أسنى المطالب في شرح روض الطالبصفحات 212-251

فَصْلٌ لَا تُعْقَدُ الْجِزْيَةُ إلَّا لِأَهْلِ الْكتاب

صفحات 212-251
عن هذه الطبعة
عَلَم
الأنصاري، زكريا
الكتاب
أسنى المطالب في شرح روض الطالب
المؤلف
زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
عدد الأجزاء
4
الناشر
دار الكتاب الإسلامي
الطبعة
بدون طبعة وبدون تاريخ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومعه حاشية الرملي الكبير]

(فَصْلٌ لَا تُعْقَدُ) الْجِزْيَةُ (إلَّا لِيَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ (أَوْ مَجُوسِيٍّ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ وَقَالَ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» ؛ وَلِأَنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ (وَكَذَا مَنْ زَعَمَ التَّمَسُّكَ) تَبَعًا لِتَمَسُّكِ أَبِيهِ (بِالزَّبُورِ) أَيْ بِزَبُورِ دَاوُد (وَصُحُفِ إبْرَاهِيمَ)

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ، وَإِنْ صَالَحَ السَّفِيهُ عَنْ الْقِصَاصِ إلَخْ) مُفَادَاتُهُ نَفْسَهُ كَذَلِكَ وَكَتَبَ أَيْضًا الظَّاهِرُ أَنَّ مُفَادَاتَهُ نَفْسُهُ بِالْمَالِ كَذَلِكَ

(قَوْلُهُ وَلَوْ بَانَ الْخُنْثَى الْمَعْقُودُ لَهُ إلَخْ) أَفَادَ الشَّارِحُ بِمَا قَرَّرَهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَجَوَابُهُ أَمَّا الِاعْتِرَاضُ، فَهُوَ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَصْحِيحُ عَدَمِ الْأَخْذِ مِنْهُ فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا وَبَقِيَ مُدَّةً ثُمَّ اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ لَا نَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا لِمَا مَضَى؛ لِأَنَّ اعْتِمَادَ الْجِزْيَةِ الْقَبُولُ، وَهَذَا حَرْبِيٌّ لَمْ يَلْتَزِمْ شَيْئًا وَذَلِكَ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ هُنَا بَلْ أَوْلَى لِتَحَقُّقِ الْأَهْلِيَّةِ هُنَاكَ، وَأَمَّا الْجَوَابُ فَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ قَدْ تُصَوَّرُ الْمَسْأَلَةُ هُنَا بِأَنَّهُ صَدَرَ مَعَهُ عَقْدٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ بِظُهُورِ حَالِهِ صِحَّةُ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ بِخُنْثَيَيْنِ ثُمَّ بَانَا رَجُلَيْنِ وَكَتَبَ أَيْضًا الْفَرْقُ بَيْنَ الْخُنْثَى إذَا بَانَتْ ذُكُورَتُهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ وَمَا يُتْلِفُهُ عَلَيْنَا مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْمَنَافِعِ لَا يَضْمَنُهُ بِخِلَافِ الْخُنْثَى فَإِنَّهُ قَدْ دَخَلَ وَأَقَامَ جَهْرَةً وَالْتَزَمَ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ فَلَزِمَتْهُ الْجِزْيَةُ لِمُدَّةِ إقَامَتِهِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ فَرَضَ أَنَّ الْخُنْثَى أَقَامَ خَفِيَّةً إلَى أَنْ ظَهَرْنَا عَلَيْهِ فَبَانَتْ ذُكُورَتُهُ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ كَالْحَرْبِيِّ الْمَذْكُورِ وَأَوْلَى قس قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السُّلَمِيُّ فِي كِتَابِ الْخُنَاثَى: لَا تُعْقَدُ لِلْخُنْثَى الذِّمَّةُ وَيُعْقَدُ لَهُ الْأَمَانُ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ فَإِذَا أَمِنَ وَدَامَ سِنِينَ ثُمَّ بَانَ رَجُلًا لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ لِمَا مَضَى؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَيَسْتَأْنِفُ مَعَهُ عَقْدُ الذِّمَّةِ

(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

[فَرْعٌ يَدْخُلُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ لِلْكَافِرِ الْمَالُ حَتَّى الْعَبْدُ وَسَائِرُ مَا يَسْتَحِقُّهُ]

(قَوْلُهُ قَالَ وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالشَّرْطِ وَنَحْوِهِمَا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ) الظَّاهِرُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَالَيْنِ وَاغْتُفِرَ اشْتِرَاطُ مَنْ لَهُ بِهِ عَلَقَةٌ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْتِزَامِهِ الْمَالَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ

وَنَحْوِهِمَا (وَلَوْ لَمْ يُقِيمُوا بَيِّنَةً) بِتَمَسُّكِهِمْ بِذَلِكَ فَإِنَّهَا تُعْقَدُ لَهُمْ (وَإِنْ حَرُمَتْ ذَبِيحَتُهُمْ وَمُنَاكَحَتُهُمْ) لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِلْمَجُوسِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِ كِتَابِهِمْ فَلِهَؤُلَاءِ أَوْلَى وَكَمَا يَحْرُمُ ذَبَائِحُ هَؤُلَاءِ وَمُنَاكَحَتُهُمْ يَحْرُمَانِ مِنْ الْمَجُوسِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ مَحَلِّهِ، وَإِنَّمَا حُرِّمَا وَحَلَّ عَقْدُ الْجِزْيَةِ عَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا أَمَّا غَيْرُ الْمَذْكُورِينَ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ وَلَا شُبْهَةَ كِتَابٍ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالشَّمْسِ فَلَا تُعْقَدُ لَهُمْ الْجِزْيَةُ

(فَرْعٌ تُعْقَدُ) أَيْضًا (لِمَنْ دَخَلَ أَصْلَهُ التَّهَوُّدُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ) الْأَنْسَبُ وَالتَّنَصُّرُ (وَلَوْ بَعْدَ التَّبْدِيلِ) فِي دِينِهِ (لَا) بَعْدَ (النَّسْخِ) لَهُ (وَلَوْ بِعِيسَى) أَيْ بِشَرِيعَتِهِ فَتُعْقَدُ لِأَوْلَادِ مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ قَبْلَ النَّسْخِ لِدِينِهِ أَوْ مَعَهُ وَلَوْ بَعْدَ التَّبْدِيلِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَنِبُوا الْمُبْدَلَ مِنْهُ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ؛ وَلِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ؛ وَلِأَنَّهُمْ، وَإِنْ بَدَّلُوا فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ بَقِيَ فِيهِ مَا لَمْ يُبَدَّلْ فَلَا يَنْحَطُّ التَّمَسُّكُ بِهِ عَنْ شُبْهَةِ كِتَابِ الْمَجُوسِ وَلَا تُعْقَدُ لِأَوْلَادِ مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ بَعْدَ النَّسْخِ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا أَوْ تَهَوَّدَ بَعْدَ بَعْثَةِ عِيسَى كَآبَائِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِدِينٍ بَطَلَ وَسَقَطَتْ فَضِيلَتُهُ (فَإِنْ شَكَكْنَا) فِي دُخُولِهِمْ فِيهِ أَكَانَ قَبْلَ النَّسْخِ أَمْ بَعْدَهُ (أَقْرَرْنَاهُمْ) بِالْجِزْيَةِ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ (كَالْمَجُوسِ) وَبِهِ حَكَمَتْ الصَّحَابَةُ فِي نَصَارَى الْعَرَبِ

(وَتُعْقَدُ لِمَنْ تَوَلَّدَ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَوَثَنِيٍّ) ، وَإِنْ كَانَ الْكِتَابِيُّ أُمَّهُ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ الْكِتَابِ مَوْجُودَةٌ وَفِي الْمُنَاكَحَةِ وَالذَّبِيحَةِ غَلَّبْنَا التَّحْرِيمَ احْتِيَاطًا

(لَا لِجَاسُوسٍ) يُخَافُ شَرُّهُ لِلضَّرَرِ وَالْجَاسُوسُ صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ كَمَا أَنَّ النَّامُوسَ صَاحِبُ سِرِّ الْخَيْرِ

[فَصْلٌ تُعْقَدُ الْجِزْيَةُ لِلصَّائِبَةِ وَالسَّامِرَةِ]

(فَصْلٌ تُعْقَدُ) الْجِزْيَةُ (لِلصَّائِبَةِ وَالسَّامِرَةِ إنْ لَمْ تُكَفِّرْهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) وَلَمْ يُخَالِفُوهُمْ فِي أُصُولِ دِينِهِمْ وَإِلَّا فَلَا تُعْقَدُ لَهُمْ (وَكَذَا) تُعْقَدُ لَهُمْ (لَوْ أَشْكَلَ أَمْرُهُمْ، وَإِنْ ظَفِرْنَا بِقَوْمٍ وَادَّعَوْا أَوْ بَعْضُهُمْ التَّمَسُّكَ) تَبَعًا لِتَمَسُّكِ آبَائِهِمْ (بِكِتَابٍ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ) الْأَنْسَبُ بِمَا مَرَّ وَلَوْ بَعْدَ التَّبْدِيلِ (صَدَّقْنَا الْمُدَّعِينَ) دُونَ غَيْرِهِمْ (وَعَقَدَ لَهُمْ) الْجِزْيَةَ؛ لِأَنَّ دِينَهُمْ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ وَالتَّصْرِيحُ بِقَبْلِ النَّسْخِ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الرَّوْضَةِ (فَإِنْ شَهِدَ عَدْلَانِ) وَلَوْ مِنْهُمْ بِأَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ اثْنَانِ وَظَهَرَتْ عَدَالَتُهُمَا (بِكَذِبِهِمْ فَإِنْ) كَانَ قَدْ (شَرَطَ) فِي الْعَقْدِ (قِتَالَهُمْ إنْ بَانَ كَذِبُهُمْ اغْتَالَهُمْ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ (فَوَجْهَانِ) : أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ التَّهْذِيبِ وَالْوَسِيطِ وَغَيْرِهِمَا وَنَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّصِّ وَقَالَ الْإِمَامُ إنَّهُ الظَّاهِرُ كَذَلِكَ لِتَلْبِيسِهِمْ عَلَيْنَا وَثَانِيهِمَا لَا بَلْ يُلْحَقُونَ بِالْمَأْمَنِ

(فَرْعٌ إذَا تَوَثَّنَ نَصْرَانِيٌّ بَلَغَ الْمَأْمَنَ) كَمَا مَرَّ فِي مَوَانِعِ النِّكَاحِ (ثُمَّ أَطْفَالُهُمْ) أَيْ الْمُتَوَثِّنِينَ (مِنْ) أُمِّهِمْ (النَّصْرَانِيَّةِ نَصَارَى وَكَذَا مِنْ) أُمِّهِمْ (الْوَثَنِيَّةِ فَتُعْقَدُ) الْجِزْيَةُ (لِمَنْ بَلَغَ) مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ عَلَقَةُ التَّنَصُّرِ فَلَا تَزُولُ بِمَا يَحْدُثُ بَعْدُ

[فَصْلٌ مِنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ]

(فَصْلٌ تَجِبُ الْجِزْيَةُ عَلَى شَيْخٍ هَرِمٍ وَزَمِنٍ وَأَجِيرٍ وَرَاهِبٍ وَأَعْمَى وَفَقِيرٍ غَيْرِ مُكْتَسِبٍ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ) ؛ لِأَنَّهَا كَأُجْرَةِ الدَّارِ؛ وَلِأَنَّهَا تُؤْخَذُ لِحَقْنِ الدَّمِ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَتَبَ لِأَهْلِ خَيْبَرَ كِتَابًا بِإِسْقَاطِهَا عَنْهُمْ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (فَيُطَالَبُ) الْفَقِيرُ فِي صُورَتِهِ (إنْ أَيْسَرَ) بِهَا

[الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْمَكَانُ الْقَابِلُ لِلتَّقْرِيرِ]

(الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْمَكَانُ الْقَابِلُ) لِلتَّقْرِيرِ (فَيُمْنَعُ الْكُفَّارُ) وَلَوْ ذِمِّيِّينَ (الْإِقَامَةُ بِالْحِجَازِ، وَهُوَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا) بِالْمُعْجَمَةِ جَمْعُ مِخْلَافٍ أَيْ قُرَاهَا (كَالطَّائِفِ) وَوَجٍّ (وَخَيْبَرَ وَكَذَا الطُّرُقُ الْمُمْتَدَّةُ فِيهِ) أَيْ فِي الْحِجَازِ سَوَاءٌ أَقَامُوا فِيهِ بِجِزْيَةٍ أَمْ لَا لِشَرَفِهِ وَلِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ «آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ الْحِجَازِ» وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ

[حاشية الرملي الكبير]

[فَرْعٌ صَالَحْنَاهُمْ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ مِنْ مَالِهِمْ عَنْ مَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ]

قَوْلُهُ عَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا) وَلِأَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ لَمْ يَنْزِلْ بِهَا جِبْرِيلُ وَإِنَّمَا أُلْهِمُوهَا إلْهَامًا، وَهِيَ مَوَاعِظُ لَا أَحْكَامَ فِيهَا فَلَمْ تُلْحَقْ بِالْكِتَابِيِّينَ (قَوْلُهُ فَلَا تُعْقَدُ لَهُمْ الْجِزْيَةُ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقَتْلِ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا بِقَوْلِهِ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] وَخَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 29] إلَى قَوْلِهِ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29] أَيْ يَلْتَزِمُوهَا وَمَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ وَهُمْ الْمَجُوسُ بِالْخَبَرِ فَبَقِيَ الْحُكْمُ فِيمَنْ عَدَا الْمَذْكُورِينَ بِعُمُومِ الْآيَةِ

[فَرْعٌ تُعْقَدُ الْجِزْيَةُ لِمَنْ دَخَلَ أَصْلَهُ التَّهَوُّدُ وَالنَّصْرَانِيَّة]

(قَوْلُهُ تُعْقَدُ لِمَنْ دَخَلَ أَصْلُهُ إلَخْ) خَرَجَ بِقَوْلِهِ أَصْلُهُ أُمُّهُ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا، وَكَتَبَ أَيْضًا عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا دَخَلَ آبَاؤُهُمْ وَكَذَا فِي نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ الْأَبُ فِي التَّنْصِيرِ بَعْدَ النَّسْخِ وَدَخَلَتْ الْأُمُّ فِيهِ قَبْلَهُ لَمْ يَقِرَّ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَهُمَا بِالْجِزْيَةِ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّهُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْفَتْوَى (قَوْلُهُ لَا بَعْدَ النَّسْخِ لَهُ وَلَوْ بِعِيسَى) إسْرَائِيلِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَكَتَبَ أَيْضًا هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَقِيلَ النَّاسِخُ لِشَرْعِ مُوسَى بِعْثَةُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ التَّهَوُّدَ بَعْدَ بِعْثَةِ عِيسَى كَالتَّهَوُّدِ وَالتَّنَصُّرَ بَعْدَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ وَبِهِ جَزَمَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ فَلَا يَقِرُّ بِالْجِزْيَةِ إذْ الْأَصَحُّ أَنَّ التَّوْرَاةَ مَنْسُوخَةٌ بِالْإِنْجِيلِ وَالْيَهُودِيَّةَ مَنْسُوخَةٌ بِالنَّصْرَانِيَّةِ ثُمَّ نَسَخَ الْقُرْآنُ ذَلِكَ وَكَتَبَ أَيْضًا شَمِلَتْ عِبَارَتُهُ الْإِسْرَائِيلِيَّ وَالْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تُعْقَدُ لِمَنْ تَهَوَّدَ أَصْلُهُ أَوْ تَنَصَّرَ قَبْلَ النَّسْخِ ثُمَّ انْتَقَلَ هُوَ عَنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ أَوْ قَبْلَهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَخَرَجَ بِأَصْلِهِ أُمُّهُ

(قَوْلُهُ وَتُعْقَدُ لِمَنْ تَوَلَّدَ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَوَثَنِيٍّ) مَحَلُّهُ إذَا بَلَغَ وَدَانَ ابْنُ الْوَثَنِيِّ مِنْ كِتَابِيَّةٍ بِدِينِ أُمِّهِ فَإِنْ دَانَ بِدِينِ أَبِيهِ لَمْ يَقِرَّ قَوْلًا وَاحِدًا

(قَوْلُهُ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ قَضِيَّةُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لِتَلْبِيسِهِمْ عَلَيْنَا) وَالْأَمَانُ الْفَاسِدُ إنَّمَا يَمْنَعُ الِاغْتِيَالَ عِنْدَ ظَنِّ الْكَافِرِ صِحَّتَهُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا وَعَلَى إطْلَاقِ الِاغْتِيَالِ جَرَى الْحَاوِي الصَّغِيرُ وَفُرُوعُهُ

[فَرْعٌ إذَا تَوَثَّنَ نَصْرَانِيٌّ بَلَغَ الْمَأْمَنَ]

(قَوْلُهُ فَيُمْنَعُ الْكَافِرُ الْإِقَامَةَ بِالْحِجَازِ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ إذَا أَطْلَقَ الْعَقْدَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ هَلْ يَفْسُدُ الْعَقْدُ أَوْ يَفْسُدُ الْإِطْلَاقُ وَيَتَقَيَّدُ بِغَيْرِ الْحِجَازِ هَذَا مُحْتَمَلٌ وَالْأَرْجَحُ الثَّانِي (فَرْعٌ) لَوْ أَرَادَ الْكَافِرُ أَنْ يَتَّخِذَ دَارًا بِالْحِجَازِ وَلَمْ يَسْكُنْهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ اتِّخَاذُهُ كَالْأَوَانِي وَآلَاتِ اللَّهْوِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَتَّخِذُ الذِّمِّيُّ شَيْئًا مِنْ الْحِجَازِ دَارًا

جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَأَخْرَجْنَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْحِجَازُ الْمُشْتَمِلَةُ هِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَجَلَاهُمْ مِنْهُ وَأَقَرَّهُمْ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ الْيَمَنِ وَنَجْرَانَ وَسُمِّيَ ذَلِكَ حِجَازًا؛ لِأَنَّهُ حَجْزٌ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ (لَا بَحْرًا) أَيْ يُمْنَعُونَ الْإِقَامَةَ بِمَا ذَكَرَ لَا رُكُوبَ بَحْرِ الْحِجَازِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعُ إقَامَةٍ (وَيُمْنَعُونَ مِنْ) الْإِقَامَةِ فِي (جَزَائِرِهِ وَسَوَاحِلِهِ الْمَسْكُونَةِ) بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَسْكُونَةِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ التَّقْيِيدُ بِالْمَسْكُونَةِ لَكِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ: التَّقْيِيدُ بِهِ تَبِعَ فِيهِ الشَّيْخَانِ الْبَغَوِيّ وَالصَّوَابُ حَذْفُهُ كَمَا حَذَفَهُ الشَّرْحُ الصَّغِيرُ وَغَيْرُهُ تَبَعًا لِنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ مَعَ أَنَّهُ لَا يُلَائِمُ مَا رَجَّحُوهُ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ الْإِقَامَةِ بِالطُّرُقِ الْمُمْتَدَّةِ.
وَالْبَغَوِيُّ إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ (فَإِنْ دَخَلَ) الْكَافِرُ الْحِجَازَ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْإِمَامِ (أُخْرِجَ) مِنْهُ (وَيُعَزَّرُ إنْ عَلِمَ بِالتَّحْرِيمِ) لِدُخُولِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا جَهِلَهُ (وَيُؤْذَنُ) لَهُ جَوَازًا مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ (فِي دُخُولِ الْحِجَازِ غَيْرِ حَرَمِ مَكَّةَ) إنْ كَانَ دُخُولُهُ (لِلْمَصْلَحَةِ) لَنَا (كَأَدَاءِ رِسَالَةٍ وَعَقْدِ ذِمَّةٍ وَهُدْنَةٍ وَحَمْلِ) مَتَاعِ (تِجَارَةٍ يُحْتَاجُ) إلَيْهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ (اشْتَرَطَ) فِي الْإِذْنِ لَهُ فِي الدُّخُولِ (أَخْذَ شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ مَتَاعِهَا (وَقَدْرُهُ) أَيْ الْمَشْرُوطِ مَنُوطٌ (بِرَأْيِ الْإِمَامِ وَ) إذَا دَخَلَهُ بِالْإِذْنِ (لَا يُقِيمُ) فِيهِ (أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ) مِنْ الْأَيَّامِ (سِوَى يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ) ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهَا ثُمَّ سَوَاءٌ أَدَخَلَ لِمَصْلَحَةٍ أَمْ لَا (وَيَشْتَرِطُ ذَلِكَ عَلَيْهِ عِنْدَ الدُّخُولِ وَيُوَكِّلُ) غَيْرَهُ كَمُسْلِمٍ (بِقَبْضِ دَيْنَهُ) إنْ كَانَ لَهُ ثَمَّ دَيْنٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ (وَلَهُ إقَامَةُ ثَلَاثَةٍ) مِنْ الْأَيَّامِ وَفِي نُسْخَةٍ ثَلَاثٌ (فِي كُلِّ قَرْيَةٍ) حَيْثُ كَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى أُخْرَى قَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْوَافِي وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ وَإِلَّا فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ.
(وَيُمْنَعُ الْمُرُورَ بِحَرَمِ مَكَّةَ) وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: 28] وَالْمُرَادُ جَمِيعُ الْحَرَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: 28] أَيْ فَقْرًا بِمَنْعِهِمْ مِنْ الْحَرَمِ وَانْقِطَاعِ مَا كَانَ لَكُمْ بِقُدُومِهِمْ مِنْ الْمَكَاسِبِ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَلْبَ إنَّمَا يُجْلَبُ إلَى الْبَلَدِ لَا إلَى الْمَسْجِدِ نَفْسِهِ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ فَعُوقِبُوا بِالْمَنْعِ مِنْ دُخُولِهِ بِكُلِّ حَالٍ (وَيَخْرُجُ) وَاحِدٌ مِنَّا (إلَيْهِ لِسَمَاعِ رِسَالَةٍ) وَيُبَلِّغُهَا لِلْإِمَامِ (فَإِنْ قَالَ لَا أُؤَدِّيهَا إلَّا مُشَافَهَةً خَرَجَ إلَيْهِ الْإِمَامُ، وَإِنْ طَلَبَ) مِنَّا (الْمُنَاظَرَةَ) لِيُسْلِمَ (خَرَجَ إلَيْهِ مَنْ يُنَاظِرُهُ فَإِنْ بَذَلَ عَلَى دُخُولِهِ) الْحَرَمَ (مَا لَا لَمْ يُقْبَلْ) أَيْ لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ (فَإِنْ أُجِيبَ) فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ (وَ) إنْ (وَصَلَ الْمَقْصِدَ أُخْرِجَ وَثَبَتَ الْمُسَمَّى) وَيُفَارِقُ الْإِجَارَةَ الْفَاسِدَةَ حَيْثُ يَجِبُ فِيهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ بِأَنَّهُ لَا يُقَابِلُ بِعِوَضٍ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ (أَوْ) وَصَلَ (دُونَهُ) أَيْ الْمَقْصِدِ (فَبِالْقِسْطِ) مِنْ الْمُسَمَّى يُؤْخَذُ وَحَرَمُ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَمِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ وَالطَّائِفِ عَلَى سَبْعَةٍ وَمِنْ طَرِيقِ الْجِعْرَانَةِ عَلَى تِسْعَةٍ وَمِنْ طَرِيقِ جُدَّةَ عَلَى عَشَرَةٍ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْضِ طَيْبَةَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ إذَا رُمْت إتْقَانَهُ وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٌ وَطَائِفٌ وَجُدَّةُ عَشَرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرَانَةُ وَزَادَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ الدَّمِيرِيِّ وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعٌ وَكَرُّ زَلِّهَا اهْتَدَى فَلَمْ يَعُدْ سَيْلُ الْحِلِّ إذْ جَاءَ بُنْيَانُهُ (وَلَا يَجْرِي هَذَا الْحُكْمُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ) لِاخْتِصَاصِ حَرَمِ مَكَّةَ بِالنُّسُكِ وَثَبَتَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْخَلَ الْكُفَّارَ مَسْجِدَهُ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ بَرَاءَةٌ»

(وَإِنْ دُفِنَ) الْكَافِرُ (فِي حَرَمِ مَكَّةَ نُبِشَ) قَبْرُهُ وَأُخْرِجَ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَجَلَاهُمْ مِنْهُ) وَكَانُوا زُهَاءَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا (قَوْلُهُ لَا بَحْرًا) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الْمَقَامِ فِي الْمَرْكَبِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إذَا أَذِنَ الْإِمَامُ وَأَقَامَ بِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ اهـ، وَهُوَ الْمُرَادُ (قَوْلُهُ وَالصَّوَابُ حَذْفُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُلَائِمُ مَا رَجَّحُوهُ مِنْ الْمَنْعِ إلَخْ) الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ (قَوْلُهُ وَيُعَزَّرُ إنْ عَلِمَ بِالتَّحْرِيمِ) وَبَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْ الْحِجَازِ.
(قَوْلُهُ وَحَمْلِ مَتَاعِ تِجَارَةٍ إلَخْ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ مَحَلُّ مَا ذَكَرُوهُ فِي التِّجَارَةِ فِي الذِّمِّيِّ أَمَّا الْحَرْبِيُّ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ دُخُولِ الْحِجَازِ لِلتِّجَارَةِ وَحَكَى نَصًّا لِلشَّافِعِيِّ يَقْتَضِيهِ قَالَ وَعَلَى مُقْتَضَاهُ جَرَى الْأَصْحَابُ وَدَخَلَ فِي عِبَارَتِهِ الْمَرْأَةُ فَهِيَ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَلَّ مَنْ ذَكَرَهُ وَقَوْلُهُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: مَحَلُّ مَا ذَكَرُوهُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَهُ إقَامَةُ ثَلَاثَةٍ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ إلَخْ) وَفِي الْبَسِيطِ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا يَتَرَدَّدُونَ فَرْسَخًا فَرْسَخًا وَيُقِيمُونَ فِي كُلِّ فَرْسَخٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَا مَنْعَ فَإِنَّهُ فِي صُورَةِ السَّفَرِ اهـ وَكَانَ الْمُرَادُ حَالَةَ الِاجْتِيَازِ وَإِلَّا فَقَدْ يَتَّخِذُ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى التَّوَطُّنِ كَأَهْلِ النُّجْعَةِ وَأَصْلُهُ قَوْلُ إمَامِهِ لَوْ كَانُوا يَتَنَاقَلُونَ مِنْ بُقْعَةٍ إلَى بُقْعَةٍ وَلَوْ لُفِّقَتْ أَيَّامُ تَرَدُّدِهِمْ لَزَادَتْ عَلَى مَقَامِ الْمُسَافِرِينَ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ خُطَّةَ الْحِجَازِ لَا يُمْكِنُ قَطْعُهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ لَا يُكَلِّفُهُمْ أَنْ يَجْرُوا فِي انْتِقَالِهِمْ عَلَى الْمَنَازِلِ الْمَعْهُودَةِ وَلَوْ قَطَعُوا فَرْسَخًا فَرْسَخًا وَكَانُوا يُقِيمُونَ عَلَى مُنْتَهَى كُلِّ فَرْسَخٍ فَلَا مَنْعَ وَلَا حَجْرَ.
اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
(قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْوَافِي إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ، وَهَذَا، وَإِنْ أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُرَادُهُمْ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَقَامَ فِي مَسِيرِهِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا إلَّا أَنَّهُ فِي مَسْأَلَتِنَا انْتَهَى سَفَرُهُ بِوُصُولِهِ إلَى الْمَقْصِدِ فَانْتِقَالُهُ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ مَا لَمْ يَكُنْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ لَا يُعَدُّ بِهِ مُسَافِرًا ر (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ جَمِيعُ الْحَرَمِ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَكُلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْحَرَمُ إلَّا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَعْبَةُ (قَوْلُهُ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ بَرَاءَةٍ) فَإِنَّهَا نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَقُدُومُ نَصَارَى نَجْرَانَ فِي جُمْلَةِ الْوُفُودِ سَنَةَ عَشَرَةٍ فَأَنْزَلَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَسْجِدِ وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ

لِأَنَّ بَقَاءَ جِيفَتِهِ فِيهِ أَشَدُّ مِنْ دُخُولِهِ لَهُ حَيًّا (مَا لَمْ يَتَهَرَّ) أَيْ يَتَقَطَّعْ فَإِنْ تَهَرَّى تُرِكَ

(وَلَا يُنْقَلُ الْمَرِيضُ مِنْ الْحِجَازِ) ، وَإِنْ أَمْكَنَ نَقْلُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ (إلَّا مِنْ حَرَمِ مَكَّةَ) فَيُنْقَلُ مِنْهُ، وَإِنْ خِيفَ مِنْ النَّقْلِ مَوْتُهُ (وَلَا يُلْحَقُ بِذَلِكَ) فِيمَا ذَكَرَ (حَرَمُ الْمَدِينَةِ) لِمَا مَرَّ (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ) إلْحَاقُهُ بِهِ فِيهِ

(وَلَا يُدْفَنُ) الْكَافِرُ (فِي الْحِجَازِ إنْ أَمْكَنَ نَقْلُهُ قَبْلَ التَّغَيُّرِ) وَإِلَّا دُفِنَ فِيهِ (فَلَوْ دُفِنَ) فِيهِ (لَمْ يُنْبَشْ) ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَعَلَيْهِ قَالَ الْإِمَامُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ لَا يَرْفَعَ نَفْسَ قَبْرِهِ

(وَلَا يَدْخُلُ حَرْبِيٌّ سَائِرَ الْبِلَادِ) أَيْ بَاقِيهَا (إلَّا بِإِذْنٍ) فَيَجُوزُ دُخُولُهُ وَيَجُوزُ تَقْرِيرُ الْكَافِرِ فِيهِ بِالْجِزْيَةِ (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُ) أَيْ لِلْحَرْبِيِّ فِي دُخُولِهِ لَهُ (إلَّا) لِحَاجَةٍ كَمَا فُهِمْت بِالْأَوْلَى أَوْ (لِمَصْلَحَةٍ) لَنَا (كَرِسَالَةٍ وَتِجَارَةٍ) وَعَقْدِ ذِمَّةٍ أَوْ هُدْنَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ لِتَجَسُّسٍ أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ فَسَادٌ وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا مَرَّ فِي الْأَمَانِ مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِنَفْيِ الْمَضَرَّةِ لَا بِوُجُودِ الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ هُنَا إنَّمَا هُوَ لِدُخُولِهِمْ بِلَادِنَا بِخِلَافِهِ ثَمَّ (وَيَقِفُ) أَيْ يَمْكُثُ إذَا دَخَلَ لِمَا ذَكَرَ (بِقَدْرٍ لِحَاجَةٍ وَلَا يَدْخُلُ مَسَاجِدَهَا) أَيْ بَقِيَّةَ الْبِلَادِ (إلَّا بِإِذْنٍ وَيَأْذَنُ لَهُ الْآحَادُ) كَالْإِمَامِ (وَلَوْ فِي دُخُولِهِ الْجَامِعِ لِحَاجَةِ مُسْلِمٍ أَوْ حَاجَتِهِ) هُوَ (إلَيْهِ وَلِسَمَاعِ قُرْآنٍ) وَحَدِيثٍ وَعِلْمٍ (لَا أَكْلٍ) وَشُرْبٍ (وَنَوْمٍ وَيُعَزَّرُ إنْ دَخَلَ) مَسْجِدًا (بِلَا إذْنٍ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ) ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ بِلَا إذْنٍ (أَوْ جَاهِلًا فَلَا) يُعَزَّرُ لِعُذْرِهِ (وَيُعَرَّفُ) الْحُكْمَ (وَجُلُوسُ الْقَاضِي فِيهِ إذْنٌ لِلْكَافِرِ الْمُخَاصَمِ) فِي الدُّخُولِ (وَلِلْإِمَامِ إنْزَالُ وَفْدِهِمْ) أَيْ الْقَادِمِينَ مِنْ الْكُفَّارِ عَلَيْنَا (بِمَسْجِدٍ وَلَوْ) كَانَ الْوَافِدُ (جُنُبًا لَا حَائِضًا تُلَوِّثُ) الْمَسْجِدَ (وَلَا صَبِيًّا وَمَجْنُونًا) غَيْرَ مُمَيِّزَيْنِ صِيَانَةً لِلْمَسْجِدِ عَنْ الْقَاذُورَاتِ الْحَاصِلَةِ فِيهِ بِذَلِكَ (وَغَيْرُ الْمَسْجِدِ أَوْلَى) بِالْإِنْزَالِ فِيهِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَبَعْضُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عُلِمَ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ (وَلَوْ سَأَلَ مَنْ لَا يُرْجَى إسْلَامُهُ تَعْلِيمَ الْعِلْمِ مُنِعَ) مِنْهُ بِخِلَافِ مَنْ يُرْجَى إسْلَامُهُ كَمَا فِي تَعْلِيمِهِ الْقُرْآنَ (وَلَوْ عِلْمَ نَحْوًا أَوْ شِعْرًا) أَوْ نَحْوَهُمَا (جَازَ) ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ إسْلَامُهُ (وَلَا يُمَكَّنُ) إذَا دَخَلَ لِشَيْءٍ مِمَّا مَرَّ (مِنْ إظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ) وَلَا يَأْذَنُ لَهُ الْإِمَامُ فِي حَمْلِ شَيْءٍ مِنْهُمَا إلَى دَارِنَا

(الرُّكْنُ الْخَامِسُ الْمَالُ وَأَقَلُّهُ دِينَارٌ لِكُلِّ سَنَةٍ) عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مُعَاذٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَجَّهَهُ إلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مِنْ الْمَعَافِرِ» ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ وَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ أَقَلَّهَا دِينَارٌ أَوْ مَا قِيمَتُهُ دِينَارٌ وَبِهِ أَخَذَ الْبُلْقِينِيُّ وَالْمَنْصُوصُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ أَنَّ أَقَلَّهَا دِينَارٌ، وَعَلَيْهِ إذَا عَقَدَ بِهِ جَازَ أَنْ يُعْتَاضَ عَنْهُ مَا قِيمَتُهُ دِينَارٌ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَقْدُهَا بِمَا قِيمَتُهُ دِينَارٌ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ قَدْ تَنْقُصُ عَنْهُ آخِرَ الْمُدَّةِ وَمَحَلُّ كَوْنِ أَقَلِّهَا دِينَارًا عِنْدَ قُوَّتِنَا وَإِلَّا فَقَدْ نَقَلَ الدَّارِمِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْدُهَا بِأَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ إنَّهُ ظَاهِرٌ مُتَّجَهٌ

(وَتُسْتَحَبُّ الْمُمَاكَسَةُ) أَيْ الْمُشَاحَةُ مَعَ الْكَافِرِ الْعَاقِلِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمُوَكِّلِهِ فِي قَدْرِ الْجِزْيَةِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى دِينَارٍ بَلْ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْقِدَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْقِدَ بِدُونِهِ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَيُسَنُّ أَنْ يُفَاوَتَ بَيْنَهُمْ (فَيَعْقِدُ لِلْغَنِيِّ بِأَرْبَعَةٍ وَالْمُتَوَسِّطِ بِدِينَارَيْنِ) وَالْفَقِيرِ بِدِينَارٍ (فَإِنْ أَبَى) عَقْدَهَا (إلَّا بِدِينَارٍ أُجِيبَ) ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ وَالْمُمَاكَسَةُ كَمَا تَكُونُ فِي الْعَقْدِ تَكُونُ فِي الْأَخْذِ بَلْ الْأَصْحَابُ إنَّمَا صَدَّرُوا بِهِ فِي الْأَخْذِ فَقَالُوا يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ الْمُمَاكَسَةُ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْ -

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَلَا يُنْقَلُ الْمَرِيضُ مِنْ الْحِجَازِ) عِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ، وَإِنْ مَرِضَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْحِجَازِ وَعَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ فِي نَقْلِهِ تُرِكَ وَعِبَارَةُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ لَا إنْ مَرِضَ وَشَقَّ نَقْلُهُ (قَوْلُهُ فَيُنْقَلُ مِنْهُ) ، وَإِنْ خِيفَ مِنْ النَّقْلِ مَوْتُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْحِجَازِ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَلُ مِنْهُ إنْ شَقَّ نَقْلُهُ أَوْ خِيفَ مَوْتُهُ مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ

(قَوْلُهُ وَإِلَّا دُفِنَ فِيهِ) مَحَلُّهُ فِي الذِّمِّيِّ أَمَّا الْحَرْبِيُّ فَلَا يَجِبُ دَفْنُهُ بَلْ فِي وَجْهٍ لَا يَجُوزُ

(قَوْلُهُ وَيَأْذَنُ لَهُ الْآحَادُ) شَرْطُ الْإِذْنِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا وَفِي الْكَافِي أَنْ لَا يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ فِي عَهْدِهِ عَدَمَ الدُّخُولِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَجُلُوسُ الْقَاضِي فِيهِ إذْنٌ لِلْكَافِرِ الْمُخَاصِمِ) قُعُودُ الْمُفْتِي فِيهِ لِلِاسْتِفْتَاءِ كَذَلِكَ

[الرُّكْنُ الْخَامِسُ الْمَالُ]

(قَوْلُهُ وَأَقَلُّهُ دِينَارٌ) وَأَكْثَرُهُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ التَّرَاضِي؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّرَاضِي فَجَازَ بِمَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِخِلَافِهِ كَالْبَيْعِ (قَوْلُهُ لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ إلَخْ) قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهُوَ مُبَيِّنٌ لِمَا أُرِيدَ بِالْجِزْيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29] قَالَ وَلَا نَعْلَمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ أَحَدًا عَلَى أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالْمُتَوَسِّطُ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ الدِّينَارَ وَلَمْ يُفَصِّلْ وَلِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِحَقْنِ الدَّمِ أَوْ لِسُكْنَى الدَّارِ أَوْ لِلْمَجْمُوعِ وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالْمُتَوَسِّطُ يَسْتَوُونَ فِي ذَلِكَ فَاسْتَوَوْا فِي مُقَابِلِهِ (قَوْلُهُ وَقَالَ إنَّهُ ظَاهِرٌ مُتَّجَهٌ) وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ الرَّاجِحُ

[الْمُمَاكَسَةُ فِي الْجِزْيَةُ]

(قَوْلُهُ وَتُسْتَحَبُّ الْمُمَاكَسَةُ) ، وَإِنْ عَلِمُوا جَوَازَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الدِّينَارِ (قَوْلُهُ بَلْ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْقِدَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ إلَخْ) فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَاقِدِ إذَا قَدَرَ عَلَى الْعَقْدِ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهَا دَانِقًا، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ فَأَمَّا إذَا عَقَدَ لَهُمْ الْعَقْدَ عَلَى شَيْءٍ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ مِنْ الْأُمِّ وَقَوْلُهُ فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ نَصَّ عَلَيْهِ إلَخْ (قَوْلُهُ فَتُعْقَدُ لِلْغَنِيِّ بِأَرْبَعَةٍ وَالْمُتَوَسِّطِ بِدِينَارَيْنِ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ لَمْ يَذْكُرُوا ضَابِطَ الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ يُحْتَمَلُ كَمَا فِي النَّفَقَةِ وَالْعَاقِلَةِ وَيُحْتَمَلُ الرُّجُوعُ إلَى الْعُرْفِ اهـ وَالْأَقْرَبُ ضَبْطُهُمَا بِمَا فِي الْعَاقِلَةِ (قَوْلُهُ بَلْ الْأَصْحَابُ إنَّمَا صَدَّرُوا بِهِ فِي الْأَخْذِ فَقَالُوا إلَخْ) الْمُمَاكَسَةُ لَا تَكُونُ إلَّا فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ فَأَمَّا إذَا انْعَقَدَ الْعَقْدُ لَهُمْ بِشَيْءٍ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَمَعْنَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَعْقِدَ لِلْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ بِمَا ذَكَرَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمَا ذَلِكَ لَكِنْ لَهَا حَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْقِدَ لِمَنْ عُلِمَ غِنَاهُ أَوْ تَوَسُّطُهُ بِمَا ذَكَرَ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فَيَعْقِدُ لِلْغَنِيِّ إلَى آخِرِهِ ثَانِيهِمَا أَنْ يَعْقِدَ عَلَى صِفَةِ الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَالتَّوَسُّطِ وَتَغْيِيرِ حَالِ الْآخِذِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ شَرَطَ وَأَطْلَقَ عَلَى كُلِّ فَقِيرٍ إلَى آخِرِهِ فَقَدْ قَالُوا هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ فَأَمَّا إذَا انْعَقَدَ لَهُمْ الْعَقْدُ

الْغَنِيِّ إلَى آخِرِهِ وَيُسْتَثْنَى السَّفِيهُ فَلَا يَصِحُّ عَقْدُهُ وَلَا عَقْدُ الْوَلِيِّ لَهُ بِالزَّائِدِ عَلَى الدِّينَارِ خِلَافًا لِلْقَاضِي (فَلَوْ امْتَنَعَ مِنْ) بَذْلِ (الزَّائِدِ) عَلَى دِينَارٍ (بَعْدَ الْعَقْدِ) بِهِ (فَنَاقِضٌ) لِلْعَهْدِ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ أَصْلِ الْجِزْيَةِ فَيَبْلُغُ الْمَأْمَنَ كَمَا سَيَأْتِي فَعُلِمَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ (فَإِنْ بَلَغَ الْمَأْمَنَ وَعَادَ بَاذِلًا لِلدِّينَارِ) عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَعَادَ وَطَلَبَ الْعَقْدَ بِدِينَارٍ (أُجِيبَ) كَمَا لَوْ طَلَبَهُ أَوَّلًا (فَإِنْ شُرِطَ وَأُطْلِقَ عَلَى كُلِّ فَقِيرٍ دِينَارٌ وَ) كُلِّ (غَنِيٍّ أَرْبَعَةٌ وَ) كُلِّ (مُتَوَسِّطٍ دِينَارٌ إنْ اُعْتُبِرَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ) أَيْ الْفَقْرُ وَالْغِنَى وَالتَّوَسُّطُ (وَقْتَ الْأَخْذِ) لَا وَقْتَ طُرُوِّهَا وَلَا وَقْتَ الْعَقْدِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَأُطْلِقَ أَيْ الشَّرْطُ مَا لَوْ قَيَّدَ بِأَنْ قُيِّدَتْ الْأَحْوَالُ الْمَذْكُورَةُ بِوَقْتٍ فَيُتَّبَعُ (وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْفَقْرِ) أَوْ التَّوَسُّطِ مِنْهُمْ بِيَمِينِهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ أَوْ يُعْهَدُ لَهُ مَالٌ وَكَذَا مَنْ غَابَ وَأَسْلَمَ ثُمَّ حَضَرَ وَقَالَ أَسْلَمْت مِنْ وَقْتِ كَذَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ

(وَلَا تُؤْخَذُ) الْجِزْيَةُ (فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ بِالْقِسْطِ) اتِّبَاعًا لِسِيرَةِ الْأَوَّلِينَ (إلَّا مِمَّنْ مَاتَ) أَوْ أَسْلَمَ أَوْ اسْتَقَالَ مِنْ الْعَقْدِ أَوْ نَبَذَهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ فَيُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ إذْ وُجُوبُهَا بِالسُّكْنَى فَإِذَا سَكَنَ بَعْضَ الْمُدَّةِ وَجَبَ قِسْطُهُ كَالْأُجْرَةِ نَعَمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ فَتِرْكَتُهُ كُلُّهَا فَيْءٌ فَلَا مَعْنَى لِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهَا وَلَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ أُخِذَ مِنْ نَصِيبِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْجِزْيَةِ وَسَقَطَتْ حِصَّةُ بَيْتِ الْمَالِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ فِي أَثْنَاءِ الْعَامِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِسْطُ حِينَئِذٍ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ، وَهُوَ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَخْذِهِ

(فَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ) مَعَ الْجِزْيَةِ (دَيْنٌ لِآدَمِيٍّ) وَضَاقَ مَالُهُ عَنْهُمَا (سَوَّى بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ حَتَّى تَكُونَ كَالزَّكَاةِ؛ وَلِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا حَقٌّ الْآدَمِيِّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا أُجْرَةٌ

(وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ طَلَبُ تَعْجِيلِ الْجِزْيَةِ) هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يُؤْخَذُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ بِالْقِسْطِ

[فَصْلٌ أَقَرُّوا بِبَلَدِهِمْ بِجِزْيَةٍ]

(فَصْلٌ فَإِنْ أَقَرُّوا بِبَلَدِهِمْ) بِجِزْيَةٍ (اُسْتُحِبَّ) مَعَهَا (اشْتِرَاطُ ضِيَافَةِ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَّا) ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَارُّ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ (لَا عَلَى فَقِيرٍ) ؛ لِأَنَّهَا تَتَكَرَّرُ فَلَا يَتَيَسَّرُ لِلْفَقِيرِ الْقِيَامُ بِهَا وَالْأَصْلُ فِي اشْتِرَاطِهَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ أَهْلَ أَيْلَةَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ وَكَانُوا ثَلَثَمِائَةِ رَجُلٍ وَعَلَى ضِيَافَةِ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» وَرَوَى الشَّيْخَانِ خَبَرَ «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ» (وَيُبَيِّنُ) لَهُمْ فِي الْعَقْدِ (أَيَّامَ الضِّيَافَةِ) أَيْ قَدْرَهَا (فِي الْحَوْلِ) كَمِائَةِ يَوْمٍ فِيهِ (وَمُدَّةَ الْإِقَامَةِ) كَيَوْمٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ لِيَنْتَفِيَ الْغَرَرُ (وَلَا تَزِيدُ) مُدَّتُهَا أَيْ لَا تُنْدَبُ زِيَادَتُهَا (عَلَى الثَّلَاثِ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّ فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا مَشَقَّةً فَإِنْ وَقَعَ تَوَافُقٌ عَلَى زِيَادَةٍ جَازَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَنَقَلَ فِي الذَّخَائِرِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ تَزْوِيدَ الضَّيْفِ كِفَايَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (وَيُبَيِّنُ) لَهُمْ (عَدَدَ الضِّيفَانِ خَيْلًا وَرَجْلًا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ (كَعِشْرِينَ) ضَيْفًا فِي الْعَامِ مِنْ الْفُرْسَانِ كَذَا وَمِنْ الرَّجَّالَةِ كَذَا (عَلَى الْوَاحِدِ) مِنْهُمْ (أَوْ أَلْفٍ) كَذَلِكَ (عَلَى الْجَمِيعِ وَ) هُمْ (يُوَزِّعُونَهَا) عَلَى أَنْفُسِهِمْ (بِقَدْرِ الْجِزْيَةِ) أَوْ يَتَحَمَّلُ بَعْضُهُمْ عَنْ

[حاشية الرملي الكبير]

عَلَى شَيْءٍ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ كَذَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ وَكَتَبَ أَيْضًا الْمُرَادُ الْمُمَاكَسَةُ عَلَى أَنْ يَعْقِدَ لِلْغَنِيِّ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ وَلِلْمُتَوَسِّطِ بِدِينَارَيْنِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا أَوْ يَعْقِدَ عَلَى صِفَةِ الْغَنِيِّ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ وَعَلَى صِفَةِ التَّوَسُّطِ بِدِينَارَيْنِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ثَانِيًا قَالَ شَيْخُنَا وَبِهَذَا الْجَمْعِ يُوَافِقُ كَلَامُ الشَّارِحِ كَلَامَ الْأَصْحَابِ وَإِلَّا فَهُوَ مَرْدُودٌ فِي الشِّقِّ الْأَخِيرِ أَيْ الْمُمَاكَسَةِ عِنْدَ الْأَخْذِ وَحِينَئِذٍ فَيَتَلَخَّصُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَارَةً يُعْقَدُ عَلَى الْأَشْخَاصِ وَتَارَةً يُعْقَدُ عَلَى الْأَوْصَافِ فَإِنْ عَقَدَ بِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ فَالْمُمَاكَسَةُ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الثَّانِي فَعِنْدَ الْأَخْذِ (قَوْلُهُ فَلَوْ امْتَنَعَ مِنْ الزَّائِدِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَنَاقِضٌ لِلْعَهْدِ) شَمِلَ مَا لَوْ عَقَدَهَا رَشِيدٌ ثُمَّ سَفِهَ، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ

(قَوْلُهُ إلَّا مِمَّنْ مَاتَ) أَيْ أَوْ جُنَّ (قَوْلُهُ لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَخْذِهِ) فَقَالَ: وَإِنْ فَلَسَهُ لِأَهْلِ دِينِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ ضَرَبَ مَعَ غُرَمَائِهِ بِحِصَّةِ جِزْيَتِهِ لِمَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ الْحَوْلِ.
اهـ. فَالنَّصُّ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا قَسَمَ مَالَهُ حِينَئِذٍ وَتُحْمَلُ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ عَلَى خِلَافِهِ (قَوْلُهُ لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَخْذِهِ) أَيْ إنْ قَسَمَ مَالَهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ وَإِلَّا فَلَا يُؤْخَذُ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمَا إذْ عِبَارَتُهُ، وَإِنْ فَلَسَهُ لِأَهْلِ دِينِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ ضَرَبَ مَعَ غُرَمَائِهِ بِحِصَّةِ جِزْيَتِهِ لِمَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ الْحَوْلِ

(قَوْلُهُ فَلَوْ مَاتَ) أَيْ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ

(قَوْلُهُ فَإِنْ أَقَرُّوا بِبَلَدِهِمْ) بِجِزْيَةٍ وَلَوْ كَانَتْ بِدَارِنَا كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ الظَّاهِرُ (قَوْلُهُ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَّا) خَرَجَ بِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَيُشْبِهُ جَوَازَ شَرْطِهِ نَعَمْ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ الضِّيَافَةَ إذَا كَانَ الشَّرْطُ مُطْلَقًا تَرَدَّدَ لِلْإِمَامِ وَالرَّاجِحُ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِمْ وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ قَبُولُهَا دَنَانِيرَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ الْحَقُّ أَنَّ الضِّيَافَةَ كَالْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الدِّينَارِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى شَرْطِهِ وَجَبَ وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَإِنْ عَلِمُوا جَوَازَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الدِّينَارِ وَتَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا صُولِحُوا فِي بَلَدِهِمْ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِيمَا إذَا صُولِحُوا بِدَارِنَا أَوْ بِبَلَدٍ فِيهِ مُسْلِمُونَ وَبِهِ صَرَّحَ سُلَيْمٌ فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ لَكِنْ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَجْهًا وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى إجْرَاءِ النَّصِّ عَلَى إطْلَاقِهِ وَلَوْ لَمْ يَمُرَّ بِهِمْ أَحَدٌ سَنَةً لَمْ يَلْزَمْهُمْ شَيْءٌ (قَوْلُهُ لِضِيَافَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَةٌ (قَوْلُهُ وَيُبَيِّنُ أَيَّامَ الضِّيَافَةِ فِي الْحَوْلِ كَمِائَةِ يَوْمٍ فِيهِ) كَذَا قَالَاهُ ثُمَّ نَقَلَا عَنْ الْبَحْرِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ وَشَرَطَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عِنْدَ قُدُومِ كُلِّ قَوْمٍ فَوَجْهَانِ إنْ جَعَلْنَاهَا جِزْيَةً لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ انْتَهَى قَالُوا وَفِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمُدَّةُ الْإِقَامَةِ بِمَعْنَى أَوْ (قَوْلُهُ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ) وَلِأَنَّ الضِّيَافَةَ تَخْتَصُّ بِالْمُسَافِرِينَ وَمَنْ قَصَدَ إقَامَةً أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ انْقَطَعَ سَفَرُهُ (قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ) وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا (قَوْلُهُ وَيُبَيِّنُ عَدَدَ الضِّيفَانِ إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّمَا يُشْتَرَطُ إذَا جُعِلَتْ مِنْ الْجِزْيَةِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ لَمْ يُشْتَرَطْ التَّعَرُّضُ لِلْعَدَدِ وَحِينَئِذٍ فَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ مُفَرَّعٌ عَلَى الضَّعِيفِ قَالَ شَيْخُنَا الْمُعَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا كَأَصْلِهِ

بَعْضٍ وَإِذَا تَفَاوَتُوا فِي الْجِزْيَةِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفَاوِتَ بَيْنَهُمْ فِي الضِّيَافَةِ فَيَجْعَلُ عَلَى الْغَنِيِّ عِشْرِينَ مَثَلًا وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ عَشَرَةً وَلَا يُفَاوِتُ بَيْنَهُمْ فِي جِنْسِ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ عَلَى الْغَنِيِّ أَطْعِمَةً فَاخِرَةً أَجْحَفَ بِهِ الضِّيفَانُ (وَ) يُبَيِّنُ لَهُمْ (جِنْسَ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ وَقَدْرِهِمَا) بِالنِّسْبَةِ (لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنَّا كَأَنْ يَقُولَ لِكُلِّ وَاحِدٍ كَذَا مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ.
وَكَذَا مِنْ السَّمْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا بِحَسَبِ عَادَتِهِمْ (وَ) يُبَيِّنُ (الْعَلَفَ) أَيْ عَلَفَ الدَّوَابِّ مِنْ تِبْنٍ وَحَشِيشٍ وَقَتٍّ (لَا قَدْرَهُ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُهُ (إلَّا الشَّعِيرُ) إنْ ذَكَرَهُ (فَيُقَدِّرُهُ) وَإِطْلَاقُ الْعَلَفِ لَا يَقْتَضِي الشَّعِيرَ فَإِنْ كَانَ لِوَاحِدٍ دَوَابُّ وَلَمْ يُعَيِّنْ عَدَدًا مِنْهَا لَمْ يَعْلِفْ إلَّا وَاحِدَةً نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ (وَلَا يَلْزَمُهُ) الْأَنْسَبُ يَلْزَمُهُمْ (أُجْرَةُ طَبِيبٍ وَحَمَّامٍ وَثَمَنُ دَوَاءٍ وَ) يُبَيِّنُ لَهُمْ (الْمَنَازِلَ) أَيْ مَنَازِلَ الضِّيفَانِ (مِنْ فُضُولِ مَنَازِلِهِمْ) وَبُيُوتِ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا ضِيَافَةَ عَلَيْهِمْ (وَالْكَنَائِسَ) وَنَحْوِهَا (الدَّافِعَةَ لِلْحَرِّ وَالْبَرْدِ) وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ تَعْلِيَةَ الْأَبْوَابِ لِيَدْخُلَهَا الْمُسْلِمُونَ رُكْبَانًا كَمَا شَرَطَهُ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ (وَلَا يُخْرَجُونَ) أَيْ أَرْبَابُ الْمَنَازِلِ (مِنْ مَنَازِلِهِمْ) ، وَإِنْ ضَاقَتْ (وَهِيَ) أَيْ الضِّيَافَةُ (زِيَادَةٌ عَلَى الْجِزْيَةِ) لَا مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْجِزْيَةُ عَلَى التَّمْلِيكِ؛ وَلِهَذَا لَا يُجْزِئُ فِيهَا التَّغْدِيَةُ وَالتَّعْشِيَةُ كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ (تَلْزَمُ بِالْقَبُولِ) مِنْهُمْ (وَإِنْ اعْتَاضَ عَنْهَا) أَيْ الضِّيَافَةِ (الْإِمَامُ دَرَاهِمَ) أَوْ دَنَانِيرَ وَبِهَا عَبَّرَ الْأَصْلُ (بِرِضَاهُمْ جَازَ وَاخْتَصَّتْ بِأَهْلِ الْفَيْءِ) كَالْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الدِّينَارُ وَيُفَارِقُ الضِّيَافَةَ بِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهَا تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ رِضَاهُمْ؛ لِأَنَّ الضِّيَافَةَ قَدْ تَكُونُ أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ

(فَرْعٌ لِضَيْفِهِمْ حَمْلُ الطَّعَامِ) مِنْ غَيْرِ أَكْلٍ بِخِلَافِ طَعَامِ الْوَلِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُمَةٌ وَمَا هُنَا مُعَارَضَةٌ (لَا الْمُطَالَبَةُ بِالْعِوَضِ وَ) لَا (طَعَامِ الْغَدِ وَلَا) طَعَامِ (الْأَمْسِ) الَّذِي لَمْ يَأْتُوا بِطَعَامِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ زَائِدَةٌ عَلَى الْجِزْيَةِ

(وَإِنْ ازْدَحَمَ الضِّيفَانُ عَلَى الْمُضِيفِ) لَهُمْ (أَوْ عَكْسُهُ خُيِّرَ الْمُزْدَحَمُ عَلَيْهِ) فَيُخَيَّرُ الْمُضِيفُ فِي الْأُولَى وَالضَّيْفُ فِي الثَّانِيَةِ (وَإِنْ كَثُرَتْ الضِّيفَانُ عَلَيْهِمْ بَدَءُوا بِالسَّابِقِ) لِسَبْقِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ تُسَاوَوْا (أَقْرَعَ) بَيْنَهُمْ وَلِيَكُنْ لِلضِّيفَانِ عَرِيفٌ يُرَتِّبُ أَمْرَهُمْ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ

(فَصْلٌ وَالْجِزْيَةُ تُؤْخَذُ) مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ (بِرِفْقٍ كَسَائِرِ الدُّيُونِ) وَيَكْفِي فِي الصَّغَارِ الْمَذْكُورِ فِي آيَةِ الْجِزْيَةِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ الْحُكْمُ بِمَا لَا يَعْتَقِدُونَهُ كَمَا فَسَّرَهُ الْأَصْحَابُ بِذَلِكَ وَتَفْسِيرُهُ بِأَنْ يَجْلِسَ الْآخِذُ وَيَقُومَ الذِّمِّيُّ وَيُطَأْطِئَ رَأْسَهُ وَيَحْنِيَ ظَهْرَهُ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ فِي الْمِيزَانِ وَيَقْبِضَ الْآخِذُ لِحْيَتَهُ وَيَضْرِبَ لِهْزِمَتَيْهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ بَاطِلَةٌ وَدَعْوَى اسْتِحْبَابِهَا أَوْ وُجُوبِهَا أَشَدُّ خَطَأً وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدًا مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَعَلَ شَيْئًا مِنْهَا (فَلَهُ تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ فِي أَدَائِهَا وَتَضْمِينُهُ) لَهَا (وَالْحَوَالَةُ) بِهَا (عَلَيْهِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْهَيْئَةَ الْمَذْكُورَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ

(فَصْلٌ) لَوْ (طَلَبَ قَوْمٌ) مِمَّنْ يُعْقَدُ لَهُمْ الْجِزْيَةُ عَرَبٌ أَوْ عَجَمٌ (أَنْ يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الزَّكَاةِ) لَا بِاسْمِ الْجِزْيَةِ (وَقَدْ عَرَفُوهَا) حُكْمًا وَشَرْطًا (وَ) أَنْ (يُضَعَّفَ) عَلَيْهِمْ (أُجِيبُوا) إلَى ذَلِكَ إنْ رَآهُ الْإِمَامُ وَسَقَطَ عَنْهُمْ الْإِهَانَةُ وَاسْمُ الْجِزْيَةِ اقْتِدَاءً بِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي نَصَارَى الْعَرَبِ لَمَّا قَالُوا لَهُ نَحْنُ عَرَبٌ لَا نُؤَدِّي مَا تُؤَدِّيهِ الْعَجَمُ فَخُذْ مِنَّا مَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ يَعْنُونَ لِزَكَاةٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ فِيهِ أَحَدٌ فَكَانَ إجْمَاعًا وَعَقَدَ لَهُمْ الذِّمَّةَ مُؤَبَّدًا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُ مَا فَعَلَهُ هَذَا (إنْ تَيَقَّنَّا وَفَاءَهَا بِدِينَارٍ) وَإِلَّا فَلَا يُجَابُوا (وَلَوْ اقْتَضَى) إجَابَتُهُمْ (تَسْلِيمَ بَعْضٍ) مِنْهُمْ (عَنْ بَعْضٍ) مَا الْتَزَمُوهُ فَإِنَّهُمْ يُجَابُونَ وَلِبَعْضِهِمْ أَنْ يَلْتَزِمَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ وَغَرَضُنَا تَحْصِيلُ دِينَارٍ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ (فَيَقُولُ الْإِمَامُ) فِي صُورَةِ الْعَقْدِ (جَعَلْت عَلَيْكُمْ ضِعْفَ الصَّدَقَةِ أَوْ صَالَحْتُكُمْ عَلَيْهِ) أَوْ نَحْوَهُ (وَهِيَ) أَيْ الْأَمْوَالُ الْمَأْخُوذَةُ بِاسْمِ الزَّكَاةِ (جِزْيَةٌ) حَقِيقَةً، وَإِنْ بُدِّلَ اسْمُهَا (تُصْرَفُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ) فَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ هَؤُلَاءِ حَمْقَى أَبَوْا الِاسْمَ وَرَضُوا بِالْمَعْنَى (وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ مَالِ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَامْرَأَةٍ) وَخُنْثَى بِخِلَافِ الْفَقِيرِ (فَإِنْ وَفَّى قَدْرَ الزَّكَاةِ) بِلَا تَضْعِيفٍ (أَوْ نِصْفَهَا) أَنَّ نِصْفَهَا (بِالدِّينَارِ يَقِينًا لَا ظَنًّا كَفَى أَخْذُهُ) فَلَوْ كَثُرُوا وَعَسُرَ عَدَدُهُمْ لِمَعْرِفَةِ الْوَفَاءِ بِالدِّينَارِ لَمْ يَجُزْ الْأَخْذُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ بَلْ يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُ أَخْذِ دِينَارٍ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ وَلَا يَتَعَيَّنُ تَضْعِيفُهَا وَلَا تَنْصِيفُهَا فَيَجُوزُ تَرْبِيعُهَا وَتَخْمِيسُهَا وَنَحْوُهُمَا عَلَى مَا يَرَوْنَهُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ (وَلَوْ شَرَطَ الضِّعْفَ) لِلزَّكَاةِ (وَكَثُرَ) أَيْ زَادَ عَلَى دِينَارٍ (وَبَذَلُوا الدِّينَارَ) بِأَنْ سَأَلُوا إسْقَاطَ الزَّائِدِ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ إلَّا الشَّعِيرَ) أَيْ أَوْ نَحْوَهُ

[فَرْعٌ ضَيْفُ أَهْلُ الْجِزْيَةِ يَحْمِلُ طَعَامَهُ]

(قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ زَائِدَةٌ) قَالَ شَيْخُنَا أَيْ فَهِيَ مُوَاسَاةٌ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ

(قَوْلُهُ بَدَءُوا بِالسَّابِقِ) قَالَ شَيْخُنَا يَظْهَرُ أَنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ

[فَصْلٌ الْجِزْيَةُ تُؤْخَذُ مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ]

(قَوْلُهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ) فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ آخِذُهَا ذِمِّيًّا (قَوْلُهُ وَيَقْبِضُ الْآخِذُ لِحْيَتَهُ وَيَضْرِبُ لِهْزِمَتَيْهِ وَيَقُولُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَدِّ حَقَّ اللَّهِ) كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ وَالْأَذْرَعِيُّ وَالدَّمِيرِيُّ وَالْغَزِّيُّ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِمْ فس (قَوْلُهُ مَرْدُودٌ) هَذَا خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ وَتَفْسِيرُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ بَاطِلَةٌ) فَتَكُونُ حَرَامًا (قَوْلُهُ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ) فَهِيَ حَرَامٌ قَالَ شَيْخُنَا أَيْ إنْ تَأَذَّى بِهَا وَإِلَّا فَمَكْرُوهَةٌ

[فَصْلٌ طَلَبَ قَوْمٌ مِمَّنْ يُعْقَدُ لَهُمْ الْجِزْيَةُ أَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الزَّكَاةِ]

(قَوْلُهُ وَأَنْ تُضَعَّفَ عَلَيْهِمْ أُجِيبُوا) شَمِلَ تَضْعِيفُ زَكَاةِ الْمَالِ التِّجَارَةَ وَالْمَعْدِنَ وَالرِّكَازَ (قَوْلُهُ كَفَى أَخْذُهُ) وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ زِيَادَةَ شَيْءٍ عَلَى قَدْرِ الزَّكَاةِ كَمَا نَقَلَاهُ وَأَقَرَّاهُ

وَإِعَادَةَ اسْمِ الْجِزْيَةِ (أُجِيبُوا) ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ أُثْبِتَتْ لِتَغْيِيرِ الِاسْمِ فَإِذَا رَضُوا بِالِاسْمِ وَجَبَ إسْقَاطُهَا (وَإِنْ قَلَّ) الضِّعْفُ (عَنْ الدِّينَارِ زَادَ فِي التَّضْعِيفِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ)

(فَرْعٌ تُضَعَّفُ الْمَاشِيَةُ) أَيْ الزَّكَاةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْهَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (فَيُؤْخَذُ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاتَانِ) وَمِنْ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ شَاتَانِ وَمِنْ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعَانِ وَمِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ وَمِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَمِمَّا سُقِيَ بِلَا مُؤْنَةٍ الْخُمُسُ وَمِمَّا سُقِيَ بِمُؤْنَةٍ الْعُشْرُ وَمِنْ الرِّكَازِ خُمُسَانِ وَهَكَذَا (وَلَا يُضَعَّفُ الْجُبْرَانُ لَوْ أَخَذْنَاهُ) أَوْ أَعْطَيْنَاهُ لِئَلَّا يُكْثِرَ التَّضْعِيفُ؛ وَلِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيَقْتَصِرُ بِهِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فَلَوْ مَلَكَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتَا لَبُونِ أَخْرَجَ بِنْتَيْ مَخَاضٍ مَعَ إعْطَاءِ الْجُبْرَانِ أَوْ حَقَّتَيْنِ مَعَ أَخْذِهِ فَيُعْطِي فِي النُّزُولِ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَيَأْخُذُ فِي الصُّعُودِ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِثْلَ ذَلِكَ (وَيُعْطَى) الْإِمَامُ (الْجُبْرَانَ مِنْ الْفَيْءِ) كَمَا يَصْرِفُهُ إذَا أَخَذَهُ إلَى الْفَيْءِ (وَلَا يَأْخُذُهَا مِنْ دُونِ النِّصَابِ) بِالْقِسْطِ كَشَاةٍ مِنْ عِشْرِينَ وَنِصْفِ شَاةٍ مِنْ عَشَرٍ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا وَرَدَ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ وَهَلْ يَعْتَبِرُ النِّصَابُ كُلَّ الْحَوْلِ أَوْ آخِرَهُ وَجْهَانِ فِي الْكِفَايَةِ قِيَاسُ بَابِ الزَّكَاةِ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ وَقِيَاسُ اعْتِبَارِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ وَالتَّوَسُّطِ آخَرَ الْحَوْلِ فِي هَذَا الْبَابِ تَرْجِيحُ الثَّانِي (وَيُؤْخَذُ مِنْ مِائَتَيْنِ) مِنْ الْإِبِلِ (ثَمَانُ حِقَاقٍ أَوْ عَشَرُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَلَا) يُفَرِّقُ فَلَا (يَأْخُذُ أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ) كَمَا لَا يُفَرِّقُ فِي الزَّكَاةِ (قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا تَشْقِيصَ) هُنَا بِخِلَافِ مَا هُنَاكَ

(فَصْلٌ لَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ حَرْبِيٍّ دَخَلَ) دَارَنَا (رَسُولًا أَوْ بِتِجَارَةٍ نَضْطَرُّ) نَحْنُ (إلَيْهَا) أَوْ لِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ لَهُ الدُّخُولَ بِلَا إذْنٍ (فَإِنْ لَمْ نَضْطَرَّ) إلَيْهَا (وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ) أَخْذَ شَيْءٍ (وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ عُشْرِهَا جَازَ) كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا وَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْعُشْرِ كَمَا فِي زِيَادَةِ الْجِزْيَةِ عَلَى دِينَارٍ (وَيَجُوزُ) لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ (دُونَهُ) أَيْ الْعُشْرِ (وَ) أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ أَخْذَ شَيْءٍ (فِي نَوْعٍ) مِنْ تِجَارَاتِهِمْ (أَكْثَرَ مِنْ نَوْعٍ) آخَرَ (وَلَوْ أَعْفَاهُمْ) عَنْ الْأَخْذِ (جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تَدْعُو إلَيْهِ لِاتِّسَاعِ الْمَكَاسِبِ وَغَيْرِهِ (فَإِنْ شَرَطَ) عَلَيْهِمْ (عُشْرَ الثَّمَنِ) أَيْ ثَمَنِ مَا بِيعَ مِنْ تِجَارَاتِهِمْ (أُمْهِلُوا إلَى الْبَيْعِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ تِجَارَاتِهِمْ (وَالْمَأْخُوذُ) أَيْ مَا يُؤْخَذُ (فِي الْحَوْلِ) لَا يُؤْخَذُ إلَّا (مَرَّةً وَلَوْ تَرَدَّدُوا) إلَى بِلَادِهِمْ كَالْجِزْيَةِ (وَلَا يُؤْخَذُ) شَيْءٌ (مِنْ تِجَارَةِ ذِمِّيٍّ وَلَا ذِمِّيَّةٍ اتَّجَرَتْ إلَّا إنْ شَرَطَ) عَلَيْهِمَا (مَعَ الْجِزْيَةِ) اقْتِدَاءً بِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَوَاءٌ أَكَانَا بِالْحِجَازِ أَمْ بِغَيْرِهِ وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ اتَّجَرَتْ (وَلَا) يُؤْخَذُ شَيْءٌ (مِنْ غَيْرِ مُتَّجِرٍ) دَخَلَ بِأَمَانٍ، وَإِنْ دَخَلَ الْحِجَازَ (وَيَكْتُبُ لِمَنْ أَخَذَ مِنْهُ) بَرَاءَةً (حَتَّى لَا يُطَالَبُ) مَرَّةً (أُخْرَى) قَبْلَ الْحَوْلِ

[فَصْلٌ صَالَحْنَاهُمْ وَأَبْقَيْنَا أَرْضَهُمْ عَلَى مِلْكِهِمْ وَضَرَبْنَا عَلَيْهَا خَرَاجًا كُلَّ سَنَةٍ يَفِي بِالْجِزْيَةِ]

(فَصْلٌ) لَوْ (صَالَحْنَاهُمْ وَأَبْقَيْنَا أَرْضَهُمْ عَلَى مِلْكِهِمْ وَضَرَبْنَا عَلَيْهَا خَرَاجًا) يُؤَدُّونَهُ (كُلَّ سَنَةٍ) عَنْ كُلِّ جَرِيبٍ كَذَا (يَفِي) ذَلِكَ الْخَرَاجُ (بِالْجِزْيَةِ) عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (جَازَ) فَالْمَأْخُوذُ جِزْيَةٌ تُصْرَفُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَرْضِ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى (وَيُؤْخَذُ) الْخَرَاجُ مِنْهُمْ (وَإِنْ لَمْ تُزْرَعْ) أَيْ الْأَرْضُ أَوْ بَاعُوهَا أَوْ وَهَبُوهَا (مَا لَمْ يُسْلِمُوا) ؛ لِأَنَّهُ جِزْيَةٌ كَمَا مَرَّ (وَإِنْ اشْتَرَاهَا مُسْلِمٌ أَوْ اسْتَأْجَرَهَا فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ) فِي الْأُولَى (وَالْأُجْرَةُ) فِي الثَّانِيَةِ (وَالْخَرَاجُ) بَاقٍ (عَلَى الْبَائِعِ) وَالْمُؤَجِّرِ (وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ) الْخَرَاجُ (فِي مَوَاتٍ يَذُبُّونَ عَنْهُ لَا غَيْرِهِ) أَيْ لَا فِي مَوَاتٍ لَا يَذُبُّونَ عَنْهُ (وَإِنْ أَحْيَوْهُ إلَّا بِشَرْطٍ) بِأَنْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ عَمَّا يُحْيُونَهُ (وَإِنْ ضَرَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَنَا) وَيَسْكُنُونَهَا وَيُؤَدُّونَ كُلَّ سَنَةٍ عَنْ كُلِّ جَرِيبٍ كَذَا (فَهُوَ) أَيْ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ (أُجْرَةٌ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَقْدُ إجَارَةٍ فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَبْلُغَ دِينَارًا (وَالْجِزْيَةُ بَاقِيَةٌ) فَتَجِبُ مَعَ الْأُجْرَةِ (وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُهَا) أَيْ الْأَرْضِ وَلَا هِبَتُهَا وَلَهُمْ إجَارَتُهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ يُؤَجَّرُ (وَيُؤْخَذُ) ذَلِكَ (مِنْ أَرْضِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ) مِمَّنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أُجْرَةٌ

[الطَّرَفُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ عَقْدِ الذِّمَّةِ]

(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ عَقْدِ الذِّمَّةِ فَيَلْزَمُنَا) بَعْدَ عَقْدِهَا لَهُمْ (الْكَفُّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِعِصْمَتِهِمَا وَرَوَى أَبُو دَاوُد خَبَرَ «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (وَلَوْ غُصِبَتْ لَهُمْ خَمْرٌ) وَخِنْزِيرٌ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ فَإِذَا رَضُوا بِالِاسْمِ وَجَبَ إسْقَاطُهُ) يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ أَمَّا مَا اسْتَقَرَّ وَاجِبُهُ فَلَا يُغَيَّرُ ع

[فَرْعٌ تُضَعَّفُ الزَّكَاةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الْجِزْيَةِ]

(قَوْلُهُ لِئَلَّا يَكْثُرَ التَّضْعِيفُ) أَيْ لِئَلَّا يُضَعَّفَ الضِّعْفُ رَافِعِيٌّ (قَوْلُهُ فَيُعْطِي فِي النُّزُولِ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ إلَخْ) نَصَّ الشَّافِعِيُّ هُنَا عَلَى أَنَّ الْخِيرَةَ لِلْإِمَامِ أَيْ لِاتِّهَامِ الْكَافِرِ فَلَمْ يُفَوِّضْ الْأَمْرَ إلَى خِيرَتِهِ (قَوْلُهُ قِيَاسُ بَابِ الزَّكَاةِ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ) الْأَصَحُّ اعْتِبَارُ كُلِّ الْحَوْلِ فِي غَيْرِ مَالِ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ وَلَا يَأْخُذُ أَرْبَعَ حِقَاقٍ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى لَا أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ فَالْمُعْتَمَدُ جَوَازُ التَّفْرِيقِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ صَاحِبُ الْمِائَتَيْنِ حِقَّتَيْنِ وَثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ أَوْ أَرْبَعَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَحِقَّةً جَازَ، وَإِنْ تَفَرَّقَتْ الْفَرِيضَةُ لِعَدَمِ التَّشْقِيصِ

[فَصْلٌ لَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ حَرْبِيٍّ دَخَلَ دَارَنَا]

(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ عَقْدِ الذِّمَّةِ) (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِعِصْمَتِهَا) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ مِنْ قِتَالِهِمْ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يَبْذُلُوا الْجِزْيَةَ وَالْإِسْلَامُ يَعْصِمُ النَّفْسَ وَالْمَالَ فَكَذَا الْجِزْيَةُ وَإِذَا أَتْلَفْنَا عَلَيْهِمْ نَفْسًا أَوْ مَالًا وَجَبَ عَلَيْنَا ضَمَانُهُ كَمَا يَجِبُ ضَمَانُ مَالِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَائِدَةُ عَقْدِ الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ حَرُمَ قَبُولُهُ إنْ عَلِمَ) الْمُرَادُ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ

وَنَحْوُهُمَا (رُدَّتْ) إلَيْهِمْ لِعُمُومِ خَبَرِ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» (وَيَعْصِي مُتْلِفُهَا إلَّا إنْ أَظْهَرُوهَا) فَلَا يَعْصِي (وَلَا يَضْمَنُ) ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرُوهَا (وَتُرَاقُ) الْخَمْرُ (عَلَى مُسْلِمٍ اشْتَرَاهَا) مِنْهُمْ وَقَبَضَهَا (وَلَا ثَمَنَ) عَلَيْهِ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ تَعُدُّوا بِإِخْرَاجِهَا إلَيْهِ (وَلَوْ قَضَى) الذِّمِّيُّ (دَيْنَ مُسْلِمٍ) كَانَ لَهُ عَلَيْهِ (بِثَمَنِ خَمْرٍ) أَوْ نَحْوِهِ (حَرُمَ) عَلَى الْمُسْلِمِ (قَبُولُهُ إنْ عَلِمَ) أَنَّهُ ثَمَنُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ فِي عَقِيدَتِهِ (وَإِلَّا لَزِمَهُ الْقَبُولُ) وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ فِي نِكَاحِ الْمُشْرِكِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ قَبُولُهُ مَعَ الْعِلْمِ مَمْنُوعٌ (وَيَلْزَمُنَا الذَّبُّ عَنْهُمْ) لِعِصْمَتِهِمْ (لَا) إنْ كَانُوا مُقِيمِينَ (فِي دَارِ الْحَرْبِ) وَلَيْسَ مَعَهُمْ مُسْلِمٌ إذْ لَا يَلْزَمُنَا الذَّبُّ عَنْهَا بِخِلَافِ دَارِنَا (إلَّا أَنَّ شَرَطَ) الذَّبَّ عَنْهُمْ ثَمَّ (أَوْ انْفَرَدُوا عَنَّا) بِبَلَدٍ (مُجَاوِرِينَ لَنَا) فَيَلْزَمُنَا ذَلِكَ لِالْتِزَامِنَا إيَّاهُ فِي الْأُولَى، وَإِنْ كُرِهَ لَنَا طَلَبُهُ وَإِلْحَاقًا لَهُمْ فِي الثَّانِيَةِ بِبَاقِي الْعِصْمَةِ (وَإِنْ عُقِدَتْ) أَيْ الذِّمَّةُ (بِشَرْطِ أَنْ لَا نَذُبَّ عَنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ بِنَا) مِمَّنْ يَقْصِدُهُمْ بِسُوءٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ (وَهُمْ مُجَاوِرُونَ لَنَا) أَوْ أَنْ لَا نَذُبَّ عَنْهُمْ وَهُمْ مَعَنَا كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (فَسَدَ الْعَقْدُ) لِتَضَمُّنِهِ تَمْكِينَ الْكُفَّارِ مِنَّا بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا نَذُبَّ عَنْهُمْ مَنْ لَا يَمُرُّ بِنَا أَوْ مَنْ يَمُرُّ بِنَا وَهُمْ غَيْرُ مُجَاوِرِينَ لَنَا (وَيَجِبُ عَلَيْنَا وَعَلَى مَنْ هَادَنَّاهُ غُرْمُ) بَدَلِ (مَا أَتْلَفْنَاهُ) أَيْ نَحْنُ وَمَنْ هَادَنَّاهُ (عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لِلْعِصْمَةِ فِي الْجَانِبَيْنِ نَعَمْ إنْ كَانَ إتْلَافُ مَنْ هَادَنَّاهُ بَعْدَ نَقْضِهِ الْعَهْدَ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ، وَهَذَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (فَإِنْ لَمْ نَذُبَّ عَنْهُمْ فَلَا جِزْيَةَ) لِمُدَّةِ عَدَمِ الذَّبِّ كَمَا لَا يَجِبُ أُجْرَةُ الدَّارِ إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّمْكِينُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا (فَإِنْ ظَفِرَ الْإِمَامُ بِمَنْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ) وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ (رُدَّ) عَلَيْهِمْ (مَا وَجَدُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَا يَضْمَنُونَ) أَيْ الْمُغِيرُونَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ (مَا أَتْلَفُوهُ إنْ كَانُوا حَرْبِيِّينَ) كَمَا لَوْ أَتْلَفُوا مَالَنَا

(فَصْلٌ وَيُمْنَعُونَ) وُجُوبًا هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي (مِنْ إحْدَاثِ كَنِيسَةٍ وَبَيْعَةٍ وَصَوْمَعَةٍ) لِلرُّهْبَانِ وَنَحْوِهَا (فِي بَلَدٍ أَحْدَثَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) كَبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ (أَوْ) بَلَدٍ (أَسْلَمَ أَهْلُهُ) كَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا صَارَ مِلْكًا لَنَا؛ وَلِأَنَّ إحْدَاثَهَا مَعْصِيَةٌ فَلَا يَجُوزُ فِي دَارِنَا (فَإِنْ وُجِدَتْ كَنَائِسُ) مَثَلًا فِيمَا ذَكَرَ (جُهِلَ أَصْلُهَا بَقِيَتْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي قَرْيَةٍ) أَوْ بَرِيَّةٍ (فَاتَّصَلَ بِهَا عُمْرَانُ مَا أَحْدَثَ) مِنَّا بِخِلَافِ مَا لَوْ عُلِمَ إحْدَاثُ شَيْءٍ مِنْهَا بَعْدَ بِنَائِهَا (وَإِنْ شَرَطَ حِدَاثَهَا) فِي بِلَادِنَا (فَسَدَ الْعَقْدُ) لِفَسَادِ الشَّرْطِ (وَمَنْ بَنَى مِنْهُمْ دَارًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ مِنَّا وَمِنْهُمْ لَمْ يُمْنَعُ) لِانْتِفَاءِ الْمَعْصِيَةِ (فَإِنْ خَصَّصَ الذِّمِّيِّينَ) بِهَا (فَوَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الشَّامِلِ كَذَلِكَ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ وَالثَّانِي الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا انْفَرَدُوا بِسُكْنَاهَا صَارَتْ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ فِي نِكَاحِ الْمُشْرِكِ إلَخْ) الَّذِي فِي نِكَاحِ الْمُشْرِكِ مَا إذَا بَاعَ كَافِرٌ كَافِرًا أَوْ أَقْرَضَهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا بَعْدَ الْقَبْضِ وَلَوْ بِإِخْبَارِ قَاضِيهِمْ لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِمْ اهـ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاضِحٌ (قَوْلُهُ وَيَلْزَمُنَا الذَّبُّ عَنْهُمْ) فَيَلْزَمُنَا أَنْ نَدْفَعَ عَنْهُمْ الْحَرْبِيِّينَ وَالذِّمِّيِّينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيُلْحَقُ بِالْكَفِّ وَالدَّفْعِ أَمْرٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ اسْتِنْقَاذُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ وَاسْتِرْجَاعُ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ (فَائِدَةٌ) فِي ذِكْرِ شُرُوطِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ صَالَحَ نَصَارَى الشَّامِ فَكَتَبَ إلَيْهِمْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابُ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إلَى نَصَارَى الشَّامِ إنَّكُمْ لَمَّا قَدِمْتُمْ عَلَيْنَا سَأَلْنَاكُمْ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِنَا وَذَرَارِيّنَا وَأَمْوَالِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا وَشَرَطْنَا لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا أَنْ لَا نُحْدِثَ فِي مَدِينَتِنَا وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا كَنِيسَةً وَلَا قَلَّايَةً وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ وَلَا نُجَدِّدُ مَا خَرِبَ مِنْهَا وَلَا نُحْيِي مَا مَاتَ مِنْهَا فِي خُطَطِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا نَمْنَعُ كَنَائِسَنَا أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَأَنْ نُوَسِّعَ أَبْوَابَهَا لِلْمَارَّةِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَأَنْ يَنْزِلَ مَنْ مَرَّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ نُطْعِمُهُمْ وَلَا نُؤَدِّي فِي كَنَائِسِنَا وَلَا فِي مَنَازِلِنَا جَاسُوسًا وَلَا نَكْتُمُ عَيْنًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا نُعَلِّمُ أَوْلَادَنَا الْقُرْآنَ وَلَا نُظْهِرُ شِرْكًا وَلَا دَعْوًا إلَيْهِ وَلَا نَمْنَعُ أَحَدًا مِنْ ذَوِي قَرَابَتِنَا الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ إذَا أَرَادُوهُ وَأَنْ نُوَقِّرَ الْمُسْلِمِينَ وَنَقُومَ لَهُمْ مِنْ مَجَالِسِنَا إذَا أَرَادُوا الْجُلُوسَ وَلَا نَتَشَبَّهُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ فِي قَلَنْسُوَةٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا نَعْلَيْنِ وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ وَلَا نَتَكَلَّمُ بِكَلَامِهِمْ وَلَا نَكْتَنِي بِكُنَاهُمْ وَلَا نَرْكَبُ السُّرُوجَ وَلَا نَتَقَلَّدُ وَلَا نَتَّخِذُ شَيْئًا مِنْ السِّلَاحِ وَلَا نَحْمِلُهُ مَعَنَا وَلَا نَنْقُشُ عَلَى خَوَاتِمِنَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا نَبِيعُ الْخَمْرَ، وَإِنْ نَجُزُّ مَقَامَ رُؤْسِنَا وَأَنْ نَلْتَزِمَ دِينًا حَيْثُمَا كُنَّا وَأَنْ نَشُدَّ زَنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِنَا وَأَنْ لَا نُظْهِرَ الصَّلِيبَ عَلَى كَنَائِسِنَا وَأَنْ لَا نُظْهِرَ صُلْبَانَنَا وَلَا كُتُبَنَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَسْوَاقِهِمْ وَأَنْ لَا نَضْرِبَ نَاقُوسًا فِي كَنَائِسِنَا إلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا فِي كَنَائِسِنَا فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا مَعَ أَمْوَاتِنَا وَلَا نُظْهِرَ النِّيرَانَ مَعَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَسْوَاقِهِمْ وَلَا نُجَاوِزُهُمْ بِمَوْتَانَا وَلَا نَتَّخِذُ مِنْ الرَّقِيقِ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا نَطَّلِعُ فِي مَنَازِلِهِمْ وَلَا نَضْرِبُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ شَرَطْنَا لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا وَقَبِلْنَا عَلَيْهِ الْأَمَانَ فَإِنْ نَحْنُ خَالَفْنَا شَيْئًا مِمَّا شَرَطْنَا لَكُمْ فَقَدْ ضَمِنَا عَلَى أَنْفُسِنَا أَنْ لَا ذِمَّةَ لَنَا وَقَدْ حَلَّ لَكُمْ مِنَّا مَا يَحِلُّ لَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ (قَوْلُهُ وَهُمْ غَيْرُ مُجَاوِرِينَ لَنَا) قَالَ شَيْخُنَا هَذَا يُقَيَّدُ بِهِ إطْلَاقُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ هُنَا

[فَصْلٌ إحْدَاثِ كَنِيسَةٍ وَبَيْعَةٍ وَصَوْمَعَةٍ فِي بَلَدٍ أَحْدَثَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ]

(قَوْلُهُ وَيُمْنَعُونَ إلَخْ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَالِحَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى أَنْ يُنْزِلَهُ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مَنْزِلًا يُظْهِرُ فِيهِ جَمَاعَةً وَلَا كَنِيسَةً وَلَا نَاقُوسًا إنَّمَا يُصَالِحُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي بَلَدِهِمْ الَّتِي وُجِدُوا فِيهَا فَفَتَحَهَا عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا وَيَجُوزُ أَنْ يَدَعَهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا بَلَدًا لَا يُظْهِرُونَ هَذَا فِيهِ فَيُصَلُّونَ فِي مَنَازِلِهِمْ بِلَا جَمَاعَاتٍ تَرْفَعُ أَصْوَاتَهُمْ وَلَا نَوَاقِيسَ وَلَا يَكْفِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظَاهِرًا.
اهـ. (قَوْلُهُ وَصَوْمَعَةٍ) لِلرُّهْبَانِ وَنَحْوِهَا كَدَيْرٍ وَبَيْتِ نَارِ مَجُوسٍ وَمُجْتَمَعِ صَلَوَاتٍ (قَوْلُهُ، وَإِنْ شُرِطَ إحْدَاثُهَا) أَوْ إبْقَاؤُهَا (قَوْلُهُ أَحَدُهُمَا وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الشَّامِلِ إلَخْ) هُوَ الْأَصَحُّ وَرَجَّحَهُ فِي الْخَادِمِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ

كَكَنَائِسِهِمْ (وَلَوْ فَتَحْنَا بَلَدًا عَنْوَةً نَقَضْنَا كَنَائِسَهُمْ الْقَائِمَةَ) ؛ لِأَنَّا قَدْ مَلَكْنَاهَا بِالِاسْتِيلَاءِ فَيَمْتَنِعُ إبْقَاؤُهَا كَنَائِسَ (وَلَمْ نُبْقِ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ مُتَعَبَّدَاتِهِمْ) لِذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ بِنَاءُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ.
(أَوْ) فَتَحْنَاهُ (صُلْحًا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَنَا) وَيَسْكُنُونَهَا بِخَرَاجٍ (وَشَرَطُوا إبْقَاءَ الْكَنَائِسِ) مَثَلًا لَهُمْ (أَوْ إحْدَاثَهَا مُكِّنُوا) مِنْ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُمْ اسْتَثْنَوْهَا وَقَوْلُهُ مُكِّنُوا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْأَصْلِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَمْ يَرِدُ الشَّرْعُ بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ عَدَمُ الْمَنْعِ نَبَّهَ عَلَيْهِ السُّبْكِيُّ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطُوا ذَلِكَ (مُنِعُوا وَلَوْ مِنْ إبْقَائِهَا) كَمَا يُمْنَعُونَ مِنْ إحْدَاثِهَا؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَلَدَ كُلَّهُ صَارَ لَنَا (أَوْ) فَتَحْنَاهُ صُلْحًا (عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ) يُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا (لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ الْكَنَائِسِ) وَنَحْوِهَا (وَلَوْ أَحْدَثُوهَا) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ وَالدَّارَ لَهُمْ (وَلَا) يُمْنَعُونَ (مِنْ إظْهَارِ شَعَائِرِهِمْ) كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَأَعْيَادِهِمْ وَضَرْبٍ نَاقُوسِهِمْ (وَيُمْنَعُونَ مِنْ التَّجَسُّسِ) أَيْ إيوَاءِ الْجَاسُوسِ (وَتَبْلِيغِ الْأَخْبَارِ) وَسَائِرِ مَا نَتَضَرَّرُ بِهِ فِي دِيَارِهِمْ (وَلَهُمْ عِمَارَةُ) أَيْ تَرْمِيمُ (كَنَائِسَ جَوَّزْنَا إبْقَاءَهَا) إذَا اسْتُهْدِمَتْ؛ لِأَنَّهَا مُبْقَاةٌ فَتُرَمَّمُ بِمَا تَهَدَّمَ لَا بِآلَاتٍ مِنْ جَدِيدٍ كَذَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ أَنَّهَا تُرَمَّمُ بِآلَاتٍ جَدِيدَةٍ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَا يَجِبُ إخْفَاؤُهَا فَيَجُوزُ تَطْيِينُهَا مِنْ دَاخِلٍ وَخَارِجٍ (لَا إحْدَاثُهَا؛ لِأَنَّ الْعِمَارَةَ) الْمَذْكُورَةَ (لَيْسَتْ بِإِحْدَاثٍ) هَذَا التَّعْلِيلُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَفِيهِ إيهَامٌ أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْأَخِيرِ لَكِنْ لَا يَخْفَى الْمُرَادُ.
(فَلَوْ انْهَدَمَتْ) أَيْ الْكَنَائِسُ الْمُبْقَاةُ وَلَوْ بِهَدْمِهِمْ لَهَا تَعَدِّيًا خِلَافًا لِلْفَارِقِيِّ (أَعَادُوهَا) هَذَا يُغْنِي عَمَّا قَبْلَهُ (وَلَيْسَ لَهُمْ تَوْسِيعُهَا) ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي حُكْمِ كَنِيسَةٍ مُحْدَثَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِالْأُولَى (وَيُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ النَّاقُوسِ) هَذَا سَيَأْتِي وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَيُمْنَعُونَ مِنْ ضَرْبِ النَّاقُوسِ فِي الْكَنِيسَةِ كَمَا يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ الْخَمْرِ (لَا فِي بَلَدِهِمْ) قَالَ فِي الْأَصْلِ قَالَ الْإِمَامُ: وَأَمَّا نَاوُوسُ الْمَجُوسِ فَلَسْت أَرَى فِيهِ مَا يُوجِبُ الْمَنْعَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحُوطٌ وَبُيُوتٌ تُجَمِّعُ فِيهَا الْمَجُوسُ جِيَفَهُمْ وَلَيْسَ كَالْبَيْعِ وَالْكَنَائِسِ فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالشِّعَارِ

(وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ) وُجُوبًا مِنْ (تَطْوِيلِ بِنَائِهِ عَلَى) بِنَاءِ (جَارِهِ الْمُسْلِمِ) ، وَإِنْ لَمْ يُشْرَطْ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقْدِ لِخَبَرٍ «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» وَلِيَتَمَيَّزَ الْبِنَاءَانِ وَلِئَلَّا يَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَاتِنَا هَذَا (إنْ لَمْ يَنْفَرِدُوا بِقَرْيَةٍ) فَإِنْ انْفَرَدُوا بِهَا جَازَ تَطْوِيلُ بِنَائِهِمْ وَالتَّقْيِيدُ بِهَذَا لَا يُنَاسِبُ الْمُقَيَّدَ إذْ لَا جَارَ لَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْجَارِ فَلَوْ قَالَ لَا إنْ انْفَرَدُوا بِقَرْيَةٍ بَلْ وَأَخَّرَهُ إلَى قَوْلِهِ لَا عَالٍ كَانَ أَوْلَى (وَإِنْ رَضِيَ الْجَارُ) بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ لِحَقِّ الدَّيْنِ لَا لِمَحْضِ حَقِّ الْجَارِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِنَاءُ الْمُسْلِمِ مُعْتَدِلًا أَمْ فِي غَايَةِ الِانْخِفَاضِ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ) عُلِمَ مِنْ التَّعْلِيلِ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْوَافِي تَفَقُّهًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ اسْتَوْلَى أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى بَلَدٍ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ وَفِيهِ كَنَائِسُهُمْ ثُمَّ اسْتَعَادَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ مَا كَانَ لَهَا قَبْلَ اسْتِيلَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ مِلْكًا لَنَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ أَوْ إحْدَاثَهَا مُكِّنُوا) تَوَقَّفَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ وَحَمَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَلَى مَا إذَا دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ قَالَ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهُ وَعَنْ الْمَاوَرْدِيِّ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَقَوْلُهُ وَحَمَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ نَبَّهَ عَلَيْهِ السُّبْكِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ الْكَنَائِسِ) لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ دُخُولُ الْكَنَائِسِ بِغَيْرِ الْإِذْنِ الْعُرْفِيِّ وَاللَّفْظِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ دُخُولَ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهَا قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ وَقَضِيَّتُهُ الْجَوَازُ بِالْإِذْنِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ فِيهَا صُورَةٌ كَمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ عَنْ الْأَصْحَابِ نَعَمْ إنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَقَرُّونَ عَلَيْهَا جَازَ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةُ الْإِزَالَةِ وَقَوْلُهُ قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ كَمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ (قَوْلُهُ إذَا اسْتَهْدَمَتْ) بِفَتْحِ التَّاءِ (قَوْلُهُ كَذَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَإِذَا أَشْرَفَ الْجِدَارُ عَلَى الْخَرَابِ فَلَا وَجْهَ إلَّا أَنْ يَبْنُوا جِدَارًا دَاخِلَ الْكَنِيسَةِ وَقَدْ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى جِدَارٍ ثَالِثٍ وَرَابِعٍ فَيَنْتَهِي الْأَمْرُ إلَى أَنْ لَا يَبْقَى مِنْ الْكَنِيسَةِ شَيْءٌ اهـ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْجُدُرِ آلَةٌ قَدِيمَةٌ وَفِي شَرْحِ الْوَجِيزِ لِابْنِ يُونُسَ فِي تَوْجِيهِ الْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ مِنْ اتِّسَاعِ الْخُطَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ إعَادَةُ الْكَنِيسَةِ وَالزِّيَادَةُ تَابِعَةٌ لَهَا فَكَأَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ مَا لَوْ أَعَادُوهَا بِغَيْرِ تِلْكَ الْآلَةِ الْقَدِيمَةِ.
اهـ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْإِعَادَةِ بِغَيْرِ الْآلَةِ الْقَدِيمَةِ قَالَ شَيْخُنَا: أَيْ إذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِآلَةٍ جَدِيدَةٍ (قَوْلُهُ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَاخْتَارَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهَا إنْ صَارَتْ دِرَاسَةً مُسْتَطْرَقَةً كَالْمَوَاتِ مُنِعُوا لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْإِنْشَاءِ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْهَا جُدْرَانٌ وَآثَارٌ أُعِيدَتْ

(قَوْلُهُ وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ تَطْوِيلِ بِنَائِهِ إلَخْ) لَوْ رَفَعَ بِنَاءَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ فَأَرَادَ الْمُسْلِمُ أَنْ يَرْفَعَ بِنَاءَهُ عَلَيْهِ لَمْ يُؤَخِّرْ هَدْمَ بِنَائِهِ بِذَلِكَ فَلَوْ تَأَخَّرَ فَلَمْ يَنْقُضْ حَتَّى رَفَعَ الْمُسْلِمُ بِنَاءَهُ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ حَقُّ النَّقْضِ بِذَلِكَ، وَهُوَ كَمَا لَوْ رَفَعَ بِنَاءَهُ فَحَكَمَ حَاكِمٌ بِنَقْضِهِ فَبَاعَهُ لِمُسْلِمٍ هَلْ يَصِحُّ وَيَسْقُطُ حَقُّ النَّقْضِ أَوْ لَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي حَاشِيَةِ الْكِفَايَةِ: يَظْهَرُ تَخْرِيجُهَا عَلَى وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا بَاعَ الْمُسْتَعِيرُ مَا بَنَاهُ عَلَى الْأَرْضِ الْمُسْتَعَارَةِ بَعْدَ رُجُوعِ الْمُعِيرِ وَكَذَا بَيْعُ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِهَا وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ د وَقَوْلُهُ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ الظَّاهِرُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ أَوْ لَا وَكَتَبَ عَلَيْهِ أَمَّا لَوْ مَلَكَهُ الْمُسْلِمُ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِنَقْضِهِ فَلَا يُهْدَمُ لِانْتِفَاءِ دَلِيلِ الْهَدْمِ حِينَئِذٍ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ: لَوْ كَانَ جَارُهُ مَسْجِدًا أَوْ وَقْفًا عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ أَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالْمِلْكِ وَالْجِيرَانُ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَهِيَ الْيَمِينُ وَالْيَسَارُ وَالْأَمَامُ وَالْخَلْفُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ وَهَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ جِيرَانُهُ الْمُقَابِلُونَ لَهُ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ أَوْ يُطْلَقُ عَلَى الَّذِي يُلَاصِقُ دَارِهِ هَذَا مُحْتَمَلٌ وَقَوْلُهُ وَهَلْ يَدْخُلُ فِي جِيرَانِهِ الْمُقَابِلُ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (تَنْبِيهٌ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَأَفْتَيْت بِمَنْعِ بُرُوزِ الذِّمِّيِّ فِي الْبَحْرِ وَالْخُلْجَانِ وَنَحْوِهَا عَلَى جَارٍ لَهُ مُسْلِمٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالتَّعْظِيمِ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرُ فِي مَنْعِ الْإِعْلَاءِ بَلْ قِيَاسُ مَنْعِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْبِنَاءِ مَعَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْبُرُوزِ فِيهِ بُعْدٌ

قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَمَحَلُّ الْمَنْعِ إذَا كَانَ بِنَاءُ الْمُسْلِمِ مِمَّا يُعْتَادُ فِي السُّكْنَى فَلَوْ كَانَ قَصِيرًا لَا يُعْتَادُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمُّ بِنَاؤُهُ أَوْ لِأَنَّهُ هَدَمَهُ إلَى أَنْ صَارَ كَذَلِكَ لَمْ يُمْنَعْ الذِّمِّيُّ مِنْ بِنَاءِ جِدَارِهِ عَلَى أَقَلَّ مِمَّا يُعْتَادُ فِي السُّكْنَى لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ حَقُّهَا الَّذِي عَطَّلَهُ الْمُسْلِمُ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ تَعَطَّلَ عَلَيْهِ بِإِعْسَارِهِ قَالَ الْجُرْجَانِيُّ وَالْمُرَادُ بِالْجَارِ أَهْلُ مَحَلَّتِهِ دُونَ جَمِيعِ الْبَلَدِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَكَذَا) يُمْنَعُ مِنْ (الْمُسَاوَاةِ) لِمَا مَرَّ (فَيُهْدَمُ) مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّطْوِيلُ وَالْمُسَاوَاةُ (لَا عَالٍ اشْتَرَاهُ) مَثَلًا وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقَّ الْهَدْمِ (أَوْ بَنُوهُ قَبْلَ أَنْ تُمْلَكَ بِلَادُهُمْ) فَلَا يُهْدَمُ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ لَكِنْ يُمْنَعُ طُلُوعَ سَطْحِهِ إلَّا بَعْدَ تَحْجِيرِهِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ وَيُمْنَعُ صِبْيَانُهُمْ مِنْ الْإِشْرَافِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِخِلَافِ صِبْيَانِنَا حَكَاهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ فَإِنْ انْهَدَمَ الْبِنَاءُ الْمَذْكُورُ امْتَنَعَ الْعُلُوُّ وَالْمُسَاوَاةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا عَالِيَةً لَمْ يُمْنَعْ مِنْ سُكْنَاهَا بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ فِي الْمُرْشِدِ وَهَلْ يَجْرِي مِثْلُهُ فِيمَا لَوْ مَلَكَ دَارًا لَهَا رَوْشَنٌ حَيْثُ قُلْنَا لَا يُشْرَعُ لَهُ الرَّوْشَنُ أَيْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ أَوْ لَا يَجْرِي؛ لِأَنَّ التَّعْلِيَةَ مِنْ فَوْقِ الْمِلْكِ وَالرَّوْشَنَ لِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ زَادَ فِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى (وَ) يُمْنَعُونَ (مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ) إنْ لَمْ يَنْفَرِدُوا؛ لِأَنَّ فِيهِ عِزًّا (فَإِنْ انْفَرَدُوا) بِبَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ فِي غَيْرِ دَارِنَا (فَوَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا يُمْنَعُونَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَيْنَا وَثَانِيهِمَا لَا يُمْنَعُونَ كَإِظْهَارِ الْخَمْرِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ إلَى النَّصِّ قَالَ وَلَوْ اسْتَعَنَّا بِهِمْ فِي حَرْبٍ حَيْثُ يَجُوزُ فَالظَّاهِرُ تَمْكِينُهُمْ مِنْ رُكُوبِهَا مِنْ الْقِتَالِ (لَا) مِنْ رُكُوبِ (الْبِغَالِ وَلَوْ نَفِيسَةً) ؛ لِأَنَّهَا فِي نَفْسِهَا خَسِيسَةٌ (وَ) لَا مِنْ رُكُوبِ الْحُمُرِ وَلَوْ نَفِيسَةً لِذَلِكَ.
(وَكَذَا الْبَرَاذِينُ الْخَسِيسَةُ) بِخِلَافِ النَّفِيسَةِ (وَيَرْكَبُونَهَا عَرْضًا) بِأَنْ يَجْعَلُوا أَرْجُلَهُمْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَيَحْسُنُ أَنْ يَتَوَسَّطَ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْ يَرْكَبُوا إلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ إلَى بَعِيدَةٍ فَيُمْنَعُونَ فِي الْحَضَرِ وَيَرْكَبُونَهَا (بِالْأَكُفِّ لَا السَّرْجِ وَبِالرِّكَابِ الْخَشَبِ) لَا الْحَدِيدِ وَنَحْوِهِ تَمْيِيزًا لَهُمْ عَنَّا لِيُعْطَى كُلٌّ حَقَّهُ (وَيُمْنَعُونَ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ) مُطْلَقًا (وَ) مِنْ (اللُّجُمِ الْمُزَيِّنَةِ بِالتِّبْرَيْنِ) أَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْأُولَى: وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَضَرِ وَنَحْوِهِ دُونَ الْأَسْفَارِ الْمَخُوفَةِ وَالطَّوِيلَةِ (هَذَا) كُلُّهُ (فِي الرِّجَالِ لَا) فِي (النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ) وَنَحْوِهِمَا فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ إذْ لَا صِغَارَ عَلَيْهِمْ كَمَا لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ حَكَاهُ الْأَصْلُ عَنْ ابْنِ كَجٍّ وَأَقَرَّهُ وَتَوَقَّفَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ وَقَالَ الْأَشْبَهُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُمْ صَحَّحُوا أَنَّ النِّسَاءَ يُؤْمَرْنَ بِالْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ وَالتَّمْيِيزِ فِي الْحَمَّامِ قَالَ وَمَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ كَجٍّ وَجْهٌ ضَعِيفٌ انْتَهَى.
وَيُجَابُ بِأَنَّ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ كَالضَّرُورِيِّ لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ بِهِ بِخِلَافِ مَا هُنَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَيَنْبَغِي مَنْعُهُمْ مِنْ خِدْمَةِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ كَمَا يُمْنَعُونَ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ

(فَرْعٌ وَيُلْجَأُ فِي الزَّحْمَةِ إلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ وَلَا يُصَدَّرُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ مُسْلِمُونَ) بِحَيْثُ لَا يَقَعُ فِي وَهْدَةٍ وَلَا يَصْدِمُهُ جِدَارٌ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إلَى أَضْيَقِهِ فَإِنْ خَلَتْ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقْدِ) وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَقَالَ إنَّهُ قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْعَقْدِ وَلَوْ شَرَطَ كَانَ تَأْكِيدًا وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنَّ قَوْلَ التَّنْبِيهِ وَيُمْنَعُونَ أَيْ بِالشَّرْطِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَعْلُوَ اهـ وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُلَقِّنِ: فَقَيَّدَ بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَشْرِطْ فَإِنْ شَرَطَ مُنِعُوا بِلَا خِلَافٍ اهـ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ وَمَحَلُّ الْمَنْعِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَوْ؛ لِأَنَّهُ هَدَمَهُ) أَوْ انْهَدَمَ (قَوْلُهُ قَالَ الْجُرْجَانِيُّ وَالْمُرَادُ بِالْجَارِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ لَيْتَ شَعْرِي أَيَعْتَبِرُ فِي الْجَارِ أَرْبَعُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ أَمْ لَا وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ هَلْ الْمُرَادُ هُنَا الْجَارُ الْمُلَاصِقُ فَقَطْ أَوْ الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ أَوْ يُعْتَبَرُ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ أَوْ مَنْ كَانَ بِنَاؤُهُ عَلَى دَارِ غَيْرِهِ أَوْ الْعِبْرَةُ بِالْمَحَلَّةِ لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا إلَّا قَوْلَ الْجُرْجَانِيِّ فِي الشَّافِي أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ التَّعْلِيَةِ عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ دُونَ جَمِيعِ الْبَلَدِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ مَا فِي تَعْلِيقِ الْبَغَوِيّ وَالْمَذْكُورُ فِي الْمُعْتَمَدِ.
اهـ. وَقَالَ فِي الطُّرَرِ: الْمَذْهَبُ وَالْجَارُ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ (قَوْلُهُ إلَّا بَعْدَ تَحْجِيرِهِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: قَدْ يُقَالُ التَّحْجِيرُ إحْدَاثُ تَعْلِيَةٍ إنْ كَانَ بِبِنَاءٍ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ حَكَاهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَهَلْ يُجْرَى مِثْلُهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فِيهِ نَظَرٌ) الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ وَمِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 60] فَأَمَرَ أَوْلِيَاءَهُ بِإِعْدَادِهَا لِأَعْدَائِهِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» أَيْ الْغَنِيمَةُ وَرُوِيَ «الْخَيْلُ ظُهُورُهَا عِزٌّ» وَقَدْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ (قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ إلَى النَّصِّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيُشْبِهُ تَرْجِيحُ الْجَوَازِ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْبِنَاءِ انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ فس وَقَالَ الدَّمِيرِيِّ يَظْهَرُ تَرْجِيحُ الْجَوَازِ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْبِنَاءِ (قَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ تَمْكِينُهُمْ مِنْ رُكُوبِهَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا فِي نَفْسِهَا خَسِيسَةٌ) وَلِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَرْكَبُونَهَا بِلَا سَرْجٍ وَبِإِكَافٍ وَرِكَابِ خَشَبٍ وَلَيْسَتْ حِينَئِذٍ مِمَّا يَرْكَبُهَا أَعْيَانُ النَّاسِ وَلَا تَجَمُّلَ وَلَا تَعَاظُمَ بِرُكُوبِهَا (قَوْلُهُ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَيُحْسِنُ إلَخْ) ضَعِيفٌ وَكَتَبَ أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعُوا الرُّكُوبَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فِي مَوَاطِنِ الزَّحْمَةِ كَالْأَسْوَاقِ الْجَامِعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِهَانَةِ لَهُمْ وَالْأَذَى وَالتَّأَذِّي بِهِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ غ (قَوْلُهُ وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَضَرِ وَنَحْوِهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَيَنْبَغِي مَنْعُهُمْ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: فِي فَتَاوِيهِ يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ الذِّمِّيُّ مِنْ اسْتِخْدَامِ مَنْ فِيهِ فَرَاهَةٌ مِنْ الْعَبِيدِ كَالتُّرْكِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ وَالسُّرُوجِ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّرَفِ

(قَوْلُهُ وَيُلْجَأُ فِي الزَّحْمَةِ إلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ) أَيْ وُجُوبًا قَالَ فِي الْحَاوِي وَلَا يَمْشُونَ إلَّا أَفْرَادًا مُتَفَرِّقِينَ

الطُّرُقُ عَنْ الزَّحْمَةِ فَلَا حَرَجَ وَلَا يُوَقَّرُ» كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَلَا يُصَدَّرُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ مُسْلِمُونَ) إهَانَةً لَهُ (وَتَحْرُمُ مَوَادَّتُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22] الْآيَةَ وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا مَرَّ فِي الْوَلِيمَةِ مِنْ أَنَّهُ تُكْرَهُ مُخَالَطَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَطَةَ تَرْجِعُ إلَى الظَّاهِرِ وَالْمُوَادَّةُ إلَى الْمَيْلِ الْقَلْبِيِّ

(فَصْلٌ وَعَلَيْهِمْ وَلَوْ نِسَاءً) فِي دَارِنَا (لُبْسَ الْغِيَارِ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ، وَإِنْ لَمْ يُشْرَطْ عَلَيْهِمْ (وَهُوَ أَنْ يَخِيطَ) كُلٌّ مِنْهُمْ (بِمَوْضِعٍ لَا يُعْتَادُ) الْخِيَاطَةُ عَلَيْهِ كَالْكَتِفِ (عَلَى ثَوْبِهِ الظَّاهِرِ لَوْنًا يُخَالِفُهُ) أَيْ يَخِيطُ عَلَيْهِ مَا يُخَالِفُ لَوْنَهُ (وَيَلْبِسُهُ) وَذَلِكَ لِلتَّمْيِيزِ؛ وَلِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَالَحَهُمْ عَلَى تَغْيِيرِ زِيِّهِمْ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَهُودِ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَلِيلِينَ مَعْرُوفِينَ فَلَمَّا كَثُرُوا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَخَافُوا مِنْ الْتِبَاسِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ احْتَاجُوا إلَى تَمْيِيزٍ قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَإِلْقَاءُ مِنْدِيلٍ وَنَحْوِهِ كَالْخِيَاطَةِ وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ (وَالْأَوْلَى بِالْيَهُودِ الْأَصْفَرُ وَبِالنَّصَارَى الْأَزْرَقُ) قَالَ فِي الْأَصْلِ أَوْ الْأَكْهَبُ وَيُقَالُ لَهُ الرَّمَادِيُّ (وَبِالْمَجُوسِ الْأَحْمَرِ) قَالَ فِي الْأَصْلِ أَوْ الْأَسْوَدِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْأَوْلَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ انْتَهَى وَيُكْتَفَى عَنْ الْخِيَاطَةِ بِالْعِمَامَةِ كَمَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ الْآنَ (وَيَشُدُّ) كُلٌّ مِنْهُمْ (زُنَّارًا) بِضَمِّ الزَّايِ (وَهُوَ خَيْطٌ غَلِيظٌ) يُشَدُّ بِهِ وَسَطَهُ (فَوْقَ الثِّيَابِ) لِمَا مَرَّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيَسْتَوِي فِيهِ سَائِرُ الْأَلْوَانِ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَيْسَ لَهُمْ إبْدَالُهُ بِمِنْطَقَةٍ وَمِنْدِيلٍ وَنَحْوِهِمَا (وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْغُبَارِ وَالزُّنَّارِ (أَوْلَى) مُبَالَغَةً فِي شُهْرَتِهِمْ (وَمَنْ لَبِسَ مِنْهُمْ قَلَنْسُوَةً يُمَيِّزُهَا) عَنْ قَلَانِسِنَا (بِذُؤَابَةٍ) بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ عَلَامَةٍ (فِيهَا فَإِنْ دَخَلُوا حَمَّامًا بِهِ مُسْلِمُونَ أَوْ) كَانُوا فِي غَيْرِهِ (مُتَجَرِّدِينَ) عَنْ ثِيَابِهِمْ بِحَضْرَةِ مُسْلِمِينَ (تَمَيَّزُوا) عَنْهُمْ (بِجَلَاجِلَ فِي أَعْنَاقِهِمْ أَوْ خَوَاتِمَ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ) لَا ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ لِمَا مَرَّ (وَيَجْزُونَ نَوَاصِيَهُمْ) كَمَا أَمَرَ بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَلَا يُرْسِلُونَ الضَّفَائِرَ) كَمَا يَفْعَلُهُ الْأَشْرَافُ وَالْأَجْنَادُ (وَتَجْعَلُ الْمَرْأَةُ خُفَّيْهَا لَوْنَيْنِ) كَأَنْ تَجْعَلَ أَحَدَهُمَا أَسْوَدَ وَالْآخَرَ أَبْيَضَ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّمْيِيزُ بِكُلِّ هَذِهِ الْوُجُوهِ بَلْ يَكْفِي بَعْضُهَا

(وَلِلْمُسْلِمَاتِ دُخُولُ الْحَمَّامِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَيُكْرَهُ بِلَا حَاجَةٍ) كَمَا مَرَّ ذَلِكَ فِي الْغُسْلِ مَعَ دَلِيلِهِ (وَيُمْنَعَنَّ) بِنُونِ التَّوْكِيدِ (الذِّمِّيَّاتُ دُخُولَهُ مَعَ الْمُسْلِمَاتِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُنَّ أَجْنَبِيَّاتٌ فِي الدِّينِ وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ مَا لَهُ بِهَذَا تَعَلُّقٌ

(وَلَوْ لَبِسَ الذِّمِّيُّ الْحَرِيرَ أَوْ تَعَمَّمَ أَوْ طَيْلَسَ لَمْ يُمْنَعْ) كَمَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ رَفِيعِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ

(وَعَلَيْهِمْ الِانْقِيَادُ لِحُكْمِنَا) الَّذِي يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ فَإِذَا فَعَلُوهُ أَجْرَيْنَا عَلَيْهِمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ كَمَا مَرَّ

(وَ) عَلَيْهِمْ (الْإِعَانَةُ) لَنَا (بِلَا تَضَرُّرٍ) مِنْهُمْ إذَا اسْتَعَنَّا بِهِمْ (وَالْكَفُّ عَنْ إظْهَارِ اعْتِقَادِهِمْ) الْمُنْكَرَ كَاعْتِقَادِهِمْ (فِي الْمَسِيحِ وَعُزَيْرٍ) - صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا - (وَ) مِثْلُ (التَّثْلِيثِ) أَيْ قَوْلِهِمْ اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ

(وَيُمْنَعُونَ) فِي دَارِنَا (مِنْ إظْهَارِ الْخَمْرِ وَالنَّاقُوسِ وَالْخِنْزِيرِ وَأَعْيَادِهِمْ وَقِرَاءَةِ كُتُبِهِمْ) لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ (وَ) مِنْ (إظْهَارِ دَفْنِ مَوْتَاهُمْ وَالنَّوْحِ) وَاللَّطْمِ (وَ) مِنْ (إسْقَاءِ مُسْلِمٍ خَمْرًا) أَوْ إطْعَامِهِ خِنْزِيرًا (وَ) مِنْ (رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَ) مِنْ (اسْتِبْذَالِهِمْ إيَّاهُمْ فِي الْمِهَنِ) أَيْ الْخِدْمَةِ (بِأُجْرَةٍ وَغَيْرِهَا) سَوَاءٌ أَشُرِطَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ عَلَيْهِمْ أَمْ لَا (فَإِنْ أَظْهَرُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عُزِّرُوا وَلَمْ يُنْتَقَضْ) بِهِ (عَهْدُهُمْ وَلَوْ شُرِطَ) عَلَيْهِمْ (نَقْضُهُ) أَيْ انْتِقَاضُهُ (بِهِ) ؛ لِأَنَّا لَا نَتَضَرَّرُ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِهِ بِخِلَافِ الْقِتَالِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَأْتِي وَحَمَلُوا الشَّرْطَ الْمَذْكُورَ عَلَى تَخْوِيفِهِمْ وَذِكْرُ التَّعْزِيرِ فِي إظْهَارِ دَفْنِ مَوْتَاهُمْ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَعَدَمُ انْتِقَاضِ عَهْدِهِمْ بِذَلِكَ مِنْ زِيَادَتِهِ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَلَا يُوَقَّرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ وَلَا يُصَدَّرُ إلَخْ) فَيَحْرُمُ كُلٌّ مِنْهُمَا قَالَ جَلَالُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ اُسْتُفْتِيت فِي جَوَازِ سُكْنَى نَصْرَانِيٍّ فِي رَبْعٍ فِيهِ مُسْلِمُونَ فَوْقَ مُسْلِمِينَ فَأَفْتَيْت بِالْمَنْعِ وَأَلْحَقْته بِالتَّصْدِيرِ فِي الْمَجْلِسِ وَقَوْلُهُ وَأَفْتَيْت بِالْمَنْعِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ إهَانَةً لَهُ) دَخَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ مُلُوكِ الْعَرَبِ وَعِنْدَهُ يَهُودِيٌّ أَدْنَاهُ وَعَظَّمَهُ فَأَنْشَدَهُ يَا ذَا الَّذِي طَاعَتُهُ جَنَّةٌ وَحُبُّهُ مُفْتَرِضٌ وَاجِبٌ أَنَّ الَّذِي شُرِفْت مِنْ أَجَلِهِ يَزْعُمُ هَذَا أَنَّهُ كَاذِبٌ فَاشْتَدَّ غَضَبُ الْمَلِكِ وَأَمَرَ بِسَحْبِ الْيَهُودِيِّ وَصَفَعَهُ لِاسْتِحْضَارِهِ تَكْذِيبَ الْمَعْصُومِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ شَرَفِهِ وَشَرَفِ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (قَوْلُهُ وَتَحْرُمُ مُوَادَّتُهُ) نَعَمْ إنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ فَيُظْهِرُ اسْتِجْلَابَهُ بِالْمَوَدَّةِ وَنَحْوِهَا مَعَ الِاقْتِصَادِ غ

[فَصْلٌ عَلَى أَهْلُ الذِّمَّةِ وَلَوْ نِسَاءً فِي دَارِنَا لُبْسَ الْغِيَارِ]

(قَوْلُهُ فِي دَارِنَا) خَرَجَ بِهِ مَا إذَا انْفَرَدُوا بِمَحَلِّهِ فَإِنَّ لَهُمْ تَرْكُهُ (قَوْلُهُ، وَهُوَ أَنْ يَخِيطَ بِمَوْضِعٍ لَا يُعْتَادُ إلَخْ) تَبَعًا فِي تَفْسِيرِ الْغِيَارِ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَمَا أَوْرَدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ بَعْضُ الثِّيَابِ الظَّاهِرَةِ مِنْ عِمَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (قَوْلُهُ وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ) وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ إنَّهُ مَمْنُوعٌ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ (قَوْلُهُ وَالْأَوْلَى بِالْيَهُودِ الْأَصْفَرُ إلَخْ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَوْ لَبِسَ الْكُلُّ لَوْنًا وَاحِدًا جَازَ وَمَنْ تَمَيَّزَ مِنْهُمْ بِلِبَاسٍ وَأَلِفْنَاهُ لَيْسَ لَهُ الْعُدُولُ عَنْهُ لِلِاشْتِبَاهِ.
اهـ. (قَوْلُهُ كَمَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ) قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ

(قَوْلُهُ وَيُمْنَعْنَ الذِّمِّيَّاتُ دُخُولَهُ مَعَ الْمُسْلِمَاتِ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ مَنْعِهِنَّ مِنْهُ بِمَا إذَا كَشَفَتْ الْمُسْلِمَاتُ مِنْ جَسَدِهِنَّ زِيَادَةً عَلَى مَا يَبْدُو حَالَ الْمِهْنَةِ وَإِلَّا فَلَا مَنْعَ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يُبْدِينَهُ لِلْكَافِرَاتِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ اهـ وَتَقَدَّمَ ثَمَّ أَنَّ الْأَوْجَهَ خِلَافُ مَا فِي الرَّوْضَةِ ش وَقَوْلُهُ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: يَنْبَغِي إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ لَمْ يُمْنَعْ) قَالَ الْغَزِّيِّ وَغَلِطَ مَنْ فَهِمَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْإِبَاحَةَ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْمَنْعِ أَعَمُّ مِنْ الْإِذْنِ

(قَوْلُهُ وَيُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ الْخَمْرِ إلَخْ) ، وَإِنْ لَمْ يُشْرَطْ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقْدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَنَقَلَهُ فِي الذَّخَائِرِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَيُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ الْمَعَازِفِ وَإِظْهَارُهَا اسْتِعْمَالُهَا بِحَيْثُ يَسْمَعُهَا مَنْ لَيْسَ فِي دُورِهِمْ قَالَهُ الْإِمَامُ وَقَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ قَالَهُ الْإِمَامُ وَكَتَبَ أَيْضًا بِضَابِطِ التَّظَاهُرِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ تَجَسُّسٍ

(فَإِنْ قَاتَلُوا) الْمُسْلِمِينَ (بِلَا شُبْهَةٍ أَوْ مَنَعُوا الْجِزْيَةَ أَوْ الِانْقِيَادَ لِلْحُكْمِ) بِمَعْنَى امْتِنَاعِهِمْ مِنْهُ بِالْقُوَّةِ وَالْعُدَّةِ لَا بِالْهَرَبِ (انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ) ، وَإِنْ لَمْ يُشْرَطْ عَلَيْهِمْ الِانْتِقَاضُ بِذَلِكَ وَلَا الِامْتِنَاعُ مِنْهُ لِمُخَالَفَتِهِمْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَاتَلُوا لِشُبْهَةٍ كَمَا مَرَّ فِي الْبُغَاةِ قَالَ فِي الْأَصْلِ فِي الثَّانِيَةِ كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَخَصَّهُ الْإِمَامُ بِالْقَادِرِ أَمَّا الْعَاجِزُ إذَا اسْتَمْهَلَ فَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ قَالَ وَلَا يَبْعُدُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمُوسِرِ الْمُمْتَنِعِ قَهْرًا وَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ وَيُخَصُّ قَوْلُهُمْ بِالْمُتَغَلِّبِ الْمُقَاتِلِ انْتَهَى وَظَاهِرٌ أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ الْأَوَّلَ مَفْهُومٌ مِنْ تَعْبِيرِ الْأَصْحَابِ بِالْمَنْعِ

(وَلَوْ نَكَحَ مُسْلِمَةً) وَوَطِئَهَا (أَوْ زَنَى بِهَا) مَعَ عِلْمِهِ بِإِسْلَامِهَا (أَوْ قَتَلَ) مُسْلِمًا (قَتْلًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ) ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ عَلَيْهِ كَذِمِّيٍّ حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا مُسْلِمًا (أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا) عَلَى مُسْلِمٍ (أَوْ تَجَسَّسَ لِلْكُفَّارِ) أَيْ لِأَجْلِهِمْ بِأَنْ تَطَلَّعَ عَلَى عَوْرَاتِنَا وَنَقَلَهَا إلَيْهِمْ أَوْ آوَى جَاسُوسًا لَهُمْ (أَوْ دَعَا) مُسْلِمًا (إلَى دِينِهِ) أَوْ فَتَنَهُ عَنْ دِينِهِ (أَوْ قَذَفَ مُسْلِمًا أَوْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ أَوْ الْإِسْلَامَ) أَوْ الْقُرْآنَ (جَهْرًا) أَوْ نَحْوَهَا (مِمَّا لَا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ فَإِنْ شُرِطَ انْتِقَاضُ الْعَهْدِ بِهِ اُنْتُقِضَ وَإِلَّا فَلَا) يُنْتَقَضُ لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْطَ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ وَالشَّرْحُ الصَّغِيرُ وَنَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَوَقَعَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ تَصْحِيحٌ أَنَّهُ لَا انْتِقَاضَ بِذَلِكَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُ بِمَقْصُودِ الْعَقْدِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ نَكَحَ كَافِرَةً ثُمَّ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ فَوَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ فَقَدْ يَسْلَمُ فَيَسْتَمِرُّ نِكَاحُهُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَالْقِيَاسُ أَنَّ لِوَاطَهُ بِمُسْلِمٍ كَزِنَاهُ بِمُسْلِمَةٍ وَسَوَاءٌ انْتَقَضَ عَهْدُهُ أَمْ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ مُوجَبُ مَا فَعَلَهُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ أَمَّا مَا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ كَقَوْلِهِمْ الْقُرْآنُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلَا انْتِقَاضَ بِهِ مُطْلَقًا (فَلَوْ شَرَطَ) عَلَيْهِ (ذَلِكَ) أَيْ الِانْتِقَاضَ بِهِ (ثُمَّ قُتِلَ بِمُسْلِمٍ أَوْ بِزِنَاهُ) حَالَةَ كَوْنِهِ (مُحْصَنًا بِمُسْلِمَةٍ صَارَ مَالُهُ فَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ مَقْتُولٌ وَمَالُهُ تَحْتَ أَيْدِينَا لَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ لِأَقَارِبِهِ الذِّمِّيِّينَ لِعَدَمِ التَّوَارُثِ وَلَا لِلْحَرْبِيِّينَ؛ لِأَنَّا إذَا قَدَرْنَا عَلَى مَالِهِمْ أَخَذْنَاهُ فَيْئًا أَوْ غَنِيمَةً وَشَرْطُ الْغَنِيمَةِ هُنَا لَيْسَ مَوْجُودًا وَقِيلَ لَا يَصِيرُ فَيْئًا وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ الْبُلْقِينِيُّ

(فَرْعٌ إذَا نَقَضَ الذِّمِّيُّ الْعَهْدَ بِقِتَالِهِ) لَنَا (قُتِلَ) وَلَا يَبْلُغُ الْمَأْمَنَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: 191] ؛ وَلِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِإِبْلَاغِهِ مَأْمَنَهُ مَعَ نَصْبِهِ الْقِتَالَ (أَوْ) انْتَقَضَ عَهْدُهُ (بِغَيْرِهِ وَلَمْ يَسْأَلْ تَجْدِيدَ الْعَهْدِ فَلِلْإِمَامِ الْخِيرَةُ فِيهِ مِنْ قَتْلٍ وَغَيْرِهِ) مِنْ اسْتِرْقَاقٍ وَمَنٍّ وَفِدَاءٍ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُلْحِقَهُ بِمَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا أَمَانَ لَهُ كَالْحَرْبِيِّ وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَسْأَلْ تَجْدِيدَ الْعَهْدِ مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا وَأَخْرَجَ مَا لَوْ سَأَلَ ذَلِكَ فَتَجِبُ إجَابَتُهُ وَيُفَارِقُ مَا ذَكَرَ مِنْ أَمْنِهِ صَبِيٍّ حَيْثُ يُلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ بِأَنْ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ لِنَفْسِهِ أَمَانًا، وَهَذَا فَعَلَ بِاخْتِيَارِهِ مَا أَوْجَبَ الِانْتِقَاضَ وَاسْتَشْكَلَ مَا ذُكِرَ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ

[حاشية الرملي الكبير]

(قَوْلُهُ فَإِنْ قَاتَلُوا بِلَا شُبْهَةٍ إلَخْ) اسْتَشْكَلَ الْإِمَامُ النَّقْضَ بِالْقِتَالِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ فَكَيْفَ تُقْطَعُ الْعُقُودُ بِالْأَفْعَالِ، وَأَجَابَ بِأَنَّ الذِّمَّةَ لَمَّا كَانَتْ جَائِزَةً مِنْ جَانِبِ الذِّمِّيِّ اُلْتُحِقَتْ فِي حَقِّهِ بِالْعُقُودِ الْجَائِزَةِ وَالْعَقْدُ الْجَائِزُ إذَا انْتَفَى مَقْصُودُهُ بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يَبْعُدْ انْقِطَاعُهُ، وَإِنْ كَانَ الصَّادِرُ فِعْلًا (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَاتَلُوا لِشُبْهَةٍ إلَخْ) وَكَقِتَالِهِمْ الصَّائِلِينَ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ مِنَّا (قَوْلُهُ وَخَصَّهُ الْإِمَامُ بِالْقَادِرِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ أَوْ زَنَى بِهَا) قَالَ النَّاشِرِيُّ وَحُكْمُ مُقَدَّمَاتِ الْجِمَاعِ كَالزِّنَا، وَهُوَ صَحِيحٌ (قَوْلُهُ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا) مُقْتَضَى تَقْيِيدِ التَّنْبِيهِ بِالْمُسْلِمِ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ ذِمِّيًّا أَوْ قَطَعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ لَكِنْ عَبَّرَ الْحَاوِي الصَّغِيرُ بِقَوْلِهِ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ وَقَتْلٌ مُوجِبٌ الْقِصَاصَ وَكَذَا عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِفِعْلِ ذَلِكَ مَعَ الذِّمِّيِّ وَقَيَّدَ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ قَطْعَ الطَّرِيقِ بِكَوْنِهِ عَلَى مُسْلِمٍ وَفِي مَعْنَاهُ الْقَتْلُ أَيْضًا وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ؛ لِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ حَرَامٌ كَالتَّعَرُّضِ لِلْمُسْلِمِينَ وَتَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ الْمُلْتَزَمَةِ بِعَقْدِ الْجِزْيَةِ وَأَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا دَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُمْ وَاسْتِنْقَاذُ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ كَمَا قَالَهُ فِي التَّنْبِيهِ وَقَوْلُهُ مُقْتَضَى تَقْيِيدِ التَّنْبِيهِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ.
(قَوْلُهُ قَتَلَ عَبْدًا مُسْلِمًا) أَوْ فَرْعَهُ الْمُسْلِمَ (قَوْلُهُ أَوْ سَبَّ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ) قَالَ فِي الْأَنْوَارِ، وَإِنْ ذَكَرَهُ بِمَا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُمْ كَنِسْبَتِهِ إلَى الزِّنَا أَوْ الْقَدْحِ فِي نَسَبِهِ انْتَقَضَ شَرَطَ أَوْ لَمْ يَشْرِطْ وَقِيلَ ذِكْرُهُ بِمَا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُمْ كَذِكْرِهِ بِمَا يُوَافِقُهُ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَا) قَدْ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَا مَا لَوْ أَشْكَلَ الْحَالُ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَمْ لَا لَكِنْ قَالَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِانْتِصَارِ يَجِبُ تَنْزِيلُهُ عَلَى أَنَّهُ مَشْرُوطٌ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ، وَهَذَا الْعَقْدُ فِي مُطْلَقِ الشَّرْعِ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى هَذِهِ الشَّرَائِطِ، وَهِيَ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّ فِيهِ نَظَرًا (قَوْلُهُ لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْطَ فِي الْأَوَّلِ) كَبَذْلِ الْجِزْيَةِ وَلِإِضْرَارِهِ بِالْمُسْلِمِينَ كَالْقِتَالِ (قَوْلُهُ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ إلَخْ) ، وَهُوَ الرَّاجِحُ وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَصْفُونِيُّ وَصَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَصَاحِبُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَفُرُوعِهِ.
(قَوْلُهُ وَوَقَعَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ إلَخْ) ، وَهُوَ غَرِيبٌ (قَوْلُهُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَالْقِيَاسُ أَنَّ لِوَاطَهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَبِهِ صَرَّحَ الْبُلْقِينِيُّ فَقَالَ إنَّهُ الْأَصَحُّ) بَلْ الصَّوَابُ وَتَبِعَهُ فِي الْخَادِمِ قَالَ جَلَالُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يَتَلَقَّى حُكْمُهَا مِمَّا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْأَمَانِ فَإِنَّهُ قَالَ وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا بِأَمَانٍ أَوْ عَقْدِ ذِمَّةٍ أَوْ لِرِسَالَةٍ ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ وَالْتُحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَذَكَرَ عَقْدَ الْجِزْيَةِ ثُمَّ ذَكَرَ أَحْكَامَ مَوْتِهِ بَعْدَ النَّقْضِ وَأَنَّ الْأَصَحَّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ مَالَهُ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَسِيَرِ الْوَاقِدِيِّ وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَنْ الْقَوْلِ الْأَصَحِّ أَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ هـ وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ ثَمَّ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ هُنَا قُتِلَ بِمُوجِبِ مَا انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِهِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ

[فَرْعٌ نَقَضَ الذِّمِّيُّ الْعَهْدَ]

(قَوْلُهُ فَلِلْإِمَامِ الْخِيرَةُ فِيهِ مِنْ قَتْلٍ إلَخْ) فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ سَقَطَتْ عَنْهُ الْأُمُورُ الْأَرْبَعَةُ وَكَتَبَ أَيْضًا فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ امْتَنَعَ غَيْرُ الْمَنِّ أَمَّا لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ اخْتِيَارِ الرِّقِّ فَيَرِقُّ أَوْ الْقَتْلِ فَيُطْلَقُ أَمَّا الْمُفَادَاةُ فَتَلْزَمُ

الدَّاخِلَ دَارَنَا بِهُدْنَةٍ أَوْ أَمَانٍ يُلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ إذَا انْتَقَضَ عَهْدُهُ مَعَ أَنَّ حَقَّ الذِّمِّيِّ آكَدُ مِنْهُ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ مُلْتَزِمٌ لِأَحْكَامِنَا وَبِالِانْتِقَاضِ زَالَ الْتِزَامُهُ لَهَا بِخِلَافِ ذَاكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُلْتَزِمًا لَهَا وَقَضِيَّةُ الْأَمَانِ رَدُّهُ إلَى مَأْمَنِهِ

(وَ) إذَا انْتَقَضَ أَمَانُ رَجُلٍ (لَمْ يُنْتَقَضْ أَمَانُ نِسَائِهِ وَصِبْيَانِهِ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُمْ الْأَمَانُ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ نَاقِضَةٌ فَلَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ وَلَا إرْقَاقُهُمْ وَيَجُوزُ تَقْرِيرُهُمْ فِي دَارِنَا (فَإِنْ طَلَبُوا دَارَ الْحَرْبِ بَلَغْنَ) أَيْ النِّسَاءُ مَأْمَنَهُنَّ (دُونَ الصِّبْيَانِ حَتَّى يَبْلُغُوا أَوْ يَطْلُبَهُمْ مُسْتَحِقُّ الْحَضَانَةِ) إذْ لَا حُكْمَ لِاخْتِيَارِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِصَدَدِ أَنْ تُعْقَدَ لَهُمْ الْجِزْيَةُ فَلَا يَفُوتُ ذَلِكَ عَلَيْنَا فَإِنْ بَلَغُوا وَبَذَلُوا الْجِزْيَةَ فَذَاكَ وَإِلَّا أَلْحَقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ وَكَالنِّسَاءِ الْخُنَاثَى وَكَالصِّبْيَانِ الْمَجَانِينُ وَالْإِفَاقَةُ كَالْبُلُوغِ

(وَلَوْ نَبَذَ ذِمِّيٌّ) إلَيْنَا (الْعَهْدَ وَسَأَلَ إبْلَاغَهُ الْمَأْمَنَ أَجَبْنَاهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَبْدُ مِنْهُ خِيَانَةٌ (وَيَكْتُبُ الْإِمَامُ) بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ (اسْمَ مَنْ عَقَدَ لَهُ وَدِينَهُ وَحِلْيَتَهُ) قَالَ فِي الْأَصْلِ فَيَتَعَرَّضُ لِسِنِّهِ أَهُوَ شَيْخٌ أَمْ شَابٌّ (وَيَصِفُ أَعْضَاءَهُ الظَّاهِرَةَ) مِنْ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ وَجَبْهَتِهِ وَحَاجِبَيْهِ وَعَيْنَيْهِ وَشَفَتَيْهِ وَأَنْفِهِ وَأَسْنَانِهِ وَآثَارِ وَجْهِهِ إنْ كَانَ فِيهِ آثَارٌ (وَلَوْنَهُ) مِنْ سُمْرَةٍ وَشُقْرَةٍ وَغَيْرِهِمَا (وَيَجْعَلُ لِكُلٍّ) مِنْ طَوَائِفِهِمْ (عَرِيفًا مُسْلِمًا يَضْبِطُهُمْ وَيُعَرِّفُ) الْإِمَامَ الْأَوْلَى لِيَعْرِفَ (بِمَنْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ) أَوْ بَلَغَ مِنْهُمْ (أَوْ دَخَلَ فِيهِمْ، وَأَمَّا مَنْ يَحْضُرُهُمْ لِأَدَائِهَا) أَيْ لِيُؤَدِّيَ كُلٌّ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ (أَوْ لِيَشْتَكِيَ إلَيْهِ) أَيْ الْإِمَامِ (مِمَّنْ تَعَدَّى) عَلَيْهِمْ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ (فَيَجُوزُ) جَعْلُهُ عَرِيفًا لِذَلِكَ (وَلَوْ) كَانَ (كَافِرًا) ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ إسْلَامُهُ فِي الْغَرَضِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُعْتَمَدُ خَبَرُهُ

[كِتَابُ عَقْدِ الْهُدْنَةِ]

(كِتَابُ عَقْدِ الْهُدْنَةِ) (وَتُسَمَّى الْمُوَادَعَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ) وَالْمُسَالَمَةُ وَالْمُهَادَنَةُ لُغَةً الْمُصَالَحَةُ وَشَرْعًا مُصَالَحَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْهُدُونِ، وَهُوَ السُّكُونُ تَقُولُ هَدَّنْتُ الرَّجُلَ وَأَهْدَنْتُهُ إذَا سَكَّنْته وَهَدَنَ هُوَ سَكَنَ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 1] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61] الْآيَةَ «وَمُهَادَنَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ» كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ لَا وَاجِبَةٌ

(وَفِيهِ طَرَفَانِ الْأَوَّلُ فِي شُرُوطِهَا فَيُشْتَرَطُ) لَهَا أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ (أَنْ يَتَوَلَّاهَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) إنْ كَانَتْ لِلْكُفَّارِ مُطْلَقًا أَوْ لِأَهْلِ إقْلِيمٍ كَالْهِنْدِ وَالرُّومِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأُمُورِ الْعِظَامِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَرْكِ الْجِهَادِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوْ فِي جِهَةٍ وَلِمَا فِيهَا مِنْ الْأَخْطَارِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ رِعَايَةِ مَصْلَحَتِنَا فَاللَّائِقُ تَفْوِيضُهَا لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (وَلِلْوَالِي) بِإِقْلِيمٍ (مُهَادَنَةُ بَعْضِ مَنْ فِي وِلَايَتِهِ) لِتَفْوِيضِ مَصْلَحَةِ الْإِقْلِيمِ إلَيْهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّهُ لَا يُهَادِنُ جَمِيعَ أَهْلِ الْإِقْلِيمِ وَبِهِ صَرَّحَ الْفُورَانِيُّ لَكِنْ صَرَّحَ الْعِمْرَانِيُّ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ (فَإِنْ عَقَدَ) هَا (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مَنْ ذَكَرَ فَدَخَلَ قَوْمٌ مِمَّنْ هَادَنَهُمْ دَارَنَا لَمْ قَدِرَتْ لَكِنْ (بَلَغُوا الْمَأْمَنَ) ؛ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَى اعْتِقَادِ صِحَّةِ أَمَانِهِ (وَأَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهَا مَصْلَحَةٌ) كَقِلَّتِهِمْ أَوْ قِلَّةِ مَالِهِمْ أَوْ تَوَقُّعِ إسْلَامِهِمْ بِاخْتِلَاطِهِمْ بِهِمْ أَوْ الطَّمَعِ فِي قَبُولِهِمْ الْجِزْيَةَ بِلَا قِتَالٍ، وَإِنْفَاقِ مَالٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهَا مَصْلَحَةٌ لَمْ يُهَادِنُوا بَلْ يُقَاتِلُوا إلَى أَنْ يَسْلَمُوا أَوْ يَبْذُلُوا الْجِزْيَةَ إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: 35] . (وَلَوْ طَلَبُوهَا لَمْ تَلْزَمْنَا إجَابَتُهُمْ فَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ) وُجُوبًا (فِي الْأَصْلَحِ) مِنْ الْإِجَابَةِ وَالتَّرْكِ (وَأَنْ يَخْلُوَا) عَقْدُ الْهُدْنَةِ (عَنْ كُلِّ شَرْطٍ فَاسِدٍ) كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَذَلِكَ (كَالْعَقْدِ عَلَى أَنْ يَتْرُكَ لَهُمْ) الْعَاقِدُ (مُسْلِمًا) أَسِيرًا (أَوْ مَالَهُ أَوْ يَرُدَّ) إلَيْهِمْ (مَنْ جَاءَتْ) إلَيْنَا مِنْهُمْ (مُسْلِمَةً) وَلَوْ أَمَةً أَوْ كَانَ لَهَا عَشِيرَةٌ (أَوْ عَلَى أَنْ يُعْطُوا جِزْيَةً أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ) أَنْ (يُعْطِيَهُمْ مَالًا) وَلَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَيْهِ أَوْ عَلَى أَنْ يُقِيمُوا بِالْحِجَازِ أَوْ يَدْخُلُوا الْحَرَمَ أَوْ يُظْهِرُوا الْخُمُورَ فِي دَارِنَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ [محمد: 35] الْآيَةَ وَفِي ذَلِكَ إهَانَةٌ يَنْبُو عَنْهَا الْإِسْلَامُ وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ «أَنَّهُ جَاءَتْ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ مُهَاجِرَاتٌ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] فَامْتَنَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رَدِّهِنَّ» ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَفْتِنَ الْمُسْلِمَةَ زَوْجُهَا الْكَافِرُ أَوْ تَزَوَّجَ كَافِرًا وَسَوَاءٌ أَجَاءَتْ مُسْلِمَةً أَوْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَا جَاءَتْ وَخَرَجَ بِالْمُسْلِمِ وَمَالِهِ الْكَافِرُ وَمَالُهُ فَيَجُوزُ شَرْطُ تَرْكِهِمَا وَبِالْمُسْلِمَةِ الْكَافِرَةُ وَالْمُسْلِمُ فَيَجُوزُ شَرْطُ رَدِّهِمَا -

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ وَالْفَرْقُ أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ ثَبَتَ فِي مُقَابَلَةِ الِانْقِيَادِ وَلَمْ يُوجَدْ فَانْتَفَى بِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ بِخِلَافِ عَقْدِ الْأَمَانِ فَإِنَّا الْتَزَمْنَاهُ لَا فِي مُقَابَلَةٍ فَوَجَبَ عَلَيْنَا الْوَفَاءُ بِهِ وَأَيْضًا فَفِي تَبْلِيغِهِ الْمَأْمَنَ مَعَ نَقْضِ الْعَهْدِ تَرْغِيبٌ لَهُ فِي دُخُولِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَعَقْدُ الْجِزْيَةِ فِيهِ تَرْغِيبٌ لِأَهْلِ الْحَرْبِ فِي دُخُولِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْإِقَامَةِ بِهَا وَذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى عَقْدِ الْجِزْيَةِ الَّذِي بِهِ يُرْجَى إسْلَامُهُمْ

(كِتَابُ عَقْدِ الْهُدْنَةِ)

[الطَّرَفُ الْأَوَّلُ فِي شُرُوطِ الْهُدْنَةُ]

(قَوْلُهُ وَلِلْوَالِي مُهَادَنَةُ بَعْضِ مَنْ فِي وِلَايَتِهِ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا لَوْ لَمْ تَكُنْ فِي إقْلِيمِهِ وَلَكِنْ مُجَاوِرَةً لَهُ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ لِأَهْلِ إقْلِيمِهِ فِي الْهُدْنَةِ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ إقْلِيمِهِ وَقَالَ أَيْضًا يَنْبَغِي عَلَى مُقْتَضَى مَا قَالُوهُ أَنْ لَا يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِوَالِي إقْلِيمٍ بَلْ مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ الْقِيَامَ بِمَصَالِحِ بَلْدَةٍ مُجَاوِرَةٍ لِلْعَدُوِّ جَازَتْ لَهُ الْهُدْنَةُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ مَصْلَحَةَ بَلَدِهِ، وَهَذَا مِنْهَا (قَوْلُهُ لِتَفْوِيضِ مَصْلَحَةِ الْإِقْلِيمِ إلَيْهِ) ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ فِعْلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ لَكِنْ صَرَّحَ الْعِمْرَانِيُّ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ) ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ ش بَلْ الْأَصَحُّ إذْ عَلَتْهُ وُجُودُ الْمَصْلَحَةِ (قَوْلُهُ فَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي الْأَصْلَحِ) قَالَ الْإِمَامُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِاجْتِهَادِهِ لَا يُعَدُّ وَاجِبًا، وَإِنْ كَانَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ رِعَايَةُ الْأَصْلَحِ (قَوْلُهُ أَوْ مَالَهُ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْتَحِقَ بِهِ مَالُ أَهْلِ ذِمَّتِنَا وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ تَرْكَ مَا اُسْتُوْلُوا عَلَيْهِ لِأَهْلِ ذِمَّتِنَا كَانَ فَاسِدًا كَتَرْكِ مَالِنَا

كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
(فَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ) إلَى إعْطَائِهِمْ مَالًا كَأَنْ خِفْنَا مِنْهُمْ الِاصْطِلَامَ لِإِحَاطَتِهِمْ بِنَا أَوْ كَانُوا يُعَذِّبُونَ أَسْرَانَا (وَجَبَ إعْطَاؤُهُمْ) ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي السِّيَرِ مِنْ نَدْبِ فَكِّ الْأَسْرَى وَأُجِيبُ بِحَمْلِ نَدْبِ مَا هُنَاكَ عَلَى عَدَمِ تَعْذِيبِ الْأَسْرَى أَوْ خَوْفِ اصْطِلَامِهِمْ وَهَلْ الْعَقْدُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَحِيحٌ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ عِبَارَةُ كَثِيرٍ تُفْهِمُ صِحَّتَهُ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَالظَّاهِرُ بُطْلَانُهُ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ (وَلَمْ يَمْلِكُوهُ) أَيْ مَا أُعْطِيَ لَهُمْ لِأَخْذِهِمْ لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَزِيدَ) فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ (عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا وَأَذِنَ فِي الْهُدْنَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بِقَوْلِهِ ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2] قَالَ الشَّافِعِيُّ وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَقْوَى مَا كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عِنْدَ مُنْصَرِفِهِ مِنْ تَبُوكَ وَرُوِيَ أَيْضًا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَادَنَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَأَسْلَمَ قَبْلَ مُضِيِّهَا» (وَعَلَى عَشْرِ سِنِينَ إنْ كَانَ) بِالْمُسْلِمِينَ (ضَعْفٌ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَادَنَ قُرَيْشًا فِي الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَوْ اُحْتِيجَ إلَى زِيَادَةٍ عَلَى الْعَشْرِ عَقَدَ عَلَى عَشْرٍ ثُمَّ عَشْرٍ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ الْأُولَى جَزَمَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَلَا يَجُوزُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُهُ (وَمَتَى زَادَ) الْعَاقِدُ (عَلَى الْجَائِزِ) مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ قُوَّتِنَا أَوْ عَشْرِ سِنِينَ عِنْدَ ضَعْفِنَا (بَطَلَ الزَّائِدُ) أَيْ الْعَقْدُ فِيهِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَهُ فِي الْمَزِيدِ عَلَيْهِ تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنْفُسِهِمْ أَمَّا أَمْوَالُهُمْ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ لَهَا مُؤَبَّدًا وَاسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ الْمُهَادَنَةَ مَعَ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمُدَّةٍ مِنْ الْمُدَّتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ (فَإِنْ انْقَضَتْ) أَيْ الْعَشْرُ (وَالضَّعْفُ) بِنَا (مُسْتَمِرٌّ اُسْتُؤْنِفَ عَقْدٌ) جَدِيدٌ (وَتَتِمُّ الْمُدَّةُ إنْ اسْتَقْوَيْنَا) فِيهَا عَمَلًا بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ (فَلَوْ هَادَنَ مُطْلَقًا) عَنْ ذِكْرِ الْمُدَّةِ (بَطَلَ الْعَقْدُ) وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَشْرُوعَةِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ لِمُنَافَاتِهِ مَقْصُودَهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ (أَوْ قَالَ) هَادَنْتُكُمْ (مَا شَاءَ فُلَانٌ) مُثِيرُ (الْعَدْل مِنَّا ذِي رَأْيٍ صَحَّ) الْعَقْدُ فَإِذَا نَقَضَهَا انْتَقَضَتْ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشَاءَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ قُوَّتِنَا وَلَا أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ عِنْدَ ضَعْفِنَا (لَا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ) ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَحْكُمُ عَلَيْنَا وَلَا لِفَاسِقٍ وَلَا لِمَنْ لَا رَأْيَ لَهُ (فَإِنْ قَالَ) هَادَنْتُكُمْ (مَا شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَجُزْ) أَيْ لَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَادَنْتُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ؛ فَلِأَنَّهُ يُعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالْوَحْيِ دُونَ غَيْرِهِ (وَلَوْ دَخَلَ) إلَيْنَا (بِأَمَانٍ لِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ فَاسْتَمَعَ فِي مَجَالِسَ يَحْصُلُ فِيهَا الْبَيَانُ) التَّامُّ (بَلَغَ الْمَأْمَنَ وَلَا يُمْهَلُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) لِحُصُولِ غَرَضِهِ

(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِهَا فَبِالْعَقْدِ) الْفَاسِدِ لَهَا (نُبَلِّغُهُمْ الْمَأْمَنَ) وَنُنْذِرُهُمْ إنْ كَانُوا بِدَارِنَا وَيَجُوزُ قِتَالُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا بِدَارِهِمْ جَازَ قِتَالُهُمْ بِلَا إنْذَارٍ (وَبِالصَّحِيحِ يُكَفُّ عَنْهُمْ) الْأَذَى مِنَّا وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ (إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ) إلَى أَنْ (يَنْقُضُوهَا) أَيْ الْهُدْنَةَ بِأَنْ يَصْدُرَ مِنْهُمْ مَا يَقْتَضِي الِانْتِقَاضَ قَالَ تَعَالَى ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: 4] وَقَالَ ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: 7] (وَلَا يَلْزَمُنَا دَفْعُ الْحَرْبِيِّينَ عَنْهُمْ وَلَا) مَنْعُ (بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ) ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْهُدْنَةِ الْكَفُّ لَا الْحِفْظُ بِخِلَافِ الذِّمَّةِ (فَإِنْ أَخَذَ الْحَرْبِيُّونَ مَالَهُمْ) بِغَيْرِ حَقٍّ (وَظَفِرْنَا بِهِ رَدَدْنَاهُ) إلَيْهِمْ لُزُومًا، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْنَا اسْتِنْقَاذُهُ كَمَا نَرُدُّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ

(وَلَا يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ بِمَوْتِ الْإِمَامِ وَعَزْلِهِ) فَيَلْزَمُ الْإِمَامَ بَعْدَهُ إمْضَاؤُهُ

(وَلَا) يُنْتَقَضُ (بِتَبَيُّنِ فَسَادِهَا) أَيْ الْهُدْنَةِ (بِالِاجْتِهَادِ بَلْ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ)

(وَيَنْبَغِي) لِلْإِمَامِ إذَا عَقَدَ الْهُدْنَةَ (أَنْ يَكْتُبَ بِهَا) كِتَابًا (وَيُشْهِدَ عَلَيْهَا) فِيهِ لِيَعْمَلَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِبَ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فِي شُرُوطِهَا (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ) فِيهَا (لَكُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) (وَذِمَّتِي)

(فَإِنْ أَخَذُوا مَالًا أَوْ سَبُّوا) اللَّهَ أَوْ الْقُرْآنَ أَوْ (رَسُولَ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا وَأَنَّ ذَاكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآحَادِ وَالْكَلَامُ هُنَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِمَامِ وَلِهَذَا قَالَ الْجُرْجَانِيُّ وَغَيْرُهُ هُنَا وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ ذَلِكَ أَوْ يَجُوزُ لَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ وَقَدْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الْقِيَامُ بِمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْآحَادِ.
(قَوْلُهُ أَوْ خَوْفِ) عُطِفَ عَلَى تَعْذِيبِ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ بُطْلَانُهُ إلَخْ) ، وَهُوَ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) قَالَ النَّاشِرِيُّ: هَلْ الْمُرَادُ بِالْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَنْ تَكُونَ صِحَاحًا أَمْ لَا لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا (قَوْلُهُ وَلَا عَلَى عَشَرِ سِنِينَ إنْ كَانَ ضَعْفٌ) فِي مَعْنَى الضَّعْفِ شِدَّةُ الْمَشَقَّةِ وَكَتَبَ أَيْضًا فَعِنْدَ الضَّعْفِ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إلَى عَشَرِ سِنِينَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ فَلَوْ انْدَفَعَتْ الْحَاجَةُ بِدُونِ الْعَشَرِ لَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ الصُّلْحِ بِدَلِيلِ آيَةِ الْقِتَالِ وَقَدْ وَرَدَ التَّحْدِيدُ بِالْعَشَرِ فَتَبْقَى الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَصْلِ (قَوْلُهُ أَمَّا أَمْوَالُهُمْ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ لَهَا مُؤَبَّدًا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ أَيْضًا هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الذُّرِّيَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا دَامُوا صِغَارًا وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهُ (قَوْلُهُ وَاسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ الْمُهَادَنَةَ مَعَ النِّسَاءِ إلَخْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ فَلَوْ هَادَنَ مُطْلَقًا عَنْ ذِكْرِ الْمُدَّةِ بَطَلَ الْعَقْدُ) قَالَ النَّاشِرِيُّ: وَهَلْ تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ اهـ كَلَامُهُمْ كَالصَّرِيحِ فِي اشْتِرَاطِ كُلٍّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ عِنْدَ ضَعْفِنَا) أَيْ أَوْ انْتِهَاءِ الْحَاجَةِ

[الطَّرَفُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْهُدْنَةُ]

(قَوْلُهُ بِأَنْ يَصْدُرَ مِنْهُمْ مَا يَقْتَضِي الِانْتِقَاضَ) كَقِتَالِنَا بِلَا شُبْهَةٍ (قَوْلُهُ وَلَا يَلْزَمُنَا دَفْعُ الْحَرْبِيِّينَ عَنْهُمْ) لَوْ انْفَرَدُوا بِبَلَدٍ بِطَرَفِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَلْزَمْنَا دَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُمْ وَلَوْ أَمْكَنَ ذَكَرَهُ فِي الْكِفَايَةِ

(قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابُ) هُوَ الْأَصَحُّ

اللَّهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ (أَوْ آوَوْا عَيْنًا) عَلَيْهِمْ أَوْ قَتَلُوا مُسْلِمًا (أَوْ تَجَسَّسُوا) كَأَنْ كَاتَبُوا أَهْلَ الْحَرْبِ (جَمِيعًا) فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا (أَوْ) فَعَلَ (بَعْضُهُمْ) شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (وَسَكَتَ الْبَاقُونَ عَنْهُ انْتَقَضَ) الْعَهْدُ (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمُوهُ نَقْضًا) وَلَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِنَقْضِهِ لِإِتْيَانِهِمْ بِمَا يَخِلُّ بِالْعَقْدِ (وَبَيَّتُوا فِي بِلَادِهِمْ بِلَا إنْذَارٍ) ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ مَا أَتَوْا بِهِ نَاقِضًا لِآيَةِ ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ [التوبة: 12] وَلِصَيْرُورَتِهِمْ حِينَئِذٍ كَمَا كَانُوا قَبْلَ الْمُهَادَنَةِ (وَالنَّازِلُ بِنَا) أَيْ بِدَارِنَا بِأَمَانٍ أَوْ هُدْنَةٍ (نَبْلُغُهُ الْمَأْمَنَ) وَلَا نَغْتَالُهُ قَبْلَ وُصُولِهِ الْمَأْمَنَ (فَإِنْ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ الْبَاقُونَ) فِيمَا مَرَّ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ بِأَنْ اعْتَزَلُوهُمْ أَوْ بَعَثُوا إلَى الْإِمَامِ بِأَنَّا مُقِيمُونَ عَلَى الْعَهْدِ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَتْبَاعًا ثُمَّ (نَظَرْت فَإِنْ تَمَيَّزُوا عَنْهُمْ بَيَّتْنَاهُمْ) أَيْ مُنْتَقَضِي الْعَهْدَ (وَإِلَّا أَنْذَرْنَاهُمْ) أَيْ الْبَاقِينَ (لِيَتَمَيَّزُوا) عَنْهُمْ (أَوْ يُسْلِمُوهُمْ إلَيْنَا فَإِنْ أَبَوْا) ذَلِكَ (مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهِ (فَنَاقِضُونَ) لِلْعَهْدِ (بِخِلَافِ عَقْدِ الذِّمَّةِ) فَنَقْضُهُ مِنْ الْبَعْضِ لَيْسَ نَقْضًا مِنْ الْبَاقِينَ بِحَالٍ لِقُوَّتِهِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُنْكِرِ النَّقْضِ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَلَوْ) أَيْ وَكُلُّ مَا (اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ نَاقِضًا فِي الْجِزْيَةِ نُقِضَ هُنَا قَطْعًا) لِضَعْفِ هَذَا وَقُوَّةِ ذَاكَ وَتَأَكُّدِهِ بِالْجِزْيَةِ

(فَرْعٌ لَوْ اسْتَشْعَرَ الْإِمَامُ خِيَانَتَهُمْ بِأَمَارَاتٍ) تَدُلُّ عَلَيْهَا (لَا) بِمُجَرَّدِ (تَوَهُّمٍ لَمْ يُنْتَقَضْ) عَهْدُهُمْ (بَلْ يُنْبَذُ) إلَيْهِمْ جَوَازًا (الْعَهْدُ) قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: 58] بِخِلَافِ عَقْدِ الذِّمَّةِ لَا يُنْبَذُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مُؤَبَّدٌ؛ وَلِأَنَّ أَهْلَهَا فِي قَبْضَتِنَا فَيَسْهُلُ التَّدَارُكُ عِنْدَ ظُهُورِ الْخِيَانَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ جَانِبُهُمْ وَلِهَذَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ إلَيْهِ بِخِلَافِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ وَجَرَوْا فِي التَّعْلِيلِ الثَّانِي عَلَى الْغَالِبِ مِنْ كَوْنِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِبِلَادِنَا وَأَهْلِ الْهُدْنَةِ بِبِلَادِهِمْ وَاعْتَبَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي جَوَازِ النَّبْذِ بِالْخَوْفِ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ وَرَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ (وَيُنْذِرُهُمْ) بَعْدَ نَبْذِ عَهْدِهِمْ (وَيَبْلُغُهُمْ مَأْمَنَهُمْ) قَبْلَ قِتَالِهِمْ إنْ كَانُوا بِدَارِنَا وَفَاءً بِالْعَهْدِ؛ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ لَازِمٌ قَبْلَ ذَلِكَ (وَهُوَ) أَيْ مَأْمَنُهُمْ (دَارُ الْحَرْبِ) وَتَبْلِيغُهُمْ إيَّاهُ يَكُونُ (بِالْكَفِّ) لِلْأَذَى مِنَّا وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ (عَنْهُمْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ حَقِّ الْآدَمِيِّ مِنْهُمْ) إنْ كَانَ

(فَرْعٌ) يَجِبُ عَلَى الَّذِينَ هَادَنَهُمْ الْإِمَامُ الْكَفُّ عَنْ قَبِيحِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلُ فِي حَقِّنَا وَبَذْلُ الْجَمِيلِ مِنْهُمَا فَلَوْ (نَقَصُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْكَرَامَةِ) لَهُمْ (أَوْ الْإِمَامَ مِنْ التَّعْظِيمِ) لَهُ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يُكْرِمُونَهُمْ وَيُعَظِّمُونَهُ (سَأَلَهُمْ) عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ (فَإِنْ لَمْ يُقِيمُوا حُجَّةً) أَيْ عُذْرًا (وَلَمْ يَنْتَهُوا نَقَضَ الْعَهْدَ وَأَنْذَرَهُمْ) قَبْلَ نَقْضِهِ، وَإِنْ أَقَامُوا عُذْرًا يُقْبَلُ مِثْلُهُ قِبَلَهُ

[فَصْلٌ صَالَحَ الْإِمَامُ الْكُفَّارَ بِشَرْطِ رَدِّ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ مُسْلِمًا]

(فَصْلٌ) لَوْ (صَالَحَ) الْإِمَامُ الْكُفَّارَ أَيْ هَادَنَهُمْ (بِشَرْطِ رَدِّ مَنْ جَاءَ) نَا (مِنْهُمْ مُسْلِمًا صَحَّ) فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34] (وَلَمْ يَجُزْ) بِذَلِكَ (رَدُّ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ) إذْ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهَا زَوْجُهَا الْكَافِرُ أَوْ تَزَوَّجَ بِكَافِرٍ؛ وَلِأَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْ الْهَرَبِ مِنْهُمْ وَأَقْرَبُ إلَى الِافْتِتَانِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ [الممتحنة: 10] الْآيَةَ (فَإِنْ صَرَّحَ بِشَرْطِ رَدِّهَا لَمْ يَصِحَّ) لِذَلِكَ (وَيَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ) لِفَسَادِ الشَّرْطِ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى فِيمَا يَظْهَرُ (فَإِنْ جَاءَتْ) إلَيْنَا (مُسْلِمَةً) أَوْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَجِيئِهَا (وَطَالَبَ الزَّوْجُ بِمَهْرِهَا) لِارْتِفَاعِ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ أَوْ قَتَلُوا مُسْلِمًا) أَيْ ذِمِّيًّا وَكَتَبَ أَيْضًا إذَا كَانَ عَمْدًا مَحْضًا أَوْ عُدْوَانًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ لَا خَطَأً وَدَفْعًا لِصَائِلٍ أَوْ قَاطِعٍ غ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَا أَطْلَقَهُ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مَوْضِعُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِشُبْهَةٍ أَمَّا لَوْ أَعَانُوا الْبُغَاةَ مُكْرَهِينَ فَيُشْبِهُ أَنْ لَا يُنْتَقَضَ كَمَا سَبَقَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ (قَوْلُهُ لِإِتْيَانِهِمْ بِمَا يُخِلُّ بِالْعَقْدِ) «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا هَادَنَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَعَانَ بَعْضُهُمْ أَبَا سُفْيَانَ عَلَى حَرْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَنْدَقِ فَنَقَضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَهْدَ جَمِيعِهِمْ وَغَزَاهُمْ» وَكَذَلِكَ لَمَّا قَتَلَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ وَهُمْ حُلَفَاءُ قُرَيْشٍ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ وَهُمْ حُلَفَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَوَى بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ الْقَاتِلَ وَلَمْ يُنْكِرْ الْبَاقُونَ غَزَاهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَتَحَ مَكَّةَ وَلِأَنَّ عَقْدَ الْهُدْنَةِ يَتِمُّ بِعَقْدِ بَعْضِهِمْ وَرِضَا الْبَاقِينَ وَيَكُونُ السُّكُونُ رِضًا بِذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ النَّقْضُ مِثْلَهُ (قَوْلُهُ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَتْبَاعًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: 165]

[فَرْعٌ اسْتَشْعَرَ الْإِمَامُ خِيَانَة أَهْلُ الذِّمَّةِ بِأَمَارَاتٍ تَدُلُّ عَلَيْهَا]

(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ إلَخْ) وَلِأَنَّ الْهُدْنَةَ أَمَانٌ فَنُقِضَتْ بِالْخَوْفِ؛ وَلِأَنَّ الذِّمَّةَ أَقْوَى بِدَلِيلِ تَأْبِيدِهَا (قَوْلُهُ وَاعْتَبَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي جَوَازِ النَّبْذِ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ نَقْضَ الْإِمَامِ لَا يَنْفُذُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ بِنَفْسِ الْخَوْفِ وَظُهُورِ الْأَمَارَةِ خِلَافًا لِأَبِي حَامِدٍ وَكَلَامُ الْحَاوِي صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ.
اهـ. (قَوْلُهُ وَرَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ) فَقَالَ، وَهُوَ عَجِيبٌ أَوْقَعَهُ فِيهِ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ، وَهُوَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ بِنَفْسِ الْخَوْفِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحْكُمَ بِنَقْضِهِ أَيْ يَقْوَى عِنْدَهُ الْحُكْمُ بِهِ وَكَتَبَ أَيْضًا وَرَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ أَيْ وَغَيْرُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْمُرَادُ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ بِنَفْسِ الْخَوْفِ وَظُهُورِ الْأَمَارَةِ خِلَافًا لِأَبِي حَامِدٍ وَكَلَامُ الْحَاوِي صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَيُبَلِّغُهُمْ مَأْمَنَهُمْ) لَوْ كَانَ لَهُ مَأْمَنٌ لَزِمَ الْإِمَامَ إلْحَاقُهُ بِمَسْكَنِهِ مِنْهُمَا وَلَوْ كَانَ يَسْكُنُ بَلَدَيْنِ تَخَيَّرَ الْإِمَامُ

[فَرْعٌ عَلَى الَّذِينَ هَادَنَهُمْ الْإِمَامُ الْكَفُّ عَنْ قَبِيحِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلُ فِي حَقِّنَا]

(قَوْلُهُ لَوْ صَالَحَ بِشَرْطِ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا صَحَّ) أَيْ إذَا كَانَ لَهُ عَشِيرَةٌ تَحْمِيهِ وَتَمْنَعُهُ وَضَابِطُهُ كُلُّ مَنْ لَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ جَازَ شَرْطُ رَدِّهِ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ (قَوْلُهُ وَلَمْ يَجُزْ بِذَلِكَ رَدُّ الْمَرْأَةِ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا شَرَطَ جَاءَتْهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مَسْلَمَةَ فَجَاءَ أَخَوَاهَا عُمَارَةُ وَالْوَلِيدُ فِي طَلَبِهَا وَجَاءَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةُ مُسْلِمَةً فَجَاءَ زَوْجُهَا فِي طَلَبِهَا وَجَاءَتْ سُعْدَى زَوْجَةُ صَيْفِيِّ بْنِ إبْرَاهِيم بِمَكَّةَ فَجَاءَ فِي طَلَبِهَا وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ قَدْ شَرَطْت لَنَا رَدَّ النِّسَاءِ فَارْدُدْ عَلَيْنَا نِسَاءَنَا فَتَوَقَّفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَقِّعًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى نَزَلَ ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] فَامْتَنَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رَدِّهِنَّ» (قَوْلُهُ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى فِيمَا يَظْهَرُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

نِكَاحِهَا بِإِسْلَامِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ (لَمْ نُعْطِهِ) لَهُ أَيْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا إعْطَاؤُهُ لَهُ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ﴾ [الممتحنة: 10] أَيْ الْأَزْوَاجَ مَا أَنْفَقُوا أَيْ مِنْ الْمُهُورِ فَهُوَ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي وُجُوبِ الْغُرْمِ مُحْتَمِلٌ لِنَدْبِهِ الصَّادِقِ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ الْمُوَافِقِ لِلْأَصْلِ وَرَجَّحُوهُ عَلَى الْوُجُوبِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا غُرْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ الْمَهْرَ؛ فَلِأَنَّهُ كَانَ قَدْ شَرَطَ لَهُمْ رَدَّ مَنْ جَاءَتْنَا مُسْلِمَةً ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ فَغَرِمَ حِينَئِذٍ لِامْتِنَاعِ رَدِّهَا بَعْدَ شَرْطِهِ

(وَإِنْ أَسْلَمَتْ) أَيْ وَصَفَتْ الْإِسْلَامَ (مَنْ لَمْ تَزَلْ مَجْنُونَةً فَإِنْ أَفَاقَتْ رَدَدْنَاهَا لَهُ) لِعَدَمِ صِحَّةِ إسْلَامِهَا وَزَوَالِ ضَعْفِهَا وَالتَّقْيِيدُ بِالْإِفَاقَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا لَمْ تُفِقْ فَلَا تُرَدُّ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْمَجْنُونِ (وَكَذَا إنْ جَاءَتْ عَاقِلَةً، وَهِيَ كَافِرَةٌ) سَوَاءٌ أَطَلَبَهَا فِي الصُّورَتَيْنِ زَوْجُهَا أَمْ مَحَارِمُهَا (لَا إنْ أَسْلَمَتْ) قَبْلَ مَجِيئِهَا أَوْ بَعْدَهُ (ثُمَّ جُنَّتْ) أَوْ جُنَّتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ بَعْدَ إفَاقَتِهَا (وَكَذَا إنْ شَكَكْنَا) فِي أَنَّهَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ جُنُونِهَا أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهَا (لَا تُرَدُّ) وَلَا نُعْطِيهِ مَهْرَهَا

(وَلَوْ جَاءَتْ صَبِيَّةٌ مُمَيِّزَةٌ تَصِفُ الْإِسْلَامَ لَمْ نَرُدَّهَا) ؛ لِأَنَّا، وَإِنْ لَمْ نُصَحِّحْ إسْلَامَهَا نَتَوَقَّعُهُ فَيُحْتَاطُ لِحُرْمَةِ الْكَلِمَةِ (إلَّا إنْ بَلَغَتْ وَوَصَفَتْ الْكُفْرَ) فَنَرُدُّهَا

(وَلَوْ هَاجَرَ) قَبْلَ الْهُدْنَةِ أَوْ بَعْدَهَا (الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ وَلَوْ مُسْتَوْلِدَةً وَمُكَاتَبَةً ثُمَّ أَسْلَمَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (عَتَقَ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَاءَ قَاهِرًا لِسَيِّدِهِ مَلَكَ نَفْسَهُ بِالْقَهْرِ فَيُعْتَقُ؛ وَلِأَنَّ الْهُدْنَةَ لَا تُوجِبُ أَمَانَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فَبِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى نَفْسِهِ مَلَكَهَا (أَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ هَاجَرَ قَبْلَ الْهُدْنَةِ فَكَذَا) يُعْتَقُ لِوُقُوعِ قَهْرِهِ حَالَ الْإِبَاحَةِ (أَوْ بَعْدَهَا فَلَا) يُعْتَقُ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مَحْظُورَةٌ حِينَئِذٍ فَلَا يَمْلِكُهَا الْمُسْلِمُ بِالِاسْتِيلَاءِ (وَلَا يُرَدُّ) إلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ مُسْلِمًا مُرَاغِمًا لَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْتَرِقُّهُ وَيُهِينُهُ وَلَا عَشِيرَةَ لَهُ تَحْمِيهِ (بَلْ يُعْتِقُهُ السَّيِّدُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَاعَهُ الْإِمَامُ) عَلَيْهِ (لِمُسْلِمٍ أَوْ اشْتَرَاهُ لِلْمُسْلِمِينَ) عِبَارَةُ الْأَصْلِ أَوْ دَفَعَ قِيمَتَهُ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَأَعْتَقَهُ عَنْهُمْ وَلَهُمْ وَلَاؤُهُ) وَاعْلَمْ أَنَّ هِجْرَتَهُ إلَيْنَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي عِتْقِهِ بَلْ الشَّرْطُ فِيهِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ إنْ كَانَتْ هُدْنَةً وَمُطْلَقًا إنْ لَمْ تَكُنْ فَلَوْ هَرَبَ إلَى مَأْمَنٍ ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَوْ بَعْدَ الْهُدْنَةِ أَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ هَرَبَ قَبْلَهَا عَتَقَ، وَإِنْ لَمْ يُهَاجِرْ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ هِجْرَتِهِ مَاتَ حُرًّا يَرِثُ وَيُورَثُ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا هِجْرَتَهُ؛ لِأَنَّ بِهَا يُعْلَمُ عِتْقُهُ غَالِبًا (وَأَمَّا الْمُكَاتَبَةُ فَتَبْقَى مُكَاتَبَةً إنْ لَمْ تُعْتَقْ فَإِنْ أَدَّتْ) نُجُومَ الْكِتَابَةِ (عَتَقَتْ) بِهَا (وَوَلَاؤُهَا لِسَيِّدِهَا، وَإِنْ عَجَزَتْ وَرَقَّتْ وَقَدْ أَدَّتْ شَيْئًا) مِنْ النُّجُومِ (بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا قَبْلَهُ حُسِبَ) مَا أَدَّتْهُ (مِنْ قِيمَتِهَا) الْوَاجِبَةِ لَهُ (فَإِنْ وَفَّى بِهَا أَوْ زَادَ) عَلَيْهَا (عَتَقَتْ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ (وَوَلَاؤُهَا لِلْمُسْلِمِينَ) وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهَا كَالْمُتَبَرِّعَةِ عَنْهُمْ بِهِ وَلِفَوْزِهَا بِالْعِتْقِ فِي مُقَابَلَتِهِ (وَلَا يَسْتَرْجِعُ) مِنْ سَيِّدِهَا (الْفَاضِلَ) أَيْ الزَّائِدَ (وَإِنْ نَقَصَ) عَنْهَا (وَفَّى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ)

(وَلَا يُرَدُّ صَبِيٌّ وَ) لَا (مَجْنُونٌ) لِضَعْفِهِمَا وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ بِشَرْطِ رَدِّهِمَا (حَتَّى يَبْلُغَ) الصَّبِيُّ (أَوْ يُفِيقَ الْمَجْنُونُ وَيَصِفَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (الْكُفْرَ) أَوْ لَمْ يَصِفْ شَيْئًا فِيمَا يَظْهَرُ فَإِنْ وَصَفَ الْإِسْلَامَ لَمْ يُرَدَّ

(وَإِنْ جَاءَ) مِنْهُمْ (حُرٌّ بَالِغٌ) عَاقِلٌ (مُسْلِمٌ وَالرَّدُّ مَشْرُوطٌ) عَلَيْنَا (نَظَرْت فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَشِيرَةٌ تَحْمِيهِ لَمْ يُرَدَّ وَإِلَّا رُدَّ إنْ طَلَبْته عَشِيرَتُهُ) ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُمْ كَمَا «رَدَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا جَنْدَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى أَبِيهِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ يَحْمُونَهُ، وَأَمَّا كَوْنُهُمْ أَنْفُسُهُمْ يُؤْذُونَهُ بِالتَّقْيِيدِ وَنَحْوِهِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهُ تَأْدِيبًا فِي زَعْمِهِمْ (لَا) إنْ طَلَبَهُ (غَيْرُهُمْ) فَلَا يُرَدُّ (إلَّا إنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ يَقْهَرُهُمْ) وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ فَيُرَدُّ وَعَلَيْهِ حُمِلَ «رَدُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَصِيرٍ لَمَّا جَاءَ فِي طَلَبَهُ رَجُلَانِ فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا فِي الطَّرِيقِ وَأَفْلَتَ الْآخَرُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَمَّا إذَا لَمْ يَطْلُبْهُ أَحَدٌ فَلَا يُرَدُّ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَالرَّدُّ مَشْرُوطٌ مَا إذَا لَمْ يُشْرَطْ فَلَا يَجِبُ الرَّدُّ مُطْلَقًا (وَلَا يَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ الرُّجُوعُ) إلَيْهِمْ (بَلْ لَهُ قَتْلُ طَالِبِهِ) دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ وَدِينِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي بَصِيرٍ امْتِنَاعَهُ وَقَتْلَ طَالِبِهِ.
(وَلَنَا التَّعْرِيضُ لَهُ بِهِ) أَيْ بِقَتْلِهِ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأَبِي جَنْدَلٍ: حِينَ رُدَّ إلَى أَبِيهِ أَنَّ دَمَ الْكَافِرِ عِنْدَ اللَّهِ كَدَمِ الْكَلْبِ يُعَرِّضُ لَهُ بِقَتْلِ أَبِيهِ؛ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا الْتَزَمَ بِالْهُدْنَةِ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْهُمْ وَيَمْنَعَ الَّذِينَ يُعَادُونَهُمْ، وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ يَوْمئِذٍ فَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ بَعْدُ فَلَمْ يَشْرِطْ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا وَلَا تَنَاوَلَهُ شَرْطُ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قَبْضَتِهِ وَخَرَجَ بِالتَّعْرِيضِ التَّصْرِيحُ فَيَمْتَنِعُ نَعَمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْهُدْنَةِ لَهُ أَنْ يُصَرِّحَ بِذَلِكَ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرِطْ عَلَى نَفْسِهِ أَمَانًا لَهُمْ وَلَا تَنَاوَلَهُ شَرْطُ الْإِمَامِ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ أَيْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا إعْطَاؤُهُ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ لَيْسَ بِمَالٍ حَتَّى يَشْمَلَهُ الْأَمَانُ كَمَا لَا يَشْمَلُ الْأَمَانُ زَوْجَتَهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ رَدُّ بَدَلِهَا لَكَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ لِلْحَيْلُولَةِ فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ مَهْرُ الْمِثْلِ لَمْ يَجِبْ الْمُسَمَّى

(قَوْلُهُ وَلَا يُرَدُّ صَبِيٌّ إلَخْ) مَا صَرَّحَ بِهِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ مِنْ امْتِنَاعِ الرَّدِّ يُخَالِفُ مَا رَجَّحَاهُ فِي بَابِ اللَّقِيطِ مِنْ أَنَّ الْحَيْلُولَةَ بَيْنَ الصَّبِيِّ إذَا أَسْلَمَ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مُسْتَحَبَّةٌ لَا وَاجِبَةٌ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكَلَامَ هُنَاكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانُوا فِي دَارِنَا وَالْكَلَامُ هُنَا فِي جَوَازِ رَدِّهِ إلَى دَارِ الْكُفْرِ فَإِنَّهُمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ اسْتِمَالَتِهِ وَرَدِّهِ إلَى الْكُفْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ عِنْدَنَا فَإِنَّهُمْ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ وَأَيْضًا فَالصَّبِيُّ إذَا وَصَفَ الْإِسْلَامَ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَأْمُرَهُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ لِيَتَمَرَّنَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ صِحَّةِ إسْلَامِهِ وَفِي رَدِّهِ إلَى دَارِ الْكُفْرِ تَضْيِيعٌ لِهَذَا الْوَاجِبِ (قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَصِفْ شَيْئًا فِيمَا يَظْهَرُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لَمْ يُرَدَّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إجْبَارُ الْمُسْلِمِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَيْفَ يُجْبَرُ عَلَى دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ

(قَوْلُهُ وَيَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ الرُّجُوعُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعُ لَكِنْ فِي الْبَيَانِ أَنَّ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ أَنْ يَهْرَبَ مِنْ الْبَلَدِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ مَنْ يَطْلُبُهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا سِيَّمَا إذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْفِتْنَةَ بِالرُّجُوعِ (قَوْلُهُ وَلَنَا التَّعْرِيضُ لَهُ بِهِ) قَيَّدَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْإِمَامِ اهـ مَا ذَكَرَهُ مَمْنُوعٌ (قَوْلُهُ نَعَمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(وَلَا يُمْنَعُ الْإِقَامَةَ) عِنْدَنَا (بَلْ يُؤْمَرُ بِهَا نَدْبًا سِرًّا) بِأَنْ يَقُولَ لَهُ الْإِمَامُ سِرًّا لَا تَرْجِعْ، وَإِنْ رَجَعْت فَاهْرَبْ إنْ قَدِرْت قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَيَقُولُ لِلطَّالِبِ لَا أَمْنَعُك مِنْهُ إنْ قَدِرْت عَلَيْهِ وَلَا أُعِينُك إنْ لَمْ تَقْدِرْ (وَمَعْنَى الرَّدِّ لَهُ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ) كَمَا فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ لَا إجْبَارُهُ عَلَى الرُّجُوعِ إذْ لَا يَجُوزُ إجْبَارُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْإِقَامَةِ بِدَارِ الْحَرْبِ (فَلَوْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ الْإِمَامُ) إلَيْهِمْ (لَمْ يَصِحَّ) إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْبَعْثِ الرَّدُّ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَصِحُّ وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَلَوْ شَرَطَ الْإِمَامُ فِي الْهُدْنَةِ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: يَجِبُ الْوَفَاءُ بِشَرْطِهِ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يُعْتَبَرَ الطَّلَبُ وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْ النَّصِّ أَنَّهُ يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهَذَا الشَّرْطِ وَذَكَرَ أَنَّهُمْ لَوْ طَلَبُوا مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ، وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى كُفْرِهِ مَكَّنَّاهُمْ مِنْهُ وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا شَرَطُوا أَنْ تَقُومَ بِرَدِّهِ عَلَيْهِمْ وَفَّيْنَا بِالشَّرْطِ انْتَهَى بِزِيَادَةٍ

(فَصْلٌ) لَوْ (عُقِدَتْ) أَيْ الْهُدْنَةُ (بِشَرْطِ أَنْ يَرُدُّوا مَنْ جَاءَهُمْ) مِنَّا (مُرْتَدًّا صَحَّ) وَلَزِمَهُمْ الْوَفَاءُ بِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلًا أَمْ امْرَأَةً حُرًّا أَوْ رَقِيقًا (فَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْ رَدِّهِ فَنَاقِضُونَ) لِلْعَهْدِ لِمُخَالَفَتِهِمْ الشَّرْطَ (أَوْ) عُقِدَتْ (عَلَى أَنْ لَا يَرُدُّوهُ جَازَ وَلَوْ) كَانَ الْمُرْتَدُّ (امْرَأَةً) فَلَا يَلْزَمُهُمْ رَدُّهُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ «شَرَطَ ذَلِكَ فِي مُهَادَنَةِ قُرَيْشٍ حَيْثُ قَالَ لِسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَقَدْ جَاءَ رَسُولًا مِنْهُمْ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ مُسْلِمًا رَدَدْنَاهُ وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا فَسُحْقًا سُحْقًا» وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَيَغْرَمُونَ) فِيهَا (مَهْرَهَا) أَيْ الْمُرْتَدَّةِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَهُوَ عَجِيبٌ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تَقْتَضِي انْفِسَاخَ النِّكَاحِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَتَوَقُّفَهُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَعْدَهُ فَإِلْزَامُهُمْ الْمَهْرَ مَعَ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ أَوْ إشْرَافِهِ عَلَى الِانْفِسَاخِ لَا وَجْهَ لَهُ (وَكَذَا) يَغْرَمُونَ (قِيمَةَ رَقِيقٍ) ارْتَدَّ دُونَ الْحُرِّ (فَإِنْ عَادَ) الرَّقِيقُ الْمُرْتَدُّ إلَيْنَا بَعْدَ أَخْذِنَا قِيمَتَهُ (رَدَدْنَاهَا) عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْمَهْرِ قَالَ فِي الْأَصْلِ: لِأَنَّ الرَّقِيقَ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُمْ وَالنِّسَاءُ لَا يَصِرْنَ زَوْجَاتٍ قَالَ: وَيَغْرَمُ الْإِمَامُ لِزَوْجِ الْمُرْتَدَّةِ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِهَا؛ لِأَنَّا بِعَقْدِ الْهُدْنَةِ حُلْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَلَوْلَاهُ لَقَاتَلْنَاهُمْ حَتَّى يَرُدُّوهَا وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْغُرْمُ لِزَوْجِهَا مُفَرَّعًا عَلَى الْغُرْمِ لِزَوْجِ الْمُسْلِمَةِ الْمُهَاجِرَةِ وَلَمْ أَرَهُ مُصَرَّحًا بِهِ، وَقَدْ يُشْعِرُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ بِخِلَافِهِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُمْ جَارٍ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْبَيْعِ مِنْ صِحَّةِ بَيْعِهِ لِلْكَافِرِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ فِي الْمَجْمُوعِ خِلَافُهُ كَمَا مَرَّ ثَمَّ وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ ثَمَّ

(كِتَابُ الْمُسَابَقَةِ) عَلَى الْخَيْلِ وَالسِّهَامِ وَنَحْوِهِمَا فَالْمُسَابَقَةُ تَعُمُّ الْمُفَاضَلَةَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: النِّضَالُ فِي الرَّمْيِ وَالرِّهَانُ فِي الْخَيْلِ وَالسِّبَاقُ فِيهِمَا (وَهِيَ لِقَصْدِ الْجِهَادِ سُنَّةٌ) لِلرِّجَالِ لِلْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60] الْآيَةَ وَفَسَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُوَّةَ فِيهَا بِالرَّمْيِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ «قَالَ أَجْرَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا ضَمُرَ مِنْ الْخَيْلِ مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ وَمَا لَمْ يَضْمُرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ قَالَ سُفْيَانُ مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ وَمِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ» وَخَبَرِ أَنَسٍ «كَانَتْ الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُسْبَقُ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا إلَّا وَضَعَهُ» وَخَبَرِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ يَتَنَاضَلُونَ فَقَالَ ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا» رَوَاهَا

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ الْإِمَامُ إلَيْهِمْ) أَيْ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ (قَوْلُهُ وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْ النَّصِّ أَنَّهُ يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهَذَا الشَّرْطِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ الْبَعْثَ فَكَأَنَّهُ مَنَعَهُمْ الْإِسْلَامَ وَالْهِجْرَةَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ

[فَصْلٌ عُقِدَتْ الْهُدْنَةُ بِشَرْطِ أَنْ يَرُدُّوا مَنْ جَاءَهُمْ مِنَّا مُرْتَدًّا]

(قَوْلُهُ أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَرُدُّوهُ جَازَ) اسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ الْأَحْرَارَ الْمَجَانِينَ بَعْدَ الرِّدَّةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَيْهِمْ فِي حَالِ جُنُونِهِمْ نُطَالِبُهُمْ بِرَدِّهِمْ؛ لِأَنَّ مَجِيئَهُمْ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِهِمْ فَلَا أَثَرَ لَهُ فَإِنْ ذَهَبُوا فِي حَالِ عَقْلِهِمْ ثُمَّ جُنُّوا هُنَاكَ لَمْ نُطَالِبْهُمْ بِرَدِّهِمْ قَالَ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ وَظَاهِرٌ أَنَّ مُرَادَهُ بِالِاخْتِيَارِ الَّذِي نَفَاهُ عَنْ الْمَجْنُونِ الِاخْتِيَارُ الصَّادِرُ عَنْ رُؤْيَةٍ وَتَأَمُّلٍ وَإِلَّا فَلَهُ اخْتِيَارٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَبَانَ لِلدَّابَّةِ اخْتِيَارٌ وَقَوْلُهُ نُطَالِبُهُمْ بِرَدِّهِمْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لَا وَجْهَ لَهُ) فَإِنْ قِيلَ وَجْهُهُ الْقِيَاسِ عَلَى مَنْ جَاءَتْنَا مِنْ نِسَائِهِمْ مُسْلِمَةً نَغْرَمُ الْمَهْرُ عَلَى قَوْلٍ سَبَقَ فَإِسْلَامُ تِلْكَ كَارْتِدَادِ هَذِهِ قُلْنَا ذَاكَ مِنْ أَجْلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصُّلْحِ وَمُرَاعَاةِ الْمُسْلِمَةِ نَغْرَمُ لَهُمْ عَلَى قَوْلٍ الْمَهْرَ لِظَاهِرِ آيَةِ الِامْتِحَانِ ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 10] فَلَا يُقَالُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْلِمُ مَهْرَ بِضْعٍ بَائِنٍ مِنْهُ أَوْ مُشْرِفٍ عَلَى الْبَيْنُونَةِ اهـ وَقَالَ شَيْخُنَا لَعَلَّ وَجْهَهُ حُصُولِ حَيْلُولَتِهِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا إذْ لَوْلَاهَا لَأَكْرَهْنَاهَا عَلَى الرُّجُوعِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَغَرِمُوا لِذَلِكَ كَاتِبَهُ (قَوْلُهُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْغُرْمُ لِزَوْجِهَا مُفَرَّعًا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ هُوَ كَمَا قَالَ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فَقَالَ: وَبِسَبَبٍ وَلَا نَرُدُّ إلَى الْأَزْوَاجِ الْمُشْرِكِينَ عِوَضًا لَمْ نَأْخُذْ لِلْمُسْلِمِينَ فِيمَا فَاتَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ عِوَضًا.
اهـ.

[كِتَابُ الْمُسَابَقَةِ وَفِيهِ بَابَانِ]

(كِتَابُ الْمُسَابَقَةِ) (قَوْلُهُ فَالْمُسَابَقَةُ نِعْمَ الْمُفَاضَلَةُ) وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: 17] أَيْ نَنْتَضِلُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الصِّحَاحِ (قَوْلُهُ، وَهِيَ لِقَصْدِ الْجِهَادِ سُنَّةٌ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَضِيَّةُ قَوْلِهِ أَنَّ الْمُسَابَقَةَ وَالْمُنَاضَلَةَ سُنَّةٌ تَسَاوِيهِمَا فِي الْمَطْلُوبَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمُنَاضَلَةُ آكَدُ فَفِي السُّنَنِ مَرْفُوعًا ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَإِنْ تَرْمُوا خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّهْمَ يَنْفَعُ فِي السَّعَةِ وَالضِّيقِ كَمَوَاضِعِ الْحِصَارِ وَنَحْوِهَا بِخِلَافِ الْفَرَسِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ فِي الضِّيقِ بَلْ رُبَّمَا ضَرَّ اهـ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّهُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ لِتَعَلُّقِهِمَا بِالْجِهَادِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَمُبَاحٌ إذَا قَصَدَ بِهِ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عُدَّةً لِلْجِهَادِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ هَذَا إذَا قَصَدَ بِهِ اللَّهْوَ أَمَّا إذَا قَصَدَ تَعَلُّمَهُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَغْرَاضِ الْمُحَرَّمَةِ فَلَا

الْبُخَارِيُّ وَخَبَرِ «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ يُرْوَى سَبْقُ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ مَصْدَرًا وَبِفَتْحِهَا الْمَالُ الَّذِي يُدْفَعُ إلَى السَّابِقِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيُكْرَهُ لِمَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ تَرْكَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرْكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا أَوْ قَدْ عَصَى»

(وَفِيهِ بَابَانِ الْأَوَّلُ فِي السَّبَقِ وَفِيهِ طَرَفَانِ الْأَوَّلُ فِي شُرُوطِهِ، وَهِيَ عَشَرَةٌ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ عُدَّةً لِلْقِتَالِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّأَهُّبُ لِلْقِتَالِ وَبِهَذَا قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: لَا يَجُوزُ السَّبَقُ وَالرَّمْيُ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ أَهْلًا لِلْحَرْبِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ: وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِعِوَضٍ لَا مُطْلَقًا فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّ عَائِشَةَ سَابَقَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» (وَالْأَصْلُ) فِي السَّبَقِ (الْخَيْلُ وَالْإِبِلُ الْمَرْكُوبَةُ) لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّهَا الَّتِي يُقَاتَلُ عَلَيْهَا غَالِبًا وَتَصْلُحُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ بِصِفَةِ الْكَمَالِ وَيُفَارِقُ ذَلِكَ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ رَاكِبِ الْإِبِلِ السَّهْمَ الزَّائِدَ بِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ مَنُوطٌ بِزِيَادَةِ الْمَنْفَعَةِ، وَهِيَ فِي الْخَيْلِ مِنْ الِانْعِطَافِ وَالِالْتِوَاءِ وَسُرْعَةِ الْإِقْدَامِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الْإِبِلِ وَخَرَجَ بِالْمَرْكُوبَةِ غَيْرُهَا كَالصَّغِيرَةِ وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَاَلَّذِي تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَيْلِ قِيلَ الَّذِي يُسْهَمُ لَهُ، وَهُوَ الْجَذَعُ أَوْ الثَّنْيُ وَقِيلَ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَالتَّقْيِيدُ بِالْمَرْكُوبَةِ فِي الْإِبِلِ وَتَرْجِيحُ اعْتِبَارِهِ فِي الْخَيْلِ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ (وَيَجُوزُ) السَّبْقُ (عَلَى الْفِيلِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَالرَّمْيُ بِأَنْوَاعِ الْقِسِيِّ وَالسِّهَامِ) وَلَوْ بِمِسَلَّاتٍ وَإِبَرٍ لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ السَّابِقِ (وَكَذَا الْمَزَارِيقُ) ، وَهِيَ الرِّمَاحُ الْقَصِيرَةُ (وَالزَّانَاتُ) بِالزَّايِ وَالنُّونِ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا رَأْسٌ دَقِيقٌ وَحَدِيدَتُهَا عَرِيضَةٌ تَكُونُ مَعَ الدَّيْلَمِ وَهُمْ جِيلٌ مِنْ النَّاسِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَسْلِحَةٌ يَرْمِي بِهَا وَيَبْتَغِي بِهَا الْإِصَابَةَ كَالسِّهَامِ (وَرَمْيُ الْحَجَرِ بِالْيَدِ وَالْمِقْلَاعِ وَالْمَنْجَنِيقِ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ بِخِلَافِ إشَالَتِهِ بِالْيَدِ وَيُسَمَّى الْعِلَاجَ وَبِخِلَافِ الْمُرَامَاتِ بِأَنْ يَرْمِيَ كُلُّ وَاحِدٍ الْحَجَرَ أَوْ السَّهْمَ إلَى الْآخَرِ وَتُسَمَّى الْمُدَاحَاةَ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَنْفَعَانِ فِي الْحَرْبِ (وَالتَّرَدُّدُ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّهُ يَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ وَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةٍ وَحِذْقٍ (وَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ عَلَى الْأَقْدَامِ وَالسِّبَاحَةُ) فِي الْمَاءِ (وَالزَّوَارِقُ وَالْبَقَرُ) وَنَحْوُهَا كَالْكِلَابِ (وَالطُّيُورُ وَالصِّرَاعُ وَالْمُشَابَكَةُ) بِالْيَدِ وَكُلُّ مَا يَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ كَلِعْبِ شِطْرَنْجٍ وَخَاتَمٍ وَكُرَةِ صَوْلَجَانٍ وَرَمْيٍ بِبُنْدُقٍ وَوُقُوفٍ عَلَى رِجْلٍ وَمَعْرِفَةِ مَا فِي يَدٍ مِنْ شَفْعٍ وَوَتْرٍ (فَيَجُوزُ بِلَا عِوَضٍ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسَابَقَ هُوَ وَعَائِشَةُ عَلَى الْأَقْدَامِ» وَقِيسَ بِهِ الْبَقِيَّةُ أَمَّا بِعِوَضٍ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ آلَاتِ الْقِتَالِ؛ وَلِأَنَّ الزَّوَارِقَ سَبْقُهَا بِالْمَلَّاحِ لَا بِمَنْ يُقَاتِلُ فِيهَا وَالتَّجْوِيزُ بِلَا عِوَضٍ فِي الْبَقَرِ وَالتَّرْجِيحُ فِي الْمُشَابَكَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ (لَا) عَلَى (مُنَاطَحَةِ الْكِبَاشِ وَمُهَارَشَةِ الدِّيَكَةِ) فَلَا تَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا سَفَهٌ وَكَذَا عَلَى الْغَطْسِ فِي الْمَاءِ إلَّا إنْ جَرَتْ عَادَةٌ بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِي الْحَرْبِ فَكَالسِّبَاحَةِ الشَّرْطُ

(الثَّانِي مَعْرِفَةُ الْمَوْقِفِ) الَّذِي يَجْرِيَانِ مِنْهُ (وَالْغَايَةُ) الَّتِي يَجْرِيَانِ إلَيْهَا لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ (وَتَسَاوِيهِمَا فِيهِمَا) فَلَوْ شَرَطَا تَقَدُّمَ مَوْقِفِ أَحَدِهِمَا أَوْ تَقَدُّمَ غَايَتِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ فَرُوسِيَّةِ الْفَارِسِ وَجَوْدَةِ سَيْرِ الْفَرَسِ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مَعَ تَفَاوُتِ الْمَسَافَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ السَّبَقَ حِينَئِذٍ لِقِصَرِ الْمَسَافَةِ لَا لِحِذْقِ الْفَارِسِ وَلَا لِفَرَاهَةِ الْفَرَسِ (فَلَوْ أَهْمَلَا الْغَايَةَ وَشَرَطَ أَنَّ الْمَالَ لِمَنْ سَبَقَ) مِنْهُمَا (أَوْ عَيَّنَا الْغَايَةَ وَقَالَا إنْ اتَّفَقَ السَّبَقُ فِي وَسَطِ الْمَيْدَانِ لِوَاحِدٍ) مِنَّا (كَانَ فَائِزًا بِالسَّبَقِ لَمْ يَصِحَّ) أَمَّا فِي الْأُولَى؛ فَلِأَنَّهُمَا قَدْ يُدِيمَانِ السَّيْرَ حِرْصًا عَلَى الْمَالِ فَيُتْعَبَانِ وَتَهْلِكَ الدَّابَّةُ وَلِتَفَاوُتِ الْأَغْرَاضِ بِاخْتِلَافِ الدَّوَابِّ فِي قُوَّةِ السَّيْرِ فِي الِابْتِدَاءِ وَبَعْدَهُ فَتَعَيَّنَتْ الْمَعْرِفَةُ لِقَطْعِ النِّزَاعِ كَمَا فِي الثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ؛ فَلِأَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا السَّبَقَ فِي خِلَالِ الْمَيْدَانِ لَاعْتَبَرْنَاهُ بِلَا غَايَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ وَلِأَنَّ الْفَرَسَ قَدْ يُسْبَقُ ثُمَّ يَسْبِقُ وَالْعِبْرَةُ بِآخِرِ الْمَيْدَانِ (وَلَوْ قَالُوا) الْأَنْسَبُ قَالَا بَعْدَ أَنْ عَيَّنَا غَايَةَ السَّبَقِ (إلَى هَذِهِ) الْغَايَةِ (فَإِنْ تَسَاوَيَا) فِيهِ (فَإِلَى غَايَةٍ) أُخْرَى (بَعْدَهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا) بَيْنَهُمْ (جَازَ) لِحُصُولِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ

(الثَّالِثُ) فِيمَا إذَا عَقَدَ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَبِفَتْحِهَا الْمَالُ الَّذِي يُدْفَعُ إلَى السَّابِقِ) وَالثَّانِيَةُ أَثْبَتُ

[الْبَاب الْأَوَّلُ فِي السَّبَقِ]

[الطَّرَف الْأَوَّلُ فِي شُرُوطِ السَّبَقِ]

(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ أَهْلًا لِلْحَرْبِ) مِثْلُهُنَّ الْخُنَاثَى وَتَعَقَّبَ الْبُلْقِينِيُّ هَذَا التَّعْلِيلَ وَقَالَ بَلْ هُنَّ أَهْلٌ لِلْحَرْبِ وَلَكِنْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفُرُوسِيَّةِ وَالرَّمْيِ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِنَّ (قَوْلُهُ وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِعِوَضٍ مُطْلَقًا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْإِبِلُ الْمَرْكُوبَةُ) بِأَنْ يَعْتَادَ الْمُسَابَقَةَ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ وَتَرْجِيحُ اعْتِبَارِهِ فِي الْخَيْلِ مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ) رَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمَا (قَوْلُهُ وَيَجُوزُ السَّبَقُ عَلَى الْفِيلِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ) وَقَيَّدَهَا الْبُلْقِينِيُّ بِمَا يُعْتَادُ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهَا أَمَّا غَيْرُهَا فَالْمُسَابَقَةُ عَلَيْهَا لَا تُظْهِرُ فَرُوسِيَّتَهُ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ السَّبَقِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ وَالصِّرَاعِ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَسَبَقَ قَلَمُ ابْنِ الرِّفْعَةِ فَضَبَطَهُ بِضَمِّهَا وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ النَّقِيبِ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَرَمْيٍ بِبُنْدُقٍ) تَبِعَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ الْبَغَوِيّ وَفِي الْكِفَايَةِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ لَكِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ الْأَرْجَحُ جَوَازُهُ وَحَكَاهُ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْخَذْفِ» ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْخَذْفَ الرَّمْيُ بِحَصَاةٍ وَنَحْوِهَا بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ وَلَا تَحْصُلُ بِهِ نِكَايَةٌ فِي الْعَدُوِّ بِخِلَافِ رَمْيِ الْبُنْدُقِ بِالْقَوْسِ فَإِنَّ فِيهِ نِكَايَةً كَنِكَايَةِ الْمِسَلَّةِ فَيُرَجَّحُ فِيهِ الْجَوَازُ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَبُنْدُقِ الرَّمْيِ بِهِ إلَى حُفْرَةٍ وَنَحْوِهَا وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِالْحُكْمِ السَّابِقِ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ، وَأَمَّا الرَّمْيُ بِهِ عَنْ قَوْسِهِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ وَبَالَغَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَزَعَمَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ لَكِنْ الْمَنْقُولُ فِي الْحَاوِي الْجَوَازُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَهُوَ أَقْرَبُ وَكَتَبَ أَيْضًا أَمَّا الْتِقَافٌ فَلَا نَقْلَ فِيهِ وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ فِي حَالَةِ الْمُسَابَقَةِ وَقَدْ يَمْنَعُ خَشْيُهُ فَسَادَ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ د وَقَوْلُهُ وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا) جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً

بِعِوَضٍ (الْمَالَ) فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِهِ كَكَلْبٍ (وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا) كَالثَّمَنِ هَذَا مُكَرَّرٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْطِ التَّاسِعِ (وَأَنْ يَحْصُلَ كُلُّهُ وَأَكْثَرُهُ لِلسَّابِقِ فَإِنْ تَسَابَقَا وَالْمَالُ مِنْ غَيْرِهِمَا) مَثَلًا (وَجَعَلَهُ لِلسَّابِقِ) مِنْهُمَا (فَذَاكَ) ظَاهِرٌ (وَلَوْ جَعَلَ لِلثَّانِي) مِنْهُمَا (أَقَلَّ مِنْ الْأَوَّلِ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ يَسْعَى وَيَجْتَهِدُ فِي السَّبَقِ لِيَفُوزَ بِالْأَكْثَرِ (لَا) إنْ جَعَلَ لَهُ (مِثْلَهُ وَلَا أَكْثَرَ) مِنْهُ أَوْ جَعَلَهُ كُلَّهُ لَهُ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى فَلَا يَجُوزُ وَإِلَّا لَمْ يَجْتَهِدْ أَحَدٌ فِي السَّبَقِ فَيَفُوتُ الْمَقْصُودُ (وَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً) مَثَلًا (وَشَرَطَ الْمَالَ بَاذِلُهُ لِلْأَوَّلِ دُونَهُمْ) الْأَوْلَى دُونَ الْآخَرِينَ (جَازَ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَجْتَهِدُ فِي السَّبَقِ لِيَفُوزَ بِالْمَالِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ لِلثَّانِي أَقَلَّ مِنْ الْأَوَّلِ) حَتَّى لَوْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُفَضِّلَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ (فَلَوْ شَرَطَ لِلثَّانِي الْأَكْثَرَ) أَوْ الْكُلَّ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى (لَمْ يَجُزْ) لِمَا مَرَّ فِي الِاثْنَيْنِ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي الثَّانِي وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ (أَوْ) شَرَطَ لَهُ (كَالْأَوَّلِ) أَيْ مِثْلَهُ (جَازَ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَجْتَهِدُ هُنَا أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا أَوْ ثَانِيًا وَوَقَعَ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ عَدَمُ جَوَازِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَجْتَهِدْ أَحَدٌ فِي السَّبْقِ (وَيُمْنَعُ) الْبَاذِلُ لِلْمَالِ (الثَّالِثَ أَوْ يُنْقِصُهُ) عَنْ الثَّانِي فَلَا يَشْتَرِطُ لَهُ مِثْلَهُ وَلَا أَكْثَرَ مِنْهُ (فَلَوْ مَنَعَ الثَّانِيَ) وَشَرَطَ لِلْآخَرَيْنِ كَأَنْ شَرَطَ لِلْأَوَّلِ عَشَرَةً وَلِلثَّالِثِ تِسْعَةً (فَوَجْهَانِ) أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ الْمُسَمَّى بِالْفِسْكِلِ كَمَا يَأْتِي يَفْضُلُ مَنْ قَبْلَهُ وَأَصَحُّهُمَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْلِ هُنَا وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ آخِرَ الْبَابِ الْجَوَازُ وَيُقَامُ الثَّالِثُ مَقَامَ الثَّانِي وَكَأَنَّ الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ فَبُطْلَانُ الْمَشْرُوطِ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ لَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي ثَمَّ وَاعْلَمْ أَنَّ خَيْلَ السِّبَاقِ يُقَالُ لِلْجَائِي مِنْهَا أَوَّلًا السَّابِقُ وَالْمُجْلِي وَثَانِيًا الْمُصَلِّي وَثَالِثًا الْمُسَلِّي وَرَابِعًا التَّالِي وَخَامِسًا الْعَاطِفُ وَيُقَالُ الْبَارِعُ وَسَادِسًا الْمُرْتَاحُ وَسَابِعًا الْمُرَمِّلُ بِالرَّاءِ وَيُقَالُ الْمُؤَمِّلُ بِالْهَمْزِ وَثَامِنًا الْخَطِّيُّ وَتَاسِعًا اللَّطِيمُ وَعَاشِرًا السُّكَيْتُ مُخَفَّفًا كَالْكُمَيْتِ وَمُثْقَلًا أَيْضًا وَيُقَالُ لَهُ الْفِسْكِلُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْكَافِ وَيُقَالُ بِضَمِّهِمَا وَقِيلَ فِيهِمَا غَيْرُ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ حَادِيَ عَشَرَ سَمَّاهُ الْمُقَرْدِحَ وَالْفُقَهَاءُ قَدْ يُطْلِقُونَهَا عَلَى رِكَابِ الْخَيْلِ

(فَرْعٌ) لَوْ (قَالَ) وَاحِدٌ (مَنْ سَبَقَ) مِنْ هَؤُلَاءِ (فَلَهُ كَذَا فَجَاءُوا مَعًا وَتَأَخَّرَ وَاحِدٌ) مِنْهُمْ (اسْتَحَقُّوهُ دُونَهُ) فَإِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (أَوْ قَالَ لِلْأَوَّلِ دِينَارٌ وَلِلثَّانِي نِصْفٌ) مِنْ دِينَارٍ (فَسَبَقَ وَاحِدٌ وَجَاءَ الْبَاقُونَ مَعًا أَخَذَ) أَيْ الْوَاحِدُ (الدِّينَارَ وَأَخَذُوا) أَيْ الْبَاقُونَ (النِّصْفَ) ، وَإِنْ جَاءُوا مَعًا فَلَا شَيْءَ لَهُمْ (وَإِنْ سَبَقَ ثَلَاثَةٌ) مِنْهُمْ بِأَنْ جَاءُوا مَعًا (وَتَأَخَّرَ وَاحِدٌ فَلِلثَّلَاثَةِ دِينَارٌ وَلِلْوَاحِدِ نِصْفٌ) التَّصْرِيحُ بِهَذِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ (أَوْ) قَالَ (كُلُّ مَنْ سَبَقَ فَلَهُ دِينَارٌ فَسَبَقَ ثَلَاثَةٌ فَلِكُلٍّ) مِنْهُمْ (دِينَارٌ)

الشَّرْطُ (الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُحَلِّلٌ) إذَا شَرَطَ كُلٌّ مِنْهُمْ الْغُنْمَ وَالْغُرْمَ وَسُمِّيَ مُحَلِّلًا؛ لِأَنَّهُ يُحَلِّلُ الْعَقْدَ وَيُخْرِجُهُ عَنْ صُورَةِ الْقِمَارِ الْمُحَرَّمِ (فَإِنْ أَخْرَجَ الْمَالَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ اثْنَيْنِ (وَشَرَطَهُ لِلسَّابِقِ مِنْهُمَا جَازَ) لِانْتِفَاءِ صُورَةِ الْقِمَارِ (وَإِنْ أَخْرَجَاهُ مَعًا عَلَى أَنَّ السَّابِقَ) مِنْهُمَا (يَأْخُذُ الْمَالَيْنِ لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَغْنَمَ وَأَنْ يَغْرَمَ، وَهُوَ عَلَى صُورَةِ الْقِمَارِ (إلَّا بِمُحَلِّلٍ مُكَافِئٍ) فَرَسُهُ (لِفَرَسَيْهِمَا يَغْنَمُ إنْ سَبَقَ وَلَا يَغْرَمُ) إنْ سُبِقَ فَيَجُوزُ لِخُرُوجِهِ بِذَلِكَ عَنْ صُورَةِ الْقِمَارِ وَلِخَبَرِ «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، وَقَدْ أُمِنَ أَنْ يَسْبِقَهُمَا فَهُوَ قِمَارٌ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَسْبِقَهُمَا فَلَيْسَ بِقِمَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَ الْحَاكِمُ إسْنَادَهُ وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ الثَّالِثَ لَا يَسْبِقُ يَكُونُ قِمَارًا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا الثَّالِثُ فَأَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ قِمَارًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَرَسُهُ مُكَافِئًا لِفَرَسَيْهِمَا بِأَنْ كَانَ ضَعِيفًا يُقْطَعُ بِتَخَلُّفِهِ أَوْ فَارِهًا يُقْطَعُ بِتَقَدُّمِهِ لَمْ يَجُزْ لِوُجُودِ صُورَةِ الْقِمَارِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَعْدُومِ، وَسَيَأْتِي هَذَا مَعَ زِيَادَةٍ فِي الشَّرْطِ الْخَامِسِ أَيْضًا وَذِكْرُهُ هُنَا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَإِنْ شَرَطَ لِلْمُحَلِّلِ الْكُلَّ إنْ سَبَقَ) الْمُتَسَابِقَيْنِ (وَأَنَّ السَّابِقَ مِنْهُمَا يَأْخُذُ مَالَهُ فَقَطْ جَازَ) بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ شَرَطَ لِلْمُحَلِّلِ الْكُلَّ وَأَنَّ السَّابِقَ مِنْهُمَا يَأْخُذُهُ جَازَ أَيْضًا كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُهُ السَّابِقُ (وَالسَّابِقُ يُطْلَقُ عَلَى) السَّابِقِ (الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (فَلَوْ جَاءَ الْمُحَلِّلُ أَوَّلًا ثُمَّ أَحَدُهُمَا ثُمَّ الثَّالِثُ أَخَذَ الْمُحَلِّلُ الْجَمِيعَ، وَإِنْ جَاءَ أَحَدُهُمَا مَعَ الْمُحَلِّلِ أَحْرَزَ مَالَهُ ثُمَّ يُشَارِكُ الْمُحَلِّلَ) فِيمَا أَخْرَجَهُ الْآخَرُ (فَلَوْ تَوَسَّطَ الْمُحَلِّلُ) بَيْنَهُمَا (حَازَ الْأَوَّلُ الْجَمِيعَ) ؛ لِأَنَّهُ السَّابِقُ (فَإِنْ سَبَقَاهُ وَجَاءَا مَعًا أَحْرَزَا مَالَهُمَا) أَيْ أَحْرَزَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَالَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْآخَرِ (وَيَجُوزُ مُحَلِّلَانِ فَأَكْثَرُ) فَلَوْ تَسَابَقَ اثْنَانِ وَمُحَلِّلَانِ فَسَبَقَ مُحَلِّلٌ ثُمَّ مُتَسَابِقٌ ثُمَّ الْمُحَلِّلُ الثَّانِي ثُمَّ الْمُتَسَابِقُ الثَّانِي أَوْ جَاءَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ مُحَلِّلٌ ثُمَّ الْمُحَلِّلُ الْآخَرُ فَالْجَمِيعُ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي الثَّانِي) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ قَالَ شَيْخُنَا أَيْ أَنَّ مَحَلَّ الْبُطْلَانِ فِي مَسْأَلَةِ الثَّلَاثَةِ فِيمَا إذَا شَرَطَ لِلثَّانِي الْكُلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِي وَحْدَهُ دُونَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فَيَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا بِالنِّسْبَةِ لَهُمَا وَكَأَنَّ الْعَقْدَ جَرَى بَيْنَهُمَا مِنْ الِابْتِدَاءِ وَالثَّانِي عُدِمَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ (قَوْلُهُ وَوَقَعَ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ عَدَمُ جَوَازِ ذَلِكَ) قَالَ شَيْخُنَا ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ وَأَصَحُّهُمَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْلِ إلَخْ) هُوَ الْأَصَحُّ

[فَرْعٌ قَالَ وَاحِدٌ مَنْ سَبَقَ مِنْ هَؤُلَاءِ فَلَهُ كَذَا فَجَاءُوا مَعًا وَتَأَخَّرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ]

(قَوْلُهُ لَوْ قَالَ مَنْ سَبَقَ فَلَهُ كَذَا) كَأَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ مَنْ سَبَقَ فَلَهُ كَذَا فِي بَيْتِ الْمَالِ كَذَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَمَحَلُّهُ مَالُ الْمَصَالِحِ فَأَمَّا غَيْرُ مَالِ الْمَصَالِحِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ قَالَ فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يُعْتَبَرُ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ أَوْ يَكْتَفِيَ بِالْإِطْلَاقِ وَيَنْزِلُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ قُلْنَا الْأَرْجَحُ اعْتِبَارُ التَّقْيِيدِ وَقَوْلُهُ وَمَحَلُّهُ مَالُ الْمَصَالِحِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ أَوْ يَكْتَفِيَ بِالْإِطْلَاقِ

(قَوْلُهُ لِانْتِفَاءِ صُورَةِ الْقِمَارِ) فَإِنَّ الْمُخْرِجَ حَرِيصٌ عَلَى أَنْ يَسْبِقَ كَيْ لَا يَغْرَمَ وَالْآخَرُ حَرِيصٌ عَلَيْهِ لِيَأْخُذَ

لِلسَّابِقِ الْأَوَّلِ الشَّرْطُ

(الْخَامِسُ إمْكَانُ سَبْقِ كُلٍّ) مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ وَالْمُحَلِّلِ (فَلَوْ نَدَرَ الْإِمْكَانَ لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ التَّسَابُقِ تُوقِعُ سَبْقَ كُلٍّ لِيَسْعَى فَيَتَعَلَّمُ أَوْ يُتَعَلَّمُ مِنْهُ فَلَا يَكْفِي الِاحْتِمَالُ النَّادِرُ كَذَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ (وَقَالَ الْإِمَامُ: لَوْ أَخْرَجَ الْمَالَ مَنْ يُقْطَعُ بِتَخَلُّفِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَاذِلِ جُعْلًا) فِي نَحْوِ قَوْلِهِ لِغَيْرِهِ ارْمِ كَذَا فَإِنْ أَصَبْت مِنْهُ كَذَا فَلَكَ هَذَا الْمَالُ وَكَذَا لَوْ أَخْرَجَهُ مَنْ يُقْطَعُ بِسَبْقِهِ وَهَذِهِ مُسَابِقَةٌ بِلَا مَالٍ (وَلَوْ أَخْرَجَاهُ مَعًا وَلَا مُحَلِّلَ وَأَحَدُهُمَا يُقْطَعُ بِسَبْقِهِ فَالسَّابِقُ مُحَلِّلٌ) أَيْ كَالْمُحَلِّلِ (لِأَنَّهُ لَا يَغْرَمُ) شَيْئًا وَشَرْطُ الْمَالِ مِنْ جِهَتِهِ لَغْوٌ (وَهُوَ) أَيْ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ حَسَنٌ (وَلَوْ اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ) الْأَوْلَى النَّوْعُ (كَعَتِيقٍ وَهَجِينٍ) مِنْ الْخَيْلِ (وَنَجِيبٍ وَبُخْتِيٍّ) مِنْ الْإِبِلِ (جَازَ) السِّبَاقُ عَلَيْهِمَا إذَا لَمْ يَنْدُرْ سَبْقُ أَحَدِهِمَا (كَمَا فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ وَأُلْحِقَ بِهِمَا حِمَارٌ وَبَغْلٌ) لِتَقَارُبِهِمَا (لَا) إنْ اخْتَلَفَ (الْجِنْسَانِ) الْأَوْلَى الْجِنْسُ (كَفَرَسٍ وَبَعِيرٍ) أَوْ فَرَسٍ وَحِمَارٍ (وَلَوْ أَمْكَنَ سَبْقُ كُلٍّ) مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ وَالْحِمَارَ لَا يُلْحِقَانِ الْفَرَسَ غَالِبًا الشَّرْطُ

(السَّادِسُ تَعْيِينُ الْمَرْكُوبَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ سَيْرِهِمَا، وَهُوَ يَقْتَضِي التَّعْيِينَ (وَلَوْ) كَانَ تَعْيِينُهُمَا (بِالْوَصْفِ) كَمَا فِي الرِّبَا وَالسَّلَمِ (وَيَنْفَسِخُ) الْعَقْدُ (بِمَوْتِ الْمُشَارِ إلَيْهِ) كَالْأَجِيرِ الْمُعَيَّنِ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ اخْتِيَارُهُ (لَا) بِمَوْتِ (الْمَوْصُوفِ) كَالْأَجِيرِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَرْكُوبَيْنِ يَتَعَيَّنَانِ بِالتَّعَيُّنِ لَا بِالْوَصْفِ فَلَا يَجُوزُ إبْدَالُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْأَوَّلِ وَيَجُوزُ فِي الثَّانِي وَفِي مَعْنَى الْمَوْتِ الْعَمَى وَذَهَابُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ

(السَّابِعُ أَنْ يَرْكَبَا) الْمَرْكُوبَيْنِ (لِلْمُسَابَقَةِ وَلَا يُرْسِلَا) هُمَا فَلَوْ شَرَطَا إرْسَالَهُمَا لِيَجْرِيَا بِأَنْفُسِهِمَا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمَا يَنْفِرَانِ بِهِ وَلَا يَقْصِدَانِ الْغَايَةَ بِخِلَافِ الطُّيُورِ إذَا جَوَّزْنَا الْمُسَابَقَةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ لَهَا هِدَايَةً إلَى قَصْدِ الْغَايَةِ

(الثَّامِنُ أَنْ لَا تَقْطَعَهُمَا) أَيْ الْمَرْكُوبَيْنِ (الْمَسَافَةَ) فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُهُمَا قَطْعُهَا بِلَا انْقِطَاعٍ وَتَعَبٍ وَإِلَّا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ

(التَّاسِعُ كَوْنُ الْمَالِ) عَيْنًا أَوْ دَيْنًا (مَعْلُومًا كَالْأُجْرَةِ) فَلَوْ شَرَطَا مَالًا مَجْهُولًا كَثَوْبٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ أَوْ دِينَارٍ إلَّا ثَوْبًا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ (فَإِنْ كَانَ) لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (مَالٌ فِي الذِّمَّةِ وَجَعَلَاهُ عِوَضًا) بِأَنْ قَالَ لَهُ: إنْ سَبَقْتنِي فَلَكَ عَلَيَّ الدَّيْنُ الَّذِي لِي عَلَيْك (فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ) فَيَجُوزُ (وَلِلْأَجْنَبِيِّ) إذَا أَخْرَجَ الْمَالَ (أَنْ يَشْرِطَ لِأَحَدِهِمَا إذَا سَبَقَ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ) وَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ إذَا سَبَقَ مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا (وَإِنْ أَخْرَجَهُ الْمُتَسَابِقَانِ فَلِأَحَدِهِمَا إخْرَاجُ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ) وَلَا بُدَّ مِنْ مُحَلِّلٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ اشْتِرَاطُ إطْلَاقِ التَّصَرُّفِ فِي مَخْرَجِ الْمَالِ دُونَ الْآخَرِ وَالْأَرْجَحُ اعْتِبَارُ إسْلَامِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ انْتَهَى.
وَفِي الثَّانِي وَقْفَةٌ

(الْعَاشِرُ اجْتِنَابُ شَرْطٍ مُفْسِدٍ فَإِنْ قَالَ إنْ سَبَقْتنِي فَلَكَ هَذَا الدِّينَارُ وَلَا أَرْمِي) أَوْ لَا أُسَابِقُك (بَعْدَهَا أَوْ لَا أُسَابِقُك إلَى شَهْرٍ بَطَلَ الْعَقْدُ) كَمَا لَوْ بَاعَهُ شَيْئًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ؛ وَلِأَنَّهُ شَرْطُ تَرْكِ قُرْبَةٍ مَرْغُوبٍ فِيهَا فَفَسَدَ وَأَفْسَدَ الْعَقْدَ (وَكَذَا) يَبْطُلُ (لَوْ شَرَطَ) عَلَى السَّابِقِ (أَنْ يُطْعِمَهُ) أَيْ الْمَالَ (أَصْحَابَهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِشَرْطٍ يَمْنَعُ كَمَالَ التَّصَرُّفِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ شَيْئًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ

[فَصْلٌ الْمُعْتَبَرُ فِي السَّبَقِ]

(فَصْلٌ اعْتِبَارُ السَّبَقِ فِي الْخَيْلِ) وَنَحْوِهَا (بِالْعُنُقِ) وَيُسَمَّى الْهَادِيَ (وَ) فِي (الْإِبِلِ) وَنَحْوِهَا (بِالْكَتَدِ) بِفَتْحِ التَّاءِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا، وَهُوَ مَجْمَعُ الْكَتِفَيْنِ بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالظَّهْرِ وَيُسَمَّى الْكَاهِلَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخَيْلَ تَمُدُّ أَعْنَاقَهَا فِي الْعَدْوِ بِخِلَافِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا تَرْفَعُهَا فِيهِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا فَالْمُتَقَدِّمُ بِبَعْضِ الْعُنُقِ أَوْ الْكَتَدِ سَابِقٌ (فَإِنْ طَالَ عُنُقُ السَّابِقِ مِنْ الْفَرَسَيْنِ اُعْتُبِرَ) فِي السَّبَقِ (زِيَادَةٌ) مِنْهُ (عَلَى قَدْرِ الْآخَرِ)

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَقَالَ الْإِمَامُ) أَيْ كَالشَّرْحِ الصَّغِيرِ لَوْ أَخْرَجَ الْمَالَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ، وَهُوَ) أَيْ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ حَسَنٌ تَعَقَّبَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهُ إذَا قَطَعَ بِتَخَلُّفِ الْمُخْرِجِ لِلْمَالِ أَوْ بِسَبَقِ الْمُحَلِّلِ لَمْ تَظْهَرْ الْفُرُوسِيَّةُ الْمَقْصُودَةُ بِالْعَقْدِ فَيَبْطُلُ وَلَيْسَ كَقَوْلِهِ إنْ أَصَبْت كَذَا فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَحْرِيضًا لَهُ عَلَى الْإِصَابَةِ قَالَ فِي الْأَظْهَرِ عِنْدَنَا مَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ قَالَ شَيْخُنَا مَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ هُوَ الْأَوْجَهُ

(قَوْلُهُ السَّادِسُ تَعْيِينُ الْمَرْكُوبَيْنِ) أَيْ وَالرَّاكِبَيْنِ (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ تَعْيِينُهُمَا بِالْوَصْفِ) بِخِلَافِ وَصْفِ الْفَارِسَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي

(قَوْلُهُ وَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ اشْتِرَاطُ إطْلَاقِ التَّصَرُّفِ إلَخْ) ، وَهُوَ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ دُونَ الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ إمَّا آخِذًا لِلْمَالِ وَإِمَّا غَيْرَ غَارِمٍ (قَوْلُهُ وَالْأَرْجَحُ اعْتِبَارُ إسْلَامِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ) هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ أُبِيحَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَتَقَوَّوْا عَلَى جِهَادِ الْكُفَّارِ (قَوْلُهُ التَّاسِعُ كَوْنُ الْمَالِ مَعْلُومًا) أَيْ جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ) هُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَالْأَرْجَحُ اعْتِبَارُ إسْلَامِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ

(قَوْلُهُ اعْتِبَارُ السَّبَقِ فِي الْخَيْلِ إلَخْ) قَالَ الكوهكيلوني لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ السَّبَقَ فِي غَيْرِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ بِمَاذَا قُلْت السَّبَقُ بِعُنُقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَبِعُنُقِ الْفِيلِ أَوْ بِكَتِفِهِ وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ بِكَتَدِ الْإِبِلِ وَعُنُقِ غَيْرِهَا كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ، وَهُوَ مَجْمَعُ الْكَتِفَيْنِ إلَخْ) فِي مَوْضِعِ السَّنَامِ مِنْ الْإِبِلِ هَذَا أَحَدُ تَأْوِيلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ ثَانِيهِمَا أَنَّهُ الْكَتِفُ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ تَأْوِيلَيْنِ أَحَدَهُمَا الْكَتِفُ وَالثَّانِيَ مَا بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالظَّهْرِ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْكَتِفَيْنِ فِي مَوْضِعِ السَّنَامِ مِنْ الْإِبِلِ (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخَيْلَ تَمُدُّ أَعْنَاقَهَا إلَخْ) اقْتَضَى أَنَّ الْخَيْلَ لَوْ كَانَتْ تَرْفَعُهَا اُعْتُبِرَ فِيهَا الْكَتَدُ وَقَدْ جَزَمَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَنَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ التَّصْرِيحَ بِهِ عَنْ الْفُورَانِيِّ وَالْجُرْجَانِيِّ وَاعْتَمَدَاهُ فَجَعْلُ الشَّيْخَيْنِ ذَلِكَ وَجْهًا ضَعِيفًا عَجِيبٌ وَقَوْلُهُ اُعْتُبِرَ فِيهَا بِالْكَتَدِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ اُعْتُبِرَ زِيَادَةٌ عَلَى قَدْرِ الْآخَرِ) فَإِنْ تَقَدَّمَ بِزِيَادَةِ الْخِلْقَةِ فَمَا دُونَهَا فَلَيْسَ بِسَابِقٍ، وَإِنْ تَقَدَّمَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا فَهُوَ سَابِقٌ أَمَّا إذَا تَقَدَّمَ الَّذِي هُوَ أَقْصَرُ عُنُقًا فَهُوَ السَّابِقُ وَالْمُتَّجَهُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَلَوْ شَرَطَا لِلسَّبَقِ التَّقَدُّمَ بِشَيْءٍ تَعَيَّنَ مَا شَرْطَاهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ

(فَرْعٌ) لَوْ (سَبَقَ أَحَدُهُمَا) عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَسَطَ (الْمَيْدَانِ وَالثَّانِي آخِرَهُ فَالسَّابِقُ الثَّانِي) ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِآخِرِهِ (وَإِنْ عَثَرَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الْمَرْكُوبَيْنِ (أَوْ وَقَفَ) بَعْدَ مَا جَرَى (لِمَرَضٍ) أَوْ نَحْوِهِ (فَسُبِقَ فَلَا سَبْقٌ أَوْ) وَقَفَ (بِلَا عِلَّةٍ فَمَسْبُوقٌ لَا) إنْ وَقَفَ (قَبْلَ أَنْ يَجْرِيَ) فَلَيْسَ مَسْبُوقًا سَوَاءٌ أَوَقَفَ لِمَرَضٍ أَمْ غَيْرِهِ

(وَلَوْ شَرَطَا السَّبَقَ) بِفَتْحِ الْبَاءِ لِمَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا (بِأَذْرُعٍ مَعْلُومَةٍ) بَيْنَهُمَا عَلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ (جَازَ) وَالْغَايَةُ فِي الْحَقِيقَةِ نِهَايَةُ الْأَذْرُعِ الْمَشْرُوطَةِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَكِنَّهُ شَرَطَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ تَخَلُّفَ الْآخَرِ عَنْهَا بِالْقَدْرِ الْمَذْكُورِ (وَلِيَجْرِيَا) أَيْ الْمُتَسَابِقَانِ بِالْمَرْكُوبَيْنِ (فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَعْدَ التَّسَاوِي فِي الْأَقْدَامِ) بِالْمَوْقِفِ وَالتَّصْرِيحُ بِاعْتِبَارِ التَّسَاوِي فِي ذَلِكَ مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا وَفِي تَعْبِيرِهِ كَغَيْرِهِ بِالْأَقْدَامِ تَجَوُّزٌ فَلَوْ عَبَّرَ بِالْقَوَائِمِ كَانَ أَوْلَى (وَيُسْتَحَبُّ جَعْلُ قَصَبَةٍ فِي الْغَايَةِ يَأْخُذُهَا) عِبَارَةُ الْأَصْلِ يَقْطَعُهَا (السَّابِقُ) لِيَظْهَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ سَبْقُهُ

[الطَّرَفُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْمُسَابَقَةِ]

(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِهَا) أَيْ الْمُسَابَقَةِ (عَقْدُهَا لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ) بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَقْدٌ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ (وَاللُّزُومُ فِي حَقِّ مُخْرِجِ الْمَالِ) وَلَوْ غَيْرَ الْمُتَسَابِقَيْنِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ مَنْ لَمْ يُخْرِجْهُ مُحَلِّلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ فَلَا لُزُومَ فِي الْمُسَابَقَةِ بِلَا عِوَضٍ وَلِمَنْ كَانَ الْعَقْدُ فِي حَقِّهِ جَائِزًا فَسْخُهُ وَلَوْ بِلَا عَيْبٍ دُونَ مَنْ كَانَ فِي حَقِّهِ لَازِمًا فَلَا يُفْسَخُ إلَّا بِسَبَبٍ كَمَا قَالَ (وَيُفْسَخُ بِعَيْبٍ) ظَهَرَ (فِي الْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ) كَمَا فِي الْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا أَوْ بِمُوَافَقَةِ الْآخَرِ لَهُ عَلَى الْفَسْخِ وَلَا يَتْرُكُ الْعَمَلَ إلَّا إنْ سَبَقَ وَامْتَنَعَ لُحُوقُ الْآخَرِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَلَهُ تَرْكُهُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَصْلُ

(وَيُشْتَرَطُ) فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ (الْقَبُولُ بِالْقَوْلِ إنْ سَبَّقَ أَحَدُهُمَا) بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ أَيْ أَخْرَجَ السَّبَقَ بِفَتْحِهَا وَظَاهِرُ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ فِيمَا لَوْ سَبَّقَا مَعًا فَلَوْ تَرَكَ التَّقْيِيدَ كَانَ أَوْلَى وَعِبَارَةُ الْأَنْوَارِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ لَفْظًا

(وَلَا يُكَلَّفُ الْمُسَبِّقُ) بِفَتْحِ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا (الْبُدَاءَةُ بِالتَّسْلِيمِ) لِلْمَالِ (بِخِلَافِ الْأُجْرَةِ) تُسَلَّمُ لِلْمُكْرِي بِالْعَقْدِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّ فِي الْمُسَابَقَةِ خَطَرًا فَيَبْدَأُ فِيهَا بِالْعَمَلِ

(وَيَصِحُّ ضَمَانُ السَّبَقِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ (وَالرَّهْنُ بِهِ) وَلَوْ قَبْلَ الْعَمَلِ إنْ كَانَ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ كَالْأُجْرَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُعَيَّنًا نَعَمْ يَجُوزُ لِلْكَفِيلِ الْتِزَامُ تَسْلِيمِهِ كَمَا فِي كَفَالَةِ الْبَدَنِ (وَإِنْ كَانَ) الْعِوَضُ عَيْنًا لَزِمَ الْمُسَبِّقَ تَسْلِيمُهَا فَإِنْ امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ وَحَبَسَهُ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَ) إنْ (تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بَعْدَ) فَرَاغِ (الْعَمَلِ ضُمِنَتْ) عَلَيْهِ كَالْمَبِيعِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ (أَوْ قَبْلَهُ انْفَسَخَ الْعَقْدُ) كَالْمَبِيعِ الْمَذْكُورِ (لَا إنْ مَرِضَتْ) يَعْنِي تَعَيَّبَتْ بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ (بَلْ يُنْتَظَرُ زَوَالُهُ) أَيْ الْعَيْبِ كَالْمَبِيعِ وَيَنْبَغِي فِيهِ ثُبُوتُ الْخِيَارِ

(وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا وَعَقَدَ الْمُسَابَقَةَ بِعَشَرَةٍ) مَثَلًا (فَجَمْعُ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ) فِي صَفْقَةٍ فَيَصِحُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُسَابَقَةَ لَازِمَةٌ (وَإِنْ بَانَ الْعَقْدُ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ (فَاسِدًا فَلِلسَّابِقِ) الْمَشْرُوطُ لَهُ الْمَالُ عَلَى الْمُلْتَزِمِ (أُجْرَةُ الْمِثْلِ) كَالْإِجَارَةِ وَالْقِرَاضِ الْفَاسِدَيْنِ (وَهِيَ مَا يُتَسَابَقُ بِمِثْلِهِ فِي) مِثْلِ (تِلْكَ الْمَسَافَةِ) غَالِبًا (فَلَوْ فَسَدَ عِوَضُ) السَّابِقِ (الْأَوَّلِ) مَثَلًا (اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَلَمْ يَبْطُلْ مُسَمَّى مَنْ بَعْدَهُ) وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ الْمَشْرُوطِ لَهُ زَائِدًا عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ إنَّمَا وَقَعَ فِيمَا يُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ بِهِ

[الْبَابُ الثَّانِي فِي الرَّمْيِ]

[الطَّرَف الْأَوَّلُ فِي شُرُوطِ الرَّمْيِ]

(الْبَابُ الثَّانِي فِي الرَّمْيِ وَفِيهِ طَرَفَانِ) (الْأَوَّلُ فِي شُرُوطِهِ، وَهِيَ سِتَّةٌ الْأَوَّلُ الْمُحَلِّلُ كَمَا) مَرَّ بَيَانُهُ (فِي السَّبَقِ وَالْحِزْبَانِ) فِي ذَلِكَ (كَالشَّخْصَيْنِ) فَإِنْ أَخْرَجَ الْمَالَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَجْنَبِيٌّ جَازَ، وَإِنْ أَخْرَجَاهُ اُشْتُرِطَ مُحَلِّلٌ إمَّا وَاحِدٌ أَوْ حِزْبٌ (وَالْمُحَلِّلُ) يَكُونُ (مِنْ غَيْرِهِمَا) هَذَا مَعْلُومٌ مِنْ التَّشْبِيهِ الْمَذْكُورِ (وَلَوْ أَخْرَجَهُ الْحِزْبَانِ عَلَى أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ أَحَدِهِمَا (إذَا غَنِمَ حِزْبُهُ يَغْنَمُ مَعَهُمْ وَلَا يَغْرَمُ) شَيْئًا (إذَا غَرِمُوا أَوْ اشْتَمَلَ كُلُّ حِزْبٍ) مِنْهُمَا (عَلَى مُحَلِّلٍ هَكَذَا) أَيْ عَلَى هَذَا التَّصْوِيرِ (لَمْ يَجُزْ إذْ شَرْطُ الْمُحَلِّلِ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ أَصْحَابُهُ) فِي الْمَالِ وَهُنَا يُشَارِكُونَهُ فِيهِ (فَإِنْ شَرَطَ كُلٌّ مِنْهُمْ) الْأُولَى مِنْهُمَا أَيْ مِنْ الْحِزْبَيْنِ (الْمَالَ) كُلَّهُ (لِمُحَلِّلِهِمْ إنْ غَلَبُوا لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فَائِزًا لِغَيْرِهِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَكَذَا لَوْ شَرَطَهُ أَحَدُهُمَا الشَّرْطُ

(الثَّانِي اتِّحَادُ الْجِنْسِ) لِآلَاتِ الرَّمْيِ (فَلَوْ كَانَتْ سِهَامًا وَمَزَارِيقَ لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ كَمَا فِي الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْخَيْلِ مَعَ الْإِبِلِ (وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ نَوْعٍ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ عَقْدُهَا لَازِمٌ) مِثْلُهُ عَقْدُ الْمُنَاضَلَةِ

(قَوْلُهُ وَيَصِحُّ ضَمَانُ السَّبَقِ وَالرَّهْنِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا إلَخْ) قَالَ الْفَتِيُّ هَذَا الِاخْتِصَارُ لِكَلَامِ الرَّوْضَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَخَّصْت كَلَامَ الرَّوْضَةِ وَقُلْت وَيَصِحُّ ضَمَانُ السَّبَقِ وَالرَّهْنِ بِهِ فَإِنْ كَانَ عَيْنًا لَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا وَيُجْبَرُ وَيُحْبَسُ إنْ امْتَنَعَ وَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْعَمَلِ ضُمِنَتْ فَلْتُصَلَّحْ النُّسَخُ هَكَذَا (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي ثُبُوتُ الْخِيَارِ) قَدْ شَمِلَهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ وَيَنْفَسِخُ بِعَيْبٍ فِي الْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ

(الْبَابُ الثَّانِي فِي الرَّمْيِ) (قَوْلُهُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَكَذَا لَوْ شَرَطَهُ أَحَدُهُمَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

كَالْقَوْسِ الْعَرَبِيِّ مَعَ) الْقَوْسِ (الْفَارِسِيِّ وَكَالنَّبْلِ) وَهُوَ مَا يُرْمَى بِهِ عَنْ الْقَوْسِ الْعَرَبِيَّةِ (مَعَ النُّشَّابِ) ، وَهُوَ مَا يُرْمَى بِهِ عَنْ الْفَارِسِيَّةِ كَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْإِبِلِ وَالْخَيْلِ (وَمِنْ النَّوْعِ) أَيْ أَنْوَاعِ الْقِسِيِّ (قَوْسُ الْحُسْبَانِ) وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِي الْوَصَايَا (ثُمَّ إنْ عَيَّنَا) أَيْ الْمُتَنَاضَلَانِ (نَوْعًا) مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا (تَعَيَّنَ وَلَمْ يُبَدَّلْ فَإِنْ أُبْدِلَ) وَلَوْ (بِدُونِ الشَّرْطِ) كَمَا إذَا عَيَّنَا الْفَارِسِيَّةَ فَأُبْدِلَتْ بِالْعَرَبِيَّةِ (لَمْ يَجُزْ إلَّا بِرِضَا الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ اسْتِعْمَالُهُ لِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ وَرَمْيُهُ بِهِ أَجْوَدَ (وَإِنْ عَيَّنَا قَوْسًا أَوْ سَهْمًا لَمْ يَتَعَيَّنْ وَجَازَ إبْدَالُهُ) بِمِثْلِهِ (مِنْ نَوْعِهِ) ، وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ خَلَلٌ يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَهُ (بِخِلَافِ الْفَرَسِ) الْمُعَيَّنِ لَا يُبَدَّلُ بِغَيْرِهِ كَمَا مَرَّ (وَلَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُبَدَّلَ فَسَدَ الْعَقْدُ) لِفَسَادِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الرَّامِي قَدْ تَعْرِضُ لَهُ أَحْوَالٌ خَفِيَّةٌ تَحُوجُهُ إلَى الْإِبْدَالِ وَفِي مَنْعِهِ مِنْهُ تَضْيِيقٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَأَشْبَهَ تَعْيِينَ الْمِكْيَالِ فِي السَّلَمِ (وَلَوْ أَطْلَقَا) الْعَقْدَ (وَلَمْ يُعَيِّنَا نَوْعًا جَازَ) ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ نَوْعٌ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَرَامَوْنَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الرَّامِي (وَفَسَخَا) عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَفُسِخَ الْعَقْدُ فِي هَذِهِ (إنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى نَوْعٍ أَوْ) عَلَى (نَوْعَيْنِ لِكُلٍّ) مِنْهُمَا (نَوْعٌ) بِأَنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا نَوْعًا وَالْآخَرُ آخَرَ وَأَصَرَّا عَلَى الْمُنَازَعَةِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ جَازَ كَمَا فِي الِابْتِدَاءِ الشَّرْطُ

(الثَّالِثُ تَكَافُؤُهُمَا) أَيْ تَقَارُبُ الْمُتَنَاضَلَيْنِ فِي الْحَذْفِ بِحَيْثُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَاضِلًا وَمَنْضُولًا فَإِنْ تَفَاوَتَا فَكَانَ أَحَدُهُمَا مُصِيبًا فِي أَكْثَرِ رَمْيِهِ وَالْآخَرُ مُخْطِئًا فِي أَكْثَرِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ حَذْفَ النَّاضِلِ مَعْلُومٌ بِلَا نِضَالٍ فَأَخْذُهُ الْمَالَ كَأَخْذِهِ بِلَا نِضَالٍ وَقِيلَ يَجُوزُ وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يَمِيلُ إلَيْهِ (وَإِمْكَانُ الْإِصَابَةِ وَالْخَطَأِ فَيَبْطُلُ) الْعَقْدُ (إنْ امْتَنَعَتْ الْإِصَابَةُ) عَادَةً (لِصِغَرِ الْغَرَضِ) أَوْ بُعْدِ الْمَسَافَةِ أَوْ كَثْرَةِ الْإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ (وَ) ذَلِكَ مِثْلُ (إصَابَةِ عَشَرَةٍ مُتَوَالِيَةٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْضِي إلَى مَقْصُودِهِ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ بَذْلِ الْمَالِ الْحَثُّ عَلَى الْمُرَامَاةِ طَمَعًا فِي الْمَالِ وَالْمُمْتَنِعُ لَا يُسْعَى فِيهِ (وَكَذَا) يَبْطُلُ (لَوْ نَدَرَتْ) أَيْ الْإِصَابَةُ (كَإِصَابَةِ تِسْعَةٍ مِنْ عَشَرَةٍ) وَكَالتَّنَاضُلِ إلَى مَسَافَةٍ يَنْدُرُ فِيهَا الْإِصَابَةُ وَالتَّنَاضُلِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ قَدْ يَتَرَاءَى لَهُمَا لِبُعْدِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَالتَّمْثِيلُ الْمَذْكُورُ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَلَوْ تَيَقَّنَتْ) أَيْ الْإِصَابَةُ عَادَةً (كَإِصَابَةِ حَاذِقٍ وَاحِدًا مِنْ مِائَةٍ لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ خَطَرٌ لِيَتَأَنَّقَ الرَّامِي فِي الْإِصَابَةِ وَقِيلَ يَجُوزُ لِيَتَعَلَّمَ الرَّمْيَ بِمُشَاهَدَةِ رَمْيِهِ وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْبُلْقِينِيُّ الشَّرْطُ

(الرَّابِعُ الْإِعْلَامُ) بِأُمُورٍ يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ بِاخْتِلَافِهَا (فَيُبَيِّنَانِ عَدَدَ الْإِصَابَةِ كَخَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْإِصَابَةِ وَبِهَا يَتَبَيَّنُ حِذْقُ الرَّامِي وَجَوْدَةُ رَمْيِهِ (وَ) يُبَيِّنَانِ (صِفَتَهَا مِنْ الْقَرْعِ، وَهُوَ الْإِصَابَةُ) وَلَوْ بِلَا خَدْشٍ (وَالْخَزْقَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ (وَهُوَ أَنْ يَثْقُبَ) الْغَرَضَ (وَلَا يَثْبُتَ) فِيهِ بِأَنْ يَعُودَ أَوْ يَمْرُقَ (وَالْخَسْقَ، وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ) فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ كَافٍ فَلَا يَضُرُّ مَا فَوْقَهُ مَا دُونَهُ وَلَا يَضُرُّ سُقُوطُهُ بَعْدَ مَا ثَبَتَ كَمَا لَوْ نَزَعَ بِقِرْبَةٍ مَا سَيَأْتِي فِي الطَّرَفِ الثَّانِي (وَالْخُرْمَ، وَهُوَ أَنْ يَخْرِمَ طَرَفَ الْغَرَضِ وَالْمَرَقَ) بِالرَّاءِ (وَهُوَ أَنْ) يَثْقُبَهُ وَ (يَخْرُجَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَيَكْفِي الْإِطْلَاقُ) لِلْعَقْدِ (وَيَقْنَعُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا) فَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْهَا، وَإِنْ نَصَّ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا تَعَيَّنَ هُوَ أَوْ مَا فَوْقَهُ (وَأَمَّا الْمَسَافَةُ) الَّتِي يَرْمِيَانِ فِيهَا أَيْ بَيَانُهَا (وَبَيَانُ طُولِ الْغَرَضِ وَعَرْضِهِ وَارْتِفَاعِهِ مِنْ الْأَرْضِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) لِلرُّمَاةِ (عُرْفٌ) غَالِبٌ فِي ذَلِكَ (وَجَبَ بَيَانُهُ) ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ (وَإِلَّا فَلَا) يَجِبُ بَيَانُهُ بَلْ يُتَّبَعُ الْعُرْفُ فِيهِ كَمَوَاضِعِ النُّزُولِ بِالطَّرِيقِ وَالْمَغَالِيقِ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّارِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْغَرَضُ عَلَى هَدَفٍ أَمْ لَا وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ كَأَصْلِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ نَوْعِ مَا يَرْمِي بِهِ كَالْقَوْسِ الْعَرَبِيِّ وَالْفَارِسِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ نَوْعٌ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا هُنَا وَأَطْلَقَ أَيْضًا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ بَيَانُ عَدَدِ الرَّمْيِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَادَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَذَكَرَ فِي اشْتِرَاطِ الْبَادِئِ نَحْوَهُ وَهُمَا مُخَالِفَانِ لِكُلٍّ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ وَالْمُتَّجَهُ اسْتِوَاءُ الْجَمِيعِ فِي اعْتِبَارِ الْعَادَةِ أَوْ عَدَمِهَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ فِي الْأَخِيرَيْنِ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا بِخِلَافِ مَا يَرْمِي بِهِ، وَأَمَّا الْمَسَافَةُ التَّابِعُ لَهَا مَا ذَكَرَ مَعَهَا فَهِيَ شَبِيهَةٌ بِالْمَسَافَةِ الْمُسْتَأْجَرِ لِقَطْعِهَا بِسَيْرِ الدَّابَّةِ كَمَا تَقَرَّرَ (وَالْإِصَابَةُ) لِلْغَرَضِ (مُمْكِنَةٌ فِي مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا) رَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ قِيلَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ كَيْفَ كُنْتُمْ تُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ فَقَالَ إذَا كَانُوا عَلَى مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا قَاتَلْنَاهُمْ بِالنَّبْلِ وَإِذَا كَانُوا عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَاتَلْنَاهُمْ بِالْحِجَارَةِ وَإِذَا كَانُوا عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَاتَلْنَاهُمْ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ ثُمَّ إنْ عَيَّنَا نَوْعًا إلَخْ) فَلَوْ لَمْ يُعَيِّنَا نَوْعَهُ فَهَلْ يَقُومُ تَعْيِينُ الْقَوْسِ مَقَامَ تَعْيِينِ النَّوْعِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَمْ نَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَقُومُ هُنَا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ إذَا بَطَلَ الْخُصُوصُ بَقِيَ الْعُمُومُ إذْ لَا عُمُومَ فِي تَعْيِينِ الْقَوْسِ

(قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ حَذْفَ النَّاضِلِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يَمِيلُ إلَيْهِ) وَرَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ

(قَوْلُهُ، وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ بِتَفْسِيرٍ مُعْتَمَدٍ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ كَلَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْمَرْقَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَيَقَعَ مِنْهُ، وَبِهِ فَسَّرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَقَالَ: إنَّهُ مِنْ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمْيَةِ فَلَمْ يَبْقَ لِلْمَارِقِ فِي الدِّينِ عَلَقَةً كَمَا أَنَّ السَّهْمَ مَرَقَ مِنْ الرَّمْيَةِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا عَلَقَةٌ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ بَيَانُهُ) بَلْ يُتَّبَعُ الْعُرْفُ فِيهِ لَوْ كَانَتْ هُنَاكَ عَادَةً مَعْرُوفَةً وَلَكِنْ الْمُتَنَاضَلُونَ غُرَبَاءُ يَجْهَلُونَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ بَحْثًا قس وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَتَبَ أَيْضًا فِي الْأَنْوَارِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ غَرَضٌ مَعْلُومٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا يُرْمَى بِهِ) إذْ الِاعْتِمَادُ فِي الرَّمْيِ عَلَى الرَّامِي لَا عَلَى مَا يُرْمَى بِهِ (قَوْلُهُ فِي مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا) هَذَا الذِّرَاعُ لَمْ يُبَيِّنْهُ الْأَصْحَابُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذِرَاعُ الْيَدِ الْمُعْتَبَرِ فِي مَسَافَةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَفِي الْقُلَّتَيْنِ د وَقَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

بِالرِّمَاحِ وَإِذَا كَانُوا عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَاتَلْنَاهُمْ بِالسَّيْفِ (وَتَتَعَذَّرُ) الْإِصَابَةُ (بِمَا فَوْقَ ثَلَثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ) قَالَ الرَّافِعِيُّ وَرَوَوْا أَنَّهُ لَمْ يَرْمِ إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ إلَّا عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ (وَتَنْدُرُ) الْإِصَابَةُ (فِيمَا بَيْنَهُمَا)

(وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى الْبُعْدِ) أَيْ عَلَى أَنْ يَكُونَ السَّبَقُ لَا بَعْدَهُمَا رَمْيًا وَلَمْ يَقْصِدَا غَرَضًا (جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْأَبْعَادَ مَقْصُودٌ أَيْضًا فِي مُحَاصَرَةِ الْقِلَاعِ وَنَحْوِهَا وَحُصُولُ الْإِرْعَابِ وَامْتِحَانُ شِدَّةِ السَّاعِدِ وَتَخَالُفُ الْغَايَةِ فِي السِّبَاقِ بِالدَّابَّةِ لِإِفْضَاءِ طُولِ الْعَدُوِّ إلَى الْجَهْدِ (فَيُرَاعَى لِلْبُعْدِ اسْتِوَاؤُهُمَا) أَيْ الْمُتَنَاضَلَيْنِ (فِي شِدَّةِ الْقَوْسِ وَرَزَانَةِ السَّهْمِ) وَخِفَّتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ تَأْثِيرًا عَظِيمًا (وَالْهَدَفُ مَا يُرْفَعُ) مِنْ حَائِطٍ يُبْنَى أَوْ تُرَابٍ يُجْمَعُ أَوْ نَحْوِهِ (وَيُوضَعُ عَلَيْهِ الْغَرَضُ وَالْغَرَضُ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ (شَنٌّ) أَيْ جِلْدٌ بَالٍ (أَوْ قِرْطَاسٌ أَوْ خَشَبٌ) وَقِيلَ كُلُّ مَا نُصِبَ فِي الْهَدَفِ فَقِرْطَاسٌ كَاغِدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَمَا عَلِقَ فِي الْهَوَاءِ فَغَرَضٌ (وَالرُّقْعَةُ عَظْمٌ وَنَحْوُهُ) يُجْعَلُ (وَسَطَ الْغَرَضِ وَالدَّارَةُ نَقْشٌ مُسْتَدِيرٌ) كَالْقَمَرِ قَبْلَ اسْتِكْمَالِهِ قَدْ يُجْعَلُ بَدَلَ الرُّقْعَةِ (فِي وَسَطِ الْغَرَضِ وَالْخَاتَمُ نَقْشٌ) يُجْعَلُ (فِي وَسَطِهَا) أَيْ الدَّارَةِ (فَيُبَيِّنَانِ الْإِصَابَةَ) أَيْ مَوْضِعَهَا أَهُوَ (فِي الْغَرَضِ أَوْ الْهَدَفِ أَوْ الدَّارَةِ) أَوْ الْخَاتَمِ وَقَدْ يُقَالُ لَهُ الْحَلْقَةُ وَالرُّقْعَةُ وَقَدْ تَجْعَلُ الْعَرَبُ بَدَلَ الْهَدَفِ تُرْسًا وَتُعَلِّقُ فِيهِ الشَّنَّ ذَكَرَ ذَلِكَ الْأَصْلُ (وَلَوْ شَرَطَ الْخَاتَمَ) أَيْ إصَابَتَهُ (أُلْحِقَ بِالنَّادِرِ) فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ

(وَيَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنْ يَرْمِيَ الْأَوَّلُ سِهَامَهُ ثُمَّ الثَّانِي) كَذَلِكَ (وَإِنْ أَطْلَقَا حُمِلَ عَلَى سَهْمٍ سَهْمٌ) وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ عَدَدِ نُوَبِ الرَّمْيِ بَيْنَ الرُّمَاةِ كَأَرْبَعِ نُوَبٍ، كُلُّ نَوْبَةٍ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ

(وَلَا يَلْزَمُ التَّعَرُّضُ) فِي الْعَقْدِ (لِلْمُحَاطَةُ) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ (وَالْمُبَادَرَةُ) خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ (بَلْ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُبَادَرَةِ) ؛ لِأَنَّهَا الْغَالِبُ (فَالْمُحَاطَّةُ أَنْ يَشْتَرِطَ) فِي الْعَقْدِ (أَنَّ النَّاضِلَ مَنْ زَادَتْ إصَابَتُهُ عَلَى إصَابَةِ صَاحِبِهِ بِخَمْسَةٍ مَثَلًا مِنْ عَدَدٍ مَعْلُومٍ) كَعِشْرِينَ (فَإِنْ اسْتَوَيَا) فِي إصَابَةِ خَمْسَةٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ لَمْ يَسْتَوِيَا (وَزَادَ أَحَدُهُمَا أَقَلَّ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْخَمْسَةِ (فَلَا نَاضِلَ) ، وَإِنْ زَادَ بِهَا فَهُوَ النَّاضِلُ وَلَوْ زَادَتْ إصَابَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى إصَابَةِ الْآخَرِ بِخَمْسَةٍ قَبْلَ إتْمَامِ الرَّمْيِ لَزِمَ إتْمَامُهُ لِجَوَازِ أَنْ يُصِيبَ الْآخَرُ فِيمَا بَقِيَ مَا تَخْرُجُ بِهِ زِيَادَةُ ذَاكَ عَنْ كَوْنِهَا خَمْسَةً نَعَمْ إنْ لَمْ يَرْجُ بِالتَّمَامِ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا لَوْ رَمَى أَحَدُهُمَا فِي الْمِثَالِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَأَصَابَهَا وَرَمَى الْآخَرُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَأَصَابَ مِنْهَا خَمْسَةً فَلَا يَلْزَمُ إتْمَامُ الرَّمْيِ كَمَا سَيَأْتِي لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ فَإِنَّهُ لَوْ أَصَابَ فِي الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ لَمْ يَخْرُجْ النَّاضِلُ عَنْ كَوْنِهِ زَادَ عَلَيْهِ بِخَمْسَةٍ (وَالْمُبَادَرَةُ أَنْ يَشْتَرِطَ) فِي الْعَقْدِ (أَنْ يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا إلَى إصَابَةِ خَمْسَةٍ مَثَلًا مِنْ عِشْرِينَ) قَالَ فِي الْأَصْلِ: مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْعَدَدِ الْمَرْمِيِّ بِهِ (فَإِنْ أَصَابَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (بِخَمْسَةٍ فَلَا نَاضِلَ، وَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا بِخَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ وَرَمَى الْآخَرُ تِسْعَةَ عَشَرَ وَأَصَابَ أَرْبَعَةً فَلَا) نَاضِلَ بَلْ لَا (بُدَّ أَنْ يُتِمَّ الْعِشْرِينَ) لِجَوَازِ أَنْ يُصِيبَ فِي الْبَاقِي فَلَا يَكُونُ الْأَوَّلُ نَاضِلًا قَالَ فِي الْأَصْلِ وَقَوْلُنَا مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْعَدَدِ الْمَرْمِيِّ بِهِ احْتِرَازٌ عَنْ هَذِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَدَرَ لَكِنْ لَمْ يَسْتَوِيَا بَعْدُ (وَإِنْ أَصَابَ) الْآخَرُ مِنْ التِّسْعَةَ عَشَرَ (بِثَلَاثَةٍ لَمْ يُتِمَّ) الْعِشْرِينَ (وَصَارَ مَنْضُولًا) لِيَأْسِهِ مِنْ الْمُسَاوَاةِ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي رَمْيِ عِشْرِينَ وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ عَدَدِ الْأَرْشَاقِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ رَشْقٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَهِيَ الرَّمْيُ، وَأَمَّا بِكَسْرِهَا فَهُوَ النَّوْبَةُ مِنْ الرَّمْيِ تَجْرِي بَيْنَ الرَّامِيَيْنِ سَهْمًا سَهْمًا أَوْ أَكْثَرَ (مُحَاطَّةً كَانَتْ أَوْ مُبَادَرَةً) لِيَكُونَ لِلْعَمَلِ ضَبْطٌ وَالْأَرْشَاقُ فِي الْمُنَاضَلَةِ كَالْمَيْدَانِ فِي الْمُسَابَقَةِ

(وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى إصَابَةِ رَمْيَةٍ وَاحِدَةٍ) وَشَرَطَا فِي الْمَالِ لِلْمُصِيبِ فِيهَا (جَازَ) ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَتَّفِقُ فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ إصَابَةُ الْأَخْرَقِ دُونَ الْحَاذِقِ

(وَالرَّمْيُ) مِنْ أَحَدِهِمَا (فِي غَيْرِ النَّوْبَةِ) الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُ (لَاغٍ وَلَوْ جَرَى) ذَلِكَ (بِاتِّفَاقِهِمَا) فَلَا تُحْسَبُ الزِّيَادَةُ لَهُ إنْ أَصَابَ وَلَا عَلَيْهِ إنْ أَخْطَأَ

(وَإِنْ عَقَدَا عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ كَأَنْ يَرْمِيَ كُلٌّ) مِنْهُمَا كُلَّ يَوْمٍ (بُكْرَةً كَذَا وَعَشِيَّةً كَذَا وَجَبَ) عَلَيْهِمَا (الْوَفَاءُ) بِذَلِكَ بِأَنْ لَا يَتَفَرَّقَا كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَا الْمَشْرُوطَ فِيهِ (إلَّا لِعَارِضِ مَرَضٍ أَوْ رِيحٍ) عَاصِفَةٍ وَنَحْوِهِمَا فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ فَيَقْطَعَانِ الرَّمْيَ ثُمَّ يَرْمِيَانِ عَلَى مَا مَضَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ بَعْدَهُ إذَا زَالَ الْعُذْرُ (وَيَجُوزُ شَرْطُهُ) أَيْ الرَّمْيِ (فِي جَمِيعِ النَّهَارِ فَلَا يَدَعَانِهِ) أَيْ يَتْرُكَانِهِ (إلَّا وَقْتَ الطَّهَارَةِ) وَالصَّلَاةِ وَالْأَكْلِ وَنَحْوِهَا (فَهَذِهِ) الْأَوْقَاتُ (تَقَعُ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ فَالْمُحَاطَّةُ أَنْ يَشْرِطَ أَنَّ النَّاضِلَ إلَخْ) شَمِلَ مَا لَوْ شَرَطَا النَّضْلَ بِوَاحِدٍ بَعْدَ الطَّرْحِ وَمَا لَوْ شَرَطَا بَعْدَ طَرْحِ الْمُشْتَرَكِ نَضْلَ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَمَا لَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْعِشْرِينَ خَمْسَةً وَلَمْ يُصِبْ الْآخَرُ شَيْئًا

مُسْتَثْنَاةً) كَمَا فِي الْإِجَارَةِ (وَلَوْ أَطْلَقَا وَلَمْ يُبَيِّنَا وَظِيفَةَ كُلِّ يَوْمٍ جَازَ) الْأَوْلَى قَوْلُ أَصْلِهِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ أَيْ يَدَعَانِ الرَّمْيَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ

(وَيَجُوزُ) لَهُمَا (التَّرْكُ) لِلرَّمْيِ (بِالتَّرَاضِي وَبِعُذْرِ مَطَرٍ وَرِيحٍ) عَاصِفَةٍ (وَمَرَضٍ) وَنَحْوِهَا (لَا حَرٍّ وَرِيحٍ خَفِيفَيْنِ) وَصْفُ الرِّيحِ بِالْخِفَّةِ مِنْ زِيَادَتِهِ

(وَإِنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَ) بَقِيَ (عَلَيْهِمَا شَيْءٌ) مِنْ وَظِيفَةِ الْيَوْمِ لَمْ يَرْمِيَا لَيْلًا لِلْعَادَةِ (وَ) إنْ (شَرَطَا رَمْيَهُ) أَيْ الْبَاقِي عَلَيْهِمَا (لَيْلًا لَزِمَ وَالْقَمَرُ قَدْ يَكْفِي) ضَوْءُهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ قَمَرٌ (فَشَمْعَةٌ) مَثَلًا يَكْفِي ضَوْءُهَا إنْ وَجَدَاهَا (أَوْ) يَرْمِيَانِ (مِنْ الْغَدِ) إنْ لَمْ يَجِدَاهَا وَذِكْرُ لُزُومِ الرَّمْيِ لَيْلًا وَالرَّمْيِ مِنْ الْغَدِ مِنْ زِيَادَتِهِ

(وَيُشْتَرَطُ رَمْيُهُمَا مُرَتَّبًا) بِخِلَافِ الْمُتَسَابِقَيْنِ يُجْرِيَانِ الْفَرَسَيْنِ مَعًا؛ لِأَنَّهُمَا إذَا رَمَيَاهُ مَعًا اشْتَبَهَ الْمُصِيبُ بِالْمُخْطِئِ (وَ) يُشْتَرَطُ (تَبْيِينُ الْبَادِئِ) مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ (فَإِذَا لَمْ يُبَيِّنَاهُ فَسَدَ الْعَقْدُ) ؛ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ بِالْبُدَاءَةِ وَالرُّمَاةُ يَتَنَافَسُونَ فِيهَا تَنَافُسًا ظَاهِرًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُبْتَدِئَ بِالرَّمْيِ يَجِدُ الْغَرَضَ نَقِيًّا لَا خَلَلَ فِيهِ، وَهُوَ عَلَى ابْتِدَاءِ النَّشَاطِ فَتَكُونُ إصَابَتُهُ أَقْرَبَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَأَثَّرَ الْعَقْدُ بِإِهْمَالِهِ (وَلَوْ بَدَأَ أَحَدُهُمَا فِي نَوْبَةٍ) لَهُ (تَأَخَّرَ) عَنْ الْآخَرِ (فِي الْأُخْرَى وَلَوْ شَرَطَ تَقْدِيمَهُ أَبَدًا لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّ الْمُنَاضَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّسَاوِي

(وَيُسْتَحَبُّ نَصْبُ غَرَضَيْنِ) مُتَقَابِلَيْنِ (يَرْمُونَ مِنْ) عِنْدَ (أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ ثُمَّ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ يَأْتُوا إلَى الْآخَرِ وَيَلْتَقِطُونَ السِّهَامَ وَيَرْمُونَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمْ بِذَلِكَ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ وَلَا تَطُولُ الْمُدَّةُ أَيْضًا الشَّرْطُ

(الْخَامِسُ تَعْيِينُ الرُّمَاةِ فَيَجِبُ) تَعْيِينُهُمْ (فِي الْعَقْدِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ حِذْقِهِمْ وَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِتَعْيِينِهِمْ (وَيُشْتَرَطُ لِكُلِّ حِزْبٍ زَعِيمٌ) أَيْ كَبِيرٌ يُعِينُ أَصْحَابَهُ وَيَتَوَكَّلُ عَنْهُمْ فِي الْعَقْدِ بَعْدَ تَعْيِينِهِمْ فَلَا يَجُوزُ زَعِيمٌ وَاحِدٌ لِلْحِزْبَيْنِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَكَّلَ وَاحِدٌ فِي طَرَفَيْ الْبَيْعِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَا قَبْلَ التَّعْيِينِ وَطَرِيقُ التَّعْيِينِ الِاخْتِيَارُ كَمَا قَالَ (وَيَخْتَارُ هَذَا وَاحِدًا ثُمَّ هَذَا وَاحِدًا وَهَكَذَا إلَى آخِرِهِمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ أَحَدُهُمَا أَصْحَابَهُ أَوَّلًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الْحُذَّاقَ (وَلَا) أَنْ يُعَيِّنَهُمْ (بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَجْمَعُ الْحُذَّاقَ فِي جَانِبٍ) فَيُفَوِّتُ مَقْصُودَهَا الْمُنَاضَلَةَ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا أَخْتَارُ الْحُذَّاقَ وَأُعْطِي السَّبَقَ أَوْ الْخَرْقَ وَآخُذُ السَّبَقَ لَمْ يَجُزْ؛ وَلِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْعُقُودِ؛ وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ الْمُنَاضَلَةُ عَلَى تَعْيِينِ مَنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِمْ نَعَمْ إنْ رَضِيَا بِمَا أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ وَعَقَدَا عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي الْجَوَازُ كَمَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَنَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهُمَا لَوْ تَنَاضَلَا عَلَى أَنْ يَخْتَارَ كُلُّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةً وَلَمْ يُسَمِّهِمْ لَمْ يَجُزْ وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مَنْ يَرْمِي مَعَهُ بِأَنْ يَكُونَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا يَعْرِفُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْفِي مَعْرِفَةٌ لِزَعِيمَيْنِ وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَعْرِفَ الْأَصْحَابُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (وَابْتِدَاءُ أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ) بِالرَّمْيِ (كَابْتِدَاءِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ) بِهِ (فَلَا يَتَقَدَّمُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ) بِغَيْرِ رِضَا الزَّعِيمَيْنِ، وَهَذَا التَّفْرِيعُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَاَلَّذِي فِي الْأَصْلِ بَدَلُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَا أَنْ يَتَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْحِزْبِ فُلَانٌ وَيُقَابِلُهُ مِنْ الْحِزْبِ الْآخَرِ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ؛ لِأَنَّ تَدْبِيرَ كُلِّ حِزْبٍ إلَى زَعِيمِهِمْ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ مُشَارَكَتُهُ فِيهِ

(فَرْعٌ) لَوْ (أَدْخَلَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الزَّعِيمَيْنِ (غَرِيبًا) ظَنَّهُ جَيِّدَ الرَّمْيِ (فَبَانَ) خِلَافَهُ بِأَنْ بَانَ (غَيْرَ حَاذِقٍ لَمْ يَضُرَّ) فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ (أَوْ غَيْرَ رَامٍ) أَصْلًا (بَطَلَ الْعَقْدُ) فِيهِ كَمَا لَوْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْكِتَابَةِ فَبَانَ غَيْرَ كَاتِبٍ (وَ) بَطَلَ (فِي مُقَابِلِهِ) مِنْ الْحِزْبِ الْآخَرِ كَمَا أَنَّهُ إذَا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي بَعْضِ الْمَبِيعِ يَسْقُطُ قِسْطُهُ مِنْ الثَّمَنِ (لَا فِي الْجَمِيعِ) عَمَلًا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ كَمَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ (وَلِكُلٍّ) مِنْ الْحِزْبَيْنِ (الْفَسْخُ) لِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِمَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمَا (فَإِنْ أَجَازُوا) الْعَقْدَ (وَتَنَازَعُوا فِي) تَعْيِينِ مَنْ يُجْعَلُ فِي (مُقَابِلِهِ) مِنْ الْحِزْبِ الْآخَرِ (فُسِخَ) الْعَقْدُ لَتَعَذُّرِ إمْضَائِهِ (أَوْ) بَانَ (فَوْقَ مَا ظَنُّوا فَلَا فَسْخَ لِلْآخَرِينَ) أَيْ لِلْحِزْبِ الْآخَرِ

(وَلَوْ تَنَاضَلَ غَرِيبَانِ) لَا يَعْرِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ (جَازَ فَلَوْ بَانَا غَيْرَ مُتَكَافِئَيْنِ بَطَلَ الْعَقْدُ) لِتَبَيُّنِ فَوَاتِ الشَّرْطِ وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْجِيحِ مِنْ زِيَادَتِهِ

(وَلَوْ تَسَاوَى عَدَدُ الْأَرْشَاقِ) يَعْنِي تَسَاوَى فِيهَا وَفِي عَدَدِ الْإِصَابَةِ الْحِزْبَانِ (وَاخْتَلَفَ عَدَدُ الْحِزْبَيْنِ لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ حِذْقِهِمْ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا مَعَ التَّسَاوِي إذْ بِدُونِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَضَّلَ النَّاضِلِينَ لِكَثْرَةِ الْعَدَدِ لَا لِلْحِذْقِ فَتَسَاوِي الْحِزْبَيْنِ شَرْطٌ وَقِيلَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا ثَلَاثَةً وَالْآخَرُ أَرْبَعَةً وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْجِيحِ مِنْ زِيَادَتِهِ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ لِكُلِّ حِزْبٍ زَعِيمٌ) وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا أَحْذَقَ الْجَمَاعَةِ وَالْعِبْرَةُ بِنَصَبِ الْقَوْمِ لَهُمَا وَرِضَاهُمْ لَا بِانْتِصَابِهِمَا (قَوْلُهُ فَيَنْبَغِي الْجَوَازُ كَمَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ) ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (قَوْلُهُ وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ كُلَّ وَاحِدٍ) أَيْ مِنْ الزَّعِيمَيْنِ

[فَرْعٌ أَدْخَلَ أَحَدُ الزَّعِيمَيْنِ غَرِيبًا ظَنَّهُ جَيِّدَ الرَّمْيِ فَبَانَ خِلَافَهُ]

(قَوْلُهُ أَوْ غَيْرَ رَامٍ بَطَلَ فِيهِ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَوْ اخْتَارَ مَجْهُولًا ظَنَّهُ غَيْرَ رَامٍ فَبَانَ رَامِيًا فَالْقِيَاسُ الْبُطْلَانُ أَيْضًا (قَوْلُهُ لَتَعَذُّرِ إمْضَائِهِ) ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي مُقَابَلَتِهِ مِنْ الْحِزْبِ الْآخَرِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ فَلَيْسَ لِزَعِيمِهِمْ تَعْيِينُهُ فِي أَحَدِهِمْ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ سَوَاءٌ وَلَيْسَ أَحَدُهُمْ فِي إبْطَالِ الْعَقْدِ فِي حَقِّهِ بِأَوْلَى مِنْ إثْبَاتِهِ وَلَيْسَ لِدُخُولِ الْقُرْعَةِ فِيهَا تَأْثِيرٌ؛ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي إثْبَاتِ عَقْدٍ وَلَا إبْطَالِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي حُقُوقِ الْجَمِيعِ بَاطِلًا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَقَطَ فِي مُقَابَلَتِهِ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُهُ وَكَتَبَ أَيْضًا لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْكَافِي وَالشَّاشِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَصَاحِبُ التَّرْغِيبِ أَنَّهُ يَسْقُطُ الَّذِي عَيَّنَهُ الزَّعِيمُ فِي مُقَابَلَتِهِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ؛ لِأَنَّ الْإِبْطَالَ عَلَى الْإِبْهَامِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ غَدْرٌ عَظِيمٌ لَا يُحْتَمَلُ

وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَقْسِمَ عَلَيْهِمْ) عَدَدَ الْأَرْشَاقِ (بِالسَّوَاءِ) أَيْ قَسْمًا صَحِيحًا (فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً اشْتَرَطَ) أَنْ يَكُونَ لِعَدَدِ الْأَرْشَاقِ (ثُلُثٌ صَحِيحٌ أَوْ) كَانُوا (أَرْبَعَةً فَرُبُعٌ صَحِيحٌ وَالزَّعِيمَانِ وَكِيلَاهُمَا) أَيْ الْحِزْبَيْنِ (مُوَزَّعَانِ) الْمَالَ (الْمُلْتَزِمَ بِالْإِذْنِ) مِنْ مُوَكِّلِهِمَا أَوْ بِالْتِزَامِهِ مَعَهُمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ أَيْ يُوَزِّعَانِهِ فِي أَخْذِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ (عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ وَكَذَا يَقْسِمُ السَّبَقَ إذَا نَضَلَ أَحَدُ الْحِزْبَيْنِ عَلَى) عَدَدِ (الرُّءُوسِ لَا) عَلَى عَدَدِ (الْإِصَابَةِ) عَكْسُ مَا وَقَعَ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ (إلَّا بِشَرْطِهِ) أَيْ بِشَرْطِ قَسْمِهِ عَلَى عَدَدِ الْإِصَابَةِ فَيُوَزِّعَانِهِ عَلَى عَدَدِهَا عَمَلًا بِالشَّرْطِ.
الشَّرْطُ

(السَّادِسُ تَعْيِينُ الْمَوْقِفِ) الَّذِي يُرْمَى مِنْهُ وَتَسَاوِي الْمُتَنَاضَلَيْنِ فِيهِ (فَلَوْ شَرَطَ قُرْبَ) مَوْقِفِ (أَحَدِهِمَا لَمْ يَجُزْ) كَمَا فِي الْمُسَابَقَةِ (وَ) لَكِنْ (لَا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ قَدَمِهِ) فَقَدْ تَعْتَادُهُ الرُّمَاةُ وَلَوْ وَقَفَ الرُّمَاةُ صَفًّا فَالْوَاقِفُ فِي الْوَسَطِ أَقْرَبُ إلَى الْغَرَضِ لَكِنَّهُ تَفَاوُتٌ مُحْتَمَلٌ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (فَإِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْمُسَامَحَةِ بِتَقْدِيمِ الثَّانِي خُطْوَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) وَاطَّرَدَتْ (احْتَمَلَ) ذَلِكَ لِلْعَادَةِ، وَقِيلَ لَا يُحْتَمَلُ وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَجْرِ بِهَا عَادَةٌ (فَلَا) يُحْتَمَلُ (وَإِنْ اخْتَلَفَتْ) عَادَتُهُمْ فِيهِ (فَالْأَقَلُّ) مُعْتَبَرٌ وَالْمَعْنَى فِي تَقَدُّمِ الثَّانِي أَنَّهُ يَقَعُ فِي مُقَابَلَةِ قُوَّةِ النَّفْسِ بِالْبُدَاءَةِ

(فَرْعٌ لَوْ تَنَازَعُوا فِي الْوُقُوفِ وَسَطَ الصَّفِّ وَقَفَ بِهِ مُسْتَحِقُّ الِابْتِدَاءِ) بِشَرْطٍ أَوْ غَيْرِهِ أَيْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَقِفَ بِهِ، وَأَنْ يَقِفَ بِغَيْرِهِ (وَ) وَقَفَ (مَنْ بَعْدَهُ بِجَنْبِهِ) يَمِينًا أَوْ شِمَالًا (وَهَلْ لَهُ) أَيْ لِمَنْ بَعْدَهُ (إزَاحَتُهُ عَنْ مَوْقِفِهِ عِنْدَ الرَّمْيِ) أَيْ رَمْيِهِ أَوَّلًا (وَجْهَانِ) أَوْجَهُهُمَا نَعَمْ (فَإِنْ رَمَيَا بَيْنَ غَرَضَيْنِ، وَانْتَهَيَا إلَى الثَّانِي تَخَيَّرَ الثَّانِي) كَالْأَوَّلِ فِي أَنَّهُ يَقِفُ حَيْثُ شَاءَ (فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً أَقْرَعَ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ عِنْدَ الْغَرَضِ الثَّانِي) فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ وَقَفَ حَيْثُ شَاءَ (فَإِنْ عَادُوا إلَى) الْغَرَضِ (الْأَوَّلِ بَدَأَ الثَّالِثُ بِلَا قُرْعَةٍ) وَوَقَفَ حَيْثُ شَاءَ

(فَرْعٌ لَوْ تَأَخَّرَ وَاحِدٌ عَنْ الْمَوْقِفِ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ) لِمُخَالَفَتِهِ وَضْعَ الْعَقْدِ؛ وَلِأَنَّ الْقَوْسَ الشَّدِيدَ قَدْ يُحْوِجُ إلَى زِيَادَةِ مَسَافَةٍ فَيَنْتَفِعُ بِالتَّأَخُّرِ (وَكَذَا) لَا يَجُوزُ لَهُ (التَّقَدُّمُ) لِمُخَالَفَتِهِ وَضْعَ الْعَقْدِ فَهُوَ كَمَا لَوْ شَرَطَ الِاسْتِحْقَاقَ لِوَاحِدٍ بِتِسْعِ إصَابَاتٍ وَلِلْآخَرِ بِعَشَرٍ (لَا) التَّقَدُّمُ (الْيَسِيرُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ) عَادَةً فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ يَقَعُ إذَا وَقَفُوا صَفًّا كَمَا مَرَّ وَيُجْزِئُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُسَابَقَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ (وَلَوْ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى تَقَدُّمِ الْجَمِيعِ أَوْ تَأَخُّرِهِمْ قَالَ فِي الْأَصْلِ أَوْ تَغْيِيرِ عَدَدِ الْأَرْشَاقِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ (لَمْ يَجُزْ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ لَازِمٌ (وَإِنْ نُصِبَ الْغَرَضُ مُقَابِلٌ الشَّمْسَ) بِأَنْ نَصَبَهُ أَحَدُهُمَا فِيهِ وَدَعَا الْآخَرَ إلَى اسْتِدْبَارِهَا (أُجِيبَ الدَّاعِيَ إلَى اسْتِدْبَارِهَا) ؛ لِأَنَّهُ أَصْلَحُ لِلرَّمْيِ وَمِثْلُهُ اسْتِقْبَالُ الرِّيحِ وَاسْتِدْبَارُهَا

[الطَّرَفُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْمُنَاضَلَةِ]

(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِهَا) أَيْ الْمُنَاضَلَةِ (فَإِنْ شَرَطَ) فِي الْعَقْدِ (الْإِصَابَةَ أَوْ الْقَرْعَ فَخَسَقَ) الْغَرَضُ (حُسِبَ) وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ التَّأْثِيرِ بِخَدْشٍ أَوْ خَرْقٍ (وَكَذَا) يُحْسَبُ (لَوْ أَصَابَ نَقْبًا فِي الشَّنِّ) ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ الْغَرَضَ (فَإِنْ أَصَابَ الْجِلْدَ أَوْ الْجَرِيدَ) أَيْ (الدَّائِرَ) عَلَى الشَّنِّ (أَوْ الْعُرْوَةَ) ، وَهِيَ السَّيْرُ أَوْ الْخَيْطُ الْمَشْدُودُ بِهِ الشَّنُّ عَلَى الْجَرِيدِ (كَفَى) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا مِنْ الْغَرَضِ (لَا) إنْ أَصَابَ (مَا تَعَلَّقَ بِهِ) الْغَرَضُ فَلَا يَكْفِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ (وَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا) أَيْ إصَابَةَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْغَرَضُ أَوْ وَاحِدٌ مِمَّا قَبْلَهُ وَالْأَوْلَى أَحَدُهَا أَيْ إصَابَةُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ (تَعَيَّنَ) فَلَا يَكْفِي إصَابَةُ غَيْرِهِ (وَالِاعْتِبَارُ) فِيمَا يُصِيبُ فِي السَّهْمِ (بِإِصَابَةِ النَّصْلِ لَا) بِالْإِصَابَةِ (بِفُوقِ السَّهْمِ) بِضَمِّ الْفَاءِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْوَتَرِ مِنْهُ (وَ) لَا بِإِصَابَةِ (عَرْضِهِ لِدَلَالَتِهِ) الْأَوْلَى لِدَلَالَتِهَا أَيْ الْإِصَابَةِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (عَلَى سُوءِ الرَّمْيِ فَتُحْسَبُ) هَذِهِ الرَّمْيَةُ عَلَيْهِ

(وَلَوْ انْصَدَمَ) السَّهْمُ (بِشَيْءٍ) كَجِدَارٍ وَشَجَرَةٍ (فَأَصَابَ) الْغَرَضَ (أَوْ) انْصَدَمَ (بِالْأَرْضِ فَازْدَلَفَ وَأَصَابَ) الْغَرَضَ (حُسِبَ لَهُ) ، وَإِنْ أَعَانَتْهُ الصَّدْمَةُ كَمَا لَوْ صَرَفَتْ الرِّيحُ اللَّيِّنَةُ السَّهْمَ فَأَصَابَ وَكَمَا لَوْ هَتَكَ السَّهْمُ فِي مُرُورِهِ حِجَابًا عَارِضًا ثُمَّ أَصَابَ (وَإِنْ أَخْطَأَ) بَعْدَ ازْدِلَافِهِ فَلَمْ يُصِبْ الْغَرَضَ (فَعَلَيْهِ) يُحْسَبُ كَمَا لَوْ أَخْطَأَ بِلَا انْصِدَامٍ وَخَالَفَ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ فَصَحَّحَ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ

(وَإِنْ شَرَطَ الْخَسْقَ فَخَسَقَ وَثَبَتَ ثُمَّ سَقَطَ لَمْ يَضُرَّ) كَمَا لَوْ نَزَعَ (إلَّا) أَيْ لَكِنْ (إنْ لَمْ يَثْبُتْ) فَيَضُرُّ لِعَدَمِ مُرُوقِهِ وَعَدَمِ ثُبُوتِهِ الْمَأْخُوذِ فِي تَفْسِيرِ الْخَسْقِ

(وَإِنْ مَرَقَ أَوْ خَرَمَ وَثَبَتَ وَبَعْضُ النَّصْلِ خَارِجٌ) أَوْ كُلُّهُ دَاخِلٌ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ) وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ النَّشَائِيُّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ (قَوْلُهُ وَكَذَا يَقْسِمُ السَّبَقَ إذَا نَضَلَ أَحَدُ الْحِزْبَيْنِ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ) فَإِنَّهُمْ كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ وَلِأَنَّهُمْ يَسْتَوُونَ فِي الْغُرْمِ لَوْ نُضِلُوا فَيَسْتَوُونَ فِي الْغُنْمِ إذَا نَضَلُوا

(قَوْلُهُ وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ) هُوَ الْأَصَحُّ

[فَرْعٌ تَنَازَعُوا فِي الْوُقُوفِ وَسَطَ الصَّفِّ عِنْدَ الرَّمْيِ]

(قَوْلُهُ أَوْجَهُهُمَا نَعَمْ) بَلْ هُوَ الْأَصَحُّ

وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (حُسِبَ خَاسِقًا) ؛ لِأَنَّهُ فِي الثَّانِيَةِ خَرَقَ بِالنَّصْلِ وَثَبَتَ وَفِي الْأُولَى خَرَقَ وَالْمُرُوقُ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْقُوَّةِ، وَلَيْسَ الْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ الثُّبُوتِ فِي تَفْسِيرِ الْخَسْقِ عَيْنُهُ بَلْ أَنْ تَقْوَى الرَّمْيَةُ بِحَيْثُ يَتَأَتَّى مَعَهَا الثُّبُوتُ

(وَلَوْ صَادَفَ) السَّهْمُ (ثُقْبًا) فِي الْغَرَضِ (فَثَبَتَ فِي الْهَدَفِ فَخَاسِقٌ إنْ كَانَ فِي السَّهْمِ قُوَّةٌ تَخْرِقُ) الْغَرَضَ (لَوْ أَصَابَ مَوْضِعًا صَحِيحًا) مِنْهُ (وَإِلَّا فَلَا يُحْسَبُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ كَانَ يَثْبُتُ لَوْ أَصَابَ مَوْضِعًا صَحِيحًا مِنْهُ أَوْ لَا (وَإِذَا خَرَقَ) الْغَرَضَ بِحَيْثُ يَثْبُتُ فِيهِ مِثْلُ هَذَا السَّهْمِ (فَرَّدْته حَصَاةً) أَوْ نَحْوُهَا كَنَوَاةٍ (فَخَاسِقٌ) لِظُهُورِ سَبَبِ الرَّدِّ (وَإِنْ أَنْكَرَ خَصْمُهُ الْحَصَاةَ) أَيْ تَأْثِيرَهَا (وَلَمْ تُوجَدْ) أَوْ وُجِدَتْ وَلَمْ يُمْكِنْ تَأْثِيرُهَا (صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ) عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَالظَّاهِرُ سَوَاءٌ أَعَلِمَ مَوْضِعَ الْإِصَابَةِ أَمْ لَا بِأَنْ كَانَ فِي الْغَرَضِ خُرُوقٌ وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْضِعَ الْإِصَابَةِ (وَحُسِبَ عَلَى الرَّامِي أَوْ وُجِدَتْ) وَأَمْكَنَ تَأْثِيرُهَا (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخَسْقِ وَالْخَدْشِ (وَلَا يُحْسَبُ عَلَى الرَّامِي) كَمَا لَا يُحْسَبُ لَهُ

(وَإِنْ مَرَقَ السَّهْمُ وَثَبَتَ فِي الْهَدَفِ، وَعَلَيْهِ) أَيْ السَّهْمِ أَيْ نَصْلِهِ (قِطْعَةٌ مِنْ الْغَرَضِ فَادَّعَى الرَّامِي أَنَّ سَهْمَهُ أَبَانَهَا) لِقُوَّتِهِ وَذَهَبَ بِهَا (وَ) ادَّعَى (الْخَصْمُ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاتَّةً) قَبْلَهُ فَتَعَلَّقَتْ بِالسَّهْمِ (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخَسْقِ قَالَ فِي الْأَصْلِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: هَذَا إذَا لَمْ يُجْعَلْ الثُّبُوتُ فِي الْهَدَفِ كَالثُّبُوتِ فِي الْغَرَضِ وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِهَذَا الِاخْتِلَافِ

(وَإِنْ شَرَطَ فِي الْمُبَادَرَةِ الْمَالَ لِمَنْ بَدَرَ) مِنْ الرَّامِيَيْنِ (إلَى إصَابَةِ عَشَرَةٍ مِنْ مِائَةٍ) مَثَلًا (فَرَمَيَا خَمْسِينَ خَمْسِينَ) بِأَنْ رَمَى كُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسِينَ (فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا) مِنْهَا (عَشَرَةً وَالْآخَرُ دُونَهَا) أَوْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا (فَالْأَوَّلُ نَاضِلٌ) فَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ (وَلَا يَلْزَمُهُ إتْمَامُ الْعَمَلِ) ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ قَدْ تَمَّ فَلَا يَلْزَمُهُ عَمَلٌ آخَرُ (وَلَوْ شَرْطَاهُ) أَيْ الْمَالَ (فِي الْمُحَاطَة لِمَنْ حَصَلَتْ لَهُ زِيَادَةُ عَشَرَةٍ) مِنْ مِائَةٍ فَرَمَى كُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسِينَ فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَالْآخَرُ خَمْسَةً فَقَدْ خَلَصَ لِلْأَوَّلِ عَشَرَةٌ (وَجَبَ) عَلَيْهِ لِاسْتِحْقَاقِ الْمَالِ (إتْمَامُ الْمِائَةِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ مَنُوطٌ بِحُصُولِ عَشَرَةٍ مِنْ مِائَةٍ وَقَدْ يُصِيبُ الْآخَرُ فِيمَا بَقِيَ مَا يَمْنَعُ حُصُولَ عَشَرَةٍ لِلْأَوَّلِ بِخِلَافِ الْمُبَادَرَةِ فَإِنَّ الْإِصَابَةَ بَعْدَهَا لَا تَرْفَعُ ابْتِدَارَ الْأَوَّلِ إلَى ذَلِكَ الْعَدَدِ (وَمَتَى بَقِيَ) مِنْ عَدَدِ الْأَرْشَاقِ (مَا لَا يَنْفَعُهُ) لَوْ أَصَابَ فِيهِ (لَمْ يَجِبْ الْإِتْمَامُ) فَظَهَرَ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْمُبَادَرَةِ إلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِيهَا بَلْ يُعْتَبَرُ مَعَهَا مُسَاوَاتُهُمَا فِي عَدَدِ الْأَرْشَاقِ أَوْ عَجَزَ الثَّانِي عَنْ الْمُسَاوَاةِ فِي الْإِصَابَةِ، وَإِنْ سَاوَاهُ فِي عَدَدِ الْأَرْشَاقِ وَلَا بِمُجَرَّدِ خُلُوصِ الْمَشْرُوطِ فِي الْمُحَاطَّةِ بَلْ يُعْتَبَرُ مَعَهُ عَجْزُ الثَّانِي عَمَّا يَمْنَعُ مِنْهُ

[فَرْعٌ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ ارْمِ بِعَشَرَةٍ فَإِنْ أَصَبْت بِأَكْثَرِهَا فَقَدْ نَضَلْتنِي فَلَكَ كَذَا]

(فَرْعٌ) لَوْ (قَالَ) رَجُلٌ: (لِآخَرَ ارْمِ بِعَشَرَةٍ) الْأَوْلَى قَوْلُ أَصْلِهِ ارْمِ عَشَرَةً (فَإِنْ أَصَبْت بِأَكْثَرِهَا فَقَدْ نَضَلْتنِي فَلَكَ كَذَا لَمْ يَجُزْ) ؛ لِأَنَّ النِّضَالَ عَقْدٌ فَلَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ جَمَاعَةٍ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ (فَلَوْ لَمْ يَقُلْ فَقَدْ نَضَلْتنِي جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ بَذْلُ مَالٍ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ لِغَرَضٍ ظَاهِرٍ، وَهُوَ التَّحْرِيضُ عَلَى الرَّمْيِ وَمُشَاهَدَتِهِ، وَهَذَا لَيْسَ مُنَاضَلَةً بَلْ جِعَالَةً (وَاسْتَحَقَّ) الرَّامِي (الْمَشْرُوطَ) لَهُ إذَا أَصَابَ بِسِتَّةٍ فَأَكْثَرَ (وَعَلَيْهِ) لِلشَّارِطِ (إتْمَامُ الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الِاسْتِحْقَاقَ عَلَى عَشَرَةٍ إصَابَتُهَا أَكْثَرُ) وَزَادَ قَوْلَهُ (فَبِإِتْمَامِ الْعَشَرَةِ تَزْدَادُ الْكَثْرَةُ) بِلَا حَاجَةٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ كَثْرَتُهَا بِإِتْمَامِهَا فَلَوْ قَالَ قَدْ تَزْدَادُ الْكَثْرَةُ كَانَ أَوْلَى (وَإِنْ قَالَ) لَهُ (ارْمِ عَشَرَةَ خَمْسَةَ عَنِّي وَخَمْسَةً عَنْك) فَإِنْ أَصَبْت فِي خَمْسَتِك أَوْ كَانَ الصَّوَابُ فِيهَا أَكْثَرَ فَلَكَ كَذَا (لَمْ يَجُزْ) لِمَا مَرَّ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَجْتَهِدُ فِي حَقِّهِ دُونَ حَقِّ صَاحِبِهِ وَلَوْ قَالَ لِرَامِيَيْنِ: ارْمِيَا عَشَرَةً فَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمَا خَمْسَةً فَلَهُ كَذَا جَازَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ مَعَ زِيَادَةٍ عُلِمَتْ مَعَ ذَلِكَ مِمَّا مَرَّ

(وَإِنْ قَالَ) شَخْصٌ: (لِأَحَدِ الْمُتَنَاضِلَيْنِ) وَقَدْ انْتَهَتْ النَّوْبَةُ إلَيْهِ (إنْ أَصَبْت بِسَهْمِك هَذَا فَلَكَ دِينَارٌ فَأَصَابَ) بِهِ (لَزِمَ) لَهُ الدِّينَارُ (وَحُسِبَ) لَهُ (أَيْضًا) السَّهْمُ أَيْ إصَابَتُهُ (مِنْ مُعَامَلَتِهِ) الَّتِي هُوَ فِيهَا

(وَلَوْ نَاضَلَ) غَيْرَهُ (وَالْمَشْرُوطُ عَشَرَةٌ وَشَرَطَ) الْأَوْلَى قَوْلُ أَصْلِهِ فَشَرَطَ (أَنْ يُنَاضِلَ بِهَا شَخْصًا ثَانِيًا وَثَالِثًا) وَهَكَذَا (جَازَ وَإِذَا فَازَ بِهَا كَانَ نَاضِلًا لَهُمْ جَمِيعًا) عَمَلًا بِالشَّرْطِ، وَتَقْدِيمُهُ جَارٍ عَلَى مَا بَعْدَهُ أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِ الْأَصْلِ لَهُ عَنْهُ (وَفِيهِ إشْكَالٌ بِالْإِجَارَةِ) الْمُشْبِهَةِ بِهَا الْمُنَاضَلَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَوْ كَانَتْ تُشْبِهُهَا لَمَا اسْتَحَقَّ بِعَمَلِ وَاحِدٍ مَالَيْنِ عَنْ جِهَتَيْنِ (وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْإِجَارَةِ رَاجِعٌ إلَى الْمُسْتَأْجَرِ) فَالْمَالُ مُسْتَحَقٌّ فِيهَا بِرُجُوعِ الْعَمَلِ إلَيْهِ لَا بِالشَّرْطِ (وَهُنَا مُسْتَحَقٌّ بِالشَّرْطِ)

[حاشية الرملي الكبير]

[فَرْعٌ تَأَخَّرَ وَاحِدٌ عَنْ الْمَوْقِفِ بَعْدَ الْعَقْدِ عِنْدَ الرَّمْيِ]

قَوْلُهُ، وَإِنْ قَالَ لِأَحَدِ الْمُتَنَاضَلَيْنِ إنْ أَصَبْت بِسَهْمِك هَذَا فَلَكَ دِينَارٌ إلَخْ) لَوْ قَالَ لِمُتَرَاهِنَيْنِ ارْمِيَا عَشَرَةً فَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمَا خَمْسَةً فَلَهُ كَذَا جَازَ وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ ارْمِ عَشَرَةً فَإِنْ أَصَبْت فِي خَمْسَتِك فَلَكَ كَذَا، وَإِنْ أَصَبْت أَنَا فَلَا شَيْءَ لِي عَلَيْك جَازَ أَيْضًا، وَإِنْ قَالَ فَإِنْ أَصَبْت فِي خَمْسَتِي فَلِي عَلَيْك كَذَا لَمْ يَجُزْ إلَّا بِمُحَلِّلٍ وَلَوْ قَالَ ارْمِ سَهْمًا فَإِنْ أَصَبْت فَلَكَ كَذَا، وَإِنْ أَخْطَأْت فَعَلَيْك كَذَا فَهُوَ قِمَارٌ

إلَّا بِرُجُوعِ الْعَمَلِ لِلشَّارِطِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عِنْدَ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَعْمَلُ لِغَيْرِهِ

[فَصْلٌ مِنْ أَنْوَاعِ الرَّمْيِ الْحَوَابِي]

(فَصْلٌ مِنْ) أَنْوَاعِ (الرَّمْيِ الْحَوَابِي) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ حَابٍ (وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَ عَلَى أَنْ يُسْقِطَ الْأَقْرَبُ) لِلْغَرَضِ (الْأَبْعَدَ) مِنْهُ (فَإِنْ عَيَّنَا حَدَّ الْقُرْبِ مِنْ ذِرَاعٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ (أَوْ) لَمْ يُعَيِّنَاهُ لَكِنْ (كَانَ هُنَاكَ) لِلرُّمَاةِ (عَادَةٌ) مُطَّرِدَةٌ (جَازَ) عَمَلًا بِالشَّرْطِ فِي الْأُولَى وَحُمِلَا عَلَى الْعَادَةِ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا تُحْمَلُ الدَّرَاهِمُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى الْعَقْدِ (وَإِلَّا فَلَا) يَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ (فَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ لَوْ عَقَدَا) عَلَى أَنْ يَرْمِيَا عِشْرِينَ (عَلَى أَنْ يُسْقِطَ الْأَقْرَبُ الْأَبْعَدَ وَمَنْ فَضَلَ لَهُ خَمْسَةٌ مِنْ عِشْرِينَ فَهُوَ نَاضِلٌ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ الرَّمْيِ مُعْتَادٌ لِلرُّمَاةِ (وَهُوَ نَوْعُ مُحَاطَّةٍ) وَحِينَئِذٍ (فَإِنْ تَسَاوَتْ سِهَامُهُمَا قُرْبًا وَبُعْدًا) وَكَذَا إنْ لَمْ تَتَسَاوَ لَكِنْ لَمْ يَفْضُلْ الْعَدَدُ الْمَشْرُوطُ (فَلَا نَاضِلَ) وَلَا مَنْضُولَ (فَإِنْ قَارَبَ أَحَدُهُمَا الْغَرَضَ بِسَهْمٍ) بِأَنْ وَقَعَ سَهْمُهُ قَرِيبًا مِنْ الْغَرَضِ (وَرَمَى الْآخَرُ خَمْسَةً) فَوَقَعَتْ (أَبْعَدَ مِنْهَا) الْأَوْلَى مِنْهُ أَيْ مِنْ ذَلِكَ السَّهْمِ (ثُمَّ) رَمَى (الْأَوَّلُ سَهْمًا) فَوَقَعَ (أَبْعَدَ) مِنْ الْخَمْسَةِ (أَسْقَطَتْهُ الْخَمْسَةُ وَأَسْقَطَهَا الْمُقَارِبُ، وَإِنْ رَمَى) أَحَدُهُمَا (خَمْسَةً مُتَفَاضِلَةً فِي الْقُرْبِ) إلَى الْغَرَضِ (وَرَمَى الْآخَرُ خَمْسَةً) فَوَقَعَتْ (أَبْعَدَ مِنْهَا أَسْقَطَتْهَا خَمْسَةُ الْأَوَّلِ وَحُسِبَتْ كُلُّهَا) فَلَا يَسْقُطُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ فِي الْقُرْبِ؛ لِأَنَّ قَرِيبَ كُلٍّ مِنْهُمَا يَسْقُطُ بَعِيدًا لِآخَرَ وَلَا يَسْقُطُ بَعِيدُ نَفْسِهِ (وَلَوْ أَصَابَ) سَهْمُ الْآخَرِ (الْغَرَضَ سَقَطَ بِهِ الْأَقْرَبُ) إلَيْهِ كَمَا يُسْقِطُ الْأَقْرَبُ الْأَبْعَدَ؛ وَلِأَنَّ إصَابَةَ الْغَرَضِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْقُوَّةِ فَاعْتُبِرَتْ كَنَظِيرِهِ فِيمَا لَوْ شَرَطَ الْخَسْقَ فَمَرَقَ (وَلَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا الرُّقْعَةَ) فِي وَسَطِ الْغَرَضِ (وَالْآخَرُ خَارِجَهَا مِنْ الْغَرَضِ) قَالَ فِي الْأَصْلِ: أَوْ أَصَابَا خَارِجَهَا وَأَحَدُهُمَا أَقْرَبُ إلَيْهَا (فَهُمَا سَوَاءٌ وَالْعِبْرَةُ) فِيمَا إذَا شَرَطَا احْتِسَابَ الْقَرِيبِ مِنْ الْغَرَضِ (بِمَوْضِعِ الثُّبُوتِ) لِلسَّهْمِ (لَا) بِحَالَةِ (الْمُرُورِ) حَتَّى لَوْ قَرُبَ مُرُورُهُ مِنْ الْغَرَضِ وَوَقَعَ بَعِيدًا مِنْهُ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ إلَّا إذَا شَرَطَ اعْتِبَارَ حَالَةِ الْمُرُورِ (وَهُوَ) أَيْ الْقُرْبُ مِنْ الْغَرَضِ (مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ سَوَاءٌ) لِوُقُوعِ اسْمِ الْقَرِيبِ عَلَى الْجَمِيعِ وَعَدَّ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الرَّمْيِ الْمُنَاضَلَةَ، وَهُوَ أَنْ يَشْرِطَا إصَابَةَ عَشَرَةً مِنْ عِشْرِينَ مَثَلًا عَلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَا جَمِيعًا فَيَرْمِيَانِ جَمِيعَ ذَلِكَ فَإِنْ أَصَابَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْعَشَرَةَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ أَحْرَزَ أَسْبَقُهُمَا، وَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا الْعَشَرَةَ أَوْ فَوْقَهَا وَالْآخَرُ دُونَهَا فَقَدْ نَضَلَهُ

(فَصْلٌ) فِي النَّكَبَاتِ الَّتِي تَطْرَأُ عِنْدَ الرَّمْيِ وَتَشَوُّشُهُ وَالْأَصْلُ أَنَّ السَّهْمَ مَتَى وَقَعَ مُتَبَاعِدًا عَنْ الْغَرَضِ تَبَاعُدًا مُفْرِطًا إمَّا مُقَصِّرًا عَنْهُ أَوْ مُجَاوِزًا لَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِسُوءِ الرَّمْيِ حُسِبَ عَلَى الرَّامِي وَلَا يُرَدُّ إلَيْهِ السَّهْمُ لِيَرْمِيَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِنَكْبَةٍ عَرَضَتْ أَوْ خَلَلٍ فِي آلَةِ الرَّمْيِ بِلَا تَقْصِيرٍ مِنْهُ لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ فَلَوْ (حَدَثَتْ فِي يَدِهِ عِلَّةٌ) أَخَلَّتْ بِالرَّمْيِ (أَوْ اعْتَرَضَ) فِي مُرُورِ السَّهْمِ (حَيَوَانٌ) مَنَعَهُ (أَوْ تَلِفَ الْوَتَرُ أَوْ الْقَوْسُ) أَوْ السَّهْمُ (بِلَا تَقْصِيرٍ) مِنْهُ بَلْ لِضَعْفِ الْآلَةِ وَنَحْوِهِ فَلَمْ يُصِبْ (لَمْ تُحْسَبْ عَلَيْهِ) تِلْكَ الرَّمْيَةُ فَيُعِيدُهَا؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ (وَتُحْسَبُ لَهُ إنْ أَصَابَ) ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ مَعَ النَّكْبَةِ تَدُلُّ عَلَى جَوْدَةِ الرَّمْيِ فَإِنْ كَانَ بِتَقْصِيرٍ حُسِبَتْ عَلَيْهِ لِيَتَعَلَّمَ

(وَلَوْ انْكَسَرَ السَّهْمُ) نِصْفَيْنِ (بِلَا تَقْصِيرٍ فَأَصَابَ إصَابَةً شَدِيدَةً) بِالنِّصْفِ (الَّذِي فِيهِ النَّصْلُ لَا غَيْرُهُ حُسِبَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ اشْتِدَادَهُ مَعَ الِانْكِسَارِ يَدُلُّ عَلَى جَوْدَةِ الرَّمْيِ وَغَايَةِ الْحِذْقِ فِيهِ بِخِلَافِ إصَابَتِهِ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ لَا تُحْسَبُ لَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ انْكِسَارٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّ الْإِصَابَةَ الضَّعِيفَةَ لَا تُحْسَبُ لَهُ وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ (وَإِنْ أَصَابَ بِالنِّصْفَيْنِ حُسِبَ) ذَلِكَ إصَابَةً (وَاحِدَةً كَالرَّمْيِ دَفْعَةً بِسَهْمَيْنِ) إذَا أَصَابَ بِهِمَا

(وَلَوْ رَمَى) السَّهْمَ (مَائِلًا عَنْ السَّمْتِ) أَوْ مُسَامِتًا (وَالرِّيحُ لَيِّنَةٌ فَرَدَّتْهُ) إلَى الْغَرَضِ (أَوْ صَرَفَتْهُ) عَنْهُ فَأَصَابَ بِرَدِّهَا وَأَخْطَأَ بِصَرْفِهَا (حُسِبَ لَهُ) فِي الْأُولَى (وَعَلَيْهِ) فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْجَوَّ لَا يَخْلُو عَنْ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ غَالِبًا وَيَضْعُفُ تَأْثِيرُهَا فِي السَّهْمِ مَعَ سُرْعَةِ مُرُورِهِ فَلَا اعْتِدَادَ بِهَا وَلَوْ رَمَى رَمْيًا ضَعِيفًا فَقَوَّتْهُ الرِّيحُ اللَّيِّنَةُ فَأَصَابَ حُسِبَ لَهُ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (لَا) إنْ رَمَى كَذَلِكَ (فِي) رِيحٍ (عَاصِفَةٍ قَارَنَتْ) ابْتِدَاءَ الرَّمْيِ فَلَا يُحْسَبُ لَهُ إنْ أَصَابَ وَلَا عَلَيْهِ إنْ أَخْطَأَ لِقُوَّةِ تَأْثِيرِهَا وَلِهَذَا يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ تَرْكُ الرَّمْيِ إلَى أَنْ تَرْكُدَ بِخِلَافِ اللَّيِّنَةِ (وَكَذَا) الْحُكْمُ (لَوْ هَجَمَتْ) فِي مُرُورِ السَّهْمِ (نَعَمْ لَوْ أَصَابَ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَلَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا الرُّقْعَةَ إلَخْ) لَوْ رَمَى وَاحِدٌ سَهْمَيْنِ وَالْآخَرُ سَهْمًا وَاسْتَوَتْ الثَّلَاثَةُ فِي الْقُرْبِ وَاسْتَوَتْ بَقِيَّةُ سِهَامِهِمَا فِي الْبُعْدِ فَهَلْ صَاحِبُ السَّهْمَيْنِ نَاضِلٌ وَيُجْعَلُ السَّهْمُ الزَّائِدُ كَزِيَادَةِ الْقُرْبِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا

[فَصْلٌ فِي النَّكَبَاتِ الَّتِي تَطْرَأُ عِنْدَ الرَّمْيِ وَتَشَوُّشُهُ]

(قَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ لَا إنْ رَمَى فِي رِيحٍ عَاصِفَةٍ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ غَيْرُ مَسْأَلَةِ الرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ وَصُورَتُهَا أَنَّ الرِّيحَ عَاصِفَةٌ فَالْإِصَابَةُ وَعَدَمُهَا مُحَالَةٌ عَلَيْهَا لَا عَلَى الرَّامِي وَلَا كَذَلِكَ مَا سَيَأْتِي كَاتِبُهُ

فِي الْهَاجِمَةِ حُسِبَ لَهُ) كَمَا فِي السَّهْمِ الْمُزْدَلِفِ

(وَلَوْ نَقَلَتْ الرِّيحُ الْغَرَضَ) إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ (فَأَصَابَ) السَّهْمُ (مَوْضِعَهُ حُسِبَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْضِعُهُ لَأَصَابَهُ هَذَا إنْ كَانَ الشَّرْطُ (إصَابَةً وَكَذَا) إنْ كَانَ خَسْقًا (إنْ ثَبَتَ فِي) مَوْضِعٍ (مُسَاوٍ صَلَابَةً) أَيْ يُسَاوِي فِي صَلَابَتِهِ صَلَابَةَ (الْغَرَضِ) أَوْ فَوْقَهُ فِيهَا (وَإِنْ أَصَابَ الْغَرَضَ) فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ أَوْ لَمْ يُصِبْهُ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى (حُسِبَ عَلَيْهِ) لَا لَهُ (وَإِنْ نَقَلَتْهُ حِينَ اسْتَقْبَلَهُ السَّهْمُ فَأَصَابَ) الْغَرَضَ (لَمْ يُحْسَبْ) لَهُ وَيُحْسَبُ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ مَوْضِعَ الْغَرَضِ حُسِبَ لَهُ

(وَإِنْ رَمَى الْغَرَضَ فَحَادَ السَّهْمُ عَنْ طَرِيقِهِ حُسِبَ عَلَيْهِ) لِسُوءِ رَمْيِهِ (وَإِنْ أَصَابَ) سَهْمُهُ (سَهْمًا) بِأَنْ أَصَابَ فَوْقَهُ، وَهُوَ (فِي الْغَرَضِ غَارِقًا) فِيهِ (حُسِبَ لَهُ فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ الْخَسْقَ أَوْ كَانَ السَّهْمُ خَارِجًا) عَنْ الْغَرَضِ لَا غَارِقًا فِيهِ (لَمْ يُحْسَبْ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى لَا يَدْرِي هَلْ كَانَ يَخْسِقُ أَوْ لَا، وَفِي الثَّانِيَةِ لَا يَدْرِي هَلْ كَانَ يَبْلُغُ الْغَرَضَ لَوْلَا هَذَا السَّهْمُ أَوْ لَا (وَلَا) يُحْسَبُ (عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَرَضٌ دُونَ الْغَرَضِ عَارِضٌ قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ إلَى ثُبُوتِهِ فِيهِ وَتُقَاسُ صَلَابَةُ ذَلِكَ السَّهْمِ بِصَلَابَةِ الْغَرَضِ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ (فَإِنْ شَقَّهُ وَأَصَابَ الْغَرَضَ حُسِبَ) لَهُ (وَلَوْ سَقَطَ السَّهْمُ بِالْإِغْرَاقِ) مِنْ الرَّامِي بِأَنْ بَالَغَ (فِي الْمَدِّ) حَتَّى دَخَلَ النَّصْلُ مِقْبَضَ الْقَوْسِ وَوَقَعَ السَّهْمُ عِنْدَهُ (فَكَانْقِطَاعِ الْوَتَرِ وَنَحْوِهِ) كَانْكِسَارِ الْقَوْسِ؛ لِأَنَّ سُوءَ الرَّمْيِ أَنْ يُصِيبَ غَيْرَ مَا قَصَدَهُ وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا

(فَصْلٌ قَدْ قَدَّمْنَا لُزُومَهَا) أَيْ الْمُنَاضَلَةِ (فَتُفْسَخُ الْمُنَاضَلَةُ بِمَوْتِ الرَّامِي) كَالْأَجِيرِ الْمُعَيَّنِ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ اخْتِبَارُهُ (وَ) يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ (فِي الْمُسَابَقَةِ بِمَوْتِ الْفَرَسِ لَا) بِمَوْتِ (الْفَارِسِ) ؛ لِأَنَّ التَّعْوِيلَ فِيهَا عَلَى الْفَرَسِ لَا عَلَى الْفَارِسِ (وَيَتَوَلَّاهَا) أَيْ الْمُسَابَقَةَ (الْوَارِثُ) عَنْهُ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ اسْتَأْجَرَ الْحَاكِمُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالظَّاهِرُ إبْقَاءُ كَلَامِهِمْ عَلَى عُمُومِهِ وَالْوَارِثُ يَشْمَلُ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ

(وَيُؤَخَّرُ) الرَّمْيُ فِي الْمُنَاضَلَةِ (لِلْمَرَضِ) أَوْ نَحْوِهِ فَلَا تَنْفَسِخُ بِذَلِكَ

(وَلَا يُزَادُ) بَعْدَ عَقْدِهَا وَلَا يَنْقُصُ (فِي عَدَدِ الْأَرْشَاقِ وَ) لَا فِي عَدَدِ (الْإِصَابَةِ إلَّا) بِمَعْنًى لَكِنْ (إنْ فَسَخَا) الْعَقْدَ (وَعَقَدَا) عَقْدًا جَدِيدًا جَازَ لَهُمَا ذَلِكَ

(فَإِنْ امْتَنَعَ الْمَنْضُولُ مِنْ إتْمَامِ الْعَمَلِ حُبِسَ) عَلَى ذَلِكَ وَعُزِّرَ فَيَلْزَمُهُ إتْمَامُهُ كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِخِيَاطَةٍ وَنَحْوِهَا (وَكَذَا الْآخَرُ) أَيْ النَّاضِلُ يَلْزَمُهُ إتْمَامُ الْعَمَلِ وَيُحْبَسُ وَيُعَزَّرُ عَلَى امْتِنَاعِهِ مِنْهُ (إنْ تَوَقَّعَ صَاحِبُهُ إدْرَاكَهُ) فَيُسَاوِيهِ أَوْ يَفْضُلُهُ وَإِلَّا بِأَنْ شَرَطَا إصَابَةَ خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً وَالْآخَرُ وَاحِدًا وَلَمْ يَبْقَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إلَّا رَمْيَتَانِ فَلِصَاحِبِ الْخَمْسَةِ أَنْ يَتْرُكَ الْبَاقِيَ

(وَيُمْنَعُ) أَحَدُهُمَا (بَعْدَ رَمْيِ صَاحِبِهِ مِنْ التَّبَاطُؤِ) بِالرَّمْيِ (وَلَا يُدْهَشُ اسْتِعْجَالًا) فَلَوْ تَعَلَّلَ بَعْدَ مَا رَمَى صَاحِبُهُ بِمَسْحِ الْقَوْسِ وَالْوَتَرِ وَأَخْذِ النَّبْلِ بَعْدَ النَّبْلِ وَالنَّظَرِ فِيهِ وَالْكَلَامِ مَعَ غَيْرِهِ قِيلَ لَهُ ارْمِ لَا مُسْتَعْجِلًا وَلَا مُتَبَاطِئًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَلَّلُ لِخُطَّائِهِ وَقَدْ يُصِيبُ صَاحِبُهُ فَيُؤَخِّرُ لِتَبْرُدَ يَدُهُ أَوْ يَنْسَى نَهْجَ الصَّوَابِ

(وَيُمْنَعُ أَحَدُهُمَا مِنْ أَذِيَّةِ صَاحِبِهِ بِالتَّبَجُّحِ وَالْفَخْرِ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ حَمْلِ أَحَدِهِمَا فِي يَدِهِ مِنْ النَّبْلِ أَكْثَرَ) مِمَّا فِي يَدِ الْآخَرِ (وَلَا أَنْ تُحْسَبَ) لِأَحَدِهِمَا (الْإِصَابَةُ بِإِصَابَتَيْنِ) وَلَا أَنْ يَحُطَّ مِنْ إصَابَاتِهِ شَيْءٌ أَوْ أَنَّهُ إنْ أَخْطَأَ رُدَّ عَلَيْهِ سَهْمٌ أَوْ سَهْمَانِ لِيُعِيدَ رَمْيَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّسَاوِي

(نَعَمْ لَوْ شَرَطَ أَنَّ الْخَاسِقَ بِحَابِيَيْنِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ تَثْنِيَةُ حَابٍ (فِي) صُوَرِ (شَرْطِ الْحَوَابِي جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْخَاسِقَ يَخْتَصُّ بِالْإِصَابَةِ وَالثُّبُوتِ فَجَازَ أَنْ تُجْعَلَ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مَقَامَ حَابٍ

(وَلَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي التَّرْكِ) لِلرَّمْيِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا (أَوْ أَنَّ مَنْ تَرَكَ) الرَّمْيَ (فَهُوَ مَسْبُوقٌ بَطَلَ الْعَقْدُ) أَيْ لَمْ يَصِحَّ لِمُخَالَفَةِ وَضْعِهِ

(وَلَا يَجُوزُ بَذْلُ مَالٍ عَلَى حَطِّ الْفَضْلِ) فَلَوْ فَضَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِإِصَابَاتٍ فَقَالَ الْمَفْضُولُ: حُطَّ فَضْلَك وَلَك كَذَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ حَطَّ الْفَضْلِ لَا يُقَابَلُ بِمَالٍ

(وَلَا) يَجُوزُ (عَقْدُ الشَّرِكَةِ) فِي السَّبَقِ (لِأَجْنَبِيٍّ فِيمَا غَرِمَ الْمُنَاضِلُ أَوْ غَنِمَ) فَلَوْ تَنَاضَلَا أَوْ تَسَابَقَا وَأَخْرَجَ السَّبَقَ أَحَدُهُمَا أَوْ هُمَا وَبَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ فَقَالَ أَجْنَبِيٌّ: لِأَحَدِهِمَا شَارِكْنِي فِيهِ فَإِنْ غَنِمْت أَخَذْت مَعَك مَا أَخْرَجْته، وَإِنْ غَرِمَتْ غَرِمْت مَعَك لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْغُنْمَ وَالْغُرْمَ فِي ذَلِكَ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْعَمَلِ، وَهَذَا الْأَجْنَبِيُّ لَا يَعْمَلُ وَلَوْ تَنَاضَلَا فَرَمَيَا بَعْضَ الْأَرْشَاقَ ثُمَّ مَلَّا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: ارْمِ فَإِنْ أَصَبْت فَقَدْ نَضَلْتنِي أَوْ قَالَ أَرْمِي أَنَا فَإِنْ أَصَبْت هَذِهِ الْوَاحِدَةَ فَقَدْ نَضَلْتُك لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ النَّاضِلَ مَنْ سَاوَى صَاحِبَهُ فِي عَدَدِ الْأَرْشَاقِ وَفَضَلَهُ فِي الْإِصَابَةِ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ

(وَلَوْ

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ وَإِنْ أَصَابَ الْغَرَضَ حُسِبَ عَلَيْهِ) لَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَ الْمِنْهَاجِ وَلَوْ نَقَلَتْ الرِّيحُ الْغَرَضَ فَأَصَابَ مَوْضِعَهُ حُسِبَ لَهُ وَإِلَّا فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الرِّيحُ مَوْجُودَةً فِي الِابْتِدَاءِ فَيُحْسَبُ عَلَيْهِ لِتَقْصِيرِهِ وَكَلَامُ الْمِنْهَاجِ فِيمَا إذَا طَارَتْ الرِّيحُ بَعْدَ الرَّمْيِ وَنَقَلَتْ الْغَرَضَ عَنْ مَوْضِعِهِ فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ (قَوْلُهُ، وَإِنْ نَقَلَتْهُ حِينَ اسْتَقْبَلَهُ السَّهْمُ إلَخْ) وَإِنْ ارْتَفَعَ السَّهْمُ ثُمَّ انْحَطَّ فَأَخْطَأَ حُسِبَ عَلَيْهِ أَوْ أَصَابَ فَهَلْ يُحْسَبُ لَهُ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحْسَبُ لَهُ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ مَوْضِعَ الْغَرَضِ حُسِبَ لَهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَيَنْبَغِي إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ السَّهْمُ خَارِجًا لَمْ يُحْسَبْ لَهُ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ يُحْسَبُ

[فَصْلٌ مَا تُفْسَخُ بِهِ الْمُنَاضَلَةُ]

(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ بَقَاءُ كَلَامِهِمْ عَلَى عُمُومِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

عَقَدَا فِي الصِّحَّةِ) وَدَفَعَا الْعِوَضَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ (فَالْعِوَضُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) كَالْإِجَارَةِ (أَوْ) عَقَدَا فِي (الْمَرَضِ) بِعِوَضِ الْمِثْلِ عَادَةً (فَعِوَضُ الْمِثْلِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَبَرُّعًا وَلَا مُحَابَاةً فِيهِ (وَإِنْ زَادَ) عَلَى عِوَضِ الْمِثْلِ عَادَةً (فَالزِّيَادَةُ مِنْ الثُّلُثِ) ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ

(وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْمُسَابَقَةُ) الشَّامِلَةِ لِلْمُنَاضَلَةِ (بِالصَّبِيِّ بِمَالِهِ) ، وَإِنْ اسْتَفَادَ بِهَا التَّعَلُّمَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَغَيْرُهُ وَيَنْبَغِي الْجَوَازُ فِيمَا إذَا كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُرْتَزِقَةِ وَقَدْ رَاهَقَ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ قَدْ أَثْبَتَ اسْمَهُ فِي الدِّيوَانِ وَكَذَا فِي السَّفِيهِ الْبَالِغِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ

(وَإِنْ سَأَلَ أَحَدُهُمَا وَضْعَ الْمَالِ) الْمُلْتَزَمِ (عِنْدَ عَدْلٍ) وَالْآخَرُ تَرَكَهُ عِنْدَهُمَا (وَهُوَ عَيْنٌ أُجِيبَ أَوْ دَيْنٌ فَلَا) يُجَابُ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى وَضْعِهِ عِنْدَ هُمَا أَوْ عِنْدَ عَدْلٍ يَثِقَانِ بِهِ جَازَ وَالثَّانِي أَحْوَطُ وَأَبْعَدُ عَنْ النِّزَاعِ (وَإِنْ اخْتَارَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (عَدْلًا اخْتَارَ الْحَاكِمُ أَحَدَهُمَا) الْأَنْسَبُ بِمَا يَأْتِي وَبِعِبَارَةِ الْأَصْلِ عَدْلًا قَطْعًا لِلنِّزَاعِ (وَهَلْ يَتَعَيَّنُ) أَحَدُ الْعَدْلَيْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِمَا أَوْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ غَيْرَهُمَا (وَجْهَانِ) أَوْجَهُهُمَا الثَّانِي (وَلَا أُجْرَةَ لِلْعَدْلِ فَإِنْ جَرَتْ بِهَا عَادَةٌ فَوَجْهَانِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: نَقْلًا عَنْ الرُّويَانِيِّ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْخَيَّاطِ أَحَدُهُمَا يَسْتَحِقُّهَا وَتَكُونُ عَلَى الْمُتَسَابِقَيْنِ وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا السَّابِقُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا أُجْرَةٌ عَلَى حِفْظِ الْمَالَيْنِ وَثَانِيهِمَا لَا أُجْرَةَ لَهُ وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ تَرْجِيحُ الثَّانِي

(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مَكَانِ الْمُحَلِّلِ) بِأَنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِعُدُولِهِ عَنْ الْوَسَطِ وَلَمْ يَرْضَ الْآخَرُ أَوْ رَضِيَا بِتَرْكِ تَوَسُّطِهِ وَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَكُونُ عَنْ الْيَمِينِ وَقَالَ الْآخَرُ: عَنْ الْيَسَارِ (لَزِمَ تَوَسُّطُهُ) فَعُلِمَ بِذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُجْرِيَ فَرَسَهُ بَيْنَ فَرَسَيْهِمَا فَإِنْ لَمْ يَتَوَسَّطْهُمَا وَأَجْرَاهُ بِجَنْبِ أَحَدِهِمَا جَازَ إنْ تَرَاضَيَا بِهِ (فَإِنْ تَنَازَعَ الْمُتَسَابِقَانِ فِي الْيَمِينِ) وَالْيَسَارِ (أَقْرَعَ) بَيْنَهُمَا

(وَيَحُثُّ الْفَرَسَ) فِي السِّبَاقِ (بِالسَّوْطِ) وَتَحْرِيكِ اللِّجَامِ (وَلَا يَجْلِبُ عَلَيْهِ بِالصِّيَاحِ) لِيَزِيدَ عَدْوَهُ وَلِخَبَرِ «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ» وَفِي رِوَايَةٍ رَوَاهَا أَبُو دَاوُد «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ فِي الرِّهَانِ» قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَذَكَرَ فِي مَعْنَى الْجَنَبِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجَنِّبُونَ الْفَرَسَ حَتَّى إذَا قَارَبُوا الْأَمَدَ تَحَوَّلُوا عَنْ الْمَرْكُوبِ الَّذِي كَدَّهُ بِالرُّكُوبِ إلَى الْجَنِيبَةِ فَنُهُوا عَنْهُ

(وَلَوْ رَمَى أَحَدُهُمَا بِلَا اسْتِئْذَانٍ) لِصَاحِبِهِ (فَهَلْ يُحْسَبُ) أَوْ لَا يُحْسَبُ، وَإِنْ أَصَابَ لِتَرْكِهِ اتِّبَاعَ عُرْفِ الرُّمَاةِ فِي الِاسْتِئْذَانِ (وَجْهَانِ) أَوْجَهُهُمَا الْأَوَّلُ

(تَتِمَّةٌ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْغَرَضِ شَاهِدَانِ لِيَشْهَدَا عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ إصَابَةٍ وَخَطَأٍ وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَمْدَحَا الْمُصِيبَ وَلَا أَنْ يَذُمَّا الْمُخْطِئَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِالنَّشَاطِ

[كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَاب]

[الْبَاب الْأَوَّلُ فِي الْيَمِينِ]

(كِتَابُ الْأَيْمَانِ) جَمْعُ يَمِينٍ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: 77] وَأَخْبَارٌ مِنْهَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَحْلِفُ لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَوْلُهُ «وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ إنْ يَشَاءَ اللَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْيَمِينُ وَالْحَلِفُ وَالْإِيلَاءُ وَالْقَسَمُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ (هِيَ) لُغَةً الْيَدُ الْيُمْنَى وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْحَلِفِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَحَالَفُوا أَخَذَ كُلٌّ بِيَمِينِ صَاحِبِهِ وَقِيلَ؛ لِأَنَّهَا تَحْفَظُ الشَّيْءَ عَلَى الْحَالِفِ كَمَا تَحْفَظُهُ الْيَدُ وَاصْطِلَاحًا (تَحْقِيقُ) أَمْرٍ (غَيْرِ ثَابِتٍ) مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا مُمْكِنًا كَحَلِفِهِ لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ أَوْ مُمْتَنِعًا كَحَلِفِهِ لَيَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ أَوْ لَيَقْتُلَنَّ زَيْدًا صَادِقَةً كَانَتْ الْيَمِينُ أَوْ كَاذِبَةً مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ أَوْ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ وَخَرَجَ بِالتَّحْقِيقِ لَغْوُ الْيَمِينِ فَلَيْسَتْ يَمِينًا وَسَيَأْتِي وَبِغَيْرِ ثَابِتٍ الثَّابِتُ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَمُوتَنَّ أَوْ لَا أَصْعَدُ السَّمَاءَ فَكَذَلِكَ لِتَحَقُّقِهِ فِي نَفْسِهِ فَلَا مَعْنَى لِتَحَقُّقِهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحِنْثُ وَفَارَقَ انْعِقَادَهَا فِيمَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْبِرُّ كَحَلِفِهِ لَيَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ أَوْ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ بِأَنَّ امْتِنَاعَ الْحِنْثِ لَا يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ وَامْتِنَاعَ الْبِرِّ يُخِلُّ بِهِ فَيُحْوِجُ إلَى التَّكْفِيرِ وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ الْيَمِينُ تَحْقِيقُ الْأَمْرِ أَوْ تَوْكِيدُهُ (بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَكِنْ يُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ لَا يَدْخُلُ فِي حَقِيقَةِ الْيَمِينِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ حَلَفْت بِاَللَّهِ وَحَلَفْت بِغَيْرِ اللَّهِ وَفِي الْخَبَرِ «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» وَأَسْقَطَهُ النَّوَوِيُّ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حَقِيقَةِ الْيَمِينِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْكَفَّارَةِ (وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ فِي الْيَمِينِ فَإِنْ حَلَفَ كَاذِبًا عَالِمًا) بِالْحَالِ (عَلَى مَاضٍ فَهِيَ) الْيَمِينُ (الْغَمُوسُ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَيَنْبَغِي الْجَوَازُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ أَوْجَهُهُمَا الثَّانِي) هُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ وَثَانِيهِمَا لَا أُجْرَةَ) هُوَ الْأَصَحُّ

(قَوْلُهُ أَوْجَهُهُمَا الْأَوَّلُ) هُوَ الْأَصَحُّ

(كِتَابُ الْأَيْمَانِ) (قَوْلُهُ غَيْرُ ثَابِتٍ) أَيْ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا (قَوْلُهُ أَوْ مُمْتَنِعًا) أَيْ إثْبَاتًا لَا نَفْيًا (تَنْبِيهٌ) الْحَالِفُ هُنَا مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ قَاصِدٌ نَاطِقٌ قَالَ شَيْخُنَا: أَوْ أَخْرَسُ بِإِشَارَةٍ كَمَا مَرَّ فِي اللِّعَانِ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحِنْثُ) فَالْمُرَادُ بِالثَّابِتِ مَا هُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حَقِيقَةِ الْيَمِينِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَإِنْ حَلَفَ كَاذِبًا إلَخْ) خَرَجَ بِقَوْلِهِ كَاذِبًا مَا إذَا كَانَ صَادِقًا وَالْمُرَادُ بِصِدْقِهِ إنْ تَوَافَقَ يَمِينُهُ قَصْدَهُ، وَإِنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ إذَا كَانَ مَا قَصَدَهُ مِنْ مَجَازِ اللَّفْظِ وَلَمْ يَكُنْ الْمُسْتَحْلِفُ لَهُ حَاكِمًا فَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً وَأَرَادَ الْمَنِيَّ أَوْ لَا جَارِيَةَ لَهُ وَأَرَادَ السَّفِينَةَ أَوْ مَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ فِي يَوْمِهِ وَأَرَادَ بِمَكَّةَ أَوْ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ أَوْ مَا كَاتَبْت زَيْدًا وَنَوَى مُكَاتَبَةَ الْعَبْدِ أَوْ مَا عَرَّفْته وَنَوَى مَا جَعَلْته عَرِيفًا أَوْ مَا عَلَّمْته وَنَوَى مَا شَقَقْت شَفَتَهُ أَوْ مَا سَأَلْته حَاجَةً وَنَوَى الشَّجَرَةَ الصَّغِيرَةَ فَإِنَّهَا تُسَمَّى حَاجَةً أَوْ مَا أَكَلْت دَجَاجَةً وَنَوَى كُبَّةَ الْغَزْلِ وَلَا فَرُّوجَةً وَنَوَى الدُّرَّاعَةَ أَوْ مَا فِي بَيْتِهِ حَصِيرٌ وَنَوَى الْحَقِيرَ أَوْ مَا فِيهِ فُرُشٌ وَنَوَى صِغَارَ الْإِبِلِ أَوْ بَارِيَةً وَنَوَى الدِّيَةَ وَلَوْ قَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ وَقَالَ أَرَدْت نِسَاءَ قَرَابَتِي لَمْ تَطْلُقْ نِسَاؤُهُ وَلَوْ قِيلَ لَهُ أَطْلَقْت امْرَأَتَك فَقَالَ نَعَمْ وَأَرَادَ نَعَمْ بَنِي فُلَانٍ كَانَ عَلَى مَا نَوَى بَاطِنًا، وَإِنْ كَانَ مَأْخُوذًا بِإِقْرَارِهِ ظَاهِرًا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
(قَوْلُهُ فَهِيَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ) وَلَا تَنْعَقِدُ كَمَا جَزْم بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ

تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ أَوْ فِي النَّارِ، وَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ كَمَا وَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ (وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّهُ حَلَفَ بِاَللَّهِ، وَهُوَ مُخْتَارٌ كَاذِبٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ وَالْإِثْمُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا كَمَا فِي الظِّهَارِ وَيَجِبُ فِيهَا التَّعْزِيرُ أَيْضًا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ الصَّلَاحِ فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَفِي وُجُوبِهَا الْقَوْلَانِ فِيمَنْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا

(وَمَنْ حَلَفَ بِلَا قَصْدٍ) بِأَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى لَفْظِ الْيَمِينِ بِلَا قَصْدٍ كَقَوْلِهِ فِي حَالَةِ غَضَبٍ أَوْ لَجَاجٍ أَوْ صِلَةِ كَلَامٍ لَا وَاَللَّهِ تَارَةً بَلَى وَاَللَّهِ أُخْرَى (أَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ) بِأَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى غَيْرِهِ (فَلَغْوٌ) أَيْ فَهُوَ لَغْوُ يَمِينٍ إذْ لَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ تَحْقِيقَ الْيَمِينِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] وَلِخَبَرِ «لَغْوُ الْيَمِينِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ فَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأُولَى لَغْوٌ وَالثَّانِيَةُ مُنْعَقِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا اسْتِدْرَاكٌ مَقْصُودٌ مِنْهُ (وَيُصَدَّقُ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ) تَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ الْيَمِينَ الَّتِي حَلَفَهَا (إنْ قَالَ لَمْ أَقْصِدْ) هَا (وَلَا يُصَدَّقُ) ظَاهِرًا (فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْإِيلَاءِ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ؛ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِإِجْرَاءِ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ بِلَا قَصْدٍ بِخِلَافِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَدَعْوَاهُ فِيهَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ فَلَا يُصَدَّقُ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ الْيَمِينَ لَمْ يُصَدَّقْ ظَاهِرًا

(وَلَوْ قَالَ أَعْزِمُ) أَوْ عَزَمْت (أَوْ أُقْسِمُ) أَوْ أَقْسَمْت أَوْ آلِي أَوْ آلَيْت (عَلَيْك بِاَللَّهِ) أَوْ أَسْأَلُك أَوْ سَأَلْتُك بِاَللَّهِ (لَتَفْعَلَن) كَذَا (وَقَصَدَ عَقْدَ الْيَمِينِ لِنَفْسِهِ كَانَ يَمِينًا) لِظَاهِرِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ وَالتَّصْرِيحُ بِعَزَمَ مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا (وَيُنْدَبُ) لِلْمُخَاطَبِ (إبْرَارُهُ) لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِ هَذَا (إنْ أُبِيحَ) الْإِبْرَارُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ هَذَا إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ الْإِبْرَارُ ارْتِكَابَ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الَّذِي لَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ يُسْتَحَبُّ إبْرَارُ الْحَالِفِ عَلَى تَرْكِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَسَيَأْتِي أَنَّ الْحَلِفَ عَلَى تَرْكِهِ وَالْإِقَامَةِ عَلَيْهِ مَكْرُوهَانِ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَفِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْلَى انْتَهَى لَكِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ هَذَا وَاَلَّذِي قَالَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُخَاطَبِ إبْرَارُ قَسَمِ الْحَالِفِ حَيْثُ أَمْكَنَهُ شَرْعًا وَرَجَحَتْ مَصْلَحَةُ إبْرَارِهِ انْتَهَى أَمَّا إذَا لَمْ يَقْصِدْ عَقْدَ الْيَمِينِ لِنَفْسِهِ بِأَنْ قَصَدَهُ لِلْمُخَاطَبِ أَوْ قَصَدَ بِهِ الشَّفَاعَةَ أَوْ أَطْلَقَ فَلَيْسَ يَمِينًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ صَرِيحًا فِيهَا وَالْإِطْلَاقُ مَحْمُولٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ

(وَيُكْرَهُ السُّؤَالُ بِوَجْهِ اللَّهِ) تَعَالَى (وَرَدُّ السَّائِلِ بِهِ) لِخَبَرِ «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إلَّا الْجَنَّةُ» وَخَبَرِ «مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَأَعْطُوهُ رَوَاهُمَا» أَبُو دَاوُد

[فَصْلٌ عَقَّبَ الْحَالِفُ الْيَمِينَ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ]

(فَصْلٌ) لَوْ (عَقَّبَ) الْحَالِفُ (الْيَمِينَ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ) بِالْفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِمَا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ (وَلَمْ تَنْعَقِدْ) يَمِينُهُ لِلتَّعْلِيقِ وَقِيلَ تَنْعَقِدُ لَكِنْ الْمَشِيئَةُ مَجْهُولَةٌ فَلَا يَحْنَثُ وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا وَجَزَمَ كَأَصْلِهِ بِهِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ (وَيُشْتَرَطُ التَّلَفُّظُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَقَصْدُهُ) قَبْلَ فَرَاغِ الْيَمِينِ (وَاتِّصَالُهُ) بِهَا فَلَا يَضُرُّ

[حاشية الرملي الكبير]

وَالْإِمَامُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ اقْتَرَنَ بِنَفْسِ الْيَمِينِ فِي الظَّاهِرِ وَكَذَا فِي الْبَاطِنِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَكِنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ يَقْتَضِي انْعِقَادَهَا وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي انْعِقَادِهَا تَظْهَرُ فِي صُوَرٍ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَى مَاضٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ لِنِسْيَانِهِ وَجَهْلِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ كَمَا إذَا قَالَ وَاَللَّهِ مَا دَخَلْت الدَّارَ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ دَخَلَهَا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا وَكَمَا لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي ظَنِّهِ ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ مَا وَطِئْتهَا مُتَعَمِّدًا الْكَذِبَ ثُمَّ بَانَ أَنَّ الَّتِي وَطِئَهَا غَيْرُ زَوْجَتِهِ فَإِنْ قُلْنَا أَنَّهَا يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ لِمُوَافَقَتِهَا الْوَاقِعَ، وَإِنْ قُلْنَا أَنَّهَا غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ وَجَبَتْ لِانْتِهَاكِ الِاسْمِ الْمُعَظَّمِ وَتَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَهَا فِي الصَّلَاةِ وَقُلْنَا إنَّهَا غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ بَطَلَتْ قَطْعًا، وَإِنْ قُلْنَا بِانْعِقَادِهَا فَكَمَا لَوْ حَلَفَ غَيْرَهَا فِيهَا وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إنْ تَضَمَّنَ خِطَابًا أَبْطَلَهَا وَإِلَّا فَلَا كَمَا لَوْ نَذَرَ فِي الصَّلَاةِ الْحَجَّ وَنَحْوَهُ وَمِنْهَا لَوْ عَقَّبَهَا بِالْمَشِيئَةِ نَفَعَتْهُ إنْ قُلْنَا بِانْعِقَادِهَا وَإِلَّا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ لَا تَرْفَعُ عَنْهُ الْكَذِبَ وَقَوْلُهُ وَلَكِنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ يَقْتَضِي انْعِقَادَهَا إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا) أَيْ أَوْ نَاسِيًا

(قَوْلُهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأُولَى لَغْوٌ وَالثَّانِيَةُ إلَخْ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ جَمْعِهِمَا وَإِفْرَادِهِمَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُرَدُّ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ بِأَنَّ الْغَرَضَ عَدَمُ الْحِنْثِ ش وَكَتَبَ شَيْخُنَا أَيْضًا يُرَدُّ بِأَنَّ الْفَرْضَ عَدَمُ الْقَصْدِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَمْعِ وَالْإِفْرَادِ (قَوْلُهُ وَيُصَدَّقُ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ إلَخْ) قَالَ فِي الْخَادِمِ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّصْدِيقِ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إذَا كَانَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ كَذَا حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ تَعْلِيلِ الرَّافِعِيِّ فَلْيَتَقَيَّدْ بِهِ إطْلَاقُهُ وَقَوْلُهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَفِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْلَى) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ يُخَاطَبُ الْإِنْسَانُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْعَادَةِ لِحَقِّ الْغَيْرِ وَيُكْرَهُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَمِنْ ذَلِكَ صَوْمُ التَّطَوُّعِ إذَا دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ وَشَقَّ عَلَى الدَّاعِي صَوْمُهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْفِطْرُ وَقَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ: يَنْبَغِي إبْرَارُهُ إنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِهَا فِي وَقْتٍ لِمَعْنًى دُونَ مَا إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهَا مُطْلَقًا لِغَيْرِ مَعْنًى (قَوْلُهُ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يُنْدَبُ) هُوَ الصَّحِيحُ

(قَوْلُهُ لَوْ عَقَّبَ الْحَالِفُ الْيَمِينَ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ) شَمِلَ إطْلَاقُهُ الْيَمِينَ تَعْلِيقَهَا بِالْمَاضِي كَمَا لَوْ فَعَلَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ مَا فَعَلْته إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَفْتَى الْبَارِزِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ قَالَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ الْفِعْلَ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَإِنَّمَا عَلَّقَ قَسَمَهُ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْأَصْحَابِ فِي الدَّعَاوَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ حَلَّفَهُ عَلَى نَفْيِ الْغَصْبِ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا غَصَبْته إنْ شَاءَ اللَّهُ كَانَ نَاكِلًا وَتُعَادُ الْيَمِينُ فَلَوْلَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَنْفَعُ فِي الْمَاضِي مَا جَعَلُوهُ نَاكِلًا (قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ التَّلَفُّظُ بِالِاسْتِثْنَاءِ) كَقَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ إنْ أَرَادَ اللَّهُ أَوْ إنْ أَحَبَّ اللَّهُ أَوْ اخْتَارَ أَوْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ أَوْ بِإِرَادَتِهِ أَوْ اخْتِيَارِهِ أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ إلَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ وَلَوْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالِاسْتِثْنَاءِ بَلْ نَوَاهُ فَلَا اسْتِثْنَاءَ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ؛ لِأَنَّهُ كَالْفَسْخِ فَلَمْ يَصِحَّ بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت إنْ دَخَلْت فَإِنَّهُ يَدِينُ؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ فَيَجُوزُ بِالنِّيَّةِ

تَخَلُّلُ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ لِتَذَكُّرٍ أَوْ عَيٍّ أَوْ تَنَفُّسٍ (كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَيَصِحُّ تَقْدِيمُهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ (عَلَى الْيَمِينِ) بِاَللَّهِ تَعَالَى (وَالطَّلَاقِ) وَالْعَتَاقِ كَقَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَن كَذَا أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ (وَ) عَلَى (الْإِقْرَارِ فَإِنْ قَالَ) لِفُلَانٍ (عَلَيَّ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِائَةٌ لَزِمَهُ تِسْعُونَ، وَإِنْ قَدَّمَهُ) عَلَى أَيْمَانٍ (وَلَوْ عَلَى طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ عَبْدِي حُرٌّ بِعَاطِفٍ وَغَيْرِهِ قَصَدَ اسْتِثْنَاءَهُمَا مَعًا أَمْ أَطْلَقَ لَمْ يَقَعَا) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ الْمُتَقَدِّمَ عَلَى الْمُتَعَاطِفَاتِ يَعُودُ إلَى جَمِيعِهَا كَالْمُتَأَخِّرِ عَنْهَا أَمَّا مَعَ الْعَاطِفِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا بِدُونِهِ؛ فَلِأَنَّهُ قَدْ يُحْذَفُ مَعَ إرَادَةِ الْعَطْفِ (وَكَذَا إنْ وَسَّطَ) الِاسْتِثْنَاءَ (كَانَتْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى طَالِقٌ) لَا يَقَعُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَالتَّمْثِيلُ مِنْ زِيَادَتِهِ (فَإِنْ قَالَ أَنْت طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَعَبْدِي حُرٌّ وَنَوَى صَرْفَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَيْهِمَا صَحَّ) فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ انْصَرَفَ إلَى الْأَوَّلِ خَاصَّةً فَيَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلَاقِ (وَقَوْلُهُ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) حُكْمُهُ (كَمَا فِي) نَظِيرِهِ مِنْ (الطَّلَاقِ) فَلَا يَحْنَثُ

(فَرْعٌ) لَوْ (قَالَ وَاَللَّهِ لِأَدْخُلَنَّ الْيَوْمَ) هَذِهِ الدَّارَ (إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ وَأَرَادَ) إلَّا أَنْ يَشَاءَ (عَدَمَ دُخُولِي فَدَخَلَ) فِي الْيَوْمِ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ وَشَاءَ زَيْدٌ عَدَمَ دُخُولِهِ (لَمْ يَحْنَثْ وَحَنِثَ بِتَرْكِ الدُّخُولِ) فِيهِ (مَعَ مَشِيئَتِهِ لَهُ) أَيْ لِلدُّخُولِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَمَعَ الْجَهْلِ بِهَا) بِأَنْ مَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ حِنْثِهِ الْمَشِيئَةُ وَقَدْ جُهِلَتْ (أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ الدُّخُولَ حَنِثَ بِالدُّخُولِ قَبْلَ مَشِيئَتِهِ) سَوَاءٌ أَشَاءَ زَيْدٌ عَدَمَ دُخُولِهِ أَمْ لَا وَلَا يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ بَعْدَهَا وَلَا بِتَرْكِ الدُّخُولِ (وَمَتَى مَاتَ أَوْ جُنَّ) أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ (وَلَمْ يَعْلَمْ مَشِيئَتَهُ حَنِثَ) بِالدُّخُولِ لِمَا مَرَّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا (أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ) لَا أَدْخُلُ (إلَّا أَنْ يَشَاءَ) زَيْدٌ (عَدَمَ الدُّخُولِ لَمْ تَنْعَقِدْ) يَمِينُهُ (حَتَّى يَشَاءَ) عَدَمَ الدُّخُولِ (ثُمَّ يَحْنَثُ بِالدُّخُولِ) وَإِلَّا مِنْ زِيَادَتِهِ وَلَا مَعْنَى لَهَا هُنَا وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ إنْ شَاءَ فُلَانٌ أَنْ لَا أَدْخُلَ فَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ حَتَّى يَشَاءَ فُلَانٌ أَنْ لَا يَدْخُلَ (وَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ لِأَدْخُلَنَّ إنْ شَاءَ فُلَانٌ دُخُولِي لَمْ يَنْعَقِدْ) يَمِينُهُ (حَتَّى يَشَاءَ فُلَانٌ) دُخُولَهُ (فَإِنْ شَاءَ دُخُولَهُ وَدَخَلَ بَعْدَهَا) أَيْ الْمَشِيئَةِ (بَرَّ وَإِلَّا حَنِثَ قَبْلَ الْمَوْتِ) إنْ لَمْ يُقَيِّدْ الدُّخُولَ بِزَمَنٍ (فَلَوْ لَمْ تُعْرَفْ مَشِيئَتُهُ) أَوْ لَمْ يَشَأْ شَيْئًا أَوْ شَاءَ أَنْ لَا يَدْخُلَ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (فَلَا يَحْنَثُ) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ تَنْعَقِدْ

(فَصْلٌ الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقِ لَا بِسَبْقِ لِسَانٍ مَكْرُوهٌ كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ) وَجِبْرِيلَ وَالصَّحَابَةِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» وَلِخَبَرِ «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا تَحْلِفُوا إلَّا بِاَللَّهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ قَالَ الْإِمَامُ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مَعْصِيَةً مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ مِنْ ذَلِكَ فَلَوْ حَلَفَ بِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ يَمِينُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (فَإِنْ اعْتَقَدَ تَعْظِيمَهُ كَمَا) وَفِي نُسْخَةٍ بِمَا (يُعَظِّمُ اللَّهَ) بِأَنْ اعْتَقَدَ فِيهِ مِنْ التَّعْظِيمِ مَا يَعْتَقِدُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى (كَفَرَ) وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ خَبَرُ الْحَاكِمِ «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ» أَمَّا إذَا سَبَقَ لِسَانُهُ إلَيْهِ بِلَا قَصْدٍ فَلَا كَرَاهَةَ بَلْ هُوَ لَغْوُ يَمِينٍ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ»

(وَإِنْ قَالَ إنْ فَعَلْت) كَذَا (فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ) أَوْ مِنْ رَسُولِهِ أَوْ مِنْ الْإِسْلَامِ (أَوْ مِنْ الْكَعْبَةِ أَوْ) فَأَكُونُ (مُسْتَحِلًّا) الْأَوْلَى قَوْلُ أَصْلِهِ مُسْتَحِلٌّ أَيْ أَوْ أَنَا مُسْتَحِلٌّ (لِلْخَمْرِ) أَوْ الْمَيْتَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (فَلَيْسَ بِيَمِينٍ) لِعُرُوِّهِ عَنْ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَتِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَحْلُوفَ بِهِ حَرَامٌ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ كَقَوْلِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا زَانٍ أَوْ سَارِقٌ (فَإِنْ قَصَدَ) بِهِ (تَبْعِيدَ نَفْسِهِ) عَنْ ذَلِكَ أَوْ أَطْلَقَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَذْكَارِ (لَمْ يَكْفُرْ) لَكِنَّهُ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ (أَوْ) قَصَدَ (الرِّضَا بِذَلِكَ إنْ فَعَلَهُ كَفَرَ فِي الْحَالِ فَإِنْ لَمْ نُكَفِّرْهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ) فَيَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لَكِنْ ظَاهِرُ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بِاَللَّاتِي وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَالتَّصْرِيحُ بِالِاسْتِحْبَابِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي نُكَتِهِ (وَ) أَنْ (يَسْتَغْفِرَ) اللَّهَ تَعَالَى (وَيُسْتَحَبُّ) أَيْضًا (أَنْ يَسْتَغْفِرَ) اللَّهَ (مِنْ كُلِّ إثْمٍ وَيَجِبُ أَنْ يَتُوبَ مِنْهُ) عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا لِكُلٍّ مَنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ قَبِيحٍ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ وَتَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ مُحَرَّمٍ -

[حاشية الرملي الكبير]

[فَرْعٌ قَالَ وَاَللَّهِ لِأَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ وَأَرَادَ عَدَمَ الدُّخُولِ فَدَخَلَ]

قَوْلُهُ وَلَا مَعْنَى لَهَا هُنَا) هِيَ سَاقِطَةٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ

[فَصْلٌ الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقِ]

(قَوْلُهُ الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقِ لَا بِسَبْقِ لِسَانٍ مَكْرُوهٌ) ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ» وَرُوِيَ «فَقَدْ أَشْرَكَ» فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ فِيمَا حَلَفَ بِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ مَا يَعْتَقِدُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ قِيلَ قَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّجْمِ وَبِالسَّمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ» قُلْنَا أَمَّا فِي الْقُرْآنِ فَذِكْرُ الرَّبِّ فِيهِ مُضْمَرًا أَيْ وَرَبِّ النَّجْمِ وَرَبِّ السَّمَاءِ كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ﴾ [الذاريات: 23] وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ اللَّهِ مَنْ يُعَظَّمُ تَعْظِيمَهُ بِخِلَافِنَا وَمَا وَرَدَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى لَغْوِ الْيَمِينِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّهْيِ وَيُؤَيِّدُهُ الْخَبَرُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ مُبَاحًا (قَوْلُهُ كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ) أَوْ وَرِزْقِ اللَّهِ أَوْ وَإِحْيَاءِ اللَّهِ أَوْ وَإِمَاتَةِ اللَّهِ أَوْ وَتَصْوِيرِ اللَّهِ أَوْ وَثَوَابِ اللَّهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ

(قَوْلُهُ أَوْ أَطْلَقَ) كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَذْكَارِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْقِيَاسُ التَّكْفِيرُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِيهِ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ لَكِنْ عَارَضَهُ الْعُرْفُ فِي صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ التَّعْلِيقِ إلَى التَّبْعِيدِ وَإِلَى مِثْلِ مَا ذَكَرَهُ يُشِيرُ كَلَامُ ابْنِ الْعِمَادِ (قَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ) وَابْنُ الرِّفْعَةِ فِي مَطْلَبِهِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَأَفْهَمَ كَلَامُ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ (قَوْلُهُ أَوْ قَصَدَ الرِّضَا بِذَلِكَ) أَيْ أَوْ التَّعْلِيقَ (قَوْلُهُ فَيَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) قَالَ شَيْخُنَا مُرَادُ الشَّارِحِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَعَ لَفْظِ أَشْهَدُ (قَوْلُهُ وَبِهِ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي نُكَتِهِ) وَفِي الِاسْتِقْصَاءِ أَنَّهُ وَاجِبٌ (قَوْلُهُ وَتَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ مُحَرَّمٍ) قَالَ شَيْخُنَا شَمِلَ الصَّغَائِرَ وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ تَكْفِيرُ الصَّلَوَاتِ

(فَصْلٌ حُرُوفُ الْقَسَمِ) ثَلَاثَةٌ (الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ) لِاشْتِهَارِهَا فِيهِ شَرْعًا وَعُرْفًا وَزَادَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ الْأَلِفَ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ كِنَايَةٌ وَالْأَصْلُ الْبَاءُ الْمُوَحَّدَةُ ثُمَّ الْوَاوُ ثُمَّ التَّاءُ الْفَوْقِيَّةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ الْوَاوِ وَالْوَاوُ مِنْ الْبَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ وَلِدُخُولِهَا عَلَى الْمُضْمَرِ كَالْمُظْهَرِ تَقُولُ حَلَفْت بِك وَبِهِ لَأَفْعَلَنَّ وَالْوَاوُ تَخْتَصُّ بِالْمُظْهَرِ وَالتَّاءُ لَا تَدْخُلُ إلَّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ (فَإِنْ قَالَ تَاللَّهِ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ) أَوْ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا (وَأَرَادَ غَيْرَ الْيَمِينِ) بِأَنْ قَالَ أَرَدْت تَاللَّهِ أَوْ وَاَللَّهِ ثُمَّ ابْتَدَأْت لَأَفْعَلَن (قُبِلَ) مِنْهُ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لِاحْتِمَالِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَرَادَ الْيَمِينَ أَوْ أَطْلَقَ (وَكَذَا لَوْ قَالَ بِاَللَّهِ بِالْمُوَحَّدَةِ) لَأَفْعَلَن كَذَا فَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ الْيَمِينِ بِأَنْ قَالَ أَرَدْت وَثِقْت أَوْ اسْتَعَنْت بِاَللَّهِ قُبِلَ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا (وَقَوْلُهُ فَاَللَّهِ) بِالْفَاءِ (أَوْ يَالِلَّهِ بِالْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ أَوْ آللَّهِ) بِالْمَدِّ لَأَفْعَلَن كَذَا (كِنَايَةً) فَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ فَيَمِينٌ وَإِلَّا فَلَا وَوَجْهُ كَوْنِهِ يَمِينًا فِي الثَّانِيَةِ بِحَذْفِ الْمُنَادَى وَكَأَنَّهُ قَالَ يَا قَوْمُ أَوْ يَا رَجُلُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْيَمِينَ.
(وَلَوْ قَالَ لَهُ الْقَاضِي قُلْ وَاَللَّهِ فَقَالَ تَاللَّهِ بِالْمُثَنَّاةِ أَوْ الرَّحْمَنِ لَمْ يَجُزْ) أَيْ لَمْ يُحْسَبْ يَمِينًا لِمُخَالَفَتِهِ التَّحْلِيفَ وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ يَمِينًا فِيمَا لَوْ قَالَ لَهُ قُلْ تَاللَّهِ بِالْمُثَنَّاةِ فَقَالَ بِاَللَّهِ بِالْمُوَحَّدَةِ أَوْ قُلْ بِاَللَّهِ فَقَالَ وَاَللَّهِ وَفِيهِ تَرَدُّدٌ ذَكَرَهُ الْأَصْلُ هُنَا وَسَأَذْكُرُهُ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي مَحَلِّهِ الَّذِي أَشَارَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ إلَى ذَلِكَ مَعَ بَيَانِ أَنَّهُ نُكُولٌ أَوْ لَا (وَلَوْ لَحَنَ فَرَفَعَ الْهَاءَ) أَوْ نَصَبَهَا أَوْ سَكَّنَهَا (لَمْ يَضُرَّ) ؛ لِأَنَّ اللَّحْنَ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ (وَلَوْ حَذَفَ حَرْفَ الْقَسَمِ) فَقَالَ اللَّهِ: لَأَفْعَلَنَّ كَذَا بِجَرِّهِ أَوْ نَصْبِهِ أَوْ رَفْعِهِ أَوْ إسْكَانِهِ (فَكِنَايَةٌ) فَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ فَيَمِينٌ وَإِلَّا فَلَا وَاللَّحْنُ، وَإِنْ قِيلَ بِهِ الرَّفْعُ لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ كَمَا مَرَّ عَلَى أَنَّهُ لَا لَحْنَ فِي ذَلِكَ فَالرَّفْعُ بِالِابْتِدَاءِ أَيْ اللَّهُ أَحْلِفُ بِهِ وَالنَّصْبُ بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَالْجَرُّ بِحَذْفِهِ وَإِبْقَاءِ عَمَلِهِ وَالْإِسْكَانُ بِإِجْرَاءِ الْوَصْلِ مَجْرَى الْوَقْفِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيُحْتَجُّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ رُكَانَةَ «اللَّهُ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً» رَوَاهُ الْعِمْرَانِيُّ بِالرَّفْعِ وَالرُّويَانِيُّ بِالْجَرِّ وَبِقَوْلِهِ لِابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَتْلِهِ أَبَا جَهْلٍ اللَّهَ قَتَلْته بِالنَّصْبِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ (وَلَوْ قَالَ لَهُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ) بَعْدَ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ (لَغَا) فَلَا يَكُونُ يَمِينًا، وَإِنْ نَوَاهَا هَذَا بَحَثَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَتِهِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا لَحْنٌ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ اللَّحْنَ مُخَالَفَةُ صَوَابِ الْإِعْرَابِ بَلْ هَذِهِ كَلِمَةٌ أُخْرَى وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَيْسَ هُوَ لَحْنًا بَلْ لُغَةً حَكَاهَا الزَّجَّاجِيُّ أَيْ غَيْرُهُ، وَهِيَ شَائِعَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ يَمِينًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَمَا قَالَهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ وَالْأَوَّلُ نَافٍ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَوْ اسْتَحْضَرَ النَّوَوِيُّ مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ لَمَا قَالَ مَا قَالَ وَجَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ بِمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ وَالْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ مِنْ أَنَّهَا يَمِينٌ إنْ نَوَاهَا وَيُحْمَلُ حَذْفُ الْأَلِفِ عَلَى اللَّحْنِ؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ تَجْرِي كَذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامّ وَالْخَوَاصِّ وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ أَوْجَهُ لَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يُرِدْ بِبَلِّهِ الْبِلَّةَ بِمَعْنَى الرُّطُوبَةِ

(فَصْلٌ يَنْعَقِدُ) الْيَمِينُ (بِأَسْمَاءِ اللَّهِ) تَعَالَى (وَصِفَاتِهِ) أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا وَأَسْمَاؤُهُ تَعَالَى ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْحُسْنَى كَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ أَمْ لَا كَاَلَّذِي أَعْبُدُهُ أَوْ أَسْجُدُ لَهُ وَمَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَالْغَالِبُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ تَعَالَى وَمَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَإِطْلَاقُهُ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ وَقَدْ أَخَذَ فِي بَيَانِهَا وَبَيَانِ أَحْكَامِهَا فَقَالَ: (وَمَا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ كَ وَاَلَّذِي أَعْبُدُهُ) أَوْ أُصَلِّي لَهُ (وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ) أَوْ نَفْسِي بِيَدِهِ (وَالْأَسْمَاءُ الْمُخْتَصَّةُ بِاَللَّهِ كَوَاللَّهِ وَالْإِلَهِ وَالرَّحْمَنِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَالِكِ يَوْمِ الدَّيْنِ وَنَحْوِهِ) كَخَالِقِ الْخَلْقِ وَالْحَيِّ

[حاشية الرملي الكبير]

وَنَحْوُهَا لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُكَفَّرَ بِهَا الْإِصْرَارُ، وَأَمَّا الْإِقْدَامُ فَلَا يُكَفِّرُهُ إلَّا التَّوْبَةُ وَمَنْ أَطْلَقَ الِاكْتِفَاءَ بِالِاسْتِغْفَارِ مُرَادُهُ بِهِ التَّوْبَةُ بِشُرُوطِهَا

[فَصْلٌ حُرُوفُ الْقَسَمِ]

(قَوْلُهُ وَالتَّاءُ لَا تَدْخُلُ إلَّا عَلَى اللَّهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ تَخْصِيصَ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ بِلَفْظِ اللَّهِ إنْ أُرِيدَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ لَمْ يَسْتَقِمْ فَلَوْ قَالَ تَالرَّحْمَنِ أَوْ تَالرَّحِيمِ أَوْ تَحَيَاةِ اللَّهِ انْعَقَدَتْ وَغَايَتُهُ أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ شَاذًّا وَقَوْلُهُ انْعَقَدَتْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَيْ اللَّهُ أَحْلِفُ بِهِ) أَوْ قَسَمِي (قَوْلُهُ وَالرُّويَانِيُّ بِالْجَرِّ) وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ فِي أَصْلٍ جَيِّدٍ مِنْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِالنَّصْبِ (قَوْلُهُ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا لَحْنٌ مَمْنُوعٌ إلَخْ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اصْطِلَاحِ النُّحَاةِ فِي مُسَمًّى لِلَّحْنِ وَعَلَيْهِ بَنَى صَاحِبُ الصِّحَاحِ (قَوْلُهُ اللَّحْنُ الْخَطَأُ فِي الْإِعْرَابِ) وَالْمُرَادُ بِاللَّحْنِ فِي تَعْلِيلِ الْأَئِمَّةِ السَّابِقِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَهْذِيبِ الْأَزْهَرِيِّ نَقْلًا عَمَّنْ سَمَّاهُ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ بَلْ قَدْ أَطْلَقَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ النَّحْوِ اللَّحْنَ عَلَى الْخَطَأِ فِي غَيْرِ الْإِعْرَابِ وَصَنَّفُوا كُتُبًا فِي ذَلِكَ أب (قَوْلُهُ وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ أَوْجَهُ) الْأَوْجَهُ مَا جَرَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ (قَوْلُهُ لَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى تَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ إذْ هُوَ مُخْرِجٌ لَهُ مِنْ الْإِطْلَاقِ نَعَمْ يَصِحُّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي مُقَابَلَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ يُرَادُ بِهِ مُقَابِلُ قَصْدِ الْيَمِينِ فَلِهَذَا قَيَّدَ بِغَيْرِ الْبِلَّةِ الَّتِي بِمَعْنَى الرُّطُوبَةِ

[فَصْلٌ يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ]

(قَوْلُهُ الْمُخْتَصَّةُ بِاَللَّهِ) فِيهِ دُخُولُ الْبَاءِ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ وَالْأَفْصَحُ دُخُولُهَا عَلَى الْمَقْصُورِ (فَائِدَةٌ) قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ هُوَ اللَّهُ (قَوْلُهُ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ) سُئِلَ الْمُزَنِيّ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَحَلَّةِ عَنْ شَخْصٍ قَالَ وَرَبِّ يس أَفْعَلُ كَذَا فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ يس مِنْ كَلَامِ الْبَارِي تَعَالَى وَكَلَامُ اللَّهِ صِفَتُهُ وَالصِّفَةُ لَيْسَتْ مَرْبُوبَةً لِكَوْنِهَا قَدِيمَةً قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَبِالْأَوْلَى أَنْ يَفْصِلَ فَإِنْ قَصَدَ الْحَالِفُ بِرَبِّ مَعْنَى الصَّاحِبِ حَنِثَ، وَإِنْ قَصَدَ مَعْنَى التَّرْبِيَةِ لَا يَحْنَثُ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: 180] عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِزَّةِ صِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ، وَإِنْ أُرِيدَ صِفَةُ الْفِعْلِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ لَمْ تَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ حَادِثَةٌ سُئِلْت عَمَّا يَحْلِفُ بِهِ أَهْلُ مِصْرَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَالْجَنَابِ الرَّفِيعِ فَقُلْت إنْ نَوَى بِهِ اللَّهَ تَعَالَى فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ نَوَى بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا إطْلَاقًا وَاحِدًا بَلْ قَدْ يَغْلِبُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ج وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ الْعِرَاقِيُّ سُئِلْت عَمَّنْ حَلَفَ بِالْجَنَابِ الرَّفِيعِ وَأَرَادَ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى هَلْ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ فَأَجَبْت بِأَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ جَنَابِ الْإِنْسَانِ فِنَاءُ دَارِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إلْحَادٌ فِي أَسْمَائِهِ

الَّذِي لَا يَمُوتُ (لَا يَقْبَلُ الصَّرْفَ عَنْ الْيَمِينِ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَقْبَلُهُ فَالْوَجْهُ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ أَصْلِهِ لَا يَقْبَلُ الصَّرْفَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَى غَيْرِهِ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا، وَإِنْ نَوَاهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ وَأَطْلَقَ كَالْأَكْثَرِينَ الْحُكْمَ فِي الْإِلَهِ وَقَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِمَا إذَا كَانَ الْحَالِفُ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِهَا ظَاهِرًا وَيَتَوَقَّفُ بَاطِنًا عَلَى إرَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ هَذَا الِاسْمَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اللَّهِ وَأَوْثَانِهِمْ انْتَهَى وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي وَاَلَّذِي أَعْبُدُهُ أَوْ أُصَلِّي لَهُ أَوْ أَسْجُدُ لَهُ أَوْ نَحْوِهَا

(وَمَا لَا يَخْتَصُّ) بِاَللَّهِ (وَهُوَ لِلَّهِ أَغْلَبُ كَالْجَبَّارِ وَالْحَقِّ وَالْمُتَكَبِّرِ وَالْبَارِئِ) التَّصْرِيحُ بِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَالْقَادِرِ وَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ وَالرَّحِيمِ) وَالرَّبِّ (لَا يَنْصَرِفُ عَنْ الْيَمِينِ إلَّا بِنِيَّةٍ) بِأَنْ يَنْوِيَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَيَنْصَرِفُ عَنْ الْيَمِينِ لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُ وَقَدْ نَوَاهُ (وَكَذَا قَوْلُهُ وَحَقِّ اللَّهِ وَحُرْمَتِهِ بِالْكَسْرِ) لَا يَنْصَرِفُ عَنْ الْيَمِينِ إلَّا بِنِيَّةٍ لِذَلِكَ وَخَرَجَ بِالْكَسْرِ وَالْمُرَادُ الْجَرُّ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ يَمِينًا إلَّا بِنِيَّتِهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ بَعْدُ فِي وَحَقِّ اللَّهِ (أَمَّا الَّذِي يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ وَ) عَلَى (غَيْرِهِ سَوَاءٌ) أَيْ مُسْتَوِيًا (كَالْحَيِّ وَالْمَوْجُودِ وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَرِيمِ وَالْغَنِيِّ فَكِنَايَةٌ) إنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ فَيَمِينٌ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ نَوَاهُ (وَمِنْهُ وَالسَّمِيعُ وَالْبَصِيرُ وَالْعَلِيمُ وَالْحَكِيمُ)

(وَيَنْعَقِدُ) الْيَمِينُ (بِقَوْلِهِ وَعِلْمُ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَحَقِّهِ وَعَظَمَتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ) وَنَحْوِهَا مِنْ سَائِرِ صِفَاتِ الذَّاتِ (إلَّا إنْ أَرَادَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَ وَبِالْقُدْرَةِ الْمَقْدُورَ وَبِالْحَقِّ الْعِبَادَاتِ) وَبِالْعَظَمَةِ مَا يَأْتِي وَبِالسَّمْعِ الْمَسْمُوعَ وَبِالْبَصَرِ الْمُبْصَرَ فَلَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ وَلِهَذَا يُقَالُ فِي الدُّعَاءِ اغْفِرْ عِلْمَك فِينَا أَيْ مَعْلُومَك وَيُقَالُ اُنْظُرْ إلَى قُدْرَةِ اللَّهِ أَيْ مَقْدُورِهِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ وَمَعْلُومِ اللَّهِ وَمَقْدُورِهِ وَخَلْقِهِ وَرِزْقِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِ الْفِعْلِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِيَمِينٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَ صِفَتَيْ الذَّاتِ وَالْفِعْلِ أَنَّ الْأُولَى مَا اسْتَحَقَّهُ فِي الْأَزَلِ وَالثَّانِيَةَ مَا اسْتَحَقَّهُ فِيمَا لَا يَزَالُ دُونَ الْأَزَلِ يُقَالُ عَلِمَ فِي الْأَزَلِ وَلَا يُقَالُ رَزَقَ فِي الْأَزَلِ إلَّا تَوَسُّعًا بِاعْتِبَارِ مَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ الْأَمْرُ (وَكَذَا) قَوْلُهُ (وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ) وَبَقَائِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَيَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهَا ظُهُورَ آثَارِهَا عَلَى الْخَلْقِ (فَقَدْ يُقَالُ) فِي ذَلِكَ (عَايَنْت عَظَمَتَهُ وَكِبْرِيَاءَهُ) وَعِزَّتَهُ وَجَلَالَهُ (وَيُرَادُ مِثْلُ ذَلِكَ) وَقَوْلُهُ وَحَقِّهِ وَعَظَمَتِهِ مُكَرَّرٌ

(وَقَوْلُهُ وَكَلَامُ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَقُرْآنِهِ يَمِينٌ) كَمَا لَوْ حَلَفَ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ (وَكَذَا) قَوْلُهُ (وَالْمُصْحَفِ وَلَوْ أَطْلَقَ) بِأَنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ حُرْمَتَهُ أَوْ حُرْمَةَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ أَوْ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ الْحَلِفَ بِالْقُرْآنِ الْمَكْتُوبِ فَكَانَ هُوَ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (لَا إنْ أَرَادَ) بِهِ (الرَّقَّ وَالْجِلْدَ) أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَا يَكُونُ يَمِينًا (وَلَوْ أَرَادَ بِالْقُرْآنِ الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ) أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ بِالْكَلَامِ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ (لَمْ يَنْعَقِدْ) يَمِينُهُ

(وَإِنْ قَالَ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ أَوْ أَحْلِفُ) أَوْ حَلَفْت (أَوْ أُولِي) أَوْ آلَيْت (أَوْ أَقْسَمْت) بِاَللَّهِ (فَيَمِينٌ وَلَوْ أَطْلَقَ) ؛ لِأَنَّهُ عُرْفُ الشَّرْعِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: 109] (فَإِنْ قَالَ أَرَدْت) بِالْمُضَارِعِ (الْوَعْدَ) بِالْحَلِفِ (وَ) بِالْمَاضِي (الْإِخْبَارَ) عَنْ حَلِفٍ مَاضٍ (قُبِلَ) ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلَوْ فِي الْإِيلَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لِاحْتِمَالِ مَا قَالَهُ وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا مَرَّ أَوَّلَ الْبَابِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَمْ أَقْصِدْ الْيَمِينَ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّهُ هُنَا ادَّعَى مَا يُوَافِقُهُ ظَاهِرُ الصِّيغَةِ مِنْ أَقْسَمْت أَوْ أُقْسِمُ أَوْ نَحْوِهِ بِخِلَافِهِ

[حاشية الرملي الكبير]

فَإِنْ قُلْت قَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الرَّفِيعُ وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر: 15] وَالرَّفِيعُ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى غَيْرِهِ لَكِنْ قَدْ اقْتَرَنَتْ النِّيَّةُ بِإِرَادَتِهِ فَوَجَبَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلَيْهِ قُلْت كَيْفَ يُعْمَلُ بِالنِّيَّةِ فِي ذَلِكَ مَعَ اقْتِرَانِهِ لَفْظًا بِمَا يُنَافِي ذَلِكَ، وَهُوَ الْجَنَابُ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الرَّفِيعِ وَأَرَادَ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَيْنَا فِيهِ الْخِلَافَ فِي نَظَائِرِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ وَالْمَوْجُودِ وَنَحْوِهِمَا أَمَّا بَعْدَ أَنْ قَرَنَ بِهِ مَا يُنَافِيهِ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَعْمَلَ النِّيَّةُ الْمُضَادَّةُ لِلَّفْظِ وَقَوْلُهُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَالْأَوْلَى إلَخْ كَتَبَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا مَا ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ ظَاهِرٌ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِ الْعِرَاقِيِّ فَأَجَبْت بِأَنَّهَا إلَخْ هُوَ كَمَا قَالَ (قَوْلُهُ فَالْوَجْهُ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ أَصْلِهِ إلَخْ) هُوَ مَحْمَلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ قَالَ تَاللَّهِ بِالْمُثَنَّاةِ إلَى آخِرِهِ (تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ كَلَامُ الْمَحَامِلِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّالِبِ الْغَالِبِ يَمِينٌ صَرِيحَةٌ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إنَّ الْحَلِفَ بِذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ وَلَمْ تَرِدْ التَّسْمِيَةُ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَ الْأَصْحَابُ ذِكْرَهُمَا فِي الْأَيْمَانِ لِيَقَعَ الرَّدْعُ بِهِمَا لِلْحَالِفِ وَفِي مُشْكَلِ الْوَسِيطِ فِي بَابِ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى جَوَازُ إطْلَاقِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ

(قَوْلُهُ أَمَّا الَّذِي يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى غَيْرِهِ إلَخْ) اسْتَفَدْنَا مِنْ كَلَامِهِمْ هُنَا جَوَازَ التَّسْمِيَةِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِهِ أَمَّا الْمُخْتَصُّ بِهِ فَيَحْرُمُ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (قَوْلُهُ إنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ إلَخْ) إذْ لَا تَكْفِي نِيَّةُ الْيَمِينِ اتِّفَاقًا

(قَوْلُهُ وَتَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ وَعِلْمِ اللَّهِ إلَخْ) لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى الذَّاتِ وَغَيْرِهَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ (قَوْلُهُ وَبَصَرِهِ) أَيْ وَحُرْمَتِهِ (قَوْلُهُ وَنَحْوِهَا مِنْ سَائِرِ صِفَاتِ الذَّاتِ) الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةُ كَكَوْنِهِ تَعَالَى أَزَلِيًّا وَأَنَّهُ وَاجِبُ الْوُجُودِ، وَهِيَ كَالزَّائِدَةِ عَلَى الذَّاتِ وَمِنْهَا السَّلْبِيَّةُ كَقَوْلِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ وَلَا فِي جِهَةٍ وَلَمْ أَرَ فِيهَا شَيْئًا وَالظَّاهِرُ انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِاَللَّهِ ر

(قَوْلُهُ وَكَذَا وَالْمُصْحَفِ) أَيْ وَالْقُرْآنِ وَكَتَبَ أَيْضًا إذَا حَلَفَ الْمُسْلِمُ بِآيَةٍ مَنْسُوخَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ بِالتَّوْرَاةِ أَوْ بِالْإِنْجِيلِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَمِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ مَوْضِعِ الْيَمِينِ مِنْ تَعْلِيقِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمَنْسُوخَةُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ مَسُّهُ وَهَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِقِرَاءَتِهِ وَالصَّحِيحُ لَا يَحْرُمُ وَتَبْطُلُ وَبِهِ يَقْوَى عَدَمُ الِانْعِقَادِ لِانْتِفَاءِ الْحُرْمَةِ (قَوْلُهُ فَكَانَ هُوَ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ) وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَحْسَنَ التَّحْلِيفَ بِالْمُصْحَفِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ الْيَمِينُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَمْ يَحْلِفْ بِهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَرَادَ بِالْقُرْآنِ الْخُطْبَةَ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: 204] (قَوْلُهُ وَالصَّلَاةَ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: 78]

(قَوْلُهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: 109]

فِيمَا مَرَّ إذْ قَوْلُهُ وَاَللَّهِ لَا فَعَلْت كَذَا لَا يُوَافِقُ مَا ادَّعَاهُ (وَإِنْ حَذَفَ) مِنْ ذَلِكَ (اسْمَ اللَّهِ لَغَا) فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً (وَإِنْ نَوَى) الْيَمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (فِي الْإِيلَاءِ) التَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ وَلَوْ جَعَلَهُ بَعْدَ وَالْأَخْبَارِ كَانَ مُوَافِقًا لِأَصْلِهِ وَلَعَلَّ تَأْخِيرَهُ مِنْ النُّسَّاخِ وَمَعَ هَذَا فَالْأَمْرُ قَرِيبٌ وَالْكُلُّ صَحِيحٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَذَفَهُ ثَمَّ لِلْإِشْكَالِ الَّذِي أُجِيبَ عَنْهُ لَمَّا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ عَنْهُ جَوَابٌ

(وَلَوْ قَالَ أَشْهَدُ) أَوْ شَهِدْت (أَوْ أَعْزِمُ) أَوْ عَزَمْت (بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا إنْ نَوَى) فَيَمِينٌ قَالُوا لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ فِي أَشْهَدُ قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 1] إذْ الْمُرَادُ نَحْلِفُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: 16] وَقِيسَ بِهِ الْبَاقِي فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ يَمِينًا إذَا نَوَى غَيْرَهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ أَطْلَقَ لِتَرَدُّدِهِ وَعَدَمِ إطْرَادِ عُرْفٍ شَرْعِيٍّ أَوْ لُغَوِيٍّ بِهِ

(وَلَوْ قَالَ الْمَلَاعِنُ) فِي لِعَانِهِ (أَشْهَدُ بِاَللَّهِ) وَكَانَ (كَاذِبًا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ) ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَ الْيَمِينِ إذْ لَا أَثَرَ لِلتَّوْرِيَةِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَك أَنْ تَقُولَ إنَّمَا لَا تُؤَثِّرُ التَّوْرِيَةُ حِينَئِذٍ فِي الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ وَالْكَفَّارَةُ حُكْمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ لَا تَلْزَمُهُ إذَا لَمْ يَنْوِ الْيَمِينَ وَرُدَّ بِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْيَمِينِ مِنْ التَّحْرِيمِ وَالْإِثْمِ حُكْمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ بِالتَّوْرِيَةِ قَطْعًا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ تَعَدَّدَتْ قَطْعًا بِخِلَافِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ فِي الْمَاضِي حَلِفٌ وَكَذَا فِي الْقَسَامَةِ انْتَهَى وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ الْحِنْثَ فِي الْمَاضِي مُقَارِنٌ لِلْيَمِينِ بِخِلَافِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ

(وَقَوْلُهُ لَا هَالِلْهُ) بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ كِنَايَةٌ إنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ فَيَمِينٌ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي اللُّغَةِ لِعَدَمِ اشْتِهَارِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَ (أَيْمُ اللَّهِ) بِضَمِّ الْمِيمِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا وَوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ قَطْعُهَا (وَأَيْمُنُ اللَّهِ) ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَمِينًا إذَا أَطْلَقَ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ اشْتَهَرَ فِي اللُّغَةِ وَوَرَدَ فِي الْخَبَرِ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْخَوَاصُّ (وَلَعَمْرُ اللَّهِ) وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْبَقَاءُ وَالْحَيَاةُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْعِبَادَاتِ وَالْمَفْرُوضَاتِ (وَكَذَا) قَوْلُهُ (وَعَلَى عَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ وَأَمَانَتِهِ وَذِمَّتِهِ وَكَفَالَتِهِ) أَيْ كُلٌّ مِنْهَا كِنَايَةٌ سَوَاءٌ أَضَافَ الْمَعْطُوفَاتِ إلَى الضَّمِيرِ كَمَا مَثَّلَ أَمْ إلَى الِاسْمِ الظَّاهِرِ وَالْمُرَادُ بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا نَوَى بِهِ الْيَمِينَ اسْتِحْقَاقُهُ لِإِيجَابِ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْنَا وَتَعَبَّدْنَا بِهِ وَإِذَا نَوَى بِهِ غَيْرَهَا الْعِبَادَاتُ الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا وَقَدْ فَسَّرَ بِهَا الْأَمَانَةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: 72] (فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ بِالْكُلِّ انْعَقَدَتْ) يَمِينٌ (وَاحِدَةٌ وَالْجَمْعُ) بَيْنَ الْأَلْفَاظِ (تَأْكِيدٌ) كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْحِنْثِ فِيهَا إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ نَوَى بِكُلِّ لَفْظٍ يَمِينًا كَانَ يَمِينًا وَلَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ مِرَارًا وَنَوَى بِكُلِّ مَرَّةٍ يَمِينًا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَإِنْ قَالَ وَحَقُّ اللَّهِ بِالرَّفْعِ أَوْ النَّصْبِ فَكِنَايَةٌ) لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ اسْتِحْقَاقِ الطَّاعَةِ وَالْإِلَهِيَّةِ

(الْبَابُ الثَّانِي فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَفِيهِ أَطْرَافٌ) ثَلَاثَةٌ (الْأَوَّلُ فِي سَبَبِ الْكَفَّارَةِ فَتَجِبُ بِالْيَمِينِ وَالْحِنْثِ جَمِيعًا) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّبَبُ مُجَرَّدَ الْيَمِينِ لَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْحِنْثُ أَوْ مُجَرَّدُ الْحِنْثِ لَمَا جَازَ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ

(فَصْلٌ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ بِغَيْرِ الصَّوْمِ عَلَى الْحِنْثِ) لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «وَإِذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِسَبَبَيْنِ فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَى أَحَدِهِمَا كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ أَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ كَالصَّلَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِ الْخِصَالِ الْمَالِيَّةِ وَالْعَجْزُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْوُجُوبِ (وَلَوْ) كَانَ الْحِنْثُ (بِمَعْصِيَةٍ) مِنْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَزْنِي فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ لِوُجُودِ أَحَدِ السَّبَبَيْنِ وَالتَّكْفِيرُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إبَاحَةٌ وَلَا تَحْرِيمٌ بَلْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ قَبْلَ الْيَمِينِ وَبَعْدَهَا وَقَبْلَ التَّكْفِيرِ وَبَعْدَهُ وَخَرَجَ بِالْحِنْثِ الْيَمِينُ فَلَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ عَلَى السَّبْيَيْنِ وَمِنْهُ لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك لَمْ يَجُزْ التَّكْفِيرُ قَبْلَ دُخُولِهَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ تَنْعَقِدْ بَعْدُ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَكَمَا لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى السَّبَبَيْنِ لَا تَجُوزُ مُقَارَنَتُهَا لِلْيَمِينِ حَتَّى لَوْ وَكَّلَ مَنْ يُعْتِقُ عَنْهَا مَعَ شُرُوعِهِ فِي الْيَمِينِ لَمْ يَجُزْ بِالِاتِّفَاقِ قَالَهُ الْإِمَامُ (وَتَأْخِيرُهَا) عَنْ الْحِنْثِ (أَفْضَلُ) -

[حاشية الرملي الكبير]

وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 106]

(قَوْلُهُ وَرُدَّ بِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْيَمِينِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَكَذَا فِي الْقَسَامَةِ) حَتَّى لَوْ حَلَفَ فِيهَا خَمْسِينَ يَمِينًا كَاذِبًا لَزِمَتْهُ خَمْسُونَ كَفَّارَةً

(قَوْلُهُ إنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ فَيَمِينٌ وَإِلَّا فَلَا) مِثْلُهُ مَا لَوْ قَالَ وَرَبِّ الدَّابَّةِ لَا أَفْعَلُ كَذَا (قَوْلُهُ الْعِبَادَاتُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ اسْتِحْقَاقُهُ (قَوْلُهُ، وَإِنْ قَالَ وَحَقِّ اللَّهِ) أَوْ وَعِلْمِ اللَّهِ (قَوْلُهُ بِالرَّفْعِ أَوْ النَّصْبِ فَكِنَايَةٌ) لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْجَرِّ وَالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ فِي الْجَمِيعِ فَيَجُوزُ حَمْلُ إطْلَاقِهِ عَلَى الْيَمِينِ إلَّا أَنْ يُفَسِّرَهُ بِخِلَافِهِ ع

[الْبَابُ الثَّانِي فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ]

[الطَّرَف الْأَوَّلُ فِي سَبَبِ كَفَّارَة الْيَمِينِ]

(الْبَابُ الثَّانِي فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ) (قَوْلُهُ فَتَجِبُ بِالْيَمِينِ وَالْحِنْثِ جَمِيعًا) ، وَإِنْ كَانَ عَقَدَهَا طَاعَةً، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مَاضٍ وَكَتَبَ أَيْضًا شَمِلَ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ مَا لَوْ كَانَ الْعَقْدُ طَاعَةً وَالْحِنْثُ مَعْصِيَةً خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ فِي قَوْلِهِ أَنَّهَا وَجَبَتْ بِالْحِنْثِ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ فِي الْحَاوِي إنْ كَانَ عَقْدُ الْيَمِينِ طَاعَةً وَحَلُّهَا مَعْصِيَةً مِثْلَ لَا زَنَيْت فَإِذَا زَنَى كَفَّرَتْ إثْمَ الْحِنْثِ، وَإِنْ كَانَ عَكَسَهُ مِثْلَ لَا صَلَّيْت فَإِذَا صَلَّى كَفَّرَتْ إثْمَ الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ وَالْحِلُّ مُبَاحَيْنِ مِثْلَ لَا أَلْبِسُ هَذَا تَعَلَّقَتْ الْكَفَّارَةُ بِهِمَا، وَهِيَ بِالْحِنْثِ أَحَقُّ لِاسْتِقْرَارِ وُجُوبِهَا بِهِ

[فَصْلٌ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ بِغَيْرِ الصَّوْمِ عَلَى الْحِنْثِ]

(قَوْلُهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ إلَخْ) قَالَ الدَّارِمِيُّ: لَوْ قَدَّمَ ثُمَّ لَمْ يَحْنَثْ اسْتَرْجَعَ كَالزَّكَاةِ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَإِنْ أَيِسَ عَنْ الْحِنْثِ وَكَانَ قَدْ شَرَطَ الرُّجُوعَ فَلَهُ الِاسْتِرْجَاعُ (قَوْلُهُ بِغَيْرِ حَاجَةٍ) وَاحْتَرَزُوا بِقَوْلِهِمْ بِغَيْرِ حَاجَةٍ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ

لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ (وَإِنْ قَالَ أَعْتَقْت عَبْدِي عَنْ كَفَّارَتِي إنْ حَنِثْت فَحَنِثَ أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ عَنْ الْكَفَّارَةِ (وَإِنْ قَالَ) أَعْتِقُهُ عَنْهَا (إنْ حَلَفْت لَمْ يَجُزْهُ) عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ التَّعْلِيقَ عَلَى الْيَمِينِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا قَدَّمَهُ عَلَى الْحِنْثِ فَقَطْ (وَإِنْ قَالَ إنْ حَنِثْت) فِي يَمِينِي (غَدًا فَعَبْدِي حُرٌّ عَنْ كَفَّارَتِي فَإِنْ حَنِثَ غَدًا عَتَقَ وَأَجْزَأَهُ) عَنْهَا (وَإِلَّا فَلَا) ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ لَمْ يُوجَدْ (وَإِنْ قَالَ أَعْتِقُهُ عَنْ كَفَّارَتِي إنْ حَنِثْت فَبَانَ حَانِثًا عَتَقَ وَأَجْزَأَهُ) عَنْهَا وَإِلَّا فَلَا نَعَمْ إنْ حَنِثَ بَعْدَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ عَنْهَا (أَوْ) قَالَ أَعَتَقْته عَنْ كَفَّارَتِي (إنْ حَلَفْت وَحَنِثْت فَبَانَ حَالِفًا قَالَ الْبَغَوِيّ لَمْ يَجُزْهُ لِلشَّكِّ فِي الْحَلِفِ) بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا فَإِنَّ الشَّكَّ فِي الْحِنْثِ وَالتَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ جَائِزٌ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ قَالَ هُوَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي إنْ ظَاهَرْت فَبَانَ مُظَاهِرًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ (وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُعْتَقُ) بِفَتْحِ التَّاءِ عَنْ الْكَفَّارَةِ (أَوْ مَاتَ) أَوْ تَعَيَّبَ (بَعْدَ الْيَمِينِ قَبْلَ الْحِنْثِ لَمْ يُجْزِهِ) عَنْهَا كَمَا لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ فَارْتَدَّ الْآخِذُ لَهَا أَوْ مَاتَ أَوْ اسْتَغْنَى قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ

(فَرْعٌ تُجْزِئُ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ وَالصَّيْدِ غَيْرُ الصَّوْمِ بَعْدَ الْجُرْحِ) وَقَبْلَ الزَّهُوقِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَبِخِلَافِ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الْجُرْحِ لِمَا مَرَّ

(وَلِلْمُظَاهِرِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ قَبْلَ الْعَوْدِ) لِمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (وَصُورَتُهُ أَنْ يُظَاهِرَ مِنْ رَجْعِيَّةٍ ثُمَّ يُرَاجِعَهَا أَوْ يُظَاهِرَ مِنْ زَوْجَتِهِ فَيُطَلِّقُهَا رَجْعِيًّا ثُمَّ يُكَفِّرُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا) أَوْ يُظَاهِرُ مُؤَقَّتًا وَيُكَفِّرُ ثُمَّ يَطَأُ أَوْ يُظَاهِرُ فَتَرْتَدُّ الزَّوْجَةُ فَيُكَفِّرُ ثُمَّ تُسْلِمُ هِيَ (وَالْعِتْقُ) عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ (عَقِيبَ الظِّهَارِ) فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ (عِتْقٌ مَعَ الْعَوْدِ) لَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالتَّكْفِيرِ عَوْدٌ، وَإِنْ أَجْزَأَ ذَلِكَ أَيْضًا

[فَرْعٌ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِ]

(فَرْعٌ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ) فِي رَمَضَانَ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ (عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تُنْسَبُ إلَى الصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ بَلْ إلَى الْجِمَاعِ وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ تُنْسَبُ إلَى الْيَمِينِ (وَكَذَا لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ فِدْيَةِ الْحَلْقِ وَاللُّبْسِ وَالطِّيبِ عَلَيْهَا) لِمَا عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ (فَلَوْ جُوِّزَتْ) هَذِهِ الثَّلَاثَةُ (لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ جَازَ تَقْدِيمُهَا) عَلَيْهَا لِلْعُذْرِ

(وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْمَنْذُورِ الْمَالِيِّ) عَلَى الْمَنْذُورِ لَهُ (كَإِنْ شُفِيت فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ) أَوْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا كَمَا فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ بِخِلَافِ الْمَنْذُورِ الْبَدَنِيِّ كَالصَّوْمِ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ

(وَلَوْ قَدَّمَتْ الْحَامِلُ) أَوْ الْمُرْضِعُ (الْفِدْيَةَ حَالَ الصِّيَامِ) أَوْ قَبْلَ الْفَجْرِ (عَلَى الْإِفْطَارِ جَازَ) لِمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ (وَإِنْ عَجَّلَتْ) فِدْيَةَ الْإِفْطَارِ (لِأَيَّامٍ) يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ (فَكَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ لِعَامَيْنِ) فَيَمْتَنِعُ فِيمَا زَادَ عَلَى يَوْمِ التَّعْجِيلِ

[فَصْلٌ فِي كَرَاهَة الْيَمِينُ]

(فَصْلٌ تُكْرَهُ الْيَمِينُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224] أَيْ لَا تُكْثِرُوا مِنْهَا لِتُصَدَّقُوا وَلِخَبَرِ «إنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَعْجِزُ عَنْ الْوَفَاءِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ (إلَّا فِي طَاعَةِ) اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تُكْرَهُ (كَالْبَيْعَةِ عَلَى الْجِهَادِ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَن قُرَيْشًا» (وَالْحَثِّ عَلَى الْخَيْرِ كَوَاللَّهِ إنْ لَمْ تَتُبْ لَتَنْدَمَ) التَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَ) كَالْيَمِينِ (الصَّادِقَةِ فِي الدَّعَاوَى) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَلَا تُكْرَهُ أَيْضًا فِيمَا إذَا دَعَتْ إلَيْهَا حَاجَةٌ كَتَوْكِيدِ كَلَامٍ وَتَعْظِيمِ أَمْرٍ «كَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَاَللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا» وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» قَالَ الْإِمَامُ وَلَا يَجِبُ الْيَمِينُ أَصْلًا وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَوْرَدَ صُوَرًا تَجِبُ الْيَمِينُ فِيهَا

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَوْ مَاتَ بَعْدَ الْيَمِينِ قَبْلَ الْحِنْثِ لَمْ يُجْزِهِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ عَجَّلَ شَاةً وَمَاتَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ فَإِنَّهَا تَقَعُ الْمَوْقِعَ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا قَالَ شَيْخُنَا قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْكَفَّارَةِ الذِّمَّةُ فَحَيْثُ أَخْرَجَ عَمَّا يَلْزَمُهَا وَتَبَيَّنَ عَدَمُ إجْزَائِهِ بَقِيَ شَغْلُهَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَيَّنَ شَاةً عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ تَلِفَتْ قَبْلَ ذَبْحِهَا يَبْقَى الْأَصْلُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الشَّاةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الزَّكَاةِ فَمُتَعَلِّقُهَا الْعَيْنُ لَا الذِّمَّةُ وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْ الْجِنْسِ ر لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَعَدٍّ وَلَا تَقْصِيرٌ فَلَا نُكَلِّفُهُ الْإِخْرَاجَ مَرَّةً أُخْرَى كَاتَبَهُ وَأَيْضًا مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ الْمَدْفُوعُ عَنْهُ إلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ وَقَدْ وَقَعَ الْقَبْضُ الصَّحِيحُ فِي الشَّاةِ الْمُعَجَّلَةِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ كَاتَبَهُ (قَوْلُهُ كَمَا لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنْ يُعْتَبَرَ بَقَاءُ سَائِرِ الْأَوْصَافِ وَبَقَاءُ مَنْ صَرَفَ إلَيْهِ الطَّعَامَ أَوْ الْكِسْوَةَ مُسْتَحِقًّا إلَى الْحِنْثِ

[فَرْعٌ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ وَالصَّيْدِ غَيْرُ الصَّوْمِ بَعْدَ الْجُرْحِ وَقَبْلَ الزَّهُوقِ]

(قَوْلُهُ فَلَوْ جُوِّزَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ جَازَ تَقْدِيمُهَا) لَوْ فَدَى عَنْ تَطَيُّبٍ وَعَمَّا يُسْتَحْدَثُ مِنْهُ فَفِي الْإِجْزَاءِ لِلثَّانِي وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عَدَمُهُ

(قَوْلُهُ وَكَالْيَمِينِ الصَّادِقَةِ فِي الدَّعْوَى) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ طَاعَةِ وَكَتَبَ أَيْضًا فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا عَصَى وَكَفَرَ حَتَّى لَوْ حَلَفَ فِي الْقَسَامَةِ خَمْسِينَ يَمِينًا كَاذِبًا لَزِمَتْهُ خَمْسُونَ كَفَّارَةً (قَوْلُهُ وَلَا تُكْرَهُ أَيْضًا إذَا دَعَتْ إلَيْهَا حَاجَةٌ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ ظَنَّ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ سُوءًا وَخِيَانَةً أَوْ ارْتِكَابَ فَاحِشَةٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ بَرَاءَتَهُ وَبَرَاءَةَ الْمَقُولِ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ فَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ بَلْ يَنْبَغِي اسْتِحْبَابُ الْحَلِفِ إذَا كَانَ يَصْدُقُ فِيهِ لِيَدْفَعَ ظَنَّ السُّوءِ عَنْ الْمَحْلُوفِ لَهُ وَدَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ وَعِرْضِ أَخِيهِ غ وَقَوْلُهُ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ بَلْ يَنْبَغِي إلَخْ (قَوْلُهُ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَوْرَدَ صُوَرًا تَجِبُ الْيَمِينُ فِيهَا) قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ قَالَ الْإِمَامُ لَا تَجِبُ الْيَمِينُ قَطُّ وَلَيْسَ هَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِهِ أَمَّا يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً لَمْ تَحِلَّ لَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَلِلْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ حَالَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ كَالْأَمْوَالِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ وَبَيْنَ أَنْ يَنْكُلَ إذَا عَلِمَ أَنَّ خَصْمَهُ لَا يَحْلِفُ كَاذِبًا، وَإِنْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَحْلِفُ كَاذِبًا فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَلِفُ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ كَذِبِ خَصْمِهِ كَمَا يَجِبُ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مِمَّا لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ كَالدِّمَاءِ وَالْإِبْضَاعِ وَلَهُ حَالَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ خَصْمَهُ لَا يَحْلِفُ إذَا نَكَلَ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْحَلِفِ وَالنُّكُولِ كَمَا فِي الْأَمْوَالِ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَحْلِفُ إذَا نَكَلَ أَوْ يَغْلِبَ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ النُّكُولُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسَيُّبِ إلَى الْعِصْيَانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ حِفْظَ هَذِهِ الْحُقُوقِ

(فَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَدَاءِ) أَيْ فِعْلِ (وَاجِبٍ) أَوْ تَرْكِ حَرَامٍ (فَالْيَمِينُ طَاعَةٌ وَحُرِّمَ الْحِنْثُ) ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ (أَوْ) حَلَفَ (عَلَى تَرْكِهِ) أَيْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ (فَالْيَمِينُ مَعْصِيَةٌ وَوَجَبَ) عَلَيْهِ (الْحِنْثُ) ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ عَلَيْهَا حَرَامٌ وَلِخَبَرِ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ السَّابِقِ» نَعَمْ إنْ كَانَ لَهُ طَرِيقٌ غَيْرُ الْحِنْثِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحِنْثُ كَأَنْ حَلَفَ لَا يُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ فَإِنَّ لَهُ طَرِيقَيْنِ غَيْرُ الْحِنْثِ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ صَدَاقِهَا أَوْ يُقْرِضَهَا ثُمَّ يُبْرِئَهَا؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ حَاصِلٌ مَعَ بَقَاءِ التَّعْظِيمِ (أَوْ حَلَفَ لَيَتْرُكَن سُنَّةً) أَوْ لَيَفْعَلَن مَكْرُوهًا (اُسْتُحِبَّ الْحِنْثُ) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَالْإِقَامَةَ عَلَيْهَا مَكْرُوهَانِ وَفِي مِثْلِهِ نَزَلَتْ آيَةُ ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: 22] وَلِخَبَرِ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ السَّابِقِ» (أَوْ) حَلَفَ (عَلَى أَنْ يَفْعَلَهَا) أَيْ السُّنَّةَ أَوْ أَنْ يَتْرُكَ مَكْرُوهًا (كُرِهَ) لَهُ (الْحِنْثُ) ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ عَلَيْهَا مَنْدُوبَةٌ (فَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَيِّبًا) أَوْ لَا يَلْبَسُ نَاعِمًا (وَأَرَادَ الِاقْتِدَاءَ بِالسَّلَفِ، وَهُوَ مِمَّنْ يَصْبِرُ) عَلَى خُشُونَةِ الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ (وَقَدْ تَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ) أَوْ لَمْ يَتَفَرَّغْ لَهَا فِيمَا يَظْهَرُ (فَطَاعَةٌ) حَلِفَهُ (وَإِلَّا كُرِهَ) وَعَلَيْهِ حُمِلَ

[حاشية الرملي الكبير]

بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ مِنْ أَسْبَابِ الْحِفْظِ وَالْيَمِينُ هَاهُنَا سَبَبٌ حَافِظٌ مُتَعَيَّنٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَكَذَلِكَ يَجِبُ حِفْظُ الْوَدِيعَةِ مِنْ الظَّلَمَةِ بِالْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ تَقْدِيمًا لِحَقِّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّ الرَّبِّ فِي اجْتِنَابِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ بِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ أَحَدُهَا أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ أَوْ الْقَطْعِ كَاذِبًا فَلَا يَحِلُّ لَهُ النُّكُولُ لِئَلَّا يَكُونَ عَوْنًا عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ أَوْ قَطْعِ يَدِهِ الْمِثَالُ الثَّانِي أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِالنِّكَاحِ فَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْكُلَ كَيْ لَا يَكُونَ نُكُولُهَا عَوْنًا عَلَى الزِّنَا بِهَا الْمِثَالُ الثَّالِثُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ بِحَدِّ الْقَذْفِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ النُّكُولُ كَيْ لَا يَكُونَ عَوْنًا عَلَى جَلْدِهِ وَإِسْقَاطِ عَدَالَتِهِ وَالْعَزْلِ عَنْ وِلَايَتِهِ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهَا الْمِثَالُ الرَّابِعُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى وَلِيِّ الْمُجْبِرِ أَنَّهُ زَوَّجَ ابْنَتَهُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ النُّكُولُ كَيْ لَا يَكُونَ عَوْنًا عَلَى تَسْلِيمِ ابْنَتِهِ إلَى مَنْ يَزْنِي بِهَا وَكَذَلِكَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ حَيْثُ تُشْرَعُ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ لَا يَجُوزُ لَهُ النُّكُولُ كَيْ لَا يَكُونَ عَوْنًا عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ إذَا لَاعَنَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ كَاذِبًا فَلَا يَحِلُّ لَهَا النُّكُولُ عَنْ اللِّعَانِ كَيْ لَا يَكُونَ النُّكُولُ عَوْنًا عَلَى جَلْدِهَا أَوْ رَجْمِهَا وَفَضِيحَةِ أَهْلِهَا، وَأَمَّا يَمِينُ الْمُدَّعِي فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً لَمْ تَحِلَّ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَجِبَ، وَإِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَلِلْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ حَالَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ فَالْأَوْلَى بِالْمُدَّعِي إذَا نَكَلَ أَنْ يُبِيحَ الْحَقَّ أَوْ يُبْرِئَ مِنْهُ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ إصْرَارِ خَصْمِهِ عَلَى الْبَاطِلِ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مِمَّا لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَيَعْلَمُ الْمُدَّعِي أَنَّ الْحَقَّ يُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ حِفْظًا لِمَا يَحْرُمُ بَذْلُهُ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ أَحَدُهَا أَنْ تَدَّعِيَ الزَّوْجَةُ الْبَيْنُونَةَ فَتَعْرِضُ الْيَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ فَيُنْكِرُ وَيَنْكُلُ فَيَلْزَمُهَا الْحَلِفُ حِفْظًا لِبِضْعِهَا مِنْ الزِّنَا وَتَوَابِعِهِ مِنْ الْخَلْوَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنْ نَكَلَتْ عَنْ الْيَمِينِ فَسُلِّمَتْ إلَيْهِ فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا لَزِمَهَا مَنْعُهُ بِالتَّدْرِيجِ إنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهِ وَقَدَرَتْ عَلَى قَتْلِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لَزِمَهَا ذَلِكَ الْمِثَالُ الثَّانِي أَنْ تَدَّعِيَ الْأَمَةُ أَنَّ سَيِّدَهَا أَعْتَقَهَا فَيُنْكِرُ وَيَنْكُلُ فَيَلْزَمُهَا الْحَلِفُ حِفْظًا لِبَعْضِهَا وَلِمَا يَتَعَلَّقُ بِحُرِّيَّتِهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ الْمِثَالُ الثَّالِثُ أَنْ يَدَّعِيَ الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ فَيُنْكِرُ وَيَنْكُلُ فَيَلْزَمُ الْعَبْدَ الْحَلِفُ حِفْظًا لِحُرِّيَّتِهِ وَلِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ كَالْجُمُعَةِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ الْمِثَالُ الرَّابِعُ أَنْ يَدَّعِيَ الْجَانِي عَفْوَ الْوَلِيِّ فَيُنْكِرُ وَيَنْكُلُ فَيَلْزَمُ الْجَانِيَ الْحَلِفُ حِفْظًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِأَطْرَافِهِ الْمِثَالُ الْخَامِسُ أَنْ يَدَّعِيَ الْقَاذِفُ عَفْوَ الْمَقْذُوفِ فَيُنْكِرُ وَيَنْكُلُ فَيَلْزَمُ الْقَاذِفَ الْحَلِفُ حِفْظًا لِجَسَدِهِ مِنْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَوْ نَكَلَ الْوَلِيُّ عَنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ فَإِنْ أَوْجَبْنَا بِهَا الْقِصَاصَ وَجَبَتْ وَإِلَّا فَلَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهَذَا الْمِثَالُ غَيْرُ وَاضِحٍ اهـ لَوْ كَانَ الْحَلِفُ وَالْحِنْثُ فِي مِلْكِ زَيْدٍ ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهُ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَى عَمْرٍو هَلْ يَكُونُ لِعَمْرٍو مِنْ الْمَنْعِ مَا كَانَ لِزَيْدٍ أَمْ لَا وَلَوْ كَانَ زَيْدٌ قَدْ أَذِنَ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا ثُمَّ انْتَقَلَ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ إلَى مِلْكِ عَمْرٌو فَمَا الْحُكْمُ وَلَوْ كَانَ الْحَلِفُ فِي مِلْكِ زَيْدٍ ثُمَّ حَصَلَ الْحِنْثُ فِي مِلْكِ عَمْرٍو بِلَا إذْنٍ فَمَا الْحُكْمُ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ لِعَمْرٍو الْمَنْعُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَحَيْثُ كَانَ لِلسَّيِّدِ الْمَنْعُ فَهَلْ عَلَى الْعَبْدِ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ غَائِبًا كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا الظَّاهِرُ لَا حَيْثُ لَا ضَرَرَ عَلَى السَّيِّدِ فِي صَوْمِهِ فِي غَيْبَتِهِ مِنْ فَوَاتِ مَنْفَعَةٍ وَاسْتِخْدَامٍ وَاسْتِمْتَاعٍ وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ قَدْ أَجَرَ عَيْنَهُ لِخِدْمَةِ إنْسَانٍ وَرَضِيَ الْمُسْتَأْجِرُ بِصَوْمِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ هَلْ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ أَمْ لَا إذَا كَانَ الضَّرَرُ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَقْصِ الْعَمَلِ وَالْخِدْمَةُ الْأَقْرَبُ لَا إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ اهـ وَأَطْلَقَ الْأَصْحَابُ الْكَلَامَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ كَوْنِ الْحِنْثِ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ مُحَرَّمًا فَلْيُنْظَرْ هَلْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ أَمْ لَا وَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ إنْ كَانَ وَاجِبًا لَهُ الصَّوْمُ بِلَا إذْنٍ وَلَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ إلَى أَنَّ التَّكْفِيرَ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ لَا.
وَقَدْ قَالَ الْمُتَوَلِّي: إذَا كَانَ الْحِنْثُ مَعْصِيَةً فَنَعَمْ وَإِلَّا فَلَا وَعَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ إنْ وَجَبَ بِغَيْرِ عُدْوَانٍ فَعَلَى التَّرَاخِي أَوْ بِعُدْوَانٍ فَوَجْهَانِ وَقَوْلُهُ هَلْ يَكُونُ لِعَمْرٍو مِنْ الْمَنْعِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَقَوْلُهُ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ كَتَبَ عَلَيْهِ لِعَمْرٍو الْمَنْعُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِشَرْطِهِ وَقَوْلُهُ الظَّاهِرُ لَا أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَقَوْلُهُ الْأَقْرَبُ لَا أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبٍ إلَخْ) الْيَمِينُ لَا تُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ فَإِنْ قِيلَ الزَّوْجُ لَا يَلْزَمُهُ الْوَطْءُ فَإِذَا آلَى وَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ لَزِمَهُ قُلْنَا الْمُرَادُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُصَيِّرُ الْمُبَاحَ حَرَامًا وَلَا الْمُحَرَّمَ وَاجِبًا وَيَمِينُ الْمَوْلَى كَذَلِكَ (قَوْلُهُ أَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ) أَيْ تَرْكِ وَاجِبٍ اسْتَثْنَى مِنْهُ الْبُلْقِينِيُّ مَا يُمْكِنُ سُقُوطُهُ كَالْقِصَاصِ لِقِصَّةِ ثَنِيَّةِ الرَّبِيعِ وَالْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ حَيْثُ لَمْ يَتَعَيَّنْ (قَوْلُهُ أَوْ يُقْرِضُهَا ثُمَّ يُبَرِّئُهَا) أَوْ يَهَبُهَا أَوْ يُوَكِّلُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ وَلِخَبَرِ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ السَّابِقِ» ) فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ «قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: الَّذِي سَأَلَ عَنْ الصَّلَاةِ وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ» فَلَوْ كَانَ حَلِفُهُ مَكْرُوهًا لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ قُلْنَا يُحْمَلُ عَلَى لَغْوِ الْيَمِينِ أَوْ أَرَادَ لَا أَزِيدُ فِي عَدَدِ الْفَرَائِضِ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهَا وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْإِنْكَارَ (قَوْلُهُ كَأَنْ حَلَفَ لَا يُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ إلَخْ) أَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ كَالْقِصَاصِ لِقِصَّةِ ثَنِيَّةِ الرَّبِيعِ وَالْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ حَيْثُ لَمْ يَتَعَيَّنْ (قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَتَفَرَّغْ لَهَا فِيمَا يَظْهَرُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] (وَلَوْ حَلَفَ عَلَى) فِعْلِ أَوْ تَرْكِ (مُبَاحٍ) لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِثْلُ هَذَا الْغَرَضِ (كَدُخُولِ دَارٍ وَلُبْسِ ثَوْبٍ) وَأَكْلِ طَعَامٍ أَوْ تَرْكِهَا (اُسْتُحِبَّ) لَهُ (الْوَفَاءُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91] وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فِي الْأَصْلِ وَقَدْ حَصَلَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُغَيِّرُ حَالَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَمَّا كَانَ وُجُوبًا وَتَحْرِيمًا وَنَدْبًا وَكَرَاهَةً وَإِبَاحَةً

(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّتِهَا) أَيْ الْكَفَّارَةِ (فَيَتَخَيَّرُ) الْحَالِفُ (بَيْنَ إطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا أَوْ كِسْوَتِهِمْ أَوْ إعْتَاقِ رَقَبَةٍ) لِآيَةِ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225]

(وَلَا يَجُوزُ التَّبْعِيضُ فِيهَا) فَلَوْ أَطْعَمَ بَعْضَ الْعَشَرَةِ وَكَسَا بَعْضَهُمْ لَمْ يُجْزِهِ كَمَا لَا يُجْزِئُ أَنْ يُعْتِقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ وَيُطْعِمَ أَوْ يَكْسُوَ خَمْسَةً؛ وَلِأَنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ يَنْفِي التَّمَكُّنَ مِنْ غَيْرِهَا وَالتَّفْرِيقُ غَيْرُهَا (فَإِنْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ) مِسْكِينًا أَوْ كَسَاهُمْ (عَنْ ثَلَاثٍ) مِنْ الْكَفَّارَاتِ (أَوْ أَطْعَمَ عَشَرَةً وَكَسَا عَشَرَةً وَأَعْتَقَ رَقَبَةً) عَنْهَا (جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ) بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ فِي الْكَفَّارَاتِ لَا يُشْتَرَطُ

(وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْخِصَالِ) الثَّلَاثِ (صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِلْآيَةِ (وَإِنْ تَفَرَّقَتْ) لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَلِبِنَاءِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَلَى التَّخْفِيفِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَالْجِمَاعِ (وَالْعَاجِزُ مَنْ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ) وَالْكَفَّارَةِ مِنْ فَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ فَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ فِي الْأَخْذِ فَكَذَلِكَ فِي الْإِعْطَاءِ (وَقَدْ يَمْلِكُ نِصَابًا فَيُزَكِّيَ وَيُبَاحُ لَهُ أَخْذُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (حِينَ لَا يَفِي دَخْلُهُ بِخَرْجِهِ) وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّا لَوْ أَسْقَطْنَا الزَّكَاةَ خَلَا النِّصَابُ عَنْهَا بِلَا بَدَلٍ وَلِلتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ بَدَلٌ، وَهُوَ الصَّوْمُ (وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْعَجْزِ فِي الْكَفَّارَاتِ)

(فَرْعٌ إخْرَاجُ الطَّعَامِ وَجَمِيعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) مِنْ جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ وَكَيْفِيَّةِ إخْرَاجِهِ وَغَيْرِهَا (كَمَا سَبَقَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَكَذَا الْعِتْقُ كَمَا سَبَقَ) ثَمَّ (وَالْكِسْوَةُ يَجِبُ تَمْلِيكُهَا) كَمَا فِي الطَّعَامِ (وَهِيَ قَمِيصٌ أَوْ سَرَاوِيلُ أَوْ عِمَامَةٌ أَوْ مُقَنَّعَةٌ أَوْ إزَارٌ) أَوَجُبَّةٌ أَوْ قَبَاءٌ أَوْ رِدَاءٌ أَوْ مِنْدِيلٌ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَعْرُوفُ الَّذِي يُحْمَلُ فِي الْيَدِ أَوْ طَيْلَسَانٌ أَوْ دِرْعٌ، وَهُوَ قَمِيصٌ لَا كُمَّ لَهُ أَوْ نَحْوُهَا مِمَّا يُسَمَّى كِسْوَةً (مِنْ صُوفٍ وَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ) وَشَعْرٍ (وَحَرِيرٍ وَلَوْ لِرَجُلٍ) ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ لُبْسُهُ لِوُقُوعِ اسْمِ الْكِسْوَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ (رَدِيئًا) كَانَ (أَوْ جَيِّدًا) أَوْ مُتَوَسِّطًا لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ (لَا الدِّرْعُ) مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ (وَالْمُكَعَّبُ) أَيْ الْمَدَاسُ (وَالنَّعْلُ وَالْخُفُّ وَالْقَلَنْسُوَةُ وَالتُّبَّانُ) ، وَهُوَ سِرْوَالٌ قَصِيرٌ لَا يَبْلُغُ الرُّكْبَةَ وَالْقُفَّازُ وَالْمِنْطَقَةُ وَالْخَاتَمُ وَالتِّكَّةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا لَا يُسَمَّى كِسْوَةً فَلَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى كِسْوَةً، وَإِنْ كَانَتْ لَبُوسًا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ الْفِدْيَةُ بِلُبْسِهَا (وَيُجْزِئُ لَبَدٌ أَوْ فَرْوَةٌ اُعْتِيدَ فِي الْبَلَدِ لُبْسُهَا) لِغَالِبِ النَّاسِ أَوْ نَادِرِهِمْ بِخِلَافِ مَا لَا يُعْتَادُ لُبْسُهُ كَجُلُودٍ وَالتَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الْفَرْوَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُمَلَّكِ مِخْيَطًا وَلَا سَاتِرًا لِعَوْرَةٍ وَيُجْزِئُ

[حاشية الرملي الكبير]

(قَوْلُهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْوَفَاءُ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الدِّينِيَّةَ فِي الْحِنْثِ بِأَنْ تَأَذَّى بِذَلِكَ قَرِيبٌ أَوْ جَارٍ أَوْ نَحْوُهُ وَإِلَّا فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْحِنْثَ أَفْضَلُ (قَوْلُهُ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَقَدْ حَصَلَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ إلَخْ) هَذَا فِي الْإِبَاحَةِ مُخَالِفٌ لِتَصْحِيحِهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ عَدَمُ الْحِنْثِ فَقَدْ تَغَيَّرَ حُكْمُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَصَارَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ مِنْ فِعْلِهِ وَلِهَذَا مَا حَكَى الْإِمَامُ وَجْهًا ثَالِثًا بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَهُمَا قَالَ إنَّهُ يَعْتَضِدُ بِالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ أَنَّ الْأَيْمَانَ لَا تُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ

[الطَّرَفُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّة كَفَّارَةِ الْيَمِينُ]

(قَوْلُهُ فَيَتَخَيَّرُ الْحَالِفُ بَيْنَ إطْعَامِ إلَخْ) لَوْ عَيَّنَ إحْدَى خِصَالِهَا بِالنَّذْرِ فَإِنْ كَانَتْ أَدْنَاهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ وَإِلَّا تَعَيَّنَتْ (قَوْلُهُ كُلُّ مِسْكِينٍ مُدًّا) مِنْ غَالِبِ قُوتِ بَلَدِ الْحَالِفِ كَالْفِطْرَةِ؛ لِأَنَّهُ حَدُّ سَدَادِ الرَّغِيبِ وَكِفَايَةُ الْمُقْتَصِدِ وَنِهَايَةُ الزَّهِيدِ (قَوْلُهُ أَوْ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) سَلِيمَةٍ مِنْ عَيْبٍ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ وَلَوْ عَيَّنَ إحْدَى الْخِصَالِ الثَّلَاثِ بِالنَّذْرِ لَمْ تَتَعَيَّنْ إلَّا إنْ كَانَتْ أَفْضَلَ (قَوْلُهُ لِآيَةِ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] ، وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى تَخْيِيرٍ فِي الِابْتِدَاءِ وَتَرْتِيبٍ فِي الِانْتِهَاءِ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَلَيْسَ لَنَا كَفَّارَةٌ فِيهَا تَخْيِيرٌ وَتَرْتِيبٌ غَيْرُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَمَا أَلْحَقَ بِهَا مِنْ نَذْرِ الْحَاجِّ

(قَوْلُهُ وَالتَّفْرِيقُ غَيْرُهَا) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فَلَوْ جَوَّزْنَا إخْرَاجَ جِنْسٍ لَأَثْبَتْنَا تَخْيِيرًا رَابِعًا (قَوْلُهُ أَوْ أَطْعَمَ عَشَرَةً) كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّ طَعَامٍ مِنْ غَالِبِ قُوتِ بَلَدِ الْحَالِفِ

(قَوْلُهُ، وَإِنْ تَفَرَّقَتْ) إنَّمَا لَمْ يُوجِبُوا التَّتَابُعَ الَّذِي هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ مُتَتَابِعَاتٍ قَالَ التَّاجُ بْنُ السُّبْكِيّ: كَأَنَّهُ لَمَّا صَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ إسْنَادَهُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - نَزَلَتْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ فَسَقَطَتْ مُتَتَابِعَاتٌ أَيْ نُسِخَتْ تِلَاوَةً وَحُكْمًا إذْ لَا يَصِحُّ الْحَمْلُ عَلَى سُقُوطِهَا دُونَ نَسْخٍ لِتَكَفُّلِ اللَّهِ بِحِفْظِ كِتَابِهِ قَالَ عَزَّ مَنْ قَالَ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

[فَرْعٌ إخْرَاجُ الطَّعَامِ وَجَمِيعُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي كَفَّارَةُ الْيَمِينِ]

(قَوْلُهُ لَا الدِّرْعُ مِنْ حَدِيدٍ إلَخْ) وَتَفْسِيرُهُ بِالْقَمِيصِ الَّذِي لَا كُمَّ لَهُ وَهْمٌ، وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ الْمُلَقِّنِ وَالزَّرْكَشِيُّ وَكَتَبَ أَيْضًا وَقَوْلُ ابْنِ الْمُلَقِّنِ كَالْمُهِمَّاتِ أَنَّهُ الْقَمِيصُ الَّذِي لَا كُمَّ لَهُ وَهْمٌ إذْ الْمِنْدِيلُ الَّذِي يُحْمَلُ فِي الْيَدِ يُجْزِئُ وَيُسَمَّى كِسْوَةً فَمَا الظَّنُّ بِالْقَمِيصِ الَّذِي يَسْتُرُ الْبَدَنَ لَا الْيَدَيْنِ فَهُوَ فَوْقَ الْإِزَارِ فِي السُّتُرَاتِ (قَوْلُهُ وَالْقَلَنْسُوَةُ) شَمِلَتْ الْقَلَنْسُوَةَ الْكَبِيرَةَ الَّتِي تُغَطِّي الرَّأْسَ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْقَفَا وَكَتَبَ أَيْضًا وَالطَّاقِيَّةَ وَالْقُبْعُ أَوْلَى بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ مِنْهَا وَكَتَبَ أَيْضًا وَالطَّاقِيَّةُ وَالْقُبْعُ وَالزُّلَالُ وَالْبَسْطُ وَالِانْطِبَاعُ (قَوْلُهُ، وَهُوَ سِرْوَالٌ قَصِيرٌ لَا يَبْلُغُ الرُّكْبَةَ) ، وَهُوَ يَقْتَضِي مَنْعَ سَرَاوِيلَ صَغِيرٍ لِكَبِيرٍ قَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ التُّبَّانَ لَا يَسْتُرُ عَوْرَةَ أَحَدٍ مِنْ صَغِيرٍ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ سَرَاوِيلِ الصَّغِيرِ فَإِنْ فَرَضَ أَنَّهُ يَسْتُرُ عَوْرَةَ الصَّغِيرِ دُونَ الْكَبِيرِ أَجْزَأَ ع وَقَوْلُهُ قَدْ يُجَابُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ (تَنْبِيهٌ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ أَعْطَى عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ثَوْبًا طَوِيلًا فَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ قَطْعِهِ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ ثَوْبٌ وَاحِدَةٌ قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ لَهُمْ سِتِّينَ مُدًّا وَقَالَ قَدْ مَلَّكْتُكُمْ هَذَا بِالسَّوِيَّةِ أَوْ أَطْلَقَ فَقَبِلُوهُ جَازَ خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ، وَهِيَ كَمَسْأَلَةِ الثَّوْبِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ هَذَا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَتِلْكَ أَمِدَادٌ مُجْتَمَعَةٌ د

الْمُتَنَجِّسُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ بِذَلِكَ حَتَّى لَا يُصَلُّوا فِيهِ وَلَا يُجْزِئُ مَا نُسِجَ مِنْ نَجَسِ الْعَيْنِ كَصُوفِ مَيِّتَةٍ (فَإِنْ كَسَا رَضِيعًا) شَيْئًا (لَائِقًا بِهِ جَازَ) ؛ لِأَنَّ صَرْفَ طَعَامِ الْكَفَّارَةِ وَكِسْوَتَهَا لِلصِّغَارِ جَائِزٌ كَمَا فِي الزَّكَاةِ وَيَتَوَلَّى الْوَلِيُّ الْأَخْذَ (وَكَذَا لَوْ أَعْطَاهُ) أَيْ اللَّائِقَ بِالصَّغِيرِ (كَبِيرًا) لِوُقُوعِ اسْمِ الْكِسْوَةِ عَلَيْهِ كَمَا يُعْطَى مَا لِلْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ وَبِالْعَكْسِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالْمُعْتَبَرُ وَالْأَقْرَبُ إلَى كَلَامِ الْعِرَاقِيِّينَ وَإِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89] الْمَنْعُ حَيْثُ أَضَافَ الْكِسْوَةَ إلَى مَنْ يُكْسِي وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الذَّخَائِرِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَقَالَ بِهِ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ سَدُّ خَلَّةِ الْفَقِيرِ (وَيُسْتَحَبُّ) ثَوْبٌ (جَدِيدٌ) خَامًا كَانَ أَوْ مَقْصُورًا (وَيَجُوزُ عَتِيقٌ فِيهِ قُوَّةٌ) كَالطَّعَامِ الْعَتِيقِ وَلِانْطِلَاقِ الْكِسْوَةِ عَلَيْهِ وَكَوْنِهِ يَرِدُ فِي الْبَيْعِ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَقْصُودِهَا كَالْعَيْبِ الَّذِي يَضُرُّ بِالْعَمَلِ فِي الرَّقِيقِ (لَا مُنْمَحِقٌ) كَالطَّعَامِ الْمَعِيبِ (وَ) لَا (مُرَقَّعٌ لِبَلَى) لِعَيْبِهِ (لَا) مُرَقَّعٌ (لِزِينَةٍ) أَوْ غَيْرِهَا (وَلَا يُجْزِئُ جَدِيدٌ مُهَلْهَلُ النَّسْجِ) إذَا كَانَ (فِي ضَعْفِ الْبَالِي) أَيْ إذَا كَانَ لُبْسُهُ لَا يَدُومُ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَدُومُ الثَّوْبُ الْبَالِي لِضَعْفِ النَّفْعِ بِهِ

(الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِيمَنْ تَلْزَمُهُ) الْكَفَّارَةُ (وَهُوَ كُلُّ مُكَلَّفٍ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ حَتَّى الْكَافِرُ) الْمُلْتَزِمُ لِلْأَحْكَامِ (فَإِنْ مَاتَ) مَنْ لَزِمَتْهُ قَبْلَ أَخْذِهَا مِنْهُ وَلَهُ تَرِكَةٌ (أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) كَسَائِرِ الدُّيُونِ

[فَصْلٌ الْعَبْدُ يُكَفِّرُ عَنْ الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا بِالصَّوْمِ]

(فَصْلٌ الْعَبْدُ) مُرَادُهُ الرَّقِيقُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (يُكَفِّرُ) عَنْ الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا (بِالصَّوْمِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ (وَقَدْ سَبَقَ فِي الْكَفَّارَاتِ تَفْصِيلٌ فِي احْتِيَاجِهِ إلَى الْإِذْنِ) فِي تَكْفِيرِهِ بِالصَّوْمِ (فَإِذَا احْتَاجَ) إلَيْهِ فِيهِ (فَلِلسَّيِّدِ مَنْعُ الْأَمَةِ مِنْهُ) ، وَإِنْ لَمْ يُضْعِفْهَا عَنْ الْخِدْمَةِ لِحَقِّ تَمَتُّعِهِ الْفَوْرِيِّ (وَكَذَا) لَهُ (مَنْعُ عَبْدٍ يُضْعِفُهُ) عَنْ الْخِدْمَةِ (فَإِنْ لَمْ يُضْعِفْهُ) عَنْهَا (لَمْ يَمْنَعْهُ) مِنْ ذَلِكَ (وَلَا مِنْ صَوْمِ تَطَوُّعٍ وَصَلَاتِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْخِدْمَةِ كَمَا لَا يُمْنَعُ مِنْ الذِّكْرِ) وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَوْ (حَالَ الْعَمَلِ فَلَوْ صَامَ مَنْ يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِلَا إذْنٍ أَجْزَأَهُ) عَنْهَا (كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ) بِلَا إذْنٍ، وَهَذَا كُلُّهُ سِوَى النَّظِيرَيْنِ وَمَنْعُ الْأَمَةِ مِنْ الصَّوْمِ قَدَّمَهُ فِي الْكَفَّارَاتِ (فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ) وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (فَلِلسَّيِّدِ التَّكْفِيرُ عَنْهُ بِالْمَالِ) ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ إذْ لَا رِقَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهُوَ وَالْحُرُّ سَوَاءٌ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ؛ وَلِأَنَّ التَّكْفِيرَ عَنْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ يَتَضَمَّنُ دُخُولَ الْمَالِ فِي مِلْكِهِ بِخِلَافِهِ بَعْدَهُ إذْ لَيْسَ لِلْمَيِّتِ مِلْكٌ مُحَقَّقٌ (لَا بِالْعِتْقِ) عَنْهُ لِنَقْصِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْوَلَاءِ (وَقَدْ سَبَقَ) فِي الصِّيَامِ (ذِكْرُ الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ) فَيَصُومُ عَنْهُ قَرِيبُهُ لَا غَيْرُهُ وَالْإِشَارَةُ إلَى هَذَا فِي الْعَبْدِ مِنْ زِيَادَتِهِ

(فَصْلٌ) لَوْ (مَاتَ) الْحُرُّ (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فَهِيَ دَيْنُ اللَّهِ) تَعَالَى (وَحُقُوقُ اللَّهِ) تَعَالَى (مُقَدَّمَةٌ عَلَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّ) فَتُخْرَجُ قَبْلَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ سَوَاءٌ أَوْصَى بِهَا أَمْ لَا لِخَبَرِ «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» (إلَّا إذَا تَعَلَّقَ حَقُّ الْآدَمِيِّ وَحْدَهُ بِعَيْنٍ) فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَسَائِرِ الدُّيُونِ كَمَا مَرَّ فِي الْفَرَائِضِ (وَإِلَّا فِي الْمُفْلِسِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ حَقُّ الْآدَمِيِّ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى (مَا دَامَ حَيًّا فَإِنْ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ مُرَتَّبَةً أَعْتَقَ عَنْهُ الْوَارِثُ أَوْ الْوَصِيُّ وَالْوَلَاءُ) عَلَى الْعَتِيقِ (لِلْمَيِّتِ) فَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِعْتَاقُ أَطْعَمَ مِنْ التَّرِكَةِ (أَوْ) كَانَتْ (ذَاتَ تَخْيِيرٍ وَجَبَ مِنْ الْخِصَالِ) الْمُخَيَّرِ فِيهَا (أَقَلُّهَا) قِيمَةً وَكُلٌّ مِنْهَا جَائِزٌ لَكِنْ الزَّائِدُ عَلَى أَقَلِّهَا قِيمَةً يُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ عَلَى مَا يَأْتِي (وَلَوْ لَزِمَ الْمُرْتَدَّ كَفَّارَةُ تَخْيِيرٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْأَقَلُّ) ، وَإِنْ ضَعُفَ مِلْكُهُ كَمَا لَا يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَهَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ فِي كِتَابِ الْكَفَّارَاتِ (فَلَوْ لَمْ يَكُنْ) لِلْمَيِّتِ (تَرِكَةٌ وَتَبَرَّعَ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ بِالْإِطْعَامِ أَوْ الْكِسْوَةِ جَازَ) كَالْوَارِثِ (أَوْ بِالْعِتْقِ) وَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ مُخَيَّرَةٌ (فَلَا) يَجُوزُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَلَا مِنْ الْوَارِثِ لِسُهُولَةِ التَّكْفِيرِ بِغَيْرِهِ فَلَا يُعْتِقُ لِمَا فِيهِ مِنْ عُسْرِ إثْبَاتِ الْوَلَاءِ (فَلَوْ كَانَتْ مُرَتَّبَةً جَازَ الْإِعْتَاقُ) عَنْهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لِتَعَيُّنِهِ (وَلَوْ أَوْصَى فِي الْمُخَيَّرَةِ بِالْعِتْقِ) عَنْهُ وَزَادَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى قِيمَةِ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ (حُسِبَتْ) قِيمَتُهُ (مِنْ الثُّلُثِ) ؛ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ تَحْصُلُ بِمَا دُونَهَا (فَإِنْ وَفَّى) الثُّلُثُ بِقِيمَةِ عَبْدٍ مُجْزِئٍ أَعْتَقَ عَنْهُ (وَإِلَّا عَدَلَ عَنْهُ) إلَى الطَّعَامِ أَوْ الْكِسْوَةِ وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الْأَصْلُ وَنَقَلَ مَعَهُ وَجْهًا أَنَّ قِيمَةَ أَقَلِّهَا قِيمَةً تُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَالزِّيَادَةُ إلَى تَمَامِ قِيمَةِ الْعَبْدِ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ وَفَّى ثُلُثُ الْبَاقِي مَضْمُومًا إلَى الْأَقَلِّ الْمَحْسُوبِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ بِقِيمَةِ عَبْدٍ أَعْتَقَ عَنْهُ وَإِلَّا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَعَدَلَ إلَى الْإِطْعَامِ أَوْ الْكِسْوَةِ كَأَنْ تَكُونَ التَّرِكَةُ أَرْبَعِينَ وَقِيمَةُ أَقَلِّهَا

[حاشية الرملي الكبير]

[الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِيمَنْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينُ]

فَصْلٌ) (قَوْلُهُ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْكَفَّارَاتِ تَفْصِيلٌ فِي احْتِيَاجِهِ إلَى الْإِذْنِ) قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحِنْثُ وَاجِبًا وَجَائِزًا وَمَمْنُوعًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا كَانَ وَاجِبًا لَهُ الصَّوْمُ بِلَا إذْنٍ إذَا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْفَوْرِ (ر) (قَوْلُهُ فَلِلسَّيِّدِ مَنْعُ الْأَمَةِ مِنْهُ) هَذَا إذَا كَانَتْ مِنْ مَوْطُوآتِهِ فَإِنْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا وَلَكِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ فَفِي الْمَنْعِ نَظَرٌ (قَوْلُهُ لِحَقِّ تَمَتُّعِهِ الْفَوْرِيِّ) إنْ كَانَتْ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا اث وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْأَمَةَ الْمُحَرَّمَةَ عَلَى مَالِكِهَا بِنَسَبٍ أَوْ نَحْوِهِ كَالْعَبْدِ فِيمَا ذَكَرُوا وَأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْحَلِفِ الْمُقْتَضِي لِلْكَفَّارَةِ حَالًّا كَالْإِذْنِ فِي الْحِنْثِ وَقَوْلُهُ يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْأَمَةَ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْحَلِفِ إلَخْ

[فَصْلٌ مَاتَ الْحُرُّ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ]

(قَوْلُهُ وَإِلَّا فِي الْمُفْلِسِ لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ مَا دَامَ حَيًّا) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ فِي الْإِعْسَارِ بِالْجِزْيَةِ فَالسُّلْطَانُ غَرِيمٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ لَيْسَ بِأَحَقَّ بِمَالِهِ مِنْ غُرَمَائِهِ وَلَا غُرَمَاؤُهُ مِنْهُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ يُخَصَّصُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ فِي الْأَيْمَانِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي عَلَى التَّرَاخِي كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ حَيْثُ لَا تَعَدِّيَ تَقْتَضِي الْفَوْرِيَّةَ فَأَمَّا الْوَاجِبَةُ عَلَى الْفَوْرِ كَالزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ فَفِيهَا الْخِلَافُ وَالْمَذْهَبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْجِزْيَةِ وَدَيْنِ الْآدَمِيِّينَ فِي حَالَتَيْ الْمَوْتِ وَحَجْرِ الْفَلَسِ وَقَوْلُهُ وَالْمَذْهَبُ التَّسْوِيَةُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ فِيهِمَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ نَصُّوا عَلَى الْعِتْقِ لِزِيَادَتِهِ عَلَى بَقِيَّةِ الْخِصَالِ غَالِبًا وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِزِيَادَةِ مَا أَوْصَى بِهِ مِنْهَا عَلَى أَقَلِّهَا (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُمَا بَنَيَاهُ عَلَى تَعْلِيلِ الْمَنْعِ إلَخْ) أَيْ، وَهُوَ تَعْلِيلٌ ضَعِيفٌ

عَشَرَةً، وَهِيَ مَعَ ثُلُثِ الْبَاقِي عِشْرُونَ فَإِذَا وَجَدَ بِالْعِشْرِينِ رَقَبَةً نَفَّذْنَا الْوَصِيَّةَ قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَقِيسُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ وَوَافَقَهُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ

(وَالْمُبَعَّضُ الْمُوسِرُ يُكَفِّرُ بِالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ لَا بِالْعِتْقِ) ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعْقِبُ الْوَلَاءَ الْمُتَضَمِّنَ لِلْوِلَايَةِ وَالْإِرْثِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِمَا وَلَا بِالصَّوْمِ لِيَسَارِهِ كَمَا أَنَّهُ إذَا وَجَدَ ثَمَنَ الْمَاءِ أَوْ الثَّوْبِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مُتَيَمِّمًا أَوْ عَارِيًّا

(الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَقَعُ بِهِ الْحِنْثُ) وَالْبِرُّ الْأَصْلُ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ فِيهِمَا اتِّبَاعُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْيَمِينُ، وَقَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّقْيِيدُ بِنِيَّةٍ تَقْتَرِنُ بِهِ أَوْ بِاصْطِلَاحٍ خَاصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ وَصُوَرُهُ لَا تَتَنَاهَى لَكِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِيمَا يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ لِيُقَاسَ بِهِ غَيْرُهُ (وَهُوَ أَنْوَاعٌ) سَبْعَةٌ (الْأَوَّلُ فِي الدُّخُولِ وَالْمُسَاكَنَةِ فَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ فَحَصَلَ فِيهَا مِنْ بَابٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَسَطْحٍ (حَنِثَ) وَلَوْ كَانَ رَأْسُهُ أَوْ يَدُهُ خَارِجَهَا (لَا) إنْ حَصَلَ (فِي سَطْحٍ) لَهَا كَانَ (تَسَوُّرُهُ) فَلَا يَحْنَثُ (وَلَوْ) كَانَ السَّطْحُ (مَحُوطًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ دُخُولًا لَهَا إذْ يُقَالُ أَنَّهُ عَلَى السَّطْحِ وَلَيْسَ فِي الدَّارِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ تَسْقِيفٌ) لِكُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ (حَنِثَ إنْ نُسِبَ إلَيْهَا) أَيْ إلَى الدَّارِ بِأَنْ كَانَ يُصْعَدُ إلَيْهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَطَبَقَةٍ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُنْسَبْ إلَيْهَا (وَكَذَا) يَحْنَثُ (لَوْ دَخَلَ الدِّهْلِيزَ) بِكَسْرِ الدَّالِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا وَمَا حُكِيَ عَنْ النَّصِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ حَمَلُوهُ عَلَى الطَّاقِ خَارِجَ الْبَابِ (لَا) إنْ دَخَلَ (الطَّاقُ) الْمَعْقُودُ خَارِجَ الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْهَا وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِهَا لَا يُقَالُ لِمَنْ دَخَلَهُ أَنَّهُ دَخَلَهَا (وَ) لَا إنْ دَخَلَ (الدَّرْبَ أَمَامَهُ) أَيْ الطَّاقِ وَلَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِالدَّارِ أَوْ مُخْتَصًّا بِهَا وَلَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي حَدِّهَا أَوْ دَاخِلًا فِي حَدِّهَا وَلَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِهِ بَابٌ لِذَلِكَ، وَهَذَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ مُقَيَّدًا وَعِبَارَتُهُ وَجَعَلَ الْمُتَوَلِّي الدَّرْبَ الْمُخْتَصَّ بِالدَّارِ أَمَامَ الْبَابِ إذَا كَانَ دَاخِلًا فِي حَدِّ الدَّارِ وَلَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِهِ بَابٌ كَالطَّاقِ قَالَ فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهِ بَابٌ فَهُوَ مِنْ الدَّارِ مُسَقَّفًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَمَا قَالَهُ فِي غَيْرِ الْمُسَقَّفِ بَعِيدٌ جِدًّا انْتَهَى (وَلَوْ تَعَلَّقَ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ) فِي الدَّارِ (وَأَحَاطَ بِهِ الْبُنْيَانُ) بِحَيْثُ لَا يَرْتَفِعُ بَعْضُهُ عَنْ الْبُنْيَانِ (حَنِثَ لَا إنْ ارْتَفَعَ بَعْضُهُ) عَنْهُ فَلَا يَحْنَثُ (أَوْ حَلَفَ لَيَخْرُجَن مِنْهَا بَرَّ بِالْخُرُوجِ إلَى مَا لَا يَحْنَثُ فِي الْأَوَّلِ) ، وَهُوَ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا (بِدُخُولِهِ) كَالطَّاقِ خَارِجَ الْبَابِ وَالسَّطْحِ إذَا لَمْ يُنْسَبْ إلَى الدَّارِ

(فَرْعٌ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ) الدَّارَ (وَهُوَ بِهَا فَاسْتَدَامَ) الْمُكْثُ فِيهَا (لَمْ يَحْنَثْ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دُخُولًا وَمِثْلُهُ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَهُوَ خَارِجَ لَا يَحْنَثُ بِتَرْكِ الدُّخُولِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (بِخِلَافِ اللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالِاسْتِقْبَالِ) وَنَحْوِهَا مِمَّا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بِمُدَّةٍ كَالسُّكْنَى وَالِانْتِقَالِ إذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُهَا فَيَحْنَثُ بِاسْتِدَامَتِهَا لِصِدْقِ اسْمِهَا بِذَلِكَ إذْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَبِسْت شَهْرًا وَرَكِبْت لَيْلَةً وَكَذَا الْبَقِيَّةُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ دَخَلْت شَهْرًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ سَكَنْت شَهْرًا؛ وَلِأَنَّهُ إذَا قِيلَ لَهُ انْزِعْ الثَّوْبَ حَسُنَ أَنْ يَقُولَ حَتَّى أَلْبِسَ سَاعَةً وَإِذَا قِيلَ لَهُ انْزِلْ عَنْ الدَّابَّةِ حَسُنَ أَنْ يَقُولَ حَتَّى أَرْكَبَ قَدْرَ مَا رَكِبْت وَفِي الدُّخُولِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ حَتَّى أَدْخُلَ سَاعَةً وَكُلُّ ذَلِكَ مَحَلُّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَإِنْ نَوَى شَيْئًا عَمِلَ بِهِ (وَلَيْسَ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ وَالطَّهَارَةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ -

[حاشية الرملي الكبير]

قَوْلُهُ لَا بِالْعِتْقِ) اسْتَثْنَى مِنْهُ الْبُلْقِينِيُّ مَا إذَا قَالَ لَهُ مَالِكُ بَعْضِهِ إذَا أَعْتَقْت عَنْ كَفَّارَتِك فَنَصِيبِي مِنْك حُرٌّ قَبْلَ إعْتَاقِك عَنْهَا أَوْ مَعَهُ فَيَصِحُّ فِي الْأُولَى قَطْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
اهـ. وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ السَّابِق

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَقَعُ بِهِ الْحِنْثُ]

(الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَقَعُ بِهِ الْحِنْثُ) (قَوْلُهُ وَقَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّقْيِيدُ بِنِيَّةٍ إلَخْ) فَإِنْ كَانَ مَعْنَيَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَنَوَى وَاحِدًا حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ رَجَّحَ بِالْحَقِيقَةِ ثُمَّ الْمُتَعَارَفِ (قَوْلُهُ فَحَصَلَ فِيهَا إلَخْ) شَمِلَ مَا لَوْ أَدْخَلَ فِيهَا إحْدَى رِجْلَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا فَقَطْ بِخِلَافِ مَا لَوْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَبِهِ أَفْتَيْت وَشَمِلَ مَا لَوْ حَصَلَ فِي نَهْرٍ فِيهَا بِسِبَاحَةٍ أَوْ سَفِينَةٍ وَلَوْ حَلَفَ عِنْدَ انْسِلَاخِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَيْتَهُ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الشَّهْرَ فَرَغَ فَلَا يَحْنَثُ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ عِنْدَ الْيَمِينِ اسْتِهْلَالُهُ قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ دُخُولًا لَهَا إلَخْ (قَوْلُهُ إذْ يُقَالُ إنَّهُ عَلَى السَّطْحِ وَلَيْسَ فِي الدَّارِ) ؛ لِأَنَّ السَّطْحَ حَاجِزٌ يَقِي الدَّارَ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ فَهُوَ كَحِيطَانِهَا، وَهُوَ لَوْ وَقَفَ عَلَى الْعَتَبَةِ فِي سُمْكِ الْحَائِطِ لَمْ يَحْنَثْ فَكَذَا هُنَا؛ وَلِأَنَّ الدَّارَ حِرْزٌ يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْهَا بِخِلَافِ السَّطْحِ فَاخْتَلَفَا، وَإِنَّمَا صَحَّ الِاعْتِكَافُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ قَرَارِهِ فِي الْحُكْمِ دُونَ التَّسْمِيَةِ (قَوْلُهُ وَكَذَا يَحْنَثُ لَوْ دَخَلَ الدِّهْلِيزَ) ، وَإِنْ كَانَ طَوِيلًا كَدُورِ عُظَمَاءِ الدُّنْيَا (قَوْلُهُ وَجَعَلَ الْمُتَوَلِّي الدَّرْبَ الْمُخْتَصَّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ كَالطَّاقِ خَارِجَ الْبَابِ إلَخْ) وَكَرُقِيِّهِ مِنْ شَجَرَةٍ فِيهَا غُصْنًا خَارِجًا عَنْهَا (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دُخُولًا) ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الِانْفِصَالِ مِنْ خَارِجٍ إلَى دَاخِلٍ وَلَمْ يُوجَدْ (تَنْبِيهٌ) لَوْ قَصَدَ بِحَلِفِهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ الِاجْتِنَابَ، وَهُوَ فِيهَا فَاسْتَمَرَّ حَنِثَ عَلَى الصَّحِيحِ أَوْ بِحَلِفِهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ أَنْ لَا يَنْقُلَ مَتَاعَهُ وَأَهْلَهُ فَنَقَلَهُمَا حَيْثُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَدْرَسَةَ وَالرِّبَاطَ وَنَحْوَهُمَا كَالدَّارِ وَقَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ تَعَلَّقَ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ إلَخْ) لَوْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ خَارِجَهَا وَأَغْصَانُهَا فِيهَا أَوْ فَوْقَهَا فَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَهُوَ الرَّاجِحُ

[فَرْعٌ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ وَهُوَ بِهَا فَاسْتَدَامَ الْمُكْثُ فِيهَا]

(قَوْلُهُ كَالسُّكْنَى) ؛ لِأَنَّ اسْمَ السُّكْنَى يَقَعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالِاسْتِدَامَةِ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ إلَخْ) وَلَوْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُ هَذِهِ الْعَيْنَ، وَهُوَ مَالِكُهَا فَاسْتَدَامَ مِلْكُهَا لَمْ يَحْنَثْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَكُلُّ عَقْدٍ أَوْ فِعْلٍ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ لَا تَكُونُ اسْتِدَامَتُهُ كَابْتِدَائِهِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يُشَارِكُ زَيْدًا فَاسْتَدَامَ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِالْحِنْثِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ شِرْكَةً مُبْتَدَأَةً اهـ وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ الْمَارُّ قَدْ يَقْتَضِي خِلَافَهُ وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَقْدِيرُهَا بِمُدَّةٍ وَبِهِ أَفْتَيْت قَالَ الْعِرَاقِيُّ: سُئِلَتْ عَمَّنْ حَلَفَ لَا يَتَسَرَّى، وَهُوَ مُتَسَرٍّ هَلْ يَحْنَثُ بِاسْتِدَامَةِ ذَلِكَ أَمْ لَا فَأَجَبْت بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ التَّسَرِّيَ مِثْلُ التَّزَوُّجِ فَلَا يَحْنَثُ بِاسْتِدَامَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ تَسَرَّيْت شَهْرًا كَمَا لَا يُقَالُ تَزَوَّجْت شَهْرًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ تَسَرَّيْت مُنْذُ شَهْرٍ

وَالْغَصْبُ) وَنَحْوُهَا مِمَّا لَا يُقَدَّرُ بِمُدَّةٍ (كَالْإِنْشَاءِ) لَهَا فَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ لَا يَفْعَلُهَا بِاسْتِدَامَتِهَا لِمَا مَرَّ فِي الدُّخُولِ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ نَكَحْت شَهْرًا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَبُولُ عَقْدِهِ، وَأُمَّا وَصْفُ الشَّخْصِ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ نَاكِحًا فُلَانَةَ مُنْذُ كَذَا فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ اسْتِمْرَارُهَا عَلَى عِصْمَةِ نِكَاحِهِ وَكَذَا الْبَقِيَّةُ وَلَا يَخْلُو بَعْضُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ إشْكَالٍ إذْ قَدْ يُقَالُ صُمْت شَهْرًا وَصَلَّيْت لَيْلَةً وَصُورَةُ حَلِفِهِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَحْلِفَ نَاسِيًا لَهَا أَوْ كَانَ أَخْرَسَ فَحَلَفَ بِالْإِشَارَةِ (وَكَذَا الطِّيبُ وَالْوَطْءُ) لَيْسَ اسْتِدَامَتُهَا كَالْإِنْشَاءِ فَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ لَا يَفْعَلُهُمَا بِاسْتِدَامَتِهِمَا؛ وَلِهَذَا لَوْ تَطَيَّبَ ثُمَّ أَحْرَمَ وَاسْتَدَامَ لَا تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ

(وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَافِرُ) ، وَهُوَ فِي السَّفَرِ (فَرَجَعَ فَوْرًا) أَوْ وَقَفَ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَكَانَ (قَاصِدًا) بِحَلِفِهِ (الِامْتِنَاعَ) مِنْ ذَلِكَ السَّفَرِ (لَمْ يَحْنَثْ) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَصَدَ ذَلِكَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ فِي الْعَوْدِ مُسَافِرٌ أَيْضًا فَقَوْلُهُ قَاصِدًا حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ حَلَفَ فَلَوْ قَدَّمَهُ عَلَى قَوْلِهِ فَرَجَعَ فَوْرًا كَانَ أَوْلَى

(فَصْلٌ) لَوْ (حَلَفَ لَا يَدْخُلُ أَوْ لَا يَسْكُنُ بَيْتًا وَأَطْلَقَ حَنِثَ) بِالدُّخُولِ أَوْ السُّكْنَى (بِالْبُيُوتِ الْمَبْنِيَّةِ) وَلَوْ مِنْ خَشَبٍ (وَالْخِيَامِ) وَلَوْ مِنْ جِلْدٍ (وَلَوْ) كَانَ الْحَالِفُ (قَرَوِيًّا) لِوُقُوعِ اسْمِ الْبَيْتِ عَلَى الْكُلِّ لُغَةً وَلَا مُعَارِضَ لَهُ عُرْفًا وَعَدَمُ اسْتِعْمَالِ الْقَرَوِيِّ لِلْخِيَامِ لَا يُوجِبُ تَخْصِيصًا أَوْ نَقْلًا عُرْفِيًّا لِلَّفْظِ بَلْ هُوَ كَلَفْظِ الطَّعَامِ الَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ مَعَ اخْتِصَاصِ بَعْضِ النَّوَاحِي بِنَوْعٍ أَوْ أَكْثَرَ بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَنَّ الْعَادَةَ لَا تُخَصَّصُ وَلَا يَرِدُ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْبَيْضَ أَوْ الرُّءُوسَ حَيْثُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَيْضِ السَّمَكِ وَلَا بِرُءُوسِهِ وَرُءُوسِ الطَّيْرِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْضِ وَالرُّءُوسِ بِقَرِينَةِ تَعَلُّقِ الْأَكْلِ بِهَا لَا يُطْلِقُهُ أَهْلُ الْعُرْفِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ كَثُرَتْ عِنْدَهُمْ وَفَرْقٌ بَيْنَ تَخْصِيصِ الْعُرْفِ لِلَّفْظِ بِالنَّقْلِ عَنْ مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ إلَى مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ وَبَيْنَ انْتِفَاءِ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْعُرْفِ لَهُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ مُسَمَّاهُ فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ وَمِنْهُ اسْمُ الْخُبْزِ فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ، وَإِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَعْضِ مُسَمَّاهُ فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ كَخُبْزِ الْأَزْرَقِيِّ طَبَرِسْتَانُ كَمَا سَيَأْتِي وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا عَبَّرَ عَنْ الْبَيْتِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ دَرَخَانَةَ لِرُومٍ لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِ الْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَجَمَ لَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى غَيْرِ الْمَبْنِيِّ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ وَالْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ (وَإِنْ نَوَى نَوْعًا) مِنْهَا (اُتُّبِعَ) عَمَلًا بِنِيَّتِهِ (وَلَا يَحْنَثُ بِالْمَسَاجِدِ وَالْبِيَعِ وَبُيُوتِ الْحَمَامِ وَالرَّحَى) وَنَحْوِهَا كَالْكَعْبَةِ وَالْغَارِ الَّذِي لَمْ يُتَّخَذْ سُكْنَةً؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْإِيوَاءِ وَالسَّكَنُ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَيْتِ إلَّا بِتَجَوُّزٍ أَوْ بِتَقْيِيدٍ كَمَا يُقَالُ الْكَعْبَةُ بَيْتُ اللَّهِ وَالْبَيْتُ الْحَرَامُ (وَكَذَا)

[حاشية الرملي الكبير]

وَتَزَوَّجْت مُنْذُ شَهْرٍ وَبِتَقْدِيرِ إطْلَاقِ الْعِبَارَةِ الْأُولَى فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ تَزَوَّجْت فَسَكَنْت مَعَ الزَّوْجَةِ شَهْرًا أَوْ تَسَرَّيْت فَسَكَنْت بِصِفَةِ التَّسَرِّي شَهْرًا فَإِنْ قُلْت بَيْنَ التَّزَوُّجِ وَالتَّسَرِّي فَرْقٌ، وَهُوَ أَنَّ التَّزَوُّجَ قَوْلٌ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الِاسْتِدَامَةِ لَيْسَ تَزَوُّجًا وَالتَّسَرِّي فِعْلٌ، وَهُوَ التَّحْصِينُ وَالْوَطْءُ وَالْإِنْزَالُ، وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ الْفِعْلِ فَيَكُونُ دَوَامُهُ كَابْتِدَائِهِ قُلْت لَا بَأْسَ بِهَذَا إنْ حُمِلَ التَّسَرِّي عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْعُرْفِيِّ فَأَهْلُ الْعُرْفِ لَا يُطْلِقُونَ التَّسَرِّي إلَّا عَلَى ابْتِدَائِهِ دُونَ دَوَامِهِ.
اهـ. وَقَدْ أَفْتَيْت بِحِنْثِهِ بِاسْتِدَامَةِ التَّسَرِّي إذْ هُوَ أَنْ يَحْجُبَ أَمَتَهُ عَنْ أَجَانِبِهَا الرِّجَالِ وَيَطَأَهَا وَيُنْزِلَ فَيَهَبَ؛ وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهَا تَسَرِّي سَنَةً مَثَلًا بِخِلَافِ التَّزَوُّجِ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ وَالْغَصْبِ) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ أَنْ يُقَالَ غَصَبَهُ شَهْرًا أَوْ سَنَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْغَصْبِ، وَفِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ بِأَنَّ الْغَاصِبَ فِي دَوَامِ الْغَصْبِ غَاصِبٌ فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِالْحِنْثِ وَقَدْ جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي فَلْتَكُنْ الْفَتْوَى عَلَيْهِ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْمُتَّجِهُ الْأَوَّلُ بِغَصْبٍ يَقْتَضِي بِوَضْعِهِ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا فَهُوَ فِي مَعْنَى لَا أُنْشِئُ غَصْبًا، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ غَصَبَ شَهْرًا فَمَعْنَاهُ وَأَقَامَ عِنْدَهُ شَهْرًا أَوْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْغَصْبِ شَهْرًا، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ غَاصِبًا بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي فَمَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ ذَكَرَهُ ابْنُ الْعِمَادِ وَغَيْرُهُ قَالَ شَيْخُنَا: هُوَ كَمَا قَالَ (قَوْلُهُ وَنَحْوُهُمَا كَالْمِلْكِ) وَالتَّخَتُّمِ وَالتَّخَضُّبِ (قَوْلُهُ وَلَا يَخْلُو بَعْضُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ إشْكَالٍ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا: يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ يَصْدُقُ وُجُودُهُمَا بِمُجَرَّدِ دُخُولٍ صَحِيحٍ فِيهِمَا، وَإِنْ فَسَدَا بَعْدَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ أَوْ كَانَ أَخْرَسَ فَحَلَفَ بِالْإِشَارَةِ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: هَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ يَمِينَ الْأَخْرَسِ تَنْعَقِدُ بِالْإِشَارَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ

(قَوْلُهُ فَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ حَنِثَ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْعَوْدِ مُسَافِرٌ أَيْضًا قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ ذُهُولٌ عَنْ الْمَنْقُولِ فَقَدْ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ فِي تَرْكِ السَّفَرِ وَحَكَى وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ أَقَامَ بِمَكَانِهِ قَالَ أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ لِبَقَائِهِ عَلَى السَّفَرِ وَالثَّانِي لَا لِكَفِّهِ عَنْ السَّفَرِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْوُقُوفِ مِنْ النَّظَرِ فِي أَنَّهُ وَقَفَ نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ أَوْ قَاصِدًا لِشَيْءٍ لَا يَقْطَعُ السَّفَرَ اهـ وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ لَا يُخَالِفُ مَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَخَذَ فِي تَرْكِ السَّفَرِ يَعْنِي ذَلِكَ السَّفَرَ فَتَأَمَّلْهُ ق س وَقَوْلُهُ وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ لَا يُخَالِفُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

[فَصْلٌ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ أَوْ لَا يَسْكُنُ بَيْتًا وَأَطْلَقَ]

(قَوْلُهُ وَالْخِيَامِ) مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ التَّصْوِيرُ بِمَا إذَا اُتُّخِذَتْ مَسْكَنًا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الصَّيْمَرِيُّ فِي الْإِيضَاحِ قَالَ فَأَمَّا الَّتِي يَتَّخِذُهَا الْمُسَافِرُ وَالْمُجْتَازُ لِدَفْعِ الْأَذَى فَلَا تُسَمَّى بَيْتًا (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ إلَخْ) ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (قَوْلُهُ وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (فَرْعٌ) حَلَفَ عِنْدَ انْسِلَاخِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَيْتَهُ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الشَّهْرَ فَرَغَ فَلَا يَحْنَثُ بِالدُّخُولِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ عِنْدَ يَمِينِهِ اسْتِهْلَالُهُ (قَوْلُهُ، وَإِنْ نَوَى نَوْعًا مِنْهَا اُتُّبِعَ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: هَذَا فِي الْبَاطِنِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَكَذَلِكَ أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ فَلَا وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَسَبَقَ مَا يُوَافِقُهُ (قَوْلُهُ وَلَا يَحْنَثُ بِالْمَسَاجِدِ) لَوْ دَخَلَ بَيْتًا بَعْضُهُ مَسْجِدٌ وَبَعْضُهُ مِلْكٌ مُشَاعًا فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْحِنْثِ ر (قَوْلُهُ وَالْغَارِ الَّذِي لَمْ يُتَّخَذْ مَسْكَنًا) أَمَّا مَا اُتُّخِذَ مِنْ ذَلِكَ مَسْكَنًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ (قَوْلُهُ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَيْتِ إلَّا بِتَجْوِيزٍ أَوْ تَقْيِيدٍ) قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ السَّابِقِ

جارٍ التحميل