(فَرْعٌ وَيَكْفِي لِعِيدٍ وَكُسُوفٍ اجْتَمَعَا خُطْبَتَانِ بَعْدَهُمَا)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأنصاري، زكريا
- الكتاب
- أسنى المطالب في شرح روض الطالب
- المؤلف
- زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
- عدد الأجزاء
- 4
- الناشر
- دار الكتاب الإسلامي
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومعه حاشية الرملي الكبير]
أَيْ بَعْدَ صَلَاتَيْهِمَا (يَذْكُرُهُمَا)
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ فَيُصَلِّيهَا وَإِنْ غَابَ بَعْدَهُ كَاسِفًا) ؛ لِأَنَّ سُلْطَانَهُ، وَهُوَ اللَّيْلُ بَاقٍ
(قَوْلُهُ لِتَعَيُّنِهَا وَضِيقِ وَقْتِهَا) إنْ لَمْ يَخْشَ تَغَيُّرَ الْمَيِّتِ وَالْإِقْدَامَ وَإِنْ خِيفَ فَوْتُ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ أَمْنِ الْفَوَاتِ تُقَدَّمُ الْجِنَازَةُ) قَالَ السُّبْكِيُّ قَدْ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ تَقْدِيمَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا هَلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ وَتَعْلِيلُهُمْ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَقَوْلُهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ أَيْضًا عَمَلُ النَّاسِ فِي اجْتِمَاعِ الْفَرْضِ وَالْجِنَازَةِ عَلَى خِلَافِ مَا ذُكِرَ مِنْ تَقْدِيمِ الْفَرْضِ مَعَ اتِّسَاعِ وَقْتِهِ، وَهُوَ خَطَأٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ وَلَوْ فِي الْجُمُعَةِ
أَيْ أَحْكَامَهُمَا (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْخُطْبَتَيْنِ فَيَقْصِدُهُمَا بِالْخُطْبَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا سُنَّتَانِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ السُّنَّتَيْنِ إذَا لَمْ تَتَدَاخَلَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَهُمَا بِفِعْلٍ وَاحِدٍ وَلِهَذَا لَوْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ صَلَاةَ الضُّحَى وَقَضَاءَ سُنَّةِ الصُّبْحِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ وَلَوْ ضَمَّ إلَى فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّهَا تَحْصُلُ ضِمْنًا فَلَا يَضُرُّ ذِكْرُهَا قَالَ السُّبْكِيُّ وَكَأَنَّهُمْ اغْتَفَرُوا ذَلِكَ فِي الْخُطْبَةِ لِحُصُولِ الْقَصْدِ بِهَا بِخِلَافِهِ فِي الصَّلَاةِ (وَإِنْ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ وَصَلَّى الْكُسُوفَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ خَطَبَ لَهُ أَيْضًا) أَيْ كَمَا خَطَبَ لِلْجُمُعَةِ (أَوْ) صَلَاةٍ (قَبْلَهَا سَقَطَتْ خُطْبَتُهُ) مُبَادَرَةً لِأَدَاءِ الْفَرْضِ (وَقَصَدُوا بِالْخُطْبَةِ) الَّتِي يَأْتِي بِهَا عَقِبَ ذَلِكَ (الْجُمُعَةَ فَقَطْ) أَيْ لَا الْكُسُوفَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَهُمَا بِهَا؛ لِأَنَّهُ تَشْرِيَك بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ بِخِلَافِهِ فِيمَا مَرَّ (وَ) لَكِنْ (يَتَعَرَّضُ) فِيهَا (لِذِكْرِهِ) أَيْ لِذِكْرِ مَا يُنْدَبُ فِي خُطْبَتِهِ وَيُحْتَرَزُ عَنْ التَّطْوِيلِ الْمُوجِبِ لِلْفَصْلِ وَكَلَامُهُ كَأَصْلِهِ يُفْهِمُ أَنَّهُ يَجِبُ قَصْدُهَا حَتَّى لَا يَكْفِيَ الْإِطْلَاقُ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ عَلَيْهَا يَقْتَضِي صَرْفَهَا لَهَا وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ خُطْبَةَ الْكُسُوفِ سَقَطَتْ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَاعْتَرَضَتْ طَائِفَةٌ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اجْتَمَعَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ بِأَنَّ الْكُسُوفَ لَا يَقَعُ إلَّا فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ أَوْ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ قَوْلُ الْمُنَجِّمِينَ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي أَنْسَابِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارَ أَنَّهُ مَاتَ عَاشِرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِثْلَهُ عَنْ الْوَاقِدِيِّ وَكَذَا اشْتَهَرَ أَنَّهَا كَسَفَتْ يَوْمَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ وَأَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَبِأَنَّ وُقُوعَ الْعِيدِ فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ بِنَقْصِ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَكَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ كَامِلَةٌ وَبِأَنَّ الْفَقِيهَ قَدْ يُصَوِّرُ مَا لَا يَقَعُ لِيَتَدَرَّبَ بِاسْتِخْرَاجِ الْفُرُوعِ الدَّقِيقَةِ
(وَيَحْضُرُهَا) نَدْبًا (الْعَجَائِزُ) الْأَوْلَى قَوْلُ الرَّوْضَةِ غَيْرَ ذَاتِ الْهَيْئَاتِ وَنَظَرَ الْمُصَنِّفُ حُضُورَهُنَّ مِنْ زِيَادَتِهِ بِقَوْلِهِ (كَالْعِيدِ) فَيَأْتِي فِيهِنَّ مَا مَرَّ ثُمَّ وَكَذَا فِي غَيْرِهِنَّ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ (وَغَيْرُهُنَّ يُصَلِّينَ فِي الْبُيُوتِ) مُنْفَرِدَاتٍ (وَلَا بَأْسَ بِجَمَاعَتِهِنَّ وَ) لَكِنْ (لَا يَخْطُبْنَ، وَإِنْ) الْأَوْلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ فَإِنْ (وَعَظَتْهُنَّ امْرَأَةٌ فَلَا بَأْسَ) وَكَالنِّسَاءِ فِي الْحُضُورِ وَعَدَمِهِ الْخَنَاثَى (وَيُسْتَحَبُّ لِكُلٍّ) وَفِي نُسْخَةٍ لِكُلِّ أَحَدٍ (أَنْ يَتَضَرَّعَ) بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ (عِنْدَ الزَّلَازِلِ وَنَحْوِهَا مِنْ الصَّوَاعِقِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ) وَالْخَسْفِ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى وَنَحْوِهَا أَوْ يَقُولَ كَالصَّوَاعِقِ (وَأَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا لِئَلَّا يَكُونَ غَافِلًا) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا عَصَفَتْ الرِّيحُ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ خَبَرَ «مَا هَبَّتْ رِيحٌ إلَّا جَثَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا» وَرَوَى أَيْضًا أَنَّ عُمَرَ حَثَّ عَلَى الصَّلَاةِ فِي زَلْزَلَةٍ وَلَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا الْجَمَاعَةُ وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ جَمَاعَةً لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ قَالَ الْحَلِيمِيُّ وَصِفَتُهَا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُغَيَّرَ عَنْ الْمَعْهُودِ إلَّا بِتَوْقِيفٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَبِهَذَا الِاحْتِمَالِ جَزَمَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فَقَالَ تَكُونُ كَكَيْفِيَّةِ الصَّلَوَاتِ وَلَا يُصَلِّي عَلَى هَيْئَةِ الْخُسُوفِ قَوْلًا وَاحِدًا وَيُسَنُّ الْخُرُوجُ إلَى الصَّحْرَاءِ وَقْتَ الزَّلْزَلَةِ قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ وَيُقَاسُ بِهَا نَحْوُهَا وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي بَيْتِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ لَكِنَّهُ قِيَاسُ النَّافِلَةِ الَّتِي لَا تُشْرَعُ لَهَا الْجَمَاعَةُ (فَائِدَةٌ) الرِّيَاحُ أَرْبَعُ الَّتِي مِنْ تُجَاهِ الْكَعْبَةِ الصَّبَا وَمِنْ وَرَائِهَا الدَّبُورُ وَمِنْ جِهَةِ يَمِينِهَا الْجَنُوبُ وَمِنْ شِمَالِهَا الشِّمَالُ وَلِكُلٍّ مِنْهَا طَبْعٌ فَالصَّبَا حَارَّةٌ يَابِسَةٌ وَالدَّبُورُ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ وَالْجَنُوبُ حَارَّةٌ رَطْبَةٌ وَالشِّمَالُ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ، وَهِيَ رِيحُ الْجَنَّةِ الَّتِي تَهُبُّ عَلَيْهِمْ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ
(كِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ) هُوَ لُغَةً طَلَبُ السُّقْيَا وَشَرْعًا طَلَبُ سُقْيَا الْعِبَادِ مِنْ اللَّهِ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا يُقَالُ سَقَاهُ وَأَسْقَاهُ بِمَعْنًى قَالَ تَعَالَى ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21] وَقَالَ ﴿لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: 16] وَقَدْ جَمَعَهُمَا لَبِيدٌ فِي قَوْلِهِ سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وَأَسْقَى ... نُمَيْرًا وَالْقَبَائِلَ مِنْ هِلَالِ وَقِيلَ سَقَاهُ نَاوَلَهُ لِيَشْرَبَ وَأَسْقَاهُ جَعَلَ لَهُ سِقْيًا وَقِيلَ سَقَاهُ لِشَفَتِهِ وَأَسْقَاهُ لِمَاشِيَتِهِ وَأَرْضِهِ وَقِيلَ سَقَاهُ لِشَفَتِهِ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْعٌ وَيَكْفِي لِعِيدٍ وَكُسُوفٍ اجْتَمَعَا خُطْبَتَانِ بَعْدَهُمَا]
قَوْلُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَهُمَا بِهَا إلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ ضِمْنًا لَا يَضُرُّ ذِكْرُهُ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ لَا تَتَضَمَّنُ خُطْبَةَ الْكُسُوفِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكُسُوفِ لَمْ تَكْفِ الْخُطْبَةُ عَنْهُ (قَوْلُهُ وَكَلَامُهُ كَأَصْلِهِ يُفْهِمُ أَنَّهُ يَجِبُ قَصْدُهَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ -
(قَوْلُهُ وَلَا تُصَلَّى عَلَى هَيْئَةِ الْخُسُوفِ قَوْلًا وَاحِدًا) فَكَيْفِيَّتُهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ فَقَالَ وَلَا آمُرُ بِصَلَاةِ جَمَاعَةٍ فِي زَلْزَلَةٍ وَلَا ظُلْمَةٍ وَلَا لِصَوَاعِقَ وَلَا رِيحٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَآمُرُ بِالصَّلَاةِ مُنْفَرِدِينَ كَمَا يُصَلُّونَ مُنْفَرِدِينَ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ.
اهـ. (قَوْلُهُ قَالَ الْعَبَّادِيُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[كِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]
وَأَسْقَاهُ دَلَّهُ عَلَى الْمَاءِ وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ وَالِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا (الِاسْتِسْقَاء) ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ثَابِتَةٍ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ أَدْنَاهَا (يَكُونُ بِالدُّعَاءِ مُطْلَقًا) عَمَّا يَأْتِي فُرَادَى أَوْ مُجْتَمِعِينَ (وَ) أَوْسَطُهَا يَكُونُ بِالدُّعَاءِ (خَلْفَ الصَّلَوَاتِ) وَلَوْ نَافِلَةً كَمَا فِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ عَنْ الْأَصْحَابِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ لِلنَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْفَرَائِضِ (وَفِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ) وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بِالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُمَا
(وَذَلِكَ) أَيْ الِاسْتِسْقَاءُ (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ (لِلْمُقِيمِينَ) وَلَوْ بِقَرْيَةٍ أَوْ بَادِيَةٍ (وَالْمُسَافِرِينَ) وَلَوْ سَفَرَ قَصْرٍ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَاجَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِمَا مَرَّ فِي الْعِيدِ هَذَا (إنْ انْقَطَعَتْ الْمِيَاهُ) أَوْ مَلَحَتْ وَاحْتَاجُوا إلَيْهَا (أَوْ احْتَاجُوا إلَى الزِّيَادَةِ) وَإِلَّا فَلَا اسْتِسْقَاءَ (وَيَسْتَسْقُونَ) يَعْنِي غَيْرُ الْمُحْتَاجِينَ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا (لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا وَيَسْأَلُونَ الزِّيَادَةَ لِأَنْفُسِهِمْ) ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ إذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَرَوَى مُسْلِمٌ خَبَرَ «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ آمِينَ وَلَك بِمِثْلٍ» قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَظْهَرُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْغَيْرُ ذَا بِدْعَةٍ وَضَلَالَةٍ وَبَغْيٍ وَإِلَّا فَلَا يَسْتَسْقُونَ لَهُمْ تَأْدِيبًا وَزَجْرًا؛ وَلِأَنَّ الْعَامَّةَ تَظُنُّ بِالِاسْتِسْقَاءِ لَهُمْ حُسْنَ طَرِيقَتِهِمْ وَالرِّضَا بِهِمْ وَفِيهِ مَفَاسِدُ (فَإِنْ لَمْ يُسْقَوْا) فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ (صَلَّوْا) وَخَطَبَ بِهِمْ الْإِمَامُ (الْيَوْمَ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ) هَذَا أَوْلَى مِنْ اقْتِصَارِ أَصْلِهِ عَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ؛ لِأَنَّ مَا فَوْقَهُمَا كَذَلِكَ (حَتَّى يُسْقَوْا) فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ (وَلَا يَتَوَقَّفُونَ) عَنْ الْخُرُوجِ (لِلصِّيَامِ) أَيْ لِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَهُ وَقِيلَ يَتَوَقَّفُونَ وَهُمَا نَصَّانِ لِلشَّافِعِيِّ فَقِيلَ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ كَشَيْخِنَا الْحِجَازِيِّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ أَخْذًا بِظَاهِرِ هَذَا التَّرْجِيحِ مَعَ غَفْلَةِ أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ مُنَزَّلَانِ عَلَى حَالَيْنِ الثَّانِي عَلَى مَا إذَا اقْتَضَى الْحَالُ التَّأْخِيرَ كَانْقِطَاعِ مَصَالِحِهِمْ وَالْأَوَّلُ عَلَى خِلَافِهِ وَوَافَقَهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَقِيلَ لَا خِلَافَ بَلْ الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ وَالثَّانِي عَلَى النَّدْبِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْجُمْهُورُ قَطَعُوا بِاسْتِحْبَابِ تَكْرِيرِ الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا ذَكَرُوا لِمَرَّةِ (الْأُولَى آكَدُ) فِي الِاسْتِحْبَابِ ثُمَّ إذَا عَادُوا مِنْ الْغَدِ أَوْ بَعْدَهُ يُنْدَبُ أَنْ يَكُونُوا صَائِمِينَ فِيهِ
(فَرْعٌ، وَإِنْ تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ) لِلصَّلَاةِ (فَسُقُوا) قَبْلَهُ خَرَجُوا لِلْوَعْظِ وَالدُّعَاءِ وَالشُّكْرِ وَ (صَلَّوْهَا شُكْرًا) لِلَّهِ تَعَالَى وَطَلَبًا لِلْمَزِيدِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7] (وَخَطَبَ بِهِمْ) لِذَلِكَ وَالتَّصْرِيحُ بِالْخُطْبَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ
[فَصَلِّ يُسْتَحَبّ للإمام أَنْ يَأْمُرهُمْ بِالصِّيَامِ ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَة مَعَ يَوْم الْخُرُوج لِلصَّلَاةِ]
(فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْمُرَهُمْ الْإِمَامُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) مُتَتَابِعَةٍ مَعَ يَوْمِ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ مُعِينٌ عَلَى الرِّيَاضَةِ وَالْخُشُوعِ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ خَبَرَ «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ وَالْمَظْلُومُ» وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ «وَقَالَ دَعْوَةُ الصَّائِمِ وَالْوَالِدِ وَالْمُسَافِرِ» وَالصَّوْمُ لَازِمٌ بِأَمْرِ الْإِمَامِ امْتِثَالًا لَهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 59] الْآيَةَ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَهَلْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى كُلِّ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا لَمْ يَخْتَصَّ بِالصَّوْمِ فِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى وَظَاهِرُ الْآيَةِ وَكَلَامُهُمْ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ يَقْتَضِي التَّعَدِّي إلَى ذَلِكَ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي شَرْحِهِ إنَّهُ الْقِيَاسُ وَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ السُّبْكِيُّ وَالْقَمُولِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ وَالْبُلْقِينِيِّ فِي مَوْضِعٍ لَكِنَّهُ قَالَ فِي آخَرَ إنَّهُ مَرْدُودٌ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَبَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ أَمَرَ النَّاسَ فَصَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ وَتَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ خَيْرٍ ثُمَّ خَرَجُوا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَاسْتَسْقَى بِهِمْ وَأَنَا أُحِبُّ ذَلِكَ لَهُمْ وَآمُرُهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ صِيَامًا مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوجِبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى إمَامِهِمْ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ إيجَابِ ذَلِكَ انْتَهَى وَيُجَابُ بِأَنَّ كَوْنَهُ صَرِيحًا مُجَرَّدُ دَعْوَى وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ ظَاهِرٌ وَبِتَقْدِيرِ صَرَاحَتِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ بِقَرِينَةِ كَلَامِهِ فِي بَابِ الْبُغَاةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُمْ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ مَا لَمْ يُخَالِفْ حُكْمَ الشَّرْعِ
(وَ) أَنْ يَأْمُرَهُمْ (بِالتَّوْبَةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) فِي الدَّمِ وَالْعِرْضِ وَالْمَالِ (وَبِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ)
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ أَوْ مَلَحَتْ) وَاحْتَاجُوا إلَيْهَا بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَا اسْتِسْقَاءَ) أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ انْقَطَعَتْ الْمِيَاهُ وَلَمْ تَمَسَّ الْحَاجَةُ إلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ (قَوْلُهُ وَيَظْهَرُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ مُنَزَّلَانِ عَلَى حَالَيْنِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَرْعٌ تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاء فَسُقُوا]
(قَوْلُهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ الْإِمَامُ) أَيْ أَوْ نَائِبُهُ (قَوْلُهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَسَبَقَهُ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ إنَّهُ الْأَصَحُّ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي وُجُوبِ التَّبْيِيتِ إذَا أَوْجَبْنَا الصَّوْمَ وَاخْتَارَ الْأَذْرَعِيُّ عَدَمَ الْوُجُوبِ قَالَ وَيَبْعُدُ عَدَمُ صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ لَمْ يَنْوِ لَيْلًا كُلَّ الْبُعْدِ قَالَ الْغَزِّيِّ وَيَحْسُنُ تَخْرِيجُ وُجُوبِ التَّبْيِيتِ عَلَى صَوْمِ الصَّبِيِّ رَمَضَانَ أَوْ عَلَى صَوْمِ النَّذْرِ.
اهـ. قَالَ بَدْرُ الدَّيْنِ بْنُ قَاضِي شُهْبَةَ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ تَجِبُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِيهَا؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الصَّوْمِ لَيْسَ هُوَ لِعَيْنِهِ بَلْ لِعَارِضٍ، وَهُوَ أَمْرُ الْإِمَامِ وَلِهَذَا لَا يَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ بِخِلَافِ الْمَنْذُورِ؛ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَسْقَطَ عَنْهُمْ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ سَقَطَ وُجُوبُ صَوْمِهَا قَالَ شَيْخُنَا الْمُعْتَمَدُ وُجُوبُ التَّبْيِيتِ (قَوْلُهُ وَهَلْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى كُلِّ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ التَّصَدُّقُ بِمَا عَدَا الزَّكَاةَ وَقَدْ «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النِّسْوَةَ يَوْمَ الْعِيدِ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ» وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِنَّ سُنَّةٌ غَيْرُ وَاجِبٍ (قَوْلُهُ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي شَرْحِهِ إنَّهُ الْقِيَاسُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ
(قَوْلُهُ وَبِالتَّوْبَةِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْمَعَاصِي تُضَيِّقُ الرِّزْقَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الرَّجُلَ لَيَحْرُمُ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] أَيْ الدَّوَابُّ تَقُولُ مُنِعْنَا الْمَطَرَ بِخَطَايَاهُمْ
مِنْ عِتْقٍ وَصَدَقَةٍ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: 52] وَقَالَ ﴿إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [يونس: 98] الْآيَةَ وَقَالَ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [الأعراف: 96] الْآيَةَ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْمَظَالِمِ دَاخِلٌ فِي التَّوْبَةِ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا دَاخِلٌ فِي فِعْلِ الْخَيْرَاتِ لَكِنْ لِعِظَمِ أَمْرِهِمَا أَوْ كَوْنِهِمَا أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ أُفْرِدَا بِالذِّكْرِ (ثُمَّ) بَعْدَ أَمْرِهِ لَهُمْ بِمَا ذُكِرَ وَصَوْمِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (يَخْرُجُ بِهِمْ إلَى الصَّحْرَاءِ فِي الرَّابِعِ صِيَامًا فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ وَتَخَشُّعٍ) فِي مَشْيِهِمْ وَجُلُوسِهِمْ وَغَيْرِهِمَا لِمَا مَرَّ فِي الصَّوْمِ وَلِلِاتِّبَاعِ فِي غَيْرِهِ وَفِي آخِرِ الْخَبَرِ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي الْعِيدَ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفَارَقَ مَا هُنَا صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ حَيْثُ لَا يُسَنُّ لِلْحَاجِّ بِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ مَشَقَّةُ الصَّوْمِ وَالسَّفَرِ وَبِأَنَّ مَحَلَّ الدُّعَاءِ ثُمَّ آخِرَ النَّهَارِ وَالْمَشَقَّةُ الْمَذْكُورَةُ مُضَعَّفَةٌ حِينَئِذٍ بِخِلَافِهِ هُنَا وَقَضِيَّةُ الْفَرْقَيْنِ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا هُنَا مُسَافِرِينَ وَصَلَّوْا آخِرَ النَّهَارِ لَا صَوْمَ عَلَيْهِمْ بَلْ قَضِيَّةُ الْأَوَّلِ ذَلِكَ أَيْضًا وَإِنْ صَلَّوْا أَوَّلَ النَّهَارِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا أَمَرَ بِهِ هُنَا صَارَ وَاجِبًا وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ وُجُوبُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ الْمُسَافِرُ فَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ فَلَا وُجُوبَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ حِينَئِذٍ غَيْرُ مَطْلُوبٍ لِكَوْنِ الْفِطْرِ أَفْضَلَ وَيَنْبَغِي لِلْخَارِجِ أَنْ يُخَفِّفَ غِذَاءَهُ وَشَرَابَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَا أَمْكَنَ وَلَوْ خَرَجُوا حُفَاةً مَكْشُوفَةً رُءُوسُهُمْ لَمْ يُكْرَهْ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ التَّوَاضُعِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَنَقَلَهُ الشَّاشِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ وَاسْتَبْعَدَهُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ زِيَادَتِهِ إلَى الصَّحْرَاءِ سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ مِمَّا يَأْتِي (بِغَيْرِ طِيبٍ) ؛ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِحَالِهِمْ وَفَارَقَ الْعَبْدَ بِأَنَّهُ يَوْمُ زِينَةٍ، وَهَذَا يَوْمُ مَسْأَلَةٍ وَاسْتِكَانَةٍ قَالَ الْقَمُولِيُّ وَلَا يَلْبَسُ الْجَدِيدَ مِنْ ثِيَابِ الْبِذْلَةِ أَيْضًا (مُتَنَظِّفِينَ بِالْمَاءِ وَالسِّوَاكِ وَقَطْعِ الرَّوَائِحِ) الْكَرِيهَةِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ
(وَيُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ الْمَشَايِخِ وَالصِّبْيَانِ) ؛ لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ إذْ الشَّيْخُ أَرَقُّ قَلْبًا وَالصَّبِيُّ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فَإِنْ اُحْتِيجَ فِي حَمْلِ الصِّبْيَانِ وَنَحْوِهِمْ إلَى مُؤْنَةٍ فَهَلْ تُحْسَبُ مِنْ مَالِهِمْ فِيهِ نَظَرٌ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا إذَا سَافَرَتْ الْمَرْأَةُ بِإِذْنِ الزَّوْجِ لِحَاجَتِهَا وَحَاجَتِهِ هَلْ تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ انْتَهَى وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ أَنَّهَا تُحْسَبُ مِنْ مَالِهِمْ وَيُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ الْأَرِقَّاءِ بِإِذْنِ سَادَتِهِمْ (وَغَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ مِنْ النِّسَاءِ) وَالْخَنَاثَى؛ لِأَنَّ الْجَدْبَ قَدْ أَصَابَهُمْ وَلَا مَانِعَ مِنْ الْخُرُوجِ بِخِلَافِ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ (وَكَذَا) تُخْرَجُ (الْبَهَائِمُ) «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَسْتَسْقِي فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ ارْجِعُوا فَقَدْ اُسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ شَأْنِ النَّمْلَةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَفِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ إنَّ هَذَا النَّبِيَّ هُوَ سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَنَّ النَّمْلَةَ وَقَعَتْ عَلَى ظَهْرِهَا وَرَفَعَتْ يَدَيْهَا وَقَالَتْ اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْتنَا فَإِنْ رَزَقْتنَا وَإِلَّا فَأَهْلِكْنَا قَالَ وَرُوِيَ إنَّهَا قَالَتْ اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِك لَا غِنَى بِنَا عَنْ رِزْقِك فَلَا تُهْلِكْنَا بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ وَقِيلَ لَا يُسَنُّ إخْرَاجُهَا وَقِيلَ يُكْرَهُ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْجُمْهُورِ وَالثَّانِي عَنْ نَصِّ الْأُمِّ مَعَ تَصْحِيحِهِ كَالرَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلُ وَتُوقَفُ مَعْزُولَةً عَنْ النَّاسِ
(وَيُكْرَهُ إخْرَاجُ أَهْلِ الذِّمَّةِ) وَغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْكُفَّارِ الْمَفْهُومُ بِالْأُولَى لِلِاسْتِسْقَاءِ فِي مُسْتَسْقَى الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا كَانُوا سَبَبَ الْقَحْطِ؛ لِأَنَّهُمْ مَلْعُونُونَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25] وَقَالَ ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 51] وَيُكْرَهُ أَيْضًا خُرُوجُهُمْ مَعَهُمْ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْأَصْلُ فَيُمْنَعُونَ مِنْ الْخُرُوجِ مَعَهُمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَلَا أَكْرَهُ مِنْ إخْرَاجِ صِبْيَانِهِمْ مَا أَكْرَهُ مِنْ خُرُوجِ كِبَارِهِمْ؛ لِأَنَّ ذُنُوبَهُمْ أَقَلُّ وَلَكِنْ يُكْرَهُ لِكُفْرِهِمْ نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ حِكَايَةِ الْبَغَوِيّ لَهُ وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ أَيْضًا لَكِنْ عَبَّرَ بِخُرُوجِ صِبْيَانِهِمْ بَدَلَ إخْرَاجِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي رَأَيْته فِي تَهْذِيبِ الْبَغَوِيّ
[حاشية الرملي الكبير]
وَالْإِقْلَاعُ مُوَسِّعٌ لِلرِّزْقِ (قَوْلُهُ ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ إلَى الصَّحْرَاءِ) مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الِاسْتِسْقَاءُ بِغَيْرِ مَكَّةَ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ كَمَا ذَكَرَهُ الْخَفَّافُ فِي الْخِصَالِ فَيَسْتَسْقِي بِمَكَّةَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَبِبَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لِجَمْعِهِمَا مَعَ شَرَفِ الْبُقْعَةِ السَّعَةِ الْكَافِيَةِ لِلْجَمْعِ وَإِنْ كَثُرَ جِدًّا قَالَ الشَّرَفُ الْغَزِّيِّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ هُنَا بِإِحْضَارِ الصِّبْيَانِ وَمَأْمُورُونَ بِأَنْ نُجَنِّبَهُمْ الْمَسَاجِدَ إنَّ قَوْلَهُ وَقَالَ الشَّرَفُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَقَالَ شَيْخُنَا فَالْمُعْتَمَدُ الْإِطْلَاقُ (قَوْلُهُ فِي الرَّابِعِ صِيَامًا) الْأَمْرُ بِالصَّوْمِ يَخْتَصُّ بِمَنْ حَضَرَ الصَّلَاةَ قَالَهُ الْفَقِيهُ إسْمَاعِيلُ الْحَضْرَمِيُّ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى عُجَيْلٌ أَنَّهُ يَعُمُّ مَنْ حَضَرَ وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ وَبِالتَّوْبَةِ مِنْ الْمَعَاصِي وَمُصَالَحَةِ الْأَعْدَاءِ وَالصَّدَقَةِ فَيَعُمُّ مَنْ حَضَرَ وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ وَقَوْلُهُ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ) وَلَوْ كَانَ يَوْمَ عِيدٍ (قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ الْفَرْقَيْنِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا حَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ اشْتَدَّتْ الْحَاجَةُ إلَى الْخُرُوجِ حَالًا خَرَجُوا وَإِلَّا أَخَّرُوا إلَى الْغَدِ لِيَخْرُجُوا صَائِمِينَ (قَوْلُهُ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِمَامَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ فَلَا وُجُوبَ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الصَّوْمَ مَطْلُوبٌ مُطْلَقًا كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ دَعْوَةَ الصَّائِمِ لَا تُرَدُّ قَالَ شَيْخُنَا وَمُرَادُهُمْ بِالتَّضَرُّرِ هُنَا حُصُولُ مَشَقَّةٍ بِهِ لَا خَوْفُ مَحْذُورِ تَيَمُّمٍ (قَوْلُهُ وَنَقَلَهُ الشَّاشِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ) وَاسْتَبْعَدَهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ كَمَا قَالَ (قَوْلُهُ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ) ؛ وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ شُرِعَ فِيهِ الِاجْتِمَاعُ فَأَشْبَهَ الْجُمُعَةَ
(قَوْلُهُ وَهَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إلَخْ) «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْلَا صِبْيَانٌ رُضَّعٌ وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ وَشُيُوخٌ رُكَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ صَبًّا» (قَوْلُهُ فَهَلْ تُحْسَبُ مِنْ مَالِهِمْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَفِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ إلَخْ) وَفِي لَفْظِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ خَرَجَ سُلَيْمَانُ يَسْتَسْقِي (قَوْلُهُ وَتُوقَفُ مَعْزُولَةً عَنْ النَّاسِ) وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ حَتَّى يَكْثُرَ الصِّيَاحُ وَالضَّجَّةُ وَالرِّقَّةُ فَيَكُونَ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الْمَرَاوِزَةِ
(قَوْلُهُ فِي مُسْتَسْقِي الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِ)
أَيْضًا، وَهُوَ مُؤَوَّلٌ بِإِخْرَاجِهِمْ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُمْ لَا تُكْرَهُ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ قَالَ أَعْنِي النَّوَوِيَّ، وَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي كُفْرَ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمْ إذَا مَاتُوا فَقَالَ الْأَكْثَرُ: إنَّهُمْ فِي النَّارِ وَطَائِفَةٌ لَا نَعْلَمُ حُكْمَهُمْ وَالْمُحَقِّقُونَ إنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ وَوُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ وَتَحْرِيرُ هَذَا أَنَّهُمْ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا كُفَّارٌ، وَفِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مُسْلِمُونَ (فَلَوْ تَمَيَّزُوا عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُمْنَعُوا) مِنْ الْخُرُوجِ فَيَخْرُجُونَ لِطَلَبِ الرِّزْقِ وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ وَقَدْ يُجِيبُهُمْ اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ قَالَ تَعَالَى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 182]
(وَيُسْتَحَبُّ) لِكُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ يَسْتَسْقِي (أَنْ يَسْتَشْفِعَ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ خَيْرٍ) بِأَنْ يَذْكُرَهُ فِي نَفْسِهِ فَيَجْعَلَهُ شَافِعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَائِقٌ بِالشَّدَائِدِ كَمَا فِي خَبَرِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ آوَوْا فِي الْغَارِ (وَ) أَنْ يَسْتَشْفِعَ (بِأَهْلِ الصَّلَاحِ) ؛ لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَرْجَى لِلْإِجَابَةِ وَكَمَا اسْتَشْفَعَ مُعَاوِيَةُ بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَسْقِي بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَسْقِي بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ يَا يَزِيدُ ارْفَعْ يَدَيْك إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ فَثَارَتْ سَحَابَةٌ مِنْ الْمَغْرِبِ كَأَنَّهَا تُرْسٌ وَهَبَّ لَهَا رِيحٌ فَسُقُوا حَتَّى كَادَ النَّاسُ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مَنَازِلَهُمْ (لَا سِيَّمَا أَقَارِبُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَمَا اسْتَشْفَعَ عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا قَحَطْنَا تَوَسَّلْنَا إلَيْك بِنَبِيِّينَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّينَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
[فَصْلٌ صَلَاة الِاسْتِسْقَاء بِالصَّحْرَاءِ]
(فَصْلٌ وَيُصَلِّيهَا) نَدْبًا (بِالصَّحْرَاءِ) لَا بِالْمَسْجِدِ حَيْثُ لَا عُذْرَ كَمَرَضٍ لِلِاتِّبَاعِ كَمَا مَرَّ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْضُرُهَا غَالِبُ النَّاسِ وَالصِّبْيَانِ وَالْحُيَّضِ وَالْبَهَائِمِ وَغَيْرِهِمْ فَالصَّحْرَاءُ أَوْسَعُ لَهُمْ وَأَلْيَقُ وَاسْتَثْنَى صَاحِبُ الْخِصَالِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ حَسَنٌ وَعَلَيْهِ عَمَلُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لِفَضْلِ الْبُقْعَةِ وَاتِّسَاعِهَا كَمَا مَرَّ فِي الْعِيدِ اهـ وَعَلَى قِيَاسِهِ يَأْتِي هُنَا مَا مَرَّ ثُمَّ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدَيْنِ لَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ اسْتِحْبَابُهَا فِي الصَّحْرَاءِ مُطْلَقًا لِلِاتِّبَاعِ وَالتَّعْلِيلِ السَّابِقَيْنِ وَيَأْتِي بِهَا (كَصَلَاةِ الْعِيدِ) لِلِاتِّبَاعِ كَمَا مَرَّ فَيُنَادَى لَهَا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ وَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ وَيُكَبِّرُ فِي أَوَّلِ الْأُولَى سَبْعًا وَفِي أَوَّلِ الثَّانِيَةِ خَمْسًا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقِفُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ مُسَبِّحًا حَامِدًا مُهَلِّلًا مُكَبِّرًا وَلَا يَخْطُبُ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا وَيَقْرَأُ جَهْرًا فِي الْأُولَى ق وَفِي الثَّانِيَةِ اقْتَرَبَتْ أَوْ سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةَ قِيَاسًا لَا نَصًّا وَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الْأُولَى سَبِّحْ وَفِي الثَّانِيَةِ هَلْ أَتَاك» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ ضَعِيفٌ وَقِيلَ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: 1] وَرَدَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا مَا يَقْرَأُ فِي الْعِيدِ قَالَ وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّهُ إنْ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: 1] كَانَ حَسَنًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُسْتَحْسَنٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ اقْتَرَبَتْ وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا كَالْعِيدِ (إلَّا أَنَّهَا) بَعْدَ اخْتِصَاصِهَا بِالصَّحْرَاءِ كَمَا مَرَّ (لَا تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ) لَا بِوَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَلَا بِغَيْرِهِ بَلْ جَمِيعُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَقْتٌ لَهَا كَمَا لَا تَخْتَصُّ بِيَوْمٍ؛ وَلِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ فَدَارَتْ مَعَ سَبَبِهَا كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ نَعَمْ وَقْتُهَا الْمُخْتَارُ وَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ لِلِاتِّبَاعِ
(فَصْلٌ وَيَخْطُبُ بَعْدَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْطُبَ قَبْلَهَا (كَالْعِيدِ) أَيْ كَخُطْبَتِهِ فِي الْأَرْكَانِ وَغَيْرِهَا (مُبَدِّلًا التَّكْبِيرَ) فِيهَا (بِالِاسْتِغْفَارِ فَيَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِالْحَالِ وَيُبَدَّلُ فِيهَا أَيْضًا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِطْرَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِسْقَاءِ (وَيُكْثِرُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ فِيهَا) حَتَّى يَكُونَ هُوَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ (وَمِنْ قَوْلِ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: 11] ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 12] وَلَوْ قَدَّمَ قَوْلَهُ فِيهَا أَوْ أَخَّرَهُ كَانَ أَوْلَى وَأَدْخَلَ الْبَاءَ عَلَى الْمَأْخُوذِ، وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ كَمَا قَدَّمْته فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ دُعَاءِ الْكَرْبِ، وَهُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ وَأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ لِحَدِيثَيْ الصَّحِيحَيْنِ فِيهِمَا (وَيَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى) جَهْرًا (وَيَقُولُ) هَذَا لِإِفَادَتِهِ سُنَّتَيْنِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ فَيَقُولُ (اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا إلَى آخِرِهِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ) فِي الْأَصْلِ وَغَيْرِهِ أَيْ مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا مُجَلَّلًا سَحًّا طَبَقًا دَائِمًا اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ اللَّهُمَّ إنَّ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ مِنْ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ
[حاشية الرملي الكبير]
بَلْ يَكُونُونَ فِي بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ فَإِنْ خَالَطُوهُمْ كُرِهَ (قَوْلُهُ فَلَوْ تَمَيَّزُوا إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ حَدَّ الِامْتِيَازِ وَفِيهِ ثَلَاثُ احْتِمَالَاتٍ الْعُرْفُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الْأُمِّ وَقِيلَ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَقِيلَ بِحَيْثُ لَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَخْذًا مِنْ الْحَدِيثِ (قَوْلُهُ لَمْ يُمْنَعُوا) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَيُحَرِّضُ الْإِمَامُ عَلَى أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُمْ فِي غَيْرِ يَوْمِ خُرُوجِنَا لِئَلَّا تَقَعَ الْمُسَاوَاةُ وَالْمُضَاهَاةُ فِي ذَلِكَ.
اهـ. فَإِنْ قِيلَ قَدْ يَخْرُجُونَ وَحْدَهُمْ فَيُسْقَوْنَ فَتُظَنُّ ضَعَفَةُ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ خَيْرًا قُلْنَا خُرُوجُهُمْ مَعَنَا مَفْسَدَةٌ مُحَقَّقَةٌ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ كَذَا قَالَهُ الْغَزِّيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِمَنْعِهِمْ مِنْ الِانْفِرَادِ فِي يَوْمٍ فَإِنَّهُ قَدْ تَصَادَفَ إجَابَتُهُمْ فَتَكُونُ فِتْنَةً لِلْعَوَامِّ قس قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهَذَا مَأْخَذٌ حَسَنٌ (قَوْلُهُ وَقَدْ يُجِيبُهُمْ اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ) قَالَ الرُّويَانِيُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَمِّنَ عَلَى دُعَاءِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ دُعَاءَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: 14] وَقَالَ آخَرُونَ قَدْ يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُ كَمَا اُسْتُجِيبَ لِإِبْلِيسِ دُعَاؤُهُ بِالِانْتِظَارِ
(قَوْلُهُ اسْتِحْبَابُهَا فِي الصَّحْرَاءِ مُطْلَقًا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لِلِاتِّبَاعِ) كَمَا مَرَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ» زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ كَبَّرَ فِي الْأُولَى سَبْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا (قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَصْلٌ خِطْبَة صَلَاة الِاسْتِسْقَاء]
(قَوْلُهُ أَيْ كَخُطْبَتِهِ فِي الْأَرْكَانِ وَغَيْرِهَا) فَيُنْدَبُ أَنْ يَجْلِسَ أَوَّلَ مَا يَصْعَدُ الْمِنْبَرَ ثُمَّ يَقُومَ فَيَخْطُبَ (قَوْلُهُ مَرِيعًا) وَيَرْوِي مُرَبَّعًا بِضَمِّ الْمِيمِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ وَمَرْتَعًا بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقٌ
وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُو إلَّا إلَيْك اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْيَ وَاكْشِفْ عَنَّا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُك اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك إنَّك كُنْت غَفَّارًا فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَمِنْ الدُّعَاءِ الْمُسْتَحَبِّ مَا ثَبَتَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَك وَبَهَائِمَك وَانْشُرْ رَحْمَتَك وَأَحْيِي بَلَدَك الْمَيِّتَ اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْت لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ»
(ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ) لِلدُّعَاءِ (فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ) ، وَهُوَ نَحْوُ ثُلُثِهَا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي دَقَائِقِهِ فَإِنْ اسْتَقْبَلَ لَهُ فِي الْأُولَى لَمْ يَعُدَّهُ فِي الثَّانِيَةِ نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ (وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ وَيَنْكُسُهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مُخَفَّفًا وَبِضَمِّهِ مُثَقَّلًا عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ (فَيُجْعَلُ مَا عَلَى كُلِّ جَانِبٍ مِنْ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ وَ) مِنْ (الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ عَلَى الْآخَرِ) فَالْأَوَّلُ تَحْوِيلٌ وَالثَّانِي تَنْكِيسٌ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ فِي اسْتِسْقَائِهِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ» زَادَ أَحْمَدُ وَحَوَّلَ النَّاسُ مَعَهُ وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «أَنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ فَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ» وَرَوَى هُوَ أَيْضًا وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ» فَهِمَهُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَتَرَكَهُ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُورِ وَيَحْصُلُ التَّحْوِيلُ وَالتَّنْكِيسُ بِجَعْلِ الطَّرَفِ الْأَسْفَلِ الَّذِي عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَالطَّرَفِ الْأَسْفَلِ الَّذِي عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ.
وَالْحِكْمَةُ فِيهِمَا التَّفَاؤُلُ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ إلَى الْخَصْبِ وَالسَّعَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] فَيُغَيِّرُوا بَوَاطِنَهُمْ بِالتَّوْبَةِ وَظَوَاهِرَهُمْ بِمَا ذُكِرَ فَيُغَيِّرُ اللَّهُ مَا بِهِمْ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ «وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ» ثُمَّ كُلٌّ مِنْ التَّحْوِيلِ وَالتَّنْكِيسِ عَلَى حِدَتِهِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِقَلْبِ الظَّاهِرِ إلَى الْبَاطِنِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَلَا يَحْصُلُ مَعَ ذَلِكَ لَا كَمَا وَقَعَ لِلْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ فَاخْتَبِرْهُ تَجِدُهُ صَحِيحًا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ (هَذَا فِي) الرِّدَاءِ (الْمُرَبَّعِ أَمَّا الْمُقَوَّرُ) وَفِي نُسْخَةٍ الْمُدَوَّرُ (وَالْمُثَلَّثِ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا التَّحْوِيلُ) بِالِاتِّفَاقِ قَالَ الْقَمُولِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ فِيهِ التَّنْكِيس وَكَذَا الرِّدَاءُ الطَّوِيلُ وَمُرَادُهُ كَغَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ مُتَعَسِّرٌ لَا مُتَعَذِّرٌ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ تَقْتَضِي تَغَايُرَ الْمُثَلَّثِ وَمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ وَلِهَذَا عَبَّرَ جَمَاعَةٌ بِأَوْ وَقَوْلُ الْمَجْمُوعِ قَالَ الْأَصْحَابُ إنْ كَانَ مُدَوَّرًا وَيُقَالُ لَهُ الْمُقَوَّرُ وَالْمُثَلَّثُ لَمْ يُسْتَحَبَّ التَّنْكِيسُ يَقْتَضِي اتِّحَادَهُمَا وَلَيْسَ مُرَادًا (وَيَفْعَلُونَ جُلُوسًا بِأَرْدِيَتِهِمْ مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلُ مَا فَعَلَ الْخَطِيبُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ لَا يَلِيقُ بِهِمْ هُنَا وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ (تَفَاؤُلًا بِتَغَيُّرِ الْحَالِ) إلَى مَا تَقَدَّمَ وَلُمَّا مَرَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ جُلُوسًا مِنْ زِيَادَتِهِ وَنَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا قَالَ وَفِي التَّتِمَّةِ إشَارَةٌ إلَيْهِ (وَلَا يَنْزِعُهُ) أَيْ رِدَاءَهُ كُلٌّ مِنْ الْخَطِيبِ وَغَيْرُهُ (إلَّا مَعَ الثِّيَابِ) بَعْدَ وُصُولِهِ مَنْزِلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيَّرَ رِدَائَه بَعْدَ التَّحْوِيلِ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَيَتْرُكُونَهَا أَيْ الْأَرْدِيَةَ مُحَوَّلَةً إلَى أَنْ يَنْزِعُوا الثِّيَابَ وَعِبَارَةُ الْمَطْلَبِ وَيَدَعُونَ أَرْدِيَتَهُمْ مُحَوَّلَةً حَتَّى يَرْجِعُوا إلَى مَنَازِلِهِمْ
(وَيُبَالِغُ) ، وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ (فِي الدُّعَاءِ سِرًّا وَجَهْرًا) قَالَ تَعَالَى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] (وَيُسِرُّونَ) بِهِ (إنْ أَسَرَّ) وَيُؤَمِّنُونَ إنْ جَهَرَ وَمَشَى فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ عَلَى أَنَّهُ يُسِرُّ فَقَطْ فِي اسْتِقْبَالِهِ وَتَبِعَ فِيهِ قَوْلَ الْأَذْرَعِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ أَنَّهُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْجُمْهُورُ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيَخْتَارُ أَنْ يَقْرَأَ عَقِبَ دُعَائِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: 89] وَقَوْلُهُ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: 84] وَقَوْلُهُ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88] وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْآيَاتِ تَفَاؤُلًا بِالْإِجَابَةِ (وَيَرْفَعُونَ) كُلُّهُمْ (أَيْدِيَهُمْ) فِي الدُّعَاء لِمَا مَرَّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَيُكْرَهُ رَفْعُ الْيَدِ النَّجِسَةِ فِي الدُّعَاءِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يُكْرَهُ بِحَائِلٍ (قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالسُّنَّةُ أَنْ يُشِيرَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ فِي كُلِّ دُعَاءٍ لِرَفْعِ بَلَاءٍ وَبِبَطْنِهِمَا إنْ سَأَلَ شَيْئًا) أَيْ تَحْصِيلَهُ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ، وَهُوَ نَحْوُ ثُلُثِهَا إلَخْ) وَفِي الْكَافِي لِلزُّبَيْرِيِّ عَنْهُ عِنْدَ بُلُوغِ النِّصْفِ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ يَكُونُ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ (قَوْلُهُ وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ وَيُنَكِّسُهُ) هَذَا مَخْصُوصٌ بِالذَّكَرِ أَمَّا الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى فَلَا (قَوْلُهُ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَكَانَ طُولُ رِدَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَعَرْضُهُ ذِرَاعَيْنِ وَشِبْرًا (قَوْلُهُ إلَى الْخِصْبِ) بِالْكَسْرِ
(قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ رَفْعُ الْيَدِ النَّجِسَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ وَهَلْ هُمَا عِبَادَتَانِ) تُشْتَرَطُ فِيهِمَا النِّيَّةُ أَوْ لَا أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ الثَّانِي
(قَوْلُهُ فَيَكُونُ الْمَسْمُوعُ صَوْتُهُ) أَيْ صَوْتُ تَسْبِيحِهِ
اسْتَسْقَى وَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقِيسَ بِالِاسْتِسْقَاءِ مَا فِي مَعْنَاهُ وَالْحِكْمَةُ أَنَّ الْقَصْدَ رَفْعُ الْبَلَاءِ بِخِلَافِ الْقَاصِدِ حُصُولَ شَيْءٍ فَيَجْعَلُ بَطْنَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ (وَلْيَكُنْ مِنْ دُعَائِهِ) عِبَارَةُ أَصْلِهِ وَلْيَكُنْ مِنْ دُعَائِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (اللَّهُمَّ أَنْتَ أَمَرْتنَا بِدُعَائِك إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَوَعَدْتنَا إجَابَتَك وَقَدْ دَعَوْنَاك كَمَا أَمَرْتنَا فَأَجِبْنَا كَمَا وَعَدْتنَا اللَّهُمَّ اُمْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ مَا قَارَفْنَاهُ وَإِجَابَتِك فِي سُقْيَانَا وَسَعَةِ رِزْقِنَا (ثُمَّ) بَعْدَ الدُّعَاءِ (يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ) بِوَجْهِهِ (وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقْرَأُ مَا تَيَسَّرَ) عِبَارَةُ أَصْلِهِ آيَةً وَآيَتَيْنِ (وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَيَخْتِمُ بِالِاسْتِغْفَارِ) وَيَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
(وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ الِاسْتِسْقَاءَ لَمْ يَتْرُكْهُ النَّاسُ) مُحَافَظَةً عَلَى السُّنَّةِ لَكِنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إلَى الصَّحْرَاءِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِالْبَلَدِ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُمْ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ (وَإِنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَا يَدُلُّ لَهُ لَكِنَّهُ فِي حَقِّنَا خِلَافُ الْأَفْضَلِ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ أَكْثَرُ رُوَاةً وَمُعْتَضَدٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى خُطْبَةِ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ (وَإِنْ تَضَرَّرُوا بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ) بِتَثْلِيثِ الْكَافِ أَوْ دَامَ الْغَيْمُ عَلَيْهِمْ بِلَا مَطَرٍ وَانْقَطَعَتْ الشَّمْسُ عَنْهُمْ وَتَضَرَّرُوا بِهِ (سَأَلُوا اللَّهَ) تَعَالَى نَدْبًا (رَفْعَهُ فَيَقُولُوا) مَا «قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا شُكِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (وَلَا تُشْرَعُ لِهَذَا صَلَاةٌ) لِعَدَمِ وُرُودِهَا لَهُ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ السَّابِقِ أَنَّهَا تُسَنُّ لِنَحْوِ الزَّلْزَلَةِ فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا نَحْوُهَا فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا تُشْرَعُ الْهَيْئَةُ الْمَخْصُوصَةُ
(وَيُسْتَحَبُّ) لِكُلِّ أَحَدٍ (أَنْ يَبْرُزَ لِأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ كَاشِفًا) الْأَوْلَى قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَيَكْشِفُ (مَا عَدَا عَوْرَتَهُ) لِيُصِيبَهُ الْمَطَرُ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ «أَنَسٍ قَالَ أَصَابَنَا مَطَرٌ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَسِرَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ الْمَطَرُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْت هَذَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ أَيْ بِتَكْوِينِهِ وَتَنْزِيلِهِ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظٍ «كَانَ إذَا مَطَرَتْ السَّمَاءُ حَسِرَ ثَوْبَهُ عَنْ ظَهْرِهِ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَطَرُ» «وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ فَقَالَ أَوَمَا قَرَأْت ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: 9] فَأُحِبُّ أَنْ يَنَالَنِي مِنْ بَرَكَتِهِ» وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَطَرِ أَوَّلِ السَّنَةِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَكِنَّهُ فِي الْأَوَّلِ الَّذِي اقْتَصَرُوا عَلَيْهِ آكَدُ ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ قَالَ: وَظَاهِرُ حَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فَعَلَهُ عِنْدَ أَوَّلِ كُلِّ مَطَرٍ وَلَكِنَّهُ فِي الْأَوَّلِ آكَدُ (وَ) أَنْ (يَغْتَسِلَ فِي) مَاءِ (الْوَادِي إذَا سَالَ أَوْ يَتَوَضَّأُ) مِنْهُ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ قَالَ أَخَّرَ جَوَابَنَا إلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا فَنَتَطَهَّر مِنْهُ وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَهُوَ صَادِقٌ بِالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ كَالرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ بِأَوْ يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ أَحَدِهِمَا بِالْمَنْطُوقِ وَكِلَيْهِمَا بِمَفْهُومِ الْأَوْلَى فَهُوَ أَفْضَلُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ فَقَالَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُتَوَضَّأَ مِنْهُ وَيُغْتَسَلَ فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْهُمَا فَلْيَتَوَضَّأْ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَالْمُتَّجَهُ الْجَمْعُ ثُمَّ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْغُسْلِ ثُمَّ عَلَى الْوُضُوءِ قَالَ وَهَلْ هُمَا عِبَادَتَانِ تُشْتَرَطُ فِيهِمَا النِّيَّةُ أَوْ لَا فِيهِ نَظَرٌ وَالْمُتَّجَهُ الثَّانِي إلَّا إنْ صَادَفَ وَقْتَ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ؛ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ هِيَ الْحِكْمَةُ فِي كَشْفِ الْبَدَنِ لِيَنَالَهُ أَوَّلُ مَطَرِ السَّنَةِ وَبَرَكَتُهُ
(وَ) أَنْ (يُسَبِّحَ لِلرَّعْدِ وَالْبَرْقِ) رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كُنَّا مَعَ عُمَرَ فِي سَفَرٍ فَأَصَابَنَا رَعْدٌ وَبَرْقٌ وَبَرْدٌ فَقَالَ لَنَا كَعْبٌ مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الرَّعْدَ سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ثَلَاثًا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ فَقُلْنَاهُ فَعُوفِينَا وَقِيسَ بِالرَّعْدِ الْبَرْقُ وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَهُ سُبْحَانَ مَنْ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَنَقَلَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ الثِّقَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ وَالْبَرْقُ أَجْنِحَتُهُ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فَيَكُونُ الْمَسْمُوعُ صَوْتَهُ أَوْ صَوْتَ سُوقِهِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ وَأُطْلِقَ الرَّعْدُ عَلَيْهِ مَجَازًا وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ بَعَثَ اللَّهُ السَّحَابَ فَنَطَقَتْ أَحْسَنَ النُّطْقِ وَضَحِكَتْ أَحْسَنَ الضَّحِكِ فَالرَّعْدُ نُطْقُهَا وَالْبَرْقُ ضَحِكُهَا» (وَ) أَنْ (لَا يَتْبَعَهُ بَصَرَهُ) رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الْبَرْقَ أَوْ الْوَدْقَ فَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ وَالْوَدْقُ بِالْمُهْمَلَةِ الْمَطَرُ وَفِيهِ زِيَادَةُ الْمَطَرِ وَزَادَ الْمَاوَرْدِيُّ الرَّعْدُ فَقَالَ وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَكْرَهُونَ الْإِشَارَةَ إلَى الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَيَقُولُونَ عِنْدَ ذَلِكَ لَا إلَهَ -
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ) فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ «سَأَلَتْ الْيَهُودُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّعْدِ مَا هُوَ قَالَ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ بِيَدِهِ مِخْرَاقٌ مِنْ نَارٍ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ قَالُوا فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ قَالَ زَجَرَهُ السَّحَابُ إذَا زَجَرَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى حَيْثُ أُمِرَ قَالُوا صَدَقْت» الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ فَالرَّعْدُ اسْمُ الصَّوْتِ الْمَسْمُوعِ وَقَالَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهُوَ الْمَعْلُومُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ الرَّعْدُ رِيحٌ تَخْفِقُ بَيْنَ السَّحَابِ فَتُصَوِّتُ ذَلِكَ الصَّوْتَ وَقَالَتْ الْفَلَاسِفَةُ الرَّعْدُ صَوْتُ اصْطِكَاكِ أَجْرَامِ السَّحَابِ وَالْبَرْقِ وَمَا يَتَقَدَّحُ مِنْ اصْطِكَاكِهَا، وَهَذَا مَرْدُودٌ لَا يَصِحُّ بِهِ نَقْلٌ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْبَرْقَ مِخْرَاقٌ حَدِيدٌ بِيَدِ الْمَلَكِ يَسُوقُ بِهِ السَّحَابَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا هُوَ سَوْطٌ مِنْ نُورٍ بِيَدِ الْمَلَكِ يُزْجِي بِهِ السَّحَابَ وَعَنْهُ أَيْضًا الْبَرْقُ مَلَكٌ يَتَرَاءَى وَقَوْلُهُ قَالَ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مِخْرَاقٌ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ فَيَخْتَارُ الِاقْتِدَاءَ بِهِمْ فِي ذَلِكَ (وَأَنْ يَقُولَ فِي) حَالَةِ نُزُولِ (الْمَطَرِ اللَّهُمَّ صَيِّبًا) أَيْ مَطَرًا (نَافِعًا) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَفِي رِوَايَةٍ) لِابْنِ مَاجَهْ (سَيْبًا) بِفَتْحِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ أَيْ عَطَاءً (نَافِعًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَيُسْتَحَبُّ) الْأَوْلَى مَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الرَّوْضَةِ فَيُسْتَحَبُّ (الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَابْنِ حِبَّانَ صَيِّبًا هَنِيئًا فَيُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَوَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ نِسْبَةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ إلَى الْبُخَارِيِّ وَلَيْسَتْ فِيهِ
(وَيُكْرَهُ سَبُّ الرِّيحِ بَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرَهَا وَيَسْتَعِيذُ مِنْ شَرِّهَا كَمَا وَرَدَ) فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ كَمَا مَرَّ قُبَيْلَ الْبَابِ، وَفِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ رَحْمَتِهِ أَيْ رَحْمَتِهِ لِعِبَادِهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا وَاسْأَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا وَاسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا» (وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ) بَعْدَ الْمَطَرِ (مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا) بِفَتْحِ النُّونِ وَبِالْهَمْزِ أَيْ بِوَقْتِ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي إضَافَةِ الْأَمْطَارِ إلَى الْأَنْوَاءِ لِإِيهَامِهِ أَنَّ النَّوْءَ مُمْطِرٌ حَقِيقَةً (بَلْ) يَقُولُ مُطِرْنَا (بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّوْءَ مُمْطِرٌ) حَقِيقَةً (فَمُرْتَدٌّ) رَوَى الشَّيْخَانِ «عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الصُّبْحِ عَلَى أَثَرِ سَحَابٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ قَدْ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَمَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» وَأَفَادَ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْبَاءِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ مُطِرْنَا فِي نَوْءِ كَذَا لَمْ يُكْرَهْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ
(وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ فِي) حَالِ (الْمَطَرِ وَالشُّكْرُ لِلَّهِ) تَعَالَى (بَعْدَهُ) رَوَى الشَّافِعِيُّ خَبَرَ اُطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَنُزُولِ الْغَيْثِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ خَبَرَ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ الْتِقَاءُ الصُّفُوفِ وَعِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ وَعِنْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَهُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ قَدْ يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ وَيَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ.
[كِتَابُ الْجَنَائِزِ]
بِفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ جَنَازَةٍ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ فِي النَّعْشِ وَقِيلَ بِالْفَتْحِ اسْمٌ لِذَلِكَ وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلنَّعْشِ وَعَلَيْهِ الْمَيِّتُ وَقِيلَ عَكْسُهُ وَقِيلَ هُمَا لُغَتَانِ فِيهِمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ فَهُوَ سَرِيرٌ وَنَعْشٌ، وَهِيَ مِنْ جَنَزَهُ يَجْنِزُهُ إذَا سَتَرَهُ ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ لَا يُسَمَّى جِنَازَةً حَتَّى يُشَدَّ الْمَيِّتُ عَلَيْهِ مُكَفَّنًا (يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ) الْمُسْتَلْزِمِ ذَلِكَ لِاسْتِحْبَابِ ذِكْرِهِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَزْجَرُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَأَدْعَى إلَى الطَّاعَةِ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ قَالُوا إنَّا نَسْتَحِيُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ مَنْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظْ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَلْيَحْفَظْ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَلْيَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» وَرَوَى أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ خَبَرَ «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يَعْنِي الْمَوْتَ زَادَ ابْنُ حِبَّانَ «فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضِيقٍ إلَّا وَسِعَهُ وَلَا ذَكَرَهُ فِي سَعَةٍ إلَّا ضَيَّقَهَا» وَهَاذِمٌ بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ قَاطِعٌ، وَأَمَّا بِالْمُهْمَلَةِ فَمَعْنَاهُ الْمُزِيلُ لِلشَّيْءِ مِنْ أَصْلِهِ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ حَدِيثِ «اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الْمَوْتِ فِي بَابِ الْغُسْلِ (وَالِاسْتِعْدَادُ لَهُ بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ) إلَى أَهْلِهَا بِأَنْ يُبَادِرَ إلَيْهِمَا لِئَلَّا يَفْجَأَهُ الْمَوْتُ الْمُفَوِّتُ لَهُمَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِ اسْتِحْبَابُهُمَا بَلْ صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ تَبَعًا لِلْقَمُولِيِّ وَالْمَعْرُوفُ وُجُوبُهُمَا وَكَلَامُ أَصْلِهِ مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَصَرَّحَ كَأَصْلِهِ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ مَعَ دُخُولِهِ فِي التَّوْبَةِ لِعِظَمِ أَمْرِهِ وَلِئَلَّا يَغْفُلَ عَنْهُ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا كَانَ أَوْلَى (وَ) مَا ذَكَرَ (لِلْمَرِيضِ آكَدُ) مِنْهُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إلَى الْمَوْتِ أَقْرَبُ (وَ) يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْتَعِدَّ لِمَرَضِهِ (بِالصَّبْرِ) عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] وَلَوْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ الْبَاءَ كَانَ أَخْصَرَ وَأَوْلَى وَأَوْفَقَ بِقَوْلِ أَصْلِهِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الصَّبْرُ عَلَى الْمَرَضِ أَيْ بِتَرْكِ الضَّجَرِ مِنْهُ (وَتَرْكِ الشَّكْوَى) فِيهِ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا تُشْعِرُ بِعَدَمِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ بِنَوْءِ كَذَا) النَّوْءُ سُقُوطُ نَجْمٍ مِنْ الْمَنَازِلِ فِي الْمَغْرِبِ مَعَ الْفَجْرِ وَطُلُوعُ رَقِيبِهِ مِنْ الْمَشْرِقِ مُقَابِلُهُ مِنْ سَاعَتِهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهَكَذَا كُلُّ نَجْمٍ إلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ مَا خَلَا الْجَبْهَةَ فَإِنَّ لَهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا
(كِتَابُ الْجَنَائِزِ) (قَوْلُهُ وَقِيلَ بِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلنَّعْشِ) لَوْ قَالَ أُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ بِكَسْرِ الْجِيمِ صَحَّتْ إنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا النَّعْشَ وَكَتَبَ أَيْضًا الْمَوْتُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَفِي الصَّوْمِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ كَالصَّلَاةِ وَالثَّانِي لَا كَالْإِحْرَامِ «؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ لِعُثْمَانَ أَنْتَ تُفْطِرُ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ (قَوْلُهُ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ) الْمُرَادُ ذِكْرُ الْقَلْبِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ وَكَتَبَ أَيْضًا الْمَوْتُ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ الْجَسَدَ وَالرُّوحُ جِسْمٌ لَطِيفٌ لَا يَفْنَى أَبَدًا (قَوْلُهُ «فِي ضِيقٍ إلَّا وَسَّعَهُ» إلَخْ) وَالنَّسَائِيُّ «فَإِنَّهُ مَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ إلَّا قَلَّلَهُ وَلَا قَلِيلٍ إلَّا كَثَّرَهُ» أَيْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَمَلِ وَالدُّنْيَا وَقَلِيلٍ مِنْ الْعَمَلِ (قَوْلُهُ وَالْمَعْرُوفُ وُجُوبُهُمَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا كَانَ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ رَدَّ الْعَيْنِ وَقَضَاءَ الدَّيْنِ وَالْإِبْرَاءَ مِنْهُ وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ التَّعَازِيرِ وَالْإِبْرَاءَ مِنْهُمَا ح
وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الصَّبْرِ وَلَوْ تَرَكَهُ وَذَكَرَ مَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ كَرَاهَةِ كَثْرَةِ الشَّكْوَى كَمَا ذَكَرَهَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ كَانَ أَوْلَى وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي الْمَجْمُوعِ وَقَالَ فَلَوْ سَأَلَهُ طَبِيبٌ أَوْ قَرِيبٌ لَهُ أَوْ صَدِيقٌ أَوْ نَحْوُهُ عَنْ حَالِهِ فَأَخْبَرَهُ بِالشِّدَّةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا لَا عَلَى صُورَةِ الْجَزَعِ فَلَا بَأْسَ (وَ) تَرْكُ (الْأَنِينِ) مِنْهُ جَهْدُهُ لِمَا مَرَّ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَإِنْ صَرَّحَ بِكَرَاهَتِهِ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ بَلْ فِي الْبُخَارِيِّ «أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ وَارَأْسَاهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ» لَكِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ أَوْلَى مِنْهُ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ (وَيُسْتَحَبُّ) لَهُ (التَّدَاوِي) لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ كَخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» وَخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّ الْأَعْرَابَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى فَقَالَ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ الْهَرَمِ» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ.
فَإِنْ تَرَكَ التَّدَاوِي تَوَكُّلًا فَفَضِيلَةٌ وَيُفَارِقُ اسْتِحْبَابَهُ وُجُوبُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ بِأَنَّا لَا نَقْطَعُ بِإِفَادَتِهِ بِخِلَافِ ذَيْنِك (وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْرَهَ) الْمَرِيضُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى التَّدَاوِي أَيْ تَنَاوُلِهِ الدَّوَاءَ وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ الطَّعَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَحَدِيثُ «لَا تُكْرِهُوا مَرَضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ» ضَعِيفٌ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُعَبَّرْ فِيهِ بِكَرَاهَةٍ بَلْ بِاسْتِحْبَابِ تَرْكِهِ قَالَ فِيهِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَعَهُّدُ نَفْسِهِ بِتَقْلِيمِ الظُّفْرِ وَأَخْذِ شَعْرِ الشَّارِبِ وَالْإِبْطِ وَالْعَانَةِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا الِاسْتِيَاكُ وَالِاغْتِسَالُ وَالتَّطَيُّبُ وَلُبْسُ الثِّيَابِ الطَّاهِرَةِ (وَيُسْتَحَبُّ) لِلْمُكَلَّفِ (عِيَادَةُ) مَرِيضٍ (مُسْلِمٍ وَكَذَا ذِمِّيٍّ قَرِيبٍ) لِلْعَائِدِ (أَوْ جَارٍ) لَهُ وَفَاءً بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَحَقِّ الْجِوَارِ وَالْأَصْلُ فِي اسْتِحْبَابِهَا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ» وَخَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ ثَوْبَانَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إنَّ الْمُسْلِمَ إذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ» وَأَرَادَ بِالْمُخْرِقَةِ الْبُسْتَانَ يَعْنِي يَسْتَوْجِبُ الْجَنَّةَ وَمَخَارِقَهَا وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إلَى أَبِيهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ» .
(وَ) تُفْعَلُ الْعِيَادَةُ (لِغَيْرِهِمَا) أَيْ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ بِنَوْعَيْهِ (جَوَازًا) وَفِي عِبَارَتِهِ فِي هَذَا وَمَا قَبْلَهُ قُصُورٌ سَلِمَ مِنْهُ قَوْلُ أَصْلِهِ وَيُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِ عِيَادَتُهُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا فَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا لَهُ قَرَابَةٌ أَوْ جِوَارٌ أَوْ نَحْوُهُمَا أَيْ كَرَجَاءِ إسْلَامٍ اُسْتُحِبَّتْ وَإِلَّا جَازَتْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَسَوَاءٌ الرَّمَدُ وَغَيْرُهُ وَسَوَاءٌ الصَّدِيقُ وَالْعَدُوُّ وَمَنْ يَعْرِفُهُ وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُعَاهِدَ وَالْمُسْتَأْمِنَ كَالذِّمِّيِّ قَالَ وَفِي اسْتِحْبَابِ عِيَادَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ وَأَهْلِ الْفُجُورِ وَالْمُكُوسِ إذَا لَمْ تَكُنْ قَرَابَةٌ وَلَا جِوَارٌ وَلَا رَجَاءُ تَوْبَةٍ نَظَرٌ فَإِنَّا مَأْمُورُونَ بِمُهَاجَرَتِهِمْ
(وَلْتَكُنْ) الْعِيَادَةُ (غَبًّا) فَلَا يُوَاصِلُهَا كُلَّ يَوْمٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَغْلُوبًا وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْقَرِيبِ وَالصَّدِيقِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ يَتَأَنَّسُ بِهِ الْمَرِيضُ أَوْ يَتَبَرَّكُ بِهِ أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ عَدَمُ رُؤْيَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيُوَاصِلُونَهَا مَا لَمْ يُنْهَوْا أَوْ يَعْلَمُوا كَرَاهَتَهُ لِذَلِكَ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعِ وَتُسْتَحَبُّ عِيَادَتُهُ وَلَوْ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ مَرَضِهِ وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ إنَّمَا يُعَادُ بَعْدَ ثَلَاثٍ لِخَبَرٍ وَرَدَ فِيهِ رُدَّ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ (وَيَدْعُو لَهُ) وَيَنْصَرِفُ وَيُسْتَحَبُّ فِي دُعَائِهِ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَك سَبْعَ مَرَّاتٍ لِخَبَرِ «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَيُخَفِّفُ الْمُكْثَ) عِنْدَهُ بَلْ تُكْرَهُ إطَالَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إضْجَارِهِ وَمَنْعِهِ مِنْ بَعْضِ تَصَرُّفَاتِهِ نَعَمْ إنْ فَهِمَ عَنْهُ الرَّغْبَةَ فِيهَا فَلَا كَرَاهَةَ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (وَيُطَيِّبُ) عَائِدُهُ (نَفْسَهُ فَإِنْ خَافَ عَلَيْهِ) الْمَوْتَ (رَغْبَةً فِي التَّوْبَةِ وَالْوَصِيَّةِ) مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ (وَتُكْرَهُ) عِيَادَتُهُ (إنْ شَقَّتْ عَلَيْهِ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيُسْتَحَبُّ لِأَهْلِهِ وَخَادِمِهِ الرِّفْقُ وَاحْتِمَالُهُ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ وَكَذَا مَنْ قَرُبَ مَوْتُهُ بِسَبَبِ حَدٍّ أَوْ نَحْوِهِ وَيُسْتَحَبُّ لَلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يُوصِيَهُمْ بِذَلِكَ وَأَنْ يُحَسِّنَ الْمَرِيضُ خُلُقَهُ وَأَنْ يَجْتَنِبَ الْمُنَازَعَةَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَنْ يَسْتَرْضِيَ مَنْ لَهُ بِهِ عَلَقَةٌ كَزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ وَغِلْمَانِهِ وَجِيرَانِهِ وَأَصْدِقَائِهِ وَأَنْ يَتَعَهَّدَ نَفْسَهُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَأَحْوَالِهِمْ عِنْدَ الْمَوْتِ وَأَنْ يُوصِيَ أَهْلَهُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ وَبِتَرْكِ النَّوْحِ عَلَيْهِ وَإِكْثَارِ الْبُكَاءِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ الْبِدَعِ فِي الْجَنَائِزِ وَيُسْتَحَبُّ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ سَلِمَ مِنْهُ قَوْلُ أَصْلِهِ وَيُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِ إلَخْ) هَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَفْهُومِ الْأَوْلَى (قَوْلُهُ وَسَوَاءٌ الرَّمَدُ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ مِنْ رَمَدٍ» (قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
(قَوْلُهُ رُدَّ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ) قَالَ الذَّهَبِيُّ: فِي الْمِيزَانِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَرَاوِيُّ: تُسْتَحَبُّ إعَادَةُ الْمَرِيضِ فِي الشِّتَاءِ لَيْلًا وَفِي الصَّيْفِ بَاكِرًا وَوَجْهُهُ أَنَّ اللَّيْلَ يَطُولُ فِي الشِّتَاءِ وَفِي زِيَارَتِهِ تَخْفِيفٌ عَنْهُ (قَوْلُهُ فَلَا كَرَاهَةَ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
طَلَبُ الدُّعَاءِ مِنْهُ وَوَعْظُهُ بَعْدَ عَافِيَتِهِ وَتَذْكِيرِهِ الْوَفَاءَ بِمَا عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ مِنْ التَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْخَيْرِ وَيَنْبَغِي لَهُ هُوَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: 34]
(فَصْلٌ وَآدَابُ الْمُحْتَضَرِ)
وَهُوَ مَنْ حَضَرَتْهُ أَمَارَاتُ الْمَوْتِ أَيْ مِنْ آدَابِهِ (أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ) لِلْإِجْمَاعِ «؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَأَلَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَقَالُوا تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ وَأَوْصَى بِثُلُثِهِ لَك وَبِأَنْ يُوَجَّهَ لِلْقِبْلَةِ إذَا اُحْتُضِرَ فَقَالَ أَصَابَ الْفِطْرَةَ وَقَدْ رَدَدْت ثُلُثَهُ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ ذَهَبَ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَأَدْخِلْهُ جَنَّتَك وَقَدْ فَعَلْت» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (مُضْطَجِعًا عَلَى) جَنْبِهِ (الْأَيْمَنِ) كَالْمَوْضُوعِ فِي اللَّحْدِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الِاسْتِقْبَالِ مِنْ إلْقَائِهِ عَلَى قَفَاهُ وَقُدِّمَ الْأَيْمَنُ لِشَرَفِهِ وَلِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَقْبَلَتْ عِنْدَ مَوْتِهَا الْقِبْلَةَ ثُمَّ تَوَسَّدَتْ يَمِينَهَا (فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ) عِبَارَةُ أَصْلِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَضْعُهُ عَلَى جَنْبِهِ لِضِيقِ الْمَكَانِ أَوْ لِغَيْرِهِ (أُلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهِهِ وَأَخْمَصَاهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا وَضَمِّهَا (إلَى الْقِبْلَةِ) بِأَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ قَلِيلًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُمْكِنُ.
وَالْأَخْمَصَانِ هُمَا أَسْفَلُ الرِّجْلَيْنِ وَحَقِيقَتُهُمَا الْمُنْخَفِضُ مِنْ أَسْفَلِهِمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي دَقَائِقِهِ (وَ) أَنْ (يُلَقِّنَهُ) الشَّهَادَةَ (غَيْرُ الْوَارِثِ) لِئَلَّا يَتَّهِمَهُ بِاسْتِعْجَالِ الْإِرْثِ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُهُ لَقَّنَهُ (أَشْفَقُ الْوَرَثَةِ) وَفِي الْمَجْمُوعِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ وَلَا يُلَقِّنْهُ مَنْ يَتَّهِمُهُ مُطْلَقًا لِيَعُمَّ الْوَارِثَ وَالْعَدُوَّ وَالْحَاسِدَ وَنَحْوَهُمْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ حَسَنٌ إنْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُلَقِّنُهُ، وَإِنْ اتَّهَمَهُ وَدَلِيلُ التَّلْقِينِ خَبَرُ مُسْلِمٍ «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ أَيْ مَنْ قَرُبَ مَوْتُهُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: 36] وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (فَيَذْكُرُ عِنْدَهُ الشَّهَادَةَ) ، وَهِيَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ بِأَنْ يَذْكُرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَتَذَكَّرَ أَوْ يَقُولَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى مُبَارَكٌ فَنَذْكُرَ اللَّهَ جَمِيعًا سُبْحَانَ اللَّهَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ (بِلَا زِيَادَةٍ) عَلَيْهَا فَلَا تُسَنُّ زِيَادَةُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ وَقِيلَ تُسَنُّ زِيَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ التَّوْحِيدُ وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا مُوَحِّدٌ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَافِرًا لُقِّنَ الشَّهَادَتَيْنِ وَأُمِرَ بِهِمَا لِخَبَرِ الْيَهُودِيِّ السَّابِقِ.
(وَ) أَنْ (يَذْكُرَهَا) أَيْ الشَّهَادَةَ (مَنْ عِنْدَهُ) أَيْضًا، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ وَصَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي (وَ) أَنْ (لَا يَأْمُرَهُ بِهَا) بَلْ يَذْكُرَهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْته (وَ) أَنْ (لَا يُلِحَّ) عَلَيْهِ فِيهَا لِئَلَّا يَضْجَرَ (فَإِنْ قَالَهَا لَمْ تُعَدْ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَكَلَّمَ) بِغَيْرِهَا مِنْ كَلَامِ الدُّنْيَا قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ كَلَامِهِمْ وَلِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الرَّوْضَةِ (لِيَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الْجُمْهُورُ لَا يُزَادُ عَلَى مَرَّةٍ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ يُكَرِّرُهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا وَالتَّلْقِينُ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ وَقَالَ ابْنُ الْفِرْكَاحِ إنْ أَمْكَنَ جَمْعُهُمَا فُعِلَا مَعًا وَالْإِقْدَامُ التَّلْقِينُ؛ لِأَنَّ النَّقْلَ فِيهِ أَثْبَتُ وَكَلَامُهُمْ يَشْمَلُ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ فَيُسْتَحَبُّ تَلْقِينُهُ، وَهُوَ قَرِيبٌ فِي الْمُمَيِّزِ لَكِنَّ قِيَاسَ مَا يَأْتِي فِي تَلْقِينِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا.
وَفَرَّقَ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ التَّلْقِينَ هُنَا لِلْمَصْلَحَةِ وَثُمَّ لِئَلَّا يُفْتَنَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ، وَهَذَا لَا يُفْتَنُ (وَ) أَنْ (يَقْرَأَ عِنْدَهُ يس) لِخَبَرِ «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ وَقَالَ الْمُرَاد بِهِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ يَعْنِي مُقَدَّمَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ وَالْحِكْمَةُ فِي قِرَاءَتِهَا أَنَّ أَحْوَالَ الْقِيَامَةِ وَالْبَعْثِ مَذْكُورَةٌ فِيهَا فَإِذَا قُرِئَتْ عِنْدَهُ تَجَدَّدَ لَهُ ذِكْرُ تِلْكَ الْأَحْوَالِ وَأَخَذَ ابْنُ الرِّفْعَةِ تَبَعًا لِبَعْضِهِمْ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ فَصَحِيحٌ أَنَّهَا إنَّمَا تُقْرَأُ بَعْدَ مَوْتِهِ (قِيلَ وَ) يُقْرَأُ عِنْدَهُ (الرَّعْدُ) لِقَوْلِ جَابِرٍ فَإِنَّهَا تُهَوِّنُ عَلَيْهِ خُرُوجَ رُوحِهِ قَالَ الْجَبَلِيُّ وَيُسْتَحَبُّ تَجْرِيعُهُ مَاءً فَإِنَّ الْعَطَشَ يَغْلِبُ مِنْ شِدَّةِ النَّزْعِ فَيُخَافُ مِنْهُ إزْلَالُ الشَّيْطَانِ إذْ وَرَدَ أَنَّهُ يَأْتِي بِمَاءٍ زُلَالٍ وَيَقُولُ قُلْ لَا إلَهَ غَيْرِي حَتَّى أَسْقِيَك نَقَلَهُ عِنْدَ الْإِسْنَوِيِّ وَأَقَرَّهُ وَالْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ إنَّهُ غَرِيبٌ حُكْمًا وَدَلِيلًا (وَلْيُحْسِنْ) نَدْبًا (ظَنَّهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا، وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى» أَيْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَرْحَمُهُ وَيَعْفُو عَنْهُ وَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» (وَيُحَسِّنُهُ لَهُ الْحَاضِرُونَ وَيُطَمِّعُوهُ فِي رَحْمَتِهِ)
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ آدَابُ الْمُحْتَضِرِ]
قَوْلُهُ وَفِي الْمَجْمُوعِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ، وَهُوَ حَسَنٌ إنْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَيَذْكُرُ عِنْدَهُ الشَّهَادَةَ) قَالَ الدَّمِيرِيِّ: وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَبْكِيَ بِحَضْرَةِ الْمُحْتَضَرِ (قَوْلُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إلَخْ) ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ وَالتَّلْقِينُ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ) ، وَإِنْ ظَنَّ بَقَاءَ حَيَاتِهِ (قَوْلُهُ وَكَلَامُهُمْ يَشْمَلُ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ فَيُسْتَحَبُّ تَلْقِينُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَقَالَ: إنَّهُ غَرِيبٌ إلَخْ) أَيْ قَالَ كَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ وَلْيُحْسِنْ نَدْبًا ظَنَّهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى) يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَدَبُّرِ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ بِسَعَةِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالْأَحَادِيثِ (تَنْبِيهٌ) الظَّنُّ فِي الشَّرْعِ يَنْقَسِمُ إلَى الْوَاجِبِ وَمَنْدُوبٍ وَحَرَامٍ وَمُبَاحٍ فَالْوَاجِبُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْحَرَامُ سُوءُ الظَّنِّ بِهِ تَعَالَى وَبِكُلِّ مَنْ ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُبَاحُ الظَّنُّ بِمَنْ اشْتَهَرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِمُخَالَطَةِ الرِّيَبِ وَالْمُجَاهَرَةِ بِالْخَبَائِثِ فَلَا يَحْرُمُ ظَنُّ السَّوْءِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا أَنَّ مَنْ يَسْتُرُ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ يُظَنَّ بِهِ إلَّا خَيْرًا وَمَنْ دَخَلَ مَدْخَلَ السُّوءِ اُتُّهِمَ وَمَنْ هَتَكَ نَفْسَهُ ظَنَنَّا بِهِ السُّوءَ وَمِنْ الظَّنِّ الْجَائِزِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَظُنُّ الشَّاهِدَانِ فِي التَّقْوِيمِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَمَا يَحْصُلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْأَحْكَامِ بِالْإِجْمَاعِ وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا وَالْبَيِّنَاتُ عِنْدَ الْحُكَّامِ
تَعَالَى لِيُحْسِنَ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ.
أَمَّا الصَّحِيحُ فَقِيلَ الْأَوْلَى لَهُ تَغْلِيبُ خَوْفِهِ عَلَى رَجَائِهِ وَالْأَظْهَرُ فِي الْمَجْمُوعِ اسْتِوَاؤُهُمَا إذْ الْغَالِبُ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مَعًا كَقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: 13] ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: 14] ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: 19] " ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: 25] وَفِي الْإِحْيَاءِ إنْ غَلَبَ عَلَيْهِ دَاءُ الْقُنُوطِ فَالرَّجَاءُ أَوْلَى أَوْ دَاءُ أَمْنِ الْمَكْرِ فَالْخَوْفُ أَوْلَى (فَإِنْ مَاتَ فَلْيُغْمِضْ أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ عَيْنَيْهِ) لِئَلَّا يَقْبَحَ مَنْظَرُهُ وَرَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمُهْدِيَيْنِ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» وَقَوْلُهُ «تَبِعَهُ الْبَصَرُ» أَيْ ذَهَبَ أَوْ شَخَصَ نَاظِرًا إلَى الرُّوحِ أَيْنَ تَذْهَبُ وَعَلَى الثَّانِي اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ وَقُبِضَ أُخْرِجَ مِنْ الْجَسَدِ وَشَقَّ بَصَرُهُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَضَمِّ الرَّاءِ شَخَصَ.
وَالرُّوحُ جِسْمٌ لَطِيفٌ، وَهُوَ بَاقٍ لَا يَفْنَى عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وقَوْله تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: 42] تَقْدِيرُهُ عِنْدَ مَوْتِ أَجْسَادِهَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِيمَا يُقَالُ حَالَ إغْمَاضِهِ وَيُسْتَحْسَنُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ قَالَ إذَا أَغْمَضْت الْمَيِّتَ فَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَإِذَا حَمَلْته فَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ تُسَبِّحُ مَا دُمْت تَحْمِلُهُ (وَيَشُدُّ لَحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ يَرْبِطُهَا فَوْقَ رَأْسِهِ) حِفْظًا لِفَمِهِ عَنْ الْهَوَامِّ وَقُبْحِ مَنْظَرِهِ (وَيُلَيِّنُ مَفَاصِلَهُ بِالْمَدِّ وَالرَّدِّ) فَيَرُدُّ سَاعِدَهُ إلَى عَضُدِهِ وَسَاقِهِ إلَى فَخِذِهِ وَفَخِذَهُ إلَى بَطْنِهِ ثُمَّ يَمُدُّهَا (وَ) يُلَيِّنُ (أَصَابِعَهُ) تَسْهِيلًا لِغُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ فَإِنَّ فِي الْبَدَنِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ بَقِيَّةَ حَرَارَةٍ فَإِذَا لُيِّنَتْ الْمَفَاصِلُ حِينَئِذٍ لَانَتْ وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ تَلْيِينُهَا بَعْدُ (وَيَنْزِعُ) عَنْهُ (ثِيَابَهُ) الْمَخِيطَةَ (الَّتِي مَاتَ فِيهَا) بِحَيْثُ لَا يُرَى شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ لِئَلَّا يَسْرُعَ فَسَادُهُ (وَيَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ لَا أَكْثَرَ) لِذَلِكَ وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُجِّيَ حِينَ مَاتَ بِثَوْبٍ حِبَرَةٍ» هُوَ بِالْإِضَافَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ نَوْعٌ مِنْ ثِيَابِ الْقُطْنِ تُنْسَجُ بِالْيَمَنِ «وَسُجِّيَ غُطِّيَ»
(وَيَجْعَلُ طَرَفَيْهِ تَحْتَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ) بِأَنْ يَجْعَلَ أَحَدَهُمَا تَحْتَ رَأْسِهِ وَالْآخَرَ تَحْتَ رِجْلَيْهِ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ وَسَتْرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَحْرَمِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي (وَيَضَعُ عَلَى بَطْنِهِ) شَيْئًا (ثَقِيلًا كَسَيْفٍ وَمِرْآةٍ) وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْحَدِيدِ (ثُمَّ طِينٌ رَطْبٌ) ثُمَّ مَا تَيَسَّرَ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ أَنَسًا أَمَرَ بِوَضْعِ حَدِيدَةٍ عَلَى بَطْنِ مَوْلًى لَهُ مَاتَ وَقَدَّرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ذَلِكَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَكَأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُوضَعُ وَإِلَّا فَالسَّيْفُ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّيْفَ وَنَحْوَهُ يُوضَعُ بِطُولِ الْمَيِّتِ، وَأَنَّ الْمَوْضُوعَ يَكُونُ فَوْقَ الثَّوْبِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ (وَيُصَانُ الْمُصْحَفُ عَنْهُ) نَدْبًا احْتِرَامًا لَهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِهِ كُتُبُ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ الْمُحْتَرَمِ (وَيَرْفَعُهُ عَلَى سَرِيرٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا هُوَ مُرْتَفِعٌ فَلَا يُجْعَلُ عَلَى الْأَرْضِ لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ بِنَدَوَاتِهَا وَلَا عَلَى فِرَاشٍ لِئَلَّا يُحْمَى فَيَتَغَيَّرَ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ صُلْبَةً جَازَ جَعْلُهُ عَلَيْهَا يَعْنِي مِنْ غَيْر ارْتِكَابِ خِلَافِ الْأَوْلَى.
(وَيَسْتَقْبِلُ بِهِ) الْقِبْلَةَ (كَالْمُحْتَضَرِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى جَنْبِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا إلْقَاؤُهُ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهِهِ وَأَخْمَصَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَيُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُهُمْ وَيُوضَعُ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ (وَالرِّجَالُ بِالرِّجَالِ أَوْلَى) بِمَا ذَكَرَ وَكَذَا النِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَيَتَوَلَّاهُ الرِّجَالُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ مِنْ النِّسَاءِ فَإِنْ تَوَلَّاهُ الرِّجَالُ مِنْ نِسَاءِ الْمَحَارِمِ أَوْ النِّسَاءُ مِنْ رِجَالِ الْمَحَارِمِ جَازَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَا بِالْعَكْسِ وَلَا يَبْعُدُ جَوَازُهُ لَهُمَا مَعَ الْغَضِّ وَعَدَمِ الْمَسِّ انْتَهَى وَيُومِئُ إلَيْهِ زِيَادَةُ الْمُصَنِّفِ لَفْظَةَ أَوْلَى وَكَالْمَحْرَمِ فِيمَا ذَكَرَ الزَّوْجَانِ بَلْ أَوْلَى (وَيُبَادَرُ) بِفَتْحِ الدَّالِ نَدْبًا (بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَإِنْفَاذِ وَصِيَّتِهِ إنْ تَيَسَّرَ) حَالًّا تَعْجِيلًا لِلْخَيْرِ وَلِخَبَرِ «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ هُنَا الرُّوحُ وَمُعَلَّقَةٌ مَحْبُوسَةٌ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ حَالًّا سَأَلَ وَلِيُّهُ غُرَمَاءَهُ أَنْ يُحَلِّلُوهُ وَيَحْتَالُوا بِهِ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَاسْتَشْكَلَ فِي الْمَجْمُوعِ الْبَرَاءَةَ بِذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ مِيرَاثًا لِلْمَيِّتِ لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُبَادَرَةَ تَجِبُ عِنْدَ طَلَبِ ذِي الْحَقِّ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ لِيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَظْهَرُ وُجُوبُهُ إذَا رَأَوْا مِنْهُ أَمَارَاتِ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ إذْ قَدْ يُفَارَقُ عَلَى هَذَا فَيَهْلَكُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَاعِدَةِ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ، وَهَذَا الْحَالُ مِنْ أَهَمِّهَا وَقَوْلُهُ وَيَظْهَرُ وُجُوبُهُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْأَظْهَرُ فِي الْمَجْمُوعِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيُلَيِّنُ مَفَاصِلَهُ بِالْمَدِّ وَالرَّدِّ إلَخْ) لَوْ احْتَاجَ فِي تَلْيِينِ مَفَاصِلِهِ إلَى شَيْءٍ مِنْ الدُّهْنِ فَلَا بَأْسَ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرُهُمَا (قَوْلُهُ وَيَنْزِعُ ثِيَابَهُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا) هَذَا فِيمَنْ يُغَسَّلَ لَا فِي شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ (قَوْلُهُ لِئَلَّا يُسْرِعَ فَسَادُهُ) يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ الْقَمِيصُ الَّذِي يُغَسَّلُ فِيهِ إذَا كَانَ طَاهِرًا إذْ لَا مَعْنَى لِنَزْعِهِ ثُمَّ إعَادَتُهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي نَزْعِهِ إنَّمَا هُوَ خَوْفُ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّهِيدِ وَغَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ طَهَارَةِ الْقَمِيصِ وَعَدَمِهَا (قَوْلُهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا) أَيْ تَقْرِيبًا (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّيْفَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ، وَإِنَّ الْمَوْضُوعَ يَكُونُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا إلْقَاؤُهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَا يَبْعُدُ جَوَازُهُ لَهُمَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيُبَادِرُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ) قَالُوا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِغُسْلِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ أُمُورِهِ (قَوْلُهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ح (قَوْلُهُ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُبَادَرَةَ تَجِبُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ عِنْدَ طَلَبِ ذِي الْحَقِّ
حَقَّهُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ التَّرِكَةِ
(وَيُكْرَهُ تَمَّنِي الْمَوْتِ) لِضُرٍّ فِي بَدَنِهِ أَوْ ضِيقٍ فِي دُنْيَاهُ (فَإِنْ كَانَ مُتَمَنَّيَا قَالَ اللَّهُمَّ أَمِتْنِي إنْ كَانَ الْمَمَاتُ خَيْرًا لِي) وَذَلِكَ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ أَصَابَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» وَصَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ بِالشِّقِّ الْأَوَّلِ أَيْضًا (وَلَا يُكْرَهُ) تَمَنِّيه (لِمَنْ خَشِيَ فِتْنَةً فِي دِينِهِ) لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ السَّابِقِ بَلْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إنَّ النَّوَوِيَّ أَفْتَى بِاسْتِحْبَابِهِ لَهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيُسْتَحَبُّ طَلَبُ الْمَوْتِ بِبَلَدٍ شَرِيفٍ وَحَذَفَ الْمُصَنِّف تَقْيِيدَ الرَّوْضَةِ كَرَاهَةَ تَمَنِّي الْمَوْتِ بِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ مُقَيَّدَةً بِذَلِكَ لَا يُقَالُ الْكَرَاهَةُ بِلَا ضَرَرٍ وَمَفْهُومَةٌ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّمَنِّي مَعَ الضُّرِّ يُشْعِرُ بِعَدَمِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ بِخِلَافِهِ بِدُونِهِ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِكُلِّ مُكَلَّفٍ (أَنْ يَذْكُرَ الْمَيِّتَ بِخَيْرٍ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا حَضَرْتُمْ الْمَرِيضَ أَوْ الْمَيِّتَ» وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «الْمَيِّتُ بِلَا شَكٍّ فَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ قَالَتْ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ قَالَ قُولِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ وَاعْقُبْنِي مِنْهُ عُقْبَى حَسَنَةً فَقُلْت فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ مَنْ هُوَ لِي خَيْرٌ مِنْهُ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَبَيْنَ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِمَا قَالَهُ وَقَوْلِ الرَّوْضَةِ وَيُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ أَنْ يَقُولُوا عِنْدَ الْمَيِّتِ خَيْرًا عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ (وَيُكْرَهُ نَفْيُ الْجَاهِلِيَّةِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ النِّدَاءُ بِمَوْتِ الشَّخْصِ وَذِكْرِ مَآثِرِهِ وَمَفَاخِرِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَتُكْرَهُ مَرْثِيَّةُ الْمَيِّتِ، وَهِيَ عَدُّ مَحَاسِنِهِ لِلنَّهْيِ عَنْ الْمَرَاثِي.
اهـ. وَالْوَجْهُ حَمْلُ تَفْسِيرِهَا بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِ صِيغَةِ النَّدْبِ الْآتِي بَيَانُهَا وَإِلَّا فَيَلْزَمُ اتِّحَادُهَا مَعَهُ وَقَدْ أَطْلَقَهَا الْجَوْهَرِيُّ عَلَى عَدِّ مَحَاسِنِهِ مَعَ الْبُكَاءِ وَعَلَى نَظْمِ الشَّعْرِ فِيهِ فَيُكْرَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَالْأَوْجَهُ حَمْلُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا يَظْهَرُ فِيهِ تَبَرُّمٌ أَوْ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ الِاجْتِمَاعِ لَهُ أَوْ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْهُ أَوْ عَلَى مَا يُجَدِّدُ الْحُزْنَ دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ فَمَا زَالَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَفْعَلُونَهُ وَقَدْ قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ
مَاذَا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدَ ... أَنْ لَا يَشُمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا
صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبٌ لَوْ أَنَّهَا ... صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا
(وَلَا بَأْسَ بِالْإِعْلَامِ بِمَوْتِهِ) لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ وَصَحَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إذَا قُصِدَ الْإِعْلَامُ لِكَثْرَةِ الْمُصَلَّيْنَ لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَى لِأَصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَأَنَّهُ نَعَى جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ» وَلِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي إنْسَانٍ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَيْ يَكْنِسُهُ فَمَاتَ فَدُفِنَ لَيْلًا أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي قَالُوا كَانَ اللَّيْلُ وَالظُّلْمَةُ فَكَرِهْنَا أَنْ نَشُقَّ عَلَيْك فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ» (وَلِأَصْدِقَائِهِ) وَأَقَارِبِهِ الْمَفْهُومِينَ بِالْأَوْلَى (تَقْبِيلُ وَجْهِهِ) رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ بَعْدَ مَوْتِهِ» وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَبَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَوْتِهِ بَلْ قَالَ الرُّويَانِيُّ إنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لَهُمْ وَبَحَثَهُ السُّبْكِيُّ فَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ مُسْتَحَبًّا وَلِغَيْرِهِمْ جَائِزًا، وَهُوَ حَسَنٌ مَعَ أَنَّ الْأَخْذَ بِظَاهِرِ كَلَامِهِمْ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ التَّقْبِيلِ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ وَبِهِ يُشْعِرُ كَلَامُ الْمُزَنِيّ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَسَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ وَالسِّيَرِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ وَجْهِ الْمَيِّتِ الصَّالِحِ فَيَحْتَمِلُ تَقْيِيدَ مَا هُنَا بِالصَّالِحِ وَيَحْتَمِلُ إطْلَاقَهُ وَتَخْصِيصَ الصَّالِحِ بِغَيْرِ الْقَرِيبِ وَالصَّدِيقِ