أسنى المطالب في شرح روض الطالب(كِتَابُ الرَّضَاعِ)

(كِتَابُ الرَّضَاعِ)

عن هذه الطبعة
عَلَم
الأنصاري، زكريا
الكتاب
أسنى المطالب في شرح روض الطالب
المؤلف
زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
عدد الأجزاء
4
الناشر
دار الكتاب الإسلامي
الطبعة
بدون طبعة وبدون تاريخ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومعه حاشية الرملي الكبير]

بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَكَسْرِهَا اسْمٌ لِمَصِّ الثَّدْيِ وَشُرْبِ لَبَنِهِ، وَقَائِلُهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ الْمُوَافِقِ لِلُّغَةِ، وَإِلَّا فَهُوَ اسْمٌ لِحُصُولِ لَبَنِ امْرَأَةٍ أَوْ مَا حَصَلَ مِنْهُ فِي جَوْفِ طِفْلٍ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَجُعِلَ سَبَبًا لِلتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ جُزْءَ الْمُرْضِعَةِ، وَهُوَ اللَّبَنُ صَارَ جُزْءًا لِلرَّضِيعِ بِاغْتِذَائِهِ بِهِ فَأَشْبَهَ مَنِيَّهَا وَحَيْضَهَا فِي النَّسَبِ (وَتَأْثِيرُهُ تَحْرِيمُ النِّكَاحِ) ابْتِدَاءً وَدَوَامًا (وَجَوَازُ النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ) وَعَدَمُ نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِاللَّمْسِ، وَإِيجَابُ الْغُرْمِ وَسُقُوطُ الْمَهْرِ كَمَا سَيَأْتِي (فَقَطْ) أَيْ دُونَ سَائِرِ أَحْكَامِ النَّسَبِ كَالْمِيرَاثِ وَالنَّفَقَةِ وَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ وَسُقُوطُ الْقِصَاصِ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ (وَفِيهِ أَبْوَابٌ) أَرْبَعَةٌ (الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ الْمُرْضِعُ فَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا امْرَأَةً حَيَّةً بَلَغَتْ سِنَّ الْحَيْضِ، وَإِنْ لَمْ تَلِدْ) وَلَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهَا سَوَاءٌ أَكَانَتْ مُزَوَّجَةً أَمْ بِكْرًا أَمْ غَيْرَهُمَا (فَلَا تَحْرِيمَ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ: وَقَالَ إنَّ مَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا لَا يُعْرَفُ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ) صَوَّبَ السُّبْكِيُّ حَمْلَ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْمُنَازَعَةُ لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ فَإِنْ كَانَتْ لِأُمِّيَّةِ الْوَلَدِ لِيَمْتَنِعَ مِنْ بَيْعِهَا وَيُعْتَقَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَحْلِفُ قَالَ، وَقَدْ قَطَعُوا بِتَحْلِيفِ السَّيِّدِ إذَا أَنْكَرَ الْكِتَابَةَ، وَكَذَا إذَا أَنْكَرَ التَّدْبِيرَ، وَقُلْنَا لَيْسَ إنْكَارُهُ رُجُوعًا قَالَ، وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ مَا يُزِيلُ الْإِبْهَامَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَيُشْبِهُ.
اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذَا الْفِرَاشَ إلَخْ) ، وَالْمُرَادُ الْفِرَاشُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَوْلَدَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ لَأَوْلَى لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ (قَوْلُهُ: فَبِالْوِلَادَةِ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْوِلَادَةِ عَلَى فَرَاغِ الرَّحِمِ قَطْعِيَّةٌ، وَدَلَالَةَ الْحَيْضِ عَلَى ذَلِكَ ظَنِّيَّةٌ إذْ الْحَامِلُ قَدْ تَحِيضُ.

[فَصْلٌ زَوَّجَ أَمَتَهُ فَطَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَأَقَرَّ السَّيِّدُ بِوَطْئِهَا فَوَلَدَتْ]

(قَوْلُهُ: قُلْت بَلْ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْبُلْقِينِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى إقْرَارِ سَيِّدِهَا بِدُخُولِ مَنِيِّهِ فِي فَرْجِهَا، وَكَلَامُ شَيْخِنَا عَلَى غَيْرِهِ ثُمَّ رَأَيْته قَالَ فِي فَتَاوِيهِ لَوْ كَانَ الْمَالِكُ مَجْبُوبَ الذَّكَرِ بَاقِيَ الْأُنْثَيَيْنِ، وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ مَا يَتَأَتَّى مِنْهُ، وَأَتَتْ مِنْهُ بِوَلَدٍ لِزَمَنِ الْإِمْكَانِ فَهَلْ يَلْحَقُهُ كَالزَّوْجَةِ أَمْ نَقُولُ لَا يَلْحَقُهُ فَيُقَيَّدُ إطْلَاقُهُمْ فِي إلْحَاقِ وَلَدِهِ بِالزَّوْجَةِ؟ . لَمْ أَقِفْ عَلَى تَصْرِيحٍ بِذَلِكَ، وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنْ يَلْحَقَهُ إلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِالْيَمِينِ.

[كِتَابُ الرَّضَاعِ]

[الْبَاب الْأَوَّل أَرْكَان الرَّضَاعَة]

(كِتَابُ الرَّضَاعِ) (قَوْلُهُ: أَيْ دُونَ سَائِرِ أَحْكَامِ النَّسَبِ كَالْمِيرَاثِ إلَخْ) وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالْمَالِ وَوُجُوبِ الْإِعْفَافِ وَسُقُوطِ حَدِّ الْقَذْفِ وَسُقُوطِ الْقَطْعِ بِسَرِقَةِ أَحَدِهِمَا مَالَ الْآخَرِ، وَمَنْعِ صَرْفِ الزَّكَاةِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا امْرَأَةً حَيَّةً) يَشْمَلُ الْجِنِّيَّةَ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُحَرِّمَ لَبَنُهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْمُكَلَّفِينَ قَالَ النَّاشِرِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ نِكَاحِهَا فَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا فَلَا يَثْبُتُ تَحْرِيمٌ لِكَوْنِهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَنْ يُنْكَحُ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَطْلَقُوا فِي الْوَصَايَا أَنَّ مَنْ قُطِعَ بِمَوْتِهِ بِأَنْ بَلَغَ الْغَرْغَرَةَ أَوْ أُبِينَتْ حَشْوَتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَوْتَى فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ، وَلَا لِفِعْلِهِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ، وَالطِّفْلَ إذَا بَلَغَا أَوْ أَحَدُهُمَا هَذِهِ الْحَالَةَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالِارْتِضَاعِ، وَالْإِرْضَاعُ حُكْمٌ وَسَنُوَضِّحُ الْمَسْأَلَةَ فِي الْجِنَايَاتِ وَبَيَانَ مَا فِيهَا.
اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِلَبَنِ الْجِنِّيَّةِ، وَقَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ، وَالطِّفْلَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: بَلَغَتْ سِنَّ الْحَيْضِ إلَخْ) قَالَ الكوهكيلوني مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ الرَّضَاعَ تَقْرِيبٌ أَيْضًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَالْمُرَادُ مِنْ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ لَوْ نَقَصَ عَنْ التِّسْعِ زَمَانٌ لَا يَسَعُ أَقَلَّ حَيْضٍ وَطُهْرٍ، وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ وَرَأَتْ الدَّمَ حُكِمَ بِالْحَيْضِ كَمَا إذَا بَقِيَ مِنْ تِسْعِ سِنِينَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَمَّا الرَّضَاعُ فَلَا يَثْبُتُ، وَإِنْ بَقِيَ يَوْمٌ

بِلَبَنِ رَجُلٍ وَخُنْثَى حَتَّى يَتَّضِحَ) كَوْنُهُ امْرَأَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لِغِذَاءِ الْوَلَدِ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمَائِعَاتِ؛ وَلِأَنَّ اللَّبَنَ أَثَرُ الْوِلَادَةِ، وَهِيَ لَا تُتَصَوَّرُ فِي الرَّجُلِ وَالْخُنْثَى نَعَمْ يُكْرَهُ لَهُمَا نِكَاحُ مَنْ ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِهِمَا كَمَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ النَّصِّ فِي لَبَنِ الرَّجُلِ (وَ) بِلَبَنِ (بَهِيمَةٍ) حَتَّى لَوْ شَرِبَ مِنْهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى لَمْ يَثْبُتْ بَيْنَهُمَا أُخُوَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِغِذَاءِ الْوَلَدِ صَلَاحِيَّةَ لَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ؛ وَلِأَنَّ الْأُخُوَّةَ فَرْعُ الْأُمُومَةِ، وَمِنْهَا يَنْتَشِرُ تَحْرِيمُ الرَّضَاعِ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْأَصْلُ لَمْ يَثْبُتْ الْفَرْعُ.
(وَ) لَا (بِلَبَنٍ انْفَصَلَ عَنْ مَيِّتَةٍ كَمَا لَا تَثْبُتُ الْمُصَاهَرَةُ) أَيْ حُرْمَتُهَا (بِوَطْئِهَا) وَلِضَعْفِ حُرْمَتِهِ بِمَوْتِهَا؛ وَلِأَنَّهُ مِنْ جُثَّةٍ مُنْفَكَّةٍ عَنْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ كَالْبَهِيمَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَصَلَ لَبَنُ الْحَيَّةِ إلَى جَوْفِ الْمَيِّتِ لَمْ تَثْبُتْ الْحُرْمَةُ فَكَذَا إنْ انْفَصَلَ مِنْهَا بَعْدَ مَوْتِهَا (فَإِنْ انْفَصَلَ) مِنْهَا (وَهِيَ حَيَّةٌ) وَأُوجِرَ الصَّبِيُّ بَعْدَ مَوْتِهَا (حَرُمَ) ؛ لِأَنَّهُ انْفَصَلَ مِنْهَا، وَهُوَ حَلَالٌ مُحْتَرَمٌ وَلَا تَحْرِيمَ بِلَبَنِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْ تِسْعَ سِنِينَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الْوِلَادَةَ، وَاللَّبَنُ فَرْعُ الْوَلَدِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَلَغَتْهَا كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهَا فَاحْتِمَالُ الْبُلُوغِ قَائِمٌ وَالرَّضَاعُ تِلْوُ النَّسَبِ فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِالِاحْتِمَالِ، وَالسِّنِينَ هُنَا قَمَرِيَّةٌ تَقْرِيبِيَّةٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: سِنَّ الْحَيْضِ.

(الرُّكْنُ الثَّانِي اللَّبَنُ وَيَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ، وَإِنْ تَغَيَّرَ) عَنْ هَيْئَتِهِ حَالَةَ انْفِصَالِهِ عَنْ الثَّدْيِ (كَالْجُبْنِ وَالزُّبْدِ أَوْ عُجِنَ بِهِ دَقِيقٌ أَوْ خَالَطَهُ مَاءٌ أَوْ خَمْرٌ) أَوْ نَحْوُهُمَا (وَغَلَبَ) اللَّبَنُ عَلَى الْخَلِيطِ بِأَنْ ظَهَرَتْ إحْدَى صِفَاتِهِ الْآتِيَةِ لِوُصُولِ عَيْنِ اللَّبَنِ إلَى الْجَوْفِ وَحُصُولِ التَّغَذِّي بِهِ (وَكَذَا لَوْ كَانَ مَغْلُوبًا، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَبْقَ مِنْ صِفَاتِهِ الثَّلَاثِ) الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالرِّيحِ حِسًّا وَتَقْدِيرًا (شَيْءٌ) فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ لِذَلِكَ وَلَيْسَ كَالنَّجَاسَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ حَيْثُ لَا تُؤَثِّرُ فَإِنَّهَا تُجْتَنَبُ لِلِاسْتِقْذَارِ، وَهُوَ مُنْدَفِعٌ بِالْكَثْرَةِ وَلَا كَالْخَمْرِ الْمُسْتَهْلَكَةِ فِي غَيْرِهَا حَيْثُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَدٌّ فَإِنَّ الْحَدَّ مَنُوطٌ بِالشِّدَّةِ الْمُزِيلَةِ لِلْعَقْلِ (لَكِنْ يُشْتَرَطُ) فِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بِذَلِكَ (شُرْبُ الْجَمِيعِ فَإِنْ شَرِبَ بَعْضَهُ مُتَحَقِّقًا أَنَّهُ وَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ) إلَى الْجَوْفِ كَأَنْ بَقِيَ مِنْ الْمَخْلُوطِ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ اللَّبَنِ (حَرَّمَ) بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ اللَّبَنِ) الْمَخْلُوطِ (مِقْدَارَ مَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَثَّرَ) فِي التَّحْرِيمِ بِأَنْ يُمْكِنَ أَنْ يُسْقَى مِنْهُ خَمْسُ دَفَعَاتٍ (وَلَا يَضُرُّ) فِي التَّحْرِيمِ (غَلَبَةُ الرِّيقِ لِقَطْرَةِ اللَّبَنِ) الْمَوْضُوعَةِ فِي الْفَمِ إلْحَاقًا لَهُ بِالرُّطُوبَاتِ فِي الْمَعِدَةِ.
(فَرْعٌ: لَبَنُ الْمَرْأَتَيْنِ الْمُخْتَلِطُ يُثْبِتُ أُمُومَتَهُمَا وَفِي الْمَغْلُوبِ) مِنْ اللَّبَنَيْنِ (التَّفْصِيلُ) السَّابِقُ فَتَثْبُتُ الْأُمُومَةُ لِغَالِبَةِ اللَّبَنِ، وَكَذَا لِمَغْلُوبَتِهِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ.

(الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمَحَلُّ، وَهِيَ مَعِدَةُ) أَوْ دِمَاغُ (الطِّفْلِ الْحَيِّ) حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً سَوَاءٌ أَوَصَلَ إلَيْهِمَا اللَّبَنُ بِالِارْتِضَاعِ أَمْ بِغَيْرِهِ كَالْإِيجَارِ وَلَوْ نَائِمًا (لَا) الطِّفْلِ الْمَيِّتِ لِخُرُوجِهِ عَنْ التَّغَذِّي وَنَبَاتِ اللَّحْمِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ (وَلَا ابْنِ حَوْلَيْنِ) لِخَبَرِ «لَا رَضَاعَ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَلِخَبَرِ «لَا رَضَاعَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: 233] الْآيَةَ جَعَلَ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ فِي الْحَوْلَيْنِ فَأَشْعَرَ بِأَنَّ الْحُكْمَ بَعْدَهُمَا بِخِلَافِهِ، وَأَمَّا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سَهْلٍ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا، وَقَدْ نَزَلَ فِي التَّبَنِّي وَالْحِجَابِ مَا قَدْ عَلِمْت فَمَاذَا تَأْمُرُنِي فَقَالَ أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ يَحْرُمُ بِهِنَّ عَلَيْك فَفَعَلْت فَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا» فَأَجَابَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِسَالِمٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَيْسَ يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا وَيُعْتَبَرُ الْحَوْلَانِ (بِالْأَهِلَّةِ مِنْ تَمَامِ الِانْفِصَالِ) لِلْوَلَدِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ (فَإِنْ ارْتَضَعَ قَبْلَ تَمَامِهِ فَوَجْهَانِ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ يُشْبِهُ تَرْجِيحَ التَّأْثِيرِ لِوُجُودِ الرَّضَاعِ حَقِيقَةً، وَهُوَ قِيَاسُ مَا صَحَّحُوهُ فِيمَنْ انْفَصَلَ بَعْضُهُ فَخُرْجَانُ رَقَبَتِهِ، وَهُوَ حَيٌّ مِنْ أَنَّهُ يُضْمَنُ بِالْقَوَدِ أَوْ الدِّيَةِ، وَعَلَيْهِ تُحْسَبُ الْمُدَّةُ مِنْ حِينَ ارْتَضَعَ.
انْتَهَى.
وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ ارْتِكَابِ إحْدَاثِ قَوْلٍ ثَالِثٍ إذْ الْمَحْكِيُّ فِي ابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ وَجْهَانِ ابْتِدَاءُ الْخُرُوجِ وَانْتِهَاؤُهُ وَبِذَلِكَ فَارَقَ مَسْأَلَةَ الْحَزِّ مَعَ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ نَظَائِرِهَا فَلَا اضْطِرَابَ فِيهِمَا اسْتِصْحَابًا لِلضَّمَانِ فِي الْجُمْلَةِ إذْ الْجَنِينُ يُضْمَنُ بِالْغُرَّةِ (وَيُتَمَّمُ الْمُنْكَسِرُ) مِنْ الْأَهِلَّةِ (ثَلَاثِينَ) مِنْ الشَّهْرِ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ: وَهُوَ حَلَالٌ مُحْتَرَمٌ) قَالَ شَيْخُنَا مَعْنَى كَوْنِهِ حَلَالًا مُحْتَرَمًا أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الرَّضَاعِ، وَإِلَّا فَهُوَ حَلَالٌ أَيْضًا، وَإِنْ انْفَصَلَ مِنْ مَيِّتَةٍ (قَوْلُهُ: فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِالِاحْتِمَالِ قَالَ الرَّافِعِيُّ) ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَبَّرَ بِاحْتِمَالِ الْبُلُوغِ لِاقْتِضَاءِ الْوِلَادَةِ تَقَدُّمَ الْحَمْلِ، وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ: وَالسِّنِينَ هُنَا قَمَرِيَّةٌ تَقْرِيبِيَّةٌ إلَخْ) ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَبَحَثَهُ الْبَارِزِيُّ، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ كَثِيرِينَ لَكِنْ نُقِلَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ التِّسْعَ هُنَا تَحْدِيدِيَّةٌ.

اللَّبَنُ (مِنْ أَرْكَانِ الرَّضَاعِ) (قَوْلُهُ: الرُّكْنُ الثَّانِي اللَّبَنُ إلَخْ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ لَمْ يَذْكُرُوا فِي الْجُبْنِ وَنَحْوِهِ الْقَدْرَ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرًا لَوْ كَانَ لَبَنًا أَمْكَنَ أَنْ يَرْتَضِعَ مِنْهُ خَمْسَةَ رَضَعَاتٍ، وَأَنْ يَكُونَ التَّفْرِيقُ مَوْجُودًا فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ الِانْتِهَاءِ، وَلَا يَضُرُّ فِي أَكْلِهِ الشِّبَعُ مِنْ ذَلِكَ الْمَأْكُولِ، وَالْمُعْتَبَرُ مَا ذَكَرَهُ فِي اللَّبَنِ، وَلَوْ امْتَصَّ مِنْ ثَدْيِهَا دَمًا أَوْ قَيْحًا فَلَا تَحْرِيمَ صَرَّحَ بِهِ فِي الِاسْتِقْصَاءِ، وَلَوْ امْتَصَّ مَاءً فَفِي الْإِيضَاحِ أَنْ قَالَ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ هُوَ لَبَنٌ رَقَّ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ، وَإِلَّا فَلَا.

(قَوْلُهُ: وَلَا ابْنُ حَوْلَيْنِ) لَوْ تَمَّ الْحَوْلَانِ فِي الرَّضْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَمُقْتَضَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَإِذَا لَمْ تَتِمَّ لَهُ الْخَامِسَةُ إلَّا بَعْدَ سَنَتَيْنِ لَمْ يَحْرُمْ لَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ الْأَصْحَابُ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّ مَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ فِي كُلِّ رَضْعَةٍ غَيْرُ مُقَدَّرٍ كَمَا قَالُوا لَوْ لَمْ يَحْصُلْ فِي جَوْفِهِ إلَّا خَمْسُ قَطَرَاتٍ فِي كُلِّ رَضْعَةٍ قَطْرَةٌ حَرُمَ وَسَيَأْتِي (قَوْلُهُ: مِنْ تَمَامِ الِانْفِصَالِ إلَخْ) هَذَا مَا قَالَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ الْقِيَاسُ وَجَزَمَ بِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ مِنْ ابْتِدَاءِ خُرُوجِهِ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ ارْتَضَعَ قَبْلَ تَمَامِهِ) لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ تَحْرِيمٌ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَيَحْرُمُ عَلَى مَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَالصَّيْمَرِيُّ أَنْ قَالَ الشَّيْخَانِ فِي الْعِدَدِ: إنَّ أَحْكَامَ الْجَنِينِ بَاقِيَةٌ لِلْمُنْفَصِلِ بَعْضُهُ كَمَنْعِ الْإِرْثِ وَسِرَايَةِ عِتْقِ الْأُمِّ إلَيْهِ وَعَدَمِ إجْزَائِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَوُجُوبِ الْغُرَّةِ عِنْدَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْأُمِّ وَتَبَعِيَّتِهَا فِي الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا (قَوْلُهُ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) أَيْ كَالْأَذْرَعِيِّ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.

الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ كَنَظَائِرِهِ (وَيَثْبُتُ) التَّحْرِيمُ (بِحُصُولِهِ) أَيْ اللَّبَنِ (فِيهَا) أَيْ فِي الْعِدَّةِ (وَلَوْ تَقَيَّأَهُ) فِي الْحَالِ لِوُصُولِهِ إلَى مَحَلِّ التَّغَذِّي (وَفِي الدِّمَاغِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّغَذِّي كَالْمَعِدَةِ إذْ الْأَدْهَانُ إذَا وَصَلَتْ إلَيْهِ انْتَشَرَتْ فِي الْعُرُوقِ وَتَغَذَّتْ بِهَا كَالْأَطْعِمَةِ الْوَاصِلَةِ إلَى الْمَعِدَةِ (وَلَوْ) حَصَلَ فِيهِمَا (بِجِرَاحَةٍ) فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ (وَلَا يَثْبُتُ) التَّحْرِيمُ (بِتَقْطِيرِهِ فِي أُذُنٍ وَدُبُرٍ، وَإِحْلِيلٍ) وَجِرَاحَةٍ لَمْ تَصِلْ إلَى الْمَعِدَةِ وَالدِّمَاغِ (وَإِنْ أَفْطَرَ بِهِ) إذْ لَا مَنْفَذَ مِنْهَا إلَيْهِمَا مَا عَدَا الدُّبُرَ، وَأَمَّا الدُّبُرُ فَلِعَدَمِ التَّغَذِّي بِالتَّقْطِيرِ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَفْطَرَ بِذَلِكَ لِتَعَلُّقِ الْفِطْرِ بِالْوُصُولِ إلَى الْجَوْفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعِدَةٌ وَلَا دِمَاغٌ وَيُعْتَبَرُ حُصُولُهُ فِيهِمَا مِنْ مَنْفَذٍ فَلَا يَحْرُمُ حُصُولُهُ فِيهِمَا بِصَبِّهِ فِي الْعَيْنِ بِوَاسِطَةِ الْمَسَامِّ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ.

(فَصْلٌ: وَلَا أَثَرَ لِدُونِ خَمْسِ رَضَعَاتٍ) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ» أَيْ يُتْلَى عَلَيْكُمْ حُكْمُهُنَّ أَوْ يَقْرَؤُهُنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ لِقُرْبِهِ، وَقُدِّمَ مَفْهُومُ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَفْهُومِ خَبَرِ مُسْلِمٍ أَيْضًا «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ» لِاعْتِضَادِهِ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ (إلَّا إنْ حَكَمَ بِهِ) أَيْ التَّأْثِيرِ بِدُونِ الْخَمْسِ (حَاكِمٌ) يَرَاهُ فَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ (وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ صِفَّاتِهِنَّ حَتَّى لَوْ شَرِبَ بَعْضًا، وَأَسْعَطَ بَعْضًا وَنَحْوَ ذَلِكَ) كَإِيجَارٍ (حَرُمَ وَالْمُعْتَمَدُ فِي التَّعَدُّدِ الْعُرْفُ) إذْ لَا ضَابِطَ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ (فَإِنْ لَفَظَ) الْمُرْتَضِعُ (الثَّدْيَ) فِي أَثْنَاءِ الرَّضْعَةِ (لَتَحَوَّلَ) مِنْ ثَدْيِ الْمُرْضِعَةِ إلَى ثَدْيِهَا الْآخَرِ لِنَفَاذِ مَا فِيهِ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ نَامَ أَوَّلَهَا) عَنْ الِارْتِضَاعِ فِي أَثْنَائِهِ (لَحْظَةً ثُمَّ عَادَ) إلَيْهِ حَالًا (وَكَذَا إنْ طَالَ) كُلٌّ مِنْ النَّوْمِ وَاللَّهْوِ (وَالثَّدْيِ فِي فَمِهِ أَوْ قَطَعَتْهُ الْمُرْضِعَةُ لِشُغْلٍ خَفِيفٍ ثُمَّ عَادَتْ) إلَى الْإِرْضَاعِ (فَوَاحِدَةٌ) لِلْعُرْفِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الثَّدْيُ فِي فَمِهِ، وَمَا إذَا قَطَعَتْهُ لِشُغْلٍ طَوِيلٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْدُ وَتَخْصِيصُ تَقْيِيدِ كَوْنِ الثَّدْيِ فِي فَمِهِ بِحَالَةِ طُولِ اللَّهْوِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيِّ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْمُهِمَّاتِ (فَإِنْ قَطَعَهُ) الْمُرْتَضِعُ (إعْرَاضًا وَاشْتَغَلَ بِشَيْءٍ) آخَرَ (ثُمَّ عَادَ) وَارْتَضَعَ (أَوْ قَطَعَتْهُ الْمُرْضِعَةُ، وَأَطَالَتْهُ فَرَضْعَتَانِ) التَّصْرِيحُ بِالتَّقْيِيدِ بِالْإِطَالَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ كَأَصْلِهِ وَاشْتَغَلَ بِشَيْءٍ لَيْسَ بِقَيْدٍ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فِي الْيَوْمِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً اُعْتُبِرَ التَّعَدُّدُ) فِيهِ (بِمِثْلِ هَذَا) فَلَوْ أَكَلَ لُقْمَةً ثُمَّ أَعْرَضَ وَاشْتَغَلَ بِشُغْلٍ طَوِيلٍ ثُمَّ عَادَ، وَأَكَلَ حَنِثَ وَلَوْ أَطَالَ الْأَكْلَ عَلَى الْمَائِدَةِ، وَكَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ لَوْنٍ إلَى لَوْنٍ وَيَتَحَدَّثُ فِي خِلَالِ الْأَكْلِ وَيَقُومُ وَيَأْتِي بِالْخُبْزِ عِنْدَ نَفَاذِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ أَكْلَةً وَاحِدَةً.
(فَرْعٌ) لَوْ (حَلَبَتْ لَبَنَهَا دَفْعَةً، وَأَوْجَرَتْهُ) الصَّبِيَّ (خَمْسًا أَوْ عَكْسَهُ) بِأَنْ حَلَبَتْ لَبَنَهَا خَمْسَ دَفَعَاتٍ، وَأَوْجَرَتْهُ دَفْعَةً (فَرَضْعَةٌ) نَظَرًا إلَى انْفِصَالِهِ فِي الْأُولَى، وَإِيجَارِهِ فِي الثَّانِيَةِ (وَإِنْ تَعَدَّدَا) أَيْ الِانْفِصَالُ وَالْإِيجَارُ (مَعًا وَلَمْ يُخْلَطْ فَخَمْسٌ، وَإِنْ خُلِطَا ثُمَّ فُرِّقَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ فَكَمَا لَوْ لَمْ يُخْلَطْ) فَيُعَدُّ خَمْسَ رَضَعَاتٍ (وَإِنْ خُلِطَ لَبَنُ خَمْسٍ) مِنْ النِّسْوَةِ (وَأَوْجَرَهُ خَمْسَ دَفَعَاتٍ) أَوْ دَفْعَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ) مِنْهُنَّ (رَضْعَةٌ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْأُبُوَّةُ إنْ كَانَ) لَبَنُهُنَّ (لَبَنَهُ.
فَرْعٌ: إذَا شُكَّ فِي اسْتِكْمَالِ الْخَمْسِ أَوْ الْحَوْلَيْنِ أَوْ) فِي (وُصُولِهِ جَوْفَهُ) أَوْ فِي أَنَّهُ لَبَنُ امْرَأَةٍ أَوْ فِي أَنَّهُ حُلِبَ فِي حَيَاتِهَا (فَلَا حُرْمَةَ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ (وَلْيُتَوَرَّعْ) فِي ذَلِكَ.

(فَصْلٌ: تَثْبُتُ الْأُبُوَّةُ، وَإِنْ) وَفِي نُسْخَةٍ وَلَوْ (لَمْ تَثْبُتْ الْأُمُومَةُ) كَعَكْسِهِ فِيمَا لَوْ دُرَّ لَبَنُ بِكْرٍ أَوْ ثَيِّبٍ لَا زَوْجَ لَهَا وَذَلِكَ (كَمَنْ ارْتَضَعَ مِنْ خَمْسِ مُسْتَوْلَدَاتٍ رَجُلٍ أَوْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ) مَوْطُوءَاتٍ (وَمُسْتَوْلَدَةٍ) لَهُ بِلَبَنِهِ (رَضْعَةً رَضْعَةً وَلَوْ مُتَوَالِيًا) فَيَصِيرُ وَلَدًا لِذِي اللَّبَنِ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْجَمِيعِ مِنْهُ، وَهُنَّ كَالظُّرُوفِ لَهُ، وَقَدْ تَعَدَّدَتْ الرَّضَعَاتُ، وَإِنَّمَا لَمْ تَثْبُتْ الْأُمُومَةُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُنَّ لَمْ تُرْضِعْهُ خَمْسًا (وَيَحْرُمْنَ) أَيْ الْخَمْسُ (عَلَى الطِّفْلِ؛ لِأَنَّهُنَّ مَوْطُوءَاتُ أَبِيهِ) وَبَعْضُهُنَّ فِي الثَّانِيَةِ زَوْجَاتُ أَبِيهِ، وَقَوْلُهُ رَضْعَةً وَلَوْ مُتَوَالِيًا مِنْ تَصَرُّفِهِ وَلَوْ قَالَ بَدَلَهُ وَلَوْ دَفْعَةً كَانَ أَوْلَى لِيُوَافِقَ مَا قَدَّمْته عَنْ تَصْرِيحِ الْأَصْلِ قُبَيْلَ الْفَرْعِ (وَلَوْ أَرْضَعْنَ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا) ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَهُ (وَلَا غُرْمَ عَلَى مُسْتَوْلَدَتِهِ) إذْ لَا يَثْبُتُ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَمْلُوكِهِ (فَإِنْ أَرْضَعَتْهَا زَوْجَاتُهُ الثَّلَاثُ، وَمُسْتَوْلَدَاتُهُ فَالْجَانِي الْأَخِيرَةُ) مِنْهُنَّ إنْ أَرْضَعَتْهَا مُرَتَّبًا؛ لِأَنَّ الِانْفِسَاخَ يَتَعَلَّقُ

[حاشية الرملي الكبير]

[فَصْلٌ عَدَد الرَّضَاع الْمُحْرِم]

قَوْلُهُ: فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ) قَالَ شَيْخُنَا الظَّاهِرُ أَنَّ النَّاسِخَ مِنْ السُّنَّةِ لَا أَنَّهُ قُرْآنٌ وَنُسِخَ أَيْضًا بِالسُّنَّةِ (قَوْلُهُ: وَقَدَّمَ مَفْهُومَ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ إلَخْ) وَلِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ يُؤَيِّدُ التَّحْرِيمَ إذَا عَرَى عَنْ جِنْسِ الِاسْتِبَاحَةِ افْتَقَرَ إلَى الْعَدَدِ كَاللِّعَانِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرَ عَنْ جِنْسِ الِاسْتِبَاحَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْعَدَدِ كَالنِّكَاحِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَفَظَ الثَّدْيَ) (فَائِدَةٌ) الثَّدْيُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَالتَّذْكِيرُ أَكْثَرُ وَيَكُونُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ لَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّصَهُ بِهَا (قَوْلُهُ: أَوْ لَهَا لَحْظَةً ثُمَّ عَادَ) قَيَّدَ فِي الشَّرْحَيْنِ، وَالرَّوْضَةِ الِاتِّحَادَ فِي مَسْأَلَةِ قَطْعِهِ لِلَّهْوِ بِبَقَاءِ الثَّدْيِ فِي فِيهِ، وَفِي الْمُهِمَّاتِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، وَاسْتَشْهَدَ بِنَصِّ الْمُخْتَصَرِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ إنَّهُ الصَّوَابُ لَكِنْ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ، وَإِنْ بَانَ مِنْ فِيهِ رَضْعَتَانِ.

[فَصْلٌ ثُبُوتُ الْأُبُوَّةُ بِالرَّضَاعِ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ الْأُمُومَةُ]

(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ تَثْبُتْ الْأُمُومَةُ إلَخْ) ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْأُمُومَةَ قَدْ تَثْبُتُ دُونَ الْأُبُوَّةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَصْلٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ بَدَلَهُ، وَلَوْ دُفْعَةً كَانَ أَوْلَى إلَخْ) لَوْ قَالَهُ لَمْ يَصِحَّ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْمَعِيَّةُ فِي ارْتِضَاعِهِ مِنْهُنَّ

بِإِرْضَاعِهَا (فَتَغْرَمُ) مَهْرَ الصَّغِيرَةِ (إنْ كَانَتْ زَوْجَةً) لَا إنْ كَانَتْ مُسْتَوْلَدَةً (، وَإِنْ) أَرْضَعْنَهَا مَعًا كَأَنْ (أَوْجَرْنَهَا لَبَنَهُنَّ مَعًا فَعَلَى الزَّوْجَاتِ ثَلَاثَةُ الْأَخْمَاسِ) مِنْ مَهْرِهَا بِعَدَدِ رَضَعَاتِهِنَّ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى مُسْتَوْلَدَتَيْهِ فَلَوْ جُهِلَتْ الْأَخِيرَةُ مِنْ الصِّنْفَيْنِ أَوْ جُهِلَ فِيمَا إذَا تَأَخَّرَ إرْضَاعُ الثَّلَاثِ هَلْ أَرْضَعْنَ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْغُرْمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ (وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُنَّ) أَيْ الزَّوْجَاتِ؛ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَصِرْنَ أُمَّهَاتِ الصَّغِيرَةِ (وَإِنْ أَوْجَرَهَا الزَّوْجَاتُ) الثَّلَاثُ الرَّضْعَةَ (الْخَامِسَةَ مَعًا اسْتَوَيْنَ فِي الْغُرْمِ وَلَوْ تَفَاضَلْنَ فِي الْإِرْضَاعِ) لِاسْتِوَائِهِنَّ فِي الْإِرْضَاعِ الْمُوجِبِ لِلْغُرْمِ، وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ لِتَغْرِيمِ الزَّوْجِ الْمُرْضِعَةِ عَدَمَ إذْنِهِ لَهَا فِي الْإِرْضَاعِ (وَلَوْ أَرْضَعَتْهُ) أَيْ امْرَأَةٌ صَغِيرًا (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) فِي الْحَوْلَيْنِ (وَتَمَّ الْحَوْلَانِ فِي أَثْنَاءِ) الرَّضْعَةِ (الْخَامِسَةِ صَارَتْ أُمَّهُ) ؛ لِأَنَّ مَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ فِي كُلِّ رَضْعَةٍ غَيْرُ مُقَدَّرٍ كَمَا قَالُوا لَوْ لَمْ يَحْصُلْ فِي جَوْفِهِ إلَّا خَمْسُ قَطَرَاتٍ فِي كُلِّ رَضْعَةٍ قَطْرَةٌ حَرُمَ وَظَاهِرُ نَصِّ الْأُمِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ أُمَّهُ.
(فَرْعٌ: لَا يَصِيرُ) الشَّخْصُ (جَدًّا بِإِرْضَاعِ خَمْسِ الْبَنَاتِ) لَهُ (وَلَا خَالًا بِإِرْضَاعِ خَمْسِ الْأَخَوَاتِ) لَهُ (مَرَّةً مَرَّةً) أَيْ لَا يَصِيرُ جَدًّا مِنْ أُمٍّ لِمُرْتَضِعِ بَنَاتِهِ وَلَا خَالًا لِمُرْتَضِعِ أَخَوَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْجُدُودَةَ لِأُمٍّ والخئولة إنَّمَا يَثْبُتَانِ بِتَوَسُّطِ الْأُمُومَةِ وَلَا أُمُومَةَ بِخِلَافِ الْأُبُوَّةِ تَثْبُتُ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ الْأُمُومَةُ كَمَا مَرَّ.
(فَرْعٌ: وَلَوْ ارْتَضَعَتْ صَغِيرَةٌ) تَحْتَ رَجُلٍ (مِنْ مَوْطُوآته الْخَمْسِ) أَيْ مِنْ كُلٍّ مِنْهُنَّ (رَضْعَةً وَاللَّبَنُ لِغَيْرِهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا رَبِيبَتَهُ) نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ ابْنِ الْقَاصِّ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ مِنْ ثُبُوتِ الْأُمُومَةِ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْجُمْهُورِ فِيهِ فَكَانَ حَقُّ الْمُصَنِّفِ تَرْكَهُ أَوْ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ وَاحِدَةٌ غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ فَلَا تَحْرِيمَ) بَيْنَهُمَا.

(الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ) وَتَحْرِيمُهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُرْضِعَةِ وَالْفَحْلِ ذِي اللَّبَنِ ثُمَّ تَسْرِي الْحُرْمَةُ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ (فَتَحْرُمُ الْمُرْضِعَةُ عَلَى الطِّفْلِ) الرَّضِيعِ (لِأَنَّهَا أُمُّهُ وَآبَاؤُهَا وَأُمَّهَاتُهَا مِنْ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ أَجْدَادُهُ وَجَدَّاتُهُ) فَإِنْ كَانَ أُنْثَى حَرُمَ عَلَى الْأَجْدَادِ نِكَاحُهَا أَوْ ذَكَرًا حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْجَدَّاتِ (وَالْفُرُوعُ كَفُرُوعِ النَّسَبِ) فَأَوْلَادُهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ إخْوَتُهُ، وَأَخَوَاتُهُ وَإِخْوَتُهَا، وَأَخَوَاتُهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَخْوَالُهُ وَخَالَاتُهُ فَيَحْرُمُ التَّنَاكُحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَكَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ بِخِلَافِ أَوْلَادِ الْأُخْوَة وَالْأَخَوَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ أَخْوَالِهِ وَخَالَاتِهِ فَالْمُرَادُ بِالْفُرُوعِ مَا يَشْمَلُ الْحَوَاشِيَ (فَإِنْ نَزَلَ اللَّبَنُ) مِنْ امْرَأَةٍ (عَلَى وَلَدٍ مَنْسُوبٍ) لِشَخْصٍ (وَلَوْ مِنْ) وَطْءِ (شُبْهَةٍ فَأَبُوهُ أَبُو الرَّضِيعِ) وَجَدُّهُ جَدُّهُ وَعَمُّهُ عَمُّهُ وَابْنُهُ ابْنُ أَخِيهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي حُرْمَةِ الرَّضَاعِ فِي حَقِّ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْوَلَدُ إقْرَارُهُ بِالْوَطْءِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ، وَمِثْلُهُ اسْتِدْخَالُ الْمَنِيِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ لَمْ تَثْبُتْ الْحُرْمَةُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ يُخَالِفُهُ (وَلَهُ) أَيْ لِلرَّضِيعِ (مَعَ سَائِرِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ حُكْمُ ابْنِ النَّسَبِ) الْأَوْلَى حُكْمُ وَلَدِ النَّسَبِ مَعَ سَائِرِ فُرُوعِهِ وَأُصُولِهِ فِي التَّحْرِيمِ (إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَبِيهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بَنَاتِ الْمُرْضِعَةِ) ، وَإِنْ كُنَّ أَخَوَاتِ وَلَدِهِ (وَأُمَّهَاتِهَا) ، وَإِنْ كُنَّ جَدَّاتِ وَلَدِهِ (وَلِأَخِيهِ أَنْ يَنْكِحَ الْمُرْضِعَةَ) وَبَنَاتِهَا وَأُمَّهَاتِهَا (بِخِلَافِ) نَظِيرِ ذَلِكَ فِي (النَّسَبِ) لَا يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ (وَالْعِلَّةُ هُنَاكَ الْمُصَاهَرَةُ) أَيْ وُجُودُهَا، وَهِيَ مَنْفِيَّةٌ هُنَا وَتَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ فِي الْبَابِ السَّادِسِ مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ مَعَ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ التَّعْلِيلَ لَا يَتَمَحَّضُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ حُرْمَةَ الرَّضِيعِ تَنْتَشِرُ مِنْهُ إلَى فُرُوعِهِ مِنْ الرَّضَاعِ وَالنَّسَبِ لَا إلَى أُصُولِهِ وَحَوَاشِيهِ، وَأَنَّ حُرْمَتَيْ الْمُرْضِعَةِ وَالْفَحْلِ تَنْتَشِرَانِ إلَى الْجَمِيعِ.
(فَرْعٌ: لَا حُرْمَةَ لِلَبَنِ الزَّانِي) فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَ الصَّغِيرَةَ الْمُرْتَضِعَةَ مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ (وَ) لَكِنْ (يُكْرَهُ لَهُ نِكَاحُ بِنْتِهِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ لَبَنِهِ كَمَا يُكْرَهُ لَهُ نِكَاحُ مَنْ خُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَهُ.

(فَرْعٌ: يَنْتَفِي الرَّضِيعُ بِانْتِفَاءِ الْوَلَدِ بِاللِّعَانِ وَيَلْحَقُ بِلُحُوقِهِ) فَلَوْ نَفَى الزَّوْجُ وَلَدًا بِاللِّعَانِ فَارْتَضَعَتْ صَغِيرَةٌ بِلَبَنِهِ لَمْ تَثْبُتْ الْحُرْمَةُ وَلَوْ ارْتَضَعَتْ بِهِ ثُمَّ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ: فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْغُرْمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَتَمَّ الْحَوْلَانِ) أَيْ أَوْ مَاتَتْ (قَوْلُهُ: فَرْعٌ لَا يَصِيرُ جَدًّا بِإِرْضَاعِ خَمْسِ الْبَنَاتِ لَهُ إلَخْ) لَوْ كَانَ لِزَيْدٍ ابْنٌ، وَابْنُ ابْنٍ، وَأَبٌ وَجَدٌّ، وَأَخٌ فَأَرْضَعَتْ زَوْجَةُ كُلٍّ بِلَبَنِهِ طِفْلَةً مَرَّةً مَرَّةً لَمْ تَحْرُمْ عَلَى زَيْدٍ، وَلَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةُ كُلٍّ مِنْ خَمْسَةِ أُخُوَّة طِفْلَةً لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً لَهَا بِنْتُ ابْنٍ وَبِنْتُ ابْنِ ابْنٍ وَبِنْتُ ابْنِ ابْنِ ابْنٍ فَأَرْضَعَتْ لِلْعُلْيَا طِفْلًا ثَلَاثًا، وَالْأُخْرَيَانِ مَرَّةً مَرَّةً لَمْ تَصِرْ جَدَّةً لِلطِّفْلِ (قَوْلُهُ: حَرُمَتْ لِكَوْنِهَا رَبِيبَةً) قَالَ الْفَتَى هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ شَرْطَ الرَّبِيبَةِ ثُبُوتُ الْأُمُومَةِ، وَلَا أُمُومَةَ هُنَا لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الرَّوْضَةِ إلَّا تَفْرِيعًا عَلَى ضَعِيفٍ فَأَعْمَلَهُ فَغَيَّرْته، وَقُلْت لَمْ تَحْرُمْ فَلْتَصِرْ فِي النُّسَخِ هَكَذَا، وَقَالَ شَيْخُنَا قَالَ فِي الْعُبَابِ: فَرْعٌ: مَنْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَأَمَةٌ مَوْطُوءَاتٍ فَأَرْضَعْنَ طِفْلَةً بِلَبَنِ غَيْرِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ، وَمَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ التَّحْرِيمِ تَفْرِيعًا عَلَى ثُبُوتِ الْأُبُوَّةِ صَوَابُهُ الْأُمُومَةُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.

[الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ]

(الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ) (قَوْلُهُ: فَتَحْرُمُ الْمُرْضِعَةُ عَلَى الطِّفْلِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْمُرْضِعَةِ، وَالْفَحْلِ إلَى أُصُولِهِ، وَفُرُوعِهِ وَحَوَاشِيهِ وَيَنْتَشِرُ مِنْ الرَّضِيعِ إلَى فُرُوعِهِ دُونَ أُصُولِهِ وَحَوَاشِيهِ، وَهَذَا اخْتِصَارُ التَّطْوِيلِ الَّذِي فِي كُتُبِ الْفِقْهِ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ يُخَالِفُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ اعْتِبَارُ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ ضَعِيفٌ، وَإِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ إنَّهُ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّهُ الصَّحِيحُ وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ لَهَا لَبَنٌ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّهَا دُونَ الزَّوْجِ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَمَا أَصَابَهَا أَيْ، وَلَمْ تَحْبَلْ فَالْمَذْهَبُ ثُبُوتُهُ فِي حَقِّهَا دُونَهُ، وَقَالَ فِي زَوَائِدِهِ: حُرْمَتُهُ تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَيْضًا.

[فَرْعٌ يَنْتَفِي الرَّضِيعُ بِانْتِفَاءِ الْوَلَدِ بِاللِّعَانِ]

(قَوْلُهُ: فَرْعٌ يَنْتَفِي الرَّضِيعُ بِانْتِفَاءِ الْوَلَدِ بِاللِّعَانِ) وَيَلْحَقُ بِلُحُوقِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَمْ يَذْكُرُوا هُنَا الْوَجْهَيْنِ فِي نِكَاحِ الَّتِي نَفَاهَا، وَلَا تَبْعُدُ التَّسْوِيَةُ.

لَاعَنَ انْتَفَى الرَّضِيعُ عَنْهُ فَلَوْ اسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ لَحِقَ الرَّضِيعُ أَيْضًا (وَلِلرَّضِيعِ) بَعْدَ كَمَالِهِ (الِانْتِسَابُ إلَى أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ) اللَّذَيْنِ يُحْتَمَلُ كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ يُؤَثِّرُ فِي الطِّبَاعِ، وَمَحِلُّهُ (بَعْدَ مَوْتِ الْوَلَدِ، وَ) مَوْتِ (أَوْلَادِهِ؛ لِأَنَّ أَوْلَادَهُ يَنْتَسِبُونَ) إلَى مَنْ يَنْتَسِبُ هُوَ إلَيْهِ (كَهُوَ) وَبَعْدَ تَعَذُّرِ إلْحَاقِ الْقَائِفِ لِلْوَلَدِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ قَائِفٌ أَوْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا أَوْ تَحَيَّرَ وَلَمْ يَنْتَسِبْ الْوَلَدَ وَلَا أَوْلَادَهُ أَوْ انْتَسَبَ بَعْضَ أَوْلَادِهِ لِهَذَا وَبَعْضَهُمْ لِآخَرَ أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ الِانْتِسَابُ بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِلْوَلَدِ.
(وَيُجْبَرُونَ) أَيْ الْوَلَدُ، وَأَوْلَادُهُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الِانْتِسَابِ لِضَرُورَةِ النَّسَبِ (وَلَا يُجْبَرُ) عَلَيْهِ (الْمُرْتَضِعُ) وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّسَبَ تَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقٌ لَهُ وَعَلَيْهِ كَالْمِيرَاثِ وَالنَّفَقَةِ وَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ وَسُقُوطِ الْقَوَدِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ رَفْعِ الْإِشْكَالِ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالرَّضَاعِ حُرْمَةُ النِّكَاحِ وَالْإِمْسَاكُ عَنْهُ سَهْلٌ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ الْمُرْتَضِعُ (كَمَا لَا يُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ) وَيُفَارِقُ الْوَلَدَ بِأَنَّ مُعْظَمَ اعْتِمَادِ الْقَائِفِ عَلَى الْأَشْبَاهِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْأَخْلَاقِ وَجَوَازِ انْتِسَابِهِ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَمِيلُ إلَى مَنْ ارْتَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ، وَإِذَا انْتَسَبَ إلَى أَحَدِهِمَا كَانَ ابْنَهُ فَلَهُ نِكَاحُ بِنْتِ الْآخَرِ وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ (فَإِنْ لَمْ يَنْتَسِبْ) إلَيْهِ (لَمْ يَنْكِحْ بِنْتَ أَحَدِهِمَا) ؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا أُخْتُهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ.

(فَصْلٌ: وَتَثْبُتُ الْأُبُوَّةُ بِاللَّبَنِ) وَلَوْ (بَعْدَ الطَّلَاقِ وَالْمَوْتِ قَصُرَ الزَّمَانُ أَوْ طَالَ كَعَشْرِ سِنِينَ وَلَوْ انْقَطَعَ اللَّبَنُ وَعَادَ) أَوْ نَكَحَتْ غَيْرَ الْأَوَّلِ وَلَمْ تَلِدْ إذَا لَمْ يَحْدُثْ مَا يُحَالُ اللَّبَنُ عَلَيْهِ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ (وَالْحَمْلُ) مِنْ النَّاكِحِ الثَّانِي (لَا يُثْبِتُهَا) أَيْ الْأُبُوَّةَ (لِلثَّانِي مَا لَمْ تَلِدْ) مِنْهُ، وَإِنْ زَادَ اللَّبَنُ عَلَى مَا كَانَ فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ فَاللَّبَنُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لَهُ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ تَبَعٌ لِلْوَلَدِ وَالْوَلَدُ لَهُ (وَإِذَا حَبِلَتْ مُرْضِعٌ) وَفِي نُسْخَةٍ مُرْضِعَةٌ (مُزَوَّجَةٌ مِنْ) وَطْءِ (زِنًا فَاللَّبَنُ لِلزَّوْجِ مَا لَمْ تَضَعْ ثُمَّ) بَعْدَ الْوَضْعِ (هُوَ لَبَنُ الزِّنَا) نَظِيرُهُ مَا لَوْ حَبِلَتْ بِغَيْرِ زِنًا (وَإِنْ نَزَلَ لِبِكْرٍ لَبَنٌ وَتَزَوَّجَتْ وَحَبِلَتْ) مِنْ الزَّوْجِ (فَاللَّبَنُ لَهَا لَا لِلثَّانِي) الْأَوْلَى لَا لِلزَّوْجِ (مَا لَمْ تَلِدْ) وَلَا أَبٌ لِلرَّضِيعِ فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ فَاللَّبَنُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لَهُ.

(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الرَّضَاعِ الْقَاطِعِ لِلنِّكَاحِ) وَحُكْمُ الْغُرْمِ بِهِ (وَفِيهِ طَرَفَانِ الْأَوَّلُ فِي الْغُرْمِ) بِهِ (فَإِنْ أَرْضَعَتْ مَنْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَجُلٍ (بِنْتُهَا كَأُمِّهِ أَوْ أُخْتِهِ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ (أَوْ زَوْجَتِهِ، وَكَذَا زَوْجَةُ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ أَوْ أَخِيهِ بِلِبَانِهِمْ) أَيْ بِلَبَنِهِمْ (الْإِرْضَاعَ الْمُحَرِّمَ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ) بِالنَّصْبِ بِأَرْضَعَتْ (حَرُمَتْ عَلَيْهِ أَبَدًا) ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ أَوْ بِنْتَ أُخْتِهِ أَوْ بِنْتَ زَوْجَتِهِ أَوْ أُخْتَهُ أَيْضًا أَوْ بِنْتَ ابْنِهِ أَوْ بِنْتَ أَخِيهِ فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ؛ لِأَنَّ مَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ الْمُؤَبَّدَةَ كَمَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ يَمْنَعُ اسْتِدَامَتَهُ بِدَلِيلِ أَنَّ الِابْنَ إذَا وَطِئَ زَوْجَةَ أَبِيهِ بِشُبْهَةٍ انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَطُرُوِّ الرِّدَّةِ وَالْعِدَّةِ لِعَدَمِ إيجَابِهِمَا التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ أَمَّا إذَا كَانَ اللَّبَنُ مِنْ غَيْرِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ فَلَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ تَصِيرَ رَبِيبَةَ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ أَوْ أَخِيهِ وَلَيْسَتْ بِحَرَامٍ عَلَيْهِ (وَلَزِمَهُ) لِلصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ يَطَأْهَا (نِصْفُ الْمُسَمَّى) إنْ صَحَّ (أَوْ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ إنْ فَسَدَ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فُرْقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا مِنْ جِهَتِهَا فَيُشْطَرُ الْمَهْرُ لَهُ كَالطَّلَاقِ (وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ وَلَوْ لَزِمَهَا الْإِرْضَاعُ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُرْضِعَةٌ غَيْرُهَا أَوْ لَمْ تَقْصِدْ بِإِرْضَاعِهَا فَسْخَ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ غَرَامَةَ الْإِتْلَافِ لَا تَخْتَلِفُ بِذَلِكَ (بِنِصْفِ مَهْرِ) الْمِثْلِ اعْتِبَارًا لِمَا يَجِبُ لَهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ (لَا غَيْرُ) أَيْ لَا جَمِيعَ مَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا جَمِيعَ الْمُسَمَّى وَلَا نِصْفَهُ وَفَارَقَ ذَلِكَ شُهُودَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا رَجَعُوا حَيْثُ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ الزَّوْجُ بِجَمِيعِ مَهْرِ الْمِثْلِ بِأَنَّ فُرْقَةَ الرَّضَاعِ حَقِيقَةٌ فَلَا تُوجِبُ إلَّا النِّصْفَ كَالْمُفَارَقَةِ بِالطَّلَاقِ وَفِي الشَّهَادَةِ النِّكَاحَ بِأَنْ يَزْعُمَ الزَّوْجُ وَالشُّهُودُ لَكِنَّهُمْ بِشَهَادَتِهِمْ حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبُضْعِ فَغَرِمُوا قِيمَتَهُ كَالْغَاصِبِ الْحَائِلِ بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْمَغْصُوبِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ نِكَاحِ الْكَبِيرَةِ وَمَهْرِهَا.
(وَيُؤْخَذُ مِنْ كَسْبِ) الزَّوْجِ (الْعَبْدِ نِصْفُ الْمُسَمَّى) أَوْ مَهْرُ مِثْلِ (زَوْجَتِهِ) الصَّغِيرَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْهَا مَنْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ بِنْتُهَا (وَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ) ، وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ لَمْ يَفُتْ إلَّا عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا حَقَّ لِلسَّيِّدِ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَدَلُ الْبُضْعِ فَكَانَ لِلسَّيِّدِ كَعِوَضِ الْخُلْعِ.
(فَرْعٌ) لَوْ (نَكَحَ عَبْدٌ أَمَةً صَغِيرَةً مُفَوَّضَةً) بِتَفْوِيضِ سَيِّدِهَا (فَأَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ) مَثَلًا (فَلَهَا الْمُتْعَةُ فِي كَسْبِهِ وَلَا يُطَالِبُ) سَيِّدُهُ الْمُرْضِعَةَ (إلَّا بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ) وَصَوَّرُوا ذَلِكَ

[حاشية الرملي الكبير]

[فَصْلٌ تَثْبُتُ الْأُبُوَّةُ بِاللَّبَنِ]

قَوْلُهُ: ثُمَّ هُوَ بَعْدَ الْوَضْعِ لَبَنُ الزِّنَا إلَخْ) سَكَتُوا عَمَّا لَوْ وَضَعَتْ حَمْلًا مِنْ الزِّنَا قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَنْقَطِعَ فِيهِ اللَّبَنُ عَنْ الزَّوْجِ بِهَذَا اللَّبَنِ الْمُتَجَدِّدِ كَالشُّبْهَةِ، وَالنِّكَاحِ وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ لَبَنَ وَلَدِ الزِّنَا لَا حُرْمَةَ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ فِي قَطْعِهِ لِمَنْ لَهُ حُرْمَةٌ، وَقَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا ضَعِيفٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الزَّانِيَةَ إذَا وَضَعَتْ، وَلَدًا مِنْ الزِّنَا ثُمَّ أَرْضَعَتْ بِلِبَانِهِ صَبِيًّا فَإِنَّ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ تَثْبُتُ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَوَلَدِ الزِّنَا.

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الرَّضَاعِ الْقَاطِعِ لِلنِّكَاحِ]

[الطَّرَف الْأَوَّل فِي الْغُرْمِ بِالرَّضَاعِ]

(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الرَّضَاعِ الْقَاطِعِ لِلنِّكَاحِ) (قَوْلُهُ: وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ، وَلَوْ لَزِمَهَا الْإِرْضَاعُ إلَخْ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّمَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ بِالْغُرْمِ إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهَا فِي الْإِرْضَاعِ فَإِذَا أَذِنَ فَلَا غُرْمَ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ عَدَمُ الرُّجُوعِ عَلَيْهَا فِيمَا إذَا أَكْرَهَهَا؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الْإِذْنِ الْمُجَرَّدِ (قَوْلُهُ: فَرْعٌ: لَوْ نَكَحَ عَبْدٌ أَمَةً صَغِيرَةً مُفَوَّضَةً إلَخْ) يُتَصَوَّرُ فِي الْحُرِّ أَيْضًا بِصُوَرٍ.
الْأُولَى إذَا كَانَ مَمْسُوحًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ الْأَمَةَ مُطْلَقًا وَيَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَتَيْنِ، وَالثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَلَّلَهُ بِالْأَمْنِ مِنْ إرْقَاقِ الْوَلَدِ، وَمِنْهَا إذَا نَكَحَ ذِمِّيٌّ أَمَةً صَغِيرَةً ثُمَّ تَرَافَعُوا إلَيْنَا بَعْدَ حُصُولِ الرَّضَاعَةِ، وَمِنْهَا أَنْ يَنْكِحَ الذِّمِّيُّ أَمَةً صَغِيرَةً ثُمَّ يُسْلِمَ، وَهُوَ مُسْتَكْمِلٌ لِلشَّرَائِطِ فَإِنَّهُ يُقَرُّ عَلَيْهَا كَمَا أَوْضَحُوهُ فِي بَابِهِ وَيُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ.

بِالْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْحُرَّةِ، وَالتَّصْرِيحُ بِكَوْنِ الْمُتْعَةِ فِي الْكَسْبِ مِنْ زِيَادَتِهِ.

(فَرْعٌ) لَوْ (أَوْجَرَهَا) أَيْ الصَّغِيرَةَ (أَجْنَبِيٌّ لَبَنَ أُمِّ الزَّوْجِ) سَوَاءٌ أَحَلَبَهُ مِنْهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ (فَالرُّجُوعُ) لِلزَّوْجِ بِالْغُرْمِ (عَلَيْهِ) لَا عَلَى أُمِّ الزَّوْجِ (وَلَوْ أَكْرَهَ) الْأَجْنَبِيُّ (الْأُمَّ) عَلَى إرْضَاعِهَا (فَأَرْضَعَتْهَا فَالْغُرْمُ عَلَيْهَا) طَرِيقًا وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُكْرِهِ لِيُوَافِقَ قَاعِدَةَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِتْلَافِ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْأَبْضَاعَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ وَبِأَنَّ الْغُرْمَ هُنَا لِلْحَيْلُولَةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ فِي الْمُكْرَهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْحُرَّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ مَعَ دُخُولِ إتْلَافِهِ فِي الْقَاعِدَةِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْغُرْمَ هُنَا الْحَيْلُولَةُ يَرُدُّهُ مَا مَرَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا هُنَا وَشُهُودِ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا.
(وَإِنْ أَوْجَرَهَا خَمْسَةٌ) مِنْ النَّاسِ (مَرَّةً غَرِمُوهُ) أَيْ مَا لَزِمَهُمْ بِالْإِيجَارِ (أَخْمَاسًا) وَلَوْ كَانَ اللَّبَنُ مِنْ وَاحِدَةٍ اعْتِبَارًا بِالْعَدَدِ (أَوْ) أَوْجَرَهَا (ثَلَاثَةٌ مُتَفَاضِلِينَ) بِأَنْ أَوْجَرَهَا وَاحِدٌ مَرَّةً وَالْآخَرَانِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ (فَعَلَى عَدَدِ الرَّضَعَاتِ) يَغْرَمُونَ (لَا) عَلَى عَدَدِ (الرُّءُوسِ) ؛ لِأَنَّ انْفِسَاخَ النِّكَاحِ يَتَعَلَّقُ بِعَدَدِ الرَّضَعَاتِ فَعَلَى الْأَوَّلِ خُمُسُ الْغُرْمِ وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْآخَرَيْنِ خُمُسَاهُ، وَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ إنَّمَا يَأْتِيَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّغْرِيمَ لَا يَخْتَصُّ بِالْخَامِسَةِ فَإِنْ قُلْنَا بِاخْتِصَاصِهِ بِهَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ اخْتَصَّ الْغُرْمُ بِالْأَخِيرِ كَمَا مَرَّ.

(فَرْعٌ) لَوْ (أَرْضَعَتْ أُمُّ زَوْجَتِهِ الْكَبِيرَةِ أَوْ أُخْتِهَا أَوْ بِنْتِ أَخِيهَا زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا) ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا فِي الْأُولَى أُخْتَيْنِ، وَالْكَبِيرَةُ فِي الثَّانِيَةِ خَالَةٌ لِلصَّغِيرَةِ وَفِي الثَّالِثَةِ عَمَّةٌ لِأُمِّهَا وَلَا سَبِيلَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا (وَيَنْكِحُ) بَعْدَ ذَلِكَ (إحْدَاهُمَا) إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ عَلَيْهِ جَمْعُهُمَا (فَإِنْ أَرْضَعَتْهَا بِنْتُ الْكَبِيرَةِ حُرِّمَتْ الْكَبِيرَةُ) عَلَيْهِ (أَبَدًا) ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ جَدَّةَ زَوْجَتِهِ (وَكَذَا الصَّغِيرَةُ إنْ كَانَتْ الْكَبِيرَةُ مَدْخُولًا بِهَا) ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ رَبِيبَةً بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا (وَالْغُرْمُ) فِيمَا ذُكِرَ (كَمَا سَبَقَ) فَعَلَيْهِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ الْمُسَمَّى أَوْ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِ وَلَهُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ (إلَّا أَنَّ الْمَمْسُوسَةَ تُطَالِبُهُ بِكُلِّ الْمُسَمَّى) أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ (وَيَرْجِعُ) الزَّوْجُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ (بِمَهْرِ الْمِثْلِ) لِتَفْوِيتِهَا مَنَافِعَ الْبُضْعِ عَلَيْهِ، وَكَمَا لَوْ شَهِدُوا بِالطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ ثُمَّ رَجَعُوا، وَكَمَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ رَاجَعَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَأَنْكَرَتْ فَصَدَّقْنَاهَا بِيَمِينِهَا فَنَكَحَتْ ثُمَّ أَقَرَّتْ بِالرَّجْعَةِ لِلْأَوَّلِ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهَا عَلَى الثَّانِي وَتَغْرَمُ لِلْأَوَّلِ مَهْرَ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ بُضْعَهَا عَلَيْهِ (، وَإِنْ دَبَّتْ الصَّغِيرَةُ وَارْتَضَعَتْ بِنَفْسِهَا مِنْ الزَّوْجَةِ الْكَبِيرَةِ فَلَا غُرْمَ عَلَى ذَاتِ اللَّبَنِ وَلَوْ أَمْكَنَهَا الدَّفْعُ) بِأَنْ تَكُونَ مُسْتَيْقِظَةً سَاكِتَةً؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا (وَلَا مَهْرَ لِلصَّغِيرَةِ) ؛ لِأَنَّ الِانْفِسَاخَ حَصَلَ بِفِعْلِهَا وَذَلِكَ يُسْقِطُ الْمَهْرَ قَبْلَ الدُّخُولِ (بَلْ يَرْجِعُ) الزَّوْجُ (فِي مَالِهَا بِنِسْبَةِ مَا غَرِمَ لِلْكَبِيرَةِ) فَيَرْجِعُ فِيهِ بِمَهْرِ مِثْلِ الْكَبِيرَةِ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَإِلَّا فَبِنِصْفِهِ لِمَا مَرَّ (وَإِنْ حَمَلَتْ الرِّيحُ اللَّبَنَ) مِنْ الْكَبِيرَةِ إلَى جَوْفِ الصَّغِيرَةِ (فَلَا رُجُوعَ لَهُ) عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إذْ لَا صُنْعَ مِنْهُمَا (وَلَوْ دَبَّتْ الصَّغِيرَةُ) فَارْتَضَعَتْ مِنْ أُمِّ الزَّوْجِ (مَرَّتَيْنِ، وَأَرْضَعَتْهَا أُمُّ الزَّوْجِ ثَلَاثًا سَقَطَ) مِنْ نِصْفِ مَهْرِهَا (الْخُمُسَانِ) وَلَزِمَ الزَّوْجَ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ وَيَرْجِعُ عَلَى أُمِّهِ بِثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ (وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا) أَرْبَعًا (ثُمَّ دَبَّتْ إلَى الْمُرْضِعَةِ) الْخَامِسَةِ فَأَرْضَعَتْهَا (سَقَطَ الْخُمُسُ لَكِنْ مِنْ نِصْفِ الْمَهْرِ) بِزِيَادَةٍ لَكِنْ بِلَا حَاجَةٍ وَلَزِمَ الزَّوْجَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ (وَيَرْجِعُ عَلَى أُمِّهِ بِأَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ) هَذَا، وَمَا قَبْلَهُ إنَّمَا يَأْتِيَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّغْرِيمَ لَا يَخْتَصُّ بِالْخَامِسَةِ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْأَصْلُ فِي الْأَخِيرِ وَلَفْظَةُ نِصْفِ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي نُسَخِ الرَّافِعِيِّ الْمُعْتَمَدَةِ.

جارٍ التحميل