(فَصْلٌ وَلِلْحَلَالِ، وَلَوْ كَافِرًا) مُلْتَزِمَ الْأَحْكَامِ (حُكْمُ الْمُحْرِمِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأنصاري، زكريا
- الكتاب
- أسنى المطالب في شرح روض الطالب
- المؤلف
- زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
- عدد الأجزاء
- 4
- الناشر
- دار الكتاب الإسلامي
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومعه حاشية الرملي الكبير]
مِنْ تَحْرِيمِ تَعَرُّضٍ وَلُزُومِ جَزَاءٍ وَغَيْرِهِمَا (وَلِمَالِكِ صَيْدِ الْحِلِّ) مَا لَمْ يُحْرِمْ (ذَبْحُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ) كَيْفَ شَاءَ (فِي الْحَرَمِ كَالنَّعَمِ) ؛ لِأَنَّهُ صَيْدُ حِلٍّ (وَإِنْ أَرْسَلَ الْحَلَالُ كَلْبًا) مِنْ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ مُقَيَّدٍ بِمَا يَأْتِي فَقَتَلَهُ (أَوْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ هُوَ) أَيْ كُلَّهُ (أَوْ بَعْضَ قَوَائِمِهِ) ، وَلَوْ وَاحِدَةً (أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ أَرْسَلَ كَلْبًا مِنْ الْحَرَمِ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ هُوَ أَوْ بَعْضُ قَوَائِمِهِ أَوْ رَمَى مِنْ الْحَرَمِ صَيْدًا كَذَلِكَ (ضَمِنَهُ) تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ؛ وَلِأَنَّ الصَّيْدَ فِي صُورَةِ الْعَكْسِ مُحَرَّمٌ عَلَى مَنْ فِي الْحَرَمِ وَفِيمَا قَبْلَهُ أَصَابَهُ فِي مَحَلِّ أَمْنِهِ وَإِنَّمَا ضَمِنَهُ الْكَافِرُ؛ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانٌ يَتَعَلَّقُ بِالْإِتْلَافِ فَأَشْبَهَ ضَمَانَ الْأَمْوَالِ وَيُفَارِقُ مَا ذَكَرَ عَدَمُ الضَّمَانِ فِيمَا لَوْ سَعَى مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ أَوْ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحِلِّ لَكِنْ سَلَكَ فِي أَثْنَاءِ سَعْيِهِ الْحَرَمَ فَقَتَلَ الصَّيْدَ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ الِاصْطِيَادِ مِنْ حِينِ الرَّمْيِ أَوْ نَحْوِهِ لَا مِنْ حِينِ السَّعْيِ.
وَلِهَذَا تُشْرَعُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ إرْسَالِ السَّهْمِ أَوْ نَحْوِهِ لَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّعْيِ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَفِيهِ عَنْ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ الْحَرَمِ وَنَصَبَ شَبَكَةً بِالْحِلِّ فَتَعَقَّلَ بِهَا صَيْدٌ لَمْ يَضْمَنْهُ وَنَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي وَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَمِنْ الْفَرْقِ السَّابِقِ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ الْحَرَمِ وَرَمَى إلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِكَوْنِ غَيْرِ قَوَائِمِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ كَرَأْسِهِ، وَلَوْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى قَائِمَتِهِ الَّتِي فِي الْحَرَمِ فَقِيَاسُ نَظَائِرِهِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ اعْتِبَارِ الْقَوَائِمِ هُوَ فِي الْقَائِمِ، أَمَّا النَّائِمُ فَالْعِبْرَةُ بِمُسْتَقَرِّهِ قَالَهُ فِي الِاسْتِقْصَاءِ.
اهـ.
فَلَوْ نَامَ وَنِصْفُهُ فِي الْحَرَمِ وَنِصْفُهُ فِي الْحِلِّ حَرُمَ كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ وَعَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الرَّأْسِ وَنَحْوِهِ شَرْطُهُ أَنْ يُصِيبَ الرَّامِي الْجُزْءَ الَّذِي مِنْ الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ، فَلَوْ أَصَابَ رَأْسَهُ فِي الْحَرَمِ ضَمِنَهُ، وَإِنْ كَانَ قَوَائِمُهُ كُلُّهَا فِي الْحِلِّ، وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ: إنَّ كَلَامَ الْقَاضِي يَقْتَضِيهِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ (وَكَذَا) يَضْمَنُهُ (لَوْ كَانَا فِي الْحِلِّ وَمَرَّ السَّهْمُ لَا الْكَلْبُ فِي الْحَرَمِ) فَأَصَابَهُ وَقَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَرْسَلَ السَّهْمَ إلَيْهِ فِي الْحَرَمِ بِخِلَافِهِ فِي الْكَلْبِ لَا ضَمَانَ فِيهِ بِذَلِكَ بِقَيْدٍ زَادَهُ بِقَوْلِهِ (إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ) أَيْ الْحَرَمُ (طَرِيقًا) لَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا بِخِلَافِ السَّهْمِ فَإِنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لَهُ إلَى الْحَرَمِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ أَلْجَأَهُ إلَى الدُّخُولِ فِيهِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْكَلْبُ مُعَلَّمًا (وَلَوْ دَخَلَ الصَّيْدُ) الْمَرْمِيُّ إلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ، وَهُوَ فِي الْحِلِّ (الْحَرَمَ فَقَتَلَهُ السَّهْمُ فِيهِ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَصَابَهُ فِي مَحَلِّ أَمْنِهِ، وَكَذَا لَوْ أَصَابَ صَيْدًا فِيهِ كَانَ مَوْجُودًا فِيهِ قَبْلَ رَمْيِهِ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ (لَا الْكَلْبُ) فَلَا يَضْمَنُ مُرْسِلُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا كَمَا مَرَّ (لَا إنْ عَدِمَ الصَّيْدُ مَفَرًّا غَيْرَ الْحَرَمِ) عِنْدَ هَرَبِهِ فَإِنَّهُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُرْسِلُ عَالِمًا بِالْحَالِ أَمْ جَاهِلًا (وَ) لَكِنْ (لَا يَأْثَمُ الْجَاهِلُ بِذَلِكَ) .
(فَرْعٌ) لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا أَوْ سَهْمًا مِنْ الْحِلِّ إلَى صَيْدٍ فِيهِ فَوَصَلَ إلَيْهِ فِي الْحِلِّ وَتَحَامَلَ الصَّيْدُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَقْلِ الْكَلْبِ لَهُ إلَى الْحَرَمِ فَمَاتَ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ احْتِيَاطًا لِحُصُولِ قَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ نَقَلَ ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ.
(فَرْعٌ) لَوْ (قَتَلَ) حَلَالٌ (فِي الْحِلِّ حَمَامَةً، وَلَهَا فِي الْحَرَمِ فَرْخٌ) فَهَلَكَ (ضَمِنَهُ) دُونَهَا؛ لِأَنَّهُ أَهْلَكَهُ بِقَطْعِ مُتَعَهِّدِهِ فَأَشْبَهَ رَمْيَهُ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ بِخِلَافِهَا؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهَا فِي الْحِلِّ (أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ قَتَلَهَا فِي الْحَرَمِ، وَلَهَا فِي الْحِلِّ فَرْخٌ فَهَلَكَ (ضَمِنَهُمَا) أَمَّا هُوَ فَكَمَا لَوْ رَمَاهُ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ، وَأَمَّا هِيَ فَلِقَتْلِهَا فِي الْحَرَمِ وَكَقَتْلِ الْحَمَامَةِ فِيمَا ذُكِرَ أَخْذُهَا وَبِهِ صَرَّحَ الْأَصْلُ (وَلَوْ) وَفِي نُسْخَةٍ، وَإِنْ (نَفَّرَ مُحْرِمٌ صَيْدًا) ، وَلَوْ فِي الْحِلِّ (أَوْ نَفَّرَهُ حَلَالٌ فِي الْحَرَمِ فَهَلَكَ بِسَبَبِهِ) أَيْ بِسَبَبِ التَّنْفِيرِ بِصَدْمَةٍ أَوْ أَخْذِ سَبُعٍ أَوْ قَتْلِ حَلَالٍ لَهُ فِي الْحِلِّ أَوْ نَحْوِهَا (ضَمِنَهُ) وَيَسْتَمِرُّ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَسْكُنَ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ تَلِفَ بِهِ فِي نِفَارِهِ صَيْدٌ آخَرُ ضَمِنَهُ أَيْضًا (لَا إنْ أَتْلَفَهُ مُحْرِمٌ) ، وَلَوْ فِي الْحِلِّ (أَوْ حَلَالٌ فِي الْحَرَمِ) فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُنَفِّرِ بَلْ عَلَى الْمُتْلِفِ تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشَرَةِ.
[فَصْلٌ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ غَيْرِ الْمُؤْذِي]
(فَصْلٌ يَحْرُمُ) عَلَى الْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ (قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ الرَّطْبِ غَيْرِ الْمُؤْذِي) مُبَاحًا أَوْ مَمْلُوكًا (حَتَّى مَا يَسْتَنْبِتُ مِنْهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يَسْتَنْبِتُهُ النَّاسُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ لَا يُعْضَدُ شَجَرَهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ فَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ فَقَالَ: إلَّا الْإِذْخِرَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالْعَضْدُ الْقَطْعُ، وَإِذَا حَرُمَ الْقَطْعُ فَالْقَلْعُ أَوْلَى وَبِهِ صَرَّحَ الْأَصْلُ وَالْخَلَا بِالْقَصْرِ الْحَشِيشُ الرَّطْبُ وَالْإِذْخِرُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ حَلْفَاءُ مَكَّةَ وَاحِدَتُهُ إذْخِرَةٌ وَقِيسَ بِمَكَّةَ بَاقِي الْحَرَمِ وَسَيَأْتِي حُكْمُ غَيْرِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَلُزُومِ جَزَاءٍ وَغَيْرِهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ يَحْرُمُ قَتْلُهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَضَمِنَهُ كَالْمُحْرِمِ فِي صَيْدِ غَيْرِ الْحَرَمِ (قَوْلُهُ أَمَّا النَّائِمُ فَالْعِبْرَةُ بِمُسْتَقَرِّهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ حَرُمَ كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَلَوْ أَصَابَ رَأْسَهُ فِي الْحَرَمِ ضَمِنَهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَمَرَّ السَّهْمُ أَوْ نَحْوُهُ) كَرُمْحٍ أَوْ عَصًا
[فَرْعٌ أَرْسَلَ كَلْبًا مِنْ الْحِلِّ إلَى صَيْدٍ فِيهِ فَوَصَلَ إلَيْهِ فِي الْحِلِّ فَمَاتَ فِي الْحَرَمِ]
(قَوْلُهُ نَقَلَ ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ) قَالَ شَيْخُنَا: هُوَ الْأَصَحُّ إذْ تَمَامُ الْفِعْلِ حَصَلَ فِي الْحَرَمِ فَصَارَ مَقْتُولَ حَرَمٍ، وَأَمَّا الضَّمَانُ فَلَا مُوجِبَ لَهُ
[فَرْعٌ قَتَلَ حَلَالٌ فِي الْحِلِّ حَمَامَةً وَلَهَا فِي الْحَرَمِ فَرْخٌ فَهَلَكَ]
(قَوْلُهُ أَيْ يَسْتَنْبِتُهُ النَّاسُ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي نُكَتِهِ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَأْخُذَ إنْسَانٌ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ فِي الْحَرَمِ فَيَغْرِسَهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ فَيَنْبُتُ وَيَصِيرُ شَجَرَةً فَمَنْ قَطَعَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ ذَكَرَ هَذَا التَّصْوِيرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ وَصَوَّرَهَا صَاحِبُ التَّهْذِيبِ بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِنْبَاتِهِ كَالْأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ وَالصَّنَوْبَرِ وَالْخِلَافِ وَالْفِرْصَادِ انْتَهَى.
وَجَرَى فِي الرَّوْضَةِ عَلَى مَا فِي التَّهْذِيبِ
الشَّجَرِ مِنْ سَائِرِ النَّبَاتِ (فَلَا يَحْرُمُ الْيَابِسُ) أَيْ قَطْعُهُ، وَلَا قَلْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَابِتًا فِي الْحَرَمِ بَلْ مَغْرُوزٌ فِيهِ وَكَمَا لَوْ قَدَّ صَيْدًا مَيِّتًا (وَلَا ذُو الشَّوْكِ) كَعَوْسَجٍ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ الْمُرُورُ كَالصَّيْدِ الْمُؤْذِي وَفِي وَجْهٍ صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَاخْتَارَهُ فِي نُكَتِهِ يَحْرُمُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ «، وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّيْدِ الْمُؤْذِي أَنَّهُ يَقْصِدُ الْأَذَى بِخِلَافِ الشَّجَرِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلِلْقَائِلِ بِالْمَذْهَبِ أَنْ يُجِيبَ بِأَنَّهُ مُخَصَّصٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى قَتْلِ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ، وَرَدَّهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ الشَّوْكَ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ فَكَيْفَ يَجِيءُ التَّخْصِيصُ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ الشَّوْكَ يَتَنَاوَلُ الْمُؤْذِيَ وَغَيْرَهُ وَالْقَصْدُ تَخْصِيصُهُ بِالْمُؤْذِي
(وَإِنْ غُرِسَتْ شَجَرَةٌ حَرَمِيَّةٌ فِي الْحِلِّ أَوْ حِلِّيَّةٌ فِي الْحَرَمِ لَمْ تَنْتَقِلْ الْحُرْمَةُ عَنْهَا) فِي الْأُولَى (وَلَا إلَيْهَا) فِي الثَّانِيَةِ بِخِلَافِ صَيْدٍ دَخَلَ الْحَرَمَ إذْ لِلشَّجَرِ أَصْلٌ ثَابِتٌ فَاعْتُبِرَ مَنْبَتُهُ بِخِلَافِ الصَّيْدِ فَاعْتُبِرَ مَكَانُهُ (وَلَا تُضْمَنُ الْحَرَمِيَّةُ) الْمَنْقُولَةُ مِنْ الْحَرَمِ إلَيْهِ أَوْ إلَى الْحِلِّ (إنْ نَبَتَتْ) فِيهِ (بَلْ يَجِبُ رَدُّهَا إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْحَرَمِ إنْ نَقَلَهَا إلَى الْحِلِّ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَتِهَا فَمَحَلُّ عَدَمِ الضَّمَانِ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ إذَا نَقَلَهَا إلَى الْحَرَمِ، وَإِلَّا فَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الرُّويَانِيُّ وَالْعِمْرَانِيُّ بِالضَّمَانِ، وَإِنْ نَبَتَتْ مَا لَمْ يُعِدْهَا إلَى الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَهَا لِلْإِيذَاءِ بِوَضْعِهَا فِي الْحِلِّ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَزَالَ امْتِنَاعَ الصَّيْدِ (وَمَنْ قَلَعَهَا) مِنْ الْحِلِّ (ضَمِنَهَا) إبْقَاءً لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ وَالْمُرَادُ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا كَمَا فِي الْغَصْبِ أَمَّا إذَا لَمْ تَنْبُتْ فَيَضْمَنُهَا نَاقِلُهَا مُطْلَقًا (وَلَا يَضْمَنُ غُصْنًا فِي الْحَرَمِ أَصْلُهُ فِي الْحِلِّ) إذَا قَطَعَهُ نَظَرًا لِأَصْلِهِ (وَيَضْمَنُ صَيْدًا) قَتَلَهُ (فَوْقَهُ) أَيْ فَوْقَ الْغُصْنِ نَظَرًا إلَى مَكَانِهِ (وَحُكْمُ عَكْسِهِ) ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْغُصْنِ فِي الْحَرَمِ وَالْغُصْنُ فِي الْحِلِّ وَالصَّيْدُ فَوْقَهُ (عَكْسُ حُكْمِهِ) أَيْ يَضْمَنُ الْغُصْنَ كَمَا يَضْمَنُ الْأَصْلَ، وَلَا يَضْمَنُ الصَّيْدَ قَالَ الْفُورَانِيُّ، وَلَوْ غَرَسَ فِي الْحِلِّ نَوَاةَ شَجَرَةٍ حَرَمِيَّةٍ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْأَصْلِ (وَتَحْرُمُ شَجَرَةٌ) أَيْ قَطْعُ شَجَرَةٍ (أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ) تَغْلِيبًا لِلْحَرَمِ (وَلَا ضَمَانَ بِقَطْعِ الْأَغْصَانِ) الْحَرَمِيَّةِ (الْمُؤْذِيَةِ) لِلنَّاسِ (فِي الطَّرِيقِ) كَمَا فِي قَتْلِ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ.
(فَرْعٌ) لَوْ (أَخَذَ غُصْنًا) مِنْ شَجَرَةٍ حَرَمِيَّةٍ (فَأَخْلَفَ مِثْلَهُ فِي سَنَتِهِ بِأَنْ كَانَ لَطِيفًا) كَالسِّوَاكِ (فَلَا ضَمَانَ، وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ أَوْ أَخْلَفَ لَا مِثْلَهُ أَوْ مِثْلَهُ لَا فِي سَنَتِهِ (وَجَبَ) الضَّمَانُ وَسَبِيلُهُ سَبِيلُ ضَمَانِ جَرْحِ الصَّيْدِ (ثُمَّ) بَعْدَ وُجُوبِ ضَمَانِهِ (إذَا أَخْلَفَ) مِثْلَهُ (لَمْ يَسْقُطْ) ضَمَانُهُ كَمَا لَوْ قَلَعَ سِنَّ مَثْغُورٍ فَنَبَتَتْ وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْجِيحِ مِنْ زِيَادَتِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْغُصْنُ لَا يَخْلُفُ عَادَةً، وَإِلَّا فَهُوَ بِسِنِّ الصَّغِيرِ أَشْبَهُ فَلَا ضَمَانَ قَالَ: وَيَشْهَدُ لَهُ مَا سَيَذْكُرُهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْحَشِيشِ (وَيَجُوزُ أَخْذُ أَوْرَاقِهَا) أَيْ الْأَشْجَارِ قَالَ الْمُتَوَلِّي؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ نَقْصًا (بِلَا خَبْطٍ كَيْ لَا يَضُرَّ بِهَا) وَخَبْطُهَا حَرَامٌ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَنَقَلَ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ ثَمَرِهَا وَعُودِ السِّوَاكِ وَنَحْوِهِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْغُصْنَ اللَّطِيفَ، وَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ وَنَقَلَ مَا يُؤَيِّدُهُ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ.
[فَرْعٌ فِي قَطْعِ أَوْ قَلَعَ الشَّجَرَةِ الْحَرَمِيَّةِ الْكَبِيرَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ]
(فَرْعٌ فِي) قَطْعِ أَوْ قَلَعَ (الشَّجَرَةِ) الْحَرَمِيَّةِ (الْكَبِيرَةِ) بِأَنْ تُسَمَّى كَبِيرَةً عُرْفًا (- بَقَرَةٌ) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِتَوْقِيفٍ سَوَاءٌ أَخْلَفَتْ الشَّجَرَةُ أَمْ لَا.
قَالَ فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ بَدَنَةً قَالَ السُّبْكِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ لَمْ يَسْمَحُوا بِهَا عَنْ الْبَقَرَةِ، وَلَا عَنْ الشَّاةِ انْتَهَى.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُمْ رَاعَوْا الْمِثْلِيَّةَ فِي الصَّيْدِ بِخِلَافِهَا هُنَا (تَخْيِيرًا وَتَعْدِيلًا) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ وَالتَّعْدِيلِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ (كَالصَّيْدِ وَفِي) الشَّجَرَةِ (الصَّغِيرَةِ مَا لَمْ تَنْقُصْ عَنْ سُبُعِهَا) أَيْ الْكَبِيرَةِ (شَاةٌ) تَخْيِيرًا وَتَعْدِيلًا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ ضَبْطِ الصَّغِيرَةِ بِذَلِكَ أَنَّ الْبَقَرَةَ لَا بُدَّ مِنْ إجْزَائِهَا فِي التَّضْحِيَةِ، وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْلِ فِي الدِّمَاءِ وَصَرَّحَ بِهِ شَارِحُ التَّعْجِيزِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ) وَالتَّصْحِيحِ وَالتَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ: وَيُجَابُ بِأَنَّ الشَّوْكَ يَتَنَاوَلُ الْمُؤْذِيَ وَغَيْرَهُ إلَخْ) قَالَ بَعْضُهُمْ وَقَدْ يُقَالُ: الْمُبَاحُ قَطْعُ نَفْسِ الشَّوْكِ وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيثِ قَطْعُ نَفْسِ الشَّجَرَةِ وَقَدْ قَالُوا يَجُوزُ قَطْعُ غُصْنِ شَجَرَةٍ حَرَمِيَّةٍ انْتَشَرَ إلَى الطَّرِيقِ وَمَنَعَ الْمُرُورَ وَأَضَرَّ بِالْمَارَّةِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الْفُورَانِيُّ، وَلَوْ غَرَسَ فِي الْحِلِّ نَوَاةً إلَخْ) قَالَ الْإِمَامُ قَالَ أَئِمَّتُنَا: إنَّ مَنْ أَدْخَلَ نَوَاةً الْحَرَمَ أَوْ قَضِيبًا حُلِيًّا فَغَرَسَهُ فِي الْحَرَمِ فَعَلِقَ وَبَسَقَ لَمْ يَصِرْ شَجَرَةً حَرَمِيَّةً قَالَ فِي الْبَيَانِ وَذَكَرَ الْمَسْعُودِيُّ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ غُصْنًا مِنْ أَغْصَانِ شَجَرِ الْحَرَمِ أَوْ نَوَاةً فَغَرَسَهَا فِي مَوْضِعٍ ثَبَتَ لَهَا حُرْمَةُ الْأَصْلِ.
[فَرْعٌ أَخَذَ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ حَرَمِيَّةٍ وَهُوَ مُحْرِم]
(قَوْلُهُ فِي قَطْعٍ أَوْ قَلْعٍ إلَخْ) الْمَعْرُوفُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَطْعِهَا وَقَلْعِهَا (قَوْلُهُ الشَّجَرَةِ الْكَبِيرَةِ إلَخْ) الْكَبِيرَةُ فِيمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ الَّتِي أَخَذَتْ حَدَّهَا فِي النُّمُوِّ وَالْكِبَرِ وَانْتِشَارِ الْعُرُوقِ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ وَقَالَ النَّاشِرِيُّ هَلْ الْمُرَادُ صَغِيرَةُ الْجِنْسِ وَكَبِيرَتُهُ وَإِنْ صَغُرَ جِرْمُهَا أَوْ كَبُرَ أَوْ الْمُرَادُ الْجِرْمُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ قَطَعَ جَمَالُ الدِّينِ بِالْأَوَّلِ وَالْفَقِيهُ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بِالثَّانِي (قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الشَّارِعَ نَظَرَ ثَمَّ إلَى الْمُمَاثَلَةِ فِي الصُّورَةِ فَوَجَبَ الْوُقُوفُ مَعَهَا بِخِلَافِ الشَّجَرِ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ الْبَقَرَةَ تُجْزِئُ فِي الشَّجَرَةِ الصَّغِيرَةِ فِيمَا يَكَادُ يُقْطَعُ بِهِ، وَلَا شَكَّ فِيهِ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ بِخِلَافِ الصَّيْدِ (قَوْلُهُ إنَّ الْبَقَرَةَ لَا بُدَّ مِنْ إجْزَائِهَا فِي الْأُضْحِيَّةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَصَرَّحَ بِهِ شَارِحُ التَّعْجِيزِ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ، وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوا الشَّجَرَةَ الصَّغِيرَةَ بِمَا يَقْرُبُ مِنْ سُبُعِ الْكَبِيرَةِ وَالْبَقَرَةَ الْمُقَابَلَةِ بِسَبْعِ شِيَاهٍ هِيَ الَّتِي بَلَغَتْ سِنَّ الْأُضْحِيَّةِ، وَهَلْ الْمُرَادُ صَغِيرَةُ الْجِنْسِ وَكَبِيرَتُهُ وَإِنْ صَغُرَ جِرْمُهَا أَوْ كَبُرَ أَوْ الْمُرَادُ الْجِرْمُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ قَطَعَ جَمَالُ الدِّينِ بِالْأَوَّلِ وَالْفَقِيهُ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بِالثَّانِي
وَمَا ذَكَره كَأَصْلِهِ فِي ضَبْطِ الصَّغِيرَةِ خَالَفَ فِيهِ النَّوَوِيُّ فِي نُكَتِهِ فَاعْتُبِرَ الْعُرْفُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَهُوَ أَحْسَنُ.
ثُمَّ قَالَ وَسَكَتَ الرَّافِعِيُّ عَمَّا جَاوَزَ سُبُعَ الْكَبِيرَةِ، وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى حَدِّ الْكِبَرِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ فِيهِ شَاةٌ أَعْظَمُ مِنْ الْوَاجِبَةِ فِي سُبُعِ الْكَبِيرَةِ (وَإِنْ نَقَصَتْ) عَنْ سُبُعِ الْكَبِيرَةِ (فَالْقِيمَةُ) وَاجِبَةٌ عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَالْمَضْمُونَةُ بِشَاةٍ مَا كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْ سُبُعِ الْكَبِيرَةِ فَإِنْ صَغُرَتْ جِدًّا فَالْوَاجِبُ الْقِيمَةُ (وَيَحْرُمُ قَطْعُ) وَقَلْعُ (حَشِيشِهِ) أَيْ حَشِيشِ الْحَرَمِ (الْأَخْضَرِ وَقَلْعِ يَابِسِهِ) إنْ لَمْ يَمُتْ وَيَجُوزُ قَطْعُهُ كَمَا فِي الشَّجَرَةِ، فَلَوْ قَلَعَهُ لَزِمَهُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْلَعْهُ لَنَبَتَ ثَانِيًا (فَلَوْ أَخْلَفَ مَا قَطَعَهُ) مِنْ الْأَخْضَرِ (فَلَا ضَمَانَ) ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ هُنَا الْإِخْلَافُ كَسِنِّ غَيْرِ الْمَثْعُورِ، وَإِنْ لَمْ يُخْلِفْ ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ (وَيَجُوزُ رَعْيُهُ) أَيْ حَشِيشِ الْحَرَمِ بَلْ وَشَجَرِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ بِالْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ تُسَاقُ فِي عَصْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَمَا كَانَتْ تُسَدُّ أَفْوَاهُهَا فِي الْحَرَمِ وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ فَوَجَدْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَدَخَلْت فِي الصَّفِّ وَأَرْسَلْت الْأَتَانَ تَرْتَعُ وَمِنًى مِنْ الْحَرَمِ (وَكَذَا قَطْعُهُ لِلْبَهَائِمِ وَالتَّدَاوِي) كَالْحَنْظَلِ وَالتَّغَذِّي كَالرِّجْلَةِ وَالْبَقْلَةِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الزَّرْعِ، وَلَا يُقْطَعُ لِذَلِكَ إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ كَجٍّ، وَلَا يَجُوزُ قَطْعُهُ لِلْبَيْعِ مِمَّنْ يَعْلِفُ بِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّهُ كَالطَّعَامِ الَّذِي أُبِيحَ أَكْلُهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّا حَيْثُ جَوَّزْنَا أَخْذَ السِّوَاكِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ جَوَازَ أَخْذِهِ لِلدَّوَاءِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ السَّبَبِ حَتَّى يَجُوزَ أَخْذُهُ لِيَسْتَعْمِلَهُ عِنْدَ وُجُودِهِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ الْمُتَّجَهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ بَلْ الْمُتَّجَهُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ لِلضَّرُورَةِ أَوْ لِلْحَاجَةِ قُيِّدَ بِوُجُودِهَا كَمَا فِي اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ (وَالْإِذْخِرُ مُبَاحٌ) أَخْذُهُ لِلتَّسْقِيفِ وَغَيْرِهِ لِاسْتِثْنَائِهِ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ وَخَرَجَ بِالشَّجَرِ وَالْحَشِيشِ الزَّرْعُ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْبُقُولِ وَالْخَضْرَاوَاتُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَطْعُهُ وَقَلْعُهُ، وَلَا ضَمَانَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ فِيهِ: وَإِطْلَاقُ الْحَشِيشِ عَلَى الرَّطْبِ مَجَازٌ فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْيَابِسِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لِلرَّطْبِ: كَلَأٌ وَعُشْبٌ.
(فَرْعٌ نَقْلُ تُرَابِ الْحَرَمِ وَأَحْجَارِهِ إلَى الْحِلِّ حَرَامٌ) لِحُرْمَتِهِ فَيَجِبُ رَدُّهُ إلَى الْحَرَمِ (لَا مَاءُ زَمْزَمَ) فَلَا يَحْرُمُ نَقْلُهُ إلَى الْحِلِّ بَلْ، وَلَا يُكْرَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ لِاسْتِخْلَافِهِ «؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَهْدَاهُ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَعَامَ الْحُدَيْبِيَةِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ؛ وَلِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَنْقُلُهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ وَكَانَتْ تُخْبِرُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ وَمِنْ هُنَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ بِاسْتِحْبَابِ نَقْلِهِ تَبَرُّكًا وَحَكَاهُ عَنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ (وَعَكْسُهُ) ، وَهُوَ نَقْلُ تُرَابِ الْحِلِّ وَأَحْجَارِهِ إلَى الْحَرَمِ (مَكْرُوهٌ) كَذَا ذَكَرَهُ كَالرَّوْضَةِ لَكِنْ فِي الْمَجْمُوعِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى لِئَلَّا يَحْدُثَ لَهَا حُرْمَةٌ لَمْ تَكُنْ، وَلَا يُقَالُ: مَكْرُوهٌ لِعَدَمِ ثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ.
(وَيَحْرُمُ أَخْذُ طِيبِ الْكَعْبَةِ وَ) أَخْذُ (سُتُرِهَا) وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُمَا شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ (فَمَنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ) بِهَا فِي طِيبٍ (مَسَحَهَا بِطِيبِ نَفْسِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ، وَلَوْ فَرَّقَ الْإِمَامُ سُتْرَتَهَا جَازَ) تَفْرِيقُهَا (بِالْبَيْعِ وَالْعَطَاءِ وَيَصْرِفُهَا لِبَيْتِ الْمَالِ) عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ الْأَمْرُ فِيهَا إلَى الْإِمَامِ يَصْرِفُهَا فِي بَعْضِ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعًا وَعَطَاءً؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَقْسِمُهَا عَلَى الْحَاجِّ قَالَ، وَهُوَ حَسَنٌ مُتَعَيِّنٌ لِئَلَّا تَتْلَفَ بِالْبِلَى وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَجَوَّزُوا لِمَنْ أَخَذَهَا لُبْسَهَا، وَلَوْ حَائِضًا وَجُنُبًا وَنَبَّهَ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى أَنَّ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ هُنَا مُخَالِفٌ لِمَا وَافَقَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الْوَقْفِ مِنْ تَصْحِيحِ أَنَّهَا تُبَاعُ إذَا لَمْ يَبْقَ فِيهَا جَمَالٌ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهَا فِي مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَسْأَلَةِ أَحْوَالًا أَحَدُهَا - أَنْ تُوقَفَ عَلَى الْكَعْبَةِ وَحُكْمُهَا مَا مَرَّ وَخَطَّأَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ الَّذِي مَرَّ مَحَلُّهُ إذَا كَسَاهَا الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَمَّا إذَا وُقِفَتْ فَلَا يَتَعَقَّلُ عَالِمٌ جَوَازَ صَرْفِهَا فِي مَصَالِحِ غَيْرِ الْكَعْبَةِ ثَانِيهَا - أَنْ يُمَلِّكَهَا مَالِكُهَا لِلْكَعْبَةِ فَلِقَيِّمِهَا أَنْ يَفْعَلَ فِيهَا مَا يَرَاهُ مِنْ تَعْلِيقِهَا عَلَيْهَا أَوْ بَيْعِهَا وَصَرْفِ ثَمَنِهَا إلَى مَصَالِحِهَا ثَالِثُهَا - أَنْ يُوقَفَ شَيْءٌ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ رِيعُهُ وَيُكْسَى بِهِ الْكَعْبَةُ كَمَا فِي عَصْرِنَا فَإِنَّ الْإِمَامَ قَدْ وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ بِلَادًا قَالَ وَقَدْ تَلَخَّصَ لِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ إنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ شَيْئًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ إعْطَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا كَلَامَ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَقِفْ النَّاظِرُ تِلْكَ الْكِسْوَةَ فَلَهُ بَيْعُهَا وَصَرْفُ ثَمَنِهَا فِي كِسْوَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ وَقَفَهَا فَيَأْتِي مَا مَرَّ مِنْ الْخِلَافِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ خَالَفَ فِيهِ النَّوَوِيُّ فِي نُكَتِهِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا الْغَالِبُ عَدَمُ مُتَابَعَةِ النَّوَوِيِّ فِيمَا يَجْزِمُ بِهِ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ، وَلَعَلَّهُ فَعَلَهُ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ (قَوْلُهُ مِمَّنْ يُعْلَفُ بِهِ) أَوْ يُتَدَاوَى بِهِ (قَوْلُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ السَّبَبِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْإِذْخِرُ مُبَاحٌ بِالْإِجْمَاعِ) قَالَ الْغَزِّيِّ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ لِيَبِيعَهُ جَازَ قَالَ شَيْخُنَا لَكِنْ رَدَّهُ الْوَالِدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي فَتَاوِيهِ
فِي الْبَيْعِ نَعَمْ بَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ، وَهُوَ الْوَاقِعُ الْيَوْمَ فِي هَذَا الْوَقْفِ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَشْرُطْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَشَرَطَ تَجْدِيدَهَا كُلَّ سَنَةٍ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ بَنِي شَيْبَةَ كَانُوا يَأْخُذُونَهَا كُلَّ سَنَةٍ لَمَّا كَانَتْ تُكْسَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُهَا الْآنَ أَوْ تُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهَا إلَى كِسْوَةٍ أُخْرَى فِيهِ نَظَرٌ وَالْمُتَّجَهُ الْأَوَّلُ.
(فَصْلٌ وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا) الْأَوْلَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ وَنَبَاتُهَا وَالْمُرَادُ حَرَمُهَا وَذَلِكَ كَمَا فِي حَرَمِ مَكَّةَ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ زَادَ مُسْلِمٌ» ، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا وَفِي أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» وَاللَّابَتَانِ الْحَرَّتَانِ تَثْنِيَةُ لَابَةٍ، وَهِيَ أَرْضٌ تَرْكِيبُهَا حِجَارَةٌ سُودٌ لَابَةٌ شَرْقِيُّ الْمَدِينَةِ، وَلَابَةٌ غَرْبِيُّهَا فَحَرَمُهَا مَا بَيْنَهُمَا عَرْضًا وَمَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا طُولًا، وَهُمَا عَيْرٌ وَثَوْرٌ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ ذِكْرَ ثَوْرٍ هُنَا، وَهُوَ بِمَكَّةَ غَلَطٌ مِنْ الرُّوَاةِ وَأَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ أُحُدٌ، وَرُدَّ بِأَنَّ وَرَاءَهُ جَبَلًا صَغِيرًا يُقَالُ لَهُ: ثَوْرٌ فَأُحُدٌ مِنْ الْحَرَمِ (وَلَا ضَمَانَ فِيهِ) أَيْ فِي كُلٍّ مِنْ الصَّيْدِ وَالنَّبَاتِ؛ لِأَنَّ حَرَمَ الْمَدِينَةِ لَيْسَ مَحَلًّا لِلنُّسُكِ بِخِلَافِ حَرَمِ مَكَّةَ (وَكَذَا وَجُّ الطَّائِفِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَادٍ بِصَحْرَاءِ الطَّائِفِ أَيْ يَحْرُمُ صَيْدُهُ وَنَبَاتُهُ، وَلَا ضَمَانَ فِيهِ أَمَّا عَدَمُ الضَّمَانِ فَلِمَا مَرَّ، وَأَمَّا الْحُرْمَةُ فَلِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَلَا إنَّ صَيْدَ وَجٍّ وَعِضَاهَهُ يَعْنِي شَجَرَهُ حَرَامٌ مُحَرَّمٌ» لَكِنَّ إسْنَادَهُ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَذِكْرُ شَجَرِ وَجٍّ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
(فَصْلٌ.
النَّقِيعُ) بِالنُّونِ وَقِيلَ: بِالْبَاءِ لَيْسَ بِحَرَمٍ بَلْ (حِمًى) حَمَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ) قَالَ فِي الْأَصْلِ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ فَلَا يُمْلَكُ شَيْءٌ مِنْ نَبَاتِهِ، وَلَا يَحْرُمُ صَيْدُهُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِنَعَمِ الصَّدَقَةِ كَانَ أَوْلَى (فَلَوْ أَتْلَفَ أَحَدٌ شَجَرَهُ أَوْ حَشِيشَهُ لَا صَيْدَهُ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ بِخِلَافِ الصَّيْدِ وَاحْتَجَّ لَهُ بِخَبَرِ أَبِي دَاوُد «لَا يُخْبَطُ، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُ حِمَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنْ يُهَشُّ هَشًّا رَفِيقًا» وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ قَالَ حِمَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ نَاحِيَةٍ مِنْ الْمَدِينَةِ بَرِيدًا بَرِيدًا لَا يُخْبَطُ شَجَرُهُ، وَلَا يُعْضَدُ إلَّا مَا يُسَاقُ بِهِ الْجَمَلُ وَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ ذَلِكَ (بِالْقِيمَةِ) كَسَائِرِ الْمُتَقَوِّمَاتِ وَيَصْرِفُهَا (لِبَيْتِ الْمَالِ) هَذَا بَحَثَهُ النَّوَوِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ كَالرَّافِعِيِّ وَمَصْرِفُهَا مَصْرِفُ نَعَمِ الْجِزْيَةِ وَالصَّدَقَةِ.
[فَصْلُ الْمَحْظُورَاتِ بِالْإِحْرَامِ]
(فَصْلُ الْمَحْظُورَاتِ) بِالْإِحْرَامِ (تَنْقَسِمُ إلَى اسْتِهْلَاكٍ كَالْحَلْقِ وَ) إلَى (اسْتِمْتَاعٍ كَالطِّيبِ) الْأَوْلَى كَالتَّطَيُّبِ (وَهُمَا أَنْوَاعٌ) حَلْقٌ وَقَلْمٌ وَإِتْلَافُ صَيْدٍ أَوْ نَحْوِهِ وَتَطَيُّبٌ وَلُبْسٌ وَدَهْنٌ وَجِمَاعٌ وَنَحْوُهُ فَهُنَّ سَبْعَةٌ عَلَى مَا مَرَّ لَهُ كَأَصْلِهِ مِنْ أَنَّ الْأَوَّلَيْنِ نَوْعٌ وَاحِدٌ وَثَمَانِيَةٌ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمَا الْآتِي مِنْ أَنَّهُمَا نَوْعَانِ (وَلَا تَتَدَاخَلُ) الْمَحْظُورَاتُ بِتَدَاخُلِ الْفِدْيَةِ أَيْ بِاتِّحَادِهَا (إلَّا إنْ اتَّحَدَ النَّوْعُ) كَتَطَيُّبِهِ وَلُبْسِهِ بِأَصْنَافٍ أَوْ بِصِنْفٍ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ أَوْ حَلْقِهِ شَعْرِ رَأْسِهِ وَذَقَنِهِ وَبَدَنِهِ (وَ) اتَّحَدَ (الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ) عَادَةً (وَلَمْ يَتَخَلَّلْ) بَيْنَهُمَا (تَكْفِيرٌ، وَلَمْ تَكُنْ مِمَّا تُقَابَلُ بِمِثْلٍ) أَوْ نَحْوِهِ فَتَتَّحِدُ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ حِينَئِذٍ خَصْلَةً وَاحِدَةً نَعَمْ لَوْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ بِجِمَاعٍ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيًا فَلَا اتِّحَادَ لِاخْتِلَافِ الْمُوجِبِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَلَا يَقْدَحُ فِي اتِّحَادِ الزَّمَانِ طُولُهُ فِي تَكْوِيرِ الْعِمَامَةِ وَلُبْسِ ثِيَابٍ كَثِيرَةٍ كَالرَّضْعَةِ فِي الرَّضَاعِ وَالْأَكْلَةِ فِي الْيَمِينِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُ الْإِسْنَوِيِّ بِقَوْلِهِ: لَوْ لَبِسَ ثَوْبًا فَوْقَ آخَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ لِلثَّانِي فِدْيَةٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّمَانُ.
(فَإِنْ) اخْتَلَفَ النَّوْعُ كَأَنْ (حَلَقَ وَقَلَّمَ أَوْ تَطَيَّبَ، وَلَبِسَ تَعَدَّدَتْ) أَيْ الْفِدْيَةُ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ، وَلَمْ يَتَخَلَّلْ تَكْفِيرٌ أَمْ لَا؛ لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ (لَا إنْ لَبِسَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا أَوْ طَلَى رَأْسَهُ بِطِيبٍ) أَوْ بَاشَرَ بِشَهْوَةٍ عِنْدَ الْجِمَاعِ فَلَا تَتَعَدَّدُ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ اخْتَلَفَ النَّوْعُ (لِاتِّحَادِ الْفِعْلِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ مَكَانُ الْحَلْقَيْنِ أَوْ اللُّبْسَيْنِ أَوْ التَّطَيُّبَيْنِ أَوْ) اخْتَلَفَ (زَمَانُهُمَا تَعَدَّدَتْ) عَلَى الْأَصْلِ فِي ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ (وَتَتَعَدَّدُ أَيْضًا بِتَخَلُّلِ التَّكْفِيرِ) كَالْحُدُودِ (وَلَا يَتَدَاخَلُ الصَّيْدُ وَنَحْوُهُ) كَالشَّجَرَةِ مَعَ مِثْلِهِمَا أَوْ غَيْرِهِمَا (وَإِنْ اتَّحَدَ نَوْعُهُ) وَالْمَكَانُ وَالزَّمَانُ، وَلَمْ يَتَخَلَّلْ تَكْفِيرٌ كَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ وَجَرْيًا عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ وَقَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَقَوْلُهُ: فَإِنْ حَلَقَ إلَى هُنَا تَصْرِيحٌ بِمَا شَمَلَهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ قَبْلَهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَلَوْ كَسَرَ بَيْضَةَ نَعَامٍ وَفِيهَا
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْعٌ نَقْلُ تُرَابِ الْحَرَمِ وَأَحْجَارِهِ إلَى الْحِلِّ]
قَوْلُهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ بَنِي شَيْبَةَ كَانُوا يَأْخُذُونَهَا إلَخْ) فَيُنَزَّلُ لَفْظُ الْوَاقِفِ عَلَيْهَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا يُعَارِضُهُ الْمَنْقُولُ الْمُتَقَدِّمُ (قَوْلُهُ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُهَا الْآنَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَصْلٌ وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا]
(قَوْلُهُ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ» ) أَيْ أَظْهَرَ تَحْرِيمَهَا بَعْدَ أَنْ هُجِرَ لَا أَنَّهُ ابْتَدَأَهُ
[فَصْلٌ النَّقِيعُ لَا يُمْلَكُ شَيْءٌ مِنْ نَبَاتِهِ وَلَا يَحْرُمُ صَيْدُهُ]
(قَوْلُهُ وَالزَّمَانُ) الْمُرَادُ بِاتِّحَادِ الزَّمَانِ وُقُوعُ الْفِعْلِ عَلَى الْوَلَاءِ
فَرْخٌ وَمَاتَ لَزِمَهُ مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ، وَلَا يَجِبُ لِكَسْرِ الْبَيْضَةِ شَيْءٌ فِيمَا يَظْهَرُ بَلْ يَدْخُلُ ضِمْنًا فِي فِدْيَةِ الْفَرْخِ وَالظَّاهِرُ خِلَافُ مَا قَالَهُ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ وَنَحْوَهُ لَا تَدَاخُلَ فِيهِمَا، وَلَا أَثَرَ لِاتِّحَادِ الْفِعْلِ فِيهِمَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَرْسَلَ سَهْمًا إلَى صَيْدٍ فَنَفَذَ مِنْهُ إلَى آخَرَ فَإِنَّ الْفِدْيَةَ تَتَعَدَّدُ (وَالطِّيبُ كُلُّهُ نَوْعٌ وَكَذَا اللِّبَاسُ) ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْمَذْكُورَاتِ (وَإِنْ نَوَى بِالْكَفَّارَةِ بَيْنَ) كُلٍّ مِنْ (الْحَلْقَيْنِ وَاللُّبْسَيْنِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلَ فَفِي إجْزَائِهَا) عَنْ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ إذَا اتَّحَدَ الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ (وَجْهَانِ) بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ الْمَحْظُورِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ أَحَدُهُمَا تُجْزِئُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ لِلثَّانِي شَيْءٌ وَالثَّانِي الْمَنْعُ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلصَّائِمِ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الْجِمَاعِ وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ.