَيُّرِ بِالتَّأْخِيرِ وَعِنْدَ عَدَمِ النَّقْلِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَإِنْ أَذِنَ فَلَا عِبْرَةَ بِإِذْنِهِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي بِلَا نَقْلٍ، وَقَوْلُهُ: قَالَ فِي الْقُوتِ: الظَّاهِرُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
لَمْ يَتَغَيَّرْ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ الْآتِي فِيمَا إذَا تَكَفَّلَ بِبَدَنِ الْحَيِّ فَمَاتَ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ (وَيُطَالِبُونَ) أَيْ الْوَلِيَّ وَالْوَرَثَةَ (بِالْإِحْضَارِ) عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَاعْتِبَارُ إذْنِ الْوَرَثَةِ وَمُطَالَبَتُهُمْ بِالْإِحْضَارِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَقَدْ بَحَثَهُ فِي الْمَطْلَبِ وَدَخَلَ فِي الْوَرَثَةِ بَيْتُ الْمَالِ وَبَقِيَ مَا لَوْ مَاتَ ذِمِّيٌّ عَنْ غَيْرِ وَارِثٍ وَانْتَقَلَ مَالُهُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اعْتِبَارُ إذْنِهِ وَمُطَالَبَتِهِ دُونَ وَلِيِّهِ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ إذْنُ وَلِيِّهِ لَا إذْنُهُ (فَرْعٌ) يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَكْفُولِ بِبَدَنِهِ مُعَيَّنًا كَمَا فِي ضَمَانِ الدَّيْنِ فَلَوْ (كَفَلَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا (بِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ) مُبْهَمًا أَيْ بِبَدَنِهِ (لَمْ تَصِحَّ) كَمَا فِي ضَمَانِ الْمَالِ فَإِنْ قُلْت كَفَّلَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: 37] فَلِمَ عَدَّاهُ الْمُصَنِّفُ بِغَيْرِهِ قُلْت ذَاكَ بِمَعْنَى عَالٍ وَمَا هُنَا بِمَعْنَى ضَمِنَ وَالْتُزِمَ، وَاسْتِعْمَالُ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَهُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ مُؤَوَّلٌ فَإِنَّ صَاحِبُ الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَغَيْرَهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ إلَّا مُتَعَدِّيًا بِغَيْرِهِ
(فَصْلٌ يَصِحُّ ضَمَانُ رَدِّ كُلِّ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ) عَلَى مَنْ هِيَ بِيَدِهِ (كَمَغْصُوبٍ أَوْ مَبِيعٍ لَمْ يَقْبِضْ وَمُسْتَعَارٍ) كَمَا يَصِحُّ بِالْبَدَنِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا الْمَالُ (وَيَبْرَأُ) الضَّامِنُ (بِرَدِّهَا) لِلْمَضْمُونِ لَهُ (وَكَذَا) يَبْرَأُ (بِتَلَفِهَا) فَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا كَمَا لَوْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِبَدَنِهِ لَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَ الدَّيْنُ (وَلَوْ ضَمِنَ الْقِيمَةَ) أَيْ قِيمَةَ الْعَيْنِ (إنْ تَلِفَتْ لَمْ يَصِحَّ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَغْرَمُ قِيمَةَ الْعَيْنِ بِتَلَفِهَا وَلِعَدَمِ ثُبُوتِ الْقِيمَةِ، وَمَحَلُّ صِحَّةِ ضَمَانِ الْعَيْنِ إذَا أَذِنَ فِيهِ وَاضِعُ الْيَدِ أَوْ كَانَ الضَّامِنُ قَادِرًا عَلَى انْتِزَاعِهَا مِنْهُ نَقَلَهُ شَارِحُ التَّعْجِيزِ عَنْ الْأَصْحَابِ (وَلَوْ تَكَفَّلَ بِعَبْدٍ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ جَازَ) كَمَا يَجُوزُ بِبَدَنِ الْحُرِّ وَبِسَائِرِ الْأَعْيَانِ السَّابِقَةِ (وَأَمَّا) الْعَيْنُ (غَيْرُ الْمَضْمُونَةِ) عَلَى مَنْ هِيَ بِيَدِهِ (كَالْوَدِيعَةِ) وَالْوَصِيَّةِ وَالْمُؤَجَّرِ وَلَوْ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ (فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهَا) لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةِ الْعَيْنِ وَالرَّدِّ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْأَمِينِ التَّخْلِيَةُ فَقَطْ (وَلَا) يَصِحُّ (ضَمَانُ تَسْلِيمِ الْمَرْهُونِ) لِلْمُرْتَهِنِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانٌ مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ (وَضَمَانُ الْعُهْدَةِ) أَيْ عُهْدَةِ الثَّمَنِ (وَالثَّمَنُ مُعَيَّنٌ) بَاقٍ بِيَدِ الْبَائِعِ (ضَمَانُ عَيْنٍ) وَتَعْبِيرِي بِعُهْدَةِ الثَّمَنِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ الرَّافِعِيِّ بِعُهْدَةِ الْمَبِيعِ، وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ أَنَّ ضَمَانَ الْعُهْدَةِ يَكُونُ ضَمَانَ عَيْنٍ فِيمَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا بَاقِيًا بِيَدِ الْبَائِعِ وَضَمَانُ ذِمَّةٍ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِهِ مُعَيَّنًا وَغَيْرَ مُعَيَّنٍ فَإِنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ قَبْضِ الْبَائِعِ لَهُ وَإِذَا قَبَضَ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ تَعَيَّنَ، وَلَا أَثَرَ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ فِي الْعَقْدِ قُلْت: بَلْ لَهُ أَثَرٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ مُسْتَحَقًّا بِخِلَافِهِ فِي الْمُعَيَّنِ فَالْمَضْمُونُ هُنَا رَدُّ الْعَيْنِ الْوَاجِبَةِ فِي الْعَقْد عَيْنًا حَتَّى لَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا لَمْ يَلْزَمْ الضَّامِنَ بَدَلُهَا كَمَا مَرَّ، وَالْمَضْمُونُ ثَمَّ مَالِيَّةُ الْعَيْنِ الَّتِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّهَا حَتَّى لَوْ بَقِيَتْ بِيَدِ الْبَائِعِ، وَخَرَجَ الْمُقَابِلُ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَلْزَمْ الضَّامِنَ بَدَلُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَطْلَبِ تَفَقُّهًا (فَإِنْ ضَمِنَ قِيمَتَهُ بَعْدَ تَلَفِهِ) أَيْ الثَّمَنِ بِيَدِ الْبَائِعِ (فَكَمَا) لَوْ كَانَ (فِي الذِّمَّةِ) وَضَمِنَ الْعُهْدَةَ فَيَكُونُ ضَمَانَ ذِمَّةٍ
(فَصْلٌ وَإِنْ عَيَّنَ) الْكَفِيلُ فِي الْكَفَالَةِ (لِإِحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ) أَيْ لِتَسْلِيمِهِ لِلْمَكْفُولِ لَهُ (مَكَانًا تَعَيَّنَ وَمَتَى أُطْلِقَ حُمِلَ عَلَى مَوْضِعِ الْعَقْدِ) كَمَا فِي السَّلَمِ فِيهِمَا، وَكَلَامُهُمْ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ مَوْضِعِ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لَهُ مَوْضِعُ التَّكَفُّلِ كَاللُّجَّةِ أَوْ كَانَ لَهُ مُؤْنَةٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَظِيرِهِ فِي السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ
[حاشية الرملي الكبير]
(قَوْلُهُ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَيْ الْوَلِيُّ) فَلَوْ زَالَ الْحَجْرُ أَوْ انْعَزَلَ بَطَلَتْ مُطَالَبَتُهُ (قَوْلُهُ وَقَدْ بَحَثَهُ فِي الْمَطْلَبِ) اُعْتُبِرَ فِي الْمَطْلَبِ إذْنُ الْوَارِثِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: يُتَّجَهُ اشْتِرَاطُ إذْنِ كُلِّ الْوَرَثَةِ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ: الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ يُعْتَبَرُ إذْنُ الْوَلِيِّ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَلَا أَحْسَبُ أَحَدًا يَقُولُ: إنَّهُ إذَا مَاتَ عَنْ أَبٍ وَزَوْجَةٍ وَأَوْلَادٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ إذْنُ الْجَمِيعِ وَلَا يَكْفِي إذْنُ الْأَبِ فِي ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ فِي حِجْرِهِ لِسَفَهٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: الْمُوَافِقُ لِلْمَنْقُولِ أَنَّهُ يَكْفِي إذْنُ وَارِثٍ وَاحِدٍ فَقَطْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَيِّتَ إذَا مَاتَ، وَعَلَيْهِ صَوْمٌ وَصَامَ عَنْهُ الْأَجْنَبِيُّ كَفَاهُ أَنْ يَصُومَ بِإِذْنِ قَرِيبٍ وَاحِدٍ وَقَوْلُهُ الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَصْلٌ ضَمَانُ رَدِّ كُلِّ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ عَلَى مَنْ هِيَ بِيَدِهِ]
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ يَصِحُّ ضَمَانُ رَدِّ كُلِّ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ) وَإِنْ لَمْ تَلْزَمُ مُؤْنَةٌ رَدَّهَا (قَوْلُهُ نَقَلَهُ شَارِحُ التَّعْجِيزِ عَنْ الْأَصْحَابِ) وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا غَيْرُ الْمَضْمُونَةِ كَالْوَدِيعَةِ فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهَا إلَخْ) وَلَا تَصِحُّ بِإِحْضَارِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَغْصُوبَةِ الْبَاقِيَةِ الَّتِي لَا مُؤْنَةَ لِرَدِّهَا قَالَهُ فِي الْأَنْوَارِ وَهُوَ ضَعِيفٌ
[فَصْلٌ عَيَّنَ الْكَفِيلُ فِي الْكَفَالَةِ لِإِحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ]
(قَوْلُهُ: وَإِنْ عَيَّنَ لِإِحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ مَكَانًا تَعَيَّنَ إنْ كَانَ صَالِحًا) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ إذَا أَذِنَ فِيهِ الْمَكْفُولُ بِبَدَنِهِ وَرَضِيَ بِهِ وَإِلَّا فَالْجَزْمُ بِفَسَادِهَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَظِيرِهِ فِي السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ) الْفَرْقُ: أَنَّ وَضْعَ السَّلَمِ التَّأْجِيلُ، وَوَضْعُ الضَّمَانِ الْحُلُولُ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَوْقِيتُ الْكَفَالَةِ وَذَاكَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَهَذَا بَابُ غَرَامَةٍ فَافْتَرَقَا وَيُشْتَرَطُ فِيمَا يَظْهَرُ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ الْمَكْفُولُ بِبَدَنِهِ، وَإِلَّا فَتَفْسُدُ الْكَفَالَةُ وَلَا يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقُ الْإِذْنِ فِي الْكَفَالَةِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ مَوْضِعُ الْعَقْدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إذَا كَانَ صَالِحًا، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَوْضِعٍ فَإِنْ أَطْلَقَ فَسَدَتْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّلَمِ ع (قَوْلُهُ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِتَسْلِيمِهِ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ) لَوْ قَالَ: ضَمِنْت إحْضَارَهُ كُلَّمَا طَلَبَهُ الْمَكْفُولُ لَهُ فَهَذَا قَدْ يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ مَا دَامَ طَلَبُهُ ثَابِتًا عَلَى الْمَكْفُولِ بِبَدَنِهِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ السَّدِيدُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ مُقْتَضَى التَّكْرِيرِ تَعْلِيقَ الضَّمَانِ عَلَى طَلَبِ الْمَكْفُولِ لَهُ، وَتَعْلِيقُ الضَّمَانِ بَاطِلٌ.
اهـ. وَمُقْتَضَاهُ صِحَّةُ الضَّمَانِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ فِي التَّكَرُّرِ وَعَدَمِهِ وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ صِحَّةِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ: ضَمِنْت إحْضَارَهُ
وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ أَخْذًا بِمَفْهُومِ كَلَامِهِمْ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ السَّلَمَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَالتَّكَفُّلُ مَحْضُ الْتِزَامٍ (فَإِنْ أَحْضَرَهُ فِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الْمُعَيَّنِ فِي الْأُولَى، وَمَوْضِعِ الْعَقْدِ فِي الثَّانِيَةِ (فَامْتَنَعَ) الْمَكْفُولُ لَهُ مِنْ تَسَلُّمِهِ (لِغَرَضٍ) كَفَوْتِ حَاكِمٍ أَوْ مُعَيَّنٍ (جَازَ) امْتِنَاعُهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ امْتَنَعَ لَا لِغَرَضٍ (تَسَلَّمَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ) لِأَنَّ التَّسَلُّمَ حِينَئِذٍ لَازِمٌ لَهُ فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُ نَابَ عَنْهُ الْحَاكِمُ فِيهِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ سَلَّمَهُ إلَيْهِ وَأَشْهَدَ) بِهِ شَاهِدَيْنِ (وَيَبْرَأُ) الْكَفِيلُ (بِتَسْلِيمِهِ) لِلْمَكْفُولِ لَهُ (مَحْبُوسًا بِحَقٍّ) لِإِمْكَانِ إحْضَارِهِ وَمُطَالَبَتِهِ بِالْحَقِّ (لَا) مَحْبُوسًا بِغَيْرِ حَقٍّ لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهِ وَلَا غَيْرَ مَحْبُوسٍ (مَعَ مُتَغَلِّبٍ) لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِتَسْلِيمِهِ (وَ) يَبْرَأُ (بِتَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ نَفْسَهُ) لِلْمَكْفُولِ لَهُ (عَنْ جِهَتِهِ) بِأَنْ يَقُولَ لَهُ سَلَّمْت نَفْسِي إلَيْك عَنْ جِهَةِ الْكَفِيلِ كَمَا يَبْرَأُ الضَّامِنُ بِأَدَاءِ الْأَصِيلِ الدَّيْنَ (لَا) بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ (عَنْ غَيْرِهَا) أَيْ عَنْ غَيْرِ جِهَةِ الْكَفِيلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَيْهِ هُوَ، وَلَا أَحَدٍ عَنْ جِهَتِهِ حَتَّى لَوْ ظَفِرَ بِهِ الْمَكْفُولُ لَهُ، وَلَوْ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ وَادَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ الْكَفِيلُ.
وَأَوْلَى مِمَّا عَبَّرَ بِهِ قَوْلُ أَصْلِهِ: وَلَوْ لَمْ يُسَلِّمْ نَفْسَهُ عَنْ جِهَةِ الْكَفِيلِ لَمْ يَبْرَأْ الْكَفِيلُ لِتَنَاوُلِهِ مَا لَوْ سَلَّمَهُ لَا عَنْ جِهَةِ أَحَدٍ (وَ) يَبْرَأُ (بِتَسْلِيمِ أَجْنَبِيٍّ لَهُ) إنْ سَلَّمَهُ (عَنْ جِهَةِ الْكَفِيلِ وَبِإِذْنِهِ وَلَا يَلْزَمُ) الْمَكْفُولَ لَهُ (قَبُولُهُ إنْ سَلَّمَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْكَفِيلِ) وَلَوْ عَنْ جِهَتِهِ لَكِنْ لَوْ قَبِلَ عَنْ جِهَتِهِ بَرِئَ الْكَفِيلُ (وَلَوْ كَفَلَ بِهِ رَجُلَانِ مَعًا) أَوْ مُرَتَّبًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (فَأَحْضَرَهُ أَحَدُهُمَا) أَيْ سَلَّمَهُ (لَمْ يَبْرَأْ الْآخَرُ، وَإِنْ قَالَ: سَلَّمْته عَنْ صَاحِبِي) كَمَا لَوْ كَانَ بِالدَّيْنِ رَهْنَانِ فَانْفَكَّ أَحَدُهُمَا لَا يَنْفَكُّ الْآخَرُ وَيُفَارِقُ مَا لَوْ قَضَى أَحَدُ الضَّامِنَيْنِ الدَّيْنَ حَيْثُ يَبْرَأُ الْآخَرُ بِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ يُبْرِئُ الْأَصِيلَ، وَإِذَا بَرِئَ بَرِئَ كُلُّ ضَامِنٍ وَلَوْ كَفَلَ رَجُلٌ لِرَجُلَيْنِ فَسَلَّمَ إلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْ حَقِّ الْآخَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (فَإِنْ تَكَافَلَا) أَيْ الْكَفِيلَانِ ثُمَّ أَحْضَرَ أَحَدُهُمَا الْمَكْفُولَ بِهِ (بَرِئَ مُحْضِرُهُ مِنْ الْكَفَالَتَيْنِ) أَيْ كَفَالَتِهِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ (وَالْآخَرُ) يَبْرَأُ (مِنْ الْأُخْرَى) أَيْ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ كَفِيلَهُ سَلَّمَ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْأُولَى لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ عَنْ جِهَتِهِ (وَإِنْ قَالَ الْمَكْفُولُ لَهُ) لِلْكَفِيلِ (أَبْرَأْتُك) مِنْ حَقِّي (بَرِئَ) كَمَا يَبْرَأُ بِالتَّسْلِيمِ (أَوْ) قَالَ (لَا حَقَّ لِي عَلَى الْأَصِيلِ) ، أَوْ قِبَلَهُ (فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ وَالْكَفِيلُ) لِإِقْرَارِهِ الْمَذْكُورِ (وَالثَّانِي يُرَاجَعُ فَإِنْ فُسِّرَ بِشَيْءٍ) مِنْهُ نَفْيُ الدَّيْنِ أَوْ نَفْيُ الْوَدِيعَةِ أَوْ الشَّرِكَةِ أَوْ نَحْوِهِمَا (قُبِلَ) قَوْلُهُ.
(فَإِنْ كَذَّبَاهُ) أَوْ أَحَدُهُمَا فِي تَفْسِيرِهِ بِنَفْيِ الْوَدِيعَةِ أَوْ نَحْوِهَا (حَلَفَ) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي فِي الْإِقْرَارِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا دَعْوَى لِي عَلَى زَيْدٍ وَقَالَ: أَرَدْت فِي عِمَامَتِهِ وَقَمِيصِهِ لَا فِي دَارِهِ وَبُسْتَانِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ظَاهِرًا (وَيُطَالَبُ) الْكَفِيلُ (بِإِحْضَارِ غَائِبٍ عَلِمَ) هُوَ، وَالطَّرِيقُ آمِنٌ وَأَمْكَنَهُ إحْضَارُهُ عَادَةً (مَكَانَهُ وَلَوْ بَعُدَ) بِأَنْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ فَأَكْثَرَ سَوَاءٌ أَغَابَ بَعْدَ الْكَفَالَةِ أَمْ كَانَ غَائِبًا عِنْدَهَا (أَوْ مَاتَ) أَيْ الْغَائِبُ وَكَذَا الْحَاضِرُ الْمَفْهُومُ بِالْأَوْلَى (مَا لَمْ يُدْفَنْ لِيَرَاهُ الشُّهُودُ) فَيَشْهَدُونَ عَلَى صُورَتِهِ كَمَا لَوْ تَكَفَّلَ ابْتِدَاءً بِبَدَنِ مَيِّتٍ (وَيُمْهَلُ) الْكَفِيلُ (مُدَّةَ إحْضَارِهِ) أَيْ الْغَائِبِ ذَهَابًا وَإِيَابًا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَ ذَلِكَ مُدَّةُ إقَامَةِ الْمُسَافِرِينَ
[حاشية الرملي الكبير]
إنْ طَلَبَهُ الْمَكْفُولُ لَهُ ش وَقَوْلُهُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: لَا مَعَ مُتَغَلِّبٍ) لَوْ ادَّعَى الْكَفِيلُ تَسْلِيمَهُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ حَائِلٌ، وَقَالَ الْمَكْفُولُ لَهُ مَا أَسْلَمْت إلَّا وَهُنَاكَ حَائِلٌ فَمِنْ الْقَوْلِ قَوْلُهُ: وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الدَّبِيلِيُّ وَيَجْرِيَانِ فِي الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ إذَا اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ قَالَ: وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي مَوْضِعٍ تُمْكِنُهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْحَقِّ ثُمَّ أَخَذَهُ بِالْقَهْرِ بَرِئَ مِنْ ضَمَانِ الْبَيْعِ، وَقَوْلُهُ: وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إلَى آخِرِهِ قَالَ شَيْخُنَا أَصَحُّهُمَا تَصْدِيقُ الْكَفِيلِ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَم وُجُودِ الْحَائِلِ (قَوْلُهُ: وَيَبْرَأُ بِتَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِنَفْسِهِ إلَخْ) تَسْلِيمُ الْوَلِيِّ كَتَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ، وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ إذَا سَلَّمَا أَنْفُسَهُمَا عَنْ جِهَةِ الْكَفَالَةِ كَفَى، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ قَبِلَ حَصَلَ التَّسْلِيمُ، وَإِلَّا فَلَا د، وَقَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ عَنْ جِهَتِهِ) بِأَنْ عَيَّنَ تِلْكَ الْجِهَةَ أَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَشْهَدَ الْمَكْفُولَ أَنَّهُ سَلَّمَ نَفْسَهُ عَنْ كَفَالَةِ فُلَانٍ، وَبَرِئَ الْكَفِيلُ مِنْهَا، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ ثُمَّ الْإِشْهَادُ، وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ يُسَلِّمَانِ أَنْفُسَهُمَا عَنْ جِهَةِ الْكَفِيلِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِيهِ وَقْفَةٌ؛ إذْ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِمَا، وَلَمْ أَرَهُ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ قُبِلَ حَصَلَ التَّسْلِيمُ، وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ فَإِنْ أَحْضَرَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَبْرَأْ الْآخَرُ، وَإِنْ قَالَ: سَلَّمْت عَنْ صَاحِبِي) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَعَلَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَقْبَلْ الْمَكْفُولُ لَهُ وَلَمْ يَأْذَنْ الْكَفِيلُ فَأَمَّا إذَا قَبِلَ أَوْ أَذِنَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْرَأَ كَمَا لَوْ أَحْضَرَهُ أَجْنَبِيٌّ، وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَيْسَ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي الْإِحْضَارِ بِخِلَافِ الِاثْنَيْنِ يَتَكَفَّلَانِ فَإِنَّهُ إذَا أَحْضَرَهُ أَحَدُهُمَا فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ فَلَا يَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ الْحَقُّ الْمُتَعَلِّقُ بِصَاحِبِهِ قَالَ شَيْخُنَا؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ لَا يَقَعُ إلَّا وَاجِبًا عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُقْبَلُ اشْتِرَاكُهُ عَنْ صَاحِبِهِ فَكَلَامُ الْأَصْحَابِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَتَقْيِيدُ الْبُلْقِينِيِّ مَرْدُودٌ، وَقَوْلُهُ: وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ كَمَا رَهَنَ بِالدَّيْنِ رَهْنَانِ فَانْفَكَّ أَحَدُهُمَا) قَالَ شَيْخُنَا أَيْ بِإِسْقَاطِ الْمُسْتَحِقِّ حَقَّهُ مِنْ تِلْكَ الْوَثِيقَةِ بِفَكِّ الرَّهْنِ، وَإِلَّا فَبِالْأُولَى لَا يُتَصَوَّرُ (قَوْلُهُ أَحَدُهُمَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيُطَالَبُ بِإِحْضَارِ غَائِبٍ عُلِمَ مَكَانُهُ) وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: إنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَكَانُهُ (قَوْلُهُ سَوَاءٌ أَغَابَ بَعْدَ الْكَفَالَةِ أَمْ كَانَ غَائِبًا عِنْدَهَا) سَوَاءٌ أَكَانَ بِبَلَدِ الْمَكْفُولِ حَاكِمٌ أَمْ لَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحُضُورُ مَعَ الْكَفِيلِ حِينَئِذٍ لِإِذْنِهِ لَهُ فِي الْكَفَالَةِ وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عَلَيْهِ أَمْ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَ ذَلِكَ مُدَّةُ إقَامَةِ الْمُسَافِرِينَ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ إمْهَالُهُ لِانْتِظَارِ رُفْقَةٍ يَأْمَنُ مَعَهُمْ وَعِنْدَ الْأَمْطَارِ وَالثُّلُوجِ الشَّدِيدَةِ وَالْأَوْحَالِ الْمُؤْذِيَةِ الَّتِي لَا تُسْلَكُ عَادَةً وَلَا يُرْهَقُ وَلَا يُحْبَسُ مَعَ هَذِهِ الْأَعْذَارِ.
اهـ. وَقَوْلُهُ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالظَّاهِرُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
لِلِاسْتِرَاحَةِ وَتَجْهِيزِ الْمَكْفُولِ، وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَأَكْثَرَ بِخِلَافِ مَا دُونَهَا قَالَ فِي الْأَصْلِ: فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَحْضُرْ حُبِسَ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: أَيْ إنْ لَمْ يُؤَدِّ الدَّيْنَ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ، قَالَ: فَلَوْ أَدَّاهُ ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَالْمُتَّجَهُ أَنَّ لَهُ اسْتِرْدَادَهُ وَكَانَ وَجْهُهُ أَنَّهُ إنَّمَا غَرِمَهُ لِلْفُرْقَةِ وَإِذَا حُبِسَ أُدِيمَ حَبْسُهُ إلَى أَنْ يَتَعَذَّرَ إحْضَارُ الْغَائِبِ بِمَوْتٍ أَوْ جَهْلٍ بِمَوْضِعِهِ أَوْ إقَامَتِهِ عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُهُ قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا حَذَفَ ذِكْرَ جَوَازِ الْحَبْسِ اكْتِفَاءً بِمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي أَوْ لِأَنَّهُ يَرَى خِلَافَهُ تَبَعًا لِجَمْعٍ.
فَقَدْ جَزَمَ الرُّويَانِيُّ وَالْعَبَّادِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِالْمَنْعِ قَبْلَ حِكَايَتِهِمْ الْجَوَازَ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَقَالَ: إنَّ الْمَنْعَ أَقْرَبُ، قَالَ: وَالْقَائِلُونَ بِالْحَبْسِ قَاسُوهُ عَلَى الْمَالِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ فَإِنَّهُ هُنَا فِي حُكْمِ الْمُعْسِرِ الْمَدْيُونِ وَمِثْلُهُ لَا يُحْبَسُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إحْضَارِهِ (فَلَوْ مَاتَ) الْمَكْفُولُ بِهِ (أَوْ تَسَتَّرَ لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ الْكَفِيلَ (الْمَالُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ كَمَا لَوْ ضَمِنَ الْمُسْلَمَ فِيهِ فَانْقَطَعَ لَا يُطَالَبُ بِرَأْسِ الْمَالِ (بَلْ لَوْ شَرَطَ إلْزَامَهُ) وَفِي نُسْخَةٍ: الْتِزَامَهُ (إيَّاهُ بَطَلَتْ) كَفَالَتُهُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَاهُ، وَبَطَلَ الْتِزَامُ الْمَالِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ صَيَّرَ الضَّمَانَ مُعَلَّقًا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَك أَنْ تَقُولَ: هَلَّا بَطَلَ الشَّرْطُ فَقَطْ كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ بِشَرْطِ رَدِّ مُكَسَّرٍ عَنْ صَحِيحٍ أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمَضْمُونِ لَهُ أَوْ ضَمِنَ الْمُؤَجَّلَ بِشَرْطِ الْحُلُولِ بِجَامِعِ أَنَّهُ زَادَ خَيْرًا انْتَهَى وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَشْرُوطَ فِي تِلْكَ صِفَةٌ تَابِعَةٌ وَفِي هَذِهِ أَصْلٌ يُفْرَدُ بِعَقْدٍ وَالتَّابِعُ يُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأَصْلِ قَالَ: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ: كَفَلْت بِدَيْنِهِ بِشَرْطِ الْغُرْمِ أَوْ عَلَى أَنِّي أَغْرَمُ أَوْ نَحْوَهُ فَلَوْ قَالَ: كَفَلْت بَدَنَهُ، فَإِنْ مَاتَ فَعَلَى الْمَالِ صَحَّتْ الْكَفَالَةُ، وَبَطَلَ الْتِزَامُ الْمَالِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ الشَّرْطَ أَيْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ الْكَفَالَةُ أَيْضًا، وَقَدْ يُمْنَعُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي دَعْوَى الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، وَالْأَصَحُّ تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ عَلَى مَا مَرَّ.
(وَلَوْ مَاتَ الْمَكْفُولُ لَهُ لَمْ تَبْطُلْ) أَيْ الْكَفَالَةُ وَبَقِيَ الْحَقُّ لِوَرَثَتِهِ كَمَا فِي ضَمَانِ الْمَالِ (فَإِنْ خَلَّفَ وَرَثَةً وَغُرَمَاءَ وَوَصِيًّا بِتَفْرِيقِ الثُّلُثِ) لِمَالِهِ (لَمْ يَبْرَأْ) أَيْ الْكَفِيلُ (إلَّا بِالتَّسْلِيمِ إلَى الْجَمِيعِ، وَهَلْ يَكْفِي) التَّسْلِيمُ إلَى (الْمُوصَى لَهُ عَنْ) التَّسْلِيمِ إلَى (الْوَصِيِّ) حَتَّى يَكْفِيَ التَّسْلِيمُ إلَيْهِ مَعَ الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ الْمَالَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَإِنَّمَا الْوَصِيُّ نَائِبٌ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ لِلْوَصِيِّ وِلَايَةً عَلَى أَهْلِ الْوَصَايَا فَصَارَ كَوَلِيِّ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ (وَجْهَانِ) أَوْجَهُهُمَا الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِأَخْذِ مَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ الْإِيصَاءِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمَحَلُّهُ فِي الْمُوصَى لَهُ الْمَحْصُورِ لَا كَالْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ (فَصْلٌ يُشْتَرَطُ رِضَا الْمَكْفُولِ بِهِ) لِمَا مَرَّ فِي ضَابِطِ الْكَفَالَةِ (لَا) رِضَا (الْمَكْفُولِ لَهُ) كَمَا لَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمَضْمُونِ لَهُ (فَلَوْ كَفَلَ بِهِ بِلَا إذْنٍ) مِنْهُ (لَمْ تَلْزَمْهُ إجَابَتُهُ) أَيْ الْكَفِيلِ فَلَيْسَ لِلْكَفِيلِ مُطَالَبَتُهُ، وَإِنْ طَالَبَ الْمَكْفُولُ لَهُ الْكَفِيلَ كَمَا فِي ضَمَانِ الْمَالِ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ إجَابَتُهُ فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ إنْ طَالَبَهُ الْمَكْفُولُ لَهُ كَأَنْ قَالَ لَهُ: أَخْرِجْ عَنْ حَقِّي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ التَّوْكِيلَ فِيهِ، وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَمَا رَجَّحَهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَجِّهْ أَمْرَهُ بِطَلَبِهِ قَالَ: وَتَوْجِيهُ اللُّزُومِ بِتَضَمُّنِ الْمُطَالَبَةِ التَّوْكِيلَ بَعِيدٌ (إلَّا إنْ سَأَلَهُ الْمَكْفُولُ لَهُ إحْضَارَهُ) كَأَنْ قَالَ لَهُ: أَحْضِرْهُ (إلَى الْقَاضِي فَإِنَّهُ) إذَا أَحْضَرَهُ بِاسْتِدْعَاءِ الْقَاضِي لَهُ (يُجِيبُ) وُجُوبًا لَا بِسَبَبِ الْكَفَالَةِ بَلْ (لِأَنَّهُ وَكِيلُ صَاحِبِ الْحَقِّ) فِي إحْضَارِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ اسْتَدْعَاهُ الْقَاضِي، وَعَلَى هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مَسَافَةِ الْعَدَوِيِّ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْت اسْتِدْعَاءَ الْقَاضِي تَبَعًا لِلْقَاضِي وَابْنِ الرِّفْعَةِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْحَقِّ لَوْ طَلَبَ إحْضَارَ خَصْمِهِ إلَى الْقَاضِي لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ مَعَهُ بَلْ يَلْزَمُهُ أَدَاءُ الْحَقِّ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِاعْتِبَارِ إحْضَارِهِ إلَى الْقَاضِي مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ (وَلَا حَبْسَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُحْضِرْهُ) فِيمَا إذَا لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ لِأَنَّهُ حُبِسَ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ فَلَوْ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ هَذَا عَلَى الْمُسْتَثْنَى لَوَافَقَ أَصْلَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَ تَأْخِيرَهُ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ مُطْلَقًا لِمَا مَرَّ أَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مَعَ اسْتِدْعَاءِ الْقَاضِي، وَقَدْ يُشِيرُ كَلَامُهُ إلَى أَنَّ الْكَفِيلَ بِالْإِذْنِ يُحْبَسُ إنْ لَمْ يُحْضِرْهُ وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ
(الرُّكْنُ الْخَامِسُ) لِلضَّمَانِ الشَّامِلِ لِلْكَفَالَةِ (صِيغَةُ لِالْتِزَامِ) لِتَدُلَّ عَلَى الرِّضَا وَالْمُرَادُ بِهَا مَا يُشْعِرُ بِالِالْتِزَامِ فَيَشْمَلُ اللَّفْظَ وَالْكِتَابَةَ وَإِشَارَةَ الْأَخْرَسِ (كَضَمِنْتُ مَا لَكَ عَلَى فُلَانِ أَوْ تَكَفَّلْت بِبَدَنِهِ أَوْ أَنَا بِإِحْضَارِ بَدَنِهِ أَوْ أَنَا بِالْمَالِ) أَوْ بِإِحْضَارِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ أَصْلُهُ (أَوْ بِإِحْضَارِ الشَّخْصِ كَفِيلٌ أَوْ زَعِيمٌ أَوْ ضَامِنٌ أَوْ حَمِيلٌ أَوْ قَبِيلٌ) أَوْ صَبِيرٌ أَوْ ضَمِينٌ أَوْ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ فَالْمُتَّجَهُ أَنَّ لَهُ اسْتِرْدَادَهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَالَ الْبَكْرِيُّ: فِيهِ تَطْوِيلٌ الْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ.
اهـ. الْأَقْرَبُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْأَدَاءِ لِيُخَلِّصَ نَفْسَهُ ع رَدَّهُ وَالِدِي بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَبَرِّعٍ، وَإِنَّمَا بَذَلَهُ لِلْحَيْلُولَةِ فس قَالَ شَيْخُنَا: عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَرَدَّ مِنْهُ هُوَ الْمَكْفُولُ لَهُ عِنْدَ تَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ لَا أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى الْمَكْفُولِ (قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَلَوْ مَاتَ أَوْ تَسَتَّرَ) أَيْ أَوْ هَرَبَ (قَوْلُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَك أَنْ تَقُولَ: هَلَّا بَطَلَ الشَّرْطُ كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ إلَخْ) شَرْطُ الْمُكَسَّرِ عَنْ الصَّحِيحِ، وَشَرْطُ أَنْ يُقْرِضَهُ غَيْرَهُ لَا يُنَافِي الْقَرْضَ بَلْ هُوَ ضَمُّ إرْفَاقٍ إلَى إرْفَاقٍ، وَوَعْدٌ بِإِحْسَانٍ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الْغُرْمِ فِيهَا مُنَافٍ لِمَوْضُوعِ الْكَفَالَةِ، وَكَذَلِكَ شَرْطُ ضَمَانِ الْمُؤَجَّلِ حَالًّا فَإِنَّهُ تَبَرَّعَ بِالْتِزَامِ التَّعْجِيلِ كَمَا تَبَرَّعَ بِأَصْلِ الْكَفَالَةِ فَلَا تَنَافِيَ فس (قَوْلُهُ وَقَدْ يُمْنَعُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي دَعْوَى الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ إلَخْ) يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ وَإِنْ رَجَعَ إلَى ذَلِكَ بَطَلَتْ أَيْضًا كَمَا لَوْ بَاعَ ذِرَاعًا مِنْ أَرْضٍ، وَقَالَ: أَرَدْت بِهِ مُعَيَّنًا؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمَحَلُّهُ فِي الْمُوصَى لَهُ الْمَحْصُورِ إلَخْ) هَذَا إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِسَبَبِ مَالٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِسَبَبِهِ فَالْمُسْتَحِقُّ لِلْكَفَالَةِ الْوَارِثُ وَحْدَهُ (قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ إنْ قَصَدَ تَأْخِيرَهُ لِيُفِيدَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُشِيرُ كَلَامُهُ إلَى أَنَّ الْكَفِيلَ بِالْإِذْنِ يُحْبَسُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ: كَضَمِنْتُ مَالَك عَلَى فُلَانٍ أَوْ تَكَفَّلْت بِهِ إلَخْ)
كَافِلٌ وَكُلُّهَا صَرَائِحُ وَفِي الْأَصْلِ لَفْظَةُ لَك بَعْدَ ضَمِنْت فَحَذَفَهَا الْمُصَنِّفُ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ ذِكْرَهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ إنَّهُ الظَّاهِرُ (وَقَوْلُهُ خَلِّ عَنْهُ وَالْمَالُ) الَّذِي لَك عَلَيْهِ (عَلَيَّ صَرِيحٌ) لِأَنَّ عَلَى لِلِالْتِزَامِ وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا هُنَا مِنْ زِيَادَتِهِ (لَا) قَوْلُهُ خَلِّ عَنْهُ وَالْمَالُ (عِنْدِي وَإِلَيَّ) أَيْ أَوْ إلَيَّ أَوْ مَعِي فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ لِاحْتِمَالِهِ غَيْرَ الِالْتِزَامِ، وَقَدْ تُسْتَشْكَلُ الثَّلَاثُ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ خَلِّ عَنْ مُطَالَبَتِهِ فَشَرْطٌ فَاسِدٌ، وَإِلَّا فَضَمَانٌ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ، وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ قَالَ: أَبْرِئْ الْكَفِيلَ، وَأَنَا كَافِلُ الْمَكْفُولِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ خَلِّ عَنْ مُطَالَبَتِهِ الْآنَ أَيْ قَبْلَ الضَّمَانِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَطْلَقَ أَوْ أَرَادَ خَلِّ عَنْهَا أَبَدًا لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَقَوْلُهُ أُؤَدِّي) الْمَالَ (وَأُحْضِرُ) أَيْ أَوْ أُحْضِرُ الْمَالَ أَوْ الشَّخْصَ (وَعْدٌ لَا يَلْزَمُ) الْوَفَاءُ بِهِ لِأَنَّ الصِّيغَةَ لَا تُشْعِرُ بِالِالْتِزَامِ نَعَمْ إنْ صَحِبَهُ قَرِينَةُ الْتِزَامٍ فَيَنْبَغِي كَمَا فِي الْمَطْلَبِ صِحَّتُهُ (وَقَوْلُ كَفِيلٍ أَبْرَأَهُ الْمُسْتَحِقُّ) ثُمَّ وَجَدَهُ مُلَازِمًا لِلْخَصْمِ خَلِّهِ وَ (أَنَا بَاقٍ عَلَى الْكَفَالَةِ) عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَأَنَا عَلَى مَا كُنْت عَلَيْهِ مِنْ الْكَفَالَةِ (كَافٍ) فِي أَنَّهُ صَارَ كَفِيلًا لِأَنَّهُ إمَّا مُبْتَدِئٌ بِالْكَفَالَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ أَوْ مُخْبِرٌ بِهِ عَنْ كَفَالَةٍ وَاقِعَةٍ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ فُسِخَتْ الْكِتَابَةُ فَقَالَ السَّيِّدُ: أَقْرَرْتُك عَلَى الْكِتَابَةِ حَيْثُ لَمْ تَعُدْ الْكِتَابَةُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الضَّمَانَ مَحْضُ غَرَرٍ وَغَبْنٍ فَكَفَى فِيهِ ذَلِكَ مِنْ الْمُلْتَزِمِ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ وَنَحْوِهَا
(فَصْلٌ وَيَبْطُلُ الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ) الْوَاقِعَانِ (بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلضَّامِنِ) فِي الْأُولَى (وَالْكَفِيلِ) فِي الثَّانِيَةِ لِمُنَافَاتِهِ مَقْصُودَهُمَا، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُلْتَزِمَ فِيهِمَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْغَرَرِ أَمَّا شَرْطُهُ لِلْمُسْتَحِقِّ فَلَيْسَ بِمُبْطِلٍ؛ لِأَنَّ الْخِيَرَةَ فِي الْإِبْرَاءِ وَالطَّلَبِ إلَيْهِ أَبَدًا، وَشَرْطُهُ لِلْأَجْنَبِيِّ كَشَرْطِهِ لِلضَّامِنِ (وَ) يَبْطُلَانِ (بِالتَّوْقِيتِ) كَضَمِنْتُ أَوْ كَفَلْت إلَى رَجَبٍ (وَالتَّعْلِيقُ) بِوَقْتٍ أَوْ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: إذَا جَاءَ رَجَبٌ، أَوْ إنْ لَمْ يُؤَدِّ مَا لَكَ غَدًا فَقَدْ ضَمِنْت أَوْ كَفَلْت كَالْبَيْعِ فِيهِمَا (وَلَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ ضَمِنَ) أَوْ كَفَلَ (بِشَرْطِ خِيَارٍ) مُفْسِدٍ (وَبِتَوْقِيتٍ) فَكَذَّبَهُ الْمُسْتَحِقُّ (صُدِّقَ الْمُسْتَحِقُّ) بِيَمِينِهِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَبْعِيضِ الْإِقْرَارِ، وَقَوْلُهُ: وَبِتَوْقِيتٍ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَالْوَاوُ فِيهِ بِمَعْنَى أَوْ (وَإِنْ قَالَ) الضَّامِنُ أَوْ الْكَفِيلُ (لَا حَقَّ عَلَى مَنْ) ضَمِنْت أَوْ (كَفَلْت بِهِ صُدِّقَ الْمُسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ) لِأَنَّ الضَّمَانَ وَالْكَفَالَةَ لَا يَكُونَانِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ أَيْ غَالِبًا، وَالتَّرْجِيحُ فِي أَنَّهُ إنَّمَا يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَسَبَقَهُ إلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ (فَإِنْ نَكَلَ) الْمُسْتَحِقُّ (حَلَفَ) الضَّامِنُ وَ (الْكَفِيلُ وَبَرِئَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَالْمَكْفُولِ بِهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ: وَحْدَهُ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي هَذِهِ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ فِيمَا لَوْ قَالَ الْكَفِيلُ: بَرِئَ الْمَكْفُولُ وَأَنْكَرَ الْمَكْفُولُ لَهُ، وَبِهِ صَرَّحَ أَصْلُهُ (وَيَبْطُلُ) مَا ذُكِرَ (بِشَرْطِ زِيَادَةٍ عَلَى الْمَالِ لَا الْمُتَبَرَّعِ) أَيْ الزِّيَادَةِ (مِنْ الدَّيْنِ) كَأَنْ ضَمِنَ رَجُلًا بِأَلْفٍ وَشَرَطَ لِلْمَضْمُونِ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كُلَّ شَهْرٍ دِرْهَمًا، وَلَا يَحْسِبُهُ مِنْ الدَّيْنِ وَلَا حَاجَةَ مَعَ قَوْلِهِ زِيَادَةٍ عَلَى الْمَالِ إلَى مَا بَعْدَهُ بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ إذْ لَيْسَ لَنَا زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ لِيُسْتَثْنَى مِنْ الدَّيْنِ فَلَوْ قَالَ بِشَرْطِ إعْطَاءِ مَالٍ لَا آخَرَ مِنْ الدَّيْنِ لَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ (وَ) تَبْطُلُ الْكَفَالَةُ (بِقَوْلِهِ كَفَلْت بِزَيْدٍ فَإِنْ أَحْضَرْته وَإِلَّا فَبِعَمْرٍو) كَفَلْت أَمَّا كَفَالَةُ زَيْدٍ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهَا وَكَأَنَّهُ قَالَ كَفَلْت بِبَدَنِ هَذَا أَوْ ذَاكَ وَأَمَّا كَفَالَةُ عَمْرٍو فَلِتَعْلِيقِهَا (وَبِقَوْلِهِ) لِلْمَكْفُولِ لَهُ (أَبْرِئْ الْكَفِيلَ، وَأَنَا كَفِيلُ الْمَكْفُولِ) لِأَنَّهُ تَكَفَّلَ بِشَرْطِ إبْرَاءِ الْكَفِيلِ، وَهُوَ فَاسِدٌ، وَفِي نُسْخَةٍ، وَأَنَا كَافِلٌ بِالْمَالِ، وَكُلٌّ صَحِيحٌ لَكِنَّ الْمُوَافِقَ لِلْأَصْلِ الْأُولَى
(فَصْلٌ لَوْ نَجَّزَ الْكَفَالَةَ وَأَجَّلَ الْإِحْضَارَ بِمَعْلُومٍ) نَحْوُ أَنَا كَفِيلٌ بِزَيْدٍ أُحْضِرُهُ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ ضَمِنْت إحْضَارَهُ بَعْدَ شَهْرٍ (جَازَ) لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ وَلِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِعَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ فَجَازَ مُؤَجَّلًا كَالْعَمَلِ فِي الْإِجَارَةِ (فَإِنْ أَحْضَرَهُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْأَجَلِ (فَكَمَا سَبَقَ فِي الْمَكَانِ) الَّذِي شَرَطَ التَّسْلِيمَ فِيهِ، وَقَدْ مَرَّ وَخَرَجَ بِالْمَعْلُومِ مَا لَوْ أَجَّلَ بِمَجْهُولٍ كَالْحَصَادِ فَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ (وَلَوْ ضَمِنَ الْحَالَّ مُؤَجَّلًا بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ أَوْ عَكَسَ) أَيْ ضَمِنَ الْمُؤَجَّلَ حَالًّا (صَحَّ) إذْ الضَّمَانُ تَبَرُّعٌ فَيُحْتَمَلُ فِيهِ اخْتِلَافُ الدَّيْنَيْنِ فِي الصِّفَةِ لِلْحَاجَةِ (وَلَزِمَ الْوَفَاءُ) فِي
[حاشية الرملي الكبير]
لَوْ تَكَفَّلَ بِالْمَالِ وَالْبَدَنِ فَقَالَ ضَمِنْت مَالَك عَلَى فُلَانٍ وَتَكَفَّلْت بِبَدَنِهِ صَحَّ وَيَكُونُ ضَامِنًا وَكَفِيلًا وَلَوْ تَكَفَّلَ بِدَيْنٍ بِرَهْنٍ صَحَّ (قَوْلُهُ نَعَمْ إنَّ صِحَّتَهُ قَرِينَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْخَادِمِ: لَكِنَّ الْقَرَائِنَ لَا تَنْفُلُ اللَّفْظَ إلَى الصَّرِيحِ (قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي كَمَا فِي الْمَطْلَبِ صِحَّتُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ السُّبْكِيُّ بِكَلَامٍ لِلْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِ وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ كِنَايَةٌ فَإِنَّ الْعَامِّيَّ يَقْصِدُ بِهِ الِالْتِزَامَ فَإِذَا اعْتَرَفَ بِقَصْدِهِ بِهِ الضَّمَانَ أَوْ الْكَفَالَةَ أُلْزِمَ بِذَلِكَ.
اهـ. قَالَ وَالِدِي: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْبَغَوِيّ: لَوْ قَالَ: دَارِي لِزَيْدٍ فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ، فَإِنْ قَالَ: قَصَدْت بِالْإِضَافَةِ كَوْنَهَا مَعْرُوفَةً بِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ فس، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ: أُطَلِّقُ وَأَرَادَتْ الْإِنْشَاءَ فَإِنَّهُ يَقَعُ حَالًّا، وَقَالَ فِي الْأَنْوَارِ: وَلَوْ قَالَ: خَلِّ عَنْ فُلَانِ، وَالدَّيْنُ الَّذِي لَك عَلَيْهِ إلَيَّ أَوْ مَعِي أَوْ عِنْدِي فَهُوَ كِنَايَةٌ (قَوْلُهُ: وَأَنَا عَلَى مَا كُنْت عَلَيْهِ مِنْ الْكَفَالَةِ) مِثْلُهُ فَقَدْ عُدْت إلَى مَا كُنْت عَلَيْهِ (قَوْلُهُ بِأَنَّ الضَّمَانَ مَحْضُ غَرَرٍ وَغَبْنٍ إلَخْ) وَبِأَنَّ مُعْظَمَ الِاعْتِمَادِ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى التَّعْلِيقِ، وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَصْلُحُ لَهُ بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ
[فَصْلٌ الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ الْوَاقِعَانِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلضَّامِنِ]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الضَّمَانَ وَالْكَفَالَةَ لَا يَكُونَانِ إلَخْ) وَلِأَنَّ الْكَفِيلَ بِإِقْدَامِهِ عَلَى الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ مُصَدِّقٌ بِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَصْدِيقَ الْمَكْفُولِ لَهُ لَا أَنَّ تَقَدُّمَ الثُّبُوتِ فِي الظَّاهِرِ شَرْطٌ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِثُبُوتِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ الْمُرَادُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ
[فَصْلٌ نَجَّزَ الْكَفَالَةَ وَأَجَّلَ الْإِحْضَارَ بِمَعْلُومٍ نَحْوُ أَنَا كَفِيلٌ بِزَيْدٍ أُحْضِرُهُ بَعْدَ شَهْرٍ]
(قَوْلُهُ فَكَمَا سَبَقَ فِي الْمَكَانِ) فَيُنْظَرُ هَلْ لَهُ غَرَضٌ فِي الِامْتِنَاعِ كَتَأْجِيلِ الدَّيْنِ أَوْ غَيْبَةِ الْبَيِّنَةِ أَمْ لَا غَرَضَ لَهُ (قَوْلُهُ وَلَوْ ضَمِنَ الْحَالَّ مُؤَجَّلًا بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ أَوْ عَكَسَ صَحَّ إلَخْ)
الْأُولَى (بِالتَّأْجِيلِ) فَلَا يُطَالَبُ الضَّامِنُ إلَّا كَمَا الْتَزَمَ وَلَا نَقُولُ اُلْتُحِقَ الْأَجَلُ بِالدَّيْنِ الْحَالِّ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ مُؤَجَّلًا ابْتِدَاءً وَلَا يَبْعُدُ الْحُلُولُ فِي حَقِّ الْأَصِيلِ دُونَ الْكَفِيلِ كَمَا لَوْ مَاتَ الْأَصِيلُ (لَا التَّعْجِيلِ) فِي الثَّانِيَةِ أَيْ لَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ الْوَفَاءُ بِهِ كَمَا لَوْ الْتَزَمَ الْأَصِيلُ التَّعْجِيلَ وَلِأَنَّهُ فَرْعُ الْأَصِيلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَعَلَى هَذَا هَلْ يَثْبُتُ الْأَجَلُ فِي حَقِّهِ مَقْصُودًا أُمّ تَبَعًا لِقَضَاءِ حَقِّ الْمُشَابَهَةِ وَجْهَانِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُمَا فِيمَا لَوْ مَاتَ الْأَصِيلُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ.
وَرَجَّحَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي أَنَّهُ يَحِلُّ عَلَيْهِ بِمَوْتِ الْأَصِيلِ فَالرَّاجِحُ الثَّانِي كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّعْجِيزِ فِي شَرْحِهِ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا صَرَّحَ بِهِ أَصْلُهُ أَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ الْحَالَّ حَالًا أَوْ أَطْلَقَ لَزِمَهُ حَالًّا أَوْ الْمُؤَجَّلَ مُؤَجَّلًا بِأَجَلِهِ أَوْ أَطْلَقَ لَزِمَهُ لِأَجَلِهِ (أَوْ) ضَمِنَ الْمُؤَجَّلَ مُؤَجَّلًا (بِأَجَلٍ أَقْصَرَ) مِنْ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ (فَكَالْمُؤَجَّلِ) أَيْ فَكَضَمَانِ الْمُؤَجَّلِ (حَالًّا) بَعْدَ مُضِيِّ الْأَقْصَرِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ) الدَّيْنُ (بِمَوْتِ الْأَصِيلِ) مُطْلَقًا فِي الْمُنْظَرِ بِهَا وَبَعْدَ مُضِيِّ الْأَقْصَرِ فِي الْمُنْظَرَةِ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّهُ لَوْ أَجَّلَ بِأَجَلٍ أَطْوَلَ لَزِمَهُ لِأَجَلِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ تَكَفَّلَ كَفَالَةً مُؤَجَّلَةً بِبَدَنِ مَنْ تَكَفَّلَ بِغَيْرِهِ كَفَالَةً حَالَّةً صَحَّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَلَوْ تَكَفَّلَ بِالْبَدَنِ أَوْ النَّفْسِ أَوْ الرُّوحِ) أَوْ الْجِسْمِ (وَكَذَا بِعُضْوٍ لَا يَبْقَى) الشَّخْصُ (دُونَهُ كَالرَّأْسِ وَالْقَلْبِ) وَالْكَبِدِ وَالدِّمَاغِ (أَوْ جُزْءٍ شَائِعٍ كَالرُّبْعِ وَالثُّمُنِ صَحَّ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ ذَلِكَ إلَّا بِتَسْلِيمِ كُلِّ الْبَدَنِ فَكَانَ كَالتَّكَفُّلِ بِكُلِّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْتَمَلَ فِيهِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ لِلْحَاجَةِ (لَا) مَا يَبْقَى الشَّخْصُ دُونَهُ (كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ) وَالْوَجْهِ وَالْعَيْنِ وَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْحَاوِي مِنْ أَنَّ الْعَيْنَ كَالرَّأْسِ لَيْسَ فِيهِ وَلَا يُسَاعِدُهُ عَلَيْهِ الْمَعْنَى نَعَمْ إنْ أُرِيدَ بِهَا النَّفْسُ صَحَّ لَكِنَّهُ لَا يُلَائِمُ مَا قَرَنَهَا بِهِ مِنْ الْأَعْضَاءِ الَّتِي لَا يَبْقَى الشَّخْصُ بِدُونِهَا أَوْ التَّرْجِيحُ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ وَفِي التَّفْصِيلِ فِي الْعُضْوِ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ وَجَزَمَ بِهِ فِيهِمَا فِي الْأَنْوَارِ وَرَجَّحَهُ فِي الثَّانِي فِي التَّنْبِيهِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الصَّيْمَرِيُّ وَصَحَّحَهُ الْخُوَارِزْمِيَّ وَحَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ قَطْعِ الْمَاوَرْدِيِّ
(الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ) (الْأَوَّلُ مُطَالَبَةُ الْمُسْتَحِقِّ لَهُمَا) أَيْ لِلضَّامِنِ وَالْأَصِيلِ بِأَنْ يُطَالِبَهُمَا جَمِيعًا أَوْ يُطَالِبَ أَيَّهُمَا شَاءَ بِالْجَمِيعِ أَوْ يُطَالِبَ أَحَدَهُمَا بِبَعْضِهِ وَالْآخَرَ بِبَاقِيهِ أَمَّا الضَّامِنُ فَلِخَبَرِ «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» وَأَمَّا الْأَصِيلُ فَلِأَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ عَلَيْهِ وَتَعْبِيرُهُ بِالْمُسْتَحِقِّ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالْمَضْمُونِ لَهُ لِتَنَاوُلِهِ الْوَارِثَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ أَفْلَسَ الضَّامِنُ وَالْمَضْمُونُ عَنْهُ فَقَالَ الضَّامِنُ لِلْحَاكِمِ بِعْ أَوَّلًا مَالَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَقَالَ الْمَضْمُونُ لَهُ أُرِيدُ أَبِيعُ مَالَ أَيِّكُمَا شِئْت قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ كَانَ الضَّمَانُ بِالْإِذْنِ أُجِيبَ الضَّامِنُ وَإِلَّا فَالْمَضْمُونُ لَهُ (فَلَوْ شَرَطَ) فِي الضَّمَانِ (بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ بَطَلَتْ) صِيغَتُهُ لِمُنَافَاةِ الشَّرْطِ مُقْتَضَاهَا (وَإِنْ ضَمِنَ بِهِ) أَيْ بِالدَّيْنِ وَالْأَوْلَى ضَمِنَهُ (أَوْ كَفَلَ) بِالْكَفِيلِ كَفِيلٌ (آخَرُ وَبِالْآخَرِ آخَرُ وَهَكَذَا طَالَبَهُمْ) الْمُسْتَحِقُّ بِمَا الْتَزَمُوا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الِالْتِزَامِ (فَإِنْ بَرِئَ الْأَصِيلُ) بِإِبْرَاءٍ أَوْ أَدَاءً أَوْ حَوَالَةٍ مِنْهُ، أَوْ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ غَيْرِهَا (بَرِءُوا) كُلُّهُمْ لِسُقُوطِ الْحَقِّ
[حاشية الرملي الكبير]
يَسْأَلُ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا إذَا رَهَنَ عَنْ الدَّيْنِ الْحَالِّ، وَشَرَطَ فِي الرَّهْنِ أَجَلًا لَمْ يَصِحَّ وَلَا عَكْسُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالضَّمَانُ وَالرَّهْنُ كِلَاهُمَا وَثِيقَةٌ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الرَّهْنَ عَيْنٌ فَلَا يَدْخُلُهُ التَّأْجِيلُ وَالْحُلُولُ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَعَلُّقَاتِ مَا فِي الذِّمَمِ (قَوْلُهُ وَجْهَانِ) أَصَحُّهُمَا ثَانِيهِمَا (قَوْلُهُ قَالَ صَاحِبُ التَّعْجِيزِ فِي شَرْحِهِ) وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ الْأَقْرَبُ وَجَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ (قَوْلُهُ أَوْ الْمُؤَجَّلُ مُؤَجَّلًا إلَخْ) يُشْتَرَطُ فِي الْمُؤَجَّلِ مَعْرِفَتُهُ بِقَدْرِ الْأَجَلِ، وَلَوْ قَالَ: كَفَلْت مُؤَجَّلًا، وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ مُعَجَّلًا، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاهِدًا فَهَلْ يَكُونُ مُؤَجَّلًا أَوْ يَحْلِفُ كُلٌّ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَتَسَاقَطَانِ وَيَبْقَى مُؤَجَّلًا قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا ثَانِيهِمَا (قَوْلُهُ: وَيَحِلُّ عَلَيْهِ بِمَوْتِ الْأَصِيلِ) يَحِلُّ عَلَى مَنْ مَاتَ دُونَ مَنْ جُنَّ وَيَحِلُّ أَيْضًا بِاسْتِرْقَاقِ الْحَرْبِيِّ (قَوْلُهُ كَالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ يُسْتَثْنَى مِنْ الْأَعْضَاءِ الْوَجْهُ فَإِنَّ الْكَفَالَةَ بِهِ صَحِيحَةٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] . اهـ. قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: وَإِنْ قَالَ: تَكَفَّلْت بِيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ أَوْ وَجْهِهِ أَوْ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ فَسَدَتْ (قَوْلُهُ لَا مَا يَبْقَى الشَّخْصُ بِدُونِهِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَفِي قَوْلِهِ لَا يُعَبَّرُ بِالْيَدِ عَنْ الْجُمْلَةِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى الْيَدِ كَانَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِطَرِيقِ التَّعْبِيرِ بِالْيَدِ عَنْ الْجُمْلَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَالَ صَاحِبُ الْمَيْدَانِ: مُرَادُ صَاحِبِ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الرَّأْسَ وَالرَّقَبَةَ كِلَاهُمَا يُعَبِّرُ عَنْ الشَّخْصِ نَفْسِهِ فَيُقَالُ: مِائَةُ رَأْسٍ وَمِائَةُ رَقَبَةٍ وَوَرَدَ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَأَمَّا الْيَدُ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ فِيهَا اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ، وَإِنْ صَحَّ اسْتِعْمَالُهُ مَجَازًا وَحِينَئِذٍ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ مَا قَالُوهُ هُنَا وَفِي كِتَابِ الطَّلَاقِ (قَوْلُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِيهِمَا صَاحِبُ الْأَنْوَارِ) أَيْ وَغَيْرُهُ
[الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الضَّمَان]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِهِ) (قَوْلُهُ وَتَعْبِيرُهُ بِالْمُسْتَحِقِّ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ إلَخْ) أَمَّا الْمُحْتَالُ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ بَرِئَتْ بِالْحَوَالَةِ نَعَمْ الْمَضْمُونُ لَا يَشْمَلُ مَنْ يَرْجِعُ لَهُ الضَّمَانُ فِي الظَّاهِرِ وَمَنْ يَثْبُتُ لَهُ الدَّيْنُ فِي الْبَاطِنِ، وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى مَنْ يَثْبُتُ لَهُ الدَّيْنُ بَاطِنًا، وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِيمَنْ ضَمِنَ دَيْنًا لِآخَرَ ثُمَّ أَقَرَّ مِنْ الدَّيْنِ بِاسْمِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ الثَّالِثُ فَهَلْ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ الدَّيْنُ بِهَذَا الْإِقْرَارِ أَنْ يُطَالِبَ الضَّامِنَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّ لَهُ الْمُطَالَبَةَ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (قَوْلُهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ كَانَ الضَّمَانُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَإِنْ بَرِئَ الْأَصِيلُ بَرُؤَا) اسْتَثْنَى فِي الْخَادِمِ مَا لَوْ جَنَى عَبْدٌ عَلَى حُرٍّ جِنَايَةً أَرْشُهَا مَثَلًا دِينَارٌ فَضَمِنَهُ السَّيِّدُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثُمَّ رُهِنَ الْعَبْدَ عِنْدَهُ عَلَى الدِّينَارِ فَذَكَرَ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ عَنْ الْإِيضَاحِ لِلصَّيْمَرِيِّ إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَدْ أَبْرَأَ الْعَبْدَ مِنْ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ أَيْ بَعْدَ أَنْ ضَمِنَهُ السَّيِّدُ جَازَ رَهْنُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَكُونُ رَهْنًا بِالْجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا تَأَكَّدَ بِهِ ذَلِكَ بِضَمَانِ السَّيِّدِ، وَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَالسَّيِّدُ ضَامِنٌ، وَلَا يَبْرَأُ بِإِبْرَاءِ الْعَبْدِ
(أَوْ) بَرِئَ (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْأَصِيلِ مِنْ الْمُلْتَزِمِينَ بِإِبْرَاءٍ (بَرِئَ) هُوَ (وَمَنْ بَعْدَهُ) لِأَنَّهُ فَرْعُهُ فَيَبْرَأُ بِبَرَاءَتِهِ (لَا مِنْ قَبْلِهِ) لِأَنَّ الْأَصِيلَ لَا يَبْرَأُ بِبَرَاءَةِ فَرْعِهِ؛ لِأَنَّهَا سُقُوطُ تَوْثِقَةٍ فَلَا يَسْقُطُ بِهَا الْحَقُّ كَفَكِّ الرَّهْنِ أَمَّا بَرَاءَتُهُ بِغَيْرِ الْإِبْرَاءِ فَيَبْرَأُ بِهَا مِنْ قَبْلِهِ أَيْضًا (وَيَحِلُّ الْمُؤَجَّلُ) فِي غَيْرِ مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ الْمُؤَجَّلِ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا بِأَقْصَرَ (عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا) وَلَوْ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ لِخَرَابِ ذِمَّتِهِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْآخَرِ لِارْتِفَاقِهِ بِالْأَجَلِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ، وَيُسْتَثْنَى مَعَ مَا ذَكَرْته مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ رَهَنَ مِلْكَهُ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ لِغَيْرِهِ لَمْ يَحِلَّ الدَّيْنُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ فِي عَيْنٍ لَا فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ التَّعْدِيلِ بِخَرَابِ الذِّمَّةِ (وَلِلضَّامِنِ) بِالْإِذْنِ (مُطَالَبَةُ الْمُسْتَحِقِّ بِإِبْرَائِهِ أَوْ طَلَبِ حَقِّهِ مِنْ التَّرِكَةِ) أَيْ تَرِكَةِ الْأَصِيلِ لِأَنَّهَا قَدْ تَتْلَفُ فَلَا يَجِدُ مَرْجِعًا إذَا غَرِمَ (وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ ضَامِنٍ سَلَّمُوا) الدَّيْنَ مِنْ تَرِكَتِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ (مُطَالَبَةٌ) لِلْمَضْمُونِ عَنْهُ (قَبْلَ الْحُلُولِ لِلدَّيْنِ)
(الْحُكْمُ الثَّانِي) فِي مُطَالَبَةِ الضَّامِنِ الْأَصِيلَ بِالْأَدَاءِ وَعَدَمِهَا مَعَ مَا ذُكِرَ مَعَهُمَا (لِلضَّامِنِ بِالْإِذْنِ) مِنْ الْأَصِيلِ (الْمُطَالَبَةُ) لَهُ (بِخَلَاصِهِ) بِأَنْ يُؤَدِّيَ الْحَقَّ لِمُسْتَحِقِّهِ لِيَبْرَأَ هُوَ بِبَرَاءَتِهِ (إنْ طُولِبَ) بِهِ كَمَا أَنَّهُ يَغْرَمُهُ إذَا غَرِمَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُطَالِبْ بِهِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا وَلَا طُولِبَ بِشَيْءٍ بِخِلَافِ الْمُعِيرِ لِلرَّهْنِ لَهُ طَلَبُ فَكِّهِ كَمَا مَرَّ لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ عَنْهُ بِالْحَقِّ وَفِيهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَلَوْ كَانَ الْأَصِيلُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِصِبًا فَلِلضَّامِنِ - بِإِذْنِ وَلِيِّهِ إنْ طُولِبَ طَلَبُ الْوَلِيِّ بِتَخْلِيصِهِ مَا لَمْ يَزُلْ الْحَجْرُ فَإِنْ زَالَ تَوَجَّهَ الطَّلَبُ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَيُقَاسُ بِالصَّبِيِّ الْمَجْنُونُ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ سَوَاءٌ أَكَانَ الضَّمَانُ بِإِذْنِهِمَا قَبْلَ الْجُنُونِ وَالْحَجْرِ أَمْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا بَعْدُ (لَا) الْمُطَالَبَةُ (بِالْمَالِ) لِيَدْفَعَهُ أَوْ بَدَلَهُ لِلْمُسْتَحِقِّ (مَا لَمْ يُسَلِّمْ وَلَوْ حَبَسَ) إذْ لَمْ يَفُتْ عَلَيْهِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ شَيْءٌ، وَالتَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ حُبِسَ أَوْ لَمْ يُحْبَسْ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَفُهِمَ مِنْهُ بِالْأُولَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَبْسُ الْأَصِيلِ، وَإِنْ حُبِسَ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ، وَلَا مُلَازَمَتُهُ؛ إذْ لَا يَثْبُتُ لَهُ حَقٌّ عَلَى الْأَصِيلِ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ، وَفِي نُسْخَةٍ، وَلَوْ حُبِسَ لَمْ يَحْبِسْهُ، وَهِيَ الْمُوَافِقَةُ لِلْأَصْلِ لَكِنَّ الْأُولَى أَكْثَرُ فَائِدَةً، وَاسْتُشْكِلَ عَدَمُ جَوَازِ حَبْسِهِ لَهُ، وَإِنْ حُبِسَ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْمُطَالَبَةِ بِخَلَاصِهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَالِي بِهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَتَهَا لَا تَنْحَصِرُ فِي ذَلِكَ بَلْ مِنْ فَوَائِدِهَا إحْضَارُهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَتَفْسِيقُهُ إذَا امْتَنَعَ بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْوَلَدِ مُطَالَبَةَ وَالِدِهِ بِدَيْنِهِ، وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ، أَمَّا إذَا سَلَّمَ فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ وَحَبْسُهُ وَمُلَازَمَتُهُ، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَصِيلُ الْمَالَ بِلَا مُطَالَبَةٍ، وَقُلْنَا: لَا يَمْلِكُهُ أَيْ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ وَيَضْمَنُهُ إنْ هَلَكَ كَالْمَقْبُوضِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ فَلَوْ قَالَ لَهُ: اقْضِ بِهِ مَا ضَمِنْت عَنِّي فَهُوَ وَكِيلٌ، وَالْمَالُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَصْلُ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ (وَلَوْ أَبْرَأَ الضَّامِنُ الْأَصِيلَ أَوْ صَالَحَهُ عَمَّا سَيَغْرَمُ) فِيهِمَا (أَوْ رَهَنَهُ الْأَصِيلُ) شَيْئًا بِمَا ضَمِنَهُ (أَوْ كَفَلَ) أَيْ أَقَامَ بِهِ كَفِيلًا (لَمْ يَصِحَّ) لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلضَّامِنِ عَلَيْهِ حَقٌّ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ وَعَبَّرَ الْأَصْلُ بَدَلَ كَفَلَ يَضْمَنُ وَكُلٌّ صَحِيحٌ (وَلَوْ شَرَطَهُ) أَيْ شَرَطَ الضَّامِنُ (فِي) ابْتِدَاءِ (الضَّمَانِ) أَنْ يَرْهَنَهُ الْأَصِيلُ شَيْئًا بِمَا يَضْمَنُهُ، أَوْ يُقِيمَ لَهُ بِهِ ضَامِنًا (فَسَدَ) الضَّمَانُ لِفَسَادِ الشَّرْطِ، وَشُمُولُ كَلَامِهِ لِشَرْطِ الرَّهْنِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَقَوْلُهُ: أَوْ صَالَحَهُ عَمَّا سَيَغْرَمُ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ: صَالَحَهُ عَنْ الْعَشَرَةِ الَّتِي سَيَغْرَمُهَا عَلَى خَمْسَةٍ
(الْحُكْمُ الثَّالِثُ الرُّجُوعُ وَلَا يَرْجِعُ ضَامِنٌ بِغَيْرِ إذْنٍ) مِنْ الْأَصِيلِ سَوَاءٌ أَدَّى بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ بِالضَّمَانِ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ أَمْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِتَبَرُّعِهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لَمَا صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمَيِّتِ بِضَمَانِ أَبِي قَتَادَةَ لِبَقَاءِ الْحَقِّ (وَ) لَا (مُتَبَرِّعٍ) بِالْأَدَاءِ بِأَنْ (أَدَّى بِلَا إذْنٍ) لِتَبَرُّعِهِ بِخِلَافِ مَنْ أَوْجَرَ طَعَامَهُ لِمُضْطَرٍّ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ أَوْ غَيْرُهُ بَرِئَ وَمَنْ بَعْدَهُ لَا مَنْ قَبْلَهُ) وَلَوْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ لَمْ يَبْرَأْ الْأَصِيلُ؛ لِأَنَّ إبْرَاءَهُ إسْقَاطٌ لِلْوَثِيقَةِ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي سُقُوطَ أَصْلِ الدَّيْنِ قَالَ فِي الْخَادِمِ: أَطْلَقَ الْإِبْرَاءَ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ إبْرَاءٌ مِنْ الضَّمَانِ أَوْ الدَّيْنِ لَكِنَّ تَعْلِيلَهُ يُرْشِدُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ إبْرَاؤُهُ مِنْ الضَّمَانِ أَمَّا إذَا أَبْرَأَهُ مِنْ الدَّيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْرَأَ الْأَصِيلُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا تَعَدَّدَتْ مَحَالُّهُ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ فِيهِ تَصْرِيحًا قَالَ شَيْخُنَا لَا يُنَافِيهِ مَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَوْ أَدَّى بَعْضَ الدَّيْنِ وَأَبْرَأَهُ مِنْ بَاقِيهِ لَمْ يَبْرَأْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الْإِبْرَاءَ مِنْ الْوَثِيقَةِ، وَلَا مَا فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ الْمَحَلِّيِّ لِتَنْزِيلِهَا عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّعَهُ فَيَبْرَأُ بِبَرَاءَتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ يَسْقُطُ بِسُقُوطِ أَصْلِهِ كَمَا يَنْفَكُّ الرَّهْنُ بِالْبَرَاءَةِ (فَرْعٌ) لَوْ وَكَّلَ رَبُّ الدَّيْنِ الضَّامِنَ فِي أَنْ يُبْرِئَ الْأَصِيلَ صَحَّ وَبَرِئَا جَمِيعًا، وَإِنْ وَكَّلَ الْأَصِيلَ فِي أَنْ يُبْرِئَ الضَّامِنَ صَحَّ وَبَرِئَ دُونَ الْأَصِيلِ (قَوْلُهُ: وَيَحِلُّ الْمُؤَجَّلُ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا) مِثْلُ الْمَوْتِ الِاسْتِرْقَاقُ (قَوْلُهُ: مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ أَنَّهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ ضَامِنٍ سَلَّمُوا مُطَالَبَةٌ قَبْلَ الْحُلُولِ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَيْسَ دَيْنٌ يَثْبُتُ بِغَيْرِ عَقْدٍ، وَلَا إتْلَافٍ مُؤَجَّلًا إلَّا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَدِّ دَيْنِي إذَا حَلَّ فَأَدَّاهُ قَبْلَ الْحُلُولِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَرْجِعُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ، وَهُوَ بَعِيدٌ
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ) أَيْ بِفَوَاتِ يَدِ مَالِكِهِ عَنْهُ وَمَنْعِهِ مِنْ تَصَرُّفِهِ فِيهِ (قَوْلُهُ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَبْسُ الْأَصِيلِ، وَلَوْ حُبِسَ) قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: لَكِنْ لَهُ أَنْ يَقُولَ: احْبِسُوا الْأَصِيلَ مَعِي قَالَ شَيْخُنَا: لَعَلَّهُ مِنْ بَابِ إرْهَاقِهِ إلَى خَلَاصِهِ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لَهُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مُعَانَدَتُهُ لَهُ كا (قَوْلُهُ بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْوَلَدِ مُطَالَبَةَ وَالِدِهِ بِدَيْنِهِ) وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ، وَأَنَّ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ مُطَالَبَتَهُ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ، وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فَهُوَ وَكِيلٌ، وَالْمَالُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَوْ كَانَ الضَّامِنُ وَكِيلَ صَاحِبِ الدَّيْنِ فِي الْقَبْضِ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَقَبَضَهُ لِمُوَكِّلِهِ كَانَ أَمِينًا وَقَدْ كَتَبْت عَلَيْهَا فَتْوَى فِي الْوَكَالَةِ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَرْجِعُ ضَامِنٌ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ الْأَصِيلِ) شَمِلَ مَا إذَا أَذِنَ لَهُ الْمَدْيُونُ فِي أَدَاءِ دَيْنِهِ فَضَمِنَهُ وَأَدَّى مِنْ جِهَةِ الضَّمَانِ، وَمَا لَوْ قَالَ: أَدِّ عَنِّي مَا ضَمِنْتُهُ لِتَرْجِعَ بِهِ عَلَيَّ قَالَ شَيْخُنَا: عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ فِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ لَوْ أَدَّى عَنْ جِهَةِ الْإِذْنِ رَجَعَ
إبْقَاءً لِلْمُهْجَةِ (فَلَوْ أَدَّيَا) أَيْ الضَّامِنُ بِغَيْرِ إذْنٍ وَالْمُتَبَرِّعُ بِالْأَدَاءِ (بِالْإِذْنِ رَجَعَ الْمُتَبَرِّعُ) لِلْعُرْفِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَفَارَقَ نَظِيرَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْغَسَّالِ وَنَحْوِهِ بِأَنَّ الْمُسَامَحَةَ فِي الْمَنَافِعِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الْأَعْيَانِ، وَمُرَادُهُ بِهَذَا الْمُتَبَرِّعُ الْمُؤَدِّي بِلَا ضَمَانٍ وَإِلَّا فَالْمَأْذُونُ لَهُ غَيْرُ مُتَبَرِّعٍ فَفِي إطْلَاقِ الْمُتَبَرِّعِ عَلَيْهِ تَجَوُّزٌ (لَا الضَّامِنُ) أَيْ لَا يَرْجِعُ كَمَا قَدَّمَهُ، وَكَأَنَّهُ أَعَادَهُ لِيَسْتَثْنِيَ مِنْهُ قَوْلَهُ (إلَّا إنْ أَدَّى بِشَرْطِ الرُّجُوعِ) فَيَرْجِعُ كَغَيْرِ الضَّامِنِ وَلَوْ أَدَّى الْوَلِيُّ دَيْنَ مَحْجُورٍ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ أَوْ ضَمِنَهُ عَنْهُ كَذَلِكَ رَجَعَ قَالَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ (وَالضَّامِنُ بِالْإِذْنِ يَرْجِعُ، وَلَوْ أَدَّى بِلَا إذْنٍ) لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي سَبَبِ الْأَدَاءِ نَعَمْ إنْ ثَبَتَ الضَّمَانُ بِالْبَيِّنَةِ وَهُوَ مُنْكِرٌ كَأَنْ ادَّعَى عَلَى زَيْدٍ وَغَائِبٍ أَلْفًا، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ضَمِنَ مَا عَلَى الْآخَرِ بِإِذْنِهِ فَأَنْكَرَ زَيْدٌ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، وَغَرَّمَهُ لَمْ يَرْجِعْ زَيْدٌ عَلَى الْغَائِبِ بِالنِّصْفِ لِكَوْنِهِ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ فَهُوَ مَظْلُومٌ بِزَعْمِهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَحَيْثُ ثَبَتَ الرُّجُوعُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَرْضِ حَتَّى يَرْجِعَ فِي الْمُتَقَوِّمِ بِمِثْلِهِ صُورَةً وَمَحَلُّ رُجُوعِ الضَّامِنِ إذَا أَدَّى مِنْ مَالِهِ لَا مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ كَمَا قَدَّمَهُ فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ
(فَرْعٌ مِنْ الْأَدَاءِ أَنْ يُحِيلَ الضَّامِنُ) الْمُسْتَحِقَّ عَلَى غَيْرِهِ (أَوْ يُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ يَصِيرَ) الْحَقُّ (إرْثًا لَهُ أَوْ يُصَالِحَ عَنْهُ) الْمُسْتَحِقَّ بِعِوَضٍ فَيَرْجِعَ بِهِ الضَّامِنُ بِالْإِذْنِ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهَا دُونَ الضَّامِنِ بِغَيْرِ الْإِذْنِ عَلَى مَا مَرَّ إلَّا فِي صَيْرُورَتِهِ إرْثًا لَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ مُطْلَقًا لِكَوْنِهِ صَارَ لَهُ وَهُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ (فَلَوْ صَالَحَ) الضَّامِنُ الْمُسْتَحِقَّ (عَنْ الْأَلْفِ) الْمَضْمُونَةِ (بِعَبْدٍ رَجَعَ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ)
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: لِلْعُرْفِ فِي الْمُعَامَلَاتِ) وَلِأَنَّهُ صَرَفَ مَالَهُ إلَى مَنْفَعَةِ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: اعْلِفْ دَابَّتِي فَعَلَفَهَا فِي مِلْكِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ (قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَرْجِعُ كَمَا قَدَّمَهُ) مَا قَدَّمَهُ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ انْتِقَاءِ الْإِذْنِ فِي الضَّمَانِ وَالْأَدَاءِ (قَوْلُهُ: إلَّا إنْ أَدَّى بِشَرْطِ الرُّجُوعِ فَيَرْجِعُ) أَيْ فِي الْمِثْلِيِّ بِالْمِثْلِ، وَالْمُتَقَوِّمُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْقَرْضِ فَيَرْجِعُ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بَعْدَ هَذَا بِأَنَّ الْأَدَاءَ فِي ضِمْنِهِ إقْرَاضُ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، وَقَالَ الْقَمُولِيُّ: فَإِنْ كَانَ الْمَضْمُونُ مِثْلِيًّا رَجَعَ بِمِثْلِهِ وَإِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا رَجَعَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْقَرْضِ (قَوْلُهُ وَالضَّامِنُ بِالْإِذْنِ يَرْجِعُ) لَوْ نَهَاهُ عَنْ الْأَدَاءِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يَتَّجِهُ أَنَّهُ إنْ نَهَاهُ بَعْدَ الضَّمَانِ لَمْ يُؤَثِّرْ أَوْ قَبْلَهُ فَإِنْ انْفَصَلَ عَنْ الْإِذْنِ فَهُوَ رُجُوعٌ أَوْ اتَّصَلَ بِهِ أَوْ أَفْسَدَهُ، وَقَوْلُهُ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ يَتَّجِهُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (فَرْعٌ) قَالَ جَلَالُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ لَوْ أَذِنَ إنْسَانٌ فِي الضَّمَانِ فَقَالَ الضَّامِنُ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُؤَدِّيَ دَيْنَ فُلَانٍ فَإِذَا طُولِبَ وَأَدَّى هَلْ يَرْجِعُ لَمْ نَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، وَقِيَاسُ الْفِقْهِ يَقْتَضِي أَنْ لَا رُجُوعَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَدَّى تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ - تَعَالَى، وَوَفَاءً بِنَذْرِهِ لَا عَنْ جِهَةِ الضَّمَانِ، وَهُوَ فَرْعٌ حَسَنٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ. أَمَّا لَوْ قَالَ الضَّامِنُ بِالْإِذْنِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُؤَدِّيَ دَيْنَ فُلَانٍ وَلَا أَرْجِعَ بِهِ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ قَالَ شَيْخُنَا وَوَجْهُهُ أَنَّهُ صَارَ قُرْبَةً مُسْتَحَبَّةً تَنْعَقِدُ بِالنَّذْرِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ إنْ حُمِلَ عَلَى نَذْرٍ صَدَرَ مِنْهُ بَعْدَ إذْنِ الْأَصِيلِ وَقَبْلَ الضَّمَانِ أَوْ بَعْدَهُمَا وَقَصَدَ بِالْأَدَاءِ غَيْرَ جِهَةِ الضَّمَانِ فَظَاهِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ بَعْدَ الضَّمَانِ صَارَ الدَّيْنُ لَازِمًا لَهُ فَنَذْرُ أَدَائِهِ مِنْ بَابِ نَذْرِ الْوَاجِب وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ كا.
(تَنْبِيهٌ) وَلَوْ ضَمِنَ عَبْدٌ دَيْنًا عَلَى سَيِّدِهِ بِإِذْنِهِ وَأَدَّاهُ، وَلَوْ بَعْدَ عِتْقِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ ضَمِنَ السَّيِّدُ دَيْنًا عَلَى عَبْدِهِ غَيْرِ الْمُكَاتَبِ بِإِذْنِهِ وَأَدَّاهُ قَبْلَ عِتْقِهِ، أَوْ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِإِذْنِهِ وَأَدَّاهُ بَعْدَ تَعْجِيزِهِ لَمْ يَرْجِعْ، وَلَوْ ضَمِنَ فَرْعٌ عَنْ أَصْلِهِ صَدَاقَ زَوْجَتِهِ بِإِذْنِهِ ثُمَّ طَرَأَ إعْسَارُهُ بِحَيْثُ وَجَبَ الْإِعْفَافُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَامْتَنَعَتْ الزَّوْجَةُ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ الصَّدَاقَ فَأَدَّاهُ الضَّامِنُ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ الرُّجُوعُ وَلَوْ أَيْسَرَ الْمَضْمُونُ وَكَذَا لَوْ ضَمِنَهُ عَنْهُ عِنْدَ وُجُوبِ الْإِعْفَافِ بِإِذْنِهِ ثُمَّ أَدَّى (قَوْلُهُ فَهُوَ مَظْلُومٌ بِزَعْمِهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ) مِثْلُهُ لَوْ قَالَ الضَّامِنُ: أَقَبَضَك الْأَصِيلُ، وَأَنْكَرَ الْأَصِيلُ وَلَمْ يَثْبُتْ، وَسَلَّمَ الضَّامِنُ (قَوْلُهُ وَمَحَلُّ رُجُوعِ الضَّامِنِ إذَا أَدَّى مِنْ مَالِهِ) أَيْ وَلَمْ يَقْصِدْ الْأَدَاءَ عَنْ غَيْرِ جِهَةِ الضَّمَانِ
(قَوْلُهُ: فَرْعٌ مِنْ الْأَدَاءِ أَنْ يُحِيلَ الضَّامِنُ أَوْ يُحَالُ عَلَيْهِ) قَالَ جَلَالُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ: لَوْ أَبْرَأَ الْمُحْتَالُ الضَّامِنَ فَهَذِهِ فِيهَا وَقْفَةٌ كَبِيرَةٌ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْرَمْ شَيْءٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِالرُّجُوعِ؛ لِأَنَّ هَذَا إبْرَاءٌ مِنْ غَيْرِ صَاحِب الدَّيْنِ، وَهُوَ الْمَضْمُونُ لَهُ وَهَذَا الثَّانِي أَرْجَحُ، قَالَ شَيْخُنَا: لَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُمْ: قَرِينَةٌ أَنَّ مِنْ الْأَدَاءِ الْحَوَالَةَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ ثَبَتَ بِهَا الرُّجُوعُ فَمَحَلُّهُ لَهُ حَيْثُ لَمْ يُبْرِئْ الْمُسْتَحِقُّ الضَّامِنَ فَإِنْ أَبْرَأَهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا، وَقَوْلُهُ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَرْجِعُ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ إلَّا فِي صَيْرُورَتِهِ إرْثًا لَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ مُطْلَقًا إلَخْ) قَالَ فِي الْخَادِمِ: يُمْكِنُ تَنْزِيلُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ عَلَى صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَدْفَعَ الضَّامِنُ الدَّيْنَ لِلْمَضْمُونِ لَهُ ثُمَّ مَاتَ فَوَرِثَهُ الضَّامِنُ قَبْلَ الرُّجُوعِ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ بِسَبَبِ عَوْدِهِ إلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْأَصِيلِ أَنْ يَقُولَ: أَنْتَ لَمْ تَغْرَمْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي دَفَعْته عَادَ إلَيْك؛ لِأَنَّ لِلضَّامِنِ أَنْ يَقُولَ: اخْتَلَفَ السَّبَبُ لِأَنِّي دَفَعْته بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَصَارَ إلَيَّ بِسَبَبِ الْإِرْثِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَتَعْبِيرُ الرَّافِعِيِّ بِالصَّيْرُورَةِ دُونَ الِانْتِقَالِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، وَيُقَاسُ بِذَلِكَ الصُّورَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الرَّافِعِيُّ بَعْدَ هَذَا بِوَرَقَتَيْنِ فِيمَا لَوْ أَدَّى الضَّامِنُ الدَّيْنَ ثُمَّ وَهَبَهُ رَبُّ الْمَالِ لَهُ فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الْأَصِيلِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا لَوْ وَهَبَتْ الصَّدَاقَ مِنْ الزَّوْجِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْأَصَحُّ الرُّجُوعُ وَالتَّعْبِيرُ بِالصَّيْرُورَةِ يَشْمَلُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الصَّدَاقُ وَسَائِرُ التَّمْلِيكَاتِ؛ لِأَنَّ الصَّيْرُورَةَ مَعْنَاهَا ذَهَابُ الشَّيْءِ، وَعَوْدُهُ إلَى مَا كَانَ
الثَّانِيَةُ: ضَامِنُ الضَّامِنِ إذَا وَرِثَ دَيْنَ الْمَضْمُونِ لَهُ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِجِهَةِ الْإِرْثِ، وَيَبْرَأُ هُوَ مِنْ الضَّمَانِ لِانْتِقَالِ الْحَقِّ إلَيْهِ فَتُنَزَّلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ بِالْإِرْثِ مَنْزِلَةَ بَرَاءَتِهِ بِالْأَدَاءِ، فَيَرْجِعُ حِينَئِذٍ عَلَى الضَّامِنِ إنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ، وَإِلَّا فَلَا وَلَا يَجِيءُ هَذَا فِي الضَّامِنِ لِرَبِّ الدَّيْنِ؛ إذْ لَا وَاسِطَةَ يَرْجِعُ إلَيْهِ بِجِهَةِ الضَّمَانِ بِخِلَافِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ.
اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ الْعِمَادِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ صَالَحَ عَنْ الْأَلْفِ الْمَضْمُونَةِ بِعَبْدٍ إلَخْ) شَمِلَ دَيْنَ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ، وَإِنَّمَا وَقَعَ عَنْ نَظِيرِهِ، وَكَذَلِكَ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُك الْعَبْدَ بِمَا ضَمِنْته لَك صَحَّ فِي الْأَصَحِّ وَأَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَهُ وَلَوْ كَانَ قَرْضًا لَرَجَعَ بِمَا بَاعَ بِهِ هَكَذَا بَيَاضٌ بِالْأَصْلِ
مِنْ الْأَلْفِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ يَوْمَ الْأَدَاءِ وَقِسْ عَلَيْهِ فَلَوْ صَالَحَهُ عَنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ خَمْسَةٌ أَوْ مِنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ فَلَا يَرْجِعُ إلَّا بِخَمْسَةٍ؛ لِأَنَّهَا الْمَغْرُومَةُ فِي الْأُولَى، وَلِتَبَرُّعِهِ بِالزَّائِدِ عَلَيْهَا فِي الثَّانِيَةِ (وَلَوْ بَاعَهُ الْعَبْدُ بِالدَّيْنِ) الَّذِي ضَمِنَهُ (رَجَعَ بِالدَّيْنِ) عَلَى الْأَصِيلِ وَيُقَدَّرُ أَنَّهُ دَخَلَ بِالْبَيْعِ فِي مِلْكِهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مِلْكِ الْمُسْتَحِقِّ وَفُهِمَ مِمَّا قَالَهُ بِالْأُولَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بِأَلْفٍ وَتَقَاصَّا رَجَعَ بِالْأَلْفِ، وَمَا قَالَهُ فِي الْأُولَى هُوَ مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الرَّافِعِيُّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ السُّبْكِيُّ: الْوَجْهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الصُّلْحِ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ وَذَكَرَ نَحْوَهُ الشَّيْخُ نُورُ الدِّينِ الْأَرْدَبِيلِيُّ فِيمَا شَرَحَهُ عَلَى الْمِنْهَاجِ وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَا انْتَهَى وَقَدْ يُفَرَّقُ بِمَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الصُّلْحِ الْآتِيَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ (وَلَوْ أَدَّى مُكَسَّرَةً عَنْ صِحَاحٍ رَجَعَ بِالْمُكَسَّرَةِ) لِأَنَّهَا الَّتِي غَرِمَهَا (لَا عَكْسُهُ) بِأَنْ أَدَّى صِحَاحًا عَنْ مُكَسَّرَةٍ فَلَا يَرْجِعُ بِالصِّحَاحِ لِتَبَرُّعِهِ بِالزَّائِدِ نَعَمْ إنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا
(مَسَائِلُ) تَتَعَلَّقُ بِالرُّجُوعِ لَوْ (صَالَحَهُ) أَيْ الْمُسْتَحِقَّ (الضَّامِنُ) مِنْ الدَّيْنِ (عَلَى الْبَعْضِ) مِنْهُ (أَوْ أَدَّى الْبَعْضَ) لَهُ (وَأَبْرَأَهُ) الْمُسْتَحِقُّ (مِنْ الْبَاقِي رَجَعَ بِمَا أَدَّى) وَبَرِئَ فِيهِمَا (وَبَرِئَ الْأَصِيلُ عَنْ الْبَاقِي فِي صُورَةِ الصُّلْحِ فَقَطْ) أَيْ لَا فِي صُورَةِ الْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الضَّامِنِ لَا تَسْتَلْزِمُ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ، وَإِنَّمَا بَرِئَ فِي تِلْكَ، وَإِنْ كَانَ صُلْحُ الْحَطِيطَةِ إبْرَاءً فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يُشْعِرُ بِقَنَاعَةِ الْمُسْتَحِقِّ بِالْقَلِيلِ عَنْ الْكَثِيرِ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي ثُمَّ نَظَرَ فِيهِ بِأَنَّهُ مُسَلَّمٌ فِيمَنْ جَرَى الصُّلْحُ مَعَهُ لَا مُطْلَقًا، وَفَرَّقَ غَيْرُهُمْ بِأَنَّ الصُّلْحَ يَقَعُ عَنْ أَصْلِ الدَّيْنِ، وَبَرَاءَةُ الضَّامِنِ إنَّمَا تَقَعُ عَنْ الْوَثِيقَةِ
(وَلَوْ ضَمِنَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ عَنْ مُسْلِمٍ دَيْنًا فَصَالَحَ صَاحِبَهُ عَلَى خَمْرٍ لَغَا) الصُّلْحُ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ أَدَاءَ الضَّامِنِ لِلْمُسْتَحِقِّ يَتَضَمَّنُ إقْرَاضَ الْأَصِيلِ مَا أَدَّاهُ وَتَمْلِيكَهُ إيَّاهُ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ هُنَا فَلَا يَبْرَأُ الْمُسْلَمُ كَمَا لَوْ دَفَعَ الْخَمْرَ بِنَفْسِهِ
(وَلَوْ وَهَبَ) الْمُسْتَحِقُّ (لِلضَّامِنِ مَا أَدَّى) لَهُ (رَجَعَ بِهِ) كَمَا لَوْ وَهَبَتْ الصَّدَاقَ لِلزَّوْجِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَحِقُّ لِلضَّامِنِ: وَهَبْتُك الدَّيْنَ الَّذِي ضَمِنْته لِي كَانَ كَالْإِبْرَاءِ فَلَا رُجُوعَ
(وَلَوْ ضَمِنَ رَجُلٌ عَنْ الضَّامِنِ وَأَدَّى) الدَّيْنَ لِلْمُسْتَحِقِّ (فَرُجُوعُهُ) إنْ ثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الضَّامِنِ الْأَوَّلِ لَا عَلَى الْأَصِيلِ، وَصَرَّحَ الْأَصْلُ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْأَوَّلِ لَمْ يَثْبُتْ بِأَدَائِهِ الرُّجُوعُ لِلْأَوَّلِ عَلَى الْأَصِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْرَمْ، وَبِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْأَوَّلِ فَرَجَعَ رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الْأَصِيلِ بِشَرْطِهِ، وَبِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ شَخْصٌ الضَّامِنَ بِإِذْنِ الْأَصِيلِ رَجَعَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَدِّ دَيْنِي فَأَدَّاهُ وَبِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ عَنْ الْأَصِيلِ بِإِذْنِهِ رَجَعَ مَنْ أَدَّى مِنْهُمَا عَلَيْهِ لَا عَلَى الْآخَرِ، وَصَرَّحَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا بِبَعْضِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَقَالَ فِي نُسْخَةٍ: فَرُجُوعُهُ عَلَيْهِ كَرُجُوعِ الضَّامِنِ الْأَوَّلِ عَلَى الْأَصِيلِ فَلَوْ ضَمِنَ الْفَرْعُ بِإِذْنِ الْأَصِيلِ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَفِي أُخْرَى يَدُلُّ هَذَا الْأَخِيرُ فَلَوْ ضَمِنَ الْفَرْعُ عَنْ الْأَصِيلِ بِإِذْنِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ (أَوْ) ضَمِنَ (عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ الضَّامِنِ وَالْأَصِيلِ (بِإِذْنِهِمَا) وَأَدَّى (رَجَعَ عَلَى مَنْ شَاءَ) مِنْهُمَا بِمَا شَاءَ
(وَإِنْ ضَمِنَ اثْنَانِ عَنْ رَجُلٍ عَشَرَةً) بِأَنْ ضَمِنَ (كُلٌّ) مِنْهُمَا (خَمْسَةً وَتَضَامَنَا فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا الْعَشَرَةَ طَالَبَ الْأَصِيلَ بِخَمْسَةٍ وَصَاحِبَهُ بِخَمْسَةٍ) وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِالْجَمِيعِ عَلَى أَحَدِهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَصِيلُ أَذِنَ لَهُ فِي الضَّمَانِ الْآخَرِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ (وَلَوْ) وَفِي نُسْخَةٍ وَإِنْ (أَدَّى) أَحَدُهُمَا (خَمْسَةً رَجَعَ عَلَى مَنْ أَدَّاهَا عَنْهُ) مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا (فَرْعٌ) لَوْ قَالَا: ضَمِنَّا الْعَشَرَةَ فَهَلْ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنًا لِكُلِّهَا كَمَا لَوْ قَالَ رَهَنَّا عَبْدَنَا هَذَا بِالْأَلْفِ الَّتِي لَك عَلَى فُلَانٍ فَإِنَّ حِصَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا رَهْنٌ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ أَوْ لِنِصْفِهَا كَقَوْلِهِمَا اشْتَرَيْنَا عَبْدَك بِالْأَلْفِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُتَوَلِّي الْأَوَّلُ وَصَوَّبَهُ السُّبْكِيُّ وَبِهِ أَفْتَيْت؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ تَوْثِقَةٌ كَالرَّهْنِ قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَيُخَالِفُ الشِّرَاءَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ عِوَضُ الْمِلْكِ فَبِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْمِلْكِ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ بِخِلَافِ الضَّمَانِ لَا مُعَاوَضَةَ فِيهِ، وَقَالَ بِالثَّانِي الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالرُّويَانِيُّ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْقَلْبُ إلَيْهِ أَمْيَلُ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ) فَرَّقَ الْغَزِّيِّ بِأَنَّهُ فِي الْبَيْعِ قَابَلَهُ بِالدَّيْنِ فَكَأَنَّهُ وَزَنَهُ وَفِي الْمُصَالَحَةِ سَامَحَهُ بِتَرْكِ بَعْضِ الْحَقِّ.
اهـ. وَضَعَّفَهُ وَالِدِي بِأَنَّ الصُّلْحَ بَيْعٌ أَيْضًا فس
[مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالرُّجُوعِ فِي الْكَفَالَة]
(قَوْلُهُ كَمَا لَوْ وَهَبَتْ الصَّدَاقَ لِلزَّوْجِ إلَخْ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّائِدَ الْعَائِدَ كَاَلَّذِي لَمْ يَعُدْ
(قَوْلُهُ وَبِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ عَنْ الْأَصِيلِ بِإِذْنِهِ رَجَعَ مَنْ أَدَّى مِنْهُمَا عَلَيْهِ لَا عَلَى الْآخَرِ) صُورَتُهَا أَنْ يَضْمَنَ عَنْ الْأَصِيلِ وَحْدَهُ مَعَ وُجُودِ الضَّامِنِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: أَوْ ضَمِنَ عَنْهُمَا) إمَّا عَلَى التَّرْتِيبِ أَوْ دَفْعَةً (قَوْلُهُ رَجَعَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْأَدَاءَ عَنْ أَحَدِهِمَا وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ دُونَ الْآخَرِ
(قَوْلُهُ كَمَا لَوْ قَالَ رَهَنَّا عَبْدَنَا هَذَا بِالْأَلْفِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ تَوْثِقَةٌ كَالرَّهْنِ وَلِأَنَّهُمَا لَوْ كَفَلَا رَجُلًا لَزِمَ كُلًّا مِنْهُمَا إحْضَارُهُ (قَوْلُهُ فَإِنَّ حِصَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا رَهْنٌ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ) قَالَ شَيْخُنَا عَلَى رَأْيٍ فِيهِ وَالْأَصَحُّ فِيهِ أَيْضًا التَّقْسِيطُ (قَوْلُهُ أَوْ لِنِصْفِهَا كَقَوْلِهِمَا اشْتَرَيْنَا عَبْدَك إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَصَوَّبَهُ السُّبْكِيُّ) أَيْ وَصَحَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَأَفْتَى بِهِ فُقَهَاءُ عَصْرِ السُّبْكِيّ وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: لَا وَجْهَ لِهَذَا.
(قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْقَلْبُ إلَيْهِ أَمْيَلُ إلَخْ) وَبِهِ أَفْتَيْت عِنْدَ دَعْوَى الضَّامِنَيْنِ ذَلِكَ، وَحَلِفِهِمَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِيهِ فس وَبِالتَّبْعِيضِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فَقَالَ إنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ ضَمِنَا لِرَجُلٍ أَلْفًا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنًا لِخَمْسِمِائَةٍ وَلَا يَكُونُ ضَامِنًا لِكُلِّ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّجُلَيْنِ مَعَ الرَّجُلِ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدَيْنِ، وَمِثْلُهُ مَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَيْنِ كَالْعَاقِدَيْنِ فَذَلِكَ يَتَبَعَّضُ، وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ إذَا كَانَا فِي عَقْدٍ كَانَ مُتَبَعِّضًا كَالضَّامِنَيْنِ وَتَابَعَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فَقَالَ فِي ثَلَاثَةٍ ضَمِنُوا أَلْفًا: إنَّهُ لَا يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ إلَّا ثُلُثُ الْأَلْفِ إلَّا أَنْ يَقُولُوا: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ ضَامِنٌ لِجَمِيعِهِ، وَمِثْلُهُ مَا فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ لِلصَّيْمَرِيِّ لَوْ ضَمِنَ
لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَشَغْلُ ذِمَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ بِالزَّائِدِ مَشْكُوكٌ فِيهِ (وَإِنْ ضَمِنَ الثَّمَنَ) مَثَلًا لِلْبَائِعِ (بِالْإِذْنِ وَأَدَّاهُ) لَهُ (ثُمَّ انْفَسَخَ الْعَقْدُ) بِتَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بِرَدِّهِ بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (رَجَعَ عَلَى الْأَصِيلِ) بِمَا أَدَّاهُ (وَ) رَجَعَ (الْأَصِيلُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا أَخَذَهُ) بِأَنْ يَرْجِعَ فِيهِ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبِبَدَلِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْبَائِعِ (إمْسَاكُهُ) أَيْ مَا أَخَذَهُ (وَرَدُّ بَدَلِهِ) كَمَا لَوْ رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ وَعَيَّنَ ثَمَنَهُ عِنْدَ الْبَائِعِ فَأَرَادَ إمْسَاكَهُ وَرَدَّ مِثْلِهِ وَلِلتَّعْلِيلِ الْآتِي (وَلَيْسَ لِلضَّامِنِ مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ) بِمَا أَخَذَهُ (لِأَنَّ الْأَدَاءَ) مِنْهُ (يَتَضَمَّنُ إقْرَاضَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ) مَا أَدَّاهُ (وَتَمَلَّكَهُ) إيَّاهُ.
(وَإِنْ ضَمِنَ) الثَّمَنَ وَفِي نُسْخَةٍ ضَمِنَهُ (بِلَا إذْنٍ) وَأَدَّاهُ لِلْبَائِعِ ثُمَّ انْفَسَخَ الْعَقْدُ (لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَصِيلِ وَعَلَى الْبَائِعِ رَدُّهُ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ الْخِلَافُ فِي الصَّدَاقِ الْمُتَبَرَّعِ بِهِ) إذَا طَلَّقَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَرُدُّ إلَى الْأَصِيلِ إنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ نَحْوَهُ وَالْمُتَبَرِّعُ أَبًا وَإِلَّا فَإِلَى الْمُتَبَرِّعِ وَتَقَدَّمَ إيضَاحُهُ فِي أَوَاخِرِ بَابِ خِيَارِ النَّقْصِ أَمَّا إذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ قَبْلَ أَدَاءِ الضَّامِنِ فَيَبْرَأُ هُوَ وَالْأَصِيلُ (وَإِنْ أَقْرَضَهُمَا) مَثَلًا (عَشَرَةً وَتَضَامَنَا) بِأَنْ ضَمِنَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ (بِالْإِذْنِ) مِنْهُ (فَلَهُ مُطَالَبَتُهُمَا) جَمِيعًا، أَوْ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا بِهَا (فَإِنْ أَدَّاهَا أَحَدُهُمَا بَرِئَا وَطَالَبَ صَاحِبَهُ بِخَمْسَةٍ) لِإِذْنِهِ لَهُ فِي ضَمَانِهِ (وَإِنْ أَدَّى كُلٌّ) مِنْهُمَا (خَمْسَةً عَنْ نَفْسِهِ بَرِئَ) وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْآخَرِ (أَوْ) أَدَّاهَا (عَنْ صَاحِبِهِ تَقَاصَّا) وَبَرِئَا (وَلَوْ أَدَّى أَحَدُهُمَا خَمْسَةً وَلَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا) مِنْ نَفْسِهِ وَصَاحِبِهِ (صَرَفَهَا عَمَّنْ شَاءَ) مِنْهُمَا وَإِنْ قَصَدَ نَفْسَهُ بَرِئَ مِمَّا عَلَيْهِ وَصَاحِبُهُ مِنْ ضَمَانِهِ وَبَقِيَ عَلَى صَاحِبِهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَالْمُؤَدِّي ضَامِنٌ لَهُ، أَوْ قَصَدَ صَاحِبَهُ رَجَعَ بِهَا عَلَيْهِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَصَاحِبُهُ ضَامِنٌ لَهُ أَوْ قَصَدَهُمَا فَلِكُلٍّ نِصْفُ حُكْمِهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَصْلُ (وَلَوْ قَالَ) الْمُؤَدِّي لَهَا قَصَدْت نَفْسِي فَقَالَ لَهُ (الْمُسْتَحِقُّ) بَلْ (قَصَدْت صَاحِبَك فَحَلَفَ لَهُ الْمُؤَدِّي لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ خَمْسَةُ صَاحِبِهِ) وَبَرِئَ مِنْ خَمْسَتِهِ وَعَبَّرَ الْأَصْلُ بَدَلَ فَحَلَفَ إلَى آخِرِهِ بِقَوْلِهِ: صَدَقَ الْمُؤَدِّي بِيَمِينِهِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ مِمَّا عَلَيْهِ لَكِنْ لِرَبِّ الدَّيْنِ مُطَالَبَتُهُ بِخَمْسَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ عَلَيْهِ خَمْسَةً أُخْرَى إمَّا بِالْأَصَالَةِ، وَإِمَّا بِالضَّمَانِ.
(وَإِنْ أَبْرَأَ) الْمُسْتَحِقُّ (أَحَدَهُمَا عَنْ الْعَشَرَةِ) بَرِئَ أَصْلًا وَضَمَانًا وَ (بَقِيَ عَلَى صَاحِبِهِ خَمْسَةٌ) أَيْ الْخَمْسَةُ الْمُتَأَصِّلَةُ عَلَيْهِ وَبَرِئَ مِنْ الْأُخْرَى (وَإِنْ أَبْرَأهُ عَنْ الْخَمْسَةِ الْمُتَأَصِّلَةِ) عَلَيْهِ بَرِئَ مِنْهَا وَصَاحِبُهُ مِنْ ضَمَانِهَا وَ (طَالَبَ) الْمُسْتَحِقُّ (بِالْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا أَوْ) أَبْرَأَهُ (عَنْ خَمْسَةِ الضَّمَانِ) بَرِئَ مِنْهَا (وَبَقِيَ عَلَيْهِ خَمْسَةُ الْأَصْلِ وَعَلَى صَاحِبِهِ الْجَمِيعُ) أَيْ الْأَصْلُ وَالضَّمَانُ (وَإِنْ جَعَلَهَا) أَيْ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْخَمْسَةِ (عَنْ الْجِهَتَيْنِ) أَيْ الْأَصْلِ وَالضَّمَانِ (طَالَبَهُ) أَيْ الْمُبْرَأُ (بِخَمْسَةٍ) فَقَطْ لِبَرَاءَتِهِ مِنْ نِصْفِ الْأَصْلِ وَنِصْفِ الضَّمَانِ (وَ) طَالَبَ (صَاحِبَهُ بِسَبْعَةٍ وَنِصْفٍ) فَقَطْ لِبَرَاءَتِهِ مِنْ نِصْفِ الضَّمَانِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا صَرَفَهَا إلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَلَوْ قَالَ الْمُبْرِئُ: أَبْرَأْتُك عَنْ الضَّمَانِ، فَقَالَ: بَلْ عَنْ الْأَصْلِ صُدِّقَ الْمُبْرِئُ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَصْلُ، وَتَصْدِيقُ الْمُبْرِئِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ عِلْمُ الْمُبْرَأِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ لِتَضَمُّنِهِ صِحَّتَهَا مَعَ الْإِبْهَامِ، وَالْحُكْمُ فِي الْأَمْرَيْنِ وَاحِدٌ (وَإِنْ ادَّعَى أَلْفًا مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ) مَثَلًا (عَلَى حَاضِرٍ وَغَائِبٍ وَأَنَّهُمَا تَضَامَنَا) بِالْإِذْنِ أَوْ أَنَّ الْحَاضِرَ فَقَطْ ضَمِنَ بِالْإِذْنِ وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً، أَوْ أَقَرَّ الْحَاضِرُ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً لِلْإِثْبَاتِ عَلَى الْغَائِبِ (فَسَلَّمَ) لَهُ (الْحَاضِرُ الْأَلْفَ رَجَعَ عَلَى الْغَائِبِ بِالنِّصْفِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ) وَإِلَّا كَأَنْ قَالَ مَا اشْتَرَيْنَا شَيْئًا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ بِزَعْمِهِ فَلَا يُطَالِبُ غَيْرَ ظَالِمِهِ
(فَرْعٌ) لَوْ (أَدَّى الضَّامِنُ) مَا ضَمِنَهُ فِي غَيْبَةِ الْأَصِيلِ (وَلَمْ يَشْهَدْ) بِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ الْغَرِيمُ (لَمْ يَرْجِعْ وَلَوْ صَدَّقَهُ الْأَصِيلُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِأَدَائِهِ إذْ الطَّلَبُ بِحَالِهِ وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ الشِّقُّ الثَّانِي مِنْ قَوْلِهِ (فَإِنْ كَانَ) الْأَدَاءُ (بِحُضُورِهِ) أَيْ الْأَصِيلِ (أَوْ أَقَرَّ الْغَرِيمُ رَجَعَ) الضَّامِنُ لِأَنَّ الْأَصِيلَ إذَا كَانَ حَاضِرًا كَانَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ فَالتَّقْصِيرُ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَمَرَهُ بِتَرْكِهِ فَتَرَكَهُ وَإِذَا أَقَرَّ الْغَرِيمُ بِالْأَدَاءِ
[حاشية الرملي الكبير]
عَشَرَةٌ عَنْ زَيْدٍ لِعَمْرٍو أَلْفًا كَانَتْ بَيْنَهُمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ إلَّا أَنْ يَشْرِطُوا ذَلِكَ مُتَفَاضِلًا فَيَجُوزُ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ، وَأَنَا وَرُكَّابُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ، وَأَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى التَّقْسِيطِ وَلَزِمَهُ مَا يَخُصُّهُ فَقَطْ وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: الصَّحِيحُ عِنْدِي، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِنِصْفِ الدَّيْنِ، وَلَا أَعْلَمُ لِلْأَوَّلِ وَجْهًا فَإِنَّ الضَّمَانَ إنْشَاءُ عَقْدٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَا: اشْتَرَيْنَا عَبْدَك بِأَلْفٍ وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُمَا جَمِيعًا ضِمْنًا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَمِنْت جَمِيعَ الْأَلْفِ لَلَزِمَ مِثْلُهُ فِي الشِّرَاءِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ الْمُتَّجَهُ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَشَغْلُ ذِمَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالزَّائِدِ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
[فَرْعٌ أَدَّى الضَّامِنُ مَا ضَمِنَهُ فِي غَيْبَةِ الْأَصِيلِ وَلَمْ يَشْهَدْ]
(قَوْلُهُ فَرْعٌ أَدَّى الضَّامِنُ وَلَمْ يَشْهَدْ لَمْ يَرْجِعْ) أَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ الْأَصِيلُ: لَا تَشْهَدْ فَلَمْ يَشْهَدْ لَمْ يَكُنْ مُفَرِّطًا، قَالَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ (قَوْلُهُ أَوْ أَقَرَّ الْغَرِيمُ إلَخْ) وَهُوَ الْمَضْمُونُ لَهُ أَوْ وَرَثَتُهُ الْمُطْلَقُو التَّصَرُّفِ، وَهَلْ تَصْدِيقُ الْإِمَامِ حَيْثُ يَكُونُ الدَّيْنُ لِبَيْتِ الْمَالِ كَتَصْدِيقِ الْوَارِثِ الْخَاصِّ أَوْ تَصْدِيقِ غُرَمَاءِ مَنْ مَاتَ مُفْلِسًا كَتَصْدِيقِ رَبِّ الدَّيْنِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا، وَهُوَ مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ قَالَ وَالِدِي: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِلْحَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لِغَيْرِهِ فس وَقَوْلُهُ: قَالَ وَالِدِي وَالظَّاهِرُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (فَرْعٌ) لَوْ ادَّعَى الضَّامِنُ أَنَّ الْمَضْمُونَ لَهُ أَبْرَأَهُ عَنْ ضَمَانِهِ، وَأَنْكَرَهُ فَأَحْضَرَ الضَّامِنُ شَاهِدَيْنِ أَحَدُهُمَا الْمَضْمُونُ عَنْهُ فَفِي الْبَيَانِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالضَّمَانِ عَنْهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ، وَحَكَاهُ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا، وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: لَوْ ضَمِنَ مَالًا وَدَفَعَهُ ثُمَّ أَنْكَرَ رَبُّ الدَّيْنِ وَطَالَبَ الْأَصِيلَ بِالْحَقِّ فَإِنَّ الضَّامِنَ يَسَعُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ اسْتَوْفَى الْحَقَّ الْمُدَّعَى بِهِ، وَلَا يَقُولُ: مِنِّي كَالرُّفْقَةِ يَشْهَدُونَ عَلَى جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ قَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى هَؤُلَاءِ تُقْبَلُ، وَلَوْ قَالُوا: عَلَيْنَا لَمْ تُقْبَلْ قَالَ شَيْخُنَا: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الضَّمَانَ
سَقَطَتْ الْمُطَالَبَةُ عَنْ الْأَصِيلِ فَإِنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ الْأَدَاءُ بِحُضُورِ الْأَصِيلِ وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ الْغَرِيمُ (فَلَا) رُجُوعَ لِلضَّامِنِ؛ لِأَنَّهُ الْمُقَصِّرُ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ مَعَ كَوْنِ الْأَصْلِ هُوَ مَا يَدَّعِيهِ الْأَصْلُ (وَكَذَا يَرْجِعُ) إنْ أَشْهَدَ (وَلَوْ أَشْهَدَ وَاحِدًا لِيَحْلِفَ مَعَهُ) ؛ إذْ الشَّاهِدُ مَعَ الْيَمِينِ حُجَّةٌ كَافِيَةٌ وَلَا يَضُرُّ احْتِمَالُ الرَّفْعِ إلَى حَنَفِيٍّ كَمَا لَا يَضُرُّ غَيْبَتُهُ وَلَا مَوْتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ (أَوْ) أَشْهَدَ (مَسْتُورَيْنِ فَبَانَا فَاسِقَيْنِ) لِإِتْيَانِهِ بِحُجَّةٍ وَلِتَعَذُّرِ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْبَاطِنِ فَكَانَ مَعْذُورًا (فَلَوْ قَالَ أَشْهَدْت) بِالْأَدَاءِ شُهُودًا (وَمَاتُوا) أَوْ غَابُوا أَوْ طَرَأَ فِسْقُهُمْ (فَكَذَّبَهُ الْأَصِيلُ) فِي الْإِشْهَادِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَصِيلِ) بِيَمِينِهِ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَعَدَمُ الْإِشْهَادِ بِخِلَافِ مَا إذَا صَدَّقَهُ الْأَصِيلُ يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ (وَإِنْ كَذَّبَهُ الشُّهُودُ فَكَمَا لَوْ لَمْ يَشْهَدْ) فَلَا يَرْجِعُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّتْ امْرَأَةٌ بِنِكَاحٍ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ فَكَذَّبَاهَا لَا يَقْدَحُ فِي إقْرَارِهَا؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِحَقٍّ عَلَيْهَا فَلَمْ يَلْغُ بِإِنْكَارِهِمَا، وَهَذَا يُرِيدُ أَنْ يُثْبِتَ لَهُ حَقًّا (وَإِنْ قَالُوا) لَا نَدْرِي وَرُبَّمَا (نَسِينَا فَتَرَدَّدَ) الْإِمَامُ فِيهِ ثُمَّ رَجَّحَ عَدَمَ الرُّجُوعِ، وَجَعَلَهُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ دَعْوَاهُ مَوْتَ الشَّاهِدِ (وَلَا يَكْفِي إشْهَادُ مَنْ يُسَافِرُ قَرِيبًا) ؛ إذْ لَا يُفْضِي إلَى الْمَقْصُودِ، وَمَتَى لَمْ يَشْهَدْ بِالْأَدَاءِ (فَإِنْ حَلَفَ الْمُسْتَحِقُّ) عَلَى عَدَمِهِ (وَأَخَذَ مِنْ الْأَصِيلِ فَذَاكَ) وَاضِحٌ (أَوْ مِنْ الضَّامِنِ) مَرَّةً (ثَانِيَةً رَجَعَ) الضَّامِنُ عَلَى الْأَصِيلِ (بِأَقَلِّهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهُوَ مُدَّعَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ مَظْلُومٌ بِالثَّانِي أَوْ الثَّانِيَ فَهُوَ الْمُبْرِئُ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْأَصِيلِ مِنْ الزَّائِدِ وَكَالضَّامِنِ فِيمَا ذُكِرَ الْمُؤَدِّي بِالْإِذْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ
(فَصْلٌ ضَمَانُ الْمَرِيضِ) مَرَضَ الْمَوْتِ مُعْتَبَرٌ (مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إلَّا) إنْ كَانَ الضَّمَانُ (عَنْ) شَخْصٍ (مُعْسِرٍ) عِنْدَ مَوْتِ الضَّامِنِ (أَوْ حَيْثُ لَا رُجُوعَ فَإِنَّهُ) مُعْتَبَرٌ (مِنْ الثُّلُثِ) كَمَا مَرَّ ذَلِكَ مَا عَدَا مَسْأَلَةَ الْمُعْسِرِ أَوَائِلَ الْبَابِ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَوْتُ الْمُعْسِرِ، وَإِنْ اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْلِ (فَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ) أَيْ بَعْضُ مَا ضَمِنَهُ (مِنْ الثُّلُثِ صَحِيحٌ فِيهِ فَقَطْ) تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ (وَيَبْطُلُ) الضَّمَانُ (بِاسْتِغْرَاقِ الدَّيْنِ) الَّذِي عَلَى الضَّامِنِ وَفِي نُسْخَةٍ وَيَبْطُلُ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ يَسْتَغْرِقُ (التَّرِكَةَ) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهَذَا مَرْدُودٌ بَلْ الْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي صِحَّتَهُ وَيَتَوَقَّفُ تَنْفِيذُهُ عَلَى وَقْتِ الْمَوْتِ، فَإِنْ حَصَلَتْ الْبَرَاءَةُ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ مَالٍ آخَرَ أَوْ أَجَازَهُ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ اسْتَمَرَّتْ صِحَّتُهُ، وَإِلَّا حُكِمَ بِبُطْلَانِهِ، وَمَا قَالَهُ يَأْتِي فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْبُطْلَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا الْبَعْضُ، وَلَعَلَّ مَا قَالَهُ هُوَ مُرَادُ مَنْ عَبَّرَ بِالْبُطْلَانِ (فَإِنْ ضَمِنَ الْمَرِيضُ) بِالْإِذْنِ (تِسْعِينَ ثُمَّ مَاتَ وَخَلَّفَ مِثْلَهَا وَخَلَّفَ الْأَصِيلُ) بَعْدَ مَوْتِهِ (نِصْفَهَا) خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ (فَإِنْ شَاءَ الْغَرِيمُ أَخَذَ تَرِكَةَ الْأَصِيلِ وَأَخَذَ ثُلُثَ تَرِكَةِ الضَّامِنِ وَهِيَ) الْأَوْلَى وَهُوَ أَيْ ثُلُثُهَا (ثَلَاثُونَ وَفَاتَ) عَلَيْهِ (الْبَاقِي) وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَعَلَيْهِ لَا دَوْرَ.
(وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ تَرِكَةِ الضَّامِنِ سِتِّينَ وَضَارَبَ بِهَا وَرَثَتَهُ) مَعَ الْغَرِيمِ (فِي تَرِكَةِ الْأَصِيلِ فَيَأْخُذُونَ ثَلَاثِينَ وَيَأْخُذُ) هُوَ (خَمْسَةَ عَشَرَ) وَعَلَيْهِ يَلْزَمُ الدَّوْرُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَا يَغْرَمُهُ وَرَثَةُ الضَّامِنِ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ مِنْ تَرِكَةِ الْأَصِيلِ بِالْمُضَارَبَةِ فَتَزِيدُ تَرِكَةُ الْمَرِيضِ فَيَزِيدُ الْمَغْرُومُ فَيَزِيدُ الرَّاجِعُ وَطَرِيقُ اسْتِخْرَاجِهِ أَنْ يَقُولَ: الْمَأْخُوذُ
[حاشية الرملي الكبير]
لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَإِلَّا فَلَا تُقْبَلُ لِظُهُورِ تُهْمَتِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَشْهَدَ وَاحِدًا لِيَحْلِفَ مَعَهُ) قَالَ فِي الْخَادِمِ: اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: لِيَحْلِفَ مَعَهُ عَمَّا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ، فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ الْمُرَادُ امْتِنَاعَهُ مِنْ الْحَلِفِ مَعَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ لَا الْعَزْمَ عَلَى عَدَمِ الْحَلِفِ عِنْدَ الْأَدَاءِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ: وَكَانَ الْمُرَادُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَلِتَعَذُّرِ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْبَاطِنِ إلَخْ) لِأَنَّ طَلَبَ الِاسْتِزْكَاءَ، وَمَعْرِفَةَ بَاطِنِ أَحْوَالِ الشُّهُودِ مِنْ مَنْصِبِ الْحَاكِمِ فَلَا يُنْسَبُ فِي تَرْكِهِ إلَى تَقْصِيرٍ (قَوْلُهُ فَتَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ فِيهِ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّ التَّرَدُّدَ لِلْأَصْحَابِ؛ وَلِهَذَا صَرَّحَ فِي الْبَسِيطِ بِأَنَّهُمَا وَجْهَانِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ رَجَّحَ عَدَمَ الرُّجُوعِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَجَعَلَهُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ دَعْوَاهُ مَوْتَ الشَّاهِدِ) قَالَ شَيْخُنَا: مَعْلُومٌ أَنَّ الْمُرَجَّحَ فِي مَوْتِ الشَّاهِدِ رُجُوعُهُ لِكَوْنِهِمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ أَوْلَى لَا تَسْتَلْزِمُ مُسَاوَاةَ حُكْمِ مَا بَعْدَهَا لِمَا قَبْلَهَا وَحِينَئِذٍ فَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى ضَعِيفٍ
[فَصْلٌ ضَمَانُ الْمَرِيضِ]
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ ضَمَانُ الْمَرِيضِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَكِنْ إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَثْبُتُ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَقَدْ تَبَرَّعَ هُوَ بِالْأَدَاءِ فَهَلْ نَقُولُ: يَكُونُ كَالْبَيْعِ بِالْمُؤَجَّلِ أَوْ يُفَرَّقُ بِأَنَّهُ إذَا انْفَسَخَ هُنَاكَ الْبَيْعُ لَا يَعُودُ بِخِلَافِ هَذَا هَذَا مُحْتَمَلٌ، وَهُوَ مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ، وَقَوْلُهُ: فَهَلْ نَقُولُ: يَكُونُ كَالْبَيْعِ بِالْمُؤَجَّلِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهَذَا مَرْدُودٌ إلَخْ) اعْتِرَاضُهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّرِكَةِ الْمَالُ الْمَتْرُوكُ بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِهِ فَمَعْنَى اسْتِغْرَاقِ الدَّيْنِ لَهَا أَنَّ صَاحِبَهُ أَخَذَ جَمِيعَهَا بِدَيْنِهِ وَلَمَّا كَانَ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْأَصْلِ وَضَّحَهُ الْمُصَنِّفُ بِتَعْبِيرِهِ عَنْهُ بِالْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَهُ الْفِعْلُ، وَكَتَبَ أَيْضًا مُرَادَهُ بِأَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا مُسْتَغْرِقًا أَيْ حَالَةَ الْمَوْتِ لَمْ يَبْرَأْ عَنْهُ صَاحِبُهُ وَلَيْسَ مُرَادُهُ حَالَةَ الضَّمَانِ فَإِنَّا لَا نَدْرِي هَلْ يَبْقَى الدَّيْنُ أَمْ لَا وَهَلْ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ أَمْ لَا فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالَةِ الْمَوْتِ، وَالْمَالُ يَغْدُو وَيَرُوحُ غ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ يَلْزَمُ الدَّوْرُ) قَالَ الكوهكيلوني يَدْفَعُ الدَّوْرَ رُبَّمَا سَنَحَ لِي، وَهُوَ أَنْ تَأْخُذَ مَخْرَجَ الْكَسْرِ الَّذِي حَصَلَتْ النِّسْبَةُ بِهِ بَيْنَ تَرِكَةِ الْأَصِيلِ وَالدَّيْنِ، وَتَأْخُذَ الْكَسْرَ مِنْهُ وَتَنْسُبَهُ إلَى الْبَاقِي مِنْ الْمَخْرَجِ وَتَزِيدَ عَلَى ثُلُثِ تَرِكَةِ الضَّامِنِ تِلْكَ النِّسْبَةَ، وَيَدْفَعَ إلَى الْمَضْمُونِ لَهُ فَفِي الْأُولَى تَنْسُبُ وَاحِدًا إلَى وَاحِدٍ، وَتَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ مِثْلَهُ فَيُدْفَعُ إلَى الْمَضْمُونِ لَهُ فَيَكُونُ سِتِّينَ، وَفِي الثَّانِيَةِ تَنْسُبُ وَاحِدًا إلَى اثْنَيْنِ، وَتَزِيدُ نِصْفَ ثُلُثِ التَّرِكَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَطَرِيقُ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ إلَخْ) ضَابِطُهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْتَحِقَّ مِنْ تَرِكَةِ الضَّامِنِ مَا يَزِيدُ عَلَى ثُلُثِهَا بِمِقْدَارِ نِسْبَتِهِ إلَى كُلِّ الْمَأْخُوذِ كَنِسْبَةِ تَرِكَةِ الْأَصِيلِ إلَى الدَّيْنِ وَطَرِيقُهُ أَنْ يُزَادَ مِنْ الثُّلُثِ بِعَدَدِ الْكَسْرِ الَّذِي نَاسَبَتْ بِهِ تَرِكَةُ الْأَصِيلِ الدَّيْنَ عَلَى الثُّلُثِ مَا فَوْقَ ذَلِكَ الْكَسْرِ بِعَدَدِهِ، فَإِنْ كَانَتْ النِّسْبَةُ بِالنِّصْفِ يُزَادُ عَلَى الثُّلُثِ مِثْلُهُ، وَإِنْ كَانَتْ بِالثُّلُثِ يُزَادُ عَلَى الثُّلُثِ نِصْفٌ وَإِنْ كَانَتْ
شَيْءٌ وَالرَّاجِعُ مِثْلُ نِصْفِهِ؛ إذْ تَرِكَةُ الْأَصِيلِ نِصْفُ تَرِكَةِ الضَّامِنِ فَالْبَاقِي تِسْعُونَ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ يَعْدِلُ مِثْلَ مَا فَاتَ بِالضَّمَانِ وَهُوَ نِصْفُ شَيْءٍ فَمَثَلًا شَيْءٌ فَالْبَاقِي يَعْدِلُ شَيْئًا فَإِذَا جَبَرْنَا وَقَابَلْنَا عَدَلَتْ تِسْعُونَ شَيْئًا وَنِصْفًا فَيَكُونُ الشَّيْءُ سِتِّينَ فَيَكُونُ دَيْنًا لِوَرَثَةِ الضَّامِنِ عَلَى الْأَصِيلِ وَقَدْ بَقِيَ لِلْغَرِيمِ ثَلَاثُونَ فَيَتَضَارَبُونَ بِمَالِهِمْ فِي تَرِكَتِهِ بِسَهْمَيْنِ وَسَهْمٍ، وَتَرِكَتُهُ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ يَأْخُذُ مِنْهَا الْوَرَثَةُ ثَلَاثِينَ وَالْغَرِيمُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَيَتَعَطَّلُ عَلَيْهِ قَدْرُهَا وَيَكُونُ الْحَاصِلُ لِلْوَرَثَةِ سِتِّينَ نِصْفُهَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ، وَنِصْفُهَا مِنْ تَرِكَةِ الْأَصِيلِ، وَذَلِكَ مَثَلًا مَا فَاتَ عَلَيْهِمْ وَيَقَعُ الْفَائِتُ فِي حَالَتَيْ الدَّوْرِ وَعَدَمِهِ تَبَرُّعًا إذَا لَمْ يَجِدُوا مَرْجِعًا (وَإِنْ خَلَّفَ الْأَصِيلُ ثَلَاثِينَ فَأَخَذَهَا) الْغَرِيمُ (أَعْطَى مِنْ تَرِكَةِ الضَّامِنِ ثَلَاثِينَ) وَلَا دَوْرَ (وَإِنْ أَخَذَ مِنْ تَرِكَةِ الضَّامِنِ أَخَذَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ وَرَجَعَ وَرَثَتُهُ فِي تَرِكَةِ الْأَصِيلِ بَخَمْسَةَ عَشَرَ، وَالْبَاقِي لِلْغَرِيمِ) وَعَلَيْهِ يَلْزَمُ الدَّوْرُ، وَطَرِيقُ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ الْمَأْخُوذُ شَيْءٌ وَالرَّاجِعُ مِثْلُ ثُلُثِهِ؛ إذْ تَرِكَةُ الْأَصِيلِ ثُلُثُ تَرِكَةِ الضَّامِنِ فَالْبَاقِي تِسْعُونَ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ يَعْدِلُ مِثْلَيْ مَا فَاتَ بِالضَّمَانِ وَهُوَ ثُلُثَا شَيْءٍ فَمِثْلَاهُ شَيْءٌ وَثُلُثٌ فَالْبَاقِي يَعْدِلُ شَيْئًا وَثُلُثًا فَإِذَا جَبَرْنَا وَقَابَلْنَا عَدَلَتْ تِسْعُونَ شَيْئَيْنِ فَيَكُونُ الشَّيْءُ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ وَيَكُونُ دَيْنًا لِوَرَثَةِ الضَّامِنِ عَلَى الْأَصِيلِ.
وَيَبْقَى مِثْلُهُ لِلْغَرِيمِ فَيَتَضَارَبُونَ بِمَا لَهُمْ فِي تَرِكَتِهِ بِسَهْمٍ وَسَهْمٍ فَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً وَيَكُونُ الْحَاصِلُ لِلْوَرَثَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَمَعَهُمْ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَذَلِكَ مَثَلًا مَا فَاتَ عَلَيْهِمْ، وَيَقَعُ الْفَائِتُ تَبَرُّعًا لِمَا مَرَّ (فَإِنْ خَلَّفَ الْأَصِيلُ سِتِّينَ وَأَخَذَهَا) الْغَرِيمُ (أَخَذَ مِنْ تَرِكَةِ الضَّامِنِ ثَلَاثِينَ، أَوْ أَخَذَ كُلَّ تَرِكَةِ الضَّامِنِ وَأَخَذَ وَرَثَتُهُ) أَيْ الضَّامِنِ (كُلَّ تَرِكَةِ الْأَصِيلِ) وَيَقَعُ الْبَاقِي تَبَرُّعًا وَلَا دَوْرَ مُطْلَقًا لِوَفَاءِ تَرِكَةِ الْأَصِيلِ بِثُلُثَيْ الدَّيْنِ فَمَحَلُّ لُزُومِ الدَّوْرِ إذَا ضَمِنَ الْمَرِيضُ بِالْإِذْنِ وَأَخَذَ الْغَرِيمُ أَوَّلًا مِنْ تَرِكَتِهِ وَلَمْ تَفِ تَرِكَةُ الْأَصِيلِ بِثُلُثَيْ الدَّيْنِ (تَنْبِيهٌ) قَدْ يُقَالُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ لَهُ الْأَخْذَ مِنْ تَرِكَةِ الضَّامِنِ أَوَّلًا لِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مُخَالِفٌ لِمَا يَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ أَنَّ تَسَلُّطَ الْمُوصَى لَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَسَلُّطِ الْوَرَثَةِ عَلَى مِثْلَيْ مَا تَسَلَّطَ هُوَ عَلَيْهِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، وَبَاقِي مَالِهِ غَائِبٌ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَرْجِعَ الْمَوْجُودَ هُنَا حَاضِرٌ فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَغِبْ بَاقِي مَالِهِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ
(فَرْعٌ) بَاعَ مِنْ اثْنَيْنِ شَيْئًا وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنًا لِلْآخَرِ بَطَلَ الْبَيْعُ قَالَ السُّبْكِيُّ: وَرَأَيْت ابْنَ الرِّفْعَةِ فِي حِسْبَتِهِ يَمْنَعُ أَهْلَ سُوقِ الرَّقِيقِ مِنْ الْبَيْعِ مُسْلِمًا، وَمَعْنَاهُ إلْزَامُ الْمُشْتَرِي بِمَا يَلْحَقُ الْبَائِعَ مِنْ الدَّلَالَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالرَّقِيقِ وَهَذَا إذَا كَانَ مَجْهُولًا فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا فَلَا وَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ جُزْءًا مِنْ الثَّمَنِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ ضَمَانِ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ لِلْآخَرِ لَا يُمْكِنُ فِيهَا ذَلِكَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَكِنَّهُ هُنَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَمْرًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ كَذَا إلَى جِهَةِ كَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا مُطْلَقًا