(كِتَابُ النِّكَاحِ)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأنصاري، زكريا
- الكتاب
- أسنى المطالب في شرح روض الطالب
- المؤلف
- زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
- عدد الأجزاء
- 4
- الناشر
- دار الكتاب الإسلامي
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومعه حاشية الرملي الكبير]
هُوَ لُغَةً: الضَّمُّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَنَاكَحَتْ الْأَشْجَارُ إذَا تَمَايَلَتْ وَانْضَمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَشَرْعًا: عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ وَطْءٍ بِلَفْظِ إنْكَاحٍ أَوْ تَزْوِيجٍ أَوْ تَرْجَمَتِهِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ كَمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْأَخْبَارُ وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى الْوَطْءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك» وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] وَقَوْلِهِ ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ «تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا» وَخَبَرِ «مَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي وَمِنْ سُنَّتِي النِّكَاحُ» رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ بَلَاغًا وَخَبَرِ «الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ الْأَطِبَّاءُ وَمَقَاصِدُ النِّكَاحِ ثَلَاثَةٌ حِفْظُ النَّسْلِ وَإِخْرَاجُ الْمَاءِ الَّذِي يَضُرُّ احْتِبَاسُهُ بِالْبَدَنِ وَنَيْلُ اللَّذَّةِ وَهَذِهِ الثَّالِثَةُ هِيَ الَّتِي فِي الْجَنَّةِ إذْ لَا تَنَاسُلَ هُنَاكَ وَلَا احْتِبَاسَ
(وَفِيهِ أَبْوَابٌ) اثْنَا عَشَرَ:
(الْأَوَّلُ فِي) بَيَانِ (خَصَائِصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَإِنَّمَا ذَكَرُوهَا هُنَا؛ لِأَنَّهَا فِي النِّكَاحِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ وَالصِّيغَةُ الْمَذْكُورَةُ مُشْعِرَةٌ بِذِكْرِ جَمِيعِ خَصَائِصِهِ إذْ الْجَمْعُ الْمُضَافُ لِمَعْرِفَةٍ مُسْتَغْرِقٌ وَلَيْسَ مُرَادًا لِمَا سَيَأْتِي (وَهِيَ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا الْوَاجِبَاتُ) وَخَصَّ بِهَا لِزِيَادَةِ الزُّلْفَى وَالدَّرَجَاتِ فَلَنْ يَتَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: هُنَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا الْفَرِيضَةُ يَزِيدُ ثَوَابُهَا عَلَى ثَوَابِ النَّافِلَةِ أَيْ الْمُمَاثِلَةِ لَهَا بِسَبْعِينَ دَرَجَةً (وَهِيَ الضُّحَى وَالْوِتْرُ وَالْأُضْحِيَّةَ) لِخَبَرِ «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ النَّحْرُ وَالْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الضُّحَى» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَقَلُّ الضُّحَى لَا أَكْثَرُهُ وَقِيَاسُهُ فِي الْوِتْرِ كَذَلِكَ وَاسْتَشْكَلَ وُجُوبَ الثَّلَاثَةِ عَلَيْهِ بِضَعْفِ الْخَبَرِ وَبِجَمْعِ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ أَخْبَارِ الضُّحَى الْمُتَعَارِضَةِ فِي سُنِّيَّتِهَا بِأَنَّهُ كَانَ لَا يُدَاوِمُ عَلَيْهَا مَخَافَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا وَبِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لَامْتَنَعَ ذَلِكَ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اعْتَضَدَ بِغَيْرِهِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ وَعَنْ الثَّالِثِ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّاهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ وَهِيَ وَاقِفَةٌ عَلَى أَنَّ جَوَازَ أَدَائِهَا
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ظَاهِرِ النَّصِّ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ
[كِتَابُ النِّكَاحِ]
(كِتَابُ النِّكَاحِ) (قَوْلُهُ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ إلَخْ) فَلَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى النِّكَاحِ حُمِلَ عَلَى الْعَقْدِ وَهُوَ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ وَكَذَا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ عَلَى الْأَصَحِّ وَهَلْ هُوَ إبَاحَةٌ أَوْ مِلْكٌ وَجْهَانِ أَرْجَحُهُمَا ثَانِيهِمَا أَيُّ مِلْكٍ لَأَنْ يَنْتَفِعَ لَا الْبُضْعُ بِدَلِيلِ مَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَإِنَّ الْمَهْرَ لَهَا أَوْ لِسَيِّدِهَا، وَأَمَّا وُجُوبُهُ لَهُ فِي الرَّضَاعِ فَلِتَفْوِيتِ كُلٍّ مَا مَلَكَهُ وَهَلْ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُمَا شَرْطٌ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ كَالْعِوَضَيْنِ فِي الْبَيْعِ أَوْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ مِنْ جِهَتِهِ الْمَهْرُ لَا نَفْسُهُ وَلِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِي نِكَاحِ غَيْرِهَا مَعَهَا وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ قَبْلَ بَابِ الْأَوْلِيَاءِ، وَبَنَى مَا لَوْ قَالَ الْخَاطِبُ لِوَلِيِّ الْمَرْأَةِ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْك وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ حَقُّهُ عَلَى الْخُصُوصِ.
(قَوْلُهُ إذْ لَا تَنَاسُلَ هُنَاكَ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَفَعَهُ «الْمُؤْمِنُ إذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي» ثُمَّ قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ قَالَ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي الْجَنَّةِ جِمَاعٌ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ وَلَا وَلَدٍ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالنَّخَعِيِّ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ لِي إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمُ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا وَلَدٌ»
[الْبَاب الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ خَصَائِصِ النَّبِيِّ]
[النَّوْع الْأَوَّل مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ الْوَاجِبَاتُ]
(قَوْلُهُ الْأَوَّلُ فِي خَصَائِصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ذَكَرَ أَبُو سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي كِتَابِ شَرَفِ الْمُصْطَفَى أَنَّ عَدَدَ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْأَنْبِيَاءِ سِتُّونَ خَصْلَةً (قَوْلُهُ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا الْفَرِيضَةُ يَزِيدُ ثَوَابُهَا عَلَى ثَوَابِ النَّافِلَةِ إلَخْ) قَالَ ابْنُ أَبِي الصَّيْفِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ الْأَوَّلِ: مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَهُ وَهُوَ مُبْطِلٌ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَسْفَلُهَا فَالْحَقُّ تَرْكُهُ لِلْمِرَاءِ نَفْلٌ وَالْمُبْطِلُ تَرْكُهُ لِلْمِرَاءِ فَرْضٌ وَأَعْطَى الْمُحِقَّ عَلَى مَا تَنَفَّلَ بِهِ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَعْطَى الْمُبْطِلَ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ رَبَضَ الْجَنَّةِ، الثَّانِي: الصَّبْرُ عَلَى الطَّاعَةِ بِثَلَثِمِائَةٍ وَالصَّبْرُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ بِسِتِّمِائَةٍ وَالصَّبْرُ عَلَى الْمُصِيبَةِ بِتِسْعِمِائَةٍ فَالْأَوَّلَانِ الصَّبْرُ عَلَيْهِمَا وَاجِبٌ وَالْفَضْلُ عَلَيْهِمَا أَقَلُّ مِنْ الثَّالِثِ وَالصَّبْرُ عَلَيْهَا نَفْلٌ.
اهـ.
وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا إبْرَاءُ الْمُعْسِرِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إنْظَارِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ وَالِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ أَفْضَلُ مِنْ جَوَابِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ وَالْأَذَانُ أَفْضَلُ مِنْ إمَامَةِ الْجَمَاعَةِ وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَكُلُّ تَطَوُّعٍ كَانَ مُحَصِّلًا لِلْمَقْصُودِ مِنْ الْفَرْضِ بِوَصْفِ الزِّيَادَةِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الْفَرْضِ كَالزُّهْدِ فِي الْحَلَالِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الزُّهْدِ فِي الْحَرَامِ وَهُوَ وَاجِبٌ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَنَفَّلَ بِشَيْءٍ هَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ نَذْرُهُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: نَعَمْ لِيَحُوزَ ثَوَابَ الْفَرْضِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَا لِلْإِخْلَالِ بِحَقِيقَةِ النَّفْلِ الْمُتَعَبِّدِ بِهَا (قَوْلُهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ أُمِرْت بِرَكْعَتَيْ الضُّحَى وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا (قَوْلُهُ وَقِيَاسُهُ فِي الْوِتْرِ كَذَلِكَ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ الْجِنْسُ ر (قَوْلُهُ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّاهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَخْ) وَبِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّاهَا عَلَيْهَا بَعْدَ نَسْخِهَا فِي حَقِّهِ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ وَعَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ أَنَّهُ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ مَعَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ قَاعِدًا وَلِهَذَا كَانَ تَطَوُّعُهُ قَاعِدًا كَتَطَوُّعِهِ قَائِمًا
عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ خَصَائِصِهِ أَيْضًا (وَالسِّوَاكُ) لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ (وَالْمُشَاوَرَةُ) لِذَوِي الْأَحْلَامِ فِي الْأَمْرِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عِنْدَ اسْتِئْذَانِ الْبِكْرِ (وَتَغْيِيرُ مُنْكَرٍ رَآهُ) قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَمْ يَعْلَمْ أَوْ يَظُنَّ أَنَّ فَاعِلَهُ يَزِيدُ فِيهِ عِنَادًا (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الْخَوْفِ (وَمُصَابَرَةُ الْعَدُوِّ وَإِنْ كَثُرَ) وَلَوْ زَادَ عَلَى الضِّعْفِ وَلَوْ مَعَ الْخَوْفِ؛ لِأَنَّهُ مَوْعُودٌ بِالْعِصْمَةِ وَالنَّصْرِ (وَقَضَاءُ دَيْنِ مُسْلِمٍ مَاتَ مُعْسِرًا) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْهُمْ فَتَرَك دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ» وَقَيَّدَهُ الْإِمَامُ بِمَا إذَا اتَّسَعَ الْمَالُ.
(وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ) بَعْدَهُ (قَضَاؤُهُ مِنْ) مَالِ (الْمَصَالِحِ) كَمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَغَيْرُهُ وَقِيلَ يَجِبُ عَلَيْهِ بِشَرْطِ اتِّسَاعِ الْمَالِ وَفَضْلِهِ عَنْ مَصَالِحِ الْأَحْيَاءِ وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَتَخْيِيرُ نِسَائِهِ) بَيْنَ مُفَارَقَتِهِ طَلَبًا لِلدُّنْيَا وَاخْتِيَارِهِ طَلَبًا لِلْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: 28] الْآيَتَيْنِ وَلِئَلَّا يَكُونَ مُكْرِهًا لَهُنَّ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَا آثَرَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ الْفَقْرِ وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا صَحَّ أَنَّهُ تَعَوَّذَ مِنْ الْفَقْرِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا تَعَوَّذَ مِنْ فِتْنَتِهِ كَمَا تَعَوَّذَ مِنْ فِتْنَةِ الْغِنَى أَوْ تَعَوَّذَ مِنْ فَقْرِ الْقَلْبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «لَيْسَ الْغِنَى بِكَثْرَةِ الْعَرَضِ وَإِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» وَلَمَّا خَيَّرَهُنَّ وَاخْتَرْنَهُ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ التَّزَوُّجَ عَلَيْهِنَّ وَالتَّبَدُّلَ بِهِنَّ مُكَافَأَةً لَهُنَّ فَقَالَ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: 52] الْآيَةَ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ [الأحزاب: 50] الْآيَةَ لِتَكُونَ لَهُ الْمِنَّةُ بِتَرْكِ التَّزَوُّجِ عَلَيْهِنَّ ذَكَرَهُ الْأَصْلُ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ الْجَوَابُ) مِنْهُنَّ لَهُ (فَوْرًا) لِمَا فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ بَدَأَ بِعَائِشَةَ وَقَالَ إنِّي ذَاكِرٌ لَك أَمْرًا فَلَا تُبَادِرِينِي بِالْجَوَابِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك (فَلَوْ اخْتَارَتْهُ) وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ (لَمْ يَحْرُمْ) عَلَيْهِ طَلَاقُهَا كَلَّمَتْهُ (أَوْ كَرِهَتْهُ) بِأَنْ اخْتَارَتْ الدُّنْيَا (تَوَقَّفَتْ الْفُرْقَةُ عَلَى الطَّلَاقِ) فَلَا تَحْصُلُ بِاخْتِيَارِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28] (وَهَلْ قَوْلُهَا اخْتَرْت نَفْسِي طَلَاقٌ وَهَلْ لَهُ تَزَوُّجُهَا بَعْدَ الْفِرَاقِ) إذَا لَمْ تَكْرَه تَزَوُّجَهُ (أَوْ) لَهُ (تَخْيِيرُهُنَّ) فِيمَا مَرَّ (قَبْلَ مُشَاوَرَتِهِنَّ) فِي كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ (وَجْهَانِ) أَوْجَهُهُمَا لَا فِي الْأُولَى وَتَعُمُّ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ وَذِكْرُهُ الْأَخِيرَةَ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الرَّوْضَةِ وَتَعْبِيرُهُ فِي الْأُولَى بِالطَّلَاقِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِقَوْلِهِ صَرِيحٌ فِي الْفِرَاقِ (وَنَسَخَ وُجُوبَ التَّهَجُّدِ عَلَيْهِ) كَمَا نَسَخَ وُجُوبَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَدَلِيلُ وُجُوبِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79] وَدَلِيلُ النُّسَخِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (لَا) وُجُوبَ (الْوِتْرِ) عَلَيْهِ فَلَمْ يُنْسَخْ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْوِتْرَ غَيْرُ التَّهَجُّدِ وَهُوَ مَا صَرَّحَ الْأَصْلُ بِتَرْجِيحِهِ هُنَا لَكِنَّهُ رَجَحَ فِيمَا مَرَّ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَنَّهُ تَهَجَّدَ وَتَقَدَّمَ ثَمَّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ
النَّوْعُ (الثَّانِي الْمُحَرَّمَاتُ عَلَيْهِ) وَخُصَّ بِهَا تَكْرِمَةً لَهُ إذْ أَجْرُ تَرْكِ الْمُحَرَّمِ أَكْثَرُ مِنْ أَجْرِ تَرْكِ الْمَكْرُوهِ وَفِعْلِ الْمَنْدُوبِ (وَهِيَ الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ) نَفْلُهَا وَفَرْضُهَا كَالْكَفَّارَةِ لِمَا مَرَّ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ وَصِيَانَةً لِمَنْصِبِهِ الشَّرِيفِ؛ لِأَنَّهُمَا يُنْبِئَانِ عَنْ ذُلِّ الْآخِذِ وَعِزِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَأُبْدِلَ بِهِمَا الْفَيْءَ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ الْمُنْبِئُ عَنْ عِزِّ الْآخِذِ وَذُلِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، وَلَوْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الصَّدَقَةِ لَأَغْنَاهُ عَمَّا قَبْلَهَا (وَمَعْرِفَةُ الْخَطِّ وَالشَّعْرِ) أَيْ تَعَلُّمُهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: 48] وَقَوْلُهُ ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69] وَأَلْحَقَ الْمَاوَرْدِيُّ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وَقِيلَ لِكُلِّ مَا يُسْتَحَبُّ لَنَا وَقِيلَ لِتَغَيُّرِ الْفَمِ وَقِيلَ عَنْ نُزُولِ الْوَحْيِ لِلْمُنَاجَاةِ وَقِيلَ لِكُلِّ مَكْتُوبَةٍ (قَوْلُهُ وَالْمُشَاوَرَةُ لِذَوِي الْأَحْلَامِ فِي الْأَمْرِ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَاخْتُلِفَ فِيمَا شَاوَرَهُمْ فَقِيلَ فِي الْحَرْبِ وَمُكَابَدَةِ الْعَدُوِّ وَقِيلَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا دُونَ الدِّينِ وَقِيلَ فِي أُمُورِ الدِّينِ تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى عِلَلِ الْأَحْكَامِ وَطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ (قَوْلُهُ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَمْ يَعْلَمْ أَوْ يَظُنَّ إلَخْ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ الرَّاجِحُ وَقَيَّدَ الْإِمَامُ مَحَلَّ الْوَجْهَيْنِ بِمَا إذَا صَدَرَ مِنْهُ مَطْلٌ ظَلَمَ بِهِ وَمَاتَ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَمْلِكْ فِي حَيَاتِهِ مَا يُؤَدِّيهِ بِهِ لَمْ يَقْضِ دَيْنُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَقِيَ اللَّهَ وَلَا مَظْلِمَةَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ أَوْ تَعَوَّذَ مِنْ فَقْرِ الْقَلْبِ إلَخْ) الَّذِي اسْتَعَاذَ مِنْهُ وَأُعِيذَ مِنْهُ الْفَقْرُ الِاضْطِرَارِيُّ وَكَانَ يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ الْفَقْرَ لِإِيثَارِهِ بِقُوَّتِهِ فَلَا يَبْقَى فِي يَدِهِ شَيْءٌ اخْتِيَارًا مِنْهُ لِذَلِكَ ع أَوْ أَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ الْفَقْرِ الَّذِي يَحْصُلُ مَعَهُ سُوءُ الْحَالِ بِأَنْ لَا يَجِدَ مَا يَكْفِي مِنْ الْقُوتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا ت. (قَوْلُهُ لَمْ يَحْرُمْ طَلَاقُهَا كَأَمَتِهِ) وَإِذَا طَلَّقَهَا هَلْ يَكُونُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي قَالَ شَيْخُنَا الْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ كَاتَبَهُ (قَوْلُهُ أَوْجَهُهُمَا لَا فِي الْأُولَى) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَنَعَمْ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ (قَوْلُهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْوِتْرَ غَيْرُ التَّهَجُّدِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ لَا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ وِتْرًا وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقَعَ بَعْدَ النَّوْمِ وَلَا فِي وَقْتٍ يَكُونُ النَّاسُ فِيهِ نِيَامًا وَالتَّهَجُّدُ يُفَارِقُهُ فِي ذَلِكَ
[النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ الْمُحَرَّمَاتُ]
(قَوْلُهُ وَهِيَ الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ فَرْضُهَا وَنَفْلُهَا إلَخْ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُسَاوُونَهُ فِي ذَلِكَ أَمْ يَخْتَصُّ بِهِ قَالَ بِالْأَوَّلِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَبِالثَّانِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَسُئِلْت هَلْ: الصَّدَقَاتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ غَيْرِ نَبِيِّنَا جَائِزَةٌ أَوْ لَا وَهَلْ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال عَلَى جَوَازِهَا بِقَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: 88] ؟ فَأَجَبْت بِأَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الزَّمَخْشَرِيّ وَالْقُرْطُبِيُّ لِشَرَفِهِمْ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» انْتَهَى وَلِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ ذُلِّ الْآخِذِ وَعِزِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 88] بِرَدِّ أَخِينَا إلَى أَبِيهِ أَوْ بِالْمُسَامَحَةِ وَقَبُولِ الْمُزْجَاةِ وَقِيلَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى حَقِّنَا قَالَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: وَلَمْ تَحْرُمْ الصَّدَقَةُ إلَّا عَلَى نَبِيِّنَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» وَقَالَتْ فِرْقَةٌ كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ مُحَرَّمَةً وَلَكِنْ قَالُوهُ تَجَوُّزًا اسْتِعْطَافًا مِنْهُمْ فِي الْمُبَالَغَةِ كَمَا تَقُولُ لِمَنْ تُسَاوِمُهُ فِي سِلْعَتِهِ هَبْنِي مِنْ ثَمَنِهَا كَذَا أَوْ خُذْ مِنِّي كَذَا فَلَمْ تَقْصِدْ أَنْ يَهَبَك وَإِنَّمَا حَسَّنْت لَهُ الْمَقَالَ حَتَّى يَرْجِعَ مَعَك إلَى سَوْمِك
وَالرُّويَانِيُّ بِالْخَطِّ الْقِرَاءَةَ مِنْ الْكِتَابِ وَبِتَعَلُّمِ الشَّعْرِ رِوَايَتَهُ وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ خَطَّ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُوحِي أَوْ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ خَطٍّ فَنُسِبَ إلَيْهِ الْفِعْلُ تَجَوُّزًا أَوْ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ مُعْجِزَةً وَمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ الرَّجَزِ كَقَوْلِهِ «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الرَّجَزَ لَيْسَ بِشَعْرٍ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ بَلْ وَقَعَ مُرَجَّزًا (لَا الْأَكْلُ لِثُومٍ وَنَحْوِهِ) كَبَصَلٍ وَكُرَّاثٍ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ وَإِنَّمَا كُرِهَ أَكْلُهُ لِتَأَذِّي الْمَلَائِكَةِ بِرَائِحَتِهِ وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّ «أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ صَنَعَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ» وَفِي رِوَايَةٍ «أَرْسَلَ إلَيْهِ بِطَعَامٍ مِنْ خُضْرَةٍ فِيهِ بَصَلٌ وَكُرَّاثٌ فَرَدَّهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ أَحَرَامٌ هُوَ قَالَ لَا وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ» (أَوْ) الْأَكْلُ (مُتَّكِئًا) لِمَا مَرَّ وَأَمَّا خَبَرُ الْبُخَارِيِّ «أَنَا لَا آكُلُ وَأَنَا مُتَّكِئٌ» فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ نَعَمْ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ مَكْرُوهَانِ فِي حَقِّهِ كَمَا فِي حَقِّ أُمَّتِهِ صَرَّحَ بِهِ فِي حَقِّهِمْ فِي الْأَوَّلِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ مُقَيَّدًا بِالنِّيءِ وَبِالثَّانِي الرَّافِعِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْمُتَّكِئُ الْجَالِسُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى وَطَاءٍ تَحْتَهُ وَأَقَرَّهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَالَ: بَلْ هُوَ الْمَائِلُ عَلَى جَنْبٍ، وَفَسَّرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِالْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ الْمَائِلُ عَلَى جَنْبٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ.
(وَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ (نَزْعُ لَامَتِهِ) أَيْ سِلَاحِهِ (قَبْلَ الْقِتَالِ) لِلْعُدْوَانِ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِخَبَرِ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَسَ لَامَتِهِ فَيَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَسْنَدَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ (وَمَدُّ الْعَيْنِ إلَى مَتَاعِ النَّاسِ) أَيْ إلَى مَا مَتَّعُوا بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: 131] الْآيَةَ (وَخَائِنَةُ الْأَعْيُنِ وَهِيَ الْإِيمَاءُ بِمَا يُظْهِرُ خِلَافَهُ) مِنْ مُبَاحٍ مِنْ نَحْوِ ضَرْبٍ أَوْ قَتْلٍ وَسُمِّيَ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ لِشَبَهِهِ بِالْخِيَانَةِ بِإِخْفَائِهِ (دُونَ الْخَدِيعَةِ فِي الْحَرْبِ) فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا (وَإِمْسَاكُ مَنْ كَرِهَتْ نِكَاحَهُ) كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ وُجُوبِ تَخْيِيرِهِ نِسَاءَهُ وَاحْتَجَّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْقَائِلَةِ لَهُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك لَقَدْ اسْتَعَذْت بِمَعَاذٍ الْحَقِي بِأَهْلِك» رُوِيَ أَنَّ نِسَاءَهُ لَقَّنَّهَا أَنْ تَقُولَ لَهُ ذَلِكَ وَقُلْنَ لَهَا أَنَّهُ كَلَامٌ يُعْجِبُهُ.
(وَنِكَاحُ كِتَابِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّهَا تَكْرَهُ صُحْبَتَهُ وَلِأَنَّهُ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَضَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ كَافِرَةٍ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُشْرِكَةُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَلِخَبَرِ «سَأَلْت رَبِّي أَنْ لَا أُزَوَّجَ إلَّا مَنْ كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ فَأَعْطَانِي» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ (لَا التَّسَرِّي بِهَا) فَلَا يَحْرُمُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ؛ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسَرَّى بِرَيْحَانَةَ وَكَانَتْ يَهُودِيَّةً مِنْ سَبْيِ قُرَيْظَةَ» وَاسْتَشْكَلَ بِهَذَا تَعْلِيلَهُمْ السَّابِقَ بِأَنَّهُ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَضَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ كَافِرَةٍ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْقَصْدَ بِالنِّكَاحِ أَصَالَةُ التَّوَالُدِ فَاحْتِيطَ لَهُ وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ الْمُشْرِكَةُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الْمِلْكِ فِيهِمَا (وَنِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ مُسْلِمَةً) ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا مُعْتَبَرٌ لِخَوْفِ الْعَنَتِ وَهُوَ مَعْصُومٌ بِفِقْدَانِ مَهْرِ الْحُرَّةِ وَنِكَاحُهُ غَنِيٌّ عَنْ الْمَهْرِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَبِرِقِّ الْوَلَدِ وَمَنْصِبُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَزَّهٌ عَنْهُ (وَالْمَنُّ) أَيْ إعْطَاؤُهُ الْعَطَايَا (لِيَسْتَكْثِرَ) أَيْ لِيَطْلُبَ الْكَثْرَةَ بِالطَّمَعِ فِي الْعِوَضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] وَإِنْ فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ أَيْ لَا تُعْطِ شَيْئًا لِتَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهُ وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الرَّوْضَةِ
النَّوْعُ (الثَّالِثُ التَّخْفِيفَاتُ وَالْمُبَاحَاتُ لَهُ) وَخُصَّ بِهَا تَوْسِعَةً عَلَيْهِ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَا خُصَّ بِهِ مِنْهَا لَا يُلْهِيهِ عَنْ طَاعَتِهِ وَإِنْ أَلْهَى غَيْرَهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُبَاحِ هُنَا مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ بَلْ مَا لَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِ وَلَا فِي تَرْكِهِ (وَهِيَ نِكَاحُ تِسْعٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونُ الْجَوْرِ وَقَدْ مَاتَ عَنْ تِسْعٍ وَلِأَنَّ غَرَضَهُ نَشْرُ بَاطِنِ الشَّرِيعَةِ وَظَاهِرِهَا وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً فَأُبِيحَ لَهُ تَكْثِيرُ النِّسَاءِ لِيَنْقُلْنَ مَا يَرَيْنَهُ مِنْ أَفْعَالِهِ وَيَسْمَعْنَهُ مِنْ أَقْوَالِهِ الَّتِي قَدْ يَسْتَحْيِ مِنْ الْإِفْصَاحِ بِهَا بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ (وَحَرُمَ) عَلَيْهِ (الزِّيَادَةُ عَلَيْهِنَّ) أَيْ التِّسْعِ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: 52] أَيْ بَعْدَ التِّسْعِ اللَّاتِي اخْتَرْنَك (ثُمَّ نُسِخَ) فَأُبِيحَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَكْثَرَ مِنْهُنَّ بِآيَةِ ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: 50] كَمَا مَرَّ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَرُمَ ثُمَّ نُسِخَ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ (وَيَنْعَقِدُ نِكَاحُهُ) حَالَةَ كَوْنِهِ (مُحْرِمًا) بِنُسُكٍ لِخَبَرٍ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» لَكِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ حَلَالًا وَفِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «قَالَتْ تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفٍ» وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَكُنْت السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَقَدْ رَدَّ الشَّافِعِيُّ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ أَوْ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ خَطٍّ إلَخْ) وَهَذَا تُعَضِّدُهُ رِوَايَةُ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ ك (قَوْلُهُ وَكُرَّاثٍ) أَيْ وَفُجْلٍ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا كُرِهَ أَكْلُهُ) أَيْ وَإِنْ كَانَ مَطْبُوخًا (قَوْلُهُ مُقَيَّدٌ بِالنِّيءِ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَوْضِعُ الْكَرَاهَةِ فِي النِّيءِ أَمَّا الْمَطْبُوخُ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ طَعَامًا فِيهِ بَصَلٌ (قَوْلُهُ وَإِمْسَاكُ مَنْ كَرِهَتْ نِكَاحَهُ) فِي سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْكَشَّافُ وَعِبَارَةُ الْحَاوِي وَإِمْسَاكُ كَارِهَتِهِ قَالَ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ زَوْجَةً أَوْ أَمَةً وَهُوَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ لَقَدْ اسْتَعَذْت بِمَعَاذٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (قَوْلُهُ الْحَقِي بِأَهْلِك) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَأَخْطَأَ مَنْ عَكَسَ ر
بِذَلِكَ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأُولَى (وَ) يَنْعَقِدُ نِكَاحُهُ (بِلَا وَلِيٍّ وَشُهُودٍ) ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْوَلِيِّ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْكَفَاءَةِ وَهُوَ فَوْقَ الْأَكْفَاءِ وَاعْتِبَارُ الشُّهُودِ لِأَمْنِ الْجُحُودِ وَهُوَ مَأْمُونٌ مِنْهُ، وَالْمَرْأَةُ لَوْ جَحَدَتْ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا بَلْ قَالَ الْعِرَاقِيُّ شَارِحُ الْمُهَذَّبِ تَكْفُرُ بِتَكْذِيبِهِ (وَ) يَنْعَقِدُ (بِلَفْظِ الْهِبَةِ) وَبِمَعْنَاهَا (إيجَابًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ [الأحزاب: 50] الْآيَةَ (لَا قَبُولًا) بَلْ يَجِبُ لَفْظُ النِّكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: 50] (وَلَا مَهْرَ) عَلَيْهِ (لِلْوَاهِبَةِ لَهُ) نَفْسَهَا (وَإِنْ دَخَلَ بِهَا) كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ الْهِبَةِ (وَتَجِبُ إجَابَتُهُ إلَى) بِمَعْنَى عَلَى (امْرَأَةٍ رَغِبَ فِيهَا) وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ خِطْبَتُهَا (وَ) يَجِبُ (عَلَى زَوْجِهَا طَلَاقُهَا) لِيَنْكِحَهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24] . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ لِقِصَّةِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ وَلَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ امْتِحَانُ إيمَانِهِ بِتَكْلِيفِهِ النُّزُولَ عَنْ أَهْلِهِ وَمِنْ جَانِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْتِلَاؤُهُ بِبَلِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ وَمَنْعُهُ مِنْ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: 37] ، وَلَا شَيْءَ أَدْعَى لِحِفْظِ الْبَصَرِ مِنْ لَمَحَاتِهِ الِاتِّفَاقِيَّةِ مِنْ هَذَا التَّكْلِيفِ وَهَذَا مِمَّا يُورِدُهُ الْفُقَهَاءُ فِي نَوْعِ التَّخْفِيفَاتِ وَعِنْدِي أَنَّهُ فِي حَقِّهِ فِي غَايَةِ التَّشْدِيدِ إذْ لَوْ كُلِّفَ بِذَلِكَ أَيْ بِمَنْعِ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ آحَادُ النَّاسِ لَمَا فَتَحُوا أَعْيُنَهُمْ فِي الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَوْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخْفِي آيَةً لَأَخْفَى هَذِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْآحَادَ غَيْرُ مَعْصُومِينَ فَنُقِلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِخِلَافِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَهُ تَزْوِيجُ مَنْ شَاءَ) مِنْ النِّسَاءِ (لِمَنْ شَاءَ وَ) لَوْ (لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ) مِنْ الْمَرْأَةِ وَوَلِيِّهَا (مُتَوَالِيًا الطَّرَفَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (وَيُزَوِّجُهُ اللَّهُ) فَتَحِلُّ لَهُ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِعَقْدٍ كَمَا فِي قَضِيَّةِ امْرَأَةِ زَيْدٍ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا (وَأُبِيحَ لَهُ الْوِصَالُ) فِي الصَّوْمِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْوِصَالِ فَقِيلَ إنَّك تُوَاصِلُ فَقَالَ إنِّي لَسْت مِثْلَكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» أَيْ أُعْطَى قُوَّةَ الطَّاعِمِ وَالشَّارِبِ (وَصَفِيُّ الْمَغْنَمِ) وَهُوَ مَا يَخْتَارُهُ مِنْهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مِنْ جَارِيَةٍ وَغَيْرِهَا وَمِنْ صَفَايَاهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالْمَغْنَمِ بَلْ لَهُ ذَلِكَ مِنْ الْفَيْءِ أَيْضًا قَالَهُ ابْنُ كَجٍّ فِي
[حاشية الرملي الكبير]
[النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ خَصَائِصُ النَّبِيِّ التَّخْفِيفَاتُ وَالْمُبَاحَاتُ]
قَوْلُهُ وَيَنْعَقِدُ نِكَاحُهُ مُحْرِمًا) وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُحَرَّمَةً أَيْضًا (قَوْلُهُ بَلْ قَالَ الْعِرَاقِيُّ شَارِحُ الْمُهَذَّبِ إلَخْ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْغَزَالِيُّ لِقِصَّةِ زَيْدٍ إلَخْ) قَدْ أَنْكَرَ السُّبْكِيُّ وَصَاحِبُ الْأَنْوَارِ وُقُوعَ مَيْلِ قَلْبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى تَزَوُّجِ امْرَأَةِ غَيْرِهِ، قَالَ السُّبْكِيُّ: وَقِصَّةُ زَيْدٍ إنَّمَا جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى قَطْعًا لِقَوْلِ النَّاسِ أَنَّ زَيْدًا وَلَدُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِبْطَالًا لِلتَّبَنِّي فِي الْإِسْلَامِ كَمَا تُنْبِئُ عَنْهُ سُورَةُ الْأَحْزَابِ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ وَقَوْلُهُ ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: 37] يَعْنِي مِنْ أَمْرِ زَيْدٍ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ وَتَزَوُّجِك إيَّاهَا؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمُقْتَضَى الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ يَكْرَهُ زَوَاجَهَا وَيَشُقُّ عَلَيْهِ عَكْسَ مَا تَوَهَّمَهُ الْغَزَالِيُّ وَمَا كَانَ يُمْكِنُهُ إخْفَاءُ شَيْءٍ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَأَطَالَ السُّبْكِيُّ فِي بَيَانِ ذَلِكَ كَمَا سَاقَهُ وَلَدُهُ فِي تَوْشِيحِ التَّوْشِيحِ أش إذَا نَظَرَ إلَى أَمَةٍ أَيَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ عِتْقُهَا أَمْ يَمْلِكُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهَا أَمْ لَا الْقِيَاسُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْوُجُوبُ، وَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ لَهُ نِكَاحُهَا قَبْلَ عِدَّتِهَا أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ وَأَطَالَ السُّبْكِيُّ فِي بَيَانِهِ إلَخْ قَالَ السُّبْكِيُّ هَذَا مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُعْجِبُهُ امْرَأَةُ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ وَقِصَّةُ زَيْدٍ إنَّمَا جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا صَرَّحَ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ قَطْعًا لِقَوْلِ النَّاسِ أَنَّ زَيْدًا وَلَدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِبْطَالًا لِلتَّبَنِّي فِي الْإِسْلَامِ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4] أَيْ مِنْ أَبَوَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: 4] إلَى أَنْ قَالَ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5] ثُمَّ سَاقَ اللَّهُ تَعَالَى السُّورَةَ إلَى أَنْ قَالَ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36] تَحْرِيضٌ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ تَعَالَى فِي طَلَاقِ امْرَأَةِ زَيْدٍ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: 37] يَعْنِي مِنْ أَمْرِ زَيْدٍ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ وَتَزْوِيجِك أَنْتَ إيَّاهَا لَا مِنْ مَحَبَّتِهِ مَعَاذَ اللَّهِ ثُمَّ مَعَاذَ اللَّهِ ثُمَّ مَعَاذَ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقَوْلِ الصَّرِيحِ بَعْدَ التَّعْرِيضِ الطَّوِيلِ أَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ إبْطَالُ التَّبَنِّي وَنَسْخُهُ وَرَفْعُهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَلَدًا لَمَا تَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: 37] ثُمَّ بَعْدَهُ ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40] فَمَنْ تَأَمَّلَ السُّورَةَ وَعَرَفَ شَيْئًا مِنْ حَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَيَقَّنَ بِالْعِلْمِ الْقَاطِعِ أَنَّ تَزَوُّجَ امْرَأَةِ زَيْدٍ إنَّمَا كَانَ لِذَلِكَ لَا لِغَيْرِهِ وَإِنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْرَهَ النَّاسِ بِالطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ لِزَوَاجِهَا عَكْسَ مَا تَوَهَّمَهُ الْغَزَالِيُّ وَكَانَ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَمَا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُخْفِيَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: 37] فَنَزَلَتْ الْآيَةُ آمِرَةً لَهُ بِإِظْهَارِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ زَوَاجِهَا لِإِبْطَالِ التَّبَنِّي وَإِنْ كَانَ زَوَاجُهَا شَقَّ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ ابْنُهُ فِي التَّوْشِيحِ: وَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْرِفَ هَذَا.
(قَوْلُهُ بِبَلِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ) يَعْنِي مَيْلَ الْقَلْبِ إلَى تَزَوُّجِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ وُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ وَمَنْعُهُ مِنْ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ) أَيْ مِنْ الْإِضْمَارِ الْمُخَالِفِ لِلْإِظْهَارِ (قَوْلُهُ أَيْ بِمَنْعِ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ) أَوْ بِأَنْ يَأْمُرَ الشَّخْصُ غَيْرَهُ أَنْ يُطَلِّقَ لَهُ زَوْجَتَهُ (قَوْلُهُ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْآحَادَ غَيْرُ مَعْصُومِينَ إلَخْ) وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ فَذَاكَ الْأَمْرُ آخَرُ وَهُوَ إظْهَارُ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلَاهُ وَعِتَابُهُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْهُ (قَوْلُهُ وَأُبِيحَ لَهُ الْوِصَالُ) وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ الْوِصَالَ لَهُ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ مُتَّجَهٌ إذْ الْعِبَادَةُ إمَّا وَاجِبَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ، وَيَنْبَغِي حَمْلُ إطْلَاقِ الْجُمْهُورِ وَالْإِبَاحَةُ عَلَى نَفْيِ التَّحْرِيمِ الصَّادِقِ بِالِاسْتِحْبَابِ اش (قَوْلُهُ أَيْ أُعْطَى قُوَّةَ الطَّاعِمِ وَالشَّارِبِ) عَبَّرَ بِذَلِكَ عَمَّا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَارِفِ وَالْمَوَاهِبِ وَلَمَّا كَانَتْ تُنَمِّي النَّفْسَ وَتُقَوِّيهَا كَمَا يُقَوِّيهَا الطَّعَامُ أَطْلَقَ عَلَيْهَا الطَّعْمَ وَالسَّقْيَ وَذَلِكَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ (قَوْلُهُ وَمِنْ صَفَايَاهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ اصْطَفَاهَا وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا) هَذَا مَرْدُودٌ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَاشْتَرَاهَا مِنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَصْطَفِهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ بَلْ دَخَلَتْ فِيهَا وَأَخَذَهَا مِمَّنْ وَقَعَتْ لَهُ ع قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ بَعْدَمَا صَارَتْ لِدِحْيَةَ
التَّجْرِيدِ (وَخُمُسُ الْخُمُسِ) مِنْ الْفَيْءِ وَالْمَغْنَمِ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْفِقُ مِنْهُ فِي مَصَالِحِهِ وَمَا فَضَلَ جَعَلَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ أَيْضًا مَعَ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ سَهْمٌ كَسِهَامِ الْغَانِمِينَ (وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ) وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الْفَيْءِ (وَيَقْضِي بِعِلْمِهِ) وَلَوْ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا خِلَافٍ (وَيَحْكُمُ وَيَشْهَدُ لِوَلَدِهِ وَلِنَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ لِلرِّيبَةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ قَطْعًا (وَيَحْمِي الْمَوَاتَ لِنَفْسِهِ) وَإِنْ لَمْ يَحْمِ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا يَحْمِي لِنَحْوِ نَعَمِ الصَّدَقَةِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ (وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ) اعْتِمَادًا عَلَى دَعْوَاهُ لِقِصَّةِ خُزَيْمَةَ الْآتِيَةِ وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَيَقْبَلُ) هُوَ (شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ لَهُ) لِانْتِفَاءِ الرِّيبَةِ عَنْهُ قَطْعًا كَمَا مَرَّ وَلِأَنَّهُ قَبِلَ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ لِنَفْسِهِ وَقِصَّتِهِ فِي أَبِي دَاوُد وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهَا وَخَالَفَ ابْنُ حَزْمٍ فَأَعَلَّهَا (وَلَهُ أَخْذُ طَعَامِ غَيْرِهِ) وَإِنْ احْتَاجَهُ الْغَيْرُ (وَيَجِبُ) عَلَى الْغَيْرِ (إعْطَاؤُهُ لَهُ وَبَذْلُ النَّفْسِ دُونَهُ) لَوْ قَصَدَهُ ظَالِمٌ بِحَضْرَتِهِ فَيَفْدِي بِمُهْجَتِهِ مُهْجَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
(وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِالنَّوْمِ) وَلَوْ غَيْرَ مُمَكَّنٍ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اضْطَجَعَ وَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (وَمَنْ شَتَمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَعَنَهُ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ قُرْبَةً) بِدُعَائِهِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «اللَّهُمَّ إنِّي اتَّخَذْت عِنْدَك عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْته أَوْ شَتَمْته أَوْ لَعَنْته فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إلَيْك يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «إنِّي اشْتَرَطْت عَلَى رَبِّي فَقُلْت إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْت عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ تَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً» وَإِنَّمَا سَاغَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ لَكِنَّهُ فِي الظَّاهِرِ يَسْتَوْجِبُهُ بِأَمَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَأْمُورٌ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ أَوْ؛ لِأَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ مَقْصُودًا بَلْ هُوَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ مِنْ وَصْلِ كَلَامِهَا بِنَحْوِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: تَرِبَتْ يَمِينُك وَعَقْرَى حَلْقَى، فَخَافَ أَنْ يُسْتَجَابَ فِي ذَلِكَ فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ شَتَمَهُ إلَى آخِرِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الرَّوْضَةِ وَهُوَ فِي الرَّافِعِيِّ، وَفِيهِ أَنَّ صَاحِبَ التَّلْخِيصِ حَكَى أَنَّ لَهُ دُخُولَ الْمَسْجِدِ جُنُبًا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَقَدْ يَحْتَجُّ لَهُ بِخَبَرِ «يَا عَلِيُّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُجْنِبَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرِكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ ضَعِيفٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ، قَالَ: وَلَعَلَّهُ اعْتَضَدَ بِمَا اقْتَضَى حُسْنَهُ فَظَهَرَ تَرْجِيحُ قَوْلِ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَحَذَفَ الْمُصَنِّفُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ، وَحَمْلُ دُخُولِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْمُكْثِ بِهِ لَيْسَ مِنْ الْخَصَائِصِ لِمُشَارَكَةِ عَلِيٍّ لَهُ فِيهِ، وَحَذَفَ أَيْضًا أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا بِمَعْنَى أَنَّهُ أَعْتَقَهَا بِلَا عِوَضٍ وَتَزَوَّجَهَا بِلَا مَهْرٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ فِي مَعْنَى الْوَاهِبَةِ نَفْسَهَا لَهُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا مُطْلَقًا وَحَذَفَ أَيْضًا أَنَّهُ هَلْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْبِنَاءِ تَرْجِيحُ الْمَنْعِ فَلَا تَكُونُ مِنْ الْخَصَائِصِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ (وَمُعْظَمُ هَذِهِ الْمُبَاحَاتِ لَمْ يَفْعَلْهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ لَهُ فِعْلُهُ وَقَدْ صَرَّحْت بِبَعْضِهِ فِيمَا مَرَّ
(الرَّابِعُ الْفَضَائِلُ وَالْإِكْرَامُ وَهِيَ تَحْرِيمُ مَنْكُوحَاتِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ مُطَلَّقَاتٍ) وَلَوْ بِاخْتِيَارِهِنَّ لِفِرَاقِهِ وِفَاقًا لِلْجُمْهُورِ خِلَافًا لِمَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَسَوَاءٌ أَكُنَّ مَوْطُوآتٍ أَمْ لَا لِآيَةِ ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 53] قِيلَ نَزَلَتْ فِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُ قَالَ إنْ مَاتَ لَأَتَزَوَّجَنَّ عَائِشَةَ وَلِأَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] وَلِأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الْجَنَّةِ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْجَنَّةِ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ (وَسَرَارِي) أَيْ وَتَحْرِيمُ سَرَارِيهِ أَيْ إمَائِهِ الْمَوْطُوآتِ عَلَى غَيْرِهِ إكْرَامًا لَهُ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَوْطُوآتِ وَقِيلَ لَا تَحْرُمُ الْمَوْطُوآتُ أَيْضًا وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِمَا رَجَّحَهُ جَزَمَ الطَّاوُسِيُّ وَالْبَازِرِيُّ مَعَ تَقْيِيدِهِمَا ذَلِكَ بِالْمَوْطُوآتِ وَلَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِسَرَارِيهِ لَسَلِمَ مِنْ إيهَامِ عَطْفِهِنَّ عَلَى مُطَلَّقَاتٍ (وَتَفْضِيلُ زَوْجَاتِهِ عَلَى) سَائِرِ (النِّسَاءِ) عَلَى مَا يَأْتِي تَفْضِيلُهُ قَالَ تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: 32] (وَثَوَابُهُنَّ وَعِقَابُهُنَّ مُضَاعَفٌ)
[حاشية الرملي الكبير]
جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ (قَوْلُهُ وَيَحْكُمُ وَيَشْهَدُ لِوَلَدِهِ وَلِنَفْسِهِ) أَيْ وَعَلَى عَدُوِّهِ (قَوْلُهُ وَقِصَّتُهُ فِي أَبِي دَاوُد) أَيْ وَالنَّسَائِيُّ (قَوْلُهُ وَلَهُ أَخْذُ طَعَامِ غَيْرِهِ) مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ (قَوْلُهُ وَفِيهِ أَنَّ صَاحِبَ التَّلْخِيصِ حَكَى أَنَّ لَهُ دُخُولَ الْمَسْجِدِ جُنُبًا) وَمَنَعَهُ الْقَفَّالُ وَهُوَ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ وَتَزَوَّجَهَا بِلَا مَهْرٍ مُطْلَقًا) بَلْ أَصْدَقَهَا رَزِينَةَ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَم الْكَبِيرِ عَنْ رَزِينَةَ مَوْلَاةِ صَفِيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْدَقَهَا صَفِيَّةَ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْعِتْقَ وَحْدَهُ لَمْ يَكُنْ صَدَاقًا بَلْ كَانَ الصَّدَاقُ عِتْقَهَا وَإِعْطَاءَهَا رَزِينَةَ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا حَاجَةَ مَعَهُ إلَى تَكَلُّفِ جَوَابٍ ت
[النَّوْع الرَّابِعُ مِنْ خَصَائِصُ النَّبِيِّ الْفَضَائِلُ وَالْإِكْرَامُ]
(الرَّابِعُ الْفَضَائِلُ وَالْإِكْرَامُ) (قَوْلُهُ وَهِيَ تَحْرِيمُ زَوْجَاتِهِ عَلَى غَيْرِهِ) أَمَّا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا تَحْرُمُ أَزْوَاجُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَالَهُ الْقُضَاعِيُّ فِي عُيُونِ الْمَعَارِفِ قَالَ شَيْخُنَا الْأَقْرَبُ عَدَمُ حُرْمَتِهِنَّ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَحُرْمَتُهُنَّ عَلَى غَيْرِهِمْ بِخِلَافِ زَوْجَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَرَامٌ عَلَى غَيْرِهِ حَتَّى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ) وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: إنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَإِلَّا لَمَا تَمَكَّنَتْ مِنْ غَرَضِهَا فِي زِينَةِ الدُّنْيَا وَلَمَا كَانَ التَّخْيِيرُ مُفِيدًا، وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ تَحْرِيمُ نِكَاحِ مُفَارِقَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ بِاخْتِيَارِهَا فِرَاقَهُ وَقَبْلَ الدُّخُولِ اهـ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ وَسَوَاءٌ أَكُنَّ مَوْطُوآتٍ أَمْ لَا) وَقَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ الْأَظْهَرُ بِتَحْرِيمِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَقَطْ (قَوْلُهُ وَتَفْضِيلُ زَوْجَاتِهِ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ) يُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ سَيِّدَتُنَا فَاطِمَةُ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْهُنَّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي وَلَا يَعْدِلُ بِبَضْعَةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي خَيْرَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ (قَوْلُهُ وَعِقَابُهُنَّ مُضَاعَفٌ) فَحَدُّهُنَّ مِثْلَا حَدِّ غَيْرِهِنَّ
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: 30] الْآيَتَيْنِ (وَهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ مِثْلُهُنَّ لَا فِي حُكْمِ الْخَلْوَةِ وَالنَّظَرِ وَالْمُسَافَرَةِ وَالظِّهَارِ وَالنَّفَقَةِ وَالْمِيرَاثِ بَلْ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِهِنَّ وَوُجُوبِ احْتِرَامِهِنَّ وَطَاعَتِهِنَّ (إكْرَامًا) لَهُ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] (فَقَطْ) أَيْ يُقَالُ لَهُمْ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ لَا أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنَاتِ وَلَا يُقَالُ لِبَنَاتِهِنَّ أَخَوَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا لِآبَائِهِنَّ وَأُمَّهَاتِهِنَّ أَجْدَادُ الْمُؤْمِنِينَ وَجَدَّاتُهُمْ وَلَا لِإِخْوَتِهِنَّ وَإِخْوَانِهِنَّ أَخْوَالُ الْمُؤْمِنِينَ وَخَالَاتُهُمْ (كَهُوَ فِي الْأُبُوَّةِ) أَيْ كَمَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبٌ (لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40] فَمَعْنَاهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَدَ صُلْبِهِ (وَتَحْرِيمُ سُؤَالِهِنَّ إلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53] وَأَمَّا غَيْرُهُنَّ فَيَجُوزُ أَنْ يُسْأَلْنَ مُشَافَهَةً، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ خُصِّصْنَ بِفَرْضِ الْحِجَابِ عَلَيْهِنَّ بِلَا خِلَافٍ فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَلَا يَجُوزُ لَهُنَّ كَشْفُ ذَلِكَ لِشَهَادَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَلَا إظْهَارُ شُخُوصِهِنَّ وَإِنْ كُنَّ مُسْتَتِرَاتٍ إلَّا لِضَرُورَةِ خُرُوجِهِنَّ لِلْبِرَازِ
(فَائِدَةٌ) ذَكَرَ الْبَغَوِيّ عَنْ الْخَطَّابِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَعْنَى الْمُعْتَدَّاتِ وَلِلْمُعْتَدَّةِ السُّكْنَى فَجَعَلَ لَهُنَّ سُكْنَى الْبُيُوتِ مَا عِشْنَ وَلَا يَمْلِكْنَ رِقَابَهَا (وَأَفْضَلُهُنَّ خَدِيجَةُ) لِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ» ، وَلِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِعَائِشَةَ - حِينَ قَالَتْ لَهُ: قَدْ رَزَقَك اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا لَا -: وَاَللَّهِ مَا رَزَقَنِي خَيْرًا مِنْهَا آمَنَتْ بِي حِينَ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَأَعْطَتْنِي مَالَهَا حِينَ حَرَمَنِي النَّاسُ» وَسُئِلَ ابْنُ دَاوُد أَيُّهُمَا أَفْضَلُ فَقَالَ عَائِشَةُ أَقْرَأَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّلَامَ مِنْ جِبْرِيلَ وَخَدِيجَةَ أَقْرَأَهَا جِبْرِيلُ مِنْ رَبِّهَا السَّلَامَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ فَهِيَ أَفْضَلُ فَقِيلَ لَهُ فَمَنْ أَفْضَلُ خَدِيجَةُ أَمْ فَاطِمَةُ فَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي وَلَا أَعْدِلُ بِبِضْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا (ثُمَّ عَائِشَةُ) لِخَبَرِ فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ، وَخَبَرِ سَأَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إلَيْك قَالَ عَائِشَةُ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَهُمَا مَخْصُوصَانِ بِمَا مَرَّ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ كُلًّا مِنْ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ أَفْضَلُ مِنْ فَاطِمَةَ وَيُخَالِفُهُ مَا مَرَّ آنِفًا وَقَدْ سُئِلَ السُّبْكِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّ فَاطِمَةَ أَفْضَلُ ثُمَّ أُمُّهَا خَدِيجَةُ ثُمَّ عَائِشَةُ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ بَعْضُهُ وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ عِنْدَمَا سَارَّهَا ثَانِيًا عِنْدَ مَوْتِهِ أَمَا تَرْضِينَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إلَّا مَرْيَمَ، وَأَمَّا خَبَرُ الطَّبَرَانِيِّ «خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ثُمَّ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ثُمَّ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ثُمَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» فَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ خَدِيجَةَ إنَّمَا فُضِّلَتْ عَلَى فَاطِمَةَ بِاعْتِبَارِ الْأُمُومَةِ لَا بِاعْتِبَارِ السِّيَادَةِ، وَاخْتَارَ السُّبْكِيُّ أَنَّ مَرْيَمَ أَفْضَلُ مِنْ خَدِيجَةَ لِهَذَا الْخَبَرِ وَلِلِاخْتِلَافِ فِي نُبُوَّتِهَا، وَقِيلَ: عَائِشَةُ أَفْضَلُ مِنْ خَدِيجَةَ وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ.
(وَهُوَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (خَاتَمُ النَّبِيِّينَ) قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40] وَلَا يُعَارِضُهُ مَا ثَبَتَ مِنْ نُزُولِ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - آخِرِ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي بِشَرِيعَةٍ نَاسِخَةٍ بَلْ مُقَرِّرَةٌ لِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامِلًا بِهَا (وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَنَوْعُ الْآدَمِيِّ أَفْضَلُ الْخَلْقِ فَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَمَّا قَوْلُهُ «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» وَقَوْلُهُ «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ» وَنَحْوِهِمَا فَأُجِيبُ عَنْهَا بِأَنَّهُ نَهَى عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إلَى تَنْقِيصِ بَعْضِهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ أَوْ عَنْ تَفْضِيلٍ فِي نَفْسِ النُّبُوَّةِ الَّتِي لَا تَتَفَاوَتُ لَا فِي ذَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَفَاوِتِينَ بِالْخَصَائِصِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: 253] أَوْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ تَأَدُّبًا وَتَوَاضُعًا أَوْ نَهَى عَنْهُ قَبْلَ عِلْمِهِ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَلِهَذَا لَمَّا عَلِمَ قَالَ أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَتَبِعَ كَأَصْلِهِ وَغَيْرِهِ الْخَبَرَ فِي التَّعْبِيرِ بِسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ سَيِّدُ آدَمَ وَوَلَدِهِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ كَمَا مَرَّ.
(وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَمَّا خَبَرُ «فَإِذَا مُوسَى مُتَعَلِّقٌ بِقَائِمَةِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صُعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ» فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ (وَ) أَوَّلُ (مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ وَأَوَّلُ شَافِعٍ
[حاشية الرملي الكبير]
لِكَمَالِهِنَّ وَفَضْلِهِنَّ كَمَا جُعِلَ حَدُّ الْحُرِّ مِثْلَا حَدِّ الْعَبْدِ قَالَهُ فِي الْبَيَانِ قَالَ النَّاشِرِيُّ: وَعَلَى ذِكْرِك أَنَّ فُرُشَ الْأَنْبِيَاءِ مَحْفُوظَةٌ عَنْ الْفَاحِشَةِ وَمَا عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا بَعْدَ قِصَّةِ الْإِفْكِ (قَوْلُهُ وَلَا يُقَالُ لِبَنَاتِهِنَّ أَخَوَاتُ الْمُؤْمِنِينَ إلَخْ) لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمَا جَازَ التَّزَوُّجُ بِهِنَّ وَالثَّانِي أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَا تَكُونُ بِالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا طَرِيقُهَا التَّوْقِيفُ وَلَمْ يَرِدْ ر (قَوْلُهُ فَقِيلَ لَهُ فَمَنْ أَفْضَلُ خَدِيجَةُ أَمْ فَاطِمَةُ إلَخْ) وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ لَا أُفَضِّلُ عَلَى بِضْعَةٍ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي خَيْرَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ (قَوْلُهُ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) قِيلَ لَمْ يُرِدْ عَيْنَ الثَّرِيدِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الطَّعَامَ الْمُتَّخَذَ مِنْ اللَّحْمِ وَالثَّرِيدِ مَعًا؛ لِأَنَّ الثَّرِيدَ غَالِبًا لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ لَحْمٍ نِهَايَةٌ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ سُئِلَ السُّبْكِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ الَّذِي نَخْتَارُهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَاخْتَارَ السُّبْكِيُّ أَنَّ مَرْيَمَ أَفْضَلُ مِنْ خَدِيجَةَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَقِيلَ عَائِشَةُ أَفْضَلُ مِنْ خَدِيجَةَ) قَالَ الْمُحَقِّقُونَ كُلُّ مَسْأَلَةٍ إنْ كُلِّفَ فِيهَا بِالْعِلْمِ فَلَا يَجُوزُ الْأَخْذُ فِيهَا بِالظَّنِّ وَإِلَّا جَازَ كَالتَّفَاضُلِ بَيْنَ فَاطِمَةَ وَخَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ (قَوْلُهُ أَوْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ تَأَدُّبًا وَتَوَاضُعًا) أَوْ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْخُصُومَةِ (قَوْلُهُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ) لَا يَتَأَتَّى هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَمَّا يَقَعُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كا (قَوْلُهُ وَأَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ) لَمْ يَتَعَرَّضْ لِأُمَّتِهِ هَلْ هِيَ أَوَّلُ الْأُمَمِ دُخُولًا الْجَنَّةَ وَسُئِلَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ دُخُولِ الْأَنْبِيَاءِ الْجَنَّةَ هَلْ كُلُّ نَبِيٍّ بِأُمَّتِهِ أَوْ الْأَنْبِيَاءُ جَمِيعُهُمْ ثُمَّ أُمَمُهُمْ؟ فَأَجَابَ الظَّاهِرُ
وَ) أَوَّلُ (مُشَفَّعٍ) أَيْ مَنْ تُجَابُ شَفَاعَتُهُ رَوَاهَا مُسْلِمٌ (وَأُمَّتُهُ خَيْرُ الْأُمَمِ) لِآيَةِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: 110] وَشُهَدَاءَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى الْأُمَمِ بِتَبْلِيغِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ رِسَالَتَهُ لِآيَةِ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143] (مَعْصُومَةٌ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ) وَيُحْتَجُّ بِإِجْمَاعِهَا لِخَبَرِ «لَا تَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (وَصُفُوفُهُمْ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَشَرِيعَتُهُ مُؤَبَّدَةٌ وَنَاسِخَةٌ لِغَيْرِهَا) مِنْ الشَّرَائِعِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَقَدْ أَمَرَ بِتَرْكِ شَرَائِعِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ (وَمُعْجِزَتُهُ بَاقِيَةٌ وَهِيَ الْقُرْآنُ) عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَكِتَابُهُ مُعْجِزٌ مَحْفُوظٌ عَنْ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ وَأُقِيمَ بَعْدَهُ حُجَّةً عَلَى النَّاسِ وَمُعْجِزَاتُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ انْقَرَضَتْ فَعُدُولُ الْمُصَنِّفِ عَنْهَا إلَى مَا قَالَهُ الْمُفِيدُ لِحَصْرِ بَقَاءِ مُعْجِزَتِهِ فِي الْقُرْآنِ قَدْ يُقَالُ إنْ أَرَادَ بِهِ الْمُعْجِزَةَ الْكُبْرَى فَمُسَلَّمٌ وَإِلَّا فَمَمْنُوعٌ إذْ لَهُ مُعْجِزَاتٌ أُخَرُ بَاقِيَةٌ كَقَوْلِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ» ، وَقَوْلُهُ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» ، وَقَوْلُهُ: «إنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ» وَمِنْهَا مَا يَظْهَرُ مِنْ كَرَامَاتِ أَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَرَامَاتِ أَوْلِيَاءِ أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ مُعْجِزَاتٌ لَهُ وَهُوَ الْحَقُّ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ مُعْجِزَتَهُ الَّتِي ظَهَرَتْ وَبَقِيَتْ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَمْ تَظْهَرْ بَعْدُ وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَكَانَ سُكُوتُهُ حُجَّةً عَلَى جَوَازِ مَا رَأَى وَلَمْ يُنْكِرْهُ بِخِلَافِ سُكُوتِ غَيْرِهِ.
«وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لَهُ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا وَأُحِلَّتْ لَهُ الْغَنَائِمُ» رَوَاهَا الشَّيْخَانِ إلَّا قَوْلَهُ: «وَتُرَابُهَا طَهُورًا» فَمُسْلِمٌ وَمَعْنَى اخْتِصَاصِهِ بِمَا عَدَا الْأُولَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ وَإِلَّا فَأُمَّتُهُ مُشَارِكَةٌ لَهُ فِيهِ (وَلَمْ يُورَثْ وَتَرِكَتُهُ صَدَقَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) لَا يَخْتَصُّ بِهَا الْوَارِثُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» وَمَعْنَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأُمَمِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ وَإِلَّا فَالْأَنْبِيَاءُ يُشَارِكُونَهُ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَبَرِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: 5] ﴿يَرِثُنِي﴾ [مريم: 6] وَقَوْلُهُ ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: 16] فَالْمُرَادُ الْإِرْثُ فِي النُّبُوَّةِ وَالْعِلْمِ وَالدِّينِ.
(وَأُكْرِمَ بِالشَّفَاعَاتِ الْخَمْسِ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأُولَى: الْعُظْمَى فِي الْفَصْلِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ حِينَ يَفْزَعُونَ إلَيْهِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، الثَّانِيَةُ: فِي إدْخَالِ خَلْقِ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، الثَّالِثَةُ: فِي نَاسٍ اسْتَحَقُّوا دُخُولَ النَّارِ فَلَا يَدْخُلُونَهَا، الرَّابِعَةُ: فِي نَاسٍ دَخَلُوا النَّارَ فَيَخْرُجُونَ، الْخَامِسَةُ: فِي رَفْعِ دَرَجَاتِ نَاسٍ فِي الْجَنَّةِ وَكُلُّهَا ثَبَتَتْ فِي الْأَخْبَارِ (وَخُصَّ) مِنْهَا (بِالْعُظْمَى وَدُخُولِ خَلْقٍ مِنْ أَمَتَهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ) وَهِيَ الثَّانِيَةُ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خُصَّ بِالثَّالِثَةِ وَالْخَامِسَةِ أَيْضًا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إنَّ شَفَاعَتَهُ لِإِخْرَاجِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إيمَانٍ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ السِّرَاجُ بْنُ الْمُلَقِّنِ: وَمِنْ شَفَاعَتِهِ أَنْ يَشْفَعَ لِمَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَمِنْهَا تَخْفِيفُ الْعَذَابِ عَمَّنْ اسْتَحَقَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ كَأَبِي طَالِبٍ وَهَاتَانِ نَبَّهَ عَلَيْهِمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَفِي الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لِلْقَزْوِينِيِّ أَنَّهُ يَشْفَعُ لِجَمَاعَةٍ مِنْ صُلَحَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فَيَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ فِي تَقْصِيرِهِمْ فِي الطَّاعَاتِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَشْفَعُ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ.
(وَأُرْسِلَ إلَى الْكَافَّةِ) مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَرِسَالَةٌ غَيْرِهِ خَاصَّةٌ وَأَمَّا عُمُومُ رِسَالَةِ نُوحٍ بَعْدَ الطُّوفَان فَلِانْحِصَارِ الْبَاقِينَ فِيمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ (وَهُوَ أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ اتِّبَاعًا وَكَانَ لَا يَنَامُ قَلْبُهُ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي خَبَرِ الْإِسْرَاءِ عَنْ أَنَسٍ «وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ» ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُمْ يُشَارِكُونَهُ فِي هَذَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْأَحْدَاثِ: فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ فِي الْوَادِي عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ» وَلَوْ كَانَ غَيْرَ نَائِمِ الْقَلْبِ لَمَا تَرَكَ صَلَاةَ الصُّبْحِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْقَلْبَ يَقْظَانُ يُحِسُّ بِالْحَدَثِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ وَيَشْعُرُ بِهِ الْقَلْبُ وَلَيْسَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَالْفَجْرِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ وَهِيَ نَائِمَةٌ، وَالثَّانِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ بَعْضِ
[حاشية الرملي الكبير]
أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَدْخُلُونَهَا أَوَّلًا وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُهَا نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ أُمَّتَهُ تَدْخُلُ أَوَّلَ الْأُمَمِ قُلْت أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْإِفْرَادِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَنَّ «الْجَنَّةَ حُرِّمَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ حَتَّى أَدْخُلَهَا وَحُرِّمَتْ عَلَى الْأُمَمِ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي» ر (قَوْلُهُ وَتَرِكَتُهُ صَدَقَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ الصَّوَابُ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ عَلَى زَوْجَاتِهِ كَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَقَالَ ابْنُ النَّحْوِيِّ فِي كِتَابِهِ الْخَصَائِصُ هَلْ يَرِثُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا لَكِنْ فِي كِتَابِ مُشْكِلِ الْحَدِيثِ فِي أَوَاخِرِهِ قَالَ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُورَثُ أَنَّهُ لَا يَرِثُ بَعْدَ أَنْ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ وَإِنَّمَا كَانَتْ وِرَاثَةُ أَبَوَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ.
اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ فِي بَابِ الْفَرَائِضِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ مَوْلًى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَلَدًا وَلَا حَمِيمًا فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أُعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ» قَالَ الشَّارِحُ إنَّمَا أَمَرَ أَنْ يُعْطَى رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ تَصَدُّقًا مِنْهُ أَوْ تَرَفُّعًا أَوْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَمَصْرِفُهُ لِمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ وَصَدَقَاتِهِمْ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَمَا لَا يُورَثُ عَنْهُمْ لَا يَرِثُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الْقَلَعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِيضَاحِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ يَرِثُونَ وَلَا يُورَثُونَ، وَقَوْلُهُ قَالَ الْقَلَعِيُّ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ الثَّالِثَةُ فِي نَاسٍ اسْتَحَقُّوا دُخُولَ النَّارِ إلَخْ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ وَيُشْرِكُهُ فِيهَا مَنْ يَشَاءُ اللَّهُ (قَوْلُهُ وَمِنْ شَفَاعَاتِهِ أَنْ يَشْفَعَ لِمَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ إلَخْ) وَأَنْ يَشْفَعَ فِي التَّخْفِيفِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ لِخَبَرِ الْقَبْرَيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ وَمِنْهَا تَخْفِيفُ الْعَذَابِ عَمَّنْ اسْتَحَقَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ إلَخْ) وَجَعَلَ ابْنُ دِحْيَةَ مِنْهُ التَّخْفِيفَ عَنْ أَبِي لَهَبٍ فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ لِسُرُورِهِ بِوِلَادَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِعْتَاقِهِ ثُوَيْبَةَ حِينَ بَشَّرَتْهُ ر (قَوْلُهُ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ لَا الْمَلَائِكَةِ) خِلَافًا لِابْنِ حَزْمٍ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1] وَالْعَالَمُ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى
أَصْحَابِنَا قَالَ كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَوْمَانِ أَحَدُهُمَا يَنَامُ قَلْبُهُ وَعَيْنُهُ وَالثَّانِي عَيْنُهُ دُونَ قَلْبِهِ فَكَانَ نَوْمُ الْوَادِي مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ (وَيَرَى مَنْ خَلْفَهُ) كَمَا يَرَى مَنْ أَمَامَهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِيهِ مُقَيَّدَةٌ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ لِقَوْلِهِ لَا أَعْلَمُ مَا وَرَاءَ جِدَارِي هَذَا، كَذَا قِيلَ فَإِنْ أَرَادَ قَائِلُهُ أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ لِمَفْهُومِهِ فَظَاهِرٌ وَإِلَّا فَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ كَانَ يَرَى مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ وَقِيَاسُ الْجِدَارِ عَلَى جَسَدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسِدٌ كَمَا لَا يَخْفَى لَكِنْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَيْنَانِ مِثْلُ سَمِّ الْخِيَاطِ فَكَانَ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلَا تَحْجُبُهُمَا الثِّيَابُ (وَتَطَوُّعُهُ قَاعِدًا كَقَائِمٍ) أَيْ كَتَطَوُّعِهِ قَائِمًا وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ وَتَطَوُّعُ غَيْرِهِ كَذَلِكَ بِلَا عُذْرٍ عَلَى النِّصْفِ كَمَا مَرَّ رَوَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ (وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ خَاطَبَهُ بِالسَّلَامِ) فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ كَمَا مَرَّ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ.
(وَيَحْرُمُ رَفْعُ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ) لِآيَةِ ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2] قَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ نِسْوَةً كُنَّ يُكَلِّمْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ انْتَهَى وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ احْتِمَالًا فَقَالَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّهْيِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عُلُوَّ الصَّوْتِ كَانَ بِالْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ لَا بِانْفِرَادِ كُلٍّ مِنْهُنَّ قُلْت وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُنَّ النَّهْيُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ رَفْعَهُ عِنْدَ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَ) يَحْرُمُ (نِدَاؤُهُ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ) لِآيَةِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: 4] أَيْ حُجُرَاتِ نِسَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَ) نِدَاؤُهُ (بِاسْمِهِ) كَيَا مُحَمَّدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63] وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّعْظِيمِ بَلْ يُنَادَى بِوَصْفِهِ كَيَا نَبِيَّ اللَّهِ وَأَمَّا خَبَرُ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ جَاءَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُك فَزَعَمَ لَنَا أَنَّك تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَك الْحَدِيثَ فَلَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَيَحْرُمُ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ وَهِيَ أَبُو الْقَاسِمِ وَلَوْ لِغَيْرِ مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي» وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجُوزُ مُطْلَقًا.
(وَالنَّهْيُ عَنْ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ) عَلَى هَذَا (مُخْتَصٌّ بِزَمَنِهِ) لِمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ سَبَبِ النَّهْيِ وَهُوَ أَنَّ الْيَهُودَ تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِهِ وَكَانُوا يُنَادُونَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَإِذَا الْتَفَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا لَمْ نَعْنِك إظْهَارًا لِلْإِيذَاءِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهَذَا أَقْرَبُ الْمَذَاهِبِ بَعْدَ أَنْ حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ مَا قَدَّمْته عَنْهُ وَعَنْ الرَّافِعِيِّ تَرْجِيحُ الْمَنْعِ فِيمَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَضَعَّفَهُ وَمَا قَالَ أَنَّهُ أَقْرَبُ أَخْذًا مِنْ سَبَبِ النَّهْيِ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ بَلْ الْأَقْرَبُ مَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ، وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّهُ الصَّوَابُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ السَّابِقِ وَخَبَرِ «مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِي فَلَا يَكْتَنِي بِكُنْيَتِي وَمَنْ تَكَنَّى بِكُنْيَتِي فَلَا يَتَسَمَّى بِاسْمِي» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ إسْنَادَهُ.
وَأَمَّا تَكْنِيَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَدَهُ مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ بِذَلِكَ فَرُخْصَةٌ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ وَلَدْت غُلَامًا فَسَمَّيْته مُحَمَّدًا وَكَنَّيْته أَبَا الْقَاسِمِ فَذُكِرَ لِي أَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ فَقَالَ مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي» ، فَقَالَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ: يُشْبِهُ إنْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ أَصَحُّ انْتَهَى وَلَا حَاجَةَ فِي جَوَابِهِ هَذَا إلَى مَا عَلَّلَ بِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَنْهَ عَنْ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِهِ مَعَ وُجُودِ الْإِيذَاءِ بِالنِّدَاءِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُنَادَى بِهِ غَالِبًا وَلَوْ نُودِيَ بِهِ لَمْ يَجِبْ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
(وَتَجِبُ إجَابَتُهُ فِي الصَّلَاةِ) عَلَى مَنْ دَعَاهُ وَهُوَ فِيهَا (وَلَا تَبْطُلُ) بِهَا لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ فَكَانَ نَوْمُ الْوَادِي مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ) وَهَذَا بَاطِلٌ بِقَوْلِهِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي إذْ كُلُّ نَوْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ بِعَيْنَيْهِ دُونَ قَلْبِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْأَحْوَالِ ر (قَوْلُهُ قُلْت وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُنَّ النَّهْيُ) لَا يَتَأَتَّى هَذَا الِاحْتِمَالُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْهَهُنَّ وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقِرُّ عَلَى مُنْكَرٍ (قَوْلُهُ وَنِدَاءٌ بِاسْمِهِ) شَمِلَ نِدَاؤُهُ بِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، أَمَّا لَوْ قَالَ يَا مُحَمَّدُ الشَّفَاعَةُ أَوْ الْوَسِيلَةُ أَوْ نَحْوُهَا مِمَّا يَقْتَضِي تَعْظِيمَهُ فَلَا يَحْرُمُ كَمَا يَقْتَضِيهِ التَّعْلِيلُ فَإِنَّهُمْ عَلَّلُوا تَحْرِيمَ نِدَائِهِ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63] وَبِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ تَعْظِيمِهِ وَكُلٌّ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ مُنْتَفٍ فِي مَسْأَلَتِنَا وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا وَقَوْلُهُ الْمَذْكُورُ يَقْتَضِي زِيَادَةَ تَعْظِيمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ فِي بَابِ صَلَاةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدٌ أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي إلَى آخِرِهِ.
(قَوْلُهُ وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّعْظِيمِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ آنِفًا وَعَلَى هَذَا فَلَا يُنَادَى بِكُنْيَتِهِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ أَنْ يَسْلَمَ قَائِلُهُ أَوْ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ النِّدَاءَ بِالْكُنْيَةِ لَا تَعْظِيمَ فِيهِ مَمْنُوعٌ إذْ التَّكْنِيَةُ تَعْظِيمٌ بِالِاتِّفَاقِ وَلِهَذَا اُحْتِيجَ إلَى الْجَوَابِ عَنْ حِكْمَةِ تَكْنِيَةِ عَبْدِ الْعُزَّى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1] مَعَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْكُنْيَةَ؛ لِأَنَّهَا تَعْظِيمٌ فَالْأَوْجَهُ جَوَازُ نِدَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكُنْيَتِهِ وَإِنْ كَانَ نِدَاؤُهُ بِوَصْفِهِ أَعْظَمَ ش وَأَمَّا مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ عَنْ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَإِذَا الْتَفَتَ قَالُوا لَمْ نَعْنِك فَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ دَلَالَتِهِ عَلَى نِدَائِهِ بِكُنْيَتِهِ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ اطَّلَعَ عَلَى السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ نُزُولَ آيَةِ النُّورِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نُزُولَ سُورَةِ النُّورِ كَانَ بَعْدَ غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ سَنَةَ سِتٍّ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَذَلَّ اللَّهُ الْيَهُودَ وَأَرَاحَ مِنْهُمْ الْمَدِينَةَ ش وَقَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَعَلَى هَذَا فَلَا يُنَادَى بِكُنْيَتِهِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ) هَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي يُرَدُّ بِمِثْلِ مَا مَرَّ (قَوْلُهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيَحْرُمُ التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَتَجِبُ إجَابَتُهُ فِي الصَّلَاةِ إلَخْ) أَمَّا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا تَجِبُ إجَابَتُهُمْ
لَمَّا نَادَى أَبَا سَعِيدِ بْنَ الْمُعَلَّى فَلَمْ يُجِبْهُ لِكَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ لَهُ: مَا مَنَعَك أَنْ تَسْتَجِيبَ وَقَدْ سَمِعْت قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24] » وَشَمِلَ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ الْإِجَابَةَ بِالْفِعْلِ وَإِنْ كَثُرَ فَتَجِبُ وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَهُوَ الْمُتَّجَهُ.
(وَكَانَ يُتَبَرَّكُ وَيُسْتَشْفَى بِبَوْلِهِ وَدَمِهِ) رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ «أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ شَرِبَتْ بَوْلَهُ فَقَالَ إذًا لَا تَلِجُ النَّارُ بَطْنَك» لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ «أَنَّ غُلَامًا حَجَمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حِجَامَتِهِ شَرِبَ دَمَهُ فَقَالَ وَيْحَك مَا صَنَعْت بِالدَّمِ قَالَ غَيَّبْته فِي بَطْنِي قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ أَحْرَزْت نَفْسَك مِنْ النَّارِ» ، قَالَ شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ آنِفًا: وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ مَا صَنَعَهُ الْمَلَكَانِ مِنْ غَسْلِهِمَا جَوْفَهُ (وَمَنْ زَنَى بِحَضْرَتِهِ أَوْ اسْتَخَفَّ بِهِ كَفَرَ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَفِي الزِّنَا نَظَرٌ (وَأَوْلَادُ بَنَاتِهِ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ) فِي الْكَفَاءَةِ وَغَيْرِهَا بِخِلَافِ أَوْلَادِ بَنَاتِ غَيْرِهِ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» وَقَوْلُهُ حِينَ بَالَ عَلَيْهِ وَهُوَ صَغِيرٌ «لَا تَزْرِمُوا ابْنِي هَذَا» قَالَ فِي الْأَصْلِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا سَبَبِي وَنَسَبِي» قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ أُمَّتَهُ يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأُمَمَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِمْ، وَقِيلَ: يُنْتَفَعُ يَوْمَئِذٍ بِالِانْتِسَابِ إلَيْهِ وَلَا يُنْتَفَعُ بِسَائِرِ الْأَنْسَابِ.
(وَتَحِلُّ لَهُ الْهَدِيَّةُ) مُطْلَقًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُ دُونَهُمْ (وَأُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ) وَمِنْهُ الْقُرْآنُ، وَأُوتِيَ الْآيَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ (وَكَانَ يُؤْخَذُ عَنْ نَفْسِهِ) عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ عَنْ الدُّنْيَا (عِنْدَ) تَلَقِّي (الْوَحْيِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَفَاتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَانِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَقَضَاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ثُمَّ وَاظَبَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْأَصَحِّ (وَلَا يَجُوزُ الْجُنُونُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ) يَجُوزُ عَلَيْهِمْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فِي لَحْظَةٍ أَوْ لَحْظَتَيْنِ قَالَهُ الْقَاضِي عَنْ الدَّارَكِيِّ (وَلَا) يَجُوزُ (الِاحْتِلَامُ) عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ (وَرُؤْيَتُهُ فِي النَّوْمِ حَقٌّ) فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِهِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَلَا يُعْمَلُ بِهَا) فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ (لِعَدَمِ ضَبْطِ النَّائِمِ) لَا لِلشَّكِّ فِي رُؤْيَتِهِ.
(وَلَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ) لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ فِيهِ (وَالْكَذِبُ عَلَيْهِ عَمْدًا كَبِيرَةٌ) لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ إنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَلَا يَكْفُرُ فَاعِلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَخَصَائِصُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذَكَرَهُ فَمِنْهَا مَا قَدَّمْته وَمِنْهَا أَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ نَبَعَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ -
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ فَيَجِبُ وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَأَوْلَادُ بَنَاتِهِ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ) سُئِلَ ابْنُ ظَهِيرَةَ عَنْ أَوْلَادِ بَنَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ فَاطِمَةَ هَلْ لَهُمْ رُتْبَةُ الشَّرَفِ وَهَلْ يَكُونُونَ وَأَوْلَادَ فَاطِمَةَ سَوَاءً فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الشَّرَفَ إنَّمَا هُوَ فِي وَلَدِ فَاطِمَةَ دُونَ سَائِرِ بَنَاتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُنَّ عَقَبٌ إلَّا فَاطِمَةُ وَالشَّرَفُ مُخْتَصٌّ بِأَوْلَادِهَا الذُّكُورِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَمُحْسِنٍ فَأَمَّا مُحْسِنٌ فَمَاتَ صَغِيرًا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْعَقَبُ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَإِنَّمَا اخْتَصَّا بِالشَّرَفِ هُمَا وَذُرِّيَّتُهُمَا لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا كَوْنُ أُمِّهِمَا أَفْضَلُ بَنَاتِهِ وَكَوْنُهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِ وَسَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّهَا بِضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا وَكَوْنُهَا أَشْبَهَ بَنَاتِهِ بِهِ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ حَتَّى فِي الْجَنَّةِ، وَمِنْهَا إكْرَامُهُ لَهَا حَتَّى أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ إلَيْهِ قَامَ لَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ لِسِرٍّ أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِيهَا وَمِنْهَا كَوْنُهُمَا شَارَكَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَسَبِهِ فَإِنَّهُمَا هَاشِمِيَّانِ وَمَحَبَّتُهُ لَهُمَا وَكَوْنُهُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
(قَوْلُهُ قَالَهُ الْقَاضِي عَنْ الدَّارَكِيِّ) وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ إنَّهُ بَاطِلٌ (قَوْلُهُ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ نَبَعَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ إلَخْ) وَمِنْهَا كُلُّ مَوْضِعٍ صَلَّى فِيهِ وَضَبَطَ مَوْقِفَهُ فَهُوَ نَصٌّ بِمَعْنَى لَا يَجْتَهِدُ فِيهِ بِتَيَامُنٍ وَلَا تَيَاسُرٍ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْمَحَارِيبِ، وَمِنْهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ عُرِضَ عَلَيْهِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ مِنْ آدَمَ إلَى مَنْ بَعْدَهُ كَمَا عَلَّمَ آدَمَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ ذَكَرَهُ الْإسْفَرايِينِيّ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَهُ فِي الذَّخَائِرِ وَمِنْهَا كَانَ لَا يَتَثَاءَبُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ مُرْسَلًا وَفِي كِتَابِ الْأَدَبِ تَعْلِيقًا، وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَا تَثَاءَبَ نَبِيٌّ قَطُّ وَأَنَّهَا مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَمِنْهَا سُئِلَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ عَمَّا كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَبْتَلِعُهُ الْأَرْضُ فَقَالَ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ غَرِيبٍ وَالظَّاهِرُ مُؤَيِّدُهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ رَآهُ وَلَا ذَكَرَهُ أَمَّا الْبَوْلُ فَقَدْ شَاهَدَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَشَرِبَتْهُ أُمُّ أَيْمَنَ، وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ حَكَمَ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ حَرَجٌ مِنْ حُكْمِهِ كَفَرَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ ذَكَرَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ ر.
وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَإِنَّمَا صَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِ إرْسَالًا الرِّجَالُ حَتَّى إذَا فَرَغُوا دَخَلَ النِّسَاءُ حَتَّى إذَا فَرَغْنَ دَخَلَ الصِّبْيَانُ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَوْصَى بِالصَّلَاةِ فُرَادَى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مُسْنَدًا وَالتِّرْمِذِيُّ وَمِنْ خَصَائِصِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِهِ ذَكَرَهُ الْقُضَاعِيُّ كَمَا قَالَهُ ابْنُ النَّحْوِيِّ فِي خَصَائِصِهِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ هَلْ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ لَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ عَلَى صُوَرِهِمْ أَوْ هَذَا خَاصٌّ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ قَطْعًا وَلَا عَلَى الْعُمُومِ قَطْعًا وَلَا هَذِهِ الْأُمُورُ مِمَّا تُؤْخَذُ بِالْقِيَاسِ وَلَا بِالْعَقْلِ، وَمَا عُلِمَ مِنْ عُلُوِّ مَكَانَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْعِنَايَةَ تَعُمُّهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ عُصِمُوا مِنْ تَعَرُّضِ الشَّيْطَانِ وَحِزْبِهِ فَأَشْعَرَ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِصُوَرِهِمْ، وَقَالَ فِي كِتَابِ آكَامِ الْمَرْجَانِ فِي أَحْكَامِ الْجَانِّ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ عَلَى صُورَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَحْرَى أَنْ لَا يَتَمَثَّلَ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَجْدَرُ أَنْ تَكُونَ رُؤْيَاهُ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ حَقًّا وَأَنْ تَكُونَ تَخْلِيطًا مِنْ الشَّيْطَانِ هَذَا عَلَى قَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ طَائِفَةٍ أُخْرَى مِنْ الْعُلَمَاءِ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْعِصْمَةَ مِنْ تَصَوُّرِ الشَّيْطَانِ وَتَمْثِيلِهِ إنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ بَشَرٌ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّصَوُّرُ يَصْرِفُ اللَّهُ الشَّيْطَانَ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِهِ لِئَلَّا يَخْلِطَ رُؤْيَاهُ بِالرُّؤْيَا الْكَاذِبَةِ
وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ بَعْدَ الْأَمَانِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ لَكِنْ غَلَّطُوهُ فِيهِ وَأَنَّهُ صَلَّى بِالْأَنْبِيَاءِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ لِيَظْهَرَ أَنَّهُ إمَامُ الْكُلِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكَانَ أَبْيَضَ الْإِبْطِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ لِلشَّعْرِ وَكَانَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ إذْ لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ يَسْتَدْرِكُ خَطَأَهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَبْلُغُهُ سَلَامُ النَّاسِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ بِالْأَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَانَ إذَا مَشَى فِي الشَّمْسِ أَوْ الْقَمَرِ لَا يَظْهَرُ لَهُ ظِلٌّ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَجِهَاتِهِ نُورًا وَخَتَمَ بِقَوْلِهِ وَاجْعَلْنِي نُورًا وَلَا يَقَعُ مِنْهُ الْإِيلَاءُ وَلَا الظِّهَارُ؛ لِأَنَّهُمَا حَرَامَانَ وَهُوَ مَعْصُومٌ وَيَسْتَحِيلُ اللِّعَانُ فِي حَقِّهِ وَنَقَلَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الذُّبَابُ وَلَا يَمْتَصُّ دَمَهُ الْبَعُوضُ (وَذِكْرُ الْخَصَائِصِ مُسْتَحَبٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ بَلْ لَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ لِئَلَّا يَرَى جَاهِلٌ بَعْضَ الْخَصَائِصِ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ فَيَعْمَلُ بِهِ أَخْذًا بِأَصْلِ التَّأَسِّي فَوَجَبَ بَيَانُهَا لِتُعْرَفَ فَأَيُّ فَائِدَةٍ أَهَمُّ مِنْ هَذِهِ فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ مَنَعَ الْكَلَامَ فِيهَا مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ أَمْرٌ انْقَضَى فَلَا مَعْنَى لِلْكَلَامِ فِيهَا
(الْبَابُ الثَّانِي فِي مُقَدَّمَاتِ النِّكَاحِ) (وَهُوَ لِلتَّائِقِ) أَيْ الْمُحْتَاجِ لَهُ وَلَوْ خَصِيًّا (الْقَادِرِ) عَلَى مُؤَنِهِ مِنْ الْمَهْرِ وَكِسْوَةِ فَصْلِ التَّمْكِينِ وَنَفَقَةِ يَوْمِهِ (أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ) وَإِنْ كَانَ مُتَعَبِّدًا تَحْصِينًا لِلدِّينِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ بَقَاءِ النَّسْلِ وَحِفْظِ النَّسَبِ وَالِاسْتِعَانَةِ عَلَى الْمَصَالِحِ، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» بِالْمَدِّ أَيْ قَاطِعٌ لِلشَّهْوَةِ.
وَالْبَاءَةُ بِالْمَدِّ لُغَةً: الْجِمَاعُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا ذَلِكَ، وَقِيلَ: مُؤَنُ النِّكَاحِ، وَالْقَائِلُ بِالْأَوَّلِ رَدَّهُ إلَى مَعْنَى الثَّانِي إذْ التَّقْدِيرُ عِنْدَهُ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْجِمَاعَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنِ النِّكَاحِ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْهُ لِعَجْزِهِ عَنْهَا فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْجِمَاعَ لِعَدَمِ شَهْوَتِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الصَّوْمِ لِدَفْعِهَا وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] إذْ الْوَاجِبُ لَا يُعَلَّقُ بِالِاسْتِطَابَةِ وَلِقَوْلِهِ ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3] وَلَا يَجِبُ الْعَدَدُ بِالْإِجْمَاعِ وَلِقَوْلِهِ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] .
(وَالْعَاجِزُ) عَنْ مُؤَنِهِ (يَصُومُ) أَيْ الْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ النِّكَاحَ وَيَكْسِرَ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ وَالْأَمْرُ فِيهِ لِلْإِرْشَادِ وَبَالَغَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَقَالَ يُكْرَهُ لَهُ النِّكَاحُ (فَإِنْ لَمْ تَنْكَسِرْ شَهْوَتُهُ إلَّا بِكَافُورٍ وَنَحْوِهِ تَزَوَّجَ) وَلَا يَكْسِرُهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الِاخْتِصَاءِ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ: يُكْرَهُ أَنْ يَحْتَالَ لِقَطْعِ شَهْوَتِهِ (وَالْقَادِرُ) عَلَى مُؤَنِهِ (غَيْرُ التَّائِقِ) وَلَا عِلَّةَ بِهِ (إنْ تَخَلَّى لِلْعِبَادَةِ فَهُوَ) أَيْ التَّخَلِّي لَهَا (أَفْضَلُ) مِنْ النِّكَاحِ إنْ كَانَ مُتَعَبِّدًا اهْتِمَامًا بِهَا (وَإِلَّا فَالنِّكَاحُ) أَفْضَلُ لَهُ مِنْ تَرْكِهِ لِئَلَّا تُفْضِيَ بِهِ الْبِطَالَةُ إلَى الْفَوَاحِشِ
(وَيُكْرَهُ نِكَاحُ عِنِّينٍ) وَفِي نُسْخَةٍ وَيُكْرَهُ لِنَحْوِ عِنِّينٍ (وَمَمْسُوحٍ وَزَمِنٍ) وَلَوْ وَاجِدَيْنِ مُؤَنَهُ (وَ) نِكَاحُ (عَاجِزٍ) عَنْ مُؤَنِهِ (غَيْرِ تَائِقٍ) لَهُ لِانْتِفَاءِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ مَعَ الْتِزَامِ الْعَاجِزِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَخَطَرِ الْقِيَامِ بِوَاجِبِهِ فِيمَنْ عَدَاهُ وَنَصَّ فِي الْأُمِّ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ التَّائِقَةَ يُنْدَبُ لَهَا النِّكَاحُ وَفِي مَعْنَاهَا الْمُحْتَاجَةُ إلَى النَّفَقَةِ وَالْخَائِفَةِ مِنْ
[حاشية الرملي الكبير]
[الْبَابُ الثَّانِي فِي مُقَدَّمَاتِ النِّكَاحِ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي مُقَدِّمَاتِ النِّكَاحِ) (قَوْلُهُ وَهُوَ لِلتَّائِقِ الْقَادِرِ إلَخْ) قَدْ لَا يُسْتَحَبُّ النِّكَاحُ لِلْقَادِرِ التَّائِقِ لِعَارِضٍ بِأَنْ كَانَ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ فِيهَا لِخَوْفِ الْكُفْرِ وَالِاسْتِرْقَاقِ عَلَى وَلَدِهِ بِأَنْ تُسْتَرَقَّ الزَّوْجَةُ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ وَلَا تُصَدَّقَ فِي أَنَّ حَمْلَهَا مِنْ مُسْلِمٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَعَلَى كَرَاهَةِ التَّسَرِّي وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ فِي مَوَانِعِ النِّكَاحِ يُكْرَهُ نِكَاحُ الْحَرْبِيَّةِ وَتَعْلِيلُهُمْ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ وَالْبَاءُ بِالْمَدِّ لُغَةً الْجِمَاعُ إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الْبَاءَةُ بِالْمَدِّ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمُؤَنِ وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْأُهْبَةِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ رِوَايَةُ النَّسَائِيّ «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ذَا طَوْلٍ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ» وَأَمَّا الْبَاءُ بِالْقَصْرِ فَهِيَ الْوَطْءُ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ إلَخْ) يَجِبُ النِّكَاحُ إذَا خَافَ مِنْ الزِّنَا ذَكَرَهُ الْجُوَيْنِيُّ وَكَذَا لَوْ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ تُوجِبُ هَلَاكَهُ لَوْ لَمْ يَطَأْ بِقَوْلِ طَبِيبَيْنِ مَقْبُولَيْنِ وَلَا يَمْلِكُ مَا يَتَسَرَّى بِهِ وَوَجَدَ طَوْلَ حُرَّةٍ، وَقَوْلُهُ ذَكَرَهُ الْجُوَيْنِيُّ أَشَارَ شَيْخُنَا إلَى تَصْحِيحِهِ وَكُتِبَ عَلَيْهِ أَيْ وَتَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِهِ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ الْعَدَدُ بِالْإِجْمَاعِ) ذَكَرَ بَعْضُهُمْ صُورَةً يَجِبُ فِيهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ تَحْتَهُ امْرَأَتَانِ فَظَلَمَ وَاحِدَةً بِتَرْكِ الْقَسْمِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُوَفِّيَهَا حَقَّهَا مِنْ نَوْبَةِ الضَّرَّةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا لِيُوَفِّيَهَا حَقَّهَا مِنْ نَوْبَةِ الْمَظْلُومِ بِسَبَبِهَا وَعَلَى هَذَا فَلَهَا رَفْعُهُ إلَى الْحَاكِمِ وَدَعْوَاهَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَعَلَى الْحَاكِمِ أَمْرُهُ بِتَوْفِيَةِ حَقِّهَا بِنَظِيرِ مَا ظَلَمَ بِهِ فَإِنْ امْتَنَعَ عَزَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَلِقَوْلِهِ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) فَخُيِّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّسَرِّي وَالتَّسَرِّي لَا يَجِبُ إجْمَاعًا فَكَذَا مَا عُطِفَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَلَا يَكْسِرُهَا بِذَلِكَ) فُهِمَ مِنْهُ جَمْعُ تَحْرِيمِ الْكَافُورِ وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَغَيْرُهُ وَجَمَعَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِأَنَّ الْجَوَازَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّدَاوِي بِأَدْوِيَةٍ لَا تَقْطَعُ النِّكَاحَ مُطْلَقًا بَلْ تُفَتِّرُ الشَّهْوَةَ فِي الْحَالِ وَلَوْ أَرَادَ إعَادَتَهَا بِاسْتِعْمَالِ ضِدّ تِلْكَ الْأَدْوِيَةِ لَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ وَالْمَنْعُ عَلَى الْقَاطِعِ لَهُ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ إنْ تَخَلَّى لِلْعِبَادَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ انْقَطَعَ بِسَبَبِ النِّكَاحِ عَنْ الْعِبَادَةِ فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهَا فَالنِّكَاحُ مُسْتَحَبٌّ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ ر فِي مَعْنَى التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ (قَوْلُهُ كَيْ لَا تُفْضِيَ بِهِ الْبِطَالَةُ) بِكَسْرِ الْبَاءِ
(قَوْلُهُ وَنَصَّ فِي الْأُمِّ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ التَّائِقَةَ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ النِّسْوَةُ أَصْنَافٌ: صِنْفٌ يَتُوقُ إلَى النِّكَاحِ فَهَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ بِلَا شَكٍّ فَإِنْ خَافَتْ الْعَنَتَ جَاءَ فِيهَا وَجْهٌ بِوُجُوبِ النِّكَاحِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَصِنْفٌ لَا يَتُوقُ إلَيْهِ وَيَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ وَلَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إلَى النَّفَقَةِ وَالْمُتَّجَهُ فِيهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَعَبِّدًا فَالتَّرْكُ أَوْلَى وَإِلَّا فَالنِّكَاحُ أَفْضَلُ كَمَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ، وَصِنْفٌ غَيْرُ تَائِقٍ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى النَّفَقَةِ وَلَا يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ فَيَحْتَمِلُ الِاسْتِحْبَابَ لِحَاجَةِ النَّفَقَةِ وَالْمَنْعَ لِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ فَإِذَا تَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي قُدِّمَ الْمَانِعُ وَصِنْفٌ غَيْرُ تَائِقٍ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى النَّفَقَةِ وَيَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ فَلَا يُتَّجَهُ فِيهِ غَيْرُ الِاسْتِحْبَابِ وَصِنْفٌ بِهِ رَتْقٌ
اقْتِحَامِ الْفَجَرَةِ يُوَافِقُهُ مَا فِي التَّنْبِيهِ مِنْ أَنَّ مَنْ جَازَ لَهَا النِّكَاحُ إنْ كَانَتْ مُحْتَاجَةً إلَيْهِ اُسْتُحِبَّ لَهَا النِّكَاحُ وَإِلَّا كُرِهَ فَمَا قِيلَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا ذَلِكَ.
مُطْلَقًا لَيْسَ بِشَيْءٍ
(فَصْلُ الْبِكْرِ) أَيْ نِكَاحُهَا (أَوْلَى) مِنْ نِكَاحِ الثَّيِّبِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ «هَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ خَبَرَ «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا» أَيْ أَلْيَنُ كَلَامًا وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا أَيْ أَكْثَرُ أَوْلَادًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ (إلَّا لِعُذْرٍ) كَضَعْفِ آلَتِهِ عَنْ الِافْتِضَاضِ أَوْ احْتِيَاجِهِ لِمَنْ يَقُومُ عَلَى عِيَالِهِ فَلَا يَكُونُ نِكَاحُ الْبِكْرُ أَوْلَى وَمِنْهُ مَا اتَّفَقَ لِجَابِرٍ فَإِنَّهُ «لَمَّا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا تَقَدَّمَ اعْتَذَرَ لَهُ فَقَالَ إنَّ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ فَكَرِهْت أَنْ أَجْمَعَ إلَيْهِنَّ جَارِيَةً خَرْقَاءَ مِثْلَهُنَّ وَلَكِنْ امْرَأَةٌ تَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَبْت» قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ وَكَمَا يُسْتَحَبُّ نِكَاحُ الْبِكْرِ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ إلَّا مِنْ بِكْرٍ لَمْ يَتَزَوَّجْ قَطُّ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ جُبِلَتْ عَلَى الْإِينَاسِ بِأَوَّلِ مَأْلُوفٍ.
(وَيُسْتَحَبُّ وَلُودٌ) وَدُودٌ لِخَبَرِ «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ وَيُعْرَفُ كَوْنُ الْبِكْرِ وَلُودًا وَدُودًا بِأَقَارِبِهَا (نَسِيبَةٌ) لِخَبَرِ «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ بَلْ يُكْرَهُ نِكَاحُ بِنْتِ الزِّنَا وَبِنْتِ الْفَاسِقِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمَا اللَّقِيطَةُ وَمَنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهَا (دَيِّنَةٌ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِحُسْنِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» أَيْ افْتَقَرْتَ إنْ خَالَفْت مَا أَمَرْتُك بِهِ (جَمِيلَةٌ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ وَلِخَبَرِ الْحَاكِمِ «خَيْرُ النِّسَاءِ مَنْ تَسَرُّ إذَا نَظَرْت وَتُطِيعُ إذَا أَمَرْت وَلَا تُخَالِفُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا» قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَكِنَّهُمْ كَرِهُوا ذَاتَ الْجَمَالِ الْبَارِعِ فَإِنَّهَا تَزْهُو بِجَمَالِهَا.
(وَكَذَا بَالِغَةٌ) كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ (إلَّا لِحَاجَةٍ) كَأَنْ لَا يُعِفُّهُ إلَّا غَيْرُهَا (أَوْ مَصْلَحَةٍ) كَتَزَوُّجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ (عَاقِلَةٌ) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَيُتَّجَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَقْلِ هُنَا الْعَقْلُ الْعُرْفِيُّ وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى مَنَاطِ التَّكْلِيفِ انْتَهَى وَالْمُتَّجَهُ أَنْ يُرَادَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ (قَرَابَةٌ غَيْرُ قَرِيبَةٍ) لِضَعْفِ الشَّهْوَةِ فِي الْقَرِيبَةِ فَيَجِيءُ الْوَلَدُ نَحِيفًا قَالَ الزَّنْجَانِيُّ وَلِأَنَّ مِنْ مَقَاصِدِ النِّكَاحِ اشْتِبَاكُ الْقَبَائِلِ لِأَجْلِ التَّعَاضُدِ وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي نِكَاحِ الْقَرِيبَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ كَالرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْقَرِيبَةِ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَكِنْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَالْبَيَانِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ عَشِيرَتِهِ، وَلَا يَشْكُلُ مَا ذُكِرَ بِتَزَوُّجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْنَبَ مَعَ أَنَّهَا بِنْتُ عَمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بَيَانًا لِلْجَوَازِ، وَلَا بِتَزَوُّجِ عَلِيٍّ فَاطِمَةَ؛ لِأَنَّهَا بَعِيدَةٌ فِي الْجُمْلَةِ إذْ هِيَ بِنْتُ ابْنِ عَمِّهِ لَا بِنْتُ عَمِّهِ (لَا ذَاتُ وَلَدٍ لِغَيْرِهِ) فَلَا يُسْتَحَبُّ تَزَوُّجُهَا (إلَّا لِمَصْلَحَةٍ) كَمَا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ سَلَمَةَ وَمَعَهَا وَلَدُ أَبِي سَلَمَةَ لِلْمَصْلَحَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا مُطَلِّقٌ يَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا، وَأَنْ لَا تَكُونَ شَقْرَاءَ فَقَدْ أَمَرَ الشَّافِعِيُّ الرَّبِيعَ أَنْ يَرُدَّ الْغُلَامَ الْأَشْقَرَ الَّذِي اشْتَرَاهُ لَهُ وَقَالَ مَا لَقِيت مِنْ أَشْقَرَ خَيْرًا وَأَنْ تَكُونَ خَفِيفَةَ الْمَهْرِ وَأَنْ تَكُونَ ذَاتَ خُلُقٍ حَسَنٍ.
(وَأَنْ يَكْتَفِيَ بِوَاحِدَةٍ) أَيْ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَيُقَاسُ بِالزَّوْجَةِ فِي هَذَا السُّرِّيَّةُ (وَ) أَنْ (يَتَزَوَّجَ فِي شَوَّالٍ) وَأَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَوَّالٍ وَدَخَلَ بِي فِي شَوَّالٍ وَأَيُّ نِسَائِهِ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْقِدَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ يَكُونَ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَأَنْ يَكُونَ أَوَّلَ النَّهَارِ لِخَبَرِ «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»
(وَ) أَنْ (يَنْظُرَ كُلٌّ) مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (مِنْ الْآخَرِ قَبْلَ الْخِطْبَةِ) وَبَعْدَ عَزْمِهِ عَلَى نِكَاحِهِ (غَيْرَ الْعَوْرَةِ) الْمُقَرَّرَةِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ فَيَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ الْحُرَّةِ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ وَمِنْ الْأَمَةِ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَقَالَ إنَّهُ مَفْهُومُ كَلَامِهِمْ وَهُمَا يَنْظُرَانِهِ مِنْهُ
[حاشية الرملي الكبير]
أَوْ قَرَنٌ فَلَا يُتَّجَهُ فِيهِ سِوَى الْكَرَاهَةِ كَالْعِنِّينِ وَالْمَجْبُوبِ فَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ الْمُوَافِقُ لِأُصُولِ الْمَذْهَبِ.
اهـ.
[فَصْلُ الْبِكْرِ نِكَاحُهَا أَوْلَى مِنْ نِكَاحِ الثَّيِّبِ]
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ الْبِكْرُ أَوْلَى) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ يَنْبَغِي فِيمَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِلَا وَطْءٍ أَوْ خُلِقَتْ بِلَا بَكَارَةٍ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي اسْتِنْطَاقِهَا وَقَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ نَسِيبَةٌ) أَيْ طَيِّبَةُ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمَا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَيْ افْتَقَرَتَا إلَخْ) وَقِيلَ اسْتَغْنَتَا وَقِيلَ اسْتَوَتَا (قَوْلُهُ وَكَذَا بَالِغَةٌ إلَّا لِحَاجَةٍ إلَخْ) وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُزَوِّجَهَا إلَّا مِنْ بَالِغٍ (قَوْلُهُ عَامِلَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ تَدُومُ مَعَهُ الصُّحْبَةُ وَيَطِيبُ الْعَيْشُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَدْرُ الزَّائِدُ عَلَى التَّكْلِيفِ (قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَيُتَّجَهُ أَنْ يُرَادَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لَا ذَاتُ وَلَدٍ لِغَيْرِهِ) أَوْرَدَ الْقَاضِي وَالْمَاوَرْدِيُّ خَبَرًا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ لَا تَتَزَوَّجْ خَمْسًا لَا شَهْبَرَةَ وَلَا لَهْبَرَةَ وَلَا نَهْبَرَةَ وَلَا هَنْدَرَةَ وَلَا لَقُوتًا» فَالْأُولَى الزَّرْقَاءُ الْبَذِيَّةُ وَالثَّانِيَةُ الطَّوِيلَةُ الْمَهْزُولَةُ وَالثَّالِثَةُ الْعَجُوزَةُ الْمُدْبِرَةُ وَالرَّابِعَةُ الْقَصِيرَةُ الذَّمِيمَةُ وَالْخَامِسَةُ ذَاتُ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِك وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّهُ يُكْرَهُ نِكَاحُ الْحَنَّانَةُ وَالْأَنَّانَةُ وَالْحَدَّاقَةُ وَالْبَرَّاقَةُ وَالشَّدَّاقَةُ وَالْمِمْرَاضَةُ (قَوْلُهُ يَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا) أَوْ تَرْغَبُ فِيهِ (قَوْلُهُ أَيْ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ) ثُمَّ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَتْ الَّتِي تَحْتَهُ وَلُودًا فَإِنْ كَانَتْ عَقِيمًا فَنَكَحَ أُخْرَى لِطَلَبِ الْوَلَدِ اُتُّجِهَ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ ت وَجَزَمَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ اُتُّجِهَ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ وَمِنْ الْأَمَةِ) أَيْ وَالْمُبَعَّضَةِ وَقَوْلُهُ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَقَالَ أَنَّهُ مَفْهُومُ كَلَامِهِمْ) بَلْ قَدْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَحْرِ حَيْثُ قَالَ وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ لِلْأَمَةِ لِلتَّسَرِّي أَوْ التَّزَوُّجِ فَلَهُ النَّظَرُ إلَى الرَّأْسِ وَالذِّرَاعَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَةِ وَفِيمَا بَيْنَهُمَا وَجْهَانِ.
اهـ. (قَوْلُهُ وَهُمَا يَنْظُرَانِهِ مِنْهُ) قَالَ شَيْخُنَا بَلْ يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَنْظُرَا مِنْ الرَّجُلِ مَا عَدَا مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ عِنْدَ خِطْبَتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا النَّظَرَ مَنُوطًا بِعَوْرَةِ الصَّلَاةِ فَقَدْ قَالَ فِي الْعُبَابِ يُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ
وَالنَّوَوِيُّ إنَّمَا حَرَّمَ نَظَرَ ذَلِكَ بِلَا حَاجَةٍ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ وَهِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ هُنَا كَمَا سَيَأْتِي فَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمَا قَالَهُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ غَيْرِهِ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ «بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُغِيرَةِ وَقَدْ خَطَبَ امْرَأَةً اُنْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» أَيْ تَدُومَ الْمَوَدَّةُ وَالْأُلْفَةُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَبِقَوْلِهِ فِي خَبَرِ جَابِرٍ «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ» قَالَ جَابِرٌ فَخَطَبْت جَارِيَةً وَكُنْت أَتَخْبَأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْت مِنْهَا مَا دَعَانِي إلَى نِكَاحِهَا فَتَزَوَّجْتهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ ذَلِكَ قَبْلَ الْخِطْبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْدَهَا لَرُبَّمَا أَعْرَضَ عَنْ مَنْظُورِهِ فَيُؤْذِيهِ وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ بَعْدَ رَغْبَةٍ فِي نِكَاحِهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ إذْ لَا حَاجَةَ إلَى النَّظَرِ قَبْلَهَا وَالْمُرَادُ بِخَطَبَ فِي الْخَبَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ رَغِبَ فِي خِطْبَتِهَا بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ إذَا أَلْقَى فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا وَقَيَّدَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اسْتِحْبَابَ النَّظَرِ بِمَنْ يَرْجُو رَجَاءً ظَاهِرًا أَنَّهُ يُجَابُ إلَى خِطْبَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَلِكُلٍّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْآخَرِ.
(وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ) أَيْ الْآخَرُ اكْتِفَاءً بِإِذْنِ الشَّارِعِ وَلِإِطْلَاقِ الْأَخْبَارِ وَلِئَلَّا يَتَزَيَّنَ فَيَفُوتَ غَرَضُهُ سَوَاءٌ (خَشِيَ فِتْنَةً أَمْ لَا) لِغَرَضِ التَّزَوُّجِ (وَلَهُ تَكْرِيرُهُ) أَيْ النَّظَرِ إلَيْهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ لِتَبَيُّنِ هَيْئَتِهِ فَلَا يَنْدَمُ بَعْدَ نِكَاحِهِ عَلَيْهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِضَبْطِ التَّكْرَارِ وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيرُهُ بِثَلَاثٍ وَفِي خَبَرِ عَائِشَةَ الَّذِي تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ الرُّؤْيَةَ قَبْلَ الْخِطْبَةِ أَرَيْتُك ثَلَاثَ لَيَالٍ (فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ) نَظَرُهُ إلَيْهَا (بَعَثَ امْرَأَةً) أَوْ نَحْوَهَا (تَتَأَمَّلُهَا وَتَصِفُهَا لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَعَثَ أُمَّ سُلَيْمٍ إلَى امْرَأَةٍ وَقَالَ اُنْظُرِي عُرْقُوبَيْهَا وَشُمِّي عَوَارِضَهَا» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ «وَشُمِّي مَعَاطِفَهَا» وَتَقْيِيدُ الْبَعْثِ بِعَدَمِ التَّيَسُّرِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَيْضًا لَكِنَّ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَ الْكَافِي وَالْبَسِيطِ وَغَيْرَهُمْ أَطْلَقُوا ذَلِكَ وَيُؤْخَذُ مِنْ الْخَبَرِ أَنَّ لِلْمَبْعُوثِ أَنْ يَصِفَ لِلْبَاعِثِ زَائِدًا عَلَى مَا يَنْظُرُهُ هُوَ فَيَسْتَفِيدُ بِالْبَعْثِ مَا لَا يَسْتَفِيدُهُ بِنَظَرِهِ (فَإِنْ لَمْ يُعْجِبْهُ سَكَتَ) وَلَا يَقُلْ لَا أُرِيدُهَا؛ لِأَنَّهُ إيذَاءٌ وَحُكْمُ عَدَمِ تَيَسُّرِ نَظَرِهَا إلَيْهِ مَفْهُومٌ مِمَّا قَالَهُ بِالْأَوْلَى وَلَوْ عَبَّرَ بِمَا يَشْمَلُهُمَا كَانَ أَنْسَبَ بِمَا قَبْلَهُ وَخَرَجَ بِالنَّظَرِ الْمَسُّ إذْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ
(فَصْلٌ نَظَرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ) فِيمَا يَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ مِنْ نَفْسِهِ (مِنْ الْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ وَعَكْسِهِ جَائِزٌ) وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الثَّانِيَةِ ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] وَهُوَ مُفَسَّرٌ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ كَمَا مَرَّ وَقِيسَ بِهَا الْأُولَى وَهَذَا مَا فِي الْأَصْلِ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ التَّحْرِيمُ وَوَجَّهَهُ الْإِمَامُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ مِنْ الْخُرُوجِ سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ وَبِأَنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ -
[حاشية الرملي الكبير]
قَبْلَ الْخِطْبَةِ إنْ رَجَا الْإِجَابَةَ رَجَاءً ظَاهِرًا نَظَرُ غَيْرِ عَوْرَةِ الصَّلَاةِ مِنْ الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ (قَوْلُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا لَعَلَّهُ ذَكَرَهُ مَعَ مَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ وَبَعْدَ عَزْمِهِ عَلَى نِكَاحِهِ لِيُبَيِّنَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّغْبَةِ الْعَزْمُ (قَوْلُهُ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ إلَخْ) وَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ «الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اذْهَبْ فَانْظُرْ إلَيْهَا» وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ «الْمُغِيرَةِ قَالَ أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْت لَهُ امْرَأَةً أَخْطُبُهَا فَقَالَ اذْهَبْ فَانْظُرْ إلَيْهَا» (قَوْلُهُ وَقَيَّدَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلِئَلَّا تَتَزَيَّنَ فَيَفُوتَ غَرَضُهُ) وَلِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَنِعُ فَتَحْصُلُ النَّفْرَةُ وَيَفُوتُ الْغَرَضُ أَوْ تَخْجَلُ عِنْدَ نَظَرِهِ فَتَتَغَيَّرُ الْبَشَرَةُ عَنْ صِفَتِهَا الْخُلُقِيَّةِ (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِضَبْطِ التَّكْرَارِ) ضَبْطُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ لِيَتَبَيَّنَ هَيْئَتَهُ (قَوْلُهُ وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيرُهُ بِثَلَاثٍ) هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ بِهَا تَنْدَفِعُ الْحَاجَةُ د (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ بَعَثَ امْرَأَةً إلَخْ) لَوْ كَانَ لِلْمَخْطُوبَةِ أَخٌ أَمْرَدُ أَوْ وَلَدٌ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ رُؤْيَتُهَا وَسَمَاعُ وَصْفِهَا مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ مَحْرَمٍ فَهَلْ لَهُ رُؤْيَةُ وَلَدِهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ حَاجَةً أَوْ لَا لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ إنْ بَلَغَهُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْحُسْنِ جَازَ لَهُ النَّظَرُ وَإِلَّا فَلَا ع، وَقَوْلُهُ وَظَهَرَ لِي إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ أَوْ نَحْوِهَا) مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا س (قَوْلُهُ لَكِنَّ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَ الْكَافِي وَالْبَسِيطِ وَغَيْرَهُمْ أَطْلَقُوا ذَلِكَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ الْخَبَرِ أَنَّ لِلْمَبْعُوثِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَيَسْتَفِيدُ بِالْبَعْثِ مَا لَا يَسْتَفِيدُ بِنَظَرِهِ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَلَا تَصِفُ لَهُ مِنْ بَدَنِهَا إلَّا مَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَأَطْلَقَ بَعْضُ الْمُصَنَّفِينَ كَصَاحِبِ الْحَاوِي أَنَّهُ يَبْعَثُ امْرَأَةً تَتَأَمَّلُهَا وَتَصِفُهَا لَهُ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَصِفُ لَهُ مِنْهَا جَمِيعَ الْبَدَنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا تَصِفُ لَهُ مِنْهَا مَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ حِكَايَةَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الْأَجَانِبِ حَرَامٌ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إلَى الْمَرْأَةِ فَتَنْعَتُهَا لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهَا» وَمِنْ هُنَا حَرُمَ نَظَرُ الذِّمِّيَّةِ إلَى الْمُسْلِمَةِ؛ لِأَنَّهَا تَنْعَتُهَا لِلْكُفَّارِ اهـ حَدِيثُ أُمِّ سُلَيْمٍ يَقْتَضِي جَوَازَ حِكَايَةِ مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَقَوْلُهُ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ إلَخْ كَتَبَ عَلَيْهِ ضَعِيفٌ
[فَصْلٌ نَظَرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ]
(قَوْلُهُ نَظَرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ إلَخْ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ عَوْرَتُهَا مَعَ غَيْرِ الزَّوْجِ كُبْرَى وَصُغْرَى فَالْكُبْرَى مَا عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَالصُّغْرَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَيَجِبُ سَتْرُ الْكُبْرَى فِي الصَّلَاةِ وَكَذَا عَنْ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ وَالْخَنَاثَى وَالصُّغْرَى عَنْ النِّسَاءِ وَإِنْ قَرُبْنَ وَكَذَا عَنْ رِجَالِ الْمَحَارِمِ وَالصِّبْيَانِ وَهَلْ عَوْرَتُهَا مَعَ الشَّيْخِ الْهَرِمِ وَالْمَجْبُوبِ الصُّغْرَى أَوْ الْكُبْرَى وَجْهَانِ قَالَ شَيْخُنَا أَصَحُّهُمَا ثَانِيهِمَا مَعَ زِيَادَةِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ (قَوْلُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ إلَخْ) الْمُرَاهِقَةُ كَالْمُرَاهِقِ فِي حُكْمِهِ الْآتِي (قَوْلُهُ وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ التَّحْرِيمُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَوَجَّهَهُ الْإِمَامُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ إلَخْ) نُقِلَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا هَذَا الِاتِّفَاقَ وَأَقْرَأَهُ وَعَلَّلَ بِهِ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَكَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٍ مَرْدُودٌ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا قَوْلُ الْأَصْحَابِ مَعْنَى كَوْنِ الْمُرَاهِقِ كَالْبَالِغِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمَنْظُورَ إلَيْهَا الِاحْتِجَابُ مِنْهُ كَمَا يَلْزَمُهَا الِاحْتِجَابُ مِنْ الْمَجْنُونِ قَطْعًا وَقَوْلُهُمْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمَةِ كَشْفُ مَا لَا يَبْدُو مِنْهَا عِنْدَ الْمِهْنَةِ
الْفِتْنَةِ وَمُحَرِّكٌ لِلشَّهْوَةِ فَاللَّائِقُ بِمَحَاسِن الشَّرِيعَةِ سَدُّ الْبَابِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ تَفَاصِيلِ الْأَحْوَالِ كَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَصَوَّبَ فِي الْمُهِمَّاتِ الْأَوَّلَ لِكَوْنِ الْأَكْثَرِينَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْمُدْرَكِ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ انْتَهَى وَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ أَيْ مَنْعِ الْوُلَاةِ لَهُنَّ مِمَّا ذُكِرَ لَا يُنَافِي مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُ وَجْهِهَا فِي طَرِيقِهَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ سُنَّةٌ وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهُنَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ لَا؛ لِأَنَّ السَّتْرَ وَاجِبٌ عَلَيْهِنَّ فِي ذَاتِهِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَفِيهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ وَفِي تَرْكِهِ إخْلَالٌ بِالْمُرُوءَةِ (كَالْإِصْغَاءِ) مِنْ الرَّجُلِ (لِصَوْتِهَا) فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ وَصَوْتُهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْأَصْلِ (وَلِتَشَوُّشِهِ) نَدْبًا إذَا أَقْرَعَ بَابَهَا بِأَنْ لَا تُجِيبَ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ بَلْ تُغَلِّظُ صَوْتَهَا (بِوَضْعِ يَدِهَا) عِبَارَةُ الْأَصْلِ بِظَهْرِ كَفِّهَا (عَلَى الْفَمِ) . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالتَّشْوِيشُ التَّخْلِيطُ أَمَّا النَّظَرُ وَالْإِصْغَاءُ لِمَا ذُكِرَ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ أَيْ الدَّاعِي إلَى جِمَاعٍ أَوْ خَلْوَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَحَرَامٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً لِلْإِجْمَاعِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 31] وَقَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] وَأَمَّا نَظَرُ عَائِشَةَ إلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ بِحَضْرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا نَظَرَتْ إلَى وُجُوهِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَإِنَّمَا نَظَرَتْ إلَى لَعِبِهِمْ وَحِرَابِهِمْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَعَمُّدُ النَّظَرِ إلَى الْبَدَنِ، وَإِنْ وَقَعَ بِلَا قَصْدٍ صَرَفَتْهُ فِي الْحَالِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَعَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ وَفِي التَّحْرِيمِ حِينَئِذٍ خِلَافٌ تَقَدَّمَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيُلْتَحَقُ بِالْإِصْغَاءِ لِصَوْتِهَا عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ التَّلَذُّذُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَخَفْهَا
(وَلَوْ نَظَرَ فَرْجَ صَغِيرَةٍ لَا تُشْتَهَى وَغَيْرَ عَوْرَةِ أَمَةٍ) مِنْهَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ (جَازَ) لِتَسَامُحِ النَّاسِ بِنَظَرِ فَرْجِ الصَّغِيرَةِ إلَى بُلُوغِهَا سِنَّ التَّمْيِيزِ وَمَصِيرُهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُهَا سَتْرُ عَوْرَتِهَا عَنْ النَّاسِ وَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِي الْأَمَةِ فَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ حُرْمَةِ نَظَرِ غَيْرِ الْعَوْرَةِ (وَكَرِهَ) ذَلِكَ وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا فِي الْأُولَى مِنْ زِيَادَتِهِ وَمَا ذُكِرَ فِيهِمَا مِنْ الْجَوَازِ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فِي الْأُولَى وَعِنْدَ النَّوَوِيِّ فِي الثَّانِيَةِ فَقَدْ جَزَمَ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ فِي الْأُولَى بِالْحُرْمَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ كَصَاحِبِ الْعُدَّةِ وَغَيْرِهِ اتِّفَاقًا نَعَمْ رَدَّ فِي الرَّوْضَةِ الْجَزْمَ وَالِاتِّفَاقَ بِأَنَّ الْقَاضِيَ جَوَّزَهُ جَزْمًا وَالْمُصَنِّفُ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ رَدَّ الْحُكْمَ فَجَرَى عَلَى مُقْتَضَاهُ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ وَبِمَا فِي الْمِنْهَاجِ وَأَصْلِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ، ثُمَّ قَالَ تَبَعًا لِلْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي وَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَى فَرْجِ الصَّغِيرِ إلَى التَّمْيِيزِ، وَقَالَ فِي الْمِنْهَاجِ فِي الثَّانِيَةِ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْأَمَةَ كَالْحُرَّةِ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ الْأَرْجَحُ دَلِيلًا
(وَالْمُرَاهِقُ كَالْبَالِغِ فِي) حُرْمَةِ (النَّظَرِ) فَيَلْزَمُ الْوَلِيَّ مَنْعُهُ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي لِظُهُورِهِ عَلَى الْعَوْرَاتِ (لَا) فِي حُرْمَةِ (الدُّخُولِ) عَلَى النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ بَلْ يَجُوزُ بِدُونِهِ (إلَّا) فِي دُخُولِهِ عَلَيْهِنَّ (فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ) الَّتِي يَضَعْنَ فِيهَا ثِيَابَهُنَّ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْذَانِهِ فِي دُخُولِهِ فِيهَا عَلَيْهِنَّ لِآيَةِ ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: 58] (وَيَمْنَعُهُ الْوَلِيُّ) وُجُوبًا مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِنَّ كَمَا يَمْنَعُهُ وُجُوبًا مِنْ الزِّنَا وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ وَيَلْزَمُهُنَّ الِاحْتِجَابُ مِنْهُ (كَالْمَجْنُونِ) فِي ذَلِكَ (وَلِلْمُمَيِّزِ) غَيْرِ الْمُرَاهِقِ (وَالْمُحَرَّمِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ الْخَلْوَةُ وَنَظَرُ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُحَرَّمِ ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] الْآيَةَ وَلِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ مَعْنَى يَمْنَعُ الْمُنَاكَحَةَ أَبَدًا فَكَانَا كَالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَالْمُمَيِّزُ غَيْرُ الْمُرَاهِقِ فِي مَعْنَى الْمَحْرَمِ وَأَفَادَ تَعْبِيرُهُ بِمَا ذُكِرَ حُرْمَةَ نَظَرِ السُّرَّةِ -
[حاشية الرملي الكبير]
لِلْكَافِرَةِ وَفَتْوَى النَّوَوِيِّ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمَةِ كَشْفُ وَجْهِهَا لَهَا عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ نَقَلَ أَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا نَقَلَهُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَعَلَيْهِ فَلَا مُخَالَفَةَ (قَوْلُهُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْمُدْرِكِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا مُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُدْرِكَ مَعَ مَا فِي الْمِنْهَاجِ كَمَا أَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ) قَالَ فِي التَّوَسُّطِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْجُمْهُورِ اهـ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّدْرِيبِ وَقُوَّةُ كَلَامِ الصَّغِيرِ تَقْتَضِي رَجْحَتَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَةٌ تَنْظُرُ مِنْ طَاقٍ فِي غُرْفَةٍ أَوْ غَيْرِهَا إلَى الْأَجَانِبِ أَوْ يَنْظُرُونَ إلَيْهَا مِنْهَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِنَاءُ الطَّاقِ أَوْ سَدُّهَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ هَلْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى الْمُنَقَّبَةِ الَّتِي لَا يَبِينُ مِنْهَا إلَّا عَيْنَاهَا وَمَحَاجِرُهَا لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ جَمِيلَةً فَكَمْ فِي الْمَحَاجِرِ مِنْ حَنَاجِرَ (قَوْلُهُ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا نَظَرَتْ إلَى وُجُوهِهِمْ إلَخْ) أَوْ أَنَّ ذَلِكَ لَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ أَوْ كَانَتْ عَائِشَةُ لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ النِّسَاءِ إذْ ذَاكَ
(قَوْلُهُ وَغَيْرُ عَوْرَةِ أَمَةٍ جَازَ) يُقَالُ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يَنْظُرُوا إلَى وَجْهِهَا إنْ أَذِنَتْ لَهُمْ فِي النَّظَرِ وَيُبَاحُ لَهُمْ إنْ مَنَعَتْ مِنْهُ وَصُورَتُهُ إذَا كَانَتْ أَمَةً وَعَلَّقَ سَيِّدُهَا عِتْقَهَا عَلَى إذْنِهَا فِي ذَلِكَ وَصُورَةٌ أُخْرَى وَهِيَ مَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ يَخْطُبُهَا نَظَرُهُ إلَيْهَا وَقَوْلُهُ يُقَالُ عَلَيْهِ قَالَ شَيْخُنَا أَيْ عَلَى رَأْيِ الْمُصَنِّفِ الضَّعِيفِ (قَوْلُهُ فَقَدْ جَزَمَ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ فِي الْأُولَى بِالْحُرْمَةِ) لِمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ مُسْتَدْرَكِهِ «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ رُفِعْت إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صِغَرِي وَعَلَيَّ خِرْقَةٌ وَقَدْ كُشِفَتْ عَوْرَتِي فَقَالَ غَطُّوا حُرْمَةَ عَوْرَتِهِ فَإِنَّ حُرْمَةَ عَوْرَةِ الصَّغِيرِ كَحُرْمَةِ عَوْرَةِ الْكَبِيرِ» وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ فِي الْمُنْتَقَى وَإِلَى صَغِيرَةٍ سِوَى فَرْجِهَا قُلْت وَفِيهِ وَجْهٌ وَكَتَبَ أَيْضًا بِإِزَاءِ كَلَامِ الْمُنْتَقَى شَمِلَ إطْلَاقُهُمْ الدُّبُرَ أَيْضًا وَبِهِ صَرَّحَ الصَّيْمَرِيُّ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ (قَوْلُهُ وَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَى فَرْجِ الصَّغِيرِ إلَى التَّمْيِيزِ) الرَّاجِحُ أَنَّ الصَّغِيرَ كَالصَّغِيرَةِ (قَوْلُهُ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ وَالْمُرَاهِقُ كَالْبَالِغِ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إنَّهُمْ أَلْحَقُوا الْمُرَاهِقَ بِالْبَالِغِ فِي جَوَازِ رَمْيِهِ إذَا نَظَرَ إلَى حُرْمَةِ الْغَيْرِ وَفِيمَا إذَا صَاحَ عَلَيْهِ فَمَاتَ لَا يَضْمَنُ إلَّا أَنَّهُمْ قَيَّدُوهُ بِالْمُتَيَقِّظِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مِثْلُهُ وَكَلَامُ الْإِمَامِ يُشِيرُ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ وَكَلَامُ الْإِمَامِ يُشِيرُ إلَيْهِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
وَالرُّكْبَةِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِمَا يَقْتَضِي عَكْسَ ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ فِي الْمَحْرَمِ بَيْنَ الْكَافِرِ وَغَيْرِهِ نَعَمْ إنْ كَانَ الْكَافِرُ مِنْ قَوْمٍ يَعْتَقِدُونَ حِلَّ الْمَحَارِمِ كَالْمَجُوسِ امْتَنَعَ نَظَرُهُ وَخَلْوَتُهُ نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ (كَنَظَرِ بَعْضِ النِّسَاءِ بَعْضًا) أَيْ كَمَا يُبَاحُ لِبَعْضِهِنَّ أَنْ يَنْظُرْنَ مِنْ بَعْضِهِنَّ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ مِنْهُنَّ بِالنَّظَرِ إلَيْهِنَّ كَالرِّجَالِ مَعَ الرِّجَالِ أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَحُضُورُهُ كَغَيْبَتِهِ وَيَجُوزُ التَّكَشُّفُ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى أَوْ الطِّفْلُ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ
(وَتَحْتَجِبُ مُسْلِمَةٌ عَنْ كَافِرَةٍ) وُجُوبًا فَيَحْرُمُ نَظَرُ الْكَافِرَةِ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] وَالْكَافِرَةُ لَيْسَتْ مِنْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ وَلِأَنَّهَا رُبَّمَا تَحْكِيهَا لِلْكَافِرِ فَلَا تَدْخُلُ الْحَمَّامَ مَعَ الْمُسْلِمَةِ نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ تَرَى مِنْهَا مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ عَلَى الْأَشْبَهِ فِي الْأَصْلِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ غَرِيبٌ لَمْ أَرَهُ نَصًّا بَلْ صَرَّحَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّهَا مَعَهَا كَالْأَجْنَبِيِّ وَكَذَا رَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَقَدْ أَفْتَى النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمَةِ كَشْفُ وَجْهِهَا لَهَا وَهُوَ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَجْنَبِيِّ لَا عَلَى مَا رَجَّحَهُ هُوَ كَالرَّافِعِيِّ هَذَا كُلُّهُ فِي كَافِرَةٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ لِلْمُسْلِمَةِ وَلَا مَحْرَمَ لَهَا أَمَّا هُمَا فَيَجُوزُ لَهُمَا النَّظَرُ إلَيْهَا وَأَمَّا نَظَرُ الْمُسْلِمَةِ لِلْكَافِرَةِ فَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ جَوَازُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَفِيهِ تَوَقُّفٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْفَاسِقَةُ مَعَ الْعَفِيفَةِ كَالْكَافِرَةِ مَعَ الْمُسْلِمَةِ وَنَازَعَهُ فِيهِ الْبُلْقِينِيُّ
(وَالْمَمْسُوحُ) إذَا لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَيْلٌ إلَى النِّسَاءِ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي (وَالْمَمْلُوكُ) لِلْمَرْأَةِ (الْعَدْلُ غَيْرُ الْمُكَاتَبِ كَالْمَحْرَمِ) فِي النَّظَرِ فَيُبَاحُ لِلْأَوَّلِ النَّظَرُ إلَى مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّاتِ وَلِلثَّانِي ذَلِكَ مِنْ سَيِّدَتِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ﴾ [النور: 31] أَيْ الْحَاجَةِ إلَى النِّكَاحِ لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُخْتَارُ فِي غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ أَنَّهُ الْمُغَفَّلُ فِي عَقْلِهِ الَّذِي لَا يَكْتَرِثُ لِلنِّسَاءِ وَلَا يَشْتَهِيهِنَّ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: 31] قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْجَوَازِ فِي الْمَمْسُوحِ بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمَةِ فَإِنْ كَانَ كَافِرًا مُنِعَ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ كَالْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ وَتَقْيِيدُ الْمَمْلُوكِ بِالْعَدْلِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَقِيَاسُ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ وَصَرَّحَ بِهِ الْمَهْدَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَهُوَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فَخَرَجَ بِذَلِكَ الْفَاسِقُ.
قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَيَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ فِسْقُهُ بِالزِّنَا وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِتَحْرِيمِ النَّظَرِ مَعَ قِيَامِ الْمُبِيحِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ وَبِغَيْرِ الْمُكَاتَبِ الْمُكَاتَبُ فَلَا يُبَاحُ لَهُ مَا ذُكِرَ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْقَاضِي وَأَقَرَّهُ وَقَيَّدَهُ الْقَاضِي بِمَا إذَا كَانَ مَعَهُ وَفَاءٌ لِخَبَرِ أُمِّ سَلَمَةَ «إذَا كَانَ مَعَ مُكَاتَبِ إحْدَاكُنَّ وَفَاءٌ فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ كَالْقِنِّ وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ كَمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فَيَجِبُ الْفَتْوَى بِهِ وَأَجَابَ أَعْنِي الشَّافِعِيَّ عَنْ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ خَاصٌّ بِزَوْجَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ لَهُنَّ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِنَّ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يُبَاحُ نَظَرُ الرَّجُلِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ) الْمُعْتَمَدُ مَا اقْتَضَاهُ تَعْبِيرُ أَصْلِهِ هُنَا وَفِيمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ نَعَمْ إنْ كَانَ الْكَافِرُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ فَلَا تَدْخُلُ الْحَمَّامَ مَعَ الْمُسْلِمَةِ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ مَنْعِهِنَّ بِمَا إذَا كَشَفَتْ الْمُسْلِمَةُ مِنْ جَسَدِهَا زِيَادَةً عَلَى مَا يَبْدُو حَالَ الْمِهْنَةِ وَإِلَّا فَلَا مَنْعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُبْدِيَهُ لِلْكَافِرَةِ وَقَوْلُهُ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ نَعَمْ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَرَى إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَقَوْلُهُ مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ وَهُوَ الْوَجْهُ وَالرَّأْسُ وَالْيَدُ إلَى الْمِرْفَقِ وَالرِّجْلِ إلَى الرُّكْبَةِ ش (قَوْلُهُ فَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ جَوَازُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا أَيْ لَمَّا سَوَّى مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا (قَوْلُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَخْ) ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ وَنَازَعَهُ فِيهِ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهَا مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْفِسْقُ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ ذَلِكَ) فِي مُلَاقَاةِ كَلَامِهِ لِكَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ نَظَرٌ إذْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْفِسْقَ يُخْرِجُهَا عَنْ الْإِيمَانِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الْفَاسِقَةَ يَحْرُمُ نَظَرُهَا إلَى الْعِدْلَةِ كَمَا يَحْرُمُ نَظَرُ الْكَافِرَةِ إلَى الْمُسْلِمَةِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَحْكِيَ مَا رَآهُ وَهُوَ حَسَنٌ س قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُسَاحَقَةَ وَنَحْوَهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ فَقَالَ وَإِنْ كَانَتْ مُسَاحَقَةً فَكَالرَّجُلِ وَنَحْوِهِ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ إنْ كَانَتْ تَمِيلُ إلَى النِّسَاءِ أَوْ خَافَتْ مِنْ النَّظَرِ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ الْفِتْنَةَ لَمْ يَجُزْ لَهَا النَّظَرُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ مَعَ الْمَرْأَةِ فَكَالرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ وَأَمَّا عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِحَالٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ سَكَتُوا عَنْ الْمُرْتَدَّةِ وَالْمُتَّجَهُ تَحْرِيمُ تَمْكِينِهَا مِنْ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهَا أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الذِّمِّيَّةِ وَالْفَاسِقَةِ وَذَكَرَهُ ابْنُ الْعِمَادِ أَيْضًا وَقَوْلُهُ وَالْمُتَّجَهُ تَحْرِيمُ تَمْكِينِهَا إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ وَالْمَسْمُوحُ إذَا لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَيْلٌ إلَخْ) يَنْبَغِي تَقْيِيدُ حِلِّ نَظَرِهِ إلَى الْمَرْأَةِ بِعِفَّتِهَا كَنَظِيرِهِ الْآتِي فِي الْمَمْلُوكِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ التَّسْوِيَةُ فِي الْمَمْسُوحِ بَيْنَ النَّظَرِ وَالْمَسِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ إلَّا النَّظَرُ وَأَمَّا الْمَسُّ فَهُوَ فِيهِ كَالْأَجْنَبِيِّ (قَوْلُهُ وَالْمَمْلُوكُ الْعَدْلُ إلَخْ) وَالْمُبَعَّضُ كَالْأَجْنَبِيِّ وَفِي تَعْلِيقِ إبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيِّ وَحُكْمُ الْمُبَعَّضِ حُكْمُ الْعَبْدِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ إلَّا فِي السَّرِقَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّظَرِ اهـ وَقَوْلُهُ فِي السَّرِقَةِ يَعْنِي لَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ وَفِي مَعْنَى الْمُبَعَّضِ مَنْ بَعْضُهُ لِغَيْرِهَا (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ كَالْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ) هُوَ وَاضِحٌ (قَوْله قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَقِيَاسُ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَصَرَّحَ بِهِ الْمَهْدَوِيُّ إلَخْ) قَيَّدَ الْوَاحِدِيُّ فِي بَسِيطِهِ الْجَوَازَ بِمَا إذَا كَانَا عَفِيفَيْنِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فَيَجِبُ تَقْيِيدُ الْجَوَازِ بِهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا شَنَّعَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَوْلُهُ قَيَّدَ الْوَاحِدِيُّ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ) بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ (قَوْلُهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْقَاضِي) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَقَيَّدَهُ الْقَاضِي إلَخْ) ضَعِيفٌ
إلَى مُكَاتَبَتِهِ وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَمْلُوكِ بِقَوْلِهِ كَالْمَحْرَمِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْأَصْلِ مَمْلُوكُ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ لَهَا (لَا الْخَصِيُّ وَالْمَجْبُوبُ وَالْعِنِّينُ وَالْمُخَنَّثُ) وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُمْ فِي بَابِ خِيَارِ النَّقْصِ (وَالْهِمُّ) بِالْكَسْرِ وَهُوَ الشَّيْخُ الْفَانِي فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ النَّظَرُ إلَى أَجْنَبِيَّةٍ كَغَيْرِهِمْ مِنْ الْفُحُولِ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ خَبَرَ «لَا تُدْخِلْنَ هَذَا عَلَيْكُمْ يَعْنِي الْمُخَنَّثَ»
(وَيَحْرُمُ نَظَرُ الْمَحْرَمِ) وَغَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (بِشَهْوَةٍ) بِأَنْ يَلْتَذَّ بِهِ أَوْ بِدُونِهَا لَكِنْ مَعَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فِيمَا يَظْهَرُ (وَ) يَحْرُمُ نَظَرُ (الْأَمْرَدِ بِشَهْوَةٍ) مُطْلَقًا وَبِدُونِهَا (إنْ خَافَ فِتْنَةً) بِخِلَافِ مَا إذَا أَمِنَهَا كَنَظِيرِهِ فِيمَا قَدَّمَهُ فِي النَّظَرِ لِلْأَجْنَبِيَّةِ وَمَا ذَكَرَهُ فِيمَا إذَا أَمِنَهَا هُوَ مَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَزَادَ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ قَوْلَهُ أَطْلَقَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى الْأَمْرَدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَنَقَلَهُ الدَّارَكِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْحُرْمَةُ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ حَسْبَمَا لِلْبَابِ وَلِأَنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ نَعَمْ يُعْتَبَرُ فِي الْأَمْرَدِ أَنْ يَكُونَ جَمِيلَ الْوَجْهِ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِي فَتَاوِيهِ وَغَيْرِهَا تَبَعًا لِلْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالِاحْتِجَابِ كَالْمَرْأَةِ لِلْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ فِيهِ وَفِي تَرْكِ الْأَسْبَابِ اللَّازِمِ لَهُ وَعَلَى غَيْرِهِ غَضُّ الْبَصَرِ.
وَلَمْ يَعْتَبِرُوا جَمَالَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الطَّبْعَ يَمِيلُ إلَيْهَا فَضَبَطَ بِالْأُنُوثَةِ وَلَك عَلَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ هَذَا مَعَ مَا نَقَلَهُ كَالرَّافِعِيِّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ مِنْ حِلِّ النَّظَرِ إلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ أَنْ تَقُولَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَمْرَدِ فَالْمُوَافِقُ لِذَلِكَ مَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الْإِطْلَاقُ السَّابِقُ وَإِنْ كَانَ الْأَحْوَطُ مَا أَفَادَهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ لِلْأَمْرَدِ أَمَدًا يَنْتَظِرُ زَوَالَهُ فِيهِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ وَعَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ فِي تِلْكَ مِنْ التَّحْرِيمِ لَا سُؤَالٍ وَكَمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ تَحْرُمُ الْخَلْوَةُ بِهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ فَإِنَّهَا أَفْحَشُ وَأَقْرَبُ إلَى الْمَفْسَدَةِ وَالْأَمْرَدُ الشَّابُّ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ لِحْيَتُهُ وَلَا يُقَالُ لِمَنْ أَسَنَّ وَلَا شَعْرَ بِوَجْهِهِ أَمْرَدُ (وَ) يَحْرُمُ نَظَرُ (عَوْرَةِ الرَّجُلِ) دُونَ غَيْرِهَا عَلَى الرَّجُلِ لِمَا مَرَّ فِي نَظَرِ بَعْضِ النِّسَاءِ بَعْضًا (لَا عَلَى نَفْسِهِ) فَلَا يَحْرُمُ لَكِنْ يُكْرَهُ كَمَا سَيَأْتِي وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ
(فَرْعٌ: مَا حَرُمَ نَظَرُهُ مُتَّصِلًا حَرُمَ) نَظَرُهُ (مُنْفَصِلًا كَشَعْرِ عَانَةٍ) وَلَوْ لِرَجُلٍ (وَقُلَامَةِ ظُفْرِ قَدَمِ حُرَّةٍ) إبْقَاءً لِحُكْمِهِ قَبْلَ انْفِصَالِهِ (فَلْيُوَارِهِ) وُجُوبًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي لِئَلَّا يَنْظُرَ إلَيْهِ أَحَدٌ وَاسْتَبْعَدَ الْأَذْرَعِيُّ الْوُجُوبَ قَالَ وَالْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ فِي الْحَمَّامَاتِ عَلَى طَرْحِ مَا يَتَنَاثَرُ مِنْ امْتِشَاطِ شُعُورِ النِّسَاءِ وَحَلْقِ عَانَاتِ الرِّجَالِ (لَا) قُلَامَةِ ظُفْرِ (يَدِهَا) أَيْ الْحُرَّةِ فَلَا يَحْرُمُ نَظَرُهَا بَعْدَ انْفِصَالِهَا كَمَا قَبْلَهُ وَهَذَا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ عَدَمِ تَحْرِيمِ نَظَرِ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ.
وَأَمَّا عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ مِنْ تَحْرِيمِهِمَا فَيَنْبَغِي حُرْمَةُ ذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ إنَّمَا يَحْسُنُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْقُلَامَتَيْنِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِجَوَازِ النَّظَرِ إلَى الْكَفَّيْنِ أَمَّا مَنْ يُحَرِّمُهُ وَمِنْهُمْ النَّوَوِيُّ فَلَا يُتَّجَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِي الرَّوْضَةِ قَالَ دُونَ قُلَامَةِ يَدِهَا وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ أَيْ الرَّجُلِ وَمَا قَالَهُ فِي قُلَامَةِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى عَدَمِ تَحْرِيمِ نَظَرِهَا مُتَّصِلَةً أَمَّا عَلَى تَحْرِيمِهِ الشَّامِلِ لَهُ مَا صَحَّحَهُ مِنْ أَنَّ تَحْرِيمَ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ كَتَحْرِيمِ نَظَرِهِ إلَيْهَا فَيَنْبَغِي تَحْرِيمُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا قَالَهُ إنَّمَا يَصِحُّ تَفْرِيعُهُ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ لَا عَلَى مَا رَجَّحَهُ هُوَ (فَإِنْ أُبِينَ) مِنْ الْأَمَةِ مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ مِنْهَا كَشَعْرِ رَأْسِهَا وَظُفْرِهَا (ثُمَّ عَتَقَتْ لَمْ يَحْرُمْ) نَظَرُهُ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْمُنْفَصِلَ كَالْمُتَّصِلِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ انْفَصَلَ لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً وَالْعِتْقُ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْمُنْفَصِلِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ جَوَازِ النَّظَرِ إلَى مَا عَدَا عَوْرَةِ الْأَمَةِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ
(فَرْعٌ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرُ) إلَى الْآخَرِ (وَلَوْ إلَى الْفَرْجِ) ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ تَمَتُّعِهِ (وَ) لَكِنْ (يُكْرَهُ نَظَرُهُ) أَيْ الْفَرْجِ (حَتَّى مِنْ نَفْسِهِ) يَعْنِي -
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَمْلُوكِ بِقَوْلِهِ إلَخْ) فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ مُطْلَقًا بِدَلِيلِ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِلَمْسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَحْرَمٌ فِي النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ وَنَحْوِهِمَا (قَوْلُهُ كَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَفْحُولِ) أَيْ الْعَاقِلِينَ الْمُخْتَارِينَ
(قَوْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيَحْرُمُ نَظَرُ الْأَمْرَدِ) أَيْ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَوْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ الْمَخْطُوبَةِ وَلَدٌ أَمْرَدُ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ رُؤْيَتُهَا وَسَمَاعُ وَصْفِهَا مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ مَحْرَمٍ فَهَلْ لَهُ رُؤْيَةُ وَلَدِهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ حَاجَةً أَوْ لَا لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ إنْ بَلَغَهُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْحُسْنِ جَازَ النَّظَرُ وَإِلَّا فَلَا وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي الْقِيَافَةِ أَنَّهَا تَجُوزُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَبْلَ الدَّفْنِ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ نَعَمْ يَرَى الْقَائِفُ وَلَدَ الْمَيِّتِ فَإِنْ لَمْ يَكْتَفِ فَوَلَدُ وَلَدِهِ وَقَوْلُهُ وَظَهَرَ لِي إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَزَادَ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) وَقَوْلُ الْمِنْهَاجِ قُلْت وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ حِكَايَةُ الْمُصَنِّفِ الْخِلَافَ هَكَذَا مُطْلَقًا يَقْتَضِي أَنَّ لَنَا وَجْهًا بِالتَّحْرِيمِ وَإِنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ وَهَذَا لَا يُعْرَفُ بَلْ الْوَجْهَانِ إذَا خَافَ الِافْتِتَانَ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ لَمْ يَحْرُمْ قَطْعًا كَذَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَالنَّصُّ إنَّمَا هُوَ فِي حَالَةِ الشَّهْوَةِ فَإِنَّ الْحَاكِينَ لَهُ عَلَّلُوهُ بِخَوْفِ الْفِتْنَةِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ مُطْلَقًا كَمَا ادَّعَاهُ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّ أَبَا حَامِدٍ قَالَ لَا أَعْرِفُ هَذَا النَّصَّ لِلشَّافِعِيِّ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ) وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ بِحِكَايَتِهَا فِي الْمَذْهَبِ وَلَمْ يُبَالِ بِتَعْلِيلِ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ مَا أَطْلَقَهُ بِخَوْفِ الِافْتِتَانِ وَتَعْلِيلِ صَاحِبِ الْبَيَانِ مَا نَقَلَهُ الدَّارَكِيُّ عَنْ النَّصِّ بِأَنَّهُ يَفْتِنُ
[فَرْعٌ مَا حَرُمَ نَظَرُهُ مُتَّصِلًا حَرُمَ نَظَرُهُ مُنْفَصِلًا]
(قَوْلُهُ وَاسْتَبْعَدَ الْأَذْرَعِيُّ الْوُجُوبَ) قَالَ شَيْخُنَا الصَّحِيحُ الِاسْتِحْبَابُ نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ الْوُجُوبِ عَلَى مَا إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَرَاهُ مَنْ يَحْرُمُ نَظَرُهُ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُوَارِهِ وَتَعَيَّنَتْ طَرِيقًا لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ (قَوْلُهُ فَيَنْبَغِي حُرْمَةُ ذَلِكَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ) أَيْ تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ (قَوْلُهُ فَيَنْبَغِي تَحْرِيمُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَرْعٌ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرُ إلَى الْآخَرِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا]
(قَوْلُهُ فَرْعٌ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرُ إلَى الْآخَرِ إلَخْ) هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُعْتَدَّةً عَنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ فَإِنْ كَانَتْ فَلَا يَحِلُّ نَظَرُهُ إلَيْهَا بَلْ قَالَ الْمُتَوَلِّي تَحْرُمُ الْخَلْوَةُ بِهَا وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَيَاةِ فَلَوْ مَاتَتْ زَالَ حُكْمُ نَظَرِهِ إلَيْهَا بِشَهْوَةٍ (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ نَظَرُهُ حَتَّى مِنْ نَفْسِهِ) فِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ الْغَرِيبَةِ
يُكْرَهُ نَظَرُهُ مِنْ الْآخَرِ وَمِنْ نَفْسِهِ (بِلَا حَاجَةٍ وَبَاطِنُهُ) أَيْ وَالنَّظَرُ إلَى بَاطِنِهِ (أَشَدُّ) كَرَاهَةً قَالَتْ عَائِشَةُ مَا رَأَيْت مِنْهُ وَلَا رَأَى مِنِّي أَيْ الْفَرْجَ وَخَبَرُ النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ يُورِثُ الطَّمْسُ أَيْ الْعَمَى كَمَا وَرَدَ كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ فِي الضُّعَفَاءِ وَخَالَفَ ابْنُ الصَّلَاحِ فَقَالَ: إنَّهُ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ يُورِثُ الْعَمَى فَقِيلَ فِي النَّاظِرِ وَقِيلَ فِي الْوَلَدِ وَقِيلَ فِي الْقَلْبِ وَشَمِلَ كَلَامُهُمْ الدُّبُرَ وَقَوْلُ الْإِمَامِ وَالتَّلَذُّذُ بِالدُّبُرِ بِلَا إيلَاجٍ جَائِزٌ كَالصَّرِيحِ فِيهِ وَخَالَفَ الدَّارِمِيُّ فَقَالَ بِحُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إلَى عَوْرَةِ زَوْجِهَا إذَا مَنَعَهَا مِنْهُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّمَتُّعَ بِهَا بِخِلَافِ عَكْسِهِ وَفِيمَا قَالَهُ وَقْفَةٌ.
(وَالْأَمَةُ كَالزَّوْجَةِ) فِي النَّظَرِ فَلِكُلٍّ مِنْهَا وَمِنْ سَيِّدِهَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْآخَرِ وَلَوْ إلَى الْفَرْجِ مَعَ كَرَاهَةِ نَظَرِهِ (لَا الْمُحَرَّمَةِ) عَلَيْهِ (بِكِتَابَةٍ وَتَزْوِيجٍ وَكُفْرٍ) كَتَمَجُّسٍ وَتَوَثُّنٍ وَرِدَّةٍ (وَشَرِكَةٍ) قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَتَبْعِيضٍ (وَعِدَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ) وَنَسَبٍ وَرَضَاعٍ وَمُصَاهَرَةٍ فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ مِنْهَا إلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ دُونَ مَا زَادَ لِخَبَرِ «إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ جَارِيَتَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلَا يَنْظُرْ إلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَقِيسَ بِمَا فِيهِ الْبَقِيَّةُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ فِي الْمُشْتَرَكَةِ مَمْنُوعٌ وَالصَّوَابُ فِيهَا وَفِي الْمُبَعَّضَةِ، وَالْمُبَعَّضُ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَيِّدَتِهِ أَنَّهُمْ كَالْأَجَانِبِ وَخَرَجَ بِالْحُرْمَةِ بِمَا ذَكَرَ الْمُحَرَّمَةُ بِعَارِضٍ قَرِيبِ الزَّوَالِ كَحَيْضٍ وَرَهْنٍ فَلَا يَحْرُمُ نَظَرُهُ إلَيْهَا