أسنى المطالب في شرح روض الطالب(الْخَامِسُ الرِّقَابُ)

(الْخَامِسُ الرِّقَابُ)

عن هذه الطبعة
عَلَم
الأنصاري، زكريا
الكتاب
أسنى المطالب في شرح روض الطالب
المؤلف
زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
عدد الأجزاء
4
الناشر
دار الكتاب الإسلامي
الطبعة
بدون طبعة وبدون تاريخ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومعه حاشية الرملي الكبير]

فَيُعْطَوْنَ كَمَا سَيَأْتِي لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: 60] كَقَوْلِهِ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60] وَهُنَاكَ يُعْطَى الْمَالُ

[حاشية الرملي الكبير]

[الثَّالِث الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا]

قَوْلُهُ لَا الْإِمَامُ وَالْوَالِي وَالْقَاضِي) أَيْ إذَا قَامُوا بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَتَطَوَّعُوا وَعِبَارَتُهُ تَقْتَضِي أَنَّ لِلْقَاضِي قَبْضَهَا وَصَرْفَهَا وَذَلِكَ فِي مَالِ أَيْتَامٍ تَحْتَ نَظَرِهِ وَفِيمَا إذَا لَمْ يَجْعَلْ الْإِمَامُ لَهَا نَاظِرًا (قَوْلُهُ لَا فِي سَهْمِ الْعَامِلِ) قَالَ شَيْخُنَا ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ قُرْبٍ أَنَّ الْحَافِظَ مِنْ أَقْسَامِ الْعَامِلِ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكْتَفِي بِالْعَامِلِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَتِهِ وَتَارَةً يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ كَأَنْ يَذْهَبَ وَيَتْرُكَهُ بَعْدَ أَخْذِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَحْفَظُهُ فِي غَيْبَتِهِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ السُّهْمَانِ كَاتِبُهُ

[الرَّابِع الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهمْ]

(قَوْلُهُ فَإِذَا كَانُوا كُفَّارًا لَمْ يُعْطَوْا) إذْ شَرْطُ آخِذِ الزَّكَاةِ الْإِسْلَامُ قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ الشَّرْطُ إسْلَامُهُ وَقْتَ الدَّفْعِ لَا إسْلَامُهُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ إسْلَامُهُ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْهُ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فَلَمَّا لَمْ تُؤْخَذْ إلَّا مِنْ غَنِيٍّ مُسْلِمٍ لَمْ تُعْطَ إلَّا لِفَقِيرٍ مُسْلِمٍ (قَوْلُهُ فَيُعْطَى لِيَقْوَى إسْلَامُهُ) إذْ لَوْ لَمْ يُعْطَ رُبَّمَا ارْتَدَّ لِضَعْفِ نِيَّتِهِ (قَوْلُهُ أَوْ شَرِيفٌ) يُتَوَقَّعُ بِإِعْطَائِهِ إسْلَامُ نُظَرَائِهِ وَيُعْطَوْنَ مَعَ الْغِنَى قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَشَرْطُ إعْطَائِهِمْ الْحَاجَةَ إلَيْهِمْ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْمُخْتَصَرِ وَجَرَى عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ لَا يُعْطَوْنَ إلَّا أَنْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَيَقْتَضِيهِ اجْتِهَادُ الْإِمَامِ انْتَهَى وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ إلَّا الْإِمَامُ وَسَيَأْتِي (قَوْلُهُ مِنْ الْكُفَّارِ) وَمَانِعِي الزَّكَاةِ أَوْ الْمُرْتَدِّينَ أَوْ الْبُغَاةِ

لِلْمُجَاهِدِينَ فَيُعْطَى لِلرِّقَابِ فَلَا يُشْتَرَى بِهِ رِقَابٌ لِلْعِتْقِ كَمَا قِيلَ بِهِ (وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ كِتَابَةً صَحِيحَةً) لَا فَاسِدَةً لِأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ (فَيُعْطَوْنَ) وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِمْ (مَا يُؤَدُّونَ) مِنْ النُّجُومِ (إنْ) عَجَزُوا عَنْ الْوَفَاءِ (وَلَوْ لَمْ يَحِلَّ النَّجْمُ) لِأَنَّ التَّعْجِيلَ مُتَيَسِّرٌ فِي الْحَالِ وَرُبَّمَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْإِعْطَاءُ عِنْدَ الْمَحَلِّ بِخِلَافِ غَيْرِ الْعَاجِزِينَ لِعَدَمِ حَاجَتِهِمْ وَقَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَحِلَّ النَّجْمُ يُخَالِفُ نَظِيرَهُ مِنْ الْغَارِمِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ حُلُولُ دَيْنِهِ لِيَكُونَ مُحْتَاجًا إلَى وَفَائِهِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِالِاعْتِنَاءِ بِالْحِرْصِ عَلَى تَعْجِيلِ الْعِتْقِ وَرُبَّمَا يُعْجِزُ السَّيِّدُ مُكَاتَبَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ فَرَّقَ بِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْخَلَاصِ مِنْ الرِّقِّ أَهَمُّ وَالْغَارِمُ يَنْتَظِرُ الْيَسَارَ فَإِنْ لَمْ يُوسِرْ فَلَا حَبْسَ وَلَا مُلَازَمَةَ (وَالتَّسْلِيمُ) لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُكَاتَبُ أَوْ الْغَارِمُ الْآتِي بَيَانُهُ (إلَى السَّيِّدِ أَوْ الْغَرِيمِ بِإِذْنِ الْمُكَاتَبِ أَوْ الْغَارِمِ أَحْوَطُ) وَأَفْضَلُ (إلَّا إنْ كَانَ) مَا يَسْتَحِقُّهُ (أَقَلُّ) مِمَّا عَلَيْهِ (وَأَرَادَ أَنْ يَتَّجِرَا فِيهِ) وَيُنَمِّيَاهُ فَلَا يُسْتَحَبُّ تَسْلِيمُهُ إلَى مَنْ ذُكِرَ لِأَنَّ الِاتِّجَارَ فِيهِ أَقْرَبُ إلَى الْعِتْقِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَالْأَوْلَى وَأَرَادَ أَنْ يَتَّجِرَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ لَكِنْ فِيهَا بَعْدَ يَتَّجِرُ أَلِفٌ وَكَأَنَّهَا دَاخِلَةٌ عَلَى كَلَامِهِ الْآتِي وَإِنْ كَانَ فِيهِ حِينَئِذٍ رَكَاكَةٌ (وَ) تَسْلِيمُهُ إلَى مَنْ ذُكِرَ (بِغَيْرِ الْإِذْنِ) مِنْ الْمُكَاتَبِ أَوْ الْغَارِمِ (لَا يَقَعُ زَكَاةً) فَلَا يُسَلَّمُ لَهُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا لِأَنَّهُمَا الْمُسْتَحِقَّانِ (وَ) لَكِنْ (يَنْقَضِي دَيْنُهُمَا) لِأَنَّ مَنْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُمَا بِقَدْرِ الْمَصْرُوفِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْأَصْلُ.

(فَرْعٌ لَوْ أُعْتِقَ الْمُكَاتَبُ) بِإِعْتَاقِ سَيِّدِهِ لَهُ تَبَرُّعًا أَوْ بِإِبْرَائِهِ أَوْ بِأَدَاءِ غَيْرِهِ عَنْهُ أَوْ بِأَدَائِهِ هُوَ مِنْ مَالٍ آخَرَ (أَوْ أَبْرَأَ الْغَارِمُ أَوْ اسْتَغْنَى) وَبَقِيَ مَالُ الزَّكَاةِ فِي يَدَيْهِمَا (اُسْتُرِدَّ مِنْهُمَا) بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ نَعَمْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ أَدَّى الْغَارِمُ الدَّيْنَ مِنْ قَرْضٍ لَمْ يُسْتَرَدَّ مِنْهُ مَا أَخَذَهُ إذْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ دَيْنُهُ وَإِنَّمَا صَارَ لِآخَرَ كَالْحَوَالَةِ قَالَ فَلَوْ قَرَى مِنْهُ أَوْ أَدَّاهُ مِنْ غَيْرِ قَرْضٍ فَلَمْ يُسْتَرَدَّ مِنْهُ مَا أَخَذَهُ حَتَّى لَزِمَهُ دَيْنٌ صَارَ بِهِ غَارِمًا فَهَلْ يُسْتَرَدُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْمُسْتَسْلَفِ لَهُ قَبْلَ غُرْمِهِ أَمْ لَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهُ إلَيْهِ؟ انْتَهَى.
وَالْأَوْجَهُ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ وَلَوْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ اسْتَغْنَى الْغَارِمُ لَا غِنًى عَمَّا قَبْلَهُ (وَلَوْ أَتْلَفَاهُ) أَوْ تَلِفَ وَلَوْ بِانْتِقَالِهِ إلَى غَيْرِهِمَا (قَبْلَ الْإِعْتَاقِ وَالْبَرَاءَةِ لَمْ يَغْرَمَا) لِتَلَفِهِ عَلَى مِلْكِهِمَا مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ (أَوْ بَعْدَهُمَا غَرِمَا) لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ وَكَالْإِعْتَاقِ وَالْبَرَاءَةِ نَحْوِهِمَا مِمَّا ذُكِرَ (فَإِنْ عَجَزَ) الْمُكَاتَبُ وَرُقَّ (اُسْتُرِدَّ) مِنْهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا لِعَدَمِ حُصُولِ الْعِتْقِ فَلَمْ يَنْصَرِفْ الْمَأْخُوذُ فِيهِ (وَتَعَلَّقَ) بَدَلُهُ (بِذِمَّتِهِ) لَا بِرَقَبَتِهِ (لَوْ كَانَ تَالِفًا) لِحُصُولِ الْمَالِ عِنْدَهُ بِرِضَا صَاحِبِهِ (فَلَوْ قَبَضَهُ السَّيِّدُ) وَعَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ بَقِيَّةِ النُّجُومِ (رَدَّهُ) إنْ كَانَ بَاقِيًا (وَلَوْ تَلِفَ مَعَهُ) أَيْ فِي يَدِهِ (قَبْلَ الْعَجْزِ أَوْ بَعْدَهُ غَرِمَ) بَدَلَهُ (وَإِنْ كَانَ التَّلَفُ بِبَيْعٍ) أَوْ نَحْوِهِ لِمَا مَرَّ (وَلَا يُفْسَخُ) عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَلَوْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ شَخْصًا لَمْ يَسْتَرِدَّ مِنْهُ بَلْ يَغْرَمُ السَّيِّدُ قَالَ فِي الْبَيَانِ وَلَوْ سَلَّمَ بَعْضَ الْمَالِ لِسَيِّدِهِ فَأَعْتَقَهُ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ إنَّمَا أَعْتَقَهُ لِلْمَقْبُوضِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَمَا قَالَهُ مُتَعَيِّنٌ.
(فَرْعٌ: لِلْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ أَنْ يَتَّجِرَا فِي الْمَأْخُوذِ لِيَرْبَحَا) فِيهِ وَيُوَفِّيَا مَا عَلَيْهِمَا (وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُنْفِقَ مَا أَخَذَهُ وَيُؤَدِّيَ) مَا عَلَيْهِ (مِنْ كَسْبِهِ مُنِعَ) مِنْ ذَلِكَ (الْمَكَاتِبُ لَا الْغَارِمُ) وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ وَمِلْكُهُ ضَعِيفٌ فَضَعِيفٌ تَصَرُّفُهُ عَلَى أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُمْنَعُ لَكِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ الثَّانِيَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ

[حاشية الرملي الكبير]

[الْخَامِس الرِّقَاب]

قَوْلُهُ وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ كِتَابَةً صَحِيحَةً) وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ كَافِرًا أَوْ هَاشِمِيًّا أَوْ نَحْوَهُ وَكَتَبَ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ كَسُوبًا كَمَا فِي الْغَارِمِ وَيُفَارِقُ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ بِأَنَّ حَاجَتَهُمَا إنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِالتَّدْرِيجِ وَالْكَسْبُ يُحَصِّلُهَا كُلَّ يَوْمٍ وَحَاجَةُ مَنْ ذَكَرْنَا جَدَّةٌ لِثُبُوتِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَالْكَسْبُ لَا يَدْفَعُهَا إلَّا بِالتَّدْرِيجِ غَالِبًا (قَوْلُهُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِالِاعْتِنَاءِ بِالْحِرْصِ إلَخْ) فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَوْجُهٍ الْأَوَّلُ غَرَضُ تَعْجِيلِ الْحُرِّيَّةِ، الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ يَفُوتُ غَرَضُ الْعِتْقِ بِتَعْجِيلِ السَّيِّدِ عِنْدَ حُلُولِ النَّجْمِ، وَالدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الْحُرِّ لَيْسَ كَذَلِكَ، الثَّالِثُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَأْخُذُ لِإِزَالَةِ الرِّقِّ عَنْ نَفْسِهِ وَالْمَدِينُ يَأْخُذُ لِإِزَالَةِ الدَّيْنِ، وَالْحَاجَةُ إلَى الْخَلَاصِ مِنْ الرِّقِّ أَهَمُّ.
الرَّابِعُ أَنَّ الْغَارِمَ تَسَبَّبَ فِي الدَّيْنِ الَّذِي يَأْخُذُ لِأَجْلِهِ وَالْمُكَاتَبُ لَا يَأْخُذُ لِمَا تَسَبَّبَ فِيهِ الرِّقُّ، الْخَامِسُ أَنَّ الْغَارِمَ يَنْتَظِرُ الْيَسَارَ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فَلَا حَبْسَ وَلَا مُلَازَمَةَ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ

(قَوْلُهُ أَمْ لَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهُ إلَيْهِ) هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَتْلَفَاهُ قَبْلَ الْإِعْتَاقِ وَالْبَرَاءَةِ لَمْ يَغْرَمَا) مِثْلَ تَلَفِهِ قَبْلَ الْإِعْتَاقِ أَوْ الْإِبْرَاءِ تَلَفَهُ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ رَدِّهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ عَجَزَ اُسْتُرِدَّ) وَلَوْ اسْتَمَرَّ عَلَى الْكِتَابَةِ وَتَلَفَ الْمَأْخُوذُ فِي يَدِهِ وَلَوْ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَدَائِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ وَقَعَ الْمَوْقِعُ (قَوْلُهُ قَالَ فِي الْبَيَانِ وَلَوْ سَلَّمَ بَعْضَ الْمَالِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أُعْتِقَ وَلَوْ بَعْدَ دَفْعِ الْمَالِ إلَى سَيِّدِهِ اُسْتُرِدَّ لِأَنَّ ذَاكَ فِيمَا إذَا عُلِمَ أَنَّ عِتْقَهُ لَا عَنْ جِهَةِ الْمَدْفُوعِ وَهُنَا فِيمَا إذَا دَلَّ الْحَالُ أَوْ احْتَمَلَ أَنَّهُ بِسَبَبِ الْمَدْفُوعِ كَاتَبَهُ (قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُمْنَعُ) عِبَارَتُهُ وَالْخِيَرَةُ إلَيْهِ فِي تَوْفِيَةِ النَّجْمِ إنْ شَاءَ وَفَّاهُ مَا اكْتَسَبَهُ وَاسْتَنْفَقَ مَا قَبَضَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ هَذَا لَفْظُهُ وَالْمَفْهُومُ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إعْطَاءُ النُّجُومِ مِنْ كَسْبِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْفِقُ مَا أَخَذَهُ.
وَالْأَوَّلُ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِنْفَاقِ ابْتِدَاءً فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَتَوَارَدْ كَلَامُ الْإِمَامِ وَكَلَامُ صَاحِبِ الشَّامِلِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ لِأَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ فِيمَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ كَسْبٌ حَاصِلٌ فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُنْفِقَ مَا أَخَذَهُ مِنْ الزَّكَاةِ وَيَدْفَعَ إلَى السَّيِّدِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْكَسْبِ وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الزَّكَاةَ ابْتِدَاءً وَمَا قَطَعَ بِهِ فِي الشَّامِلِ مِنْ الْمَنْعِ هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ كَسْبٌ لَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُنْفِقَ مَا أَخَذَهُ مِنْ الزَّكَاةِ وَيُوفِيَ السَّيِّدَ بِمَا يَتَحَصَّلُ مِنْ الْكَسْبِ فَتَأَمَّلْ كَلَامَهُمَا تَجِدُهُ كَذَلِكَ انْتَهَى (قَوْلُهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى) فَإِنَّ تَجْوِيزَ الْإِمَامِ إنْفَاقَ مَا يَأْخُذُهُ وَالْأَدَاءَ مِنْ كَسْبِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ يُتَوَقَّعُ لَهُ كَسْبٌ يَفِي بِذَلِكَ وَهَذَا لَا يَخُصُّ ابْنُ الصَّبَّاغِ

يُتَوَقَّعُ لَهُ كَسْبٌ يَفِي بِمَا عَلَيْهِ وَالْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ كَسْبٌ حَاصِلٌ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَصِحُّ الثَّانِي مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ وَمَعَهُ مَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ قُلْت يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَا إذَا كَانَ بِيَدِهِ قَدْرُ مَا يَحْتَاجُهُ لِلنَّفَقَةِ وَهُوَ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِتْقُ لَوْ أَدَّاهُ (وَلَوْ أَعْطَى) السَّيِّدُ مِنْ زَكَاتِهِ (مُكَاتَبَهُ لَمْ يُجْزِهِ) لِعَوْدِ الْفَائِدَةِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْغَارِمِ فَإِنَّ لِرَبِّ الدَّيْنِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ زَكَاتِهِ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ فَكَأَنَّهُ أَعْطَى مَمْلُوكَهُ بِخِلَافِ الْغَارِمِ (وَلَا يُعْطَى مَنْ عَجَزَتْ الْوَصِيَّةُ بِكِتَابَتِهِ عَنْ كُلِّهِ) بِأَنْ أَوْصَى بِكِتَابَتِهِ عَبْدٌ فَعَجَزَ عَنْهُ الثُّلُثُ فَلَا يُعْطَى لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ يَنْقَسِمُ عَلَى الْقَدْرِ الرَّقِيقِ وَغَيْرِهِ ذَكَرَهُ الْأَصْلُ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ وَاسْتَحْسَنَ وَجْهًا أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ أَعْطَى فِي نَوْبَتِهِ وَإِلَّا فَلَا.
(فَرْعٌ) لَوْ (قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْت حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَ أَوْ افْتَرَضَ الْمُكَاتَبُ نُجُومَهُ وَعَتَقَ أُعْطِيَ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ فَقَطْ) أَيْ لَا مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنْهُمْ الصِّنْفُ

(السَّادِسُ الْغَارِمُونَ وَهُمْ أَرْبَابُ الدُّيُونِ) يَعْنِي مَنْ لَزِمَتْهُمْ الدُّيُونُ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ دَيْنٌ لَزِمَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَدَيْنٌ لَزِمَهُ لِضَمَانٍ لَا لِتَسْكِينِ فِتْنَةٍ وَدَيْنٌ لَزِمَهُ لِتَسْكِينِهَا وَهُوَ إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ (فَمَنْ ادَّانَ) أَصْلُهُ ادْتَانَ اُسْتُثْقِلَتْ التَّاءُ بَعْدَ الدَّالِ فَأُبْدِلَتْ دَالًا وَأُدْغِمَتْ الْأُولَى فِيهَا أَيْ فَمَنْ اسْتَدَانَ (لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ) أُعْطِيَ (لَا) إنْ اسْتَدَانَ (فِي مَعْصِيَةٍ) كَثَمَنِ خَمْرٍ وَإِسْرَافٍ فِي نَفَقَتِهِ فَلَا يُعْطَى (إلَّا إنْ تَابَ) عَنْهَا فَيُعْطَى كَالْمُسَافِرِ لِمَعْصِيَةٍ إذَا تَابَ فَإِنَّهُ يُعْطَى مِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا هُنَا لِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ يَظْهَرُ فِيهَا حَالُهُ إلَّا أَنَّ الرُّويَانِيَّ قَالَ يُعْطَى عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فِي تَوْبَتِهِ فَيُمْكِنُ حَمْلُ إطْلَاقِهِمْ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ بَعْدَ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ قَالَ الْإِمَامُ وَلَوْ اسْتَدَانَ لِمَعْصِيَةٍ ثُمَّ صَرَفَهُ فِي مُبَاحٍ أُعْطِيَ وَفِي عَكْسِهِ يُعْطَى أَيْضًا إنْ عُرِفَ قَصْدُ الْإِبَاحَةِ أَوَّلًا وَلَكِنَّا لَا نُصَدِّقُهُ فِيهِ.
وَالْأُولَى وَارِدَةٌ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَصْلِهِ وَجَوَابُ مَنْ قَوْلُهُ (أُعْطِيَ إذَا احْتَاجَ) إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْ الزَّكَاةِ (وَ) ذَلِكَ بِأَنْ (كَانَ بِحَيْثُ لَوْ قَضَى دَيْنَهُ) مَا مَعَهُ (تَمَكَّنَ فَيُتْرَكُ لَهُ مَا يَكْفِيهِ وَيُتِمُّ لَهُ الْبَاقِي) يَعْنِي إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ بِالْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ تُرِكَ لَهُ مِمَّا مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ وَأُعْطِيَ مَا يَقْضِي بِهِ بَاقِي دَيْنَهُ فَإِنْ انْتَفَى ذَلِكَ لَمْ يُعْطَ لَأَنْ يَأْخُذَ لِحَاجَتِهِ إلَيْنَا فَاعْتُبِرَ عَجْزُهُ كَالْمُكَاتَبِ وَابْنِ السَّبِيلِ بِخِلَافِ الْغَارِمِ لِلْإِصْلَاحِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ لِحَاجَتِنَا إلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي (وَيُعْطَى) الْغَارِمُ (وَلَوْ قَدَرَ) عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ (بِالْكَسْبِ) لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِهِ لِذَلِكَ وَلِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ غَالِبًا إلَّا بِالتَّدْرِيجِ وَبِذَلِكَ فَارَقَ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ (وَكَذَا الْمُكَاتَبُ) يُعْطَى وَلَوْ قَدَرَ عَلَى قَضَاءِ النُّجُومِ بِالْكَسْبِ (وَيُشْتَرَطُ الْحُلُولُ) لِلدَّيْنِ (فِي) إعْطَاءِ (الْغَارِمِ) وَإِنَّمَا لَمْ يُعْطَ قَبْلَ الْحُلُولِ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ الْآنَ وَذِكْرُهُ كَأَصْلِهِ هَذَا الشَّرْطَ عَقِبَ هَذَا الضَّرْبِ قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الضَّرْبَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَيُمْكِنُ تَوَجُّهُهُ فِي الضَّرْبِ الثَّانِي بِأَنَّهُ كَمَا يَجُوزُ الْإِعْطَاءُ فِيهِ مَعَ الْغَنِيِّ يَجُوزُ مَعَ التَّأْجِيلِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ إذْ لَا طَلَبَ لِلدَّيْنِ الْآنَ.
وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي الْإِرْشَادِ وَشَرْحِهِ لَهُ وَلَعَلَّ فِي عُدُولِهِ عَنْ الضَّمِيرِ إلَى الظَّاهِرِ فِي قَوْلِهِ: الْغَارِمُ إشَارَةً إلَيْهِ (وَإِنْ ضَمِنَ لَا لَتَسْكِينِ فِتْنَةٍ) وَوُجِدَ حَالَةَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (وَهُوَ مُعْسِرٌ) مُلْتَزِمٌ (بِمُعْسِرٍ) أَيْ بِمَا عَلَيْهِ (أُعْطِيَ) مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ (وَ) إذَا قَضَى بِهِ دَيْنَهُ (لَمْ يَرْجِعْ) عَلَى الْأَصِيلِ وَإِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إذَا غَرِمَ مَنْ عِنْدَهُ (كَبِمُوسِرٍ) أَيْ كَمُعْسِرٍ مُلْتَزِمٍ بِمُوسِرٍ أَيْ بِمَا عَلَيْهِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْأَصِيلِ فَإِنَّهُ يُعْطَى لِأَنَّهُ إذَا غَرِمَ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا ضَمِنَ بِإِذْنِهِ (وَصَرْفُهُ إلَى الْأَصِيلِ الْمُعْسِرِ أَوْلَى) لِأَنَّ الضَّامِنَ فَرَّعَهُ بِخِلَافِ الْأَصِيلِ الْمُوسِرِ إذْ لَا حَقَّ لَهُ فِي الزَّكَاةِ (أَوْ) وَهُوَ (مُوسِرٌ) مُلْتَزِمٌ (بِمُوسِرٍ) أَيْ بِمَا عَلَيْهِ (فَلَا) يُعْطَى لِأَنَّهُ إذَا غَرِمَ رَجَعَ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ الضَّمَانَ بِالْإِذْنِ وَبِدُونِهِ وَفِي الثَّانِي وَجْهَانِ فِي الْأَصْلِ بِلَا تَرْجِيحٍ.
وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ يُعْطَى، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُعْطِي وَهُوَ الْأَوْجَهُ نَظِيرُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ) مُوسِرٌ مُلْتَزِمٌ (بِمُعْسِرٍ) أَيْ بِمَا عَلَيْهِ (أُعْطِيَ الْأَصِيلُ) دُونَ الضَّامِنِ (وَالْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) أَيْ الْحَالِ بَيْنَ الْقَوْمِ كَأَنْ يَخَافَ فِتْنَةً بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ تَنَازَعَتَا فِي قَتِيلٍ لَمْ يَظْهَرْ قَاتِلُهُ فَتَحَمَّلَ الدِّيَةَ تَسْكِينًا لِلْفِتْنَةِ (يُعْطِي مَعَ الْغَنِيِّ وَلَوْ فِي غَيْرِ دَمٍ) كَتَحَمُّلِ قِيمَةِ مَالٍ مُتْلَفٍ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِأَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا الْفَقْرَ فِيهِ لَقُلْت الرَّغْبَةُ فِي هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ (فَإِنْ قَضَى الْغَارِمُ دَيْنَهُ أَوْ سَلَّمَهُ) يَعْنِي دَيْنَ غَيْرِهِ (ابْتِدَاءً) أَيْ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ الدَّيْنِ ذِمَّتَهُ

[حاشية الرملي الكبير]

وَلَا يُخَالِفُ الْإِمَامُ فِيهِ انْتَهَى وَمَفْهُومُهُ جَوَازُهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ كَسْبٌ حَاصِلٌ بِالْأَوْلَى وَقَدْ حَكَاهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ جَمْعٍ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا فَيُؤْخَذُ مِنْهُمَا أَنَّهُ إنْ كَانَ كَسْبٌ حَاصِلٌ يَفِي بِمَا عَلَيْهِ أَوْ يَتَوَقَّعُهُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا

[السَّادِس الْغَارِمِينَ]

(قَوْلُهُ فَمَنْ ادَّانَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ إلَخْ) يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَدَانَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَوْ سَقَطَ عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ وَفِي دَيْنِهِ وَأَلْحَقُوهُ بِالدَّيْنِ الْمُبَاحِ (قَوْلُهُ كَثَمَنِ خَمْرٍ) كَأَنْ اشْتَرَى عِنَبًا بِقَصْدِ أَنْ يَعْصِرَهُ خَمْرًا (قَوْلُهُ إلَّا إنْ تَابَ عَنْهَا إلَخْ) لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ زَالَتْ فَأَشْبَهَ مَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْمَعْصِيَةِ حَتَّى صَارَ فَقِيرًا أَوْ هَرَبَ مِنْ بَلَدٍ ظُلْمًا ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يُعْطَى بِالْفَقْرِ وَالثَّانِي بِبُنُوَّةِ السَّبِيلِ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ مَعْصِيَةً (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِهِ لِذَلِكَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَدَانَ لِمَعْصِيَةٍ لَزِمَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَسَبَقَ فِي بَابِ الْحَجْرِ عَنْ الْفَرَاوِيِّ مَا يُؤَيِّدُهُ وَ (قَوْلُهُ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ يُعْطَى) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ إنْ قُلْنَا لَا يَرْجِعُ وَهُوَ الْأَصَحُّ أُعْطِيَ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى وَحِكَايَةُ الْخِلَافِ فِي رُجُوعِ الضَّامِنِ بِغَيْرِ الْإِذْنِ وَهْمٌ فَإِنَّهُ لَا قَائِلَ بِهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا ضَمِنَ بِلَا إذْنٍ وَأَدَّى بِالْإِذْنِ فِي (قَوْلِهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُعْطَى إلَخْ) أَشَارَ إلَى

(مِنْ مَالِهِ) فِيهِمَا (لَمْ يَسْتَحِقَّ) شَيْئًا مِنْ الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ غَارِمًا فِي الْأُولَى وَلَيْسَ غَارِمًا فِي الثَّانِيَةِ فَإِطْلَاقُ الْغَارِمِ عَلَيْهِ فِيهَا مَجَازٌ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْغَارِمَ إنَّمَا يُعْطَى عِنْدَ بَقَاءِ الدَّيْنِ وَبِهِ صَرَّحَ أَصْلُهُ.
نَعَمْ إنْ قَضَاهُ بِقَرْضٍ أُعْطِيَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ السَّابِقِ (وَكَذَا لَوْ مَاتَ) لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا وَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ وَفَاءً لِدَيْنِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ مَاتَ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِلزَّكَاةِ بِالْبَلَدِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى دِينُهُ مِنْهُ لِاسْتِحْقَاقِهِ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ مَعَ بَقَاءِ حَاجَتِهِ وَبِهَذَا فَارَقَ نَظِيرَهُ فِي الْمُكَاتَبِ وَالْغَازِي وَابْنِ السَّبِيلِ حَيْثُ يَنْقَطِعُ حَقُّهُمْ (وَفِي إقْرَاءِ) الْوَجْهِ قَوْلٌ أَصْلُهُ وَفِي قِرَى (الضَّيْفِ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ) وَبِنَاءِ الْقَنْطَرَةِ وَفَكِّ الْأَسِيرِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ (يُعْطَى) الْمُسْتَدِينُ لَهَا (مِنْ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ النَّقْدِ) لَا عَنْ غَيْرِهِ كَالْعَقَارِ وَعَلَى هَذَا جَرَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا اسْتَدَانَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَحَكَى فِي الْأَصْلِ الْمَقَالَتَيْنِ بِلَا تَرْجِيحٍ وَقَدَّمَ الثَّانِيَةَ وَلِتَقْدِيمِهَا فَهِمَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحِجَازِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الرَّوْضَةِ أَنَّهَا الْمُعْتَمَدَةُ فَرَجَّحَهَا عَكْسُ مَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأَكْثَرِينَ مَا قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ.
قَالَ وَالْحَاصِلُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ أَشْهُرُهُمَا أَنَّهُ كَمَا لَوْ اسْتَدَانَهُ لِنَفْسِهِ وَثَانِيهِمَا طَرِيقَةُ الْمَاوَرْدِيِّ وَهِيَ طَرِيقَةٌ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ اسْتِدَانَتِهِ لِنَفْسِهِ وَاسْتِدَانَتِهِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ.
(فَرْعٌ وَإِنْ بَانَ الْقَابِضُ) لِلزَّكَاةِ (مِنْ الْمَالِكِ غَنِيًّا أَوْ غَيْرَ غَارِمٍ) أَوْ غَيْرَهُ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا (لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ أَعْطَاهُ) إيَّاهَا (بِبَيِّنَةٍ) شَهِدَتْ بِالْوَصْفِ الَّذِي أَعْطَاهُ بِهِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ وَخَرَجَ بِالْمَالِكِ الْإِمَامُ وَسَيَأْتِي أَوَاخِرَ الْبَابِ وَفِي مَعْنَى الْمَالِكِ وَلِيُّهُ وَوَكِيلُهُ (وَإِنْ دَفَعَهَا لِمَدْيُونِهِ وَشَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهَا عَنْ دَيْنِهِ لَمْ يُجِزْهُ) وَلَا يَصِحُّ قَضَاءُ الدَّيْنِ بِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْلُهُ (لَا إنْ نَوَيَا) ذَلِكَ وَلَمْ يَشْتَرِطَاهُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ وَيَصِحُّ الْقَضَاءُ بِهَا (وَإِنْ وَعَدَهُ الْفَقِيرُ بِلَا شَرْطٍ مِنْ الْمَالِكِ) بِأَنْ قَالَ لَهُ أَعْطِنِي مِنْ زَكَاتِك حَتَّى أَقْضِيَك دَيْنَك (وَأَعْطَاهُ) الْمَالِكُ (أَجْزَأَهُ) عَنْهَا (وَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ) بِالْوَعْدِ وَالتَّعْبِيرِ بِالْفَقِيرِ مِنْ تَصَرُّفِهِ وَالْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرُ بِالْمَدْيُونِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ أَصْلُهُ.
(وَلَوْ قَالَ الْغَرِيمُ) لِمَدْيُونِهِ (اقْضِنِي دَيْنِي) الَّذِي عَلَيْك (وَأَرُدُّهُ لَك زَكَاةً فَأَعْطَاهُ بَرِئَ) مِنْ الدَّيْنِ (وَلَا يَلْزَمُهُ إعْطَاؤُهُ وَلَوْ قَالَ) لِفَقِيرٍ لَهُ عِنْدَهُ حِنْطَةٌ وَدِيعَةٌ (اكْتَلْ) لِنَفْسِك (مِمَّا أَوْدَعْتُك) إيَّاهُ (صَاعًا) مَثَلًا (وَخُذْهُ لَك وَنَوَى بِهِ الزَّكَاةَ) فَفَعَلَ (أَوْ قَالَ جَعَلْت دَيْنِي) الَّذِي (عَلَيْك زَكَاةً لَمْ يُجْزِهِ) . أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِانْتِفَاءِ كَيْلِهِ لَهُ وَكَيْلُهُ لِنَفْسِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَالتَّرْجِيحُ فِيهَا مِنْ زِيَادَتِهِ.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِيهَا إبْرَاءٌ لَا تَمْلِيكٌ وَإِقَامَتُهُ مَقَامَهُ إبْدَالٌ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي الزَّكَاةِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَطَرِيقُ الْأَجْزَاءِ فِيهَا أَنْ يَقْبِضَ الدَّيْنَ ثُمَّ يَرُدَّهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ (بِخِلَافِ قَوْلِهِ) لِلْفَقِيرِ (خُذْ مَا اكْتَلْتَ لِي) بِأَنْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ صَاعِ حِنْطَةٍ مَثَلًا فَقَبَضَهُ أَوْ بِشِرَائِهِ فَاشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ فَقَالَ لَهُ الْمُوَكِّلُ خُذْهُ لِنَفْسِك وَنَوَاهُ زَكَاةً فَإِنَّهُ يُجْزِئُ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى كَيْلِهِ لِنَفْسِهِ (وَإِنْ ضَمِنَ) دِيَةَ قَتِيلٍ (عَنْ قَاتِلٍ يُعْرَفُ لَمْ يُعْطَ مَعَ الْغِنَى) بِشَرْطٍ زَادَهُ بِقَوْلِهِ (إنْ كَانَ هُنَاكَ حَاكِمٌ يُسْكِنُ الْفِتْنَةَ) وَإِلَّا أُعْطِيَ مَعَ الْغِنَى لِحَاجَتِنَا إلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ كَبِيرٌ يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ يُغْنِي عَنْ الْحَاكِمِ عِنْدَ فَقْدِهِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ يُعْرَفُ مَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ فَيُعْطَى مَنْ ضَمِنَ عَنْهُ مَعَ الْغِنَى كَمَا مَرَّ هَذَا وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ وَعَدَمِهَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فِيهِ نَظَرٌ وَفِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِمَعْرِفَتِهِ وَعَدَمِهَا أَيْ فَيُعْطَى مَعَ الْغِنَى مُطْلَقًا الصِّنْفُ

(السَّابِع فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ سَبِيلُ اللَّهِ بِتَرْكِ فِي (وَهُمْ الْغُزَاةُ الْمُتَطَوِّعُونَ) أَيْ الَّذِينَ لَا رِزْقَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ فَيُعْطَوْنَ (وَإِنْ أَيْسَرُوا) وَفِي نُسْخَةٍ وَلَوْ أَغْنِيَاءَ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَإِعَانَةً لَهُمْ عَلَى الْغَزْوِ (وَتَحْرُمُ) الزَّكَاةُ (عَلَى) الْغَازِي (الْمُرْتَزِقِ وَلَوْ كَانَ عَامِلًا) كَمَا يَحْرُمُ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ الْفَيْءِ لِلْمُتَطَوِّعِ (فَإِذَا عُدِمَ الْفَيْءُ وَاضْطُرِرْنَا إلَى الْمُرْتَزِقِ) لِيَكْفِيَنَا شَرَّ الْكُفَّارِ

[حاشية الرملي الكبير]

تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ مَاتَ إلَخْ) لِأَنَّ الْحَيَّ مُحْتَاجٌ إلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ وَالْمَيِّتُ إنْ كَانَ عَصَى بِهِ أَوْ بِتَأْخِيرِهِ فَلَا يُنَاسِبُ الْوَفَاءَ عَنْهُ وَإِلَّا فَهُوَ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِهِ وَلَا حَاجَةَ لَهُ وَالزَّكَاةُ إنَّمَا تُعْطَى لِمُحْتَاجٍ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِلزَّكَاةِ بِالْبَلَدِ) هَذِهِ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُهُ الْوَجْهُ قَوْلُ أَصْلِهِ وَفِي قِرًى) هُوَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (قَوْلُهُ وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَثَانِيهِمَا طَرِيقَةُ الْمَاوَرْدِيِّ) الْمَاوَرْدِيُّ يَقُولُ بِهَذَا التَّفْصِيلِ فِي الْغَارِمِ لِنَفْسِهِ فَهُوَ جَارٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ وَالتَّرْجِيحُ فِيهَا مِنْ زِيَادَتِهِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى كَيْلِهِ لِنَفْسِهِ) قَالَ فِي الْأَنْوَارِ وَلَوْ كَانَ وَدِيعَةً جَازَ بِلَا قَبْضٍ (قَوْلُهُ أَيْ فَيُعْطَى مَعَ الْغِنَى مُطْلَقًا) عِبَارَتُهُ حَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ أَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ دِيَةَ قَتِيلٍ عَنْ قَاتِلٍ مَجْهُولٍ أُعْطِيَ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ مَعَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَإِنْ ضَمِنَهَا عَنْ قَاتِلٍ مَعْرُوفٍ أُعْطِيَ مَعَ الْفَقْرِ دُونَ الْغَنِيّ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَلَا تَأْثِيرَ لِمَعْرِفَتِهِ وَعَدَمِهَا وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِي الضَّمَانِ عَنْ قَاتِلٍ مَعْرُوفٍ وَجْهَيْنِ قَالَ الدَّارِمِيُّ وَلَوْ كَانَ دَعْوَى الدَّمِ بَيْنَ مَنْ لَا تُخْشَى فِتْنَتُهُمْ فَتَحَمَّلَهَا فَوَجْهَانِ.
اهـ. فَخَلَطَ الْمُصَنِّفُ الْفَرْعَيْنِ مَعًا وَجَعَلَ الثَّانِي شَرْطًا لِلْأَوَّلِ قَالَ الْغَزِّيّ فِي الْمَيْدَانِ وَفِيمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ نَظَرٌ لِأَنَّ دَيْنَ الْجَهَالَةِ إنَّمَا قُضِيَ مِنْ الزَّكَاةِ لِأَنَّ الْقَاتِلَ إذَا كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ ثَارَتْ فِتْنَةٌ بِسَبَبِ جَهَالَتِهِ لِتَعَدِّي الْوَهْمِ إلَى مَنْ لَيْسَ بِقَاتِلٍ فَلَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ الْقَاتِلُ مَعْرُوفًا وَأَمْكَنَ أَخْذُ الْحَقِّ مِنْهُ بِالشَّرْعِ إمَّا لِاعْتِرَافِهِ أَوْ لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَضَمِنَهُ ضَامِنٌ فَلَا يَكُونُ كَالْجَهَالَةِ وَيُؤْخَذُ الْحَقُّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَإِنْ ثَارَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِتْنَةٌ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ نَعَمْ بِطَرِيقَةِ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ مُوسِرًا وَالضَّامِنُ مُعْسِرًا.
فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى رُجُوعِ الْفَائِدَةِ إلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ لَمْ يُقْضَ مِنْ الزَّكَاةِ وَإِلَّا فَيُقْضَى وَلَعَلَّ ذَلِكَ مُرَادُ الدَّارِمِيِّ بِمَا أَطْلَقَهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ.
اهـ.

(أَعَانَهُمْ) الْأَوْلَى أَعَانَهُ أَيْ الْمُرْتَزِقَ (الْأَغْنِيَاءُ) أَيْ أَغْنِيَاؤُنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (لَا مِنْ الزَّكَاةِ) كَمَا لَا يُصْرَفُ الْفَيْءُ إلَى مَصَارِفِ الزَّكَاةِ

[الثَّامِن ابْن السَّبِيل]

(الثَّامِنُ ابْنُ السَّبِيلِ) أَيْ الطَّرِيقِ (وَهُوَ مَنْ يُنْشِئُ سَفَرًا مُبَاحًا) مِنْ مَحَلِّ الزَّكَاةِ فَيُعْطَى (وَلَوْ) كَسُوبًا أَوْ كَانَ سَفَرُهُ (لِنُزْهَةٍ) لِعُمُومِ الْآيَةِ بِخِلَافِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ لَا يُعْطَى فِيهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ كَمَا مَرَّ أَوَائِلَ الْبَابِ وَأَلْحَقَ بِهِ الْإِمَامُ السَّفَرَ لَا لِقَصْدٍ صَحِيحٍ كَسَفَرِ الْهَائِمِ (وَكَذَا) يُعْطَى أَيْضًا (الْمُسَافِرُ الْغَرِيبُ) الْمُجْتَازُ بِمَحَلِّ الزَّكَاةِ وَإِنَّمَا يُعْطَيَانِ (إنْ لَمْ يَجِدَا) مَعَهُمَا (شَيْئًا) يَكْفِيهِمَا فِي سَفَرِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فَيُعْطَى مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَمَنْ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ نَعَمْ إنْ وَجَدَ الثَّانِي مَنْ يُقْرِضُهُ لَمْ يُعْطَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَوَقَعَ لِابْنِ كَجٍّ مَا يُخَالِفُ النَّصَّ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَأَقَرَّهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِلنَّصِّ الْمَذْكُورِ.

(فَصْلٌ تَحْرُمُ الزَّكَاةُ عَلَى الْهَاشِمِيِّ وَالْمُطَّلِبِيِّ وَلَوْ انْقَطَعَ) عَنْهُمَا (خُمُسُ الْخُمُسِ) لِخُلُوِّ بَيْتِ الْمَالِ عَنْ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ أَوْ لِاسْتِيلَاءِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِمَا (أَوْ كَانَ) مَنْ يُعْطَاهَا (مَوْلًى لَهُمَا) أَيْ الْهَاشِمِيِّ وَالْمُطَّلِبِيِّ (أَوْ عَامِلًا) فِي الزَّكَاةِ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ «لَا أُحِلُّ لَكُمْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ الصَّدَقَاتِ شَيْئًا وَلَا غُسَالَةَ الْأَيْدِي إنَّ لَكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يَكْفِيكُمْ أَوْ يُغْنِيكُمْ أَيْ بَلْ يُغْنِيكُمْ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَقَالَ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحُوهُ نَعَمْ لَوْ اسْتَعْمَلَهُمْ الْإِمَامُ فِي الْحِفْظِ أَوْ النَّقْلِ فَلَهُمْ أُجْرَتُهُ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ وَهَذَا إمَّا ضَعِيفٌ أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا يُعْطَاهُ الْعَامِلُ أُجْرَةً لَا زَكَاةً لَكِنَّ الصَّحِيحَ كَمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ زَكَاةٌ بِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَحَكَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ مُسْتَدِلًّا بِآيَةِ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: 60] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحَلُّهُ إذَا اُسْتُؤْجِرُوا لِلنَّقْلِ وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ كَمَا فِي الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ يَعْمَلَانِ فِيهَا بِالْأُجْرَةِ وَفِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ كَانَ مَوْلًى لَهُمَا تَسَمُّحٌ سَلِمَ مِنْهُ عَطْفُ الْأَصْلِ لَهُ عَلَيْهِمَا.

(فَصْلٌ لَهُ) أَيْ لِلْمُزَكِّي مِنْ إمَامٍ وَغَيْرِهِ (إعْطَاءُ مَنْ عَلِمَ اسْتِحْقَاقَهُ) لِلزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا مِنْهُ بِخِلَافِ مَنْ عَلِمَ عَدَمَ اسْتِحْقَاقِهِ لَهَا فَتَعْبِيرُهُ بِمَا قَالَهُ أَوْلَى مِنْ تَقْيِيدِ أَصْلِهِ بِالْإِمَامِ وَبِالطَّلَبِ (وَ) لَهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (تَصْدِيقٌ) أَوْلَى مِنْهُ وَأَخْصَرَ وَيُصَدَّقُ (مَنْ ادَّعَى فَقْرًا أَوْ مَسْكَنَةً أَوْ عَجْزًا عَنْ كَسْبٍ بِلَا يَمِينٍ وَلَوْ اُتُّهِمَ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالرِّفْقِ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى مَنْ سَأَلَهُ مِنْهَا بِغَيْرِ تَحْلِيفٍ وَعَلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً لِعُسْرِهَا وَبِهِ صَرَّحَ أَصْلُهُ (فَلَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ وَادَّعَى تَلَفَهُ لَمْ يُصَدَّقْ) بَلْ يُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ لِسُهُولَتِهَا وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ دَعْوَاهُ التَّلَفَ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ كَالْحَرِيقِ أَوْ خَفِيٍّ كَالسَّرِقَةِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَالظَّاهِرُ التَّفْرِيقُ كَالْوَدِيعَةِ وَفَرَّقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّ الْأَصْلَ ثَمَّ عَدِمُ الضَّمَانِ وَهُنَا عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ (وَكَذَا) لَا يُصَدَّقُ (مَنْ ادَّعَى عِيَالًا) لَهُ لَا يَفِي كَسْبُهُ بِكِفَايَتِهِمْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُمْ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ وَقَوْلُ السُّبْكِيّ تَفَقُّهًا وَكَذَا مَنْ لَمْ تَلْزَمْهُ مِمَّنْ تَقْضِي الْمُرُوءَةُ بِقِيَامِهِ بِنَفَقَتِهِمْ مِمَّنْ يُمْكِنُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ مِنْ قَرِيبٍ وَغَيْرُهُ بَعِيدٌ (وَيُصَدَّقُ) بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ (فِي) دَعْوَى (الْعَزْمِ عَلَى السَّفَرِ وَالْغَزْوِ) مُدَّعِيًا هُمَا لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْهُمَا (فَإِنْ تَخَلَّفَا عَنْ الرُّفْقَةِ وَلَوْ بَعْدَ التَّأَهُّبِ) لِلسَّفَرِ وَالْغَزْوِ (اُسْتُرِدَّ) مِنْهُمَا مَا أَخَذَاهُ لِأَنَّ صِفَةَ الِاسْتِحْقَاقِ لَمْ تَحْصُلْ.
(وَلَا يُصَدَّقُ الْعَامِلُ وَالْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ) فِي دَعْوَى الْعَمَلِ وَالْكِتَابَةِ وَلُزُومِ الدَّيْنِ الذِّمَّةِ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِسُهُولَتِهَا وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ (فَلَوْ صَدَّقَهُمَا) أَيْ الْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ (الْمَوْلَى) أَيْ السَّيِّدُ (وَالْغَرِيمُ) أَيْ رَبُّ الدَّيْنِ (كَفَى) لِلْإِعْطَاءِ لِظُهُورِ الْحَقِّ بِالتَّصْدِيقِ وَلِأَنَّ الْإِعْطَاءَ فِيهِمَا مُرَاعًى فَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ أَوْ أَدَّى

[حاشية الرملي الكبير]

[السَّابِع فِي سَبِيل اللَّه]

قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ أَوَائِلَ الْبَابِ) فَإِنْ تَابَ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى وَطَنِهِ أُعْطِيَ (قَوْلُهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ) هَذَا النَّصُّ إنَّمَا هُوَ فِي مَسْأَلَةِ الْفَيْءِ وَيُوَافِقُهُ كَلَامُ الْقَفَّالِ فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ (قَوْلُهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعِ) وَأَقَرَّهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ

[فَصَلِّ تحرم الزَّكَاة عَلَى الْهَاشِمِيّ وَالْمُطَّلِبِيّ]

(قَوْلُهُ تَحْرُمُ الزَّكَاةُ عَلَى الْهَاشِمِيِّ إلَخْ) لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِجَوَازِ أَخْذِهِمْ مِنْ النَّذْرِ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ يُحْتَمَلُ جَوَازُهُ لِأَنَّ النَّذْرَ مُتَطَوَّعٌ بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى أَنَّهُ يَسْلُكُ بِالنُّذُورِ مَاذَا إنْ قُلْنَا يَسْلُكُ بِالنَّذْرِ مَسْلَكُ وَاجِبِ الشَّرْعِ الْتَحَقَ بِالزَّكَاةِ وَإِلَّا فَلَا وَالْكَفَّارَةُ كَالزَّكَاةِ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى إلْحَاقِ الزَّوْجَاتِ بِالْأَقَارِبِ انْتَهَى وَأَفْتَيْت بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ الْوَاجِبَةُ وَالْجُزْءُ الْوَاجِبُ مِنْ أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ قَالَ شَيْخنَا وَمُقْتَضَى ذَلِكَ الْحُرْمَةُ فِي مَسْأَلَةِ النَّذْرِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ إذَا اُسْتُؤْجِرُوا لِلنَّقْلِ وَنَحْوِهِ) كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ وَبِهِ صَرَّحَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ فَقَالُوا مَا ذُكِرَ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ وَمَوَالِيهِمْ مَحَلُّهُ فِيمَنْ نَصَّبَهُ الْإِمَامُ عَامِلًا أَوْ عَوْنًا لِيَأْخُذَ مِنْ سَهْمِ الْعِمَالَةِ أَمَّا لَوْ اُسْتُؤْجِرُوا لِلنَّقْلِ وَالْحِفْظِ وَالرَّعْيِ وَالْكَيْلِ وَنَحْوِهَا فَيَجُوزُ كَمَا فِي الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ يَعْمَلَانِ فِيهَا بِالْأُجْرَةِ س

[فَصْلٌ لِلْمُزَكِّي مِنْ إمَامٍ وَغَيْرِهِ إعْطَاءُ مَنْ عَلِمَ اسْتِحْقَاقَهُ لِلزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا مِنْهُ]

(قَوْلُهُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالرِّفْقِ) مِثْلُ الزَّكَاةِ فِيمَا ذُكِرَ الْوَقْفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ (قَوْلُهُ فَلَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ وَادَّعَى تَلَفَهُ إلَخْ) مُرَادُ مَالٍ يَمْتَنِعُ مَعَهُ الصَّرْفُ إلَيْهِ أَمَّا لَوْ كَانَ قَدْرٌ إلَّا يُغْنِيه لَمْ يُطَالِبْ بِبَيِّنَةٍ إلَّا عَلَى تَلَفٍ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ وَيُعْطَى تَمَامَ كِفَايَتِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ التَّفْرِيقُ كَالْوَدِيعَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَفَرَّقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَخْ) قَالَ الْغَزِّيّ فِيهِ وَقْفَةٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْفَقْرُ فَالْأَصْلُ الِاسْتِحْقَاقُ قَالَ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ وَهُوَ مَرْدُودٌ إذْ كَيْفَ يُقَالُ الْأَصْلُ الْفَقْرُ مَعَ مَعْرِفَةِ مَالٌ لَهُ (قَوْلُهُ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ إلَخْ) جَزَمَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَلَوْ بَعْدَ التَّأَهُّبِ إلَخْ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَإِنْ تَخَلَّفَا عَنْ الرِّفْقَةِ لَا لِتَأَهُّبِ اُسْتُرِدَّ (قَوْلُهُ وَلَا يُصَدَّقُ الْعَامِلُ) أَيْ فِيمَا إذَا طَلَبَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ أَوْ مِنْ الْإِمَامِ إذَا بَعَثَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ قَبَضَ الصَّدَقَةَ وَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ

الدَّيْنَ فَذَاكَ وَإِلَّا اُسْتُرِدَّ وَإِنْ كَذَّبَاهُمَا لَغَا الْإِقْرَارُ (وَالْمُؤَلَّفُ يُصَدَّقُ) بِلَا يَمِينٍ (فِي ضَعْفِ النِّيَّةِ) بِأَنْ قَالَ نِيَّتِي فِي الْإِسْلَامِ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّ كَلَامَهُ يُصَدِّقُهُ (وَيُثْبِتُ) أَيْ يُقِيمُ بَيِّنَةً (بِالشَّرَفِ) الَّذِي ادَّعَاهُ بِأَنْ قَالَ أَنَا شَرِيفٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي (وَالْكِفَايَةِ) الَّتِي ادَّعَاهَا بِأَنْ قَالَ إنَّمَا أَكْفِيكُمْ شَرَّ مَنْ يَلِينِي مِنْ الْكُفَّارِ أَوْ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَالْمُرَادُ بِالْإِثْبَاتِ) فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ (إخْبَارُ عَدْلَيْنِ) بِصِفَاتِ الشُّهُودِ وَلَوْ بِلَا قَاضٍ وَدَعْوَى وَإِشْهَادٍ (وَالِاسْتِفَاضَةُ) وَهِيَ اشْتِهَارُ الْحَالِ بَيْنَ النَّاسِ (كَافِيَةٌ) عَنْ الْبَيِّنَةِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ أَوْ غَلَبَةِ الظَّنِّ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَيَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اعْتِبَارِ غَلَبَةِ الظَّنِّ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ عَنْ الْحَالِ وَاحِدٌ يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ كَفَى وَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ مِنْ أَنَّهُ رَأْيٌ لِلْأَصْحَابِ رَمْزًا إلَى تَرَدُّدٍ فِي أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الْوُثُوقُ بِقَوْلِهِ مَنْ يَدَّعِي الْغُرْمَ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ هَلْ يَجُوزُ اعْتِمَادُهُ انْتَهَى وَالْأَقْرَبُ الْجَوَازُ وَيَكُونُ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ أَوَّلًا لَهُ إعْطَاءُ مَنْ عَلِمَ اسْتِحْقَاقَةَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ فِيمَا يَظْهَرُ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ

(فَصْلٌ يُعْطَى الْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ مَا عَجَزَا عَنْ أَدَائِهِ) مِنْ كُلِّ الدَّيْنِ أَوْ بَعْضِهِ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا يُعْطَيَانِ لِلْحَاجَةِ إلَى وَفَائِهِ نَعَمْ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ يُعْطَى الْكُلُّ وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَائِهِ كَمَا مَرَّ (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا أَوْ مِسْكِينًا) وَقَدْ (تَعَوَّدَ التِّجَارَةَ أُعْطِيَ كِفَايَتَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) الْأَوْلَى وَالْأَخْصَرُ وَإِلَّا وُفِّقَ بِعِبَارَةِ أَصْلِهِ أُعْطِيَ رَأْسَ مَالٍ (يَكْفِيهِ رِبْحُهُ غَالِبًا) وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالنَّوَاحِي (فَيُعْطَى الْبَقْلِيُّ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَالْبَاقِلَّانِيّ عَشْرَةً وَالْفَاكِهِيُّ عِشْرِينَ وَالْخَبَّازُ خَمْسِينَ وَالْبَقَّالُ مِائَةً وَالْعَطَّارُ أَلْفًا وَالْبَزَّازُ أَلْفَيْنِ وَالصَّيْرَفِيُّ خَمْسَةَ آلَافٍ وَالْجَوْهَرِيُّ عَشْرَةَ آلَافٍ) وَظَاهِرٌ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَلَى التَّقْرِيبِ فَلَوْ زَادَ عَلَى كِفَايَتِهِمْ أَوْ نَقَصَ عَنْهَا نُقِصَ أَوْ زِيدَ مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ (وَمَنْ لَهُ حِرْفَةٌ) لَا يَجِدُ آلَتَهَا (أُعْطِيَ مَا يَشْتَرِي بِهِ آلَتَهَا) قَلَّتْ قِيمَتُهَا أَوْ كَثُرَتْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَفَقُّهًا وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي وَاحِدٍ حِرَفٌ أُعْطِيَ بِأَقَلِّهَا فَإِنْ لَمْ يَفِ بِحَالَةٍ تُمِّمَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ.
اهـ. وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يُعْطَى بِالْحِرْفَةِ الَّتِي تَكْفِيهِ (وَلَوْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا) مِنْ حِرْفَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ (أُعْطِيَ كِفَايَةَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ بِأَنْ يُشْتَرَى لَهُ) بِهِ (عَقَارٌ تَكْفِيهِ غَلَّتُهُ) وَيُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الزَّكَاةِ

(فَرْعٌ يُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ مَا يَكْفِيهِ) فِي سَفَرِهِ (ذَهَابًا وَ) كَذَا (إيَابًا لِقَاصِدِ الرُّجُوعِ) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي طَرِيقِهِ أَوْ مَقْصِدِهِ مَالٌ (أَوْ مَا يُبَلِّغُهُ مَالَهُ) إنْ كَانَ لَهُ فِيهِ مَالٌ فَيُعْطَى (نَفَقَةً وَكِسْوَةً إنْ احْتَاجَ) إلَيْهَا بِحَسَبِ الْحَالِ شِتَاءً وَصَيْفًا (لَا نَفَقَةَ إقَامَةٍ تُخْرِجُهُ عَنْ السَّفَرِ) بِخِلَافِ نَفَقَةِ إقَامَةٍ لَا تُخْرِجُهُ عَنْهُ فَيُعْطَاهَا وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ مِنْ أَنَّهُ يُعْطَى جَمِيعَ كِفَايَتِهِ لَا مَا زَادَ بِسَبَبِ السَّفَرِ فَقَطْ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ قَدْ تَقْتَضِي أَنَّهُ وَلَوْ أَقَامَ لِحَاجَةٍ يُتَوَقَّعُ زَوَالُهَا أُعْطِيَ وَهُوَ وَجْهٌ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَلَا يُعْطَى لِمُدَّةِ الْإِقَامَةِ إلَّا مُدَّةَ إقَامَةِ الْمُسَافِرِينَ وَهِيَ سَالِمَةٌ مِنْ ذَلِكَ (وَيُعَارُ أَوْ يُسْتَأْجَرُ) أَوْ يُمَلَّكُ (لَهُ مَا يَحْمِلُهُ) فِي سَفَرِهِ (إنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ أَوْ طَالَ السَّفَرُ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْجَزْ وَقَصُرَ سَفَرُهُ (وَ) يُعْطَى بِإِعَارَةٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ تَمْلِيكٍ (مَا يَحْمِلُ زَادَهُ وَمَتَاعَهُ إنْ لَمْ يُطِقْ) وَفِي نُسْخَةٍ يُلْقِ (حِمْلَهُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا

[حاشية الرملي الكبير]

(قَوْلُهُ وَإِنْ كَذَّبَاهُمَا لَغَا الْإِقْرَارُ) فَإِنْ أَقَرَّ لِغَائِبٍ فَفِي إعْطَائِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عَدَمُ إعْطَائِهِ (قَوْلُهُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ مِنْ أَنَّهُ إلَخْ) وَهُوَ ظَاهِرٌ

[فَصْلٌ يُعْطَى الْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ مَا عَجَزَا عَنْ أَدَائِهِ مِنْ كُلِّ الدَّيْنِ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ الزَّكَاة]

(قَوْلُهُ فَيُعْطَى الْبَقْلِيُّ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ إلَخْ) قَالَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتُ لَا يَخْفَى فَسَادُهَا وَالْمُحَكَّمُ فِيهِ هُوَ التَّعْرِيفُ (قَوْلُهُ بِأَنْ يُشْتَرَى لَهُ عَقَارٌ تَكْفِيه غَلَّتُهُ) هَذَا إنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ يَشْتَرِي لَهُ وَلِيُّهُ بِذَلِكَ عَقَارًا يَسْتَغِلُّهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُ وَقَدْ يَكُونُ النَّظَرُ فِي عَدَمِ الشِّرَاءِ لِجَلَاءِ أَهْلِ النَّاحِيَةِ أَوْ خَرَابِهَا أَوْ إشْرَافِهَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ رَشِيدًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ الْمِقْدَارُ الْمَذْكُورُ وَيَمْلِكُهُ بِالْأَخْذِ لَا مَحَالَةً وَحِينَئِذٍ فَهَلْ الْمُرَادُ أَنَّا نَأْمُرُهُ بِذَلِكَ أَمْرًا رَشَادٍ وَالْخِيَرَةُ إلَيْهِ فِيهِ أَوْ أَنَّا نَأْمُرُهُ بِذَلِكَ وَنَجْبُرُهُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَوَّلَ فَقَرِيبٌ وَلَا يَبْقَى خِلَافٌ مُحَقَّقٌ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ وَخُرُوجُهُ عَنْ الْقَوَاعِدِ وَقَدْ تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ الظَّاهِرَةُ فِي عَدَمِ شِرَاءِ الْعَقَارِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّ الْإِمَامَ يَشْتَرِي لَهُمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا وَقْتَ فِيمَا يُعْطَى الْفَقِيرُ إلَّا مَا يُخْرِجُهُ مِنْ حَدِّ الْفَقْرِ إلَى الْغِنَى قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْغِنَى هُوَ الْكِفَايَةُ عَلَى الدَّوَامِ فَيُدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَجْعَلُهُ رَأْسَ مَالٍ وَيَكْفِيه فَضْلُهُ لِمُؤْنَةٍ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ لَا يُحْسِنُونَ التِّجَارَةَ اشْتَرَى لَهُمْ مَا يَغُلُّهُمْ كِفَايَتَهُمْ عَلَى الدَّوَامِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحِرْفَةِ اشْتَرَى لَهُمْ آلَاتِهِمْ إلَى آخِرِهِ وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْبُعْدَانِ أُرِيدَ أَنَّهُ يُشْتَرَى لَهُمْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ وَقَبْلَ الدَّفْعِ إلَيْهِمْ أَوْ بَعْدَهُ جَبْرًا لِمُطْلَقِ التَّصَرُّفِ غ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ فَيُشْتَرَى بِضَمِّ أَوَّلِهِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُشْتَرِي لَهُ الْإِمَامُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْغَازِي أَنَّ الْإِمَامَ يَشْتَرِي لَهُ الْفَرَسَ أَوْ يَصْرِفُ لَهُ لِيَشْتَرِيَ بِهِ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي الشِّرَاءِ

(قَوْلُهُ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ قَدْ تَقْتَضِي أَنَّهُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ تَشْمَلُ إعْطَاءَهُ نَفَقَةَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا فِيمَا إذَا أَقَامَ لِحَاجَةٍ يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَعِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَمَّا نَفَقَتُهُ فِي إقَامَتِهِ فِي الْمَقْصِدِ فَإِنْ كَانَتْ إقَامَتُهُ دُونَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ غَيْرَ يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ أُعْطِيَ لَهَا لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُسَافِرِ إذْ لَهُ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ وَسَائِرُ الرُّخَصِ وَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ غَيْرَ يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ لَمْ يُعْطَ لَهَا لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُسَافِرًا ابْنُ سَبِيلٍ إذَا انْقَطَعَتْ رُخَصُ السَّفَرِ بِخِلَافِ الْغَازِي فَإِنَّهُ يُعْطَى نَفَقَةَ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ فِي الثَّغْرِ وَإِنْ طَالَتْ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْغَازِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِتَوَقُّعِ الْفَتْحِ وَإِنَّهُ لَا يَزُولُ بِالْإِقَامَةِ اسْمُ الْغَازِي بَلْ يَتَأَكَّدُ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ وَفِيهِ وَجْهٌ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ يُعْطَى وَإِنْ طَالَ مَقَامُهُ إذَا كَانَ مُقِيمًا لِحَاجَةٍ يُتَوَقَّعُ تَنَجُّزُهَا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ انْتَهَى فَتَعْلِيلَاهُ صَرِيحَانِ فِيمَا ذَكَرْته.
(قَوْلُهُ وَمَا يَحْمِلُ زَادَهُ وَمَتَاعَهُ إلَخْ) إذَا أُعْطِيَ لِمَسَافَةٍ فَتَرَك السَّفَرَ فِي أَثْنَائِهَا وَقَدْ أَنْفَقَ الْكُلَّ فَإِنْ كَانَ لِغَلَاءِ السِّعْرِ لَمْ يَغْرَمْ وَإِلَّا غَرِمَ قِسْطَ بَاقِي الْمَسَافَةِ

بِخِلَافِ مَا إذَا أَطَاقَهُ بِأَنْ كَانَ قَدْرًا يَعْتَادُ مِثْلُهُ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ لِانْتِفَاءِ الْحَاجَةِ وَمَا زِدْتُهُ مِنْ التَّمْلِيكِ فِيمَا ذُكِرَ أَخَذْتُهُ مِنْ إطْلَاقِ الْأَصْلِ قَوْلُهُ وَيُهَيَّأُ لَهُ الْمَرْكُوبُ وَمِمَّا يَأْتِي فِي الْغَازِي وَإِنْ فُرِّقَ بِأَنَّ الْغَازِيَ يُعْطَى لِحَاجَتِنَا مَعَ الْغِنَى، وَابْنُ السَّبِيلِ يُعْطَى لِحَاجَتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِيمَا قُلْنَا لِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ اُسْتُرِدَّ مِنْهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي عَلَى أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ السَّرَخْسِيِّ وَأَقَرَّهُ أَنَّهُ إنْ قَلَّ الْمَالُ أُعْطِيَ كِرَاءَ الْمَرْكُوبِ وَإِلَّا اُشْتُرِيَ لَهُ ذَلِكَ وَقِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي الْمَغَازِي أَنَّهُ إنْ قَلَّ الْمَالُ تَعَيَّنَ الِاسْتِئْجَارُ أَوْ الْإِعَارَةُ لَهُ

(فَرْعٌ وَالْغَازِي يُعْطَى النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ ذَهَابًا وَإِيَابًا وَإِقَامَةً فِي الثَّغْرِ) إلَى الْفَتْحِ (وَإِنْ طَالَتْ) بِخِلَافِ ابْنِ السَّبِيلِ لَا يُعْطَى لِمُدَّةِ إقَامَتِهِ الزَّائِدَةِ عَلَى إقَامَةِ الْمُسَافِرِينَ كَمَا مَرَّ لِزَوَالِ الِاسْمِ عَنْهُ وَاسْمُ الْغَازِي لَا يَزُولُ بِذَلِكَ بَلْ يَتَأَكَّدُ بِهِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِتَوَقُّعِ فَتْحِ الْحِصْنِ (وَ) يُعْطَى (نَفَقَةَ عِيَالِهِ) وَكِسْوَتَهُمْ لِذَلِكَ (وَقِيمَةُ الْفَرَسِ) إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقَابِلُ فَارِسًا وَإِلَّا فَلَا (وَ) قِيمَةَ (آلَةِ الْحَرْبِ) لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ (وَيَصِيرُ) جَمِيعُ ذَلِكَ (مِلْكَهُ) وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يُعْطِيَهُ الْفَرَسَ وَالْآلَةَ لِامْتِنَاعِ الْإِبْدَالِ فِي الزَّكَاةِ وَلِلْإِمَامِ ذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَيْهِ فَيَشْتَرِي لَهُ ذَلِكَ وَيُعْطَاهُ (أَوْ يُسْتَأْجَرُ لَهُ أَوْ يُعَارُ) لَهُ مِمَّا اشْتَرَاهُ وَوَقَفَهُ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ لَمْ يَقِفْهُ لَكِنْ يَتَعَيَّنُ الِاسْتِئْجَارُ أَوْ الْإِعَارَةُ (إنْ قَلَّ الْمَالُ) عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَيَخْتَلِفُ الْحَالُ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْمَالِ وَقِلَّتِهِ (وَلِلْإِمَامِ) لَا لِلْمَالِكِ (أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ هَذَا السَّهْمِ خَيْلًا وَيَقِفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وَيُعِيرَهُ إيَّاهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَفِي نُسْخَةٍ وَيُوقِفَهَا مِنْ أَوْقَفَهُ وَهِيَ لُغَةٌ شَاذَّةٌ (وَحَمْلُ زَادِهِ وَ) حَمْلُ (نَفْسِهِ) فِي الطَّرِيقِ (كَابْنِ السَّبِيلِ) فَيُعْطَى مَا يَحْمِلُهُ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ

(فَرْعٌ إنَّمَا يُعْطَى) الْغَازِي ذَلِكَ (وَقْتَ الْخُرُوجِ) لِيُهَيِّئَ بِهِ أَسْبَابَ السَّفَرِ (فَإِنْ مَاتَ فِي الطَّرِيقِ) أَوْ فِي الْمَقْصِدِ أَوْ امْتَنَعَ فِيهَا مِنْ الْغَزْوِ (اُسْتُرِدَّ) مِنْهُ (مَا بَقِيَ وَإِنْ غَزَا وَرَجَعَ وَبَقِيَ مَعَهُ شَيْءٌ فَإِنْ قَتَّرَ) أَيْ ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ (أَوْ كَانَ) الْبَاقِي قَدْرًا (يَسِيرًا لَمْ يُسْتَرَدَّ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقَتِّرْ وَكَانَ الْبَاقِي قَدْرًا كَثِيرًا (اُسْتُرِدَّ) لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُعْطَى لَهُ فَوْقَ الْحَاجَةِ وَإِنَّ الْمُعْطِي أَخْطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ (وَيُسْتَرَدُّ فَاضِلُ ابْنِ السَّبِيلِ مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِمَا ذُكِرَ لِأَنَّا دَفَعْنَا إلَى الْغَازِي لِحَاجَتِنَا وَقَدْ تَحَصَّلْنَا عَلَى الْغَرَضِ لَمَّا غَزَا، وَابْنِ السَّبِيلِ إلَيْهِ لِحَاجَتِهِ وَقَدْ زَالَتْ.
(فَرْعٌ الْمُؤَلَّفُ) بِأَنْوَاعِهِ (يُعْطَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ) أَوْ الْمَالِكُ إنْ فَرَّقَ عَلَى قِيَاسِ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ يُعْطَى الْمُؤَلَّفُ أَوْ يُقَالُ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ سَوَاءٌ أَفَرَّقَ هُوَ أَوْ الْمَالِكُ (وَالْعَامِلُ يَسْتَحِقُّ) مِنْ الزَّكَاةِ (أُجْرَةَ) مِثْلِ (مَا عَمِلَهُ) فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ بَعَثَهُ بِلَا شَرْطٍ ثُمَّ أَعْطَاهُ إيَّاهَا وَإِنْ شَاءَ سَمَّاهَا لَهُ إجَارَةً كَمَا سَيَأْتِي أَوْ جَعَالَةً ثُمَّ أَدَّاهُ مِنْ الزَّكَاةِ وَبِمَا قَالَهُ عُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْعَمَلِ وَبِهِ صَرَّحَ أَوَاخِرَ الْبَابِ فَلَوْ أَدَّاهَا الْمَالِكُ قَبْلَ قُدُومِ الْعَامِلِ أَوْ حَمَلَهَا إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ (وَلِلْإِمَامِ اسْتِئْجَارُهُ لَا بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ فَإِنْ زَادَ) عَلَيْهَا (بَطَلَتْ) أَيْ الْإِجَارَةُ لِتَصَرُّفِهِ بِغَيْرِ الْمَصْلَحَةِ (وَالزَّائِدُ) مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ (عَلَى أُجْرَتِهِ) يَرْجِعُ لِلْأَصْنَافِ وَمَتَى نَقَصَ سَهْمُهُ عَنْهَا كَمَّلَ (قَدْرَهَا) مِنْ الزَّكَاةِ ثُمَّ قَسَّمَ الْبَاقِي (وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَجْعَلَ أُجْرَةَ الْعَامِلِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) إجَارَةً أَوْ جَعَالَةً (جَازَ وَبَطَلَ سَهْمُهُ) فَتُقْسَمُ الزَّكَاةُ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَامِلٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ الدَّارِمِيُّ وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى الْعَامِلُ إذَا لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ عَمِلَ مُتَبَرِّعًا لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا عَلَى الْقَاعِدَةِ وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ لَكِنْ رَدَّهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ هَذَا فَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ عَمَلَ كَالْغَنِيمَةِ يَسْتَحِقُّهَا الْمُجَاهِدُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إلَّا إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا عَمِلَ عَلَى أَنْ لَا يَأْخُذَ شَيْئًا اسْتَحَقَّ وَإِسْقَاطُهُ بَعْدَ الْعَمَلِ لِمَا مَلَكَهُ بِهِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِمَا يُنْقَلُ الْمِلْكُ مِنْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَلَيْسَ كَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا بِقَصْدِ التَّبَرُّعِ حَتَّى يُقَالَ إنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ لِأَنَّ ذَاكَ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْطٍ مِنْ الْمَخْلُوقِ وَهَذَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمِيرَاثِ وَالْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ.

(فَرْعٌ مَتَى اجْتَمَعَ فِي رَجُلٍ) مَثَلًا (صِفَتَانِ) كَفَقِيرٍ غَازٍ (وَلَوْ) كَانَ (عَامِلًا فَقِيرًا أَخَذْنَا بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ) لَا بِهِمَا لِأَنَّ الْعَطْفَ فِي الْآيَةِ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ وَالتَّرْجِيحُ فِي الْعَامِلِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَعَلَى هَذَا (فَإِنْ أَخَذَ فَقِيرٌ) غَارِمٌ (مَعَ الْغَارِمِينَ) نَصِيبَهُ مِنْ سَهْمِهِمْ (فَأَعْطَاهُ غَرِيمُهُ أُعْطِيَ مَعَ الْفُقَرَاءِ) نَصِيبَهُ مِنْ سَهْمِهِمْ لِأَنَّهُ الْآنَ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَقِيمَةُ الْفَرَسِ إلَخْ) وَهَذَا غَيْرُ مَرْكُوبِهِ فِي السَّفَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَوْفِيرِ الْخَيْلِ إلَى وَقْتِ الْحَرْبِ إذْ لَوْ رَكِبُوهَا مِنْ دَارِنَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ رُبَّمَا كَلَّتْ وَعَجَزَتْ عَنْ الْكَرِّ وَالْفَرِّ حَالَ الْمُطَارَدَةِ وَالْقِتَالِ لَا سِيَّمَا إذَا بَعُدَ الْمَغْزَى (قَوْلُهُ أَوْ يَسَارٌ لَهُ) فِي تَسْمِيَةِ هَذَا عَارِيَّةٍ نَظَرٌ فَإِنَّ انْتِفَاعَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِالْوَقْفِ لَيْسَ عَارِيَّةً وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُهُ إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ التَّسْمِيَةَ صَحِيحَةٌ إذْ لَيْسَ لِلْآحَادِ الِاسْتِبْدَادُ بِأَخْذِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا بِإِذْنِ النَّاظِرِ عَلَى الْوَقْفِ وَلَيْسَ هُوَ مُعَيَّنًا فِي الْوَقْفِ حَتَّى يَكُونَ مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ وَإِنَّمَا الْوَقْفُ عَلَى الْجِهَةِ فَصَحَّ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ عَارِيَّةً وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عَارِيَّةً أَنْ يَضْمَنَهُ فَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ لَا يَضْمَنُ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ كُتُبًا وَشَرَطَ أَنْ لَا يُعَارُ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا بِرَهْنٍ صَحَّ الْوَقْفُ وَاتُّبِعَ الشَّرْطُ فَالْقَفَّالُ قَدْ أَطْلَقَ الْعَارِيَّةَ عَلَى الْوَقْفِ قَالَ شَيْخُنَا الشَّرْطُ بَاطِلٌ عَلَى الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ هَذَا السَّهْمِ خَيْلًا إلَخْ) قَالَ السُّبْكِيُّ لَهُ فِي إعْطَاءِ الْفَرَسِ وَالسِّلَاحِ طُرُقٌ دَفْعُ الثَّمَنِ أَوْ الْأُجْرَةِ أَوْ الشِّرَاءِ أَوْ الِاسْتِئْجَارِ لَهُ أَوْ لِلْجِهَةِ أَوْ الْوَقْفِ عَلَيْهَا وَلَا يَمْلِكُ إلَّا فِي دَفْعِ الثَّمَنِ.

(قَوْلُهُ وَالْعَامِلُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ مَا عَمِلَهُ) وَلَوْ كَانَ مَا جَمَعَهُ مِنْ الزَّكَاةِ قَدْرَهَا (قَوْلُهُ وَلِلْإِمَامِ اسْتِئْجَارُهُ لَا بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ إلَخْ) نَقَلَ الْجُورِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ السَّاعِيَ يَأْخُذُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ بِأَنَّ قِسْمَةَ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ لَا يَسْتَقِلُّ بِهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حَتَّى يَحْضُرَ الْآخَرُ أَوْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي إلَّا أَنْ يَعْتَذِرَ بِأَنَّهُ أَمِينٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ (قَوْلُهُ لَكِنْ رَدَّهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ هَذَا فَرْضُ اللَّهِ تَعَالَى) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ عَامِلًا فَقِيرًا) أَيْ أَوْ غَارِمًا

مُحْتَاجٌ نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الشَّيْخِ نَصْرٍ وَأَقَرَّهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَالْمُرَادُ امْتِنَاعُ أَخْذِهِ بِهِمَا دُفْعَةً قُلْت بَلْ أَوْ مُرَتَّبًا وَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِيمَا أَخَذَهُ أَوَّلًا

(فَصْلٌ وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ) الثَّمَانِيَةِ بِالزَّكَاةِ (إنْ أَمْكَنَ) بِأَنَّ فَرَّقَهَا الْإِمَامُ وَوَجَدُوا كُلُّهُمْ لِظَاهِرِ الْآيَةِ سَوَاءٌ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَغَيْرُهَا (وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ) مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ الْإِصْطَخْرِيُّ (جَوَازَ صَرْفِ الْفِطْرَةِ إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاكِينَ) أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْتَحِقِّينَ (فَإِنْ شَقَّتْ الْقِسْمَةُ جَمَعَ جَمَاعَةٌ فِطْرَتَهُمْ وَفَرَّقُوا وَإِنْ فَرَّقَهَا الْمَالِكُ فَلَا عَامِلَ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَلَا مُؤَلَّفَ كَمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّصِّ وَالرَّافِعِيُّ عَنْ رِوَايَةِ الْحَنَّاطِيِّ لَهُ قَالَا وَمَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّ الْمَشْهُورَ خِلَافُهُ مَرْدُودٌ نَقْلًا وَدَلِيلًا وَأَطَالَا فِي بَيَانِ ذَلِكَ وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَغَايَتُهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَصْلِ نَصَّانِ رَجَّحَ مِنْهُمَا كَثِيرُونَ هَذَا (وَعَلَى الْإِمَامِ اسْتِيعَابُ الْآحَادِ) مِنْ كُلِّ صِنْفٍ لِعَدَمِ تَعَذُّرِهِ عَلَيْهِ نَعَمْ إنْ قَلَّ الْمَالُ بِأَنْ كَانَ قَدْرًا لَوْ وَزَّعَهُ عَلَيْهِمْ لَمْ يَسُدَّ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِيعَابُ لِلضَّرُورَةِ بَلْ يُقَدِّمُ الْأَحْوَجَ فَالْأَحْوَجَ أَخْذًا مِنْ نَظِيرِهِ فِي الْفَيْءِ.
وَنَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ زَكَاةٍ وَاحِدَةٍ (وَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَهُمْ بِنَوْعٍ) مِنْ الْمَالِ وَآخَرِينَ بِنَوْعٍ وَأَنْ يُعْطِي زَكَاةَ وَاحِدٍ لِوَاحِدٍ لِأَنَّ الزَّكَوَاتِ كُلَّهَا فِي يَدِهِ كَالزَّكَاةِ الْوَاحِدَةِ (وَإِنْ فَرَّقَ الْمَالِكُ وَأَمْكَنَ الِاسْتِيعَابُ) لِكَوْنِهِمْ مَحْصُورِينَ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ أَوْ زَادُوا عَلَيْهَا وَوَفَّى بِهِمْ الْمَالُ (لَزِمَهُ) الِاسْتِيعَابُ (وَلَا يَكْفِي صَرْفٌ إلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ) عَمَلًا بِأَقَلِّ الْجَمْعِ فِي غَيْرِ الْأَخِيرَيْنِ فِي الْآيَةِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ فِيهِمَا وَلَا عَدَدَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ عَدَدٍ وَهَذَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ (إلَّا الْعَامِلُ فَقَدْ يَكُونُ وَاحِدًا) إذَا حَصَلَ بِهِ الْغَرَضُ (وَلَوْ أَعْطَى) الْمَالِكُ (اثْنَيْنِ) مِنْ صِنْفٍ (وَالثَّالِثُ مَوْجُودٌ غَرِمَ لَهُ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ) لِأَنَّهُ لَوْ أَعْطَاهُ ابْتِدَاءً خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ فَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي فَرَّطَ فِيهِ سَوَاءٌ أَكَانَ الثَّلَاثَةُ مُتَعَيِّنِينَ أَمْ لَا لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ فِي الْآحَادِ وَلَوْ أَعْطَى وَاحِدًا وَالِاثْنَانِ مَوْجُودَانِ غَرِمَ لَهُمَا أَقَلَّ مَا يُعْطَيَانِهِ ابْتِدَاءً كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَلَوْ وَجَدَ الْمَالِكُ مِنْ صِنْفٍ دُونَ الثَّلَاثَةِ أَعْطَاهُ الْكُلَّ إنْ احْتَاجَهُ) فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُ بَاقِي السَّهْمِ إلَى غَيْرِهِ لِانْحِصَارِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْهُ (رَدَّ عَلَى الْبَاقِينَ) إنْ احْتَاجُوهُ وَإِلَّا نُقِلَ إلَى غَيْرِهِمْ.

(فَرْعٌ يَجِبُ) عَلَى مَنْ يُفَرِّقُ الزَّكَاةَ (التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ) وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةُ بَعْضِهِمْ أَشَدَّ لِانْحِصَارِهِمْ وَلِاقْتِضَاءِ الْعَطْفِ التَّسْوِيَةَ إلَّا الْعَامِلُ فَلَا يُزَادُ عَلَى أُجْرَتِهِ كَمَا مَرَّ وَإِلَّا الْفَاضِلُ نَصِيبُهُ عَنْ كِفَايَتِهِ كَمَا سَيَأْتِي قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فَلَوْ أَخَلَّ الْإِمَامُ بِصِنْفٍ ضَمِنَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ قَدْرَ سَهْمِهِ مِنْ تِلْكَ الصَّدَقَةِ وَإِنْ أَخَلَّ بِهِ الْمَالِكُ ضَمِنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ (وَهِيَ) أَيْ التَّسْوِيَةُ (مُسْتَحَبَّةٌ فِي آحَادِهِمْ إنْ تَسَاوَتْ حَاجَتُهُمْ) فَإِنْ تَفَاوَتَتْ اُسْتُحِبَّ التَّفَاوُتُ بِقَدْرِهَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لِفُقَرَاءِ بَلَدٍ فَإِنَّهُ تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا لَهُمْ عَلَى التَّعْيِينِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ فَقِيرٌ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَهُنَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَقُّ لَهُمْ عَلَى التَّعْيِينِ وَإِنَّمَا تَعَيَّنُوا لِفَقْدِ غَيْرِهِمْ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مُسْتَحِقٌّ لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بَلْ تُنْقَلُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ (وَقِيلَ تَجِبُ) التَّسْوِيَةُ (إنْ فَرَّقَ الْإِمَامُ) لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاسْتِيعَابَ فَلَزِمَهُ التَّسْوِيَةُ وَلِأَنَّهُ نَائِبُهُمْ فَلَا يُفَاوِتُ بَيْنَهُمْ عِنْدَ تَسَاوِي حَاجَاتِهِمْ بِخِلَافِ الْمَالِكِ فِيهِمَا وَهَذَا جَزَمَ بِهِ الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحَيْهِ عَنْ التَّتِمَّةِ لَكِنْ زَادَ فِي الرَّوْضَةِ قُلْت مَا فِي التَّتِمَّةِ وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا فِي الدَّلِيلِ فَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْجُمْهُورِ اسْتِحْبَابَ التَّسْوِيَةِ وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَ

[حاشية الرملي الكبير]

[فَصْلٌ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ بِالزَّكَاةِ]

قَوْلُهُ وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ إلَخْ) لَوْ امْتَنَعَ الْأَصْنَافُ مِنْ قَبُولِ الزَّكَاةِ قُوتِلُوا كَذَا حُكِيَ عَنْ سُلَيْمٍ فِي الْمُجَرَّدِ وَهَلْ يَصِحُّ إبْرَاءُ الْمَحْصُورِينَ رَبُّ الْمَالِ مِنْ الزَّكَاةِ إنْ قُلْنَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا يُبْرَأُ مِنْهَا.
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ بِأَنْ فَرَّقَهَا الْإِمَامُ) أَيْ أَوْ الْعَامِلُ (قَوْلُهُ وَإِنْ فَرَّقَهَا الْمَالِكُ فَلَا عَامِلَ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ لَوْ تَوَلَّاهَا الْإِمَامُ سَقَطَ سَهْمُ الْعَامِلِ وَلَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ (قَوْلُهُ وَعَلَى الْإِمَامِ اسْتِيعَابُ الْآحَادِ) فِي مَعْنَى الْإِمَامِ إذَا فُوِّضَ إلَيْهِ الصَّرْفُ وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا إذَا كَانُوا غَيْرَ مَحْصُورِينَ وَإِنْ قَيَّدَهُ النُّورِيُّ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ بِمَا إذَا كَانُوا مَحْصُورِينَ (قَوْلُهُ وَإِنْ فَرَّقَ الْمَالِكُ) أَيْ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ وَكِيلٍ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَمْكَنَ الِاسْتِيعَابُ إلَخْ) لَوْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّونَ وُرَّاثَهُ فَمَاتَ فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى غَيْرِهِمْ وَهَلْ نَقُولُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَقَدَّمْنَا الزَّكَاةَ إنَّهُمْ يَفُوزُونَ بِالزَّكَاةِ لَا نَقْلَ فِيهِ غ يَفُوزُونَ بِهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِتَمَامِ الْحَوْلِ إذْ لَيْسَ ثَمَّ مُسْتَحِقٌّ غَيْرُهُمْ قَالَ النَّاشِرِيُّ وَإِذَا قُلْنَا مَلَكُوهَا زَكَاةً فَأَيْنَ النِّيَّةُ الْوَاجِبَةُ أَتَسْقُطُ هُنَا أَمْ تَقُومُ الْوَرَثَةُ مَقَامَهُ فِيهَا أَوْ الْحَاكِمُ لِئَلَّا يَتَّحِدَ النَّاوِي وَالْمُسْتَحِقُّ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَوَفَّى بِهِمْ الْمَالُ) أَيْ بِحَاجَتِهِمْ (قَوْلُهُ غَرِمَ لَهُ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ) قَالَ شَيْخُنَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ إعْطَاءِ مُسْتَحِقِّهَا مِنْهَا أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ وَبُطْلَانُ مَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُعْطَى مِنْهَا

[فَرْعٌ عَلَى مَنْ يُفَرِّقُ الزَّكَاةَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ]

(قَوْلُهُ تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ) وَإِنْ أَتَحَدَّتْ آحَادُهُمْ (قَوْلُهُ وَلِاقْتِضَاءِ الْعَطْفِ إلَخْ) أَيْ بِوَاوِ التَّشْرِيكِ (قَوْلُهُ ضَمِنَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ إلَخْ) قَالَ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا إذَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ شَيْءٌ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ إنْ تَسَاوَتْ حَاجَتُهُمْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ لَمْ يُبَيِّنُوا هُنَا مَا الْمُرَادُ بِحَاجَاتِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ هَلْ هِيَ حَاجَةُ السَّنَةِ أَوْ الْوَقْتِ أَوْ الْعُمْرِ وَحَاجَاتُ غَيْرِهِمْ مَعْلُومَةٌ قَالَ الْغَزِّيّ وَهُوَ عَجِيبٌ فَإِنَّهُ مُحَالٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ كِفَايَةَ سَنَةٍ إنْ أَمْكَنَ أَوْ الْعُمْرِ الْغَالِبِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَبَعْضُ سَنَةٍ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لِفُقَرَاء بَلَدٍ) أَيْ مَحْصُورِينَ (قَوْلُهُ وَهَذَا جَزَمَ بِهِ الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ فَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْجُمْهُورِ وَإِلَخْ) قَالَ السُّبْكِيُّ تَأَمَّلْت إطْلَاقَ الْجُمْهُورِ فَوَجَدْت وُجِدَ بِهَامِشِ الْأَصْلِ مَا نَصُّهُ اعْتَمَدَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ سُقُوطَ النِّيَّةِ اهـ مِنْ خَطِّ الْمُجَرَّدِ

الْمُصَنِّفُ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الِاسْتِيعَابُ يَجُوزُ الدَّفْعُ لِلْمُسْتَوْطَنَيْنِ وَلِلْغُرَبَاءِ (وَ) لَكِنْ (الْمُسْتَوْطِنُونَ أَوْلَى مِنْ الْغُرَبَاءِ) لِأَنَّهُمْ جِيرَانٌ

(فَصْلٌ نَقْلُ الزَّكَاةِ وَإِنْ قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ) مَعَ وُجُودِ الْأَصْنَافِ أَوْ بَعْضِهِمْ (لَا يَجُوزُ وَلَا تُجْزِئُ) الزَّكَاةُ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ نَقْلِهَا قَالُوا لِخَبَرِ مُعَاذٍ وَلِأَنَّ نَقْلَهَا يُوحِشُ أَصْنَافَ الْبَلَدِ بَعْدَ امْتِدَادِ أَطْمَاعِهِمْ إلَيْهَا (بِخِلَافِ) نَقْلِ (الْوَصِيَّةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ) مِنْ مَحَالِّهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيُجْزِئُ إذْ الْأَطْمَاعُ لَا تَمْتَدُّ إلَيْهَا امْتِدَادَهَا إلَى الزَّكَاةِ، وَمِثْلُهَا الْأَوْقَافُ عَلَى صِنْفٍ نَعَمْ إنْ عَيَّنَ الْمُوصِي وَالنَّاذِرُ وَالْوَاقِفُ بَلَدًا تَعَيَّنَ (فَإِنْ عُدِمَتْ الْأَصْنَافُ) مِنْ الْبَلَدِ (أَوْ فَضُلَ عَنْهُمْ) شَيْءٌ (نُقِلَ كُلٌّ) مِمَّا لَهُمْ فِي الْأُولَى وَمِمَّا فَضُلَ عَنْهُمْ فِي الثَّانِيَةِ (إلَى جِنْسِهِ) أَيْ جِنْسِ مُسْتَحِقِّهِ (بِأَقْرَبِ بَلَدٍ) إلَى بَلَدِ الزَّكَاةِ قَالَ الْقَاضِي بِخِلَافِ دِمَاءِ الْحَرَمِ إذَا فَقَدَ مَسَاكِينَهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُهَا لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لَهُمْ كَمَنْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ عَلَى مَسَاكِينِ بَلَدٍ فَعُدِمُوا وَيُفَارِقُ الزَّكَاةَ إذْ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ صَرِيحٌ بِتَخْصِيصِ الْبَلَدِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمَالِكِ (الْمُؤْنَةُ) لِلنَّقْلِ (فَإِنْ جَاوَزَهُ) أَيْ الْأَقْرَبُ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ (فَهُوَ كَمَا لَوْ نَقَلَ) إلَيْهِ (ابْتِدَاءً) فَلَا يَجُوزُ وَلَا يُجْزِئُ (وَمَتَى عُدِمَ بَعْضُهُمْ أَوْ فَضُلَ) شَيْءٌ (عَنْهُمْ) أَيْ عَنْ كِفَايَةِ بَعْضِهِمْ (رَدَّ) نَصِيبَهُمْ فِي الْأُولَى وَالْفَاضِلَ فِي الثَّانِيَةِ (عَلَى الْبَاقِينَ) مِنْهُمْ (كَمَا تُصْرَفُ الزَّكَاةُ) فَلَا يَنْتَقِلَانِ إلَى غَيْرِهِمْ لِانْحِصَارِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهِمْ وَمَحَلُّهُ إذَا نَقَصَ نَصِيبُهُمْ عَنْ كِفَايَتِهِمْ وَإِلَّا نُقِلَ إلَى ذَلِكَ الصِّنْفِ عَلَى أَنَّ النَّوَوِيَّ صَحَّحَ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ أَنَّ الْفَاضِلَ يُنْقَلُ إلَيْهِ مُطْلَقًا أَمَّا لَوْ عُدِمُوا مِنْ الْبَلَدِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهَا تُحْفَظُ حَتَّى يُوجَدُوا أَوْ بَعْضُهُمْ ثُمَّ مَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ إذَا لَمْ يَأْمُرْ الْإِمَامُ بِنَقْلِهَا وَلَمْ يَأْذَنْ لِلسَّاعِي فِي أَخْذِهَا مِنْ الْمَالِكِ (فَإِنْ أَمَرَ الْإِمَامُ بِنَقْلِهَا أَوْ أَذِنَ لِلسَّاعِي فِي الْأَخْذِ فَقَطْ دُونَ التَّفْرِقَةِ وَجَبَ نَقْلُهَا إلَيْهِ وَفَرَّقَ حَيْثُ شَاءَ) وَلَا حَاجَةَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ فَقَطْ وَدُونَ التَّفْرِقَةِ

(فَرْعٌ الْعِبْرَةُ فِي) نَقْلِ (الزَّكَاةِ) الْمَالِيَّةِ (بِبَلَدِ الْمَالِ حَالَ الْوُجُوبِ وَفِي) زَكَاةِ (الْفِطْرَةِ بِبَلَدِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ) اعْتِبَارًا بِسَبَبِ الْوُجُوبِ فِيهِمَا وَلِأَنَّ نَظَرَ الْمُسْتَحِقِّينَ يَمْتَدُّ إلَى ذَلِكَ فَيُصْرَفُ الْعُشْرُ إلَى مُسْتَحِقِّ بَلَدِ الْأَرْضِ الَّتِي حَصَلَ مِنْهَا الْعُشْرُ وَزَكَاةُ النَّقْدَيْنِ وَالْمَوَاشِي وَالتِّجَارَةِ إلَى مُسْتَحِقِّي الْبَلَدِ الَّذِي تَمَّ فِيهِ حَوْلُهَا (فَإِنْ وَجَبَتْ) عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالٍ (وَهُوَ) أَيْ الْمَالُ (بِبَادِيَةٍ) وَلَا مُسْتَحِقَّ فِيهَا (نُقِلَ) إلَى مُسْتَحِقِّي (أَقْرَبِ بَلَدٍ) إلَيْهِ (وَلَوْ مَلَكَ غَنَمًا بِبَلَدَيْنِ وَوَجَبَتْ فِيهِمَا) أَيْ فِي غَنَمَيْهِمَا (شَاةٌ أَخْرَجَهَا فِي أَحَدِهِمَا) حَذَرًا مِنْ التَّشْقِيصِ (وَلَوْ وَجَبَ) عَلَيْهِ (فِي كُلٍّ) مِنْ غَنَمَيْهِمَا (شَاةٌ لَمْ يَنْقُلْ) لِانْتِفَاءِ التَّشْقِيصِ

(فَرْعٌ أَهْلُ الْخِيَامِ غَيْرُ الْمُسْتَقِرِّينَ) بِمَوْضِعٍ بِأَنْ كَانُوا يَنْتَقِلُونَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ دَائِمًا (إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْتَحِقٌّ نُقِلَ) وَاجِبُهُمْ (إلَى أَقْرَبِ بَلَدٍ) إلَيْهِمْ (وَإِنْ اسْتَقَرُّوا) بِمَوْضِعٍ (لَكِنْ قَدْ يَظْعَنُونَ عَنْهُ وَيَعُودُونَ) إلَيْهِ (وَلَمْ يَتَمَيَّزُوا) أَيْ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ (فِي الْحِلَلِ) جَمْعُ حِلَّةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ فِيهِمَا (وَ) فِي (الْمَرْعَى وَالْمَاءِ صُرِفَ) إلَى مَنْ هُوَ (فِيمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) مِنْ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ وَلِهَذَا عُدَّ مِثْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ حَاضِرِيهِ (وَ) الصَّرْفُ إلَى (الظَّاعِنِينَ مَعَهُمْ أَوْلَى) لِشِدَّةِ جِوَارِهِمْ (فَلَوْ تَمَيَّزُوا) أَيْ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِمَا ذُكِرَ (فَالْحِلَّةُ كَالْقَرْيَةِ) فِي حُكْمِ النَّقْلِ مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَحِقِّ فِيهَا (فَيَحْرُمُ النَّقْلُ) عَنْهَا

(فَصْلٌ يُشْتَرَطُ كَوْنُ السَّاعِي عَدْلًا فِي الشَّهَادَاتِ) كُلِّهَا أَيْ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا عَدْلًا حُرًّا ذَكَرًا سَمِيعًا بَصِيرًا لِأَنَّهُ نَوْعُ وِلَايَةٍ وَتَصَرُّفٍ فِي مَالِ الْغَيْرِ فَاعْتِبَارُ كَوْنِ الْعَامِلِ ذَكَرًا عُلِمَ مِمَّا هُنَا وَإِنْ قَدَّمَهُ الْأَصْلُ أَوَائِلَ الْبَابِ (فَقِيهًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ) لِيَعْلَمَ مَا يَأْخُذَ وَمَنْ يَدْفَعُ إلَيْهِ (لَا الْمُرْسَلُ لِقَبْضِ) قَدْرٍ (مُعَيَّنٍ) فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا رِسَالَةٌ لَا وِلَايَةٌ نَعَمْ يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّكْلِيفُ وَالْعَدَالَةُ وَكَذَا الْإِسْلَامُ كَمَا اخْتَارَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَمِثْلُهُ

[حاشية الرملي الكبير]

كَلَامُ أَكْثَرِهِمْ فِي الْمَالِكِ دُونَ الْإِمَامِ فَلَا مُخَالَفَةَ لِلْمُتَوَلِّي فَمَا قَالَهُ هُوَ الْمُخْتَارُ.
اهـ. وَنَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِمْ

[فَصْلٌ نَقْلُ الزَّكَاةِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْنَافِ أَوْ بَعْضِهِمْ]

(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ نَقْلَهَا يُوحِشُ إلَخْ) لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ لِأَصْنَافِ بَلَدِ الْمَالِ فَإِذَا نَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِمْ لَمْ يُجِزْهُ كَالْوَصِيَّةِ لِأَصْنَافِ بَلَدٍ (قَوْلُهُ فَإِنْ عُدِمَتْ الْأَصْنَافُ مِنْ الْبَلَدِ إلَخْ) هَذَا إنْ عُدِمُوا حَالَةَ الْوُجُوبِ فَلَوْ تَمَّ الْحَوْلُ وَهُمْ فِي الْبَلَدِ وَانْتَقَلُوا عَنْهَا قَالَ الْإِمَامُ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَحْصُورِينَ لِاتِّسَاعِ خُطَّتِهَا فَفِي جَوَازِ الْإِخْرَاجِ إلَيْهِمْ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ وَإِنْ كَانُوا مَحْصُورِينَ وَقَدْ اسْتَحَقُّوا ثُمَّ غَابُوا فَهُمْ مُعَيَّنُونَ بِتَخْصِيصِهِمْ قُلْت وَيُحْتَمَلُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الِاسْتِيطَانِ وَنِيَّةِ الرُّجُوعِ وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِحَوَلَانِ الْحَوْلِ فَيَمْتَنِعُ النَّقْلُ لِغَيْرِهِمْ س وَقَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَحْصُورِينَ سَيَأْتِي فِي بَابِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النِّكَاحِ ضَابِطُ الْعَدَدِ الْمَحْصُورِ (قَوْلُهُ نَقْلُ كُلٍّ إلَخْ) قَالَ فِي الْغُنْيَةِ إذَا أَوْجَبْنَا النَّقْلَ فَهَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ مُوَسَّعٌ لِعَامِ الْأَدَاءِ وَإِنْ رُجِيَ حُصُولُ الْمُسْتَحَقِّينَ عَنْ قُرْبٍ أَوْ فِي عَامِهِ فَلَهُ التَّأْخِيرُ مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ عَنْ النَّقْلِ وَإِلَّا فَلَا وَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا وَالْفَوْرِيَّةُ بَعِيدَةٌ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ الْمُؤْنَةُ) أَمَّا لَوْ قَبَضَهَا مِنْهُ السَّاعِي فَمُؤْنَةُ نَقْلِهَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ

(قَوْلُهُ نَقَلَ إلَى أَقْرَبِ بَلَدٍ إلَيْهِ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَالِكُ مُسَافِرًا مَعَ الْمَالِ وَإِذَا فَارَقَ الْمُسْتَحَقُّونَ أَوْ بَعْضُهُمْ بَلَدَ الْمَالِ فَلَهُ النَّقْلُ اعْتِبَارًا بِالْآخِذِ لَا بِالْبُقْعَةِ قَالَهُ الْإِمَامُ قَالَ وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ عِنْدَ انْتِقَالِ بَعْضِهِمْ وَفِي الْمُقِيمِينَ مُقْنِعٌ وَهَذَا فَاسِدٌ

(قَوْلُهُ وَإِنْ اسْتَقَرُّوا لَكِنْ قَدْ يَظْعَنُونَ إلَخْ) قَالَ فِي الْغُنْيَةِ رَأَيْت لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُقِيمًا بِبَلَدٍ وَلَهُ مَالٌ لَا يَسْتَقِرُّ بِبَلَدٍ بَلْ يُسَافِرُ بِهِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَجَعَلَ زَكَاتَهُ فِي بَلَدِ إقَامَتِهِ ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ وَالْمَالُ فِي غَيْرِهَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَبِهِ أَجَابَ ابْنُ رَزِينٍ فِي الْفَتَاوَى (وَقَوْلُهُ وَبِهِ أَجَابَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

[فَصْلٌ يُشْتَرَطُ كَوْنُ سَاعِي الزَّكَاة عَدْلًا فِي الشَّهَادَاتِ]

(قَوْلُهُ فَقِيهًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ) لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ تَفْتَقِرُ إلَى الْفِقْهِ فَأَشْبَهَتْ الْقَضَاءَ (قَوْلُهُ وَكَذَا الْإِسْلَامُ إلَخْ) وَقَالَ السُّبْكِيُّ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ مُنْكِرٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ

أَعْوَانُ الْعَامِلِ مِنْ كُتَّابِهِ وَحُسَّابِهِ وَجُبَاتِهِ وَمُسْتَوْفِيهِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي حَاوِيهِ

(وَلَوْ اسْتَعْمَلَ) الْإِمَامُ (هَاشِمِيًّا) أَوْ مُطَّلِبِيًّا (أَوْ مُرْتَزِقًا أَعْطَاهُ مِنْ) مَالِ (الْمَصَالِحِ) لَا مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ (وَيَقْسِمُ سَاعٍ قُلِّدَ الْأَخْذَ وَالْقِسْمَةَ) أَوْ الْقِسْمَةَ وَحْدَهَا (وَكَذَا إنْ أُطْلِقَ تَقْلِيدُهُ) بِخِلَافِ مَا لَوْ قُلِّدَ الْأَخْذَ وَحْدَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ (فَإِنْ كَانَ) السَّاعِي جَائِزًا (فِي الْأَخْذِ) لِلزَّكَاةِ عَادِلًا فِي قِسْمَتِهَا (جَازَ كَتْمُهَا) عَنْهُ وَدَفْعُهَا إلَيْهِ (أَوْ) كَانَ جَائِزًا (فِي الْقِسْمَةِ) عَادِلًا فِي الْأَخْذِ (وَجَبَ) كَتْمُهَا عَنْهُ (فَلَوْ أُعْطِيهَا) طَوْعًا أَوْ كَرْهًا (أَجْزَأَتْ) وَإِنْ لَمْ يُوصِلْهَا إلَى الْمُسْتَحِقِّينَ لِأَنَّهُ نَائِبُهُمْ كَالْإِمَامِ.
(فَصْلٌ يُسَنُّ وَسْمُ نَعَمِ الزَّكَاةِ) وَالْفَيْءِ (لِتَتَمَيَّزَ) عَنْ غَيْرِهَا وَلْيَرُدَّهَا وَاجِدُهَا لَوْ شَرَدَتْ أَوْ ضَلَّتْ وَالْأَصْلُ فِيهِ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ «عَنْ أَنَسٍ غَدَوْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ فَوَافَيْته وَبِيَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ» وَيُقَاسُ بِهَا غَيْرُهَا أَمَّا نَعَمُ غَيْرِ الزَّكَاةِ وَالْفَيْءِ فَوَسْمُهُ مُبَاحٌ لَا مَنْدُوبٌ وَلَا مَكْرُوهٌ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَكَالنَّعَمِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْفِيلَةِ (وَ) الْوَسْمُ (فِي أُذُنِ الْغَنَمِ وَ) فِي (أَفْخَاذِ غَيْرِهَا أَوْلَى لِقِلَّةِ الشَّعْرِ فِيهَا) فَيَظْهَرُ وَلِأَنَّهَا صُلْبَةٌ (وَيَحْرُمُ) الْوَسْمُ (فِي الْوَجْهِ وَ) قَدْ (لُعِنَ فَاعِلُهُ) كَمَا جَاءَ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ (وَلْيَكُنْ مَيْسَمُ الْبَقَرِ) أَلْطَفُ مِنْ مَيْسَمِ الْإِبِلِ (ثُمَّ) مَيْسَمُ (الْغَنَمِ أَلْطَفُ) مِنْ مَيْسَمِ الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَيْسَمَ الْحُمُرِ أَلْطَفُ مِنْ مَيْسَمِ الْخَيْلِ وَمَيْسَمَ الْخَيْلِ أَلْطَفُ مِنْ مَيْسَمِ الْبِغَالِ وَالْبَقَرِ وَمَيْسَمَ الْبِغَالِ أَلْطَفُ مِنْ مَيْسَمِ الْإِبِلِ وَمَيْسَمَ الْإِبِلِ أَلْطَفُ مِنْ مَيْسَمِ الْفِيلَةِ (وَيُكْتَبُ عَلَى نَعَمِ الزَّكَاةِ) مَا يُمَيِّزُهَا عَنْ غَيْرِهَا فَيُكْتَبُ عَلَيْهَا (زَكَاةٌ أَوْ صَدَقَةٌ) أَوْ طُهْرَةٌ (أَوْ لِلَّهِ) وَهُوَ أَبْرَكُ وَأَوْلَى اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ وَلِأَنَّهُ أَقَلُّ حُرُوفًا فَهُوَ أَقَلُّ ضَرَرًا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَحَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَأَقَرَّهُ (وَعَلَى) نَعَمِ (الْجِزْيَةِ جِزْيَةٌ أَوْ صَغَارٌ) بِفَتْحِ الصَّادِ أَيْ ذُلٌّ وَهُوَ أَوْلَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالْحَرْفُ الْكَبِيرُ كَكَافٍ الزَّكَاةِ أَوْ صَادِ الصَّدَقَةِ أَوْ جِيمِ الْجِزْيَةِ أَوْ فَاءِ الْفَيْءِ كَافٍ وَإِنَّمَا جَازَ الْوَسْمُ بِاَللَّهِ مَعَ إنَّهَا قَدْ تَتَمَعَّكُ بِالنَّجَاسَةِ لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّمْيِيزُ لَا الذِّكْرُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيَجُوزُ الْكَيُّ إذَا دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَإِلَّا فَلَا سَوَاءٌ نَفْسُهُ وَغَيْرُهُ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ.
(فَائِدَةٌ) الْوَسْمُ بِالْمُهْمَلَةِ التَّأْثِيرُ بِكَيٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ الْإِعْجَامَ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ فَجَعَلَ الْمُهْمَلَةَ لِلْوَجْهِ وَالْمُعْجَمَةَ لِسَائِرِ الْجَسَدِ.
(فَصْلٌ يَجُوزُ خِصَاءُ صِغَارِ الْمَأْكُولِ) لِطِيبِ لَحْمِهِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُودِينَ» (لَا غَيْرِهِ) الْأَوْلَى لَا غَيْرِهَا أَيْ لَا كِبَارِ الْمَأْكُولِ وَلَا غَيْرِ الْمَأْكُولِ مُطْلَقًا فَلَا يَجُوزُ خِصَاؤُهُمَا لِلنَّهْيِ عَنْ خِصَاءِ الْبَهَائِمِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ (فَرْعٌ) يُكْرَهُ إنْزَاءُ الْحُمُرِ عَلَى الْخَيْلِ لِخَبَرٍ صَحِيحٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَسَبَبُ النَّهْيِ عَنْهُ أَنَّهُ سَبَبٌ لِقِلَّةِ الْخَيْلِ وَضَعْفِهَا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ هَذَا فِي عَتَاقِ الْخَيْلِ أَمَّا الْبَرَاذِينُ فَلَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ حَسَنٌ قَالَ وَالظَّاهِرُ تَحْرِيمُ إنْزَاءِ الْخَيْلِ عَلَى الْبَقَرِ لِضَعْفِهَا وَتَضَرُّرِهَا بِكِبَرِ آلَةِ الْخَيْلِ وَأَلْحَقَ الدَّمِيرِيِّ بِإِنْزَاءِ الْحُمُرِ عَلَى الْخَيْلِ عَكْسَهُ

(مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ) (يُسْتَحَبُّ) لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِي تَفْرِيقِ الزَّكَاةِ (مَعَ الْفَرَاغِ مِنْ جَمْعِ الصَّدَقَةِ) أَيْ الزَّكَاةِ أَوْ قَبْلَهُ (أَنْ يَعْرِفَ) عَدَدَ (الْمُسْتَحِقِّينَ وَقَدْرَ حَاجَتِهِمْ) أَيْ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِذَلِكَ لِيَتَعَجَّلَ بِذَلِكَ حُقُوقَهُمْ وَلِيَأْمَنَ هَلَاكَ الْمَالِ عِنْدَهُ (وَ) يُسْتَحَبُّ لَهُ (أَنْ يَبْدَأَ بِإِعْطَاءِ الْعَامِلِينَ) لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ أَوْلَى لِكَوْنِهِمْ يَأْخُذُونَ مُعَاوَضَةً وَلِيَتَبَيَّنَ أَنَّ سَهْمَهُمْ يُوَافِقُ أُجْرَتَهُمْ أَوَّلًا (فَإِنْ تَلِفَتْ تَحْتَ أَيْدِيهمْ) أَيْ الْعَامِلِينَ بِلَا تَفْرِيطٍ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى الْإِمَامِ (فَأُجْرَتُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُمْ أُجَرَاءُ (وَيَحْرُمُ عَلَى الْوَالِي) مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبهِ (بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الزَّكَاةِ بَلْ يُوصِلُهَا بِأَعْيَانِهَا إلَى الْمُسْتَحِقِّينَ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ رُشْدٍ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِمْ غَالِبًا فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ مَالِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ (وَلَا يَصِحُّ) بَيْعُهَا (إلَّا عِنْدَ وُقُوعِهَا فِي خَطَرٍ) كَأَنْ أَشْرَفَتْ عَلَى هَلَاكٍ (أَوْ لِحَاجَةِ) مُؤْنَةِ (نَقْلٍ أَوْ) رَدِّ (جُبْرَانٍ) أَوْ نَحْوِهَا فَلَا يَحْرُمُ الْبَيْعُ وَيَصِحُّ لِلضَّرُورَةِ (فَإِنْ بَاعَ بِلَا عُذْرٍ ضَمِنَ) الْمَبِيعَ إنْ سَلَّمَهُ فَيَسْتَرِدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَيَغْرَمُ بَدَلَهُ إنْ كَانَ تَالِفًا (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْمُسْتَحِقُّونَ (جَمَاعَةً وَهِيَ) أَيْ الزَّكَاةُ (بَقَرَةٌ) مَثَلًا (أَخَذُوهَا وَلَا يَبِيعُهَا) الْمَالِكُ وَلَا الْإِمَامُ (لِيَقْسِمَ ثَمَنَهَا) عَلَيْهِمْ (وَإِنْ أَعْطَى الْإِمَامُ مَنْ ظَنَّهُ مُسْتَحِقًّا فَبَانَ غَنِيًّا لَمْ يَضْمَنْ)

[حاشية الرملي الكبير]

وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الصَّوَابُ اشْتِرَاطُهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ كَافِرٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ وَتَبِعُوهُ فَلْيُحْمَلْ مَا فِي الْأَحْكَامِ عَلَى مَا إذَا عَيَّنَ لَهُ أَخْذَ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَصَرَفَهُ إلَى مُعَيَّنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتِخْدَامٌ مَحْضٌ

(قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ) لِقَوْلِهِ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَقَدْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَامِلًا عَلَى الصَّدَقَةِ أَلَيْسَ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يَكْفِيكُمْ أَوْ يُغْنِيكُمْ عَنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ»

لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ.
(وَيُجْزِئُ) عَنْ الْمَالِكِ وَإِنْ لَمْ يُجْزِ عَنْ الزَّكَاةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَلِهَذَا يُسْتَرَدُّ كَمَا سَيَأْتِي وَالْإِجْزَاءُ لَيْسَ مُرَتَّبًا عَلَى بَيَانِ كَوْنِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ غَنِيًّا بَلْ هُوَ حَاصِلٌ بِقَبْضِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمُسْتَحِقِّينَ (بِخِلَافِ) إعْطَاءِ (الْمَالِكِ) مَنْ ظَنَّهُ مُسْتَحِقًّا فَبَانَ غَنِيًّا لَا يُجْزِئُهُ (وَهَكَذَا) لَا يَضْمَنُ الْإِمَامُ وَيُجْزِئُ مَا دَفَعَهُ دُونَ مَا دَفَعَهُ الْمَالِكُ (إنْ بَانَ) الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ (هَاشِمِيًّا) أَوْ مُطَّلِبِيًّا (أَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ أَعْطَاهُ مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ) أَوْ الْعَامِلِينَ ظَانًّا أَنَّهُ رَجُلٌ (فَبَانَ امْرَأَةً) لِمَا مَرَّ وَاعْتَبَرَ فِي الرَّوْضَةِ هُنَا كَوْنَ الْمُؤَلَّفِ ذَكَرًا وَهُوَ مُخَالِفٌ لَمَّا قَدَّمَهُ فِيهَا كَأَصْلِهَا أَوَائِلَ الْبَابِ وَذَاكَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ثَمَّ وَإِذَا بَانَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ وَاحِدًا مِمَّنْ ذُكِرَ (فَيَسْتَرِدُّ) الْإِمَامُ مِنْهُ (فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا أَوْ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ) حَالَ الدَّفْعِ (أَنَّهَا زَكَاةٌ) لِأَنَّ مَا يُفَرِّقُهُ الْإِمَامُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ هُوَ الْوَاجِبُ غَالِبًا كَالزَّكَاةِ (بِخِلَافِ الْمَالِكِ) لَا يَسْتَرِدُّ إلَّا إنْ بَيَّنَ أَنَّهَا زَكَاةٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَطَوَّعُ فَإِنْ تَلِفَ الْمَدْفُوعُ رَجَعَ الدَّافِعُ بِبَدَلِهِ وَدَفَعَهُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ وَيَتَعَلَّقُ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ بِذِمَّتِهِ لَا بِرَقَبَتِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْإِمَامِ الِاسْتِرْدَادُ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَصَّرَ فِيهِ حَتَّى تَعَذَّرَ فَيَضْمَنُ وَكَالزَّكَاةِ فِيمَا ذُكِرَ الْكَفَّارَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَيَسْتَحِقُّهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (الْعَامِلُ بِالْعَمَلِ.
وَالْأَصْنَافُ بِالْقِسْمَةِ نَعَمْ إنْ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي ثَلَاثَةٍ فَأَقَلَّ اسْتَحَقُّوهَا مِنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ فَلَا يَضُرُّهُمْ حُدُوثُ غِنًى) أَوْ غَيْبَةٍ لِأَحَدِهِمْ بَلْ حَقُّهُ بَاقٍ بِحَالِهِ وَلَوْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ دُفِعَ نَصِيبُهُ إلَى وَارِثِهِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمُزَكِّي لَوْ كَانَ وَارِثُهُ أَخَذَ نَصِيبَهُ وَعَلَيْهِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ النِّيَّةُ لِسُقُوطِ الدَّفْعِ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ (وَلَا يُشَارِكُهُمْ قَادِمٌ) وَلَا غَائِبٌ عَنْهُمْ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَقِيَاسُ مَا قَدَّمْته فِي وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يُزَادَ هُنَا بَعْدَ قَوْلِهِ فَأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَوَفَّى بِهِمْ الْمَالُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُزَادَ ذَلِكَ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ الْمِلْكُ.
(وَالْإِمَامُ إنْ أَخَّرَ التَّفْرِيقَ) لِمَا جَمَعَهُ مِنْ الزَّكَاةِ (بِلَا عُذْرٍ) فَتَلِفَ (ضَمِنَ لَا الْوَكِيلُ) بِتَفْرِيقِهَا فَلَا يَضْمَنُ بِذَلِكَ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّفْرِيقُ بِخِلَافِ الْإِمَامِ (وَلَوْ أَخْرَجَ) لِفَقِيرٍ مِنْ الزَّكَاةِ قَدْرًا (مَجْهُولًا) كَأَنْ كَانَ مَشْدُودًا فِي خِرْقَةٍ أَوْ نَحْوِهَا لَا يُعْرَفُ جِنْسُهُ وَقَدْرُهُ (أَجْزَأَهُ زَكَاةً وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْفَقِيرِ) لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْقَابِضِ لَا تُشْتَرَطُ فَكَذَا مَعْرِفَةُ الدَّافِعِ وَقَوْلُهُ وَإِنْ تَلِفَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ وَتَلِفَ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالتَّلَفِ (وَإِنْ اتَّهَمَ رَبُّ الْمَالِ) فِيمَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ كَأَنْ قَالَ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهِ الْحَوْلُ (لَمْ يَجِبْ تَحْلِيفُهُ وَإِنْ خَالَفَ الظَّاهِرَ بِمَا يَدَّعِيهِ) كَأَنْ قَالَ بِعْته فِي الْحَوْلِ وَاشْتَرَيْته أَوْ أَخْرَجْت زَكَاتَهُ أَوْ هُوَ وَدِيعَةٌ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ (وَيُسْتَحَبُّ) لِلْمَالِكِ (إظْهَارُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ) كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَلِيَرَاهُ غَيْرُهُ فَيَعْمَلَ عَمَلَهُ وَلِئَلَّا يُسَاءَ الظَّنُّ بِهِ وَخَصَّهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِالْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ قَالَ أَمَّا الْبَاطِنَةِ فَالْإِخْفَاءُ فِيهَا أَوْلَى لِآيَةٍ إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ وَأَمَّا الْإِمَامُ فَالْإِظْهَارُ لَهُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا (وَإِنْ ظَنَّ الْآخِذُ) لِلزَّكَاةِ (أَنَّهُ أَعْطَى مَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرَهُ مِنْ الْأَصْنَافِ) أَوْ مِنْ آحَادِ صِنْفِهِ (حَرُمَ) عَلَيْهِ (الْأَخْذُ وَ) إذَا أَرَادَ الْأَخْذَ مِنْهَا (لَزِمَهُ الْبَحْثُ) عَنْ قَدْرِهَا فَيَأْخُذُ بَعْضَ الثَّمَنِ بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْهُ مَا يَدْفَعُهُ إلَى اثْنَيْنِ مِنْ صِنْفِهِ (وَلَا أَثَرَ لِمَا دُونَ غَلَبَةِ الظَّنِّ) مِنْ شَكٍّ أَوْ وَهْمٍ فِي تَحْرِيمِ أَخْذِهَا.
(تَتِمَّةٌ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الدَّارِمِيُّ إذَا أَخَّرَ تَفْرِيقَ الزَّكَاةِ إلَى الْعَامِ الثَّانِي فَمَنْ كَانَ فَقِيرًا أَوْ مِسْكِينًا أَوْ غَارِمًا أَوْ مُكَاتَبًا مِنْ عَامِهِ إلَى الْعَامِ الثَّانِي خُصُّوا بِزَكَاةِ الْمَاضِي وَشَارَكُوا غَيْرَهُمْ فِي الْعَامِ الثَّانِي فَيُعْطَوْنَ مِنْ زَكَاةِ الْعَامَيْنِ وَمِنْ كَانَ غَازِيًا أَوْ ابْنَ سَبِيلٍ أَوْ مُؤَلَّفًا لَمْ يُخَصُّوا بِشَيْءٍ انْتَهَى وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَأْخُذُونَ لِمَا يُسْتَقْبَلُ بِخِلَافِ أُولَئِكَ.

(بَابُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ) (وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ) لِآيَةِ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] وَلِخَبَرِ «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ إلَّا أَخَذَهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ الْجَبَلِ» وَخَبَرِ «لِيَتَصَدَّقَ الرَّجُلُ مِنْ دِينَارِهِ

[حاشية الرملي الكبير]

[مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ]

قَوْلُهُ وَاعْتَبَرَ فِي الرَّوْضَةِ هُنَا كَوْنَ الْمُؤَلَّفِ ذَكَرًا) هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّنْفَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ أَصْنَافِ الْمُؤَلَّفِ إذْ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فِي مَعْنَى الْغَازِي وَالثَّانِي فِي مَعْنَى الْعَامِلِ فِي الزَّكَاةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَجُوزُ كَوْنُهُ امْرَأَةً (قَوْلُهُ اسْتَحَقُّوهَا مِنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ) هَلْ يُقَالُ مَلَكُوهَا عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ أَوْ عَلَى قَدْرِ حَاجَاتِهِمْ أَوْ لَا يَمْلِكُونَ إلَّا الْكِفَايَةَ دُونَ الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ إنَّمَا يَمْلِكُونَ الْكِفَايَةَ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ عِنْدَ تَسَاوِي حَاجَاتِهِمْ إلَّا إنْ فَرَّقَ الْإِمَامُ وَوَفَّى بِهِمْ الْمَالُ (قَوْلُهُ أَنْ يُزَادَ هُنَا إلَخْ) هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي قَوْلِ الشَّافِي يَسْتَحِقُّونَ يَوْمَ الْقِسْمَةِ أَرَادَ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْأَصْنَافُ مُعَيَّنَةً بِأَنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَالزَّكَاةُ لَا تَتَّسِعُ لِلْكُلِّ فَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَخُصَّ بِهَا ثَلَاثَةً مِنْ كُلِّ صِنْفٍ.
اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمَحْصُورِينَ يَسْتَحِقُّونَهَا بِالْوُجُوبِ وَيَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ إنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَوَفَى بِهِمْ الْمَالُ (قَوْلُهُ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْقَابِضِ لَا تُشْتَرَطُ) يُؤْخَذُ مِنْهُ صِحَّةُ قَبْضِ الْأَعْمَى الزَّكَاةَ وَجَوَازُ دَفْعِهَا إلَيْهِ

[بَابُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ]

يَحْرُمُ دَفْعُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إلَى الْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَوْ إقَامَتِهِ إذَا كَانَ فِيهِ إعَانَةٌ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَا يَحْرُمُ دَفْعُهَا إلَى الْفَاسِقِ الَّذِي يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ وَاضِحٌ غ قَالَ شَيْخُنَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ) . (فَرْعٌ) إذَا سَأَلَهُ سَائِلٌ وَقَالَ إنِّي فَقِيرٌ فَأَعْطَاهُ شَيْئًا ثُمَّ ادَّعَى بَعْدُ أَنَّهُ دَفَعَهُ قَرْضًا وَأَنْكَرَ الْفَقِيرُ قَالَ قَوْلُ الْفَقِيرِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقُلْ إنِّي فَقِيرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ فِي بَابِ النِّيَّةِ فِي إخْرَاجِ الصَّدَقَةِ بِأَنَّ شَيْخَنَا التَّفْصِيلُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالْأَوْجَهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الدَّافِعِ مُطْلَقًا كا

وَلْيَتَصَدَّقْ مِنْ دِرْهَمِهِ وَلْيَتَصَدَّقْ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَخَبَرِ «مِنْ أَطْعَمَ جَائِعًا أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَمَنْ سَقَى مُؤْمِنًا عَلَى ظَمَأٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ وَمَنْ كَسَا مُؤْمِنًا عَارِيًّا كَسَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَخُضْرِ الْجَنَّةِ بِإِسْكَانِ الضَّادِ أَيْ ثِيَابِهَا الْخُضْرِ وَقَدْ يَعْرِضُ مَا تَحْرُمُ بِهِ الصَّدَقَةُ كَأَنْ يَعْلَمَ مِنْ آخِذِهَا أَنَّهُ يَصْرِفُهَا فِي مَعْصِيَةٍ وَمَا تَجِبُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ كَأَنْ وَجَدَ مُضْطَرًّا وَمَعَهُ مَا يُطْعِمُهُ فَاضِلًا عَنْهُ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ فِي مَحَلِّهِ.
(وَتَتَأَكَّدُ الصَّدَقَةُ فِي) شَهْرِ (رَمَضَانَ) وَالصَّدَقَةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِيمَا يَأْتِي لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ» وَلِأَنَّهُ أَفْضَلُ الشُّهُورِ وَلِأَنَّ النَّاسَ فِيهِ مَشْغُولُونَ بِالطَّاعَةِ فَلَا يَتَفَرَّغُونَ لِمَكَاسِبِهِمْ فَتَكُونُ الْحَاجَةُ فِيهِ أَشَدَّ (وَ) فِي سَائِرِ (الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ) كَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَأَيَّامِ الْعِيدِ لِفَضِيلَتِهَا (وَ) فِي (الْأَمَاكِنِ الشَّرِيفَةِ) كَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَشُمُولِ كَلَامِهِ لِغَيْرِهِمَا مِنْ زِيَادَتِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ قَصَدَ التَّصَدُّقَ فِي غَيْرِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ الْمَذْكُورَةِ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ إلَيْهَا بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ التَّصَدُّقَ فِيهَا أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْهُ فِي غَيْرِهَا غَالِبًا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ ثُمَّ قَالَ وَفِي كَلَامِ الْحَلِيمِيِّ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ وَإِذَا تَصَدَّقَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ تَحَرَّى بِصَدَقَتِهِ مِنْ الْأَيَّامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمِنْ الشُّهُورِ رَمَضَانَ (وَعِنْدَ الْمُهِمَّاتِ) مِنْ الْأُمُورِ كَغَزْوٍ وَحَجٍّ لِأَنَّهَا أَرْجَى لِقَضَائِهَا وَلِآيَةٍ ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: 12] (وَ) عِنْدَ (الْمَرَضِ وَالْكُسُوفِ وَالسَّفَرِ) وَنَحْوِهَا (وَيُسْتَحَبُّ) اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا (التَّوْسِيعُ عَلَى الْعِيَالِ وَالْإِحْسَانُ إلَى الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ «امْرَأَتَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتَا لِبِلَالٍ سَلْ لَنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ يُجْزِئُ أَنْ نَتَصَدَّقَ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَيَتَامَى فِي حُجُورِنَا فَقَالَ نَعَمْ لَهُمَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ» وَلِخَبَرِ «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ «عَائِشَةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي فَقَالَ إلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْك بَابًا» (لَا سِيَّمَا) فِي (عَشْرِ آخِرِهِ) لِأَنَّ فِيهِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّا عَدَاهُ وَإِضَافَةُ عَشْرٍ إلَى آخِرِهِ مِنْ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ كَشَجَرِ أَرَاك

(فَصْلٌ وَكَانَتْ) صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ (حَرَامًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) تَشْرِيفًا لَهُ وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ فِي الْبَابِ السَّابِقِ (وَيَحِلُّ لِذَوِي الْقُرْبَى) لِقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ مِنْ سِقَايَاتٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقِيلَ لَهُ أَتَشْرَبُ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ إنَّمَا حَرُمَ عَلَيْنَا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَمِثْلُهُمْ مَوَالِيهمْ بَلْ أَوْلَى (وَلِلْأَغْنِيَاءِ) فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «تَصَدَّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ» وَفِيهِ لَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ (وَالْكُفَّارِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» (وَيُكْرَهُ لِلْغَنِيِّ التَّعَرُّضُ لَهَا) . قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَأَخْذُهَا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا لَكِنْ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ تَقْتَضِي خِلَافَهُ فَإِنَّهُ قَالَ وَيُسْتَحَبُّ لِلْغَنِيِّ التَّنَزُّهُ عَنْهَا وَيُكْرَهُ لَهُ التَّعَرُّضُ لِأَخْذِهَا (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَخْذُهَا (إنْ أَظْهَرَ الْفَاقَةَ) وَعَلَيْهِ حَمَلُوا خَبَرَ «الَّذِي مَاتَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَتَرَكَ دِينَارَيْنِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيَّتَانِ مِنْ نَارٍ» وَيُعْتَبَرُ فِي حِلِّهَا لَهُ أَنْ لَا يَظُنَّ الدَّافِعُ فَقْرَهُ فَإِنْ أَعْطَاهُ ظَانًّا حَاجَتَهُ فَفِي الْإِحْيَاءِ إنْ عَلِمَ الْآخِذُ ذَلِكَ لَمْ تَحِلَّ لَهُ وَكَذَا إذَا دَفَعَ إلَيْهِ لِعِلْمِهِ أَوْ صَلَاحِهِ أَوْ نَسَبِهِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِالْوَصْفِ الْمَظْنُونِ (أَوْ سَأَلَ) سَوَاءٌ أَكَانَ غَنِيًّا بِالْمَالِ أَمْ بِالْكَسْبِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «مَنْ سَأَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ تَكَثُّرًا أَيْ بِلَا حَاجَةٍ بَلْ لِتَكْثِيرِ مَالِهِ إنَّمَا سَأَلَ جَمْرًا» أَيْ يُعَذَّبُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَالْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ) الصَّدَقَةُ (سِرًّا) لِأَيَّةٍ ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 271] وَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي خَبَرِ السَّبْعَةِ الَّذِي يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَدْرِي شِمَالُهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ» نَعَمْ إنْ أَظْهَرَهَا وَلَمْ يَقْصِدْ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً بَلْ لِيَقْتَدِيَ بِهِ وَهُوَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَأَذَّى الْآخِذُ بِهِ فَإِنْ تَأَذَّى بِهِ فَالْإِسْرَارُ أَفْضَلُ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ (وَ) أَنْ يَكُونَ (مِمَّا يُحَبُّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] (وَ) أَنْ تَكُونَ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَأَيَّامِ الْعِيدِ إلَخْ) وَعَاشُورَاءَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ نَفَقَهَا وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ

[فَصْلٌ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى النَّبِيِّ]

(قَوْلُهُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «تَصَدَّقَ اللَّيْلَةَ» إلَخْ) وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا «مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُسْتَشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْ» وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَإِنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْغَنِيِّ صَدَقَةٌ إذَا قَصَدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَثَوَابَهُ فَإِنْ قَصَدَ بِهَا الِامْتِنَانَ وَالْمُلَاطَفَةَ كَانَتْ هِبَةً وَأَنْ تُؤَثِّرَ فِي حَالِ آخِذِهَا لِيَظْهَرَ نَفْعُهَا فَإِنْ لَمْ تُؤَثِّرْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَفْعٌ وَمَا لَا نَفْعَ فِيهِ لَا ثَوَابَ لَهُ فَلَا تَكُونُ صَدَقَةً (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا دُفِعَ إلَيْهِ لِعِلْمِهِ إلَخْ) وَكَذَا إنْ كَانَ فَاسِقًا فِي الْبَاطِنِ لَوْ عَلِمَ بِهِ الْمُعْطِي لَمَا أَعْطَاهُ (قَوْلُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ غَنِيًّا بِالْمَالِ أَمْ بِالْكَسْبِ لِخَبَرٍ إلَخْ) وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ جَوَازُهُ لِأَنَّهُ طَلَبٌ مُبَاحٌ كَطَلَبِ الْعَارِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَالذَّمُّ الْوَارِدُ فِي الْإِخْبَارِ يُحْمَلُ عَلَى الطَّلَبِ مِنْ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ.
اهـ. وَلَمْ يُبَيِّنْ الرَّافِعِيُّ هَذَا الْغِنَى وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ إنَّهُ عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ عَلَى حَسَبِ الْبُلْدَانِ وَالْمَعَاشِ وَالْأَسْفَارِ وَمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ مَا سَأَلَ النَّاسَ أَحَدٌ وَهُوَ غَنِيٌّ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ قَالَ كُدُوحٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا غِنَاهُ قَالَ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا» قَالَ الصَّيْمَرِيُّ فَهَذَا صَحِيحٌ وَقَدْ كَانَ يُسْتَغْنَى الرَّجُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُبَّمَا كَانَ يَحْصُلُ لَهُ غِنًى بِدُونِ هَذَا الْقَدْرِ وَقَدْ لَا يُسْتَغْنَى بِأَضْعَافِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ رَ.
(قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ سِرًّا) لَا يَكْفِي فِي الِاسْتِحْبَابِ الدَّفْعُ سِرًّا بَلْ لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَتَحَدَّثَ

(بِبَشَاشَةٍ) وَطِيبِ نَفْسٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ الْأَجْرِ وَجَبْرِ الْقَلْبِ (وَهِيَ فِي الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ رَحِمًا) وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِ الْقَرِيبِ وَفِي الْقَرِيبِ غَيْرِ الْأَقْرَبِ لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ السَّابِقِ قَبْلَ الْفَصْلِ (وَ) فِي (الْأَشَدِّ مِنْهُمْ) يَعْنِي مِنْ الْأَقَارِبِ وَكَذَا مِنْ غَيْرِهِمْ فِيمَا يُظْهِرُ (عَدَاوَةً أَفْضَلُ) مِنْهَا فِي غَيْرِهِ لِيَتَأَلَّفَ قَلْبَهُ وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُجَانَبَةِ الرِّيَاءِ وَكَسْرِ النَّفْسِ (كَالزَّكَاةِ) وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ فَهِيَ فِي الشَّيْئَيْنِ أَفْضَلُ وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِأَشَدِّهِمْ عَدَاوَةً (وَأَلْحَقَ بِهِمْ الْأَزْوَاجَ) مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ السَّابِقِ قَبْلَ الْفَصْلِ فِي الزَّوْجِ وَيُقَاسُ بِهِ الزَّوْجَةُ (ثُمَّ) هِيَ بَعْدَ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ فِي الْأَقْرَبِ مِنْ ذِي (الرَّحِمِ غَيْرِ الْمَحْرَمِ) كَأَوْلَادِ الْعَمِّ وَالْخَالِ (ثُمَّ) فِي الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ الْمَحْرَمِ (رَضَاعًا ثُمَّ مُصَاهَرَةً ثُمَّ) فِي الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ (وَلَاءً مِنْ الْجَانِبَيْنِ) أَيْ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ (ثُمَّ جِوَارًا) لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ السَّابِقِ قَبْلَ الْفَصْلِ (وَقُدِّمَ الْجَارُ) الْأَجْنَبِيُّ (عَلَى قَرِيبٍ بَعِيدٍ) عَنْ دَارِ الْمُتَصَدِّقِ بَلْ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهَا بِحَيْثُ (لَا تُنْقَلُ إلَيْهِ الزَّكَاةُ) فِيهِمَا (وَلَوْ) كَانَ (بِبَادِيَةٍ) فَإِنْ كَانَتْ تُنْقَلُ إلَيْهِ بِأَنْ كَانَ فِي مَحَلِّهَا قُدِّمَ عَلَى الْجَارِ الْأَجْنَبِيِّ وَإِنْ بَعُدَتْ دَارُهُ (وَأَهْلُ الْخَيْرِ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ جَمِيعِ الْمَذْكُورِينَ (وَالْمُحْتَاجُونَ) مِنْهُمْ (أَوْلَى) مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَفْظَةُ مِنْهُمْ مِنْ زِيَادَتِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا بَلْ رُبَّمَا تُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ (وَتُكْرَهُ الصَّدَقَةُ بِالرَّدِيءِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَلَا كَرَاهَةَ (وَالشُّبْهَةُ) أَيْ وَمَا فِيهِ شُبْهَةٌ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ أَوَّلَ الْبَابِ.

(فَصْلٌ لَوْ فَضُلَ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ كِفَايَتُهُ وَعَنْ دَيْنِهِ مَالٌ وَهُوَ يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَافَةِ اُسْتُحِبَّ) لَهُ (التَّصَدُّقُ بِالْجَمِيعِ) أَيْ بِجَمِيعِ الْفَاضِلِ وَإِلَّا فَلَا بَلْ يُكْرَهُ وَعَلَيْهِ تَحَمُّلُ الْأَخْبَارِ الْمُخْتَلِفَةِ الظَّاهِرِ لِخَبَرٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَخَبَرِ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِ الْبَيْضَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَقَالَ خُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ وَمَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ إلَى أَنْ أَعَادَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَخَذَهَا وَرَمَاهُ بِهَا رَمْيَةً لَوْ أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ ثُمَّ قَالَ يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ هَذِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ وُجُوهَ النَّاسِ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَقَوْلُهُ عَنْ ظُهْرِ غِنًى أَيْ غِنَى النَّفْسِ وَصَبْرِهَا عَلَى الْفَقْرِ أَمَّا التَّصَدُّقُ بِبَعْضِ الْفَاضِلِ فَمُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرًا يُقَارِبُ الْجَمِيعَ فَالْأَوْجَهُ جَرَيَانُ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ فِيهِ وَالظَّاهِرُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِفَايَةِ هُنَا مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِهِ وَكِسْوَةِ فَصْلِهِ لَا مَا يَكْفِيهِ فِي الْحَالِ فَقَطْ وَلَا مَا يَكْفِيهِ فِي سَنَتِهِ (وَلَوْ تَصَدَّقَ بِمَا يَحْتَاجُهُ لِعِيَالِهِ لَمْ يَجُزْ) لِخَبَرِ «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا إنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ وَلِأَنَّ كِفَايَتَهُمْ فَرْضٌ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّفْلِ وَلَا يُرَدُّ عَلَى ذَلِكَ خَبَرُ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الضَّيْفُ فَأَطْعَمَهُ قُوتَهُ وَقُوتَ صِبْيَانِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصَدَقَةٍ بَلْ ضِيَافَةٌ وَالضِّيَافَةُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْفَضْلُ عَنْ عِيَالِهِ وَنَفْسِهِ لِتَأَكُّدِهَا وَكَثْرَةِ الْحَثِّ عَلَيْهَا حَتَّى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْجَبُوهَا وَلِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الصِّبْيَانَ لَمْ يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ حِينَئِذٍ إلَى الْأَكْلِ وَأَمَّا الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ فَتَبَرَّعَا بِحَقِّهِمَا وَكَانَا صَابِرَيْنِ وَإِنَّمَا قَالَ فِيهِ لِأُمِّهِمْ نَوِّمِيهِمْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَطْلُبُوا الْأَكْلَ عَلَى عَادَةِ الصِّبْيَانِ فِي الطَّلَبِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ

(وَكَذَا) لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يَحْتَاجُهُ (لِدَيْنِهِ) أَيْ لِوَفَائِهِ (إلَّا إنْ ظَهَرَ) لَهُ (حُصُولُهُ) بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ (مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى) ظَاهِرَةٌ فَلَا بَأْسَ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ وَقَدْ يُسْتَحَبُّ نَعَمْ إنْ حَصَلَ بِذَلِكَ تَأْخِيرٌ وَقَدْ وَجَبَ وَفَاءُ الدَّيْنِ عَلَى الْفَوْرِ بِمُطَالَبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَالْوَجْهُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وُجُوبُ الْمُبَادَرَةِ إلَى إيفَائِهِ وَتَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ بِمَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ فِي دَيْنِهِ

(أَوْ) تَصَدَّقَ بِمَا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ (وَلَمْ يَصْبِرْ) عَلَى الْإِضَافَةِ (كُرِهَ) التَّصْرِيحُ بِالْكَرَاهَةِ مَعَ التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الصَّبْرِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَالْأَوْجَهُ حَمْلُ الْكَرَاهَةِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ وَهُوَ مُرَادُ الرَّوْضَةِ لِأَنَّ مَا صَحَّحَهُ فِيهَا مِنْ عَدَمِ التَّحْرِيمِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ صَبَرَ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَحَيْثُ حَرَّمْنَا عَلَيْهِ التَّصَدُّقَ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ فَهَلْ يَمْلِكُهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ يَنْبَغِي تَخَرُّجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي هِبَةِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ (وَلَا يَأْنَفُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِالْقَلِيلِ) فَإِنَّ قَلِيلَ الْخَيْرِ كَثِيرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قَبِلَهُ اللَّهُ وَبَارَكَ فِيهِ فَلَيْسَ بِقَلِيلٍ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] وَلِخَبَرِ «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» وَلِخَبَرِ

[حاشية الرملي الكبير]

بِهَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ (قَوْلُهُ أَيْ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ ثُمَّ الْمَوْلَى مِنْ أَعْلَى ثُمَّ الْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ

[فَصَلِّ فَضُلَ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ كِفَايَتُهُ وَعَنْ دَيْنِهِ مَالٌ وَهُوَ يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَافَةِ]

(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ إلَخْ) قَضِيَّةُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا مُدَّةٌ لَا يَجِدُ فِيهَا مَالًا غَيْرَهُ ع (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ مَحْمُولٌ إلَخْ) التَّوْجِيهُ الثَّانِي مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَإِذَا كَارِهٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ

(قَوْلُهُ أَيْ لِوَفَائِهِ) خَرَجَ بِهِ الرَّغِيفُ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يُعَدُّ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ

(قَوْلُهُ التَّصْرِيحُ بِالْكَرَاهَةِ مَعَ التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الصَّبْرِ مِنْ زِيَادَتِهِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الْأَجْوَدُ مَا فِي الرَّوْضَةِ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ يُؤَثِّرُ عَلَى نَفْسِهِ مُضْطَرًّا آخَرُ فَكَيْفَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَقَوْلُهُ الْأَجْوَدُ مَا فِي الرَّوْضَةِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

«يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.
(وَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ بِالْمَاءِ) لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد السَّابِقِ أَوَّلَ الْبَابِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد خَبَرَ «أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ الْمَاءُ» (وَإِنْ بَعَثَ بِشَيْءٍ) مَعَ غَيْرِهِ (إلَى فَقِيرٍ) لَمْ يَزَلْ مِلْكُهُ عَنْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْفَقِيرُ فَإِنْ ذَهَبَ إلَيْهِ الْمَبْعُوثُ (وَلَمْ يَجِدْهُ اُسْتُحِبَّ) لِلْبَاعِثِ (أَنْ لَا يَعُودَ فِيهِ بَلْ يَتَصَدَّقُ بِهِ) عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ (وَإِنْ نَذَرَ صَدَقَةً لَا صَوْمًا وَصَلَاةً فِي وَقْتٍ) بِعَيْنِهِ (جَازَ تَعْجِيلُهَا) كَمَا لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ بَدَنِيَّتَانِ (وَيُكْرَهُ) لِلْإِنْسَانِ (أَنْ يَتَمَلَّكَ) بِمُعَاوَضَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا (صَدَقَتَهُ أَوْ زَكَاتَهُ) أَوْ كَفَّارَتَهُ أَوْ نَذْرَهُ أَوْ نَحْوَهَا (مِنْ الْفَقِيرِ) الَّذِي أَخَذَهَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «الْعَائِدُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» وَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَحِي مِنْهُ فَيُحَابِيهِ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ «عُمَرَ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ ثُمَّ وَجَدَهُ يُبَاعُ فِي السُّوقِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَقَالَ لَا تَشْتَرِهِ وَلَا شَيْئًا مِنْ نِتَاجِهِ» أَيْ لِأَنَّ وَلَدَ الْحَيَوَانِ جُزْءٌ مِنْهُ.
قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَلَّةِ أَرْضٍ كَانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ الْعَيْنِ الْمُتَصَدَّقِ بِهَا أَيْ وَغَيْرُ جُزْئِهَا (لَا مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ لَا يُكْرَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا مِنْ غَيْرِهِ (وَلَا أَنْ يَمْلِكَهَا بِالْإِرْثِ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «عَنْ بُرَيْدٍ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إنِّي تَصَدَّقْت عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ فَقَالَ وَجَبَ أَجْرُك وَرَدَّهَا عَلَيْك الْمِيرَاثُ» (وَالْمَنُّ) بِالصَّدَقَةِ (حَرَامٌ مُحْبِطٌ لِلْأَجْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: 264] وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (وَقَبُولُ الزَّكَاةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهُوَ) أَيْ قَبُولُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا (أَفْضَلُ مِنْ) قَبُولِ صَدَقَةِ (التَّطَوُّعِ) لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى وَاجِبٍ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا مِنَّةَ فِيهَا وَعَكَسَ آخَرُونَ مِنْهُمْ الْجُنَيْدُ وَالْخَوَاصُّ لِئَلَّا يَضِيقَ عَلَى الْأَصْنَافِ وَلِئَلَّا يَخِلَّ بِشَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْأَخْذِ وَلَا تَرْجِيحَ فِي الرَّوْضَةِ فَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ عَقِبَ ذَلِكَ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِالْأَشْخَاصِ فَإِنْ عَرَضَ لَهُ شُبْهَةٌ فِي اسْتِحْقَاقِهِ لَمْ يَأْخُذْ الزَّكَاةَ وَإِنْ قَطَعَ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُتَصَدِّقُ إنْ لَمْ يَأْخُذْ هَذَا مِنْهُ لَا يَتَصَدَّقُ فَلْيَأْخُذْهَا فَإِنَّ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ لَا بُدَّ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهَا وَلَمْ يُضَيِّقْ تَخَيَّرَ وَأَخْذُهَا أَشَدُّ فِي كَسْرِ النَّفْسِ (وَأَخْذِ الصَّدَقَةِ فِي الْمَلَأِ وَتَرْكُهُ فِي الْخَلَاءِ أَفْضَلُ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ كَسْرِ النَّفْسِ.
(فُرُوعٌ) يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ الْجَنَّةِ وَأَنْ يَمْنَعَ مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ وَتَشَفَّعَ بِهِ لِخَبَرِ «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا الْجَنَّةُ وَخَبَرِ مَنْ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ وَمَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوَا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ كَافَأْتُمُوهُ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ عَقِبَ كُلِّ مَعْصِيَةٍ قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ وَمِنْهُ التَّصَدُّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ فِي وَطْءِ الْحَائِضِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَصَدِّقِ أَنْ يُعْطِيَ الصَّدَقَةَ لِلْفَقِيرِ مِنْ يَدِهِ قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَتُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الدَّفْعِ لِلْفَقِيرِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَطْمَعُ الْمُتَصَدِّقُ فِي الدُّعَاءِ مِنْ الْفَقِيرِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9] فَإِنْ دَعَا الْفَقِيرُ لَهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلَهَا لِئَلَّا يَنْقُصَ أَجْرُ الصَّدَقَةِ وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا ثُمَّ عَمِدَ إلَى ثَوْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يَزَلْ فِي حِفْظِ اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا» وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّصَدُّقِ بِالرَّدِيءِ بَلْ مِمَّا يُحَبُّ وَهَذَا كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِالْفُلُوسِ دُونَ الْفِضَّةِ وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّاغِبِ فِي الْخَيْرِ أَنْ لَا يُخَلِّيَ يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ مِنْ الصَّدَقَةِ بِشَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إلَّا وَمَلَكَانِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» وَلِخَبَرِ الْحَاكِمِ فِي صَحِيحِهِ «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ قَالَ حَتَّى يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ»

جارٍ التحميل