(بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأنصاري، زكريا
- الكتاب
- أسنى المطالب في شرح روض الطالب
- المؤلف
- زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
- عدد الأجزاء
- 4
- الناشر
- دار الكتاب الإسلامي
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومعه حاشية الرملي الكبير]
(إنَّمَا تَصِحُّ عَلَى) مَيِّتٍ (مُسْلِمٍ غَيْرِ شَهِيدٍ) فَلَا تَصِحُّ عَلَى حَيٍّ وَلَا عَلَى عُضْوٍ دُونَ بَاقِيهِ وَلَا كَافِرٍ وَلَا شَهِيدٍ كَمَا سَيَأْتِي (وَإِنْ وُجِدَ جُزْءٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مُسْلِمٍ غَيْرِ شَهِيدٍ (وَتَحَقَّقَ مَوْتُهُ وَلَوْ) كَانَ الْجُزْءُ (ظُفْرًا أَوْ شَعْرًا وَجَبَ غُسْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ) كَالْمَيِّتِ الْحَاضِرِ وَلَا يَقْدَحُ غَيْبَةُ بَاقِيهِ فَقَدْ صَلَّى الصَّحَابَةُ عَلَى يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ وَقَدْ أَلْقَاهَا طَائِرُ نَسْرٍ بِمَكَّةَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ وَعَرَفُوهَا بِخَاتَمِهِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بَلَاغًا وَكَانَتْ الْوَقْعَةُ فِي جُمَادَى سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَيُشْتَرَطُ انْفِصَالُهُ مِنْ مَيِّتٍ لِيَخْرُجَ الْمُنْفَصِلُ مِنْ حَيٍّ كَأُذُنِهِ الْمُلْتَصِقَةِ إذَا وُجِدَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَأَفْتَى بِهِ الْبَغَوِيّ ثُمَّ قَالَ فَلَوْ أُبِينَ عُضْوٌ مِنْ إنْسَانٍ فَمَاتَ فِي الْحَالِ فَحُكْمُ الْكُلِّ وَاحِدٌ يَجِبُ غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ بَعْدَ مُدَّةٍ سَوَاءٌ انْدَمَلَتْ جِرَاحَتُهُ أَمْ لَا (لَا شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ) فَلَا تُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهَا كَذَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي الْحَقِيقَةِ صَلَاةٌ عَلَى غَائِبٍ (وَكَذَا) تَجِبُ (مُوَارَاتُهُ) أَيْ الْجُزْءِ الْمَذْكُورِ (بِخِرْقَةٍ) إنْ كَانَ مِنْ الْعَوْرَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي التَّكْفِينِ سِتْرُهَا فَقَطْ كَمَا مَرَّ (وَدَفْنُهُ) كَالْمَيِّتِ.
(وَيُسْتَحَبُّ دَفْنُ مَا انْفَصَلَ مِنْ حَيٍّ) لَمْ يَمُتْ فِي الْحَالِ أَوْ مِمَّنْ شَكَكْنَا فِي مَوْتِهِ (كَيَدِ سَارِقٍ وَظُفْرٍ وَشَعْرٍ وَعَلَقَةٍ وَدَمِ فَصْدٍ وَنَحْوِهِ) إكْرَامًا لِصَاحِبِهَا وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهَا تُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ أَيْضًا بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وُجُوبُ لَفِّ الْيَدِ وَدَفْنِهَا (وَمَنْ وَجَدَ مَيِّتًا مَجْهُولًا أَوْ عُضْوَهُ) الْأَوْلَى أَوْ بَعْضَهُ كَمَا فِي الْأَصْلِ (فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ صَلَّى عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا الْإِسْلَامُ، وَإِنْ وُجِدَ فِي غَيْرِهَا قَالَ الْقَاضِي مُجَلِّيٌّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللَّقِيطِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِهِ (وَنَوَى الصَّلَاةَ) فِي صُورَةِ الْعُضْوِ (عَلَى الْمَيِّتِ لَا الْعُضْوِ) وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ صَلَاةٌ عَلَى غَائِبٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهُوَ الْحَقُّ، وَإِنَّمَا أَزَدْنَا هُنَا شَرْطِيَّةَ حُضُورِ الْعُضْوِ وَغُسْلَهُ وَبَقِيَّةَ مَا يُشْتَرَطُ فِي صَلَاةِ الْمَيِّتِ الْحَاضِرِ وَيَكُونُ الْجُزْءُ الْغَائِبُ تَبَعًا لِلْحَاضِرِ قَالَ وَكَلَامُهُمْ كَالصَّرِيحِ فِي وُجُوبِ هَذِهِ الصَّلَاةِ وَبِهِ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ كَمَا مَرَّ قَالَ أَعْنِي السُّبْكِيَّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْمَيِّتِ وَإِلَّا فَهَلْ نَقُولُ تَجِبُ حُرْمَةٌ لَهُ كَالْجُمْلَةِ أَوْ لَا فِيهِ احْتِمَالٌ يُعْرَفُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي النِّيَّةِ انْتَهَى.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ كَانَ قَدْ صَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ غَسْلِ الْعُضْوِ وَإِلَّا فَتَجِبُ لِزَوَالِ الضَّرُورَةِ الْمُجَوِّزَةِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِدُونِ غَسْلِ الْعُضْوِ بِوُجْدَانِنَا لَهُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الْكَافِي لَوْ قُطِعَ رَأْسُ إنْسَانٍ بِبَلَدٍ وَحُمِلَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ صُلِّيَ عَلَيْهِ حَيْثُ هُوَ وَعَلَى الْجُثَّةِ حَيْثُ هِيَ وَلَا يُكْتَفَى بِالصَّلَاةِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ صُلِّيَ عَلَى الْمَيِّت كَمَا قَالَ فِيمَا مَرَّ وَتَرْكُ مَا بَعْدَهُ كَانَ أَخْصَرَ
(فَرْعٌ السِّقْطُ) بِتَثْلِيثِ سِينِهِ (إنْ اسْتَهَلَّ) أَيْ صَاحَ وَالْمُرَادُ إنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ بِصِيَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَكَالْكَبِيرِ) فَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ لِتَيَقُّنِ حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ بَعْدَهَا (وَكَذَا أَنْ اخْتَلَجَ وَتَحَرَّكَ) بَعْدَ انْفِصَالِهِ لِظُهُورِ أَمَارَةِ الْحَيَاةِ فِيهِ وَلِخَبَرِ «الطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الِاخْتِلَاجِ وَالتَّحَرُّكِ تَأْكِيدٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَظْهَرْ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ بِاخْتِلَاجٍ أَوْ نَحْوِهِ (فَإِنْ بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) أَيْ مِائَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ حَدَّ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ (غُسِّلَ وَكُفِّنَ) وَدُفِنَ وُجُوبًا (بِلَا صَلَاةٍ) فَلَا تَجِبُ بَلْ لَا تَجُوزُ لِعَدَمِ ظُهُورِ حَيَاتِهِ وَفَارَقَتْ مَا قَبْلَهَا بِأَنَّهُ أَوْسَعُ بَابًا مِنْهَا بِدَلِيلِ أَنَّ الذِّمِّيَّ يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُدْفَنُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ (وَلِدُونِهَا) أَيْ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (وَرَوَى بِخِرْقَةٍ وَدُفِنَ) فَقَطْ نَدْبًا لَكِنَّ مَا نِيطَ بِهِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ
[حاشية الرملي الكبير]
[بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ] ِ) قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ وَالْإِيصَاءُ بِالثُّلُثِ (قَوْلُهُ، وَإِنْ وُجِدَ جُزْءٌ مِنْهُ وَتَحَقَّقَ مَوْتُهُ إلَخْ) مَنْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ فَأَلْصَقَهَا فِي حَرَارَةِ الدَّمِ ثُمَّ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ وَوُجِدَتْ الْأُذُنُ فَقَطْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا لِانْفِصَالِهَا فِي حَيَاتِهِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهَا) فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْبَدَنُ تَابِعًا لَهَا فِي الْوُجُوبِ الْمَذْكُورِ وَمِثْلُ الشَّعْرَةِ نَحْوُهَا (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي التَّكْفِينِ سَتْرُهَا فَقَطْ إلَخْ) لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا بَاقِي الْبَدَنِ فَيَجِبُ سَتْرُهُ لِحَقِّ الْمَيِّتِ وَكَتَبَ أَيْضًا قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: هَذَا كُلُّهُ فَاسِدٌ حَصَلَ مِنْ التَّغَفُّلِ وَعَدَمِ الْإِحَاطَةِ بِالْمَدَارِكِ فَإِنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَسَتْرَ الزَّائِدِ مِنْ الْبَدَنِ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ فَيَجِبُ عَلَيْنَا اسْتِيعَابُ جَمِيعِ بَدَنِهِ (قَوْلُهُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ) سَكَتَ عَنْ مَيِّتٍ مَجْهُولٍ وُجِدَ بِبَلَدِنَا، وَهُوَ أَغْلَفُ وَوَسَطُ رَأْسِهِ مَحْلُوقٌ وَهَذِهِ عَادَةُ نَصَارَى الشَّامِ فَتَوَقَّفْت فِيهِ لِلْقَرِينَتَيْنِ عِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا الْإِسْلَامُ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ إذَا وُجِدَ فِي مَوَاتٍ لَا يُنْسَبُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا إلَى دَارِ الْكُفْرِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَذُبُّ عَنْهُ أَحَدٌ وَفِيهِ نَظَرٌ ح (قَوْلُهُ وَنَوَى الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ إلَخْ) ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جُمْلَةِ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ كَانَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَرْعٌ السقط إِن اسْتَهَلَّ يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ]
(قَوْلُهُ السَّقْطُ) بِتَثْلِيثِ سِينِهِ الْوَلَدُ النَّازِلُ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّتِهِ وَقِيلَ مَنْ وُلِدَ مَيِّتًا (قَوْلُهُ حَدُّ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَمْكُثُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَقَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا مُضْغَةً ثُمَّ يُؤْمَرُ الْمِلْكُ فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَأَثَرَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» وَكَانَ الْأَصْحَابُ أَخَذُوا تَعَقُّبَ نَفْخِ الرُّوحِ لِلْأَرْبَعَيْنِ السَّابِقَةِ مِنْ سِيَاقِ الْخَبَرِ فَإِنَّ الْعَلَقَةَ تَتَعَقَّبُ النُّطْفَةَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ وَالْمُضْغَةَ تَتَعَقَّبُ الْعَلَقَةَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ وَإِلَّا فَثُمَّ لَا تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ ظُهُورِ حَيَاتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْأَحْيَاءِ فِي الْإِرْثِ فَكَذَا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ آكَدُ بِدَلِيلِ أَنَّ الْكَافِرَ
وَمَا دُونَهَا جَرَى عَلَى الْغَالِبِ مِنْ ظُهُورِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ عِنْدَهَا وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ إنَّمَا هُوَ بِظُهُورِ خَلْقِهِ وَعَدَمِ ظُهُورِهِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْأَصْلِ وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِزَمَنِ إمْكَانِ نَفْخِ الرُّوحِ وَعَدَمِهِ وَبَعْضُهُمْ بِالتَّخْطِيطِ وَعَدَمِهِ وَكُلُّهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةً فَالْعِبْرَةُ بِمَا قُلْنَا
(فَصْلٌ يَجُوزُ غُسْلُ الْكَافِرِ) وَلَوْ حَرْبِيًّا إذْ لَا مَانِعَ وَلِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَلِيًّا بِغُسْلِ أَبِيهِ» لَكِنْ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ (لَا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ) وَلَوْ ذِمِّيًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84] (وَيَجِبُ تَكْفِينُ الذِّمِّيِّ وَدَفْنُهُ) عَلَيْنَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَلَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَفَاءً بِذِمَّتِهِ كَمَا يَجِبُ إطْعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ حَيًّا حِينَئِذٍ وَفِي مَعْنَاهُ الْمُعَاهِدُ وَالْمُؤَمَّنُ (لَا حَرْبِيٌّ وَمُرْتَدٌّ) فَلَا يَجِبُ تَكْفِينُهُمَا وَلَا دَفْنُهُمَا (وَيُغْرِي بِهِمَا الْكِلَابَ) جَوَازًا إذْ لَا حُرْمَةَ لَهُمَا وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِإِلْقَاءِ قَتْلَى بَدْرٍ فِي الْقَلِيبِ بِهَيْئَتِهِمْ (فَإِنْ تَأَذَّى) أَحَدٌ (بِرِيحِهِمَا دُفِنَا) الْمُوَافِقُ لِعِبَارَةِ أَصْلِهِ فَإِنْ دُفِنَا فَلِئَلَّا يَتَأَذَّى النَّاسُ بِرِيحِهِمَا (وَإِنْ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِمْ) مِنْ الْكُفَّارِ وَالشُّهَدَاءِ وَالسَّقْطِ الَّذِي لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ (غُسِّلُوا) وَكَفِّنُوا وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ (جَمِيعًا) إذْ لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِذَلِكَ وَعُورِضَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ مُحَرَّمَةٌ وَلَا يَتِمُّ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ إلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَحْصِيلَ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ مَفْسَدَةِ الْحَرَامِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ عَلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ.
(وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْمَعَهُمْ وَيُصَلِّيَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرِ الشُّهَدَاءِ مِنْهُمْ) أَوْ غَيْرِ السَّقْطِ وَيَقُولُ فِي الْأُولَى اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ (وَإِنْ أَفْرَدَ كُلًّا) مِنْهُمْ بِصَلَاةٍ (وَنَوَاهُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا) أَوْ غَيْرَ شَهِيدٍ أَوْ غَيْرَ سَقْطٍ (جَازَ) وَيُغْتَفَرُ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ لِلضَّرُورَةِ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ (وَيَقُولُ) فِي الْأَوْلَى (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَقَدْ تَتَعَيَّنُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ كَأَنْ يُؤَدِّيَ التَّأْخِيرُ لِاجْتِمَاعِهِمْ إلَى تَغَيُّرِ أَحَدِهِمْ وَسَيَأْتِي فِي الدَّعَاوَى أَنَّهُ لَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَانِ بِإِسْلَامِهِ وَكُفْرِهِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَلَوْ مَاتَ ذِمِّيٌّ فَشَهِدَ عَدْلٌ بِأَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِ فِي تَوْرِيثِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ مِنْهُ وَلَا حِرْمَانُ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ بِلَا خِلَافٍ وَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ثُبُوتِ هِلَالِ رَمَضَانَ بِقَوْلِ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ قَبُولِهَا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ خِلَافُهُ
(فَصْلٌ يَحْرُمُ غُسْلُ الشَّهِيدِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ جُنُبًا) وَحَائِضًا وَنُفَسَاءَ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ» وَفِي لَفْظٍ لَهُ «وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ» بِفَتْحِ اللَّام وَلِخَبَرِ أَحْمَدَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَا تُغَسِّلُوهُمْ فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كَلْمٍ أَوْ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ» وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ إبْقَاءُ أَثَرِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ وَالتَّعْظِيمُ لَهُمْ بِاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ دُعَاءِ الْقَوْمِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَأَمَّا خَبَرُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فَصَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ» فَالْمُرَادُ دَعَا لَهُمْ كَدُعَائِهِ لِلْمَيِّتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] وَالْإِجْمَاعُ يَدُلُّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنَّمَا سَقَطَ غُسْلُ الْجُنُبِ وَنَحْوُهُ بِالشَّهَادَةِ «؛ لِأَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ جُنُبٌ وَلَمْ يُغَسِّلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ رَأَيْت الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِفِعْلِنَا؛ وَلِأَنَّهُ طُهْرٌ عَنْ حَدَثٍ فَسَقَطَ بِالشَّهَادَةِ كَغُسْلِ الْمَوْتِ فَيَحْرُمُ إذْ لَا قَائِلَ بِغَيْرِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ يَحْرُمُ غُسْلُهُ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ حَدَثٍ فَلَمْ تَجُزْ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ.
(وَهُوَ) أَيْ الشَّهِيدُ (مَنْ مَاتَ) وَلَوْ امْرَأَةً أَوْ رَقِيقًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا (فِي حَالِ الْقِتَالِ أَوْ لَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بِسَبَبِ قِتَالِ الْكُفَّارِ) بَلْ أَوْ الْكَافِرِ الْوَاحِدِ وَلَوْ قَالَ أَوَّلًا فِي حَالِ قِتَالِ
[حاشية الرملي الكبير]
يُغَسَّلَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ (قَوْلُهُ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْأَصْلِ) وَالْمَجْمُوعِ
[فَصْلٌ غُسْلُ الْكَافِرِ]
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 84] إلَخْ) ؛ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] (قَوْلُهُ بِغَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ) كَاخْتِلَاطِ مُسْلِمٍ بِأَلْفِ كَافِرٍ (قَوْلُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَقَدْ تَتَعَيَّنُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ إلَخْ) وَقَدْ تَتَعَيَّنُ الْكَيْفِيَّةُ الْأُولَى كَأَنْ يُؤَدِّيَ الِانْفِرَادُ إلَى تَغَيُّرٍ أَوْ انْفِجَارٍ لِشِدَّةِ حَرٍّ وَكَثْرَةِ الْمَوْتَى (قَوْلُهُ وَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ قَبُولِهَا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَتَوَابِعِهَا) وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ الْأَصَحُّ
[فَصْلٌ غُسْلُ الشَّهِيدِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ]
(قَوْلُهُ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ) فَإِنْ قِيلَ خَبَرُ جَابِرٍ لَا يُحْتَجَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَفْيٌ وَشَهَادَةُ النَّفْيِ مَرْدُودَةٌ مَعَ مَا عَارَضَهَا فِي خَبَرِ الْإِثْبَاتِ فَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ شَهَادَةَ النَّفْيِ إنَّمَا تُرَدُّ إذَا لَمْ يُحِطْ بِهَا عِلْمُ الشَّاهِدِ، وَلَمْ تَكُنْ مَحْصُورَةً وَإِلَّا فَتُقْبَلُ بِالِاتِّفَاقِ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ أَحَاطَ بِهَا جَابِرٌ وَغَيْرُهُ عِلْمًا، وَأَمَّا خَبَرُ الْإِثْبَاتِ فَقَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ ش (قَوْلُهُ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ) فِي ذَلِكَ حَثٌّ عَلَى الْجِهَادِ وَلَيْسَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَثٌّ (قَوْلُهُ فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِفِعْلِنَا) اعْتَرَضَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ بِالْكَفَنِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْنَا وَمَعَ ذَلِكَ إذَا شَاهَدْنَا تَكْفِينَ الْمَلَائِكَةِ لِلْمَيِّتِ كَفَى فَمَنَعَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ ذَلِكَ قَالَ وَلَا يَكْفِي فِيهِ أَيْ فِي الْكَفَنِ وَلَا فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا قَالَ وَسَلَّمَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيَّ وَفَرَّقَا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَفَنِ سَتْرُهُ وَقَدْ حَصَلَ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْغُسْلِ هُوَ التَّعَبُّدُ بِفِعْلِهِ؛ وَلِهَذَا يُنْبَشُ لِلْغُسْلِ لَا لِلْكَفَنِ وَقَوْلُهُ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا شَاهَدْنَا إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ بِسَبَبِ قِتَالِ الْكُفَّارِ) وَلَوْ فِي حَالِ انْهِزَامِهِمْ وَكَتَبَ أَيْضًا لَوْ اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ بِكُفَّارٍ فَقَتَلَ كَافِرٌ مُسْلِمًا فَهُوَ شَهِيدٌ قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ وَلَوْ اسْتَعَانَ الْكُفَّارُ بِالْبُغَاةِ مِنَّا فَقَتَلَ بَاغٍ عَادِلًا مِنَّا فِي الْقِتَالِ فَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ شَهِيدٌ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِهِ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: قِتَالُ الْكُفَّارِ يَشْمَلُ الْحَرْبِيِّينَ وَالْمُرْتَدِّينَ وَأَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا حَارَبُونَا فِي دَارِنَا
الْكُفَّارِ وَثَانِيًا بِسَبَبِ الْقِتَالِ كَانَ أَوْلَى (وَلَوْ) مَاتَ (بِدَابَّتِهِ) الْأَوْلَى بِدَابَّةٍ بِالتَّنْكِيرِ أَيْ بِسَبَبِهَا (وَ) بِسَبَبِ (سِلَاحِهِ أَوْ سِلَاحِ مُسْلِمٍ) آخَرَ (خَطَأً) أَوْ تَرَدَّى فِي وَهْدَةٍ (أَوْ) مَاتَ وَ (جُهِلَ السَّبَبُ) الَّذِي مَاتَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرُ دَمٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ الْقِتَالِ وَقَوْلُهُ خَطَأً إيضَاحٌ فَإِنَّ مَا خَرَجَ بِهِ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِسَبَبِ الْقِتَالِ (فَإِنْ) جُرِحَ فِي الْقِتَالِ وَقَدْ (بَقِيَتْ فِيهِ) بَعْدَ انْقِضَائِهِ (حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَلَا) أَيْ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ (وَإِنْ قُطِعَ بِمَوْتِهِ) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَاشَ بَعْدَهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ (وَلَا مَنْ مَاتَ فَجْأَةً فِيهِ) أَوْ بِمَرَضٍ (أَوْ قَتَلَهُ أَهْلُ بَغْيٍ أَوْ اُغْتِيلَ) أَيْ قَتَلَهُ غِيلَةً مُسْلِمٌ مُطْلَقًا أَوْ كَافِرٌ فِي غَيْرِ قِتَالٍ (وَاسْمُ الشَّهِيدِ فِي الْفِقْهِ مُخَصَّصٌ بِمَنْ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) مِمَّنْ مَاتَ مِنَّا بِالسَّبَبِ الْمَذْكُورِ (وَأَمَّا فِي الْأَجْرِ) فِي الْآخِرَةِ (فَكُلُّ مَقْتُولٍ ظُلْمًا شَهِيدٌ) ذِكْرُ شَهِيدٍ تَأْكِيدٌ (وَكَذَا مَبْطُونٌ وَمَطْعُونٌ وَغَرِيقٌ وَغَرِيبٌ) أَيْ مَاتُوا بِالْبَطْنِ وَالطَّاعُونِ وَالْغَرَقِ وَالْغُرْبَةِ (وَمَنْ مَاتَ عِشْقًا أَوْ بِالطَّلْقِ) أَوْ بِدَارُ الْحَرْبِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَكُلُّهُمْ شُهَدَاءُ فِي الْأَجْرِ خَاصَّةً فَيَجِبُ غُسْلُهُمْ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُهُمَا، وَإِنَّمَا خَالَفْنَاهُ فِي الْمَيِّتِ بِسَبَبِ الْقِتَالِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ وَتَرْغِيبًا فِيهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالشُّهَدَاءُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
شَهِيدٌ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَفِي حُكْمِ الْآخِرَةِ بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ ثَوَابًا خَاصًّا، وَهُوَ مَنْ قُتِلَ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِهِ وَقَدْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَشَهِيدٌ فِي الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا، وَهُوَ مَنْ قُتِلَ ظُلْمًا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَالْمَبْطُونُ وَنَحْوُهُمَا وَشَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَنْ قُتِلَ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِهِ وَقَدْ غَلَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَوْ قُتِلَ مُدْبِرًا أَوْ قَاتَلَ رِيَاءً أَوْ نَحْوُهُ وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنْ الْغَرِيبِ الْعَاصِيَ بِغُرْبَتِهِ كَالْآبِقِ وَالنَّاشِزَةِ وَمِنْ الْغَرِيقِ الْعَاصِيَ بِرُكُوبِهِ الْبَحْرَ كَمَنْ رَكِبَهُ لِشُرْبِ الْخَمْرِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ قَالَ، وَأَمَّا الْمَيِّتُ عِشْقًا فَشَرْطُهُ الْعِفَّةُ وَالْكِتْمَانُ لِخَبَرِ «مَنْ عَشِقَ فَعَفَّ وَكَتَمَ فَمَاتَ مَاتَ شَهِيدًا» وَقَدْ ضُعِّفَ إسْنَادُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ صَوَّبَ وَقْفَهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَيَجِبُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَنْ يُتَصَوَّرُ إبَاحَةُ نِكَاحِهِ لَهَا شَرْعًا وَيَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَيْهَا كَزَوْجَةِ الْمَلِكِ وَإِلَّا فَعِشْقُ الْمُرْدِ مَعْصِيَةٌ فَكَيْفَ تَحْصُلُ بِهَا دَرَجَةُ الشَّهَادَةِ قَالَ وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْمَيِّتَةِ بِالطَّلْقِ الْحَامِلُ بِزِنَاهَا (وَأَمَّا قَاطِعُ الطَّرِيقِ) إذَا اسْتَحَقَّ الصَّلْبَ مَعَ الْقَتْلِ (فَيُقْتَلُ ثُمَّ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصْلَبُ مُكَفَّنًا وَتُغْسَلُ) وُجُوبًا (نَجَاسَةُ شَهِيدٍ) حَصَلَتْ بِغَيْرِ سَبَبِ الشَّهَادَةِ (وَلَوْ أَدَّى غُسْلُهَا إلَى غُسْلِ دَمِهِ) الْحَاصِلِ بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَثَرِ الْعِبَادَةِ بِخِلَافِ مَا كَانَ بِسَبَبِهَا مِنْ الدَّمِ فَتَحْرُمُ إزَالَتُهُ لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ غُسْلِ الشَّهِيدِ؛ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ (فَائِدَةٌ) سُمِّيَ الشَّهِيدُ الْمَذْكُورُ شَهِيدًا لَمَعَانٍ مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ شَهِدَا لَهُ بِالْجَنَّةِ وَمِنْهَا أَنَّهُ يُبْعَثُ وَلَهُ شَاهِدٌ بِقَتْلِهِ، وَهُوَ دَمُهُ؛ لِأَنَّهُ يُبْعَثُ وَجُرْحُهُ يَتَفَجَّرُ دَمًا وَمِنْهَا أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ يَشْهَدُونَهُ فَيَقْبِضُونَ رُوحَهُ
(فَرْعٌ وَالْأَوْلَى) فِي تَكْفِينِ الشَّهِيدِ (تَكْفِينُهُ فِي ثِيَابِهِ الْمُلَطَّخَةِ بِالدَّمِ) لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «عَنْ جَابِرٍ قَالَ رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ أَوْ حَلْقِهِ فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَالْمُرَادُ ثِيَابُهُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا وَاعْتِيدَ لُبْسُهَا غَالِبًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُلَطَّخَةً بِالدَّمِ لَكِنَّ الْمُلَطَّخَةَ أَوْلَى ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ فَالتَّقْيِيدُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ بِالْمُلَطَّخَةِ لِبَيَانِ الْأَكْمَلِ وَعُلِمَ بِكَوْنِهَا أَوْلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَكْفِينُهُ فِيهَا كَسَائِرِ الْمَوْتَى وَفَارَقَ الْغُسْلَ بِإِبْقَاءِ أَثَرِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْبَدَنِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِإِكْرَامِهِ وَالْإِشْعَارِ بِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الدُّعَاءِ (فَإِنْ لَمْ تَكْفِهِ ثِيَابُهُ تُمِّمَ عَلَيْهَا) نَدْبًا إنْ سَتَرَتْ عَوْرَتَهُ وَإِلَّا فَوُجُوبًا فَتَعْبِيرُهُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا عَلَيْهِ سَابِغًا تُمِّمَ وَمِنْ قَوْلِ الْمَجْمُوعِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا عَلَيْهِ كَافِيًا لِلْكَفَنِ الْوَاجِبِ وَجَبَ لِتَمَامِهِ (وَلَوْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ نَزْعَهَا) وَتَكْفِينَهُ فِي غَيْرِهَا (نُزِعَتْ) أَيْ جَازَ نَزْعُهَا
[حاشية الرملي الكبير]
وَتَصَدَّوْا لِقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَيْنَا وَنَحْوَ ذَلِكَ وَلَمْ أَرَهُ نَصًّا وَقَوْلُهُ فَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ شَهِيدٌ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَوْ قَتَلَهُ أَهْلُ بَغْيٍ) ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - غَسَّلَتْ ابْنَهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ؛ وَلِأَنَّهُ مَقْتُولٌ فِي حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ فَأَشْبَهَ الْقَتِيلَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ (قَوْلُهُ وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنْ الْغَرِيبِ الْعَاصِيَ بِغُرْبَتِهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَشَرْطُهُ الْعِفَّةُ وَالْكِتْمَانُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ وَيَجِبُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَنْ تُتَصَوَّرُ وَإِلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا أَفْتَى الْوَالِدُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ يُتَصَوَّرُ نِكَاحُهُ شَرْعًا أَوْ لَا كَالْأَمْرَدِ حَيْثُ عَفَّ وَكَتَمَ إذْ الْمَحَبَّةُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى دَفْعِهَا وَقَدْ يَكُونُ الصَّبْرُ عَلَى الثَّانِي أَشَدَّ إذْ لَا وَسِيلَةَ لَهُ لِقَضَاءِ وَطَرِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ وَتُغْسَلُ نَجَاسَةُ شَهِيدٍ) الظَّاهِرُ وُجُوبُ إزَالَةِ غَائِطٍ نَشَأَ خُرُوجُهُ عَنْ الْقَتْلِ، وَإِنَّ الَّذِي لَا يُزَالُ إنَّمَا هُوَ الدَّمُ فَقَطْ لِوُرُودِ الْفَضْلِ فِيهِ.
اهـ. قَدْ جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ قَالَ فِي الْعُبَابِ: يُكْرَهُ تَنْزِيهًا إزَالَةُ دَمِ الشَّهِيدِ بِلَا غَسْلٍ بَلْ يَحُكُّهُ بِنَحْوِ عُودٍ قَالَ شَيْخُنَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى حَكٍّ لَا تَحْصُلُ بِهِ الْإِزَالَةُ رَأْسًا وَإِلَّا فَالْكَرَاهَةُ لِلتَّحْرِيمِ (قَوْلُهُ وَمِنْهَا أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَنِ يَشْهَدُونَهُ إلَخْ) وَقِيلَ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ فَكَأَنَّ رُوحَهُ شَاهِدَةٌ أَيْ حَاضِرَةً وَقِيلَ؛ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْكَرَامَةِ وَقِيلَ؛ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالْأَمَانِ مِنْ النَّارِ، وَقِيلَ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِبْلَاغِ الرُّسُلِ
[فَرْعٌ تَكْفِينِ الشَّهِيدِ]
(قَوْلُهُ نَدْبًا إنْ سُتِرَتْ الْعَوْرَةُ إلَخْ) قَدْ تَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا زَادَ عَلَيْهَا وَاجِبٌ لِحَقِّ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَابِغًا تَمَّمَ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: أَيْ وُجُوبًا عِنْدَ الْمُكْنَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: هَكَذَا قَالَهُ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ يَعْنِي اللَّفْظَ الَّذِي فِي الْكِتَابِ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ السَّابِغَ مَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ نَزْعَهَا نُزِعَتْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُ الدِّيبَاجُ الْمُبَاحُ لَهُ إمَّا وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا بِالزَّوَالِ الْحَاجَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحْرِمًا فَلَيْسَ مَخِيطًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْنُهُ فِيهِ لِبَقَاءِ حُكْمِ إحْرَامِهِ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ ثِيَابُهُ نَفِيسَةً بِحَيْثُ يَكُونُ التَّكْفِينُ بِهَا إسْرَافًا أَوْ مُغَالَاةً وَفِي الْوَرَثَةِ مَنْ لَا عِبْرَةَ بِرِضَاهُمْ أَوْ كَانُوا غَائِبِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْنُهُ فِيهَا وَلَمْ أَرَ فِي هَذَا كُلِّهِ شَيْئًا اهـ
وَتَكْفِينُهُ فِي غَيْرِهَا سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَيْهِ أَثَرُ الشَّهَادَةِ أَمْ لَا وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ وَامْتَنَعَ الْبَاقُونَ أُجِيبَ الْمُمْتَنِعُونَ كَمَا لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ فَكَفَّنَهُ فِي ثَوْبٍ وَامْتَنَعَ الْبَاقُونَ وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ التَّكْفِينِ وَاجِبٌ بِخِلَافِ تَكْفِينِ الشَّهِيدِ فِي ثِيَابِهِ (وَتُنْزَعُ) نَدْبًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ (آلَةُ الْحَرْبِ عَنْهُ) كَدِرْعٍ (وَ) كَذَا (الْخُفُّ وَنَحْوُهُ) مِمَّا لَا يُعْتَادُ لُبْسُهُ غَالِبًا كَجِلْدٍ وَفَرْوَةٍ وَجُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ كَسَائِرِ الْمَوْتَى، وَفِي أَبِي دَاوُد فِي قَتْلَى أُحُدٍ الْأَمْرُ بِنَزْعِ الْحَدِيدِ وَالْجُلُودِ وَدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخُفَّ وَنَحْوَهُ لَيْسَا مِنْ آلَةِ الْحَرْبِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَالْأَمْرُ قَرِيبٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَتَعْبِيرُهُ بِمَا قَالَهُ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ، وَأَمَّا الدِّرْعُ وَالْجِلْدُ وَالْفِرَاءُ وَالْخِفَافُ فَتُنْزَعُ
(فَرْعٌ وَأَوْلَى النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ) وَلَوْ امْرَأَةً مَنْ يَأْتِي؛ لِأَنَّهَا مِنْ قَضَاءِ حَقِّ الْمَيِّت كَالتَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ (وَإِنْ أَوْصَى) بِهَا (لِغَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ فَلَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهَا كَالْإِرْثِ وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَصَّى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَصَلَّى، وَأَنَّ عُمَرَ وَصَّى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ فَصَلَّى، وَأَنَّ عَائِشَةَ وَصَّتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَصَلَّى، وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَصَّى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ فَصَلَّى مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُمْ أَجَازُوا الْوَصِيَّةَ فَيُقَدَّمُ (الْأَبُ) وَقَوْلُهُ (أَوْ نَائِبُهُ) مِنْ زِيَادَتِهِ وَكَغَيْرِ الْأَبِ أَيْضًا نَائِبُهُ (ثُمَّ أَبُوهُ، وَإِنْ عَلَا ثُمَّ الِابْنُ ثُمَّ ابْنُهُ، وَإِنْ سَفَلَ) بِتَثْلِيثِ الْفَاءِ وَخَالَفَ ذَلِكَ تَرْتِيبَ الْإِرْثِ بِأَنَّ مُعْظَمَ الْغَرَضِ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ فَقُدِّمَ الْأَشْفَقُ؛ لِأَنَّ دُعَاءَهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ (ثُمَّ الْعَصَبَاتُ) النِّسْبِيَّةُ أَيْ بَقِيَّتُهُمْ (عَلَى تَرْتِيبِ الْإِرْثِ) فِي غَيْرِ ابْنَيْ عَمِّ أَحَدِهِمَا أَخٍ لِأُمٍّ كَمَا سَيَأْتِي فَيُقَدَّمُ الْأَخُ الشَّقِيقُ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَهَكَذَا وَسَيَأْتِي بَعْضُهُ.
(وَيُقَدَّمُ مُرَاهِقٌ) وَالْمُرَادُ مُمَيِّزٌ (أَجْنَبِيٌّ عَلَى امْرَأَةٍ قَرِيبَةٍ وَلَوْ اجْتَمَعَ ابْنَا عَمِّ أَحَدِهِمَا أَخٌ مِنْ أُمٍّ قُدِّمَ) هُوَ لِتَرَجُّحِهِ بِأُخُوَّةِ الْأُمِّ وَالْأُمِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا دَخْلٌ فِي إمَامَةِ الرِّجَالِ لَهَا مَدْخَلٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهَا تُصَلِّي مَأْمُومَةً وَمُنْفَرِدَةً وَإِمَامَةً لِلنِّسَاءِ عِنْدَ فَقْدِ الرِّجَالِ فَقُدِّمَ بِهَا (كَمَا يُقَدَّمُ الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ) عَلَى الْأَخِ مِنْ الْأَبِ (ثُمَّ) بَعْدَ الْعَصَبَاتِ النِّسْبِيَّةِ (الْمَوْلَى) فَيُقَدَّمُ (الْمُعْتَقُ ثُمَّ عَصَبَاتُهُ) فَيُقَدَّمُ عَصَبَاتُهُ النِّسْبِيَّةُ ثُمَّ مُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَاتُهُ النِّسْبِيَّةُ وَهَكَذَا وَذِكْرُ لَفْظِ الْمَوْلَى مِنْ زِيَادَتِهِ وَلَا فَائِدَةَ لَهُ غَيْرُ الْإِجْمَالِ ثُمَّ التَّفْصِيلُ بِمَا بَعْدَهُ (ثُمَّ السُّلْطَانُ) مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ صَرَّحَ الصَّيْمَرِيُّ وَالْمُتَوَلِّي (ثُمَّ الْأَرْحَامُ) أَيْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَيُقَدَّمُ (الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ فَيُقَدَّمُ أَبُو الْأُمِّ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأُمِّ ثُمَّ الْخَالُ ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأُمِّ) فَالْأَخُ مِنْ الْأُمِّ هُنَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ بِخِلَافِهِ فِي الْإِرْثِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ تَأْخِيرُ بَنِي الْبَنَاتِ عَنْ هَؤُلَاءِ لَكِنْ قَدَّمَهُمْ فِي الذَّخَائِرِ عَلَى الْأَخِ لِلْأُمِّ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا حَقَّ فِي الصَّلَاةِ لِلزَّوْجِ وَلَا لِلْمَرْأَةِ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا وُجِدَ مَعَ الزَّوْجِ غَيْرُ الْأَجَانِبِ وَمَعَ الْمَرْأَةِ ذَكَرٌ وَإِلَّا فَالزَّوْجُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَجَانِبِ وَالْمَرْأَةُ تُصَلِّي وَتُقَدَّمُ بِتَرْتِيبِ الذَّكَرِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَفِي تَقْدِيمِ السَّيِّدِ عَلَى أَقَارِبِ الرَّقِيقِ الْأَحْرَارِ نَظَرٌ يُلْتَفَتُ إلَى أَنَّ الرِّقَّ هَلْ يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ أَمْ لَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْغُسْلِ أَنَّ شَرْطَ الْمُقَدَّمِ فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ قَاتِلًا وَالْقِيَاسُ هُنَا مِثْلُهُ قُلْت وَنَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ (فَرْعٌ) لَوْ (اسْتَوَى اثْنَانِ فِي دَرَجَةٍ) كَابْنَيْنِ وَأَخَوَيْنِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَهْلٌ لِلْإِمَامَةِ (قُدِّمَ الْأَسَنُّ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرُ الْفَاسِقِ وَالرَّقِيقُ وَالْمُبْتَدِعُ عَلَى الْأَفْقَهِ) مِنْهُ عَكْسُ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا الدُّعَاءُ وَدُعَاءُ الْأَسَنِّ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ وَسَائِرُ الصَّلَوَاتِ مُحْتَاجَةٌ إلَى الْفِقْهِ لِوُقُوعِ الْحَوَادِثِ فِيهَا أَمَّا الْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ فَلَا حَقَّ لَهُمَا فِي الْإِمَامَةِ، وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَالْأَفْقَهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا فَالْأَسَنُّ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي السِّنِّ قُدِّمَ الْأَفْقَهُ وَالْأَقْرَأُ وَالْأَوْرَعُ بِالتَّرْتِيبِ السَّابِقِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ تَقْدِيمُ الْفَقِيهِ عَلَى الْأَسَنِّ غَيْرِ الْفَقِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ اقْتَضَتْ الْعِلَّةُ خِلَافَهُ (وَيُقَدَّمُ الْحُرُّ) الْعَدْلُ (عَلَى رَقِيقٍ) وَلَوْ (أَقْرَبَ) وَأَفْقَهَ وَأَسَنَّ؛ لِأَنَّهُ أَلْيَقُ بِالْإِمَامَةِ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ (كَالْعَمِّ الْحُرِّ) فَإِنَّهُ مُقَدَّمٌ (عَلَى الْأَبِ الرَّقِيقِ) مُطْلَقًا (وَكَذَا) يُقَدَّمُ الْحُرُّ الْعَدْلُ (عَلَى رَقِيقٍ فَقِيهٍ) كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا قَبْلَهُ أَيْضًا وَيُقَدَّمُ الرَّقِيقُ الْقَرِيبُ عَلَى الْحُرِّ الْأَجْنَبِيِّ وَالرَّقِيقُ الْبَالِغُ عَلَى الْحُرِّ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فَهُوَ أَحْرَصُ عَلَى تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِهَا بِخِلَافِهَا خَلْفَ الصَّبِيِّ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَفِيهِ يُقَدَّمُ مَفْضُولُ الدَّرَجَةِ عَلَى نَائِبِ فَاضِلِهَا فِي الْأَقْيَسِ وَنَائِبُ الْأَقْرَبِ الْغَائِبِ عَلَى الْبَعِيدِ الْحَاضِرِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخُفَّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَرْعٌ أَوْلَى النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ]
(قَوْلُهُ ثُمَّ السُّلْطَانُ) يُقَدَّمُ الْوَالِي عَلَى الْوَلِيِّ إذَا خِيفَتْ الْفِتْنَةُ مِنْ الْوَالِي كَمَا فِي الْمُعِينِ عَنْ مَفْهُومِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ وَبِهِ صَرَّحَ الصَّيْمَرِيُّ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا: الْأَوْجَهُ تَقْدِيمُ ذَوِي الْأَرْحَامِ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ عَلَى الْإِمَامِ وَلَوْ مَعَ الِانْتِظَامِ نَظَرًا لِلْعِلَّةِ، وَهُوَ أَنَّ دُعَاءَ الْأَقْرَبِ لِلْإِجَابَةِ (قَوْلُهُ لَكِنْ قَدَّمَهُمْ فِي الذَّخَائِرِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ، وَفِي تَقْدِيمِ السَّيِّدِ عَلَى أَقَارِبِ الرَّقِيقِ إلَخْ) هَلْ يَكُونُ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَى أَمَتِهِ كَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا أَوَّلًا؛ لِأَنَّ مَدَارَ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّفَقَةِ احْتِمَالَانِ لِلْقَفَّالِ نَقَلَهُمَا عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ وَيُؤْخَذُ مِنْهُمَا أَنَّ السَّيِّدَ أَحَقُّ بِإِمَامَةِ الصَّلَاةِ عَلَى رَقِيقِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ أَنَّ قَوْلَهُ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ أَوْلَى إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ أَنَّ السَّيِّدَ أَحَقُّ إلَخْ (قَوْلُهُ وَدُعَاءُ الْأَسَنِّ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ) وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ يَسْتَحْيِ أَنْ يَرُدَّ دَعْوَةَ ذِي الشَّيْبَةِ فِي الْإِسْلَامِ» (قَوْلُهُ، وَإِنْ اقْتَضَتْ الْعِلَّةُ خِلَافَهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَنَائِبُ الْأَقْرَبِ الْغَائِبِ) إذَا كَانَ الْأَقْرَبُ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ فَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهَا حَضَرَ أَوْ غَابَ وَلَا اعْتِرَاضَ
(فَإِنْ اسْتَوَوْا) فِيمَا ذَكَرَ هُنَا وَفِيمَا مَرَّ فِي بَابِ الْجَمَاعَةِ مِنْ النَّظَافَةِ وَحُسْنِ الْوَجْهِ وَغَيْرِهِمَا (وَتَشَاحُّوا أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ، وَإِنْ تَرَاضَوْا بِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ قُدِّمَ أَوْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أُقْرِعَ كَنَظِيرِهِ فِيمَا يَأْتِي قَالَ فِي الذَّخَائِرِ فَلَوْ تَقَدَّمَ غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ جَازَ قَطْعًا وَفِي نَظِيرِهِ فِي النِّكَاحِ خِلَافٌ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الْأَجْنَبِيُّ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ حَاضِرًا بِخِلَافِهِ فِي النِّكَاحِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّقْدِيمُ فِي الْأَجَانِبِ مُعْتَبَرٌ بِمَا قُدِّمَ بِهِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ
(فَصْلٌ يَقِفُ الْإِمَامُ) وَالْمُنْفَرِدُ نَدْبًا (عِنْدَ رَأْسِ الذَّكَرِ) وَلَوْ صَبِيًّا (وَعِنْدَ عَجِيزَةِ غَيْرِهِ) مِنْ أُنْثَى وَخُنْثَى لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ فِي الْأَوَّلِ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَفِي الثَّانِي فِي الْأُنْثَى الشَّيْخَانِ وَقِيسَ بِهَا الْخُنْثَى وَالْمَعْنَى فِيهِ مُحَاوَلَةُ سِتْرِهِمَا وَتَعْبِيرُهُ بِغَيْرِهِ أَوْلَى مِنْ اقْتِصَارِ أَصْلِهِ عَلَى الْأُنْثَى لَكِنْ فِيهِ تَغْلِيبٌ؛ لِأَنَّ الْعَجِيزَةَ إنَّمَا تُقَالُ فِي الْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا يُقَالُ فِيهِ عَجُزٌ كَمَا يُقَالُ فِيهَا أَيْضًا قَالَ بَعْضُ الْغَسِيلِيِّ الْيَمَنِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَأْتِيَ هَذَا التَّفْصِيلُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ وَاسْتَبْعَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ بَلْ هُوَ حَسَنٌ عَمَلًا بِالسُّنَّةِ فِي الْأَصْلِ (فَإِنْ تَقَدَّمَ) الْمُصَلِّي (عَلَى الْجِنَازَةِ الْحَاضِرَةِ أَوْ الْقَبْرِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) كَمَا فِي تَقَدُّمِ الْمَأْمُومِ عَلَى إمَامِهِ أَمَّا الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الْغَائِبَةِ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ لِلْحَاجَةِ
(فَرْعٌ فَإِنْ اجْتَمَعَ جَنَائِزُ وَرَضِيَ الْأَوْلِيَاءُ بِوَاحِدٍ) مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ (فَلَهُ) أَيْ لِلْوَاحِدِ (جَمْعُهُمْ بِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ) سَوَاءٌ أَكَانُوا ذُكُورًا أَمْ إنَاثًا أَمْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا لِخَبَرِ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى عَلَى تِسْعِ جَنَائِزَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ فَجَعَلَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِيهِ وَالنِّسَاءَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ صَلِّي عَلَى زَيْدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأُمُّهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَجَعَلَهُ مِمَّا يَلِيهِ وَجَعَلَهَا مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ وَفِي الْقَوْمِ نَحْوُ ثَمَانِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَالُوا هَذِهِ السُّنَّةُ» ؛ وَلِأَنَّ مَقْصُودَهَا الدُّعَاءُ وَيُمْكِنُ جَمْعُهَا فِيهِ (وَ) لَهُ (إفْرَادُ كُلٍّ) بِصَلَاةٍ (وَهُوَ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَرْجَى لِلْقَبُولِ، وَلَيْسَ هُوَ تَأْخِيرًا كَثِيرًا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ يَقْتَضِي الْحَالُ الْجَمْعَ وَيَتَعَذَّرُ إفْرَادُ كُلِّ جِنَازَةٍ بِصَلَاةٍ أَيْ كَمَا لَوْ خِيفَ تَغَيُّرُ بَعْضِهِمْ أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الدَّفْنِ وَهَاتَانِ الْكَيْفِيَّتَانِ تَأْتِيَانِ أَيْضًا فِيمَا إذَا لَمْ تَتَعَدَّدْ الْأَوْلِيَاءُ كَأَنْ كَانَ وَلِيُّ الْكُلِّ وَاحِدًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَفَرْقٌ بَيْنَ أَوْلَوِيَّةِ الْإِفْرَادِ هُنَا وَأَوْلَوِيَّةِ الْجَمْعِ فِي اخْتِلَاطِ الْمُسْلِمِينَ بِالْكُفَّارِ بِأَنَّ الْإِفْرَادَ فِيهِ تَعْظِيمٌ، وَهُوَ لَا يُلَائِمُ حَالَ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِهِ هُنَا (فَإِنْ رَضُوا بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ) أَوْ تَنَازَعُوا فِي التَّقْدِيمِ وَثَمَّ جِنَازَةٌ سَابِقَةٌ (فَوَلِيُّ السَّابِقَةِ) أَوْلَى ذَكَرًا كَانَ مَيِّتُهُ أَوْ لَا، وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْمُتَأَخِّرَةِ أَفْضَلُ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَكُنْ سَابِقَةٌ تُقَدَّمُ (بِالْقُرْعَةِ) لِمَا مَرَّ.
وَلَك أَنْ تَقُولَ لِمَ لَمْ يُقَدِّمُوا بِالصِّفَاتِ قَبْلَ الْإِقْرَاعِ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ (فَلَوْ جَمَعَهُمْ) الْإِمَامُ لِلصَّلَاةِ (وُضِعُوا بَيْن يَدَيْهِ وَاحِدًا خَلْفَ وَاحِدٍ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ) لِيُحَاذِيَ الْجَمِيعَ سَوَاءٌ أَجَاءُوا مُرَتَّبِينَ أَمْ مَعًا وَلَمْ يَخْتَلِفْ النَّوْعُ (فَإِنْ جَاءُوا مَعًا) وَاخْتَلَفَ النَّوْعُ (قُرِّبَ إلَى الْإِمَامِ الرَّجُلُ ثُمَّ الطِّفْلُ ثُمَّ الْخُنْثَى ثُمَّ الْمَرْأَةُ) لِمَا مَرَّ مِنْ الْآثَارِ وَلِئَلَّا يَتَقَدَّمَ نَاقِصٌ عَلَى كَامِلٍ وَيُحَاذِي بِرَأْسِ الرَّجُلِ عَجِيزَةَ الْمَرْأَةِ وَفَارَقَ مَا ذَكَرَهُ الدَّفْنَ حَيْثُ يُقَدَّمُ فِيهِ الرَّجُلُ إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُ بِأَنَّ قُرْبَ الْإِمَامِ مَطْلُوبٌ، وَهُوَ مُمْكِنٌ فِي الصَّلَاةِ فَفُعِلَ بِخِلَافِهِ فِي الدَّفْنِ (وَإِنْ حَضَرَ خَنَاثَى) مَعًا أَوْ مُرَتَّبِينَ (جُعِلُوا صَفًّا عَنْ يَمِينِهِ رَأْسًا لِرِجْلٍ) أَيْ رَأْسَ كُلِّ وَاحِدٍ عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ لِئَلَّا تَتَقَدَّمَ أُنْثَى عَلَى ذَكَرٍ (فَإِنْ) وَفِي نُسْخَةٍ، وَإِنْ (اتَّحَدَ النَّوْعُ) بِأَنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ خَنَاثَى (قُرِّبَ) إلَيْهِ (أَفْضَلُهُمْ وَرَعًا وَتَقْوَى) وَنَحْوُهُمَا مِمَّا يُرَغِّبُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا) لِزَوَالِ الرِّقِّ بِالْمَوْتِ كَمَا مَرَّ (فَإِنْ اسْتَوَوْا) وَرَضِيَ الْأَوْلِيَاءُ بِتَقْدِيمِ وَاحِدٍ فَذَاكَ وَإِلَّا (أُقْرِعَ) وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْلُ بِالشِّقَّيْنِ مَعًا فَإِنْ صَلَّوْا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ وَالْإِمَامُ وَاحِدٌ قُدِّمَ مَنْ يُخَافُ فَسَادُهُ ثُمَّ الْأَفْضَلُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا إنْ تَرَاضَوْا وَإِلَّا أُقْرِعَ بَيْنَ الْفَاضِلِ وَغَيْرِهِ وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ بِالتَّقْرِيبِ إلَى الْإِمَامِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ التَّقْدِيمِ فِي الصَّلَاةِ (وَإِنْ تَعَاقَبُوا لَمْ يُنَحَّ سَابِقٌ) ، وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا (إلَّا لِأُنُوثَةِ) فِيهِ وَلَوْ مُحْتَمَلَةً فَتُنَحَّى الْأُنْثَى لِلذَّكَرِ وَلَوْ صَبِيًّا وَلِلْمُشْكِلِ
[حاشية الرملي الكبير]
لِلْأَبْعَدِ صَرَّحَ بِهِ الْعِمْرَانِيُّ فَمَا وَقَعَ لِلْإِسْنَوِيِّ مِمَّا يُخَالِفُهُ لَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فَلَوْ تَقَدَّمَ غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ جَازَ قَطْعًا) قَالَ شَيْخُنَا: م يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَ أَجْنَبِيٌّ عَلَى وَلِيِّهَا مَعَ حُضُورِهِ وَعَدَمِ إذْنِهِ جَازَ
[فَصْلٌ كَيْفِيَّة وُقُوف الْإِمَامُ فِي الصَّلَاة عَلَيَّ الْمَيِّت]
(قَوْلُهُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَأْتِيَ هَذَا لِتَفْصِيلٍ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ قَالَ النَّاشِرِيُّ: إذَا صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْخُنْثَى أَوْ الْمَرْأَةِ هَلْ يَقِفُ عِنْدَ رَأْسِهَا أَوْ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا قَالَ الْأَصْبَحِيُّ يَقِفُ عِنْدَ مُحَاذَاةِ الْعَجِيزَةِ نَظَرًا إلَى مَا كَانَ قَبْلُ وَوَجَدْت بِخَطِّ وَالِدِي عَنْ الْفَقِيهَيْنِ فِي كِتَابِ الْمُذَاكَرَةِ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَأْتِيَ هَذَا التَّفْصِيلُ بَعْدَ الدَّفْنِ وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ وَعِمَادُ الدِّينِ الْمُنَاوِيُّ قَالَ شَيْخُنَا وَلَوْ صَلَّى عَلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى فِي سَرِيرٍ وَاحِدٍ فَإِنْ أَخَّرَ رَأْسَ الذَّكَرِ إلَى عَجُزِ الْأُنْثَى فَظَاهِرٌ وَإِلَّا رَاعَى الْأُنْثَى لِلسِّتْرِ (قَوْلُهُ كَمَا فِي تَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى إمَامِهِ) لَكِنْ لَوْ وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي بَيْتٍ مُقْفَلٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ جَازَ كَمَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بَعْدَ الدَّفْنِ وَقِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي بَابِ الْقُدْوَةِ عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي تَابُوتٍ مُقْفَلٍ لَكِنَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ فِي بَابِ الْقُدْوَةِ لِكَوْنِ الْمَأْمُومِ لَا يُشَاهِدُ الْإِمَامَ وَيَخْفَى عَلَيْهِ أَحْوَالُهُ وَأَحْوَالُ الْمَيِّتِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ انْتِقَالَاتٌ وَلَا حَرَكَاتٌ يُقْتَدَى بِهِ فِيهَا وَلَوْ لَمْ يُحَاذِ الْمَيِّتَ بِجُزْءٍ مِنْ بَدَنِهِ بِأَنْ وَقَفَ الْمُصَلِّي فِي الْعُلُوِّ وَالْمَيِّتُ فِي السُّفْلِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي تَابُوتٍ وَعَلَيْهِ خَشَبَةٌ مُعْتَرِضَةٌ فَوَقَفَ الْمُصَلِّي عَلَيْهَا بِحَيْثُ صَارَ مُرْتَفِعًا عَلَى الْمَيِّتِ هَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ كَمَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي الْقَبْرِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمُحَاذَاةِ أَمْ لَا تَصِحُّ وَيُخَالِفُ الْقَبْرَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ وَنَبْشُ الْمَيِّتِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَتَمُّ الرِّوَايَتَيْنِ الْبُطْلَانُ
[فَرْعٌ اجْتَمَعَ جَنَائِزُ وَرَضِيَ الْأَوْلِيَاءُ بِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ فَلَهُ جَمْعُهُمْ بِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ]
(قَوْلُهُ وَلَك أَنْ تَقُولَ لِمَ لَمْ يُقَدِّمُوا بِالصِّفَاتِ قَبْلَ الْإِقْرَاعِ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ) الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ، وَهَذَا نَظِيرُ مَا سَيَأْتِي مِنْ عَدَمِ تَقْدِيمِ الْأَفْضَلِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ
وَيُنَحَّى الْمُشْكِلُ لِلذَّكَرِ لِئَلَّا تَتَقَدَّمَ أُنْثَى عَلَى ذَكَرٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يُنَحَّ الصَّبِيُّ لِلرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقِفُ مَعَهُ فِي الصَّفِّ بِخِلَافِ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَتَعْبِيرُهُ بِمَا ذَكَرَ أَوْلَى مِنْ اقْتِصَارِ أَصْلِهِ عَلَى تَنْحِيَةِ الْمَرْأَةِ لِلذَّكَرِ وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِصَلَاةِ غَيْرِهِ صَلَّى عَلَى مَيِّتِهِ ذَكَرَهُ الْأَصْلُ
(فَصْلٌ وَأَرْكَانُهَا سَبْعَةٌ الْأَوَّلُ النِّيَّةُ) كَغَيْرِهَا وَلِخَبَرِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِالتَّكْبِيرَةِ الْأُولَى) وَالتَّعَرُّضُ لِلْفَرْضِيَّةِ كَمَا فِي غَيْرِهَا وَوُجُوبُ التَّعَرُّضِ لَهَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ (وَلَوْ نَوَى الْفَرْضَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْكِفَايَةِ أَجْزَأَ وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ) وَلَا مَعْرِفَتُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (فَيَكْفِي قَصْدُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ الْإِمَامُ) فَالْعِبْرَةُ بِنَوْعِ تَمْيِيزٍ فَلَوْ صَلَّى عَلَى جَمَاعَةٍ كَفَى قَصْدُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَدَهُمْ قَالَ الرُّويَانِيُّ فَلَوْ صَلَّى عَلَى بَعْضِهِمْ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَى الْبَاقِي كَذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ قَالَ وَلَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُمْ عَشْرَةٌ فَبَانُوا أَحَدَ عَشَرَ أَعَادَ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَيِّنٍ قَالَ وَلَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُمْ أَحَدَ عَشَرَ فَبَانُوا عَشْرَةً فَالْأَظْهَرُ الصِّحَّةُ (فَإِنْ عَيَّنَ وَأَخْطَأَ) كَأَنْ صَلَّى عَلَى زَيْدٍ أَوْ عَلَى الْكَبِيرِ أَوْ الذَّكَرِ مِنْ أَوْلَادِهِ فَبَانَ عَمْرًا أَوْ الصَّغِيرَ أَوْ الْأُنْثَى (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ أَيْ لَمْ تَصِحَّ إلَّا مَعَ الْإِشَارَةِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ.
وَصَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ هُنَا بِهَذَا الْمُسْتَثْنَى وَلَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ بِالصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ حَضَرَتْ أُخْرَى وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ تُرِكَتْ حَتَّى يَفْرُغَ ثُمَّ يُصَلِّ عَلَى الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا أَوَّلًا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (وَيَجِبُ) عَلَى الْمَأْمُومِ (نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ) أَوْ الِائْتِمَامِ أَوْ الْجَمَاعَةِ بِالْإِمَامِ كَمَا مَرَّ فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ (الثَّانِي الْقِيَام) فِيهَا (وَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْعَجْزِ) عَنْهُ كَمَا فِي غَيْرِهَا (الثَّالِثُ التَّكْبِيرَاتُ الْأَرْبَعُ) مِنْهَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَعَدَّ الْغَزَالِيُّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ رُكْنًا وَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى (فَلَوْ كَبَّرَ هُوَ) أَيْ الْمَأْمُومُ (أَوْ إمَامُهُ خَمْسًا) وَلَوْ عَمْدًا (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّهَا لَا تُخِلُّ بِالصَّلَاةِ وَقَضِيَّةُ الْعِلَّةِ وَكَلَامُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الرُّويَانِيُّ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْخَمْسِ لَا يُبْطِلُ أَيْضًا، وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْأَرْبَعَ أَوْلَى لِتَقَرُّرِ الْأَمْرِ عَلَيْهَا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَتَشْبِيهُ التَّكْبِيرَةِ بِالرَّكْعَةِ فِيمَا يَأْتِي مَحَلُّهُ بِقَرِينَةٍ الْمَقَامِ فِي الْمُتَابَعَةِ حِفْظًا لِتَأَكُّدِهَا نَعَمْ لَوْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ عَمْدًا مُعْتَقِدًا لِلْبُطْلَانِ بَطَلَتْ ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
(وَ) لَوْ زَادَ الْإِمَامُ عَلَيْهَا وَقُلْنَا لَا تَبْطُلُ (لَمْ يُتَابِعْهُ) الْمَأْمُومُ أَيْ لَا تُسَنُّ لَهُ مُتَابَعَتُهُ فِي الزَّائِدِ لِعَدَمِ سُنَّةٍ لِلْإِمَامِ وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ جَرَى السُّبْكِيُّ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْوُجُوبِ لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ الصَّوَابُ أَنَّهُ فِي الْجَوَازِ مَمْنُوعٌ (وَلَهُ انْتِظَارُهُ) لِيُسَلِّمَ مَعَهُ بَلْ هُوَ الْأَوْلَى لِتَأَكُّدِ الْمُتَابَعَةِ وَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ فِي الْحَالِ (وَلَا سُجُودَ لِسَهْوِهَا) أَيْ لِلسَّهْوِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلسُّجُودِ فِيهَا (الرَّابِعُ السَّلَامُ بَعْدَهَا) أَيْ التَّكْبِيرَاتِ (كَغَيْرِهَا) فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَلِخَبَرِ النَّسَائِيّ الْآتِي وَقَوْلُهُ بَعْدَهَا كَغَيْرِهَا مِنْ زِيَادَتِهِ وَالثَّانِي مُغْنٍ عَنْ الْأَوَّلِ (الْخَامِسُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ بِهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَقَالَ لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ» وَفِي رِوَايَةٍ «قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَجَهَرَ بِهَا وَقَالَ إنَّمَا جَهَرْت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ» وَلِعُمُومِ خَبَرِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الْأُولَى) لِخَبَرِ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ السُّنَّةُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ مُخَافَتَةً ثُمَّ يُكَبِّرَ ثَلَاثًا وَالتَّسْلِيمُ عِنْدَ الْآخِرَةِ» (وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إلَى) التَّكْبِيرَةِ (الثَّانِيَةِ) كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ حِكَايَةِ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ لَهُ عَنْ النَّصِّ بَعْدَ نَقْلِهِمَا الْمَنْعَ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمِنْهَاجُ وَالْمَجْمُوعِ وَلَمْ يَخُصَّ الثَّانِيَةَ فَقَالَ قُلْت تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ غَيْرِ الْأُولَى وَعَلَيْهِ مَعَ مَا قَالُوهُ مِنْ تَعَيُّنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّانِيَةِ وَالدُّعَاءِ فِي الثَّالِثَةِ يَلْزَمُ خُلُوُّ الْأُولَى عَنْ ذِكْرٍ وَالْجَمْعُ بَيْنَ رُكْنَيْنِ فِي تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ تَعَيُّنُ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ أَرْكَانُ صَلَاةُ الْجِنَازَة]
قَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ) اسْتَثْنَى ابْنُ عُجَيْلٍ وَإِسْمَاعِيلُ الْحَضْرَمِيُّ الْيُمْنَيَانِ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ التَّعْيِينِ الْغَائِبِ فَقَالَا: لَا بُدَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ تَعْيِينِهِ بِالْقَلْبِ وَعُزِيَ إلَى الْبَسِيطِ وَوَجَّهَهُ الْأَصْبَحِيُّ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْمَوْتِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَهُمْ غَائِبُونَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعَيُّنِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَقَوْلُهُ اسْتَثْنَى ابْنُ عُجَيْلٍ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الرُّويَانِيُّ: فَلَوْ صَلَّى إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ: وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُمْ أَحَدَ عَشْرَ إلَخْ) قَالَ وَلَوْ صَلَّى عَلَى حَيٍّ وَمَيِّتٍ صَحَّتْ عَلَى الْمَيِّتِ إنْ جُهِلَ الْحَالُ وَإِلَّا فَلَا كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ عَلَى مَيِّتَيْنِ ثُمَّ نَوَى قَطْعَهَا عَنْ أَحَدِهِمَا بَطَلَتْ (قَوْلُهُ وَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْعَجْزِ عَنْهُ كَمَا فِي غَيْرِهَا) قَالَ النَّاشِرِيُّ: وَالْقِيَاسُ جَوَازُ الْقُعُودِ لِمَنْ تَقَعُ لَهُ نَافِلَةٌ كَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ إذَا صَلَّيَا مَعَ الرِّجَالِ قَالَ شَيْخُنَا: إلَّا وَجْهَ خِلَافِهِ (قَوْلُهُ الثَّالِثُ التَّكْبِيرَاتُ الْأَرْبَعُ) لِدَوَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا مِنْ مَوْتِ النَّجَاشِيِّ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ.
(قَوْلُهُ نَعَمْ لَوْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ عَمْدًا مُعْتَقِدًا لِلْبُطْلَانِ بَطَلَتْ) يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَبْطُلُ أَنْ يَبْطُلَ جَزْمًا لِاعْتِقَادِهِ ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ الْكَافِي قَالَ: وَيُكَبِّرُ فِيهَا أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ فَلَوْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ إنْ زَادَ خَطَأً لَا يَضُرُّهُ، وَإِنْ زَادَ عَمْدًا إنْ فَعَلَ ذَلِكَ اجْتِهَادًا أَوْ تَقْلِيدًا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَظِنَّةُ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ فَعَلَهُ جُزَافًا تَبْطُلُ عَلَى الْأَصَحِّ.
اهـ. لَفْظُهُ وَالْوَجْهُ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ فَعَلَهُ اجْتِهَادًا أَوْ تَقْلِيدًا لَمْ تَبْطُلْ وَلَا بَطَلَتْ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَوْ غَالِطًا أَوْ شَاكًّا فِي الْعَدَدِ غ (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَيْ لَا تُسَنُّ لَهُ مُتَابَعَتُهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَقَالَ قُلْت تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ غَيْرِ الْأُولَى) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ شَمِلَ الْمُنْفَرِدَ وَالْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ، وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ إنَّ ذَلِكَ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَأْمُومِ أَمَّا الْمَأْمُومُ الْمُوَافِقُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ الْإِمَامِ فِيمَا يَأْتِي بِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ كَرَكْعَةٍ.
(قَوْلُهُ يَلْزَمُ خُلُوُّ الْأُولَى عَنْ ذِكْرٍ إلَخْ) وَتَرْكُ التَّرْتِيبِ قَالَ النَّاشِرِيُّ: وَاسْتَفَدْنَا مِنْهُ أَنَّهُ إذَا أَخَّرَ الْقِرَاءَةَ إلَى الثَّانِيَةِ قَرَأَ ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ إلَى الثَّالِثَةِ قَرَأَ ثُمَّ
فِي التِّبْيَانِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصَّيْنِ نَقَلَهُمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَقَوْلُهُ فِيهِ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْأَوْلَوِيَّةُ لِيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي الْأُمِّ وَأُحِبُّ إذَا كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِ فِي الْأُمِّ وَاجِبٌ إلَى آخِرِهِ سُنَّةٌ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ إذْ تَتِمَّتُهُ ثُمَّ يُكَبِّرُ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ يُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ فَأُحِبُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ الَّذِي مِنْهُ الِاسْتِغْفَارُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَهُوَ مَسْنُونٌ وَمِنْ هَذَا فِيمَا أَظُنُّ نَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْ النَّصِّ أَنَّهَا تُجْزِئُ بَعْدَ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ نَصٍّ صَرِيحٍ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فَالْفَتْوَى عَلَى مَا فِي التِّبْيَانِ وِفَاقًا لِلنَّصَّيْنِ وَالْجُمْهُورِ وَلِخَبَرِ النَّسَائِيّ السَّابِقِ وَالْمُدْرَكُ هُنَا الِاتِّبَاعُ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ تَعَيُّنَهَا فِي الْأُولَى أَوْلَى مِنْ تَعَيُّنِ الدُّعَاءِ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَظَاهِرُ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ تَعَيُّنُهَا فِي الْأُولَى، وَهُوَ الْمُخْتَارُ نَعَمْ لَوْ نَسِيَهَا فِيهَا فَهَلْ يَكْفِي تَدَارُكُهَا فِي الثَّانِيَةِ أَوْ تَلْغُو الثَّانِيَةُ فَيَقْرَؤُهَا ثُمَّ يُكَبِّرُ عَنْ الثَّانِيَةِ فِيهِ نَظَرٌ.
اهـ.
وَالْقِيَاسُ الثَّانِي وَكَالْفَاتِحَةِ فِيمَا ذَكَرَ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا بَدَلُهَا (السَّادِسُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ «عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرُوهُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مِنْ السُّنَّةِ» (بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الثَّانِيَةِ) لِفِعْلِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ فَلَا تَجِبُ فِيهَا كَغَيْرِهَا وَأَوْلَى لِبِنَائِهَا عَلَى التَّخْفِيفِ (السَّابِعُ أَدْنَى الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ) بِخُصُوصِهِ نَحْوُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ أَوْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» ؛ وَلِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَكْفِي الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الثَّالِثَةِ) لِفِعْلِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَلَا يَجِبُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ ذَكَرَ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ.
(وَيُسَنُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ لِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ) مِنْ الْأَرْبَعِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ (وَوَضْعُهُمَا بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ (تَحْتَ الصَّدْرِ) كَمَا فِي غَيْرِهَا (وَتَرْكُ الِاسْتِفْتَاحِ وَالسُّورَةِ) لِطُولِهِمَا وَالْأُولَى قَدَّمَهَا فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَقُدِّمَتْ ثُمَّ مَا لَهُ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ تَعَلُّقٌ (وَأَنْ يَتَعَوَّذَ) قَبْلَ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَنِهَا كَالتَّأْمِينِ وَلَا تَطْوِيلَ فِيهِ وَحَذَفَ سُنَّ التَّأْمِينُ، وَإِنْ ذَكَرَهُ الْأَصْلُ هُنَا اكْتِفَاءً بِمَا قَدَّمَهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّهُ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةُ وَذَكَرَ كَالرَّوْضَةِ ثُمَّ أَنَّهُ تَحْسُنُ زِيَادَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (وَ) أَنْ (يُسِرَّ وَلَوْ لَيْلًا) لِخَبَرِ أَبِي أُمَامَةَ السَّابِقِ وَكَثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ بِجَامِعِ عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ السُّورَةِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّهُ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ خَبَرَ أَبِي أُمَامَةَ أَصَحُّ مِنْهُ وَقَوْلُهُ فِيهِ إنَّمَا جَهَرْت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ يَعْنِي لِتَعْلَمُوا أَنَّ الْقِرَاءَةَ مَأْمُورٌ بِهَا وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْإِسْرَارِ يَشْمَلُ التَّعَوُّذَ وَالْقِرَاءَةَ وَالْأَدْعِيَةَ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ وَيُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرَاتِ وَالسَّلَامِ (وَأَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ) تَعَالَى (وَ) أَنْ (يُصَلِّيَ عَلَى الْآلِ) مَعَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَ) أَنْ (يَدْعُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) كُلٌّ مِنْهَا (فِي الثَّانِيَةِ وَ) أَنْ (يُرَتِّبَهَا) أَيْ الثَّالِثَةَ هَكَذَا وَذِكْرُ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ مِنْ زِيَادَتِهِ.
وَصَرَّحَ بِهِ الْقَمُولِيُّ (وَ) أَنْ (يُكْثِرَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ فَيَقُولَ) الْأَوْلَى قَوْلُ أَصْلِهِ وَيَقُولَ (اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُك إلَى آخِرِهِ) وَبَقِيَّتُهُ كَمَا فِي الْأَصْلِ وَابْنُ عَبْدَيْك خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيَا وَسَعَتِهَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا أَيْ نَسِيمِ رِيحِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَمَحْبُوبِهِ وَأَحِبَّائِهِ فِيهَا أَيْ مَا يُحِبُّهُ وَمَنْ يُحِبُّهُ إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَمَا هُوَ لَاقِيهِ أَيْ مِنْ الْأَهْوَالِ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ اللَّهُمَّ إنَّهُ نَزَلَ بِك أَيْ هُوَ ضَيْفُك وَأَنْتَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ وَضَيْفُ الْكِرَامِ لَا يُضَامُ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ وَأَصْبَحَ فَقِيرًا إلَى رَحْمَتِك وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ وَقَدْ جِئْنَاك رَاغِبِينَ إلَيْك شُفَعَاءَ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ وَلَقِّهِ أَيْ أَعْطِهِ بِرَحْمَتِك رِضَاك وَقِه فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَهُ وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَجَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِك الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك حَتَّى تَبْعَثَهُ إلَى جَنَّتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ جَمَعَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَارِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَصْحَابُ وَوُجِدَ فِي نُسَخٍ مِنْ الرَّوْضَةِ وَمَحْبُوبِهَا وَكَذَا هُوَ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالْمَشْهُورُ فِي قَوْلِهِ وَمَحْبُوبِهِ وَأَحِبَّائِهِ الْجَرُّ وَيَجُوزُ رَفْعُهُ يَجْعَلُ الْوَاوَ لِلْحَالِ (وَإِنْ كَانَتْ) أَيْ الْجِنَازَةُ (امْرَأَةً قَالَ) (أَمَتُك وَأَنْتِ) مَا يَعُودُ إلَيْهَا (وَإِنْ ذَكَرَ بِقَصْدِ الشَّخْصِ جَازَ) أَيْ لَمْ يَضُرَّ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَإِنْ كَانَ خُنْثَى قَالَ الْإِسْنَوِيُّ
[حاشية الرملي الكبير]
دَعَا لِلْمَيِّتِ لِإِمْكَانِ التَّرْتِيبِ فَلَا يُخِلُّ بِهِ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ رُكْنَيْنِ فِي تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَأْتِي هُنَا فِي الْفَاتِحَةِ مَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ بَدَلِهَا لِمَنْ لَا يُحْسِنُهَا وَبَدَلِ بَعْضِهَا وَتِلْكَ الْحَالَاتُ وَقَوْلُهُ قَالَ النَّاشِرِيُّ: أَشَارَ شَيْخُنَا إلَى تَضْعِيفِهِ (قَوْلُهُ لِفِعْلِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ) وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فِيهَا» ؛ وَلِأَنَّهُ أَرْجَى لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ (قَوْلُهُ بِخُصُوصِهِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمَا وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ يَجِبُ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَمَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا وَدَامَ إلَى مَوْتِهِ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ.
اهـ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْأَشْبَهُ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَ عَلَى الصَّلَاةِ التَّعَبُّدُ وَقَالَ الْغَزِّيِّ: وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ فَلَا يَجِبُ الدُّعَاءُ لَهُ فِيمَا يَظْهَرُ.
اهـ.، وَهُوَ بَاطِلٌ.
(قَوْلُهُ وَتَرْكُ الِاسْتِفْتَاحِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: هَذَا إذَا صَلَّى عَلَى حَاضِرٍ فَإِنْ صَلَّى عَلَى غَائِبٍ اُتُّجِهَ حِينَئِذٍ الْإِتْيَانُ بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُشْرَعْ فِي الْجِنَازَةِ لِأَجْلِ التَّعْجِيلِ بِدَفْنِ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ وَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ وَفِي التَّفْقِيهِ اسْتِحْبَابُ قِرَاءَةِ السُّورَةِ لِمَنْ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ صَلَّى عَلَى الْغَائِبِ لِفَقْدِ عِلَّةِ التَّعْجِيلِ بِدَفْنِ الْمَيِّتِ قَالَ شَيْخُنَا هَذَا وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْفَرْقِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ إمَامَ الْكُسُوفِ يُطَوِّلُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ خَلْفَهُ مَحْصُورُونَ لَمْ يَرْضَوْا بِالتَّطْوِيلِ أَوْ غَيْرَ مَحْصُورِينَ (قَوْله وَالْأَدْعِيَةُ) وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهَا مَا عَدَا التَّكْبِيرَاتِ وَالسَّلَامَ (قَوْلُهُ وَلِقِهْ) يَجُوزُ فِيهَا كَسْرُ الْهَاءِ مَعَ الْإِشْبَاعِ وَدُونَهَا وَسُكُونُهَا وَكَذَلِكَ فِي " قِهْ " أَيْضًا (قَوْلُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ
فَالْمُتَّجِهُ التَّعْبِيرُ بِالْمَمْلُوكِ وَنَحْوِهِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أَبٌ بِأَنْ كَانَ وَلَدَ زِنًا فَالْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ وَابْنُ أَمَتِك.
اهـ. وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَى جَمْعٍ مَعًا يَأْتِي فِيهِ بِمَا يُنَاسِبُهُ (وَيَزِيدُ) نَدْبًا (قَبْلَ ذَلِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا» إلَى آخِرِهِ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ زَادَ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تُضِلّنَا بَعْدَهُ» وَنُدِبَ تَقْدِيمُ هَذَا عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ زِيَادَتِهِ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمِنْهَاجِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِثُبُوتِ لَفْظِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ الْتَقَطَهُ مِنْ أَخْبَارِ بَعْضِهِ بِاللَّفْظِ وَبَعْضَهُ بِالْمَعْنَى وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى جِنَازَةٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزَلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْت الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَتِهِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ» ، وَهَذَا أَصَحُّ دُعَاءِ الْجِنَازَةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْحُفَّاظِ وَفِي الْبَابِ أَخْبَارٌ أُخَرُ فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فَظَاهِرٌ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُ الْأَخِيرِ وَصَدَقَ قَوْلُهُ فِيهِ وَأَبْدِلْهُ زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ فِيمَنْ لَا زَوْجَةَ لَهُ وَفِي الْمَرْأَةِ إذَا قُلْنَا بِأَنَّهَا مَعَ زَوْجِهَا فِي الْآخِرَةِ بِأَنْ يُرَادَ فِي الْأَوَّلِ مَا يَعُمُّ الْفِعْلِيَّ وَالتَّقْدِيرِيَّ وَفِي الثَّانِي مَا يَعُمُّ إبْدَالَ الذَّاتِ وَإِبْدَالَ الْهَيْئَةِ (فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ صَغِيرًا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا) أَيْ الثَّانِي فِي كَلَامِهِ (وَزَادَ) عَلَيْهِ نَدْبًا (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا لِأَبَوَيْهِ) أَيْ سَابِقًا مُهَيِّئًا مَصَالِحَهُمَا فِي الْآخِرَةِ (وَسَلَفًا وَذُخْرًا) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (وَعِظَةً) أَيْ مَوْعِظَةً (وَاعْتِبَارًا وَشَفِيعًا وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا وَأَفْرِغْ الصَّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا وَلَا تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ وَلَا تَحْرِمْهُمَا) بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّهَا (أَجْرَهُ) أَيْ أَجْرَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَوْ أَجْرَ الْمُصِيبَةِ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِلْحَالِ.
وَيَشْهَدُ لِلدُّعَاءِ لَهُمَا مَا فِي خَبَرِ الْمُغِيرَةِ السَّابِقِ وَالسَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا خَصَّهُ بِالدُّعَاءِ ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَسَوَاءٌ فِيمَا قَالُوهُ مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبَوَيْهِ أَمْ لَا لَكِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَحَلُّهُ فِي الْأَبَوَيْنِ الْحَيَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ أَتَى بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فَلَوْ جَهِلَ إسْلَامَهُمَا فَكَالْمُسْلِمِينَ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ وَالدَّارِ.
اهـ. وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُؤَنَّثُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ صَغِيرَةً (وَأَنْ يَقُولَ بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الرَّابِعَةِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ) أَيْ بِالِابْتِلَاءِ بِالْمَعَاصِي وَفِي التَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْأَوَّلَانِ فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَ) أَنْ (يُطَوِّلَهَا) أَيْ الرَّابِعَةَ أَيْ بَعْدَهَا (بِالدُّعَاءِ لَهُ) لِثُبُوتِهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الرَّوْضَةِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ (فَرْعٌ) لَوْ خَشِيَ تَغَيُّرَ الْمَيِّتِ أَوْ انْفِجَارَهُ لَوْ أَتَى بِالسُّنَنِ فَالْقِيَاسُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَرْكَانِ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ
(فَرْعٌ) لَوْ (أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (كَبَّرَ وَأَتَى بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ بِتَرْتِيبِ نَفْسِهِ) كَغَيْرِهَا وَلِخَبَرِ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا» (فَإِنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ قَبْلَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ) أَيْ قِرَاءَةِ الْمَسْبُوقِ لَهَا (أَوْ فِي أَثْنَائِهَا تَابَعَهُ) فِي تَكْبِيرَةٍ (وَيَتَحَمَّلُهَا) أَيْ كُلَّهَا أَوْ بَقِيَّتِهَا (عَنْهُ) كَمَا لَوْ رَكَعَ قَبْلَ قِرَاءَتِهَا أَوْ فِي أَثْنَائِهَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَلَا يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَةَ الْإِمَامِ الْمُسْتَقْبِلَةَ وَتَقَدَّمَ فِي نَظِيرِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ إنَّهُ إنْ اشْتَغَلَ بِافْتِتَاحٍ أَوْ تَعَوُّذٍ تَخَلَّفَ وَقَرَأَ بِقَدْرِهِ وَإِلَّا تَابَعَهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخَانِ هُنَا قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَلَا شَكَّ فِي جَرَيَانِهِ هُنَا بِنَاءً عَلَى نَدْبِ التَّعَوُّذِ وَالِافْتِتَاحِ وَبِهِ صَرَّحَ الْفُورَانِيُّ (وَيَتَدَارَكُ) وُجُوبًا فِي الْوَاجِبِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ (مَا فَاتَهُ) مِنْهَا مَعَ الْإِمَامِ (مِنْ تَكْبِيرٍ وَذِكْرٍ بَعْدَ السَّلَامِ) لِمَا مَرَّ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُرْفَعَ) الْجِنَازَةُ (حَتَّى يُتِمَّ الْمَسْبُوقُ) مَا فَاتَهُ (فَإِنْ رُفِعَتْ لَمْ يَضُرَّ) ، وَإِنْ حُوِّلَتْ عَنْ الْقِبْلَةِ بِخِلَافِ ابْتِدَاءِ عَقْدِ الصَّلَاةِ لَا يُحْتَمَلُ فِيهِ ذَلِكَ وَالْجِنَازَةُ حَاضِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الِابْتِدَاءِ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ
[حاشية الرملي الكبير]
فَالْمُتَّجِهُ التَّعْبِيرُ بِالْمَمْلُوكِ وَنَحْوِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: الصَّوَابُ التَّعْبِيرُ بِالْعَبْدِ مُطْلَقًا عَلَى إرَادَةِ الشَّخْصِ؛ لِأَنَّ وَصْفَ الْعُبُودِيَّةِ أَشْرَفُ (قَوْلُهُ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ يَأْتِي فِيهِ بِمَا يُنَاسِبُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (وَقَوْلُهُ إذَا قُلْنَا بِأَنَّهَا مَعَ زَوْجِهَا فِي الْآخِرَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا إلَخْ) لَوْ شَكَّ فِي بُلُوغِهِ هَلْ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُلُوغِ أَوْ يَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَنَحْوِهَا وَحَسُنَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا وَقَوْلُهُ وَحَسُنَ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لَكِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) كَالْأَذْرَعِيِّ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ مَحَلُّهُ فِي الْأَبَوَيْنِ الْحَيَّيْنِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تُصَحِّحِيهِ (قَوْلُهُ فَلَوْ جَهِلَ إسْلَامَهُمَا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُؤَنَّثُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لِثُبُوتِهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) «أَنَّهُ كَانَ إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ كَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ قَامَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ يَسْتَغْفِرُ لَهَا، وَيَدْعُو» (قَوْلُهُ فَالْقِيَاسُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَرْكَانِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَرْعٌ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الْإِمَام أَثْنَاء صَلَاةِ الْجِنَازَةِ]
(قَوْلُهُ وَيَتَحَمَّلُهَا أَيْ كُلَّهَا إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا، وَإِنْ قَصَدَ تَأْخِيرَهَا لِغَيْرِهَا لِسُقُوطِهَا عَنْهُ شَرْعًا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ (قَوْلُهُ فَلَا يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَةَ الْإِمَامِ الْمُسْتَقْبَلَةَ) ؛ لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ صَارَتْ مُنْحَصِرَةً فِيمَا قَبْلَهَا (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى نَدْبِ التَّعَوُّذِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ فَلَوْ اشْتَغَلَ بِهِ فَلَمْ يَفْرُغْ مِنْ الْفَاتِحَةِ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ أَوْ الثَّالِثَةَ لَزِمَهُ التَّخَلُّفُ لِلْقِرَاءَةِ بِقَدْرِ الْمُنْفَرِدِ وَيَكُونُ مُتَخَلِّفًا بِعُذْرٍ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْفَاتِحَةَ بَعْدَ التَّعَوُّذِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا فَمُتَخَلِّفٌ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنْ لَمْ يُتِمَّهَا حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (قَوْلُهُ وَيَتَدَارَكُ مَا فَاتَهُ مِنْ تَكْبِيرٍ إلَخْ) وَخَالَفَتْ تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ حَيْثُ لَا يَأْتِي بِمَا فَاتَهُ مِنْهَا فَإِنَّ التَّكْبِيرَاتِ هُنَا بِمَنْزِلَةِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ فَلَا يُمْكِنُ الْإِخْلَالُ بِهَا، وَفِي الْعِيدِ سُنَّةٌ فَسَقَطَتْ بِفَوَاتِ مَحَلِّهَا
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمُوَافِقَ كَالْمَسْبُوقِ فِي ذَلِكَ وَلَوْ أَحْرَمَ عَلَى جِنَازَةٍ يَمْشِي بِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا جَازَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ كَمَا سَيَأْتِي وَأَنْ يَكُونَ مُحَاذِيًا لَهَا كَالْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمَامِ وَلَا يَضُرُّ الْمَشْيُ بِهَا كَمَا لَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ فِي سَرِيرٍ وَحَمَلَهُ إنْسَانٌ وَمَشَى بِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، وَهُوَ فِي سَفِينَةٍ سَائِرَةٍ قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ (فَرْعٌ لَوْ تَخَلَّفَ الْمَأْمُومُ عَنْهُ بِتَكْبِيرَةٍ) بِأَنْ لَمْ يُكَبِّرْهَا (حَتَّى شَرَعَ) الْإِمَامُ (فِي الْأُخْرَى بِلَا عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) إذْ الِاقْتِدَاءُ هُنَا إنَّمَا يَظْهَرُ فِي التَّكْبِيرَاتِ، وَهُوَ تَخَلُّفٌ فَاحِشٌ يُشْبِهُ التَّخَلُّفَ بِرَكْعَةٍ وَقَضِيَّةُ تَقْيِيدِهِ كَأَصْلِهِ بِالشُّرُوعِ فِي الْأُخْرَى عَدَمُ بُطْلَانِهَا فِيمَا لَوْ لَمْ يُكَبِّرْ الرَّابِعَةَ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَيَتَأَيَّدُ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهَا ذِكْرٌ فَلَيْسَتْ كَالرَّكْعَةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ كَبُطْءِ قِرَاءَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْطُلُ بِتَخَلُّفِهِ بِتَكْبِيرَةٍ فَقَطْ بَلْ بِتَكْبِيرَتَيْنِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَ عَلَى إمَامِهِ بِتَكْبِيرَةٍ عَمْدًا لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ نَزَّلُوهَا مَنْزِلَةَ الرَّكْعَةِ
(فَصْلٌ شَرْطُهَا) أَيْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ (تَقَدُّمُ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ) لَهُ بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَصْحَابِهِ؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كَصَلَاةِ نَفْسِهِ وَقَدْ قُدِّمَ هَذَا فِي التَّيَمُّمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْغُسْلِ وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّيَمُّمِ مِنْ زِيَادَتِهِ قَالَ الْجُرْجَانِيُّ فَإِنْ وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وَقَبْلَ الدَّفْنِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجِبُ غُسْلُهُ كَمَا لَوْ وُجِدَ بَعْدَ الدَّفْنِ وَأَصَحُّهُمَا يَجِبُ لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّفْنِ وَتَقَدَّمَ هَذَا عَنْ غَيْرِ الْجُرْجَانِيِّ مَعَ تَقْيِيدِهِ بِالْحَضَرِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ (فَلَوْ وَقَعَ فِي بِئْرٍ أَوْ انْهَدَمَ عَلَيْهِ مَكَانٌ) وَمَاتَ (وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ) وَغَسَّلَهُ (لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) كَذَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ وَالْمَجْمُوعُ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَجَزَمَ بِهِ الْمِنْهَاجُ لَكِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ كَالسُّبْكِيِّ الْقِيَاسُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ عَنْ الدَّارِمِيِّ وَالْخُوَارِزْمِيّ وَعَنْ حِكَايَةِ الْجُوَيْنِيِّ لَهُ عَنْ النَّصِّ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ الصَّوَابُ نَقْلًا وَدَلِيلًا وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ (وَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (قَبْلَ التَّكْفِينِ) لَكِنَّهَا تَصِحُّ وَاسْتَشْكَلَتْ صِحَّتُهَا بِعَدَمِ صِحَّتِهَا قَبْلَ التَّطَهُّرِ مَعَ أَنَّ التَّعْلِيلَيْنِ السَّابِقَيْنِ مَوْجُودَانِ هُنَا وَيُجَابُ بِأَنَّ التَّكْفِينَ أَوْسَعُ بَابًا مِنْ الْغُسْلِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَبْرَ يُنْبَشُ لِلْغُسْلِ لَا لِلتَّكْفِينِ، وَأَنَّ مَنْ صَلَّى بِلَا طُهْرٍ لِعَجْزِهِ عَمَّا يَتَطَهَّرُ بِهِ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ بِخِلَافِ مَنْ صَلَّى مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ لِعَجْزِهِ عَمَّا يَسْتُرُهَا بِهِ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (وَبَيْنَهَا) أَيْ الْجِنَازَةِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ مَسَافَةٌ (فَوْقَ ثَلَثِمِائَةِ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا) وَأَنْ يَجْمَعَهُمَا مَكَانٌ وَاحِدٌ تَنْزِيلًا لِلْجِنَازَةِ مَنْزِلَةَ الْإِمَامِ، وَسَائِرُ الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ فِي الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ يَأْتِي هُنَا (وَتُسْتَحَبُّ) فِيهَا (الْجَمَاعَةُ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا إلَّا شَفَّعَهُمْ اللَّهُ فِيهِ» وَلِخَبَرِ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَوْجَبَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَمَعْنَى أَوْجَبَ غُفِرَ لَهُ كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا صَلَّتْ الصَّحَابَةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَادًا كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِعِظَمِ أَمْرِهِ وَتَنَافُسِهِمْ فِي أَنْ لَا يَتَوَلَّى الْإِمَامَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَقَالَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَعَيَّنَ إمَامٌ يَؤُمُّ الْقَوْمَ فَلَوْ تَقَدَّمَ وَاحِدٌ فِي الصَّلَاةِ لَصَارَ مُقَدَّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ وَتَعَيَّنَ لِلْخِلَافَةِ (وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ) فِيهَا (بِوَاحِدٍ) لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِصَلَاتِهِ؛ وَلِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تُشْتَرَطُ فَكَذَا الْعَدَدُ كَغَيْرِهَا وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْجِيحِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ كَأَصْلِهِ (وَلَوْ صَبِيًّا مُمَيِّزًا) مَعَ وُجُودِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِمْ؛ وَلِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا لَهُمْ وَفَارَقَ ذَلِكَ عَدَمَ سُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ فِي رَدِّ السَّلَامِ بِأَنَّ السَّلَامَ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَالِمٌ مِنْ الْآخَرِ وَآمِنٌ مِنْهُ وَأَمَانُ الصَّبِيِّ لَا يَصِحُّ بِخِلَافِ صَلَاتِهِ (لَا بِامْرَأَةٍ) مَعَ وُجُودِ رَجُلٍ وَلَوْ صَبِيًّا؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهَا وَدُعَاؤُهُ إلَى الْإِجَابَةِ أَقْرَبُ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِهَانَةٌ بِالْمَيِّتِ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَرْأَةِ مَعَ وُجُودِ الصَّبِيِّ مَعَ أَنَّهَا الْمُخَاطَبَةُ بِهِ دُونَهُ قُلْت قَدْ يُخَاطَبُ الشَّخْصُ بِشَيْءٍ وَيَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ لَا سِيَّمَا
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمُوَافِقَ كَالْمَسْبُوقِ فِي ذَلِكَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ جَازَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَأَنْ يَكُونَ مُحَاذِيًا لَهَا) قَالَ شَيْخُنَا: احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ صَارَتْ إلَى حَالَةٍ تَمْنَعُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ لَوْ كَانَ إمَامًا كَمَا لَوْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا الْبَيِّنَةُ مَانِعَةً مِنْ الْمُشَاهَدَةِ كَمَا لَا يَخْفَى أَوْ تَكُونُ الْمُحَاذَاةُ عَلَى الرَّأْيِ الْجَارِي عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (قَوْلُهُ قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ) أَيْ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ تَعْبِيرِهِ كَأَصْلِهِ بِالشُّرُوعِ فِي أُخْرَى عَدَمُ بُطْلَانِهَا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ قَالَ شَيْخُنَا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ حَتَّى كَبَّرَ إمَامُهُ أُخْرَى شُرُوعُهُ فِيهَا إلَّا فِي تَكْبِيرَتَيْنِ فَإِنَّهَا لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ (قَوْلُهُ عَدَمُ بُطْلَانِهَا فِيمَا لَوْ لَمْ يُكَبِّرْ الرَّابِعَةَ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَالْحُكْمُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَغِلْ عَنْهَا حَتَّى أَتَى الْإِمَامُ بِتَكْبِيرَةٍ أُخْرَى بَلْ هَذَا مَسْبُوقٌ بِبَعْضِ التَّكْبِيرَاتِ فَيَأْتِي بِهَا بَعْدَ السَّلَامِ (قَوْلُهُ فَلَيْسَتْ كَالرَّكْعَةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا) صَرَّحَ فِي التَّنْجِيزِ بِالْبُطْلَانِ فَقَالَ: وَلَوْ تَخَلَّفَ بِتَكْبِيرَةٍ بِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ أَوْ سَلَّمَ بَطَلَتْ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ أَوْ نِسْيَانٌ) أَوْ عَدَمُ سَمَاعِ تَكْبِيرٍ أَوْ جَهْلٌ قَالَ شَيْخُنَا: مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ كَوْنِ النِّسْيَانِ لَيْسَ بِعُذْرٍ حَتَّى تَبْطُلَ بِتَخَلُّفِهِ بِتَكْبِيرَتَيْنِ يُنَافِيهِ مَا فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمُقْرِي مِنْ أَنَّ النِّسْيَانَ لَا يَضُرُّ، وَإِنْ طَالَ فَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ بَلْ بِتَكْبِيرَتَيْنِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ حُكْمِهِمْ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالتَّخَلُّفِ بِهَا الْحُكْمُ بِبُطْلَانِهَا بِالتَّقَدُّمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ مِنْ التَّخَلُّفِ
[فَصْلٌ شَرْط الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ]
(قَوْلُهُ فَلَوْ وَقَعَ فِي بِئْرٍ إلَخْ) أَوْ أَكَلَهُ سَبُعٌ أَوْ احْتَرَقَ حَتَّى صَارَ رَمَادًا (قَوْلُهُ وَجَزَمَ بِهِ الْمِنْهَاجُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْخُوَارِزْمِيّ) وَابْنُ الْأُسْتَاذِ
فِيمَا يَسْقُطُ عَنْهُ الشَّيْءُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ لَكِنَّ كَلَامَهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَسْقُطُ بِهَا حَيْثُ قَالَ وَلَوْ صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ ذَكَرٌ وَلَوْ صَبِيًّا مُمَيِّزًا سَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ عَمَّنْ حَضَرَ مِنْ الرِّجَالِ عَلَى الْأَصَحِّ لَكِنَّهُ، وَإِنْ سَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ لَا يَسْقُطُ حُضُورُهُ الْفَرْضَ عَنْ النِّسَاءِ كَمَا يُسْقِطُهُ الرِّجَالَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَيُجْزِئُ صَلَاتُهُنَّ حِينَئِذٍ انْتَهَى، وَهُوَ الْأَوْجَهُ (فَإِنْ بَانَ حَدَثُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ لَا أَحَدُهُمَا) فَقَطْ (لَغَتْ) صَلَاتُهُمَا فَتَجِبُ إعَادَتُهَا بِخِلَافِهَا فِي أَحَدِهِمَا لِحُصُولِ الْغَرَضِ وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرُ هَذِهِ عَنْ قَوْلِهِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) مَعَ وُجُودِ الْمَرْأَةِ (رِجَالٌ) أَيْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (لَزِمَتْهَا) أَيْ الصَّلَاةُ فَتُصَلِّي لِلضَّرُورَةِ وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ وَلَوْ حَضَرَ الرَّجُلُ بَعْدُ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ وَصَلَاتُهَا وَصَلَاةُ الصَّبِيِّ مَعَ الرَّجُلِ أَوْ بَعْدَهُ تَقَعُ نَفْلًا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمَا وَقَدْ يُقَالُ إذَا وَقَعَتْ مِنْ الصَّبِيِّ نَفْلًا فَكَيْفَ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِهَا وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ كَمَا لَوْ صَلَّى صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ ثُمَّ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ (وَالْخُنْثَى) فِيمَا ذَكَرَ (كَالْمَرْأَةِ) وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُمَا إذَا اجْتَمَعَا سَقَطَ الْفَرْضُ بِصَلَاةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي صَلَاتِهِ دُونَ صَلَاتِهَا لِاحْتِمَالِ ذُكُورَتِهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَإِذَا صَلَّى سَقَطَ الْفَرْض عَنْهُ وَعَنْ النِّسَاءِ وَإِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ النِّسَاءِ، وَأَمَّا عَنْ الْخُنْثَى فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ يَأْبَى ذَلِكَ (وَصَلَاتُهُنَّ فُرَادَى أَفْضَلُ) مِنْهَا جَمَاعَةً، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أُنْثَى وَتَعْبِيرُهُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجُلٌ صَلَّيْنَ مُنْفَرِدَاتٍ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ بَعْدَ نَقْلِهِ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ تُسَنَّ لَهُنَّ الْجَمَاعَةُ كَمَا فِي غَيْرِهَا وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ
(فَصْلٌ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ) وَلَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَفِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَالْمُصَلِّي مُسْتَقْبِلَهَا «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ مَوْتِهِ بِالْحَبَشَةِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ لَكِنَّهَا لَا تُسْقِطُ الْفَرْضَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَوَجْهُهُ أَنَّ فِيهِ إزْرَاءً وَتَهَاوُنًا بِالْمَيِّتِ لَكِنَّ الْأَقْرَبَ السُّقُوطُ لِحُصُولِ الْغَرَضِ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا عَلِمَ الْحَاضِرُونَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَنْبَغِي أَنَّهَا لَا تَجُوزُ عَلَى الْغَائِبِ حَتَّى يَعْلَمَ أَوْ يَظُنَّ أَنَّهُ قَدْ غُسِّلَ إلَّا أَنْ يُقَالَ تَقْدِيمُ الْغُسْلِ شَرْطٌ عِنْدَ الْإِمْكَانِ فَقَطْ عَلَى مَا مَرَّ أَوْ يُقَالَ يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ قَدْ غُسِّلَ فَيُعَلِّقَ النِّيَّةَ (لَا) عَلَى الْغَائِبِ (فِيهَا) أَيْ الْبَلَدِ، وَإِنْ كَبُرَتْ لِتَيَسُّرِ الْحُضُورِ وَشَبَّهُوهُ بِالْقَضَاءِ عَلَى مَنْ بِالْبَلَدِ مَعَ إمْكَانِ إحْضَارِهِ فَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ السُّورِ قَرِيبًا مِنْهُ فَهُوَ كَدَاخِلِهِ نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْوَافِي وَأَقَرَّهُ وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَى مَنْ فِي الْبَلَدِ الْحُضُورُ لِحَبْسٍ أَوْ مَرَضٍ فَفِيهِ احْتِمَالٌ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ وَجَزَمَ فِي مَوْضِعٍ بِالْجَوَازِ لِلْمَحْبُوسِ.
(وَ) تَجُوزُ (عَلَى قَبْرِ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الدَّفْنِ) سَوَاءٌ أَدُفِنَ قَبْلَهَا أَمْ بَعْدَهَا «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرِ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ وَعَلَى قَبْرِ مِسْكِينَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ مِحْجَنٍ دُفِنَتْ لَيْلًا» رَوَى الْأَوَّلَ الشَّيْخَانِ وَالثَّانِيَ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ فَلَا تَجُوزُ وَاحْتَجَّ لَهُ بِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» وَبِأَنَّا لَمْ نَكُنْ أَهْلًا لِلْفَرْضِ وَقْتَ مَوْتِهِمْ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى قُبُورِ غَيْرِهِمْ وَعَلَى الْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ (لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَوْمَ مَوْتِهِ) أَيْ وَقْتَهُ قَالُوا؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مُتَنَفِّلٌ وَهَذِهِ لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا لَا تُفْعَلُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِصُورَتِهَا مِنْ غَيْرِ جِنَازَةٍ بِخِلَافِ صَلَاةِ الظُّهْرِ يُؤْتِي بِصُورَتِهَا ابْتِدَاءً بِلَا سَبَبٍ ثُمَّ قَالَ لَكِنَّ مَا قَالُوهُ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ الْمُعْتَمَدُ) مَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَسْقُطُ بِالنِّسَاءِ وَهُنَاكَ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ فِي الْأَصَحِّ فَلَا يُخَاطَبْنَ بِهَا حِينَئِذٍ خِطَابَ فَرْضٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ أَمْرُهُ بِهَا كَمَا يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الطِّفْلِ أَمْرُهُ بِالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا (قَوْلُهُ وَقَدْ يُقَالُ إذَا وَقَعَتْ مِنْ الصَّبِيِّ نَفْلًا إلَخْ) لَا إشْكَالَ لِاخْتِلَافِ حَالَةِ وُقُوعِهَا مِنْهُ نَفْلًا وَحَالَةِ وُقُوعِهَا فَرْضًا (قَوْلُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي صَلَاتِهِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَصْلٌ الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ]
(قَوْلُهُ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ بِالْمَدِينَةِ» إلَخْ) فَإِنْ قِيلَ لَعَلَّ الْأَرْضَ زُوِيَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى رَآهُ أُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَنُقِلَ وَكَانَ أَوْلَى بِالنَّقْلِ مِنْ نَقْلِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مُعْجِزَةٌ وَالثَّانِي أَنَّ رُؤْيَتَهُ إنْ كَانَتْ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْأَرْضِ تَدَاخَلَتْ حَتَّى صَارَتْ الْحَبَشَةُ بِبَابِ الْمَدِينَةِ لَوَجَبَ أَنْ تَرَاهُ الصَّحَابَةُ أَيْضًا وَلَمْ يُنْقَلْ، وَإِنْ كَانَتْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَهُ إدْرَاكًا فَلَا يَتِمَّ عَلَى مَذْهَبِ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْبُعْدَ عَنْ الْمَيِّتِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ رَآهُ وَأَيْضًا وَجَبَ أَنْ تَبْطُلَ صَلَاةُ الصَّحَابَةِ (قَوْلُهُ لَكِنَّهَا لَا تُسْقِطُ الْفَرْضَ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا يَتَوَجَّهُ الْفَرْضُ عَلَى أَهْلِهِ لَا كَدَارِ الْحَرْبِ وَالْبَادِيَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُخَاطَبُ بِهِ أَقْرَبُ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ دُونَ مَنْ بَعُدَ انْتَهَى.
ش وَقَوْلُهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ أَيْضًا أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَجَازَ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ أَنَّهَا تُسْقِطُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ ف (قَوْلُهُ فَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ السُّوَرِ إلَخْ) لِيَنْظُرَ هَلْ الْقُرَى الْمُتَقَارِبَةُ جِدًّا كَالْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ أَمْ لَا غ وَقَوْلُهُ كَالْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ أَيْضًا وَقَالَ صَاحِبُ الْوَافِي: وَغَيْرُهُ إنَّ خَارِجَ السُّوَرِ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُهُ يَسْتَعِيرُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ هُوَ دَاخِلَ السُّوَرِ لِلْخَارِجِ وَلَا الْعَكْسُ (قَوْلُهُ نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْوَافِي) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَجَزَمَ فِي مَوْضِعٍ بِالْجَوَازِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ، وَتَجُوزُ عَلَى قَبْرِ غَيْرِ النَّبِيِّ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ (قَوْلُهُ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَوْمَ مَوْتِهِ) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ النِّسَاءِ إذَا كَانَ وَقْتُ الْمَوْتِ هُنَاكَ رَجُلٌ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ غ (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) : أَيْ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ مَعْنَاهُ أَنَّهَا لَا تُفْعَلُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى) وَبِهِ صَرَّحَ فِي التَّتِمَّةِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ صَلَاةِ الظُّهْرِ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ قَوْلُهُ بِخِلَافِ
يَنْتَقِضُ بِصَلَاةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فَإِنَّهَا لَهُنَّ نَافِلَةٌ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ وَلَوْ أُعِيدَتْ الصَّلَاةُ وَقَعَتْ نَافِلَةً.
وَقَالَ الْقَاضِي فَرْضًا كَصَلَاةِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ وَقَضِيَّةُ اعْتِبَارِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ يَوْمَ الْمَوْتِ مَنَعَ الْكَافِرَ وَالْحَائِضَ يَوْمئِذٍ وَصَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَرَأَى الْإِمَامُ إلْحَاقَهُمَا بِالْمُحْدِثِ وَتَبِعَهُ فِي الْوَسِيطِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَاعْتِبَارُ الْمَوْتِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ أَوْ أَفَاقَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ اتِّفَاقًا وَكَذَا لَوْ كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ فَتَرَكَ الْجَمِيعُ فَإِنَّهُمْ يَأْثَمُونَ بَلْ لَوْ زَالَ الْمَانِعُ بَعْدَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَأَدْرَكَ زَمَنًا يُمْكِنُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَانَ كَذَلِكَ (وَلَا يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا قَطُّ) يَعْنِي أَبَدًا كَانَ الْأَوْلَى تَرْكُ قَطُّ أَوْ إبْدَالُهَا بِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ أَصَلَّى مُنْفَرِدًا أَمْ جَمَاعَةً أَعَادَهَا فِي جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا حَضَرَتْ الْجَمَاعَةُ قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَادَ نَفْلٌ وَهَذِهِ لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا كَمَا مَرَّ قَالَ وَفِي الْمُهِمَّاتِ وَفِي التَّعْبِيرِ الْمَذْكُورِ قُصُورٌ فَإِنَّ الْإِعَادَةَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الِاسْتِحْبَابِ أَوْلَوِيَّةُ التَّرْكِ لِجَوَازِ التَّسَاوِي وَلِهَذَا عَبَّرَ فِي الْمَجْمُوعِ بِقَوْلِهِ لَا تُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِعَادَةُ بَلْ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهَا وَأُجِيبَ بِمَنْعِ عَدَمِ لُزُومِ أَوْلَوِيَّةِ التَّرْكِ بَلْ يَلْزَمُ فِي الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا عِبَادَةٌ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهَا مَطْلُوبَةً إيجَابًا أَوْ نَدْبًا.
أَمَّا الْإِبَاحَةُ وَالْعِبَادَةُ فَلَا يَجْتَمِعَانِ (وَلِمَنْ حَضَرَ بَعْدَ الْجَمَاعَةِ) الَّذِينَ صَلَّوْا (أَنْ يُقِيمُوا) الصَّلَاةَ (جَمَاعَةٌ أُخْرَى) وَفُرَادَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ فَلَوْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَوْ حَذَفَ جَمَاعَةً أُخْرَى كَانَ أَوْلَى وَبِكُلِّ حَالٍ فَالْأَوْلَى أَنْ تُؤَخَّرَ الصَّلَاةُ إلَى بَعْدِ دَفْنِهِ نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ النَّصِّ (وَيَنْوُونَ الْفَرْضَ) وَتَقَعُ صَلَاتُهُمْ فَرْضًا كَالْأَوَّلِينَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا كَمَا مَرَّ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالسَّاقِطُ بِالْأُولَى عَنْ الْبَاقِينَ خَرَجَ الْفَرْضُ لَا هُوَ وَقَدْ يَكُونُ ابْتِدَاءُ الشَّيْءِ غَيْرَ فَرْضٍ وَبِالدُّخُولِ فِيهِ يَصِيرُ فَرْضًا كَحَجِّ التَّطَوُّعِ وَأَحَدِ خِصَالِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَمَا قَالَهُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّهُ إذَا سَقَطَ الْحَرَجُ سَقَطَ الْفَرْضُ وَقَدْ أَوْضَحَهُ السُّبْكِيُّ فَقَالَ: فَرْضُ الْكِفَايَةِ إذَا لَمْ يَتِمَّ بِهِ الْمَقْصُودُ بَلْ تَتَجَدَّدُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِ الْفَاعِلِينَ كَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَحِفْظِ الْقُرْآنِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ إذْ مَقْصُودُهَا الشَّفَاعَةُ لَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَإِنْ سَقَطَ الْحَرَجُ وَلَيْسَ كُلُّ فَرْضٍ يُؤْثَمُ بِتَرْكِهِ مُطْلَقًا (وَإِنْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ) عَلَيْهِ (أَثِمُوا) أَيْ الدَّافِنُونَ وَالرَّاضُونَ بِدَفْنِهِ قَبْلَهَا لِوُجُوبِ تَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ (وَصَلَّوْا عَلَى الْقَبْرِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْبَشُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَلَا تُكْرَهُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (فِي الْمَسْجِدِ بَلْ هِيَ) فِيهِ (أَفْضَلُ) مِنْهَا فِي غَيْرِهِ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِيهِ عَلَى ابْنِي بَيْضَاءَ سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْجِد أَشْرَفُ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا خَبَرُ «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ» فَضَعِيفٌ وَاَلَّذِي فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ صَحَّ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ، ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] أَوْ عَلَى نُقْصَانِ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلَّى عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ يَنْصَرِفُ عَنْهَا غَالِبًا وَمَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا فِي الصَّحْرَاءِ يُحْضَرُ دَفْنُهَا غَالِبًا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَلَا أَجْرَ كَامِلَ لَهُ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» (وَيُسْتَحَبُّ) فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَأَكْثَرُ) لِخَبَرِ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ السَّابِقِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ بَعْضُهُمْ وَالثَّلَاثَةُ بِمَنْزِلَةِ الصَّفِّ الْوَاحِدِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ الْأَوَّلُ أَفْضَلَ مُحَافَظَةً عَلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ مِنْ الثَّلَاثَةِ (فَلَوْ) الْأَوْلَى وَلَوْ (صَلَّى) الْإِمَامُ (عَلَى حَاضِرٍ وَالْمَأْمُومُ عَلَى غَائِبٍ أَوْ عَكْسُهُ أَوْ) صَلَّى إنْسَانٌ (عَلَى حَاضِرٍ وَغَائِبٍ جَازَ) ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ لَا يَضُرُّ وَالْأَخِيرُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ بِالْأَوْلَى جَوَازَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْمُصَلَّى عَلَيْهِ مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي الْحَضْرَةِ وَالْغَيْبَةِ (وَإِنْ حَضَرَتْ الْجِنَازَةُ لَمْ يُنْتَظَرْ) أَحَدٌ لِخَبَرِ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ» (إلَّا الْوَلِيَّ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فَلَا بَأْسَ بِانْتِظَارِهِ أَيْ عَنْ قُرْبٍ (مَا لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرٌ) لِلْمَيِّتِ وَاسْتَثْنَى مَعَ ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ مَا إذَا كَانُوا دُونَ أَرْبَعِينَ فَيُنْتَظَرُ تَكْمِلَتُهُمْ عَنْ قُرْبٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَدَدَ مَطْلُوبٌ فِيهَا قَالَ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تُؤَخَّرُ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إذَا حَضَرَتْ وَتُؤَخَّرُ إنْ لَمْ تَحْضُرْ وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّرُ لِلْأَرْبَعَيْنِ
[حاشية الرملي الكبير]
صَلَاةِ الظُّهْرِ خَطَأٌ صَرِيحٌ فَإِنَّ الظُّهْرَ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ؛ لِأَنَّهُ تَعَاطَى عِبَادَةً لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا، وَهُوَ حَرَامٌ وَالْأَسْبَابُ الَّتِي تُؤَدَّى بِهَا الظُّهْرُ ثَلَاثَةٌ الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ وَالْإِعَادَةُ انْتَهَى.
يُجَابُ بِأَنَّ الْخَطَأَ إنَّمَا هُوَ مَا قَالَهُ لِخَطَأِ فَهْمِهِ كَلَامَ النَّوَوِيِّ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ لَوْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ يُؤْتَى بِهَا (قَوْلُهُ وَقَعَتْ نَافِلَةً) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ مُنِعَ الْكَافِرُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ كَانَ كَذَلِكَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَا تُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا قَطُّ) قُلْت إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَاءً وَلَا تُرَابًا فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَيُعِيدُ قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي الْفَتَاوَى وَقِيَاسُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَكْتُوبَةِ لِخَلَلٍ أَنْ يُصَلِّيَ هُنَا وَيُعِيدَ أَيْضًا لَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ هَلْ مَحَلُّهُ مَا إذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ أَوْ مُطْلَقًا فِيهِ احْتِمَالٌ عِنْدِي وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ بَلْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ حُصُولِ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَمَا تَفَقَّهَهُ فِي فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِهِمْ (قَوْلُهُ وَهَذِهِ لَا يَتَنَقَّلُ بِهَا) الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا مَرَّةً ثَانِيَةً لِعَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ شَرْعًا بِخِلَافِ الْفَرَائِضِ فَإِنَّهَا تُعَادُ سَوَاءٌ وَقَعَتْ أَوْ لَا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا كَصَلَاةِ الصَّبِيِّ وَقَدْ أَوْضَحَهُ فِي التَّتِمَّةِ فَقَالَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا: عَلَى أَنَّهُ لَا يُعِيدُهَا؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلَوْ قُلْنَا يُعِيدُهَا لَمْ يَكُنْ الثَّانِي فَرْضًا بَلْ تَطَوُّعًا وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِالتَّطَوُّعِ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ؛ وَلِأَنَّ السُّنَنَ كَالْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إذَا فُعِلَتْ مَرَّةً لَا تُعَادُ مَرَّةً أُخْرَى فَكَذَا هُنَا (قَوْلُهُ فَقَالَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ إذَا لَمْ يَتِمَّ بِهِ الْمَقْصُودُ إلَخْ) بِخِلَافِ مَا يَتِمُّ بِهِ الْمَقْصُودُ وَلَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ أَيْضًا مِنْهُ (قَوْلُهُ فَأَكْثَرُ) قَالَ شَيْخُنَا: بَيَانٌ لِمَنْعِ النَّقْصِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا غَيْرُ مَطْلُوبٍ بِالْأَصَالَةِ، وَإِنْ طَلَبَ لِكَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّابِعَ مَفْضُولٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهُ وَهَكَذَا وَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً وَقَفَ وَاحِدٌ مَعَ الْإِمَامِ وَالِاثْنَانِ صَفًّا أَوْ اثْنَانِ وَقَفَا صَفًّا أَوْ خَمْسَةً وَقَفَ وَاحِدٌ مَعَ الْإِمَامِ وَكُلُّ اثْنَيْنِ صَفًّا (قَوْلُهُ وَاسْتَثْنَى مَعَ ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يُخَالِفُهُ
قِيلَ وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ أَرْبَعُونَ إلَّا كَانَ لِلَّهِ فِيهِمْ وَلِيٌّ وَلَا يُؤَخَّرُ بَعْدُ صَلَاةُ مَنْ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِهِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى مَنْ مَاتَ وَغُسِّلَ الْيَوْمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ عَدَدُهُمْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَهُوَ حَسَنٌ مُسْتَحَبٌّ
(بَابُ الدَّفْنِ) لِلْمَيِّتِ (وَهُوَ فِي الْمَقْبَرَةِ أَفْضَلُ) مِنْهُ فِي غَيْرِهَا لِلِاتِّبَاعِ وَلِنَيْلِ دُعَاءِ الطَّارِقِينَ وَفِي أَفْضَلِ مَقْبَرَةٍ بِالْبَلَدِ أَوْلَى، وَإِنَّمَا دُفِنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِهِ لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي مَدْفَنِهِ؛ وَلِأَنَّهُمْ خَافُوا مِنْ دَفْنِهِ فِي بَعْضِ الْمَقَابِرِ التَّنَازُعَ فِيهِ فَتَطْلُبُ كُلُّ قَبِيلَةٍ دَفْنَهُ عِنْدَهُمْ؛ وَلِأَنَّ مِنْ خَوَاصِّ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ يُدْفَنُونَ حَيْثُ يَمُوتُونَ وَاسْتَثْنَى الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَيْضًا الشَّهِيدَ فَيُسْتَحَبُّ دَفْنُهُ حَيْثُ قُتِلَ لِخَبَرٍ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ مَضْجَعَهُ يَشْهَدُ لَهُ؛ وَلِأَنَّ بَعْضَهُ، وَهُوَ مَا سَالَ مِنْ دَمِهِ قَدْ صَارَ فِيهِ قَالَ وَلَوْ كَانَتْ الْمَقْبَرَةُ مَغْصُوبَةً أَوْ سَبَّلَهَا ظَالِمٌ اشْتَرَاهَا بِمَالٍ خَبِيثٍ أَوْ نَحْوِهِمَا أَوْ كَانَ أَهْلُهَا أَهْلَ بِدْعَةٍ أَوْ فِسْقٍ أَوْ كَانَتْ تُرْبَتُهَا فَاسِدَةً لِمُلُوحَةٍ أَوْ نَحْوِهَا أَوْ كَانَ نَقْلُ الْمَيِّتِ إلَيْهَا يُؤَدِّي لِانْفِجَارِهِ فَالْأَفْضَلُ اجْتِنَابُهَا قُلْت بَلْ يَجِبُ فِي بَعْضِ ذَلِكَ، وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّ الدَّفْنَ فِي الْبَيْتِ مَكْرُوهٌ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إلَّا أَنْ تَدْعُوَ إلَيْهِ حَاجَةٌ أَوْ مَصْلَحَةٌ كَمَا مَرَّ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهٌ فَلَوْ قَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ يُدْفَنُ فِي مِلْكِهِ وَقَالَ الْبَاقُونَ: فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ (فَيُجَابُ طَالِبُهَا) ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ وَبَعْضُهُمْ غَيْرُ رَاضٍ بِدَفْنِهِ فِيهِ فَلَوْ تَنَازَعُوا فِي مَقْبَرَتَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِشَيْءٍ.
قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ: إنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُجَابَ الْمُقَدَّمُ فِي الصَّلَاةِ وَالْغُسْلِ فَإِنْ اسْتَوَوْا أُقْرِعَ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً أُجِيبَ الْقَرِيبُ دُونَ الزَّوْجِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَ التَّسَاوِي، وَإِلَّا فَيَجِبُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِلْمَيِّتِ فَيُجَابُ الدَّاعِي إلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَقْرَبَ أَوْ أَصْلَحَ أَوْ مُجَاوِرَةً لَا خِيَارَ وَالْأُخْرَى بِالضِّدِّ بَلْ لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلَحِ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى تَكْفِينِهِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ (فَإِنْ دَفَنَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ لَمْ يُنْقَلْ) لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ، وَلَيْسَ فِي إبْقَائِهِ إبْطَالُ حَقِّ غَيْرِهِ (وَقَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ دَفْنِهِ فِي أَرْضِ بَعْضِهِمْ (لَهُمْ) أَيْ لِبَقِيَّتِهِمْ (الِامْتِنَاعُ) مِنْ دَفْنِهِ فِيهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ فَيُجَابُونَ لِدَفْنِهِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ يُكَفَّنُ مِنْ مَالِي وَقَالَ الْبَاقُونَ: مِنْ الْأَكْفَانِ الْمُسَبَّلَةِ حَيْثُ يُجَابُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ عَادَةَ النَّاسِ جَرَتْ بِالدَّفْنِ فِي الْمَقَابِرِ الْمُسَبَّلَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْحَقَهُمْ عَارٌ بِخِلَافِ الْأَكْفَانِ الْمُسَبَّلَةِ وَقَوْلُهُ وَقَبْلَهُ لَهُمْ الِامْتِنَاعُ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ فَيُجَابُ طَالِبُهَا، وَإِنْ كَانَ الْمَدْفَنُ ثَمَّ مِنْ التَّرِكَةِ وَهُنَا مِنْ غَيْرِهَا (أَوْ) دَفَنَهُ بَعْضُهُمْ (فِي أَرْضِ التَّرِكَةِ فَلِلْبَاقِينَ لَا لِلْمُشْتَرِي مِنْهُمْ نَقْلُهُ وَالْأَوْلَى) لَهُمْ (تَرْكُهُ) فَنَقْلُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ وَالْمُرَادُ كَرَاهَتُهُ كَمَا عَبَّرَ بِهَا فِي الْمَجْمُوعِ وَنَقَلَهَا عَنْ الْأَصْحَابِ أَمَّا لَوْ دَفَنُوهُ فِي مِلْكِهِ ثُمَّ بَاعُوهُ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي نَقْلُهُ لِسَبْقِ حَقِّهِمْ فَقَوْلُهُ مِنْهُمْ أَيْ مِنْ الْوَرَثَةِ لَا مِنْ الْبَاقِينَ (وَلَهُ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي (الْخِيَارُ) فِي فَسْخِ الْبَيْعِ (إنْ جَهِلَ) الْحَالَ (وَهُوَ) أَيْ الْمَدْفِنُ (لَهُ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي يَنْتَفِعُ بِهِ (إنْ بَلِيَ) الْمَيِّتُ أَوْ اتَّفَقَ نَقْلُهُ
(فَرْعٌ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ لَوْ مَاتَ رَقِيقٌ وَتَنَازَعَ قَرِيبُهُ وَسَيِّدُهُ فِي مَقْبَرَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ فَفِي الْمُجَابِ مِنْهُمَا احْتِمَالَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرِّقَّ هَلْ يَزُولُ بِالْمَوْتِ وَقَدْ مَرَّ (وَأَقَلُّ الْوَاجِبِ) فِي الْمَدْفِن (حُفْرَةٌ تَصُونُ جِسْمَهُ عَنْ السِّبَاعِ) غَالِبًا (وَرَائِحَتَهُ) قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِهِمَا إنْ كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ بَيَانُ فَائِدَةِ الدَّفْنِ وَإِلَّا فَبَيَانُ وُجُوبِ رِعَايَتِهِمَا فَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا وَظَاهِرٌ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِمُتَلَازِمَيْنِ كَالْفَسَاقِيِ الَّتِي لَا تَكْتُمُ الرَّائِحَةَ مَعَ مَنْعِهَا الْوَحْشَ فَلَا يَكْفِي الدَّفْنُ فِيهَا وَقَدْ قَالَ السُّبْكِيُّ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْفَسَاقِيِ نَظَرًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعَدَّةً لِكَتْمِ الرَّائِحَةِ؛ وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى هَيْئَةِ الدَّفْنِ الْمَعْهُودِ شَرْعًا قَالَ وَقَدْ أَطْلَقُوا تَحْرِيمَ إدْخَالِ مَيِّتٍ عَلَى مَيِّتٍ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْأَوَّلِ وَظُهُورِ رَائِحَتِهِ فَيَجِبُ إنْكَارُ ذَلِكَ (وَالْأَكْمَلُ) فِي الدَّفْنِ (قَبْرٌ وَاسِعٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلَى أُحُدٍ «أَسْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ارْتِفَاعُهُ (قَدْرَ قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ) مِنْ رَجُلٍ مُعْتَدِلٍ لَهُمَا بِأَنْ يَقُومَ بَاسِطًا يَدَيْهِ مَرْفُوعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَوْصَى بِذَلِكَ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ (وَهُمَا أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٍ) خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ أَنَّهُمَا
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَغُسْلُ الْيَوْمِ) أَيْ أَوْ السَّنَةِ
[بَابُ الدَّفْنِ لِلْمَيِّتِ]
(بَابُ الدَّفْنِ) (قَوْلُهُ وَاسْتَثْنَى الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا فَيَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ بَلْ لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلَحِ إلَخْ) قَالَ السُّبْكِيُّ: يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ مَفْرُوضًا عِنْدَ التَّسَاوِي أَمَّا مَتَى ظَهَرَتْ مَصْلَحَةُ الْمَيِّتِ فِي إحْدَاهُمَا تَعَيَّنَ تَقْدِيمُهَا وَقَوْلُهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ) أَيْ الْبَعْضِ (قَوْلُهُ أَيْ مِنْ الْوَرَثَةِ لَا مِنْ الْبَاقِينَ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ أَعَمُّ مِنْ الْبَاقِينَ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِمْ صَحِيحٌ
[فَرْعٌ مَاتَ رَقِيقٌ وَتَنَازَعَ قَرِيبُهُ وَسَيِّدُهُ فِي مَقْبَرَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ]
(قَوْلُهُ احْتِمَالَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرِّقَّ هَلْ يَزُولُ بِالْمَوْتِ إلَخْ) قَدْ قَدَّمْت مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُجَابَ السَّيِّدُ (قَوْلُهُ وَأَقَلُّ الْوَاجِبِ حُفْرَةٌ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ حُفْرَةٌ أَنَّهُ لَا يَكْفِي مَا يُصْنَعُ بِالشَّامِ وَغَيْرِهِ مِنْ عَقْدِ أَزَجًّ وَاسِعٍ أَوْ مُقْتَصِدٍ شِبْهِ بَيْتٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ سَبُعًا وَلَا نَبَّاشًا مَعَ مُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ، وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَحَقِيقَةِ بَيْتٍ تَحْتَ الْأَرْضِ فَهُوَ كَوَضْعِهِ فِي غَارٍ وَنَحْوِهِ وَسَدِّ بَابِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِدَفْنٍ قَطْعًا.
اهـ. وَقَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إلَخْ أَشَارَ شَيْخُنَا إلَى تَضْعِيفِهِ (قَوْلُهُ تَصُونُ جِسْمَهُ عَنْ السِّبَاعِ) وَرَائِحَتِهِ؛ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي وُجُوبِ الدَّفْنِ عَدَمُ انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ بِانْتِشَارِ رَائِحَتِهِ وَاسْتِقْذَارِ جِيفَتِهِ وَأَخْذِ السِّبَاعِ لَهُ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَاسِعٍ) أَيْ مِنْ قِبَلَ رِجْلَيْهِ وَرَأْسِهِ (قَوْلُهُ «وَأَوْسَعُوا وَأَعْمَقُوا» ) التَّوْسِيعُ هُوَ الزِّيَادَةُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالتَّعْمِيقُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَقِيلَ بِالْمُعْجَمَةِ الزِّيَادَةُ فِي النُّزُولِ (قَوْلُهُ خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إلَخْ) يَصِحُّ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ حَمْلُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ عَلَى الذِّرَاعِ الْمَعْرُوفِ وَكَلَامِ النَّوَوِيِّ عَلَى ذِرَاعِ الْيَدِ
ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ (فَرْعٌ ثُمَّ) بَعْدَ حَفْرِ الْقَبْرِ (يَحْفِرُ) نَدْبًا (اللَّحْدَ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا يُقَالُ لَحَدْت لِلْمَيِّتِ وَأَلْحَدْت لَهُ (فِي جَانِبِهِ الْقِبْلِيِّ مَائِلًا عَنْ الِاسْتِوَاءِ إلَى) عِبَارَةِ الْأَصْلِ مِنْ (أَسْفَلِهِ) قَدْرَ مَا يُوضَعُ فِيهِ الْمَيِّتُ (وَيُوَسِّعُ) مِنْ زِيَادَتِهِ أَيْ يُوَسِّعُ اللَّحْدَ نَدْبًا بِالْعُمُومِ الْخَبَرِ السَّابِقِ وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ فِي أَبِي دَاوُد (فَإِنْ كَانَتْ) أَرْضَ الْقَبْرِ (رِخْوَةً) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ مِنْ فَتْحِهَا وَضَمِّهَا (شَقَّ فِي وَسَطِهِ) كَالنَّهْرِ وَالْأَرْضِ الرِّخْوَةِ هِيَ الَّتِي تَنْهَارُ وَلَا تَتَمَاسَكُ (وَبَنَى) عِبَارَةَ الرَّافِعِيِّ أَوْ بَنَى (جَانِبَيْهِ وَسَقْفَهُ) بِلَبِنٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَيَرْفَعُ السَّقْفَ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ الْمَيِّتَ (وَاللَّحْدُ فِي) الْأَرْضِ (الصُّلْبَةِ أَفْضَلُ) مِنْ الشَّقِّ بِفَتْحِ الشِّينِ «لِقَوْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنِ نَصْبًا كَمَا فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَمَّا فِي الرَّخْوَةِ فَالشَّقُّ أَفْضَلُ خَشْيَةَ الِانْهِيَارِ
(فَرْعٌ يُوضَعُ الْمَيِّتُ) نَدْبًا بِحَيْثُ يَكُونُ رَأْسُهُ (عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ) أَيْ مُؤَخِّرِهِ الَّذِي سَيَصِيرُ عِنْدَ رِجْلِ الْمَيِّتِ (وَيُسَلُّ مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ بِرِفْقٍ) لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْخِطْمِيَّ الصَّحَابِيَّ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ الْحَارِثِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ وَقَالَ هَذَا مِنْ السُّنَّةِ» وَلِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلًّا» وَمَا قِيلَ أَنَّهُ أُدْخِلَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إدْخَالُهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ شَقَّ قَبْرِهِ لَاصِقٌ بِالْجِدَارِ وَلَحْدَهُ تَحْتَ الْجِدَارِ فَلَا مَوْضِعَ هُنَاكَ يُوضَعُ فِيهِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (وَيُنْزِلُهُ اللَّحْدَ) أَوْ غَيْرَهُ (أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) فَلَا يُنْزِلُهُ إلَّا الرِّجَالُ مَتَى وُجِدُوا، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً بِخِلَافِ النِّسَاءِ لِضَعْفِهِنَّ عَنْ ذَلِكَ غَالِبًا وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ أَنْ يَنْزِلَ فِي قَبْرِ بِنْتٍ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْمُهَا أُمُّ كُلْثُومٍ» .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ لَهَا مَحَارِمُ مِنْ النِّسَاءِ كَفَاطِمَةَ وَغَيْرِهَا نَعَمْ يُنْدَبُ لَهُنَّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنْ يَلِينَ حَمْلَ الْمَرْأَةِ مِنْ مُغْتَسَلِهَا إلَى النَّعْشِ وَتَسْلِيمَهَا إلَى مَنْ فِي الْقَبْرِ وَحَلِّ ثِيَابِهَا فِيهِ (لَكِنَّ الزَّوْجَ أَحَقُّ) مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ مَنْظُورَهُ أَكْثَرُ (ثُمَّ الْأَفْقَهُ) بِالدَّفْنِ (الْقَرِيبِ) أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى مِنْ الْأَقْرَبِ وَإِلَّا سُنَّ عَكْسُ مَا مَرَّ فِيهِمَا فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الدُّعَاءُ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ دَفَعَ بِهِ وُرُودَهُ عَلَى إطْلَاقِ قَوْلِهِمْ وَيُنْزِلُهُ أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بَعْدَ الْقَرِيبِ عَلَى الْأَقْرَبِ أَيْ يُقَدَّمُ الْأَفْقَهُ الْقَرِيبُ عَلَى الْأَقْرَبِ وَلَوْ أَسَنَّ (ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ الْمَحَارِمِ) فَيُقَدَّمُ الْأَبُ ثُمَّ أَبُوهُ، وَإِنْ عَلَا ثُمَّ الِابْنُ ثُمَّ ابْنُهُ، وَإِنْ نَزَلَ ثُمَّ الْأَخُ الشَّقِيقُ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ ثُمَّ الْعَمُّ الشَّقِيقُ ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأَبِ ثُمَّ أَبُو الْأُمِّ ثُمَّ الْأَخُ مِنْهَا ثُمَّ الْخَالُ ثُمَّ الْعَمُّ مِنْهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ (ثُمَّ عَبِيدُهَا) أَيْ الْمَيِّتَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَالْمَحَارِمِ فِي النَّظَرِ وَنَحْوِهِ وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْأَمَةَ لَا تُغَسِّلُ سَيِّدَهَا لِانْقِطَاعِ الْمِلْكِ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ هُنَا وَأُجِيبَ بِاخْتِلَافِ الْبَابَيْنِ إذْ الرَّجُلُ ثَمَّ يَتَأَخَّرُ.
وَهُنَا يَتَقَدَّمُ حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ الْأَجْنَبِيَّ يَتَقَدَّمُ هُنَا عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَبْدُ الْمَيِّتَةِ أَوْلَى مِنْهُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى عَبِيدِهَا مَحَارِمُ الرَّضَاعِ وَمَحَارِمُ الْمُصَاهَرَةِ (ثُمَّ الْخُصْيَانُ) الْأَجَانِبُ لِضَعْفِ شَهْوَتِهِمْ وَلَوْ قَالَ ثُمَّ الْمَمْسُوخُونَ ثُمَّ الْمَجْبُوبُونَ ثُمَّ الْخُصْيَانُ كَانَ أَوْلَى لِلتَّفَاوُتِ بِضَعْفِ الشَّهْوَةِ (ثُمَّ الْعَصَبَةُ) الَّذِينَ لَا مَحْرَمِّيَةَ لَهُمْ كَبَنِي الْعَمِّ بِتَرْتِيبِهِمْ فِي الصَّلَاةِ (ثُمَّ ذَوُو الرَّحِمِ) وَفِي نُسْخَةٍ ذَوُو الْأَرْحَامِ (الَّذِينَ لَا مَحْرَمِّيَةَ لَهُمْ) كَبَنِي الْخَالِ وَبَنِي الْعَمَّةِ فَقَوْلُهُ الَّذِينَ لَا مَحْرَمِّيَةَ لَهُمْ صِفَةٌ لِلْعَصَبَةِ وَلِذَوِي الرَّحِمِ وَذِكْرُ الْعَصَبَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ (ثُمَّ صَالِحُ الْأَجَانِبِ) لِخَبَرِ أَبِي طَلْحَةَ السَّابِقِ إذْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَحْرَمٌ غَيْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَعَلَّهُ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي نُزُولِ قَبْرِهَا وَكَذَا زَوْجُهَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ ثُمَّ النِّسَاءُ بِتَرْتِيبِهِنَّ السَّابِقِ فِي الْغُسْلِ وَالْخَنَاثَى كَالنِّسَاءِ قَالَ الْإِمَامُ وَلَا أَرَى تَقْدِيمَ ذَوِي الْأَرْحَامِ مَحْتُومًا بِخِلَافِ الْمَحَارِمِ؛ لِأَنَّهُمْ كَالْأَجَانِبِ فِي وُجُوبِ الِاحْتِجَابِ عَنْهُمْ ذَكَرَهُ الْأَصْلُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ لَيْسَ حَتْمًا فِي تَأْدِيَةِ السُّنَّةِ بِخِلَافِ الْجُمْهُورِ يَرَوْنَهُ حَتْمًا فِيهَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ مِنْ أَنَّ التَّرْتِيبَ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلسَّيِّدِ فِي الدَّفْنِ وَالْوَجْهُ أَنَّهُ فِي الْأَمَةِ الَّتِي تَحِلُّ لَهُ كَالزَّوْجِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَهَلْ يَكُونُ مَعَهَا
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ أَمَّا فِي الرَّخْوَةِ إلَخْ) قَالَ فِي التَّتِمَّةِ: اللَّحْدُ عِنْدَنَا أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ رَخْوَةً فَيُحْفَرُ قَبْرٌ وَاسِعٌ وَيُبْنَى لَحْدُهُ مِنْ حَجَرٍ أَوْ لَبِنٍ وَيُدْفَنُ الْمَيِّتُ فِيهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ يَنْبَغِي تَنْزِيلُ كَلَامِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ الْبِنَاءُ أَوْ لَمْ يُفْعَلْ فَالشَّقُّ أَوْلَى مِنْ اللَّحْدِ الرَّخْوِ
[فَرْعٌ كَيْفِيَّة الدَّفْن]
(قَوْلُهُ وَقَالَ هَذَا مِنْ السُّنَّةِ) وَقَوْل الصَّحَابِيِّ مِنْ السُّنَّةِ كَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ (قَوْلُهُ أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّ أَوْلَاهُمْ بِالدَّفْنِ أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ أَنَّا حَيْثُ قَدَّمْنَا الْوَالِيَ فِي الصَّلَاةِ نُقَدِّمُهُ فِي الدَّفْنِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ فِيهِ.
اهـ. وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ أَحَقُّ فَإِنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ فَيَكُونُ لَهُ التَّقْدِيمُ وَالتَّقَدُّمُ (قَوْلُهُ وَاسْمُهَا أُمُّ كُلْثُومٍ) قَالَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَوَقَعَ فِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ الْأَوْسَطِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهَا رُقَيَّةُ ثُمَّ قَالَ مَا أَدْرِي مَا هَذَا فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَشْهَدْ رُقَيَّةَ أَيْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ غَائِبًا بِبَدْرٍ وَصَحَّحَ ابْنُ بَشْكُوَالَ أَنَّهَا زَيْنَبُ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ (قَوْلُهُ ثُمَّ عَبِيدُهَا) قَالَ فِي الْمُهَذَّبِ وَالْخَصِيُّ مِنْهُمْ أَوْلَى مِنْ الْفَحْلِ وَأَغْفَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ لَهُ (قَوْلُهُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى عَبِيدِهَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ مَحَارِمُ الرَّضَاعِ وَمَحَارِمُ الْمُصَاهَرَةِ) وَقَدْ شَمِلَ ذَلِكَ كَلَامُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَفُرُوعَهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: قَدْ يُقَالُ إنَّ الْعِنِّينَ وَالْهَمَّ مِنْ الْفُحُولِ أَضْعَفُ شَهْوَةً مِنْ شَبَابِ الْخُصْيَانِ فَيُقَدَّمُونَ عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ مِنْ أَنَّ التَّرْتِيبَ مُسْتَحَبُّ لَا وَاجِبٌ) نَقَلَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ أَنَّ الْأَوْلَى كَذَا وَصَرَّحَ غَيْرُهُ بِأَنَّهَا أَوْلَوِيَّةُ اسْتِحْبَابٍ
كَالْأَجْنَبِيِّ أَوْ لَا فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ نَعَمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَهُوَ أَحَقُّ بِدَفْنِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ حَتْمًا
(فَرْعٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَدَدُهُمْ) أَيْ الدَّافِنِينَ (وَعَدَدُ الْغَاسِلِينَ وِتْرًا) ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَنَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِدُونِ الْعَبَّاسِ وَزِيَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَأُسَامَةَ وَنَزَلَ مَعَهُمْ خَامِسٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَأُسَامَةَ وَفِي أُخْرَى لَهُ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَشُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَزَلَ مَعَهُمْ خَامِسٌ «؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ تَوَلَّى غُسْلَهُ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَأُسَامَةُ» كَمَا مَرَّ فِي بَابِ غُسْلِ الْمَيِّتِ (وَيُجْزِئُ كَافٍ) لِدَفْنِهِ وَغُسْلِهِ وَلَوْ وَاحِدًا أَوْ شَفْعًا لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ وَلَك أَنْ تُدْخِلَ الْوَاحِدَ فِي قَوْلِهِ وِتْرًا وَدَلِيلُ اسْتِحْبَابِهِ فِي الدَّفْنِ عِنْدَ الِاكْتِفَاءِ بِهِ الِاتِّبَاعُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَخَبَرُ أَبِي طَلْحَةَ السَّابِقُ (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يُدْخِلَهُ) الْقَبْرَ (وَالْقَبْرُ مَسْتُورٌ) عِبَارَةُ الْأَصْلِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتُرَ الْقَبْرَ عِنْدَ الدَّفْنِ بِثَوْبٍ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً أَيْ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لِمَا عَسَاهُ أَنْ يَنْكَشِفَ مِمَّا كَانَ يَجِبُ سَتْرُهُ (وَ) سَتْرُهُ (لِلْمَرْأَةِ آكَدُ) مِنْهُ لِغَيْرِهَا كَمَا فِي الْحَيَاةِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لِلْخُنْثَى آكَدُ مِنْهُ لِلرَّجُلِ (قَائِلًا) مُدْخِلُهُ (بِسْمِ اللَّهِ) وَبِاَللَّهِ (وَعَلَى مِلَّةِ) أَوْ سُنَّةِ (رَسُولِ اللَّهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَ) أَنْ (يَدْعُوَ لَهُ بِالْمَأْثُورِ) .
وَهُوَ كَمَا فِي الْأَصْلِ عَنْ الشَّافِعِيِّ اللَّهُمَّ أَسْلَمَهُ إلَيْك الْأَشِحَّاءُ مِنْ وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ وَإِخْوَانِهِ وَفَارَقَهُ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ وَخَرَجَ مِنْ سَعَةِ الدُّنْيَا وَالْحَيَاةِ إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَضِيقِهِ وَنَزَلَ بِك وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ إنْ عَاقَبْته فَبِذَنْبِهِ، وَإِنْ عَفَوْت عَنْهُ فَأَهْلُ الْعَفْوِ أَنْتَ أَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَهُوَ فَقِيرٌ إلَى رَحْمَتِك اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ حَسَنَتَهُ وَاغْفِرْ سَيِّئَتَهُ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَاجْمَعْ لَهُ بِرَحْمَتِك الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك وَاكْفِهِ كُلَّ هَوْلٍ دُونَ الْجَنَّةِ اللَّهُمَّ وَاخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَارْفَعْهُ فِي عَلِيَّيْنِ وَعُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أُنْثَى أَنَّثَ ضَمَائِرَهُ كَمَا عُلِمَ زِيَادَةً مِمَّا مَرَّ وَالظَّاهِرُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الصَّغِيرِ أَنَّ مَحَلَّ هَذَا الذِّكْرِ الْمَأْثُورِ فِي غَيْرِ الصَّغِيرِ (ثُمَّ يُضْجِعُهُ) نَدْبًا (عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ) اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَكَمَا فِي الِاضْطِجَاعِ عِنْدَ النَّوْمِ (وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ بِلَبِنَةٍ) طَاهِرَةٍ (وَنَحْوِهَا) خَوْفًا (مِنْ السُّقُوطِ) أَيْ اسْتِلْقَائِهِ (وَيُدْنِي مِنْ جِدَارِ اللَّحْدِ) فَيُسْنِدُ إلَيْهِ وَجْهَهُ وَرِجْلَاهُ وَيَجْعَلُ فِي بَاقِيهِ بَعْضَ التَّجَافِي فَيَكُونُ قَرِيبًا مِنْ هَيْئَةِ الرَّاكِعِ خَوْفًا مِنْ انْكِبَابِهِ وَلَوْ أَخَّرَ قَوْلَهُ مِنْ السُّقُوطِ إلَى هُنَا كَانَ أَنْسَبَ لِيَكُونَ الْمَعْنَى خَوْفًا مِنْ اسْتِلْقَائِهِ وَانْكِبَابه.
(وَالِاسْتِقْبَالُ بِهِ) الْقِبْلَةَ (وَاجِبٌ) تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْمُصَلِّي (فَإِنَّ دُفِنَ مُسْتَدْبِرًا) يَعْنِي غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ لَهَا فَيَشْمَلُ الِاسْتِلْقَاءَ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي الْأَصْلِ (نُبِشَ) وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ وُجُوبًا (إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ) وَإِلَّا فَلَا يُنْبَشُ وَمَحَلُّهُ فِي الِاسْتِلْقَاءِ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إذَا جَعَلَ عَرْضَ الْقَبْرِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ كَالْعَادَةِ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الْمُتَوَلِّي يُسْتَحَبُّ جَعْلُ عَرْضِ الْقَبْرِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ فَإِنْ جَعَلَ طُولَهُ إلَيْهَا بِحَيْثُ إذَا وَضَعَ فِيهِ الْمَيِّتَ تَكُونُ رِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ فَإِنْ فَعَلَ لِضِيقِ مَكَان لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ لَكِنْ إذَا دُفِنَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يُنْبَشُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ لِلتَّنْزِيهِ وَتَعَقَّبَهُ الْأَذْرَعِيُّ فَقَالَ: وَيَنْبَغِي تَحْرِيمُ جَعْلِ الْقَبْرِ كَذَلِكَ بِلَا ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ وَسَبِّ صَاحِبِهِ لِاعْتِقَادِ أَنَّهُ مِنْ الْيَهُودِ أَوْ النَّصَارَى فَإِنَّ هَذَا شِعَارُهُمْ وَفِي كَوْنِ مَا قَالَهُ مُوجِبًا لِلتَّحْرِيمِ نَظَرٌ (لَا إنْ وُضِعَ عَلَى يَسَارِهِ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا فَلَا يُنْبَشُ (وَذَلِكَ) أَيْ وَضْعُهُ عَلَى يَسَارِهِ (مَكْرُوهٌ) .
وَهُوَ مُرَادُ النَّوَوِيِّ فِي مَجْمُوعِهِ بِقَوْلِهِ إنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ كَمَا سَبَقَ فِي الْمُصَلِّي مُضْطَجِعًا فَإِنَّ الَّذِي سَبَقَ لَهُ ثُمَّ إنَّمَا هُوَ الْكَرَاهَةُ (وَلَوْ اخْتَلَطَ مُسْلِمُونَ بِكُفَّارٍ أَوْ مَاتَتْ كَافِرَةٌ) وَلَوْ حَرْبِيَّةً أَوْ مُرْتَدَّةً (وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ مُسْلِمٌ) مَيِّتٌ (قُبِرُوا فِيمَا بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ) وُجُوبًا لِئَلَّا يُدْفَنَ الْكُفَّارُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَعَكْسُهُ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِنَصْرَانِيَّةٍ فِي بَطْنِهَا مُسْلِمٌ وَمَا رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ بِدَفْنِهَا فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ مُعَارِضٌ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِالْكَافِرَةِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالذِّمِّيَّةِ لِمَا مَرَّ (وَاسْتَدْبَرُوا بِالْمَرْأَةِ) الْقِبْلَةَ وُجُوبًا (لِيَسْتَقْبِلَ) هَا (الْجَنِينُ) ؛ لِأَنَّ وَجْهه إلَى ظَهْرِ أُمِّهِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ إذَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ دُفِنَتْ أُمُّهُ كَيْفَ شَاءَ أَهْلُهَا؛ لِأَنَّ دَفْنَهُ حِينَئِذٍ لَا يَجِبُ فَاسْتِقْبَالُهُ أَوْلَى كَمَا عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ إنَّ وَقْتَ التَّخَلُّقِ هُوَ وَقْتُ نَفْخِ الرُّوحِ مَعَ نَقْلِهِ عَنْ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَالْأَقْرَبُ نَعَمْ) الْأَقْرَبُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي النَّظَرِ وَنَحْوِهِ كَالْمَحْرَمِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ عَبْدِ الْمَرْأَةِ إذْ الْمَالِكِيَّةُ أَقْوَى مِنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ
[فَرْعٌ يُسْتَحَبّ أَنْ يَكُون عَدَد الدَّافِنِينَ والمغسلين وِتْرًا]
(قَوْلُهُ نُبِشَ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّتِنِ) أَوْ التَّقَطُّعِ (قَوْلُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ لِلتَّنْزِيهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ
الْأَصْحَابِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَخَطَّطْ لَا يَجِبُ تَكْفِينُهُ وَلَا دَفْنُهُ.
وَمَا رُدَّ بِهِ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الْمُتَّجِهَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلْقَاءُ النُّطْفَةِ بِدَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَى الْحَامِلِ قَوَدٌ وَجَبَ التَّأْخِيرُ إلَى وَضْعِهِ، وَإِنْ ظَنَنَّا عَدَمَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ مَرْدُودٌ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْحُكْمِ فِي الْأُولَى مِنْ هَاتَيْنِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي حَمْلِ الْحَيَاةِ وَفِي حَمْلِ الْمَيِّتَةِ فَلَمْ يُرَاعُوا حُرْمَتَهُ فِي الِاسْتِقْبَالِ كَمَا لَوْ يُرَاعُوهَا فِي التَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ (وَحَكَى عَنْ النَّصِّ أَنَّ أَهْلَ دِينِهَا يَتَوَلَّوْنَ غُسْلَهَا وَدَفْنَهَا) ؛ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ
(فَرْعٌ يُرْفَعُ رَأْسُ الْمَيِّتِ) نَدْبًا (بِنَحْوِ لَبِنَةٍ) طَاهِرَةٍ كَكَوْمِ تُرَابٍ (وَيُفْضَى بِخَدِّهِ) الْأَيْمَنِ (مَكْشُوفًا إلَيْهَا) الْأَوْلَى إلَيْهِ أَيْ إلَى نَحْوِ اللَّبِنَةِ (أَوْلَى التُّرَابُ) مُبَالَغَةً فِي الِاسْتِكَانَةِ وَالِامْتِهَانِ رَجَاءَ الرَّحْمَةِ وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ مَكْشُوفًا إيضَاحٌ (وَيُكْرَهُ) أَنْ يُوضَعَ تَحْتَهُ (مِخَدَّةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَفُرُشٌ) قَالُوا؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ وَأَجَابُوا عَمَّا فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّهُ جُعِلَ فِي قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِرِضَا جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ وَلَا عِلْمِهِمْ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ شُقْرَانُ مَوْلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرَاهَةَ أَنْ تُلْبَسَ بَعْدَهُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ وَضْعَ ثَوْبٍ تَحْتَ الْمَيِّتِ بِقَبْرِهِ مَعَ أَنَّ الْقَطِيفَةَ أُخْرِجَتْ قَبْلَ إهَالَةِ التُّرَابِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الِاسْتِيعَابِ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ فَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ قَالَ وَكِيعٌ هَذَا خَاصٌّ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَ) يُكْرَهُ (صُنْدُوقٌ) أَيْ جَعْلُ الْمَيِّتِ فِيهِ (وَلَا تَنْفُذُ وَصِيَّته بِذَلِكَ) أَيْ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ الثَّلَاثَةِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَقَوْلُهُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ بِهِ (فَإِنْ اُحْتِيجَ الصُّنْدُوقُ) أَيْ إلَيْهِ (لِنَدَاوَةٍ وَنَحْوِهَا) كَرَخَاوَةٍ فِي الْأَرْضِ فَلَا كَرَاهَةَ فَإِنْ وَصَّى بِهِ (نَفَذَتْ) وَصِيَّتُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ أَيْضًا مَا إذَا كَانَ فِي تَهْرِيَةٍ بِحَرِيقٍ أَوْ لَدْغٍ بِحَيْثُ لَا يَضْبِطُهُ إلَّا الصُّنْدُوقُ قَالَ وَيُسْتَثْنَى امْرَأَةٌ لَا مَحْرَمٌ لَهَا كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ لِئَلَّا يَمَسَّهَا الْأَجَانِبُ عِنْدَ الدَّفْنِ قُلْت فِيهِ نَظَرٌ قَالَ وَيَظْهَرُ أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ الْأَرْضُ الْمُسَبَّعَةُ بِحَيْثُ لَا يَصُونُهُ مِنْ نَبْشِهَا إلَّا الصُّنْدُوقُ (وَهُوَ) أَيْ الصُّنْدُوقُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ (مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) كَالْكَفَنِ؛ وَلِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ دَفْنِهِ الْوَاجِبِ (فَرْعٌ ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِمَّا مَرَّ (يُبْنَى اللَّحْدُ) نَدْبًا (بِاللَّبِنِ وَالطِّينِ) أَوْ نَحْوِهِمَا لِقَوْلِ سَعْدٍ فِيمَا مَرَّ وَانْصِبُوا عَلَى اللَّبِنِ نَصْبًا؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي صِيَانَةِ الْمَيِّتِ عَنْ النَّبْشِ وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ «اللَّبِنَاتِ الَّتِي وُضِعَتْ فِي قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعٌ» (وَتَسُدُّ فُرَجُهُ) أَيْ اللَّحْدِ بِكَسْرِ اللَّبِنِ مَعَ الطِّينِ أَوْ بِالْإِذْخِرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَمْنَعُ التُّرَابَ وَالْهَوَامَّ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَصْلِ بَدَلَ الْإِذْخِرِ الْآجُرُّ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ بَلْ صَرَّحَ الصَّيْمَرِيُّ بِكَرَاهَةٍ قُلْت وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَمُولِيُّ قَالَ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ وَضْعُ شَيْءٍ مَسَّتْهُ النَّارُ فِي الْقَبْرِ وَمِثْلُهُ يَجْرِي فِي إسْنَادِ ظَهْرِهِ وَرَفْعِ رَأْسِهِ وَبِنَاءِ لَحْدِهِ أَوْ نَحْوِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الْأَصْلِ وَغَيْرِهِ يُنْصَبُ اللَّبِنُ عَلَى فَتْحِ اللَّحْدِ وَتُسَدُّ الْفُرَجُ بِقَطْعِ اللَّبِنِ مَعَ الطِّينِ أَوْ بِالْإِذْخِرِ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (يُحْثِي) نَدْبًا (كُلُّ مَنْ دَنَا) عِبَارَةُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ مَنْ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ (ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ) مِنْ تُرَابِهِ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا وَلِيَكُنْ قِبَلَ رَأْسِهِ وَذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْمُشَارَكَةِ فِي هَذَا الْفَرْضِ يُقَالُ حَثَى يُحْثِي حَثْيًا وَحَثَيَاتٍ وَحَتَّى يَحْثُوَ حَثْوًا وَحَثْوَاتٍ وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ (وَيَقُولُ نَدْبًا فِي الْأُولَى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: 55] وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: 55] وَفِي الثَّالِثَةِ ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55] رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ فِي الْأُولَى اللَّهُمَّ لَقِّنْهُ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ حُجَّتَهُ وَفِي الثَّانِيَةِ اللَّهُمَّ افْتَحْ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لِرُوحِهِ وَفِي الثَّالِثَةِ اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ (ثُمَّ يُدْفَنُ بِالْمَسَاحِي) إسْرَاعًا بِتَكْمِيلِ الدَّفْنِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحَثْيِ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ وُقُوعِ اللَّبِنَاتِ وَعَنْ تَأَذِّي الْحَاضِرِينَ بِالْغُبَارِ وَالْمَسَاحِي بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعِ مِسْحَاةٍ بِكَسْرِهَا؛ لِأَنَّهَا آلَةٌ يُمْسَحُ بِهَا الْأَرْضُ وَلَا تَكُونُ إلَّا مِنْ حَدِيدٍ بِخِلَافِ الْمِجْرَفَةِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالْمُرَادُ هُنَا هِيَ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا
(فَرْعٌ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُزَادَ الْقَبْرُ عَلَى تُرَابِهِ) الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ لِئَلَّا يُعَظِّمَ شَخْصُهُ (وَأَنْ يُرْفَعَ قَدْرَ شِبْرٍ) تَقْرِيبًا لِيُعْرَفَ فَيُزَارَ وَيُحْتَرَمَ كَقَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فَإِنْ لَمْ يَرْتَفِعْ تُرَابُهُ شِبْرًا فَالْأَوْجَهُ أَنْ يُزَادَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى الزِّيَادَةِ كَأَنْ سَفَّتْهُ الرِّيحُ قَبْلَ إتْمَامِ حَفْرِهِ أَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ قَلِيلَةَ التُّرَابِ لِكَثْرَةِ الْحِجَارَةِ (وَتَسْطِيحُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَسْنِيمِهِ) كَقَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْرِ صَاحِبِيهِ فَإِنَّهَا كَانَتْ كَذَلِكَ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ دَخَلْت عَلَى
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْحُكْمِ فِي الْأَوْلَى مِنْ هَاتَيْنِ) أَيْ حُكْمُهَا مَمْنُوعٌ
[فَرْعٌ يُرْفَعُ رَأْسُ الْمَيِّتِ نَدْبًا بِنَحْوِ لَبِنَةٍ طَاهِرَةٍ وَيُفْضَى بِخَدِّهِ الْأَيْمَنِ مَكْشُوفًا إلَيْهَا]
(قَوْلُهُ وَيَظْهَرُ أَنْ يُلْحَقَ بِذَلِكَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ؛ وَلِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ دَفْنِهِ الْوَاجِبِ) قَالَ شَيْخُنَا مَا لَمْ يُوصَ بِهِ مِنْ الثُّلُثِ (قَوْلُهُ كُلُّ مَنْ دَنَا إلَخْ) قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِمَنْ حَضَرَ الدَّفْنَ، وَهَذَا يَشْمَلُ الْبَعِيدَ وَالْقَرِيبَ وَقَوْلُهُ لِمَنْ حَضَرَ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَرْعٌ لَا يُزَادَ الْقَبْرُ عَلَى تُرَابِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ]
(قَوْلُهُ فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يُزَادُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
عَائِشَةَ فَقُلْت لَهَا اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبِيهِ فَكَشَفَتْ عَنْ ثَلَاثَةٍ وَلَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ أَيْ لَا مُرْتَفِعَةً كَثِيرًا وَلَا لَاصِقَةً بِالْأَرْضِ كَمَا بَيَّنَهُ آخِرَ الْخَبَرِ يُقَالُ لَطِئَ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَلَطَا بِفَتْحِهَا أَيْ لَصِقَ وَلَا يُؤَثِّرُ أَفْضَلِيَّةُ التَّسْطِيحِ كَوْنُهُ صَارَ شِعَارَ الرَّوَافِضِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تُتْرَكُ بِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ فِيهَا وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ «قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا تَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَسْوِيَتَهُ بِالْأَرْضِ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ تَسْطِيحَهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ (فَإِنْ دُفِنَ) مُسْلِمٌ (فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ أُخْفِيَ قَبْرُهُ) صِيَانَةً لَهُ عَنْهُمْ وَأَلْحَقَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ الْأَمْكِنَةَ الَّتِي يُخَافُ نَبْشُهَا لِسَرِقَةِ كَفَنِهِ أَوْ لِعَدَاوَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ) أَيْ تَبْيِيضُ الْقَبْرِ بِالْجَصِّ أَيْ الْجِبْسُ وَيُقَالُ هُوَ النُّورَةُ الْبَيْضَاءُ (وَكِتَابَةٌ وَبِنَاءٌ عَلَيْهِ) قَالَ جَابِرٌ: «نَهَى رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَإِنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُقْعَدَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ زَادَ التِّرْمِذِيُّ «وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُوطَأَ» وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَسَوَاءٌ فِي الْبِنَاءِ الْقُبَّةُ أَمْ غَيْرُهَا وَسَوَاءٌ فِي الْمَكْتُوبِ اسْمُ صَاحِبِهِ أَمْ غَيْرُهُ فِي لَوْحٍ عِنْدَ رَأْسِهِ أَمْ فِي غَيْرِهِ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَكَمَا يُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ يُكْرَهُ بِنَاؤُهُ فَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ نَهَى أَنْ يُبْنَى الْقَبْرُ (بَلْ يُهْدَمَ) الْبِنَاءُ الَّذِي بُنِيَ (فِي) الْمَقْبَرَةِ (الْمُسَبَّلَةِ) بِخِلَافِ مَا إذَا بُنِيَ فِي مِلْكِهِ.
وَصَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ بِتَحْرِيمِ الْبِنَاءِ فِيهَا وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ إشَارَةٌ إلَيْهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَقْرَبُ إلْحَاقُ الْمَوَاتِ بِالْمُسَبَّلَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيقًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَا لَا مَصْلَحَةٍ وَلَا غَرَضٍ شَرْعِيٍّ فِيهِ بِخِلَافِ الْإِحْيَاءِ (وَلَا بَأْسَ بِتَطْيِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلزِّينَةِ بِخِلَافِ التَّجْصِيصِ وَقِيلَ لَا يُطَيَّنُ وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَصَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ (وَمَشْيٌ) أَيْ وَلَا بَأْسَ بِمَشْيِ (مُتَنَعِّلٍ بِمَقْبَرَةٍ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «الْعَبْدُ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى يَسْمَعَ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ» الْحَدِيثَ وَأَجَابُوا عَنْ خَبَرِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِرَجُلٍ: رَآهُ يَمْشِي فِي الْقُبُورِ بِنَعْلَيْنِ يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ وَيْحَك أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْك فَخَلَعَهُمَا» بِأَنَّهُ كَرِهَهُمَا لِمَعْنًى فِيهِمَا؛ لِأَنَّ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ هِيَ الْمَدْبُوغَةُ بِالْقَرَظِ، وَهِيَ لِبَاسُ أَهْلِ التَّرَفُّهِ وَالتَّنَعُّمِ فَنَهَى عَنْهُمَا لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْخُيَلَاءِ فَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ الْمَقَابِرَ عَلَى زِيِّ التَّوَاضُعِ وَلِبَاسِ أَهْلِ الْخُشُوعِ وَبِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ وَالنَّهْيُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لِلتَّنْزِيهِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ عِنْدَ الْقُبُورِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُرَشَّ) الْقَبْرُ (بِالْمَاءِ) لِئَلَّا يَنْسِفَهُ الرِّيحُ؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ بِقَبْرِ ابْنِهِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَسَيَأْتِي وَبِقَبْرِ سَعْدٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَمَرَ بِهِ فِي قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَسَعْدٌ هَذَا هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ طَاهِرًا طَهُورًا بَارِدًا تَفَاؤُلًا بِأَنَّ اللَّهَ يُبَرِّدُ مَضْجَعَهُ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَ (وَأَنْ يُوضَعَ عَلَيْهِ حَصًى) رَوَى الشَّافِعِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ» ، وَهِيَ بِالْمَدِّ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْحَصَى الصِّغَارُ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ مَرْوِيٌّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (وَ) يُوضَعُ (عِنْدَ رَأْسِهِ صَخْرَةٌ أَوْ خَشَبَةٌ) أَوْ نَحْوِهِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ حَجَرًا أَيْ صَخْرَةً عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَقَالَ أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيُوضَعُ ذَلِكَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ أَيْضًا (وَيُكْرَهُ رَشُّهُ) أَيْ قَبْرٍ (بِمَاءِ وَرْدٍ) وَنَحْوِهِ وَأَنْ يُطْلَى بِالْخَلُوقِ قَالُوا؛ لِأَنَّهُ إسْرَافٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالظَّاهِرُ كَرَاهَةُ رَشِّهِ بِالنَّجَسِ أَوْ تَحْرِيمُهُ (وَ) يُكْرَهُ (ضَرْبُ مِظَلَّةٍ عَلَيْهِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأَى مِظَلَّةً عَلَى قَبْرٍ فَأَمَرَ بِرَفْعِهَا وَقَالَ دَعَوْهُ يُظِلُّهُ عَمَلُهُ وَيُكْرَهُ اسْتِلَامُهُ وَتَقْبِيلُهُ
(فَصْلٌ يَحْصُلُ مِنْ الْأَجْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) الْمَسْبُوقَةِ بِالْحُضُورِ مَعَهُ (قِيرَاطٌ وَ) يَحْصُلُ مِنْهُ (بِهَا وَالْحُضُورُ) مَعَهُ (إلَى تَمَامِ الدَّفْنِ لَا الْمُوَارَاةُ) فَقَطْ (قِيرَاطَانِ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «حَتَّى يُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطَانِ قَالَ مِثْلُ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَأَلْحَقَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ الْأَمْكِنَةُ الَّتِي يُخَافُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَبَنَى عَلَيْهِ) اسْتَثْنَى الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مَا إذَا خَشِيَ نَبْشَهُ فَيَجُوزُ وَتَجْصِيصُهُ حَتَّى لَا يَقْدِرَ النَّبَّاشُ عَلَيْهِ وَفِي مَعْنَاهُ مَا لَوْ خَشِيَ عَلَيْهِ مِنْ نَبْشِ الضَّبُعِ وَنَحْوِهِ أَوْ أَنْ يَجْرِفَهُ السَّيْلُ وَقَوْلُهُ مَا إذَا خَشِيَ نَبْشَهُ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ بَلْ يُهْدَمُ فِي الْمُسَبَّلَةِ) بِأَنْ جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْبَلَدِ بِالدَّفْنِ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْقُوفَةً ذَكَرَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً عَلَى الدَّفْنِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْمُسَبَّلَةِ وَمَا أَدْرَى مَا حَمَلَهُ عَلَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَحَمَلَهُ عَلَى تَأْوِيلٍ لَا يَصِحُّ (قَوْلُهُ وَصَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ بِتَحْرِيمِ الْبِنَاءِ فِيهَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ كَلَامَيْ النَّوَوِيِّ يُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى مَا إذَا بَنَى عَلَى الْقَبْرِ خَاصَّةً بِحَيْثُ يَكُونُ الْبِنَاءُ وَاقِعًا فِي حَرِيمِ الْقَبْرِ فَيُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَضْيِيقَ فِيهِ وَيُحْمَلُ الْحُرْمَةُ عَلَى مَا إذَا بَنَى فِي الْمَقْبَرَةِ فِيهِ أَوْ بَيْتًا يُسْكَنُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَكَذَا لَوْ بَنَاهُ لِيَأْوِيَ فِيهِ الزَّائِرُونَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ اهـ قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ فِي الْمَوَاقِفِ وَلَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فَمِ أَخِيك سُوءً مَا أَمْكَنَك لَهَا مَحْمَلٌ صَحِيحٌ (قَوْلُهُ وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَيْهِ) بَلْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَا خِلَافَ فِيهِ (قَوْلُهُ وَيَقْرَبُ إلْحَاقُ الْمَوَاتِ بِالْمُسَبَّلَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرُشَّ الْقَبْرُ بِالْمَاءِ) قَالَ شَيْخُنَا وَلَوْ بَعْدَ الدَّفْنِ بِمُدَّةٍ فِيمَا يَظْهَرُ وَالْأَوْجَهُ فِعْلُهُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ مَطَرٍ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ خِلَافًا لِبَعْضِ الْعَصْرِيِّينَ (قَوْلُهُ وَيُوضَعُ ذَلِكَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ أَيْضًا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَوْ تَحْرِيمِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ قَوْله كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ عِبَارَةٌ فِي الْقُوتِ إشَارَاتٌ: حَضَرْت جِنَازَةً بِحَلَبِ فَوَقَعَ عَقِبَ دَفْنِهَا مَطَرٌ غَزِيرٌ فَقُلْتُ لَهُمْ: يَكْفِي هَذَا عَنْ الرَّشِّ اهـ مِنْ خَطِّ الْمُجَرَّدِ
الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» وَلِمُسْلِمٍ «أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ» وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلُ رِوَايَةٌ لِمُسْلِمٍ «حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ» وَهَلْ ذَلِكَ بِقِيرَاطِ الصَّلَاةِ أَوْ بِدُونِهِ فَيَكُونُ ثَلَاثَةَ قَرَارِيطَ فِيهِ احْتِمَالٌ لَكِنَّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ التَّصْرِيحَ بِالْأَوَّلِ وَيَشْهَدُ لِلثَّانِي مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا «مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً حَتَّى يُقْضَى دَفْنُهَا كُتِبَ لَهُ ثَلَاثَةُ قَرَارِيطَ» وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ قَالَ إنْ وَلَدْت فَأَنْت طَالِقٌ طَلْقَةً أَوْ ذَكَرًا فَطَلْقَتَيْنِ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَقَعَ ثَلَاثٌ ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ وَبِالْأَوَّلِ صَرَّحَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ وَلَوْ تَعَدَّدَتْ الْجَنَائِزُ وَاتَّحَدَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً هَلْ يَتَعَدَّدُ الْقِيرَاطُ بِتَعَدُّدِهَا أَوْ لَا نَظَرًا لِاتِّحَادِ الصَّلَاةِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الظَّاهِرُ التَّعَدُّدُ وَبِهِ أَجَابَ قَاضِي حُمَاةَ الْبَارِزِيُّ وَبِمَا قَرَّرْته عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ حَضَرَ وَحْدَهُ وَمَكَثَ حَتَّى دُفِنَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْقِيرَاطُ الثَّانِي، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرُهُ لَكِنْ لَهُ أَجْرٌ فِي الْجُمْلَةِ
(فَرْعٌ يُسْتَحَبُّ) لِمَنْ حَضَرَ دَفْنَ الْمَيِّتِ أَوْ عَقِبَهُ (أَنْ يَقِفَ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ وَيَسْتَغْفِرَ) اللَّهَ وَيَدْعُوَ (لَهُ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الرَّجُلِ يَقِفُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَلِأَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَعْلَمَ مَاذَا أُرْجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَوْلُهُ شُنُّوا رُوِيَ بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُعْجَمَةِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَإِنْ خَتَمُوا الْقُرْآنَ كَانَ أَفْضَلَ (وَأَنْ يُلَقَّنَ الْمَيْتُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55] وَأَحْوَجُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إلَى التَّذْكِيرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (بَعْدَ الدَّفْنِ بِالْمَأْثُورِ) أَيْ الْمَنْقُولِ، وَهُوَ كَمَا فِي الْأَصْلِ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَمَةِ اللَّهِ اُذْكُرْ مَا خَرَجْت عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّك رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيًّا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا.
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ «إذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إخْوَانِكُمْ فَسَوَّيْتُمْ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ لِيَقُلْ يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ يَسْمَعُهُ وَلَا يُجِيبُ ثُمَّ يَقُولُ يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا ثُمَّ يَقُولُ يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ أَرْشِدْنَا رَحِمَك اللَّهُ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ فَلْيَقُلْ اُذْكُرْ مَا خَرَجْت عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّك رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ وَيَقُولُ انْطَلَقَ بِنَا مَا يُقْعِدُنَا عِنْدَ مَنْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أُمَّهُ قَالَ فَلْيَنْسِبْهُ إلَى أُمِّهِ حَوَّاءَ يَا فُلَانُ بْنَ حَوَّاءَ» قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ لَكِنَّ أَحَادِيثَ الْفَضَائِلِ يُتَسَامَحُ فِيهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ اُعْتُضِدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِشَوَاهِدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَحَدِيثِ «اسْأَلُوا اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ» وَوَصِيَّةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ السَّابِقَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» دَلِيلٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَيِّتِ مَنْ مَاتَ أَمَّا قَبْلَ الْمَوْتِ أَيْ، وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ كَمَا مَرَّ فَمَجَازٌ.
وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ يَا ابْنَ أَمَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ النَّاسَ يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِآبَائِهِمْ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي غَيْرِ الْمَنْفِيِّ وَوَلَدُ الزِّنَا عَلَى
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ أجر الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت]
قَوْلُهُ وَهَلْ ذَلِكَ بِقِيرَاطِ الصَّلَاةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الظَّاهِرُ التَّعَدُّدُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَبِهِ أَجَابَ قَاضِي حَمَاةَ الْبَارِزِيُّ) وَرَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ نَظَرًا إلَى تَعَدُّدِ الْجِنَازَةِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ اتِّحَادُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ رَبَطَ الْقِيرَاطَ بِوَصْفٍ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي كُلِّ مَيِّتٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْصُلَ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَدَفَعَاتٍ قَالَ السُّبْكِيُّ: الْقِيرَاطُ مِنْ الْأَجْرِ لَيْسَ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَطْ بَلْ هُوَ مَشْرُوطٌ بِشُهُودِهَا مِنْ مَكَانِهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَحِينَئِذٍ فَمَحَلُّ التَّعَدُّدِ لِمَنْ شَهِدَهَا مِنْ مَكَانِهَا حَتَّى صَلَّى عَلَيْهَا انْتَهَى.
وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ اقْتَنَى كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ» الْحَدِيثَ هَلْ يَتَعَدَّدُ النَّقْصُ لَوْ تَعَدَّدَتْ الْكِلَابُ الَّتِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا قَالَ السُّبْكِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ لَكِنْ يَتَعَدَّدُ الْإِثْمُ فَإِنَّ اقْتِنَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِالْوَاحِدِ إنَّمَا وَبِالِاثْنَيْنِ وَهَلُمَّ جَرَّا، وَلَكِنَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ نَقُولَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ بِعَدَدِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ الشَّارِعِ وَلَا دَلَالَةَ لِكَلَامِ الشَّارِعِ عَلَيْهِ
[فَرْعٌ يُسْتَحَبّ لِمِنْ حضر دفن الْمَيِّت أَنْ يَقِف عَلَى الْقَبْر بَعْد الدّفن وَيَسْتَغْفِر اللَّه وَيَدْعُوَا لَهُ]
(قَوْلُهُ وَأَنْ يُلَقِّنَ الْمَيِّتَ بَعْدَ الدَّفْنِ إلَخْ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أُقْبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالْآخَرِ النَّكِيرُ فَيَقُولَانِ مَا كُنْت تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُهُ فِيهِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولَانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّك تَقُولُ هَذَا ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ ثُمَّ فَيَقُولُ أَرْجِعُ إلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ فَيُقَالُ نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ» قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِمَرَّاتٍ لِمُجَاوَبَةٍ لَهُمَا تَوَاضَعَا لَهُ (قَوْلُهُ فَسَوَّيْتُمْ التُّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّلْقِينَ يَكُونُ بَعْدَ إهَالَةِ التُّرَابِ وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ نَصْرٍ الْمَقْدِسِيَّ إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِهِ يَقِفُ عِنْدَ رَأْسِ قَبْرِهِ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ وَأَقَرَّهُ وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ الْعَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ فَإِذَا انْصَرَفُوا أَتَاهُ مَلَكَانِ» الْحَدِيثَ فَإِذَا أُخِّرَ التَّلْقِينُ إلَى مَا بَعْدَ الْإِهَالَةِ كَانَ أَقْرَبَ إلَى حَالَةِ سُؤَالِهِ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَخْ) وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّعْجِيزِ فِي شَرْحِهِ أَنَّ اللَّذَيْنِ يَأْتِيَانِ الْمُؤْمِنَ فِي قَبْرٍ مُبَشِّرٌ وَبَشِيرٌ أَيْ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ لَا مُنْكِرٌ وَنَكِيرٌ
أَنَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ خَيْرٌ فَقَالَ يُقَالُ يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَمَةِ اللَّهِ وَأُبْدِلَ مَا خَرَجَتْ عَلَيْهِ بِالْعَهْدِ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةُ الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَالْأَمْرُ قَرِيبٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ: وَيُسَنُّ إعَادَةُ التَّلْقِينِ ثَلَاثًا قُلْت، وَهُوَ قِيَاسُ التَّلْقِينِ عِنْدَ الْمَوْتِ.
اهـ. قَالَ الْقَمُولِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَلَا يُعَارِضُ التَّلْقِينُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: 22] وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: 80] «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادَى أَهْلَ الْقَلِيبِ وَأَسْمَعَهُمْ وَقَالَ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ لَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ جَوَابًا» .
«وَقَالَ فِي الْمَيِّتِ إنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِكُمْ» ، وَهَذَا يَكُونُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ (وَأَنْ يَقِفَ) عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ وَيَقْعُدُ (الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ) لِوُرُودِهِ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى سَمَاعِ الْمَيِّتِ التَّلْقِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّى التَّلْقِينَ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ مِنْ أَقْرِبَائِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَمِنْ غَيْرِهِمْ ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ (وَلَا يُلَقَّنُ طِفْلٌ) وَلَوْ مُرَاهِقًا (وَنَحْوُهُ) كَمَجْنُونٍ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ تَكْلِيفٌ كَمَا قَيَّدَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُفْتَنَانِ فِي قَبْرَيْهِمَا أَمَّا خَبَرُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَّنَ ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ» فَغَرِيبٌ (وَلَيُفْرَدُ كُلُّ مَيِّتٍ بِقَبْرٍ) حَالَةَ الِاخْتِيَارِ لِلِاتِّبَاعِ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ إنَّهُ صَحِيحٌ عِبَارَةُ الْأَصْلِ الْمُسْتَحَبُّ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ أَنْ يُدْفَنَ كُلُّ مَيِّتٍ فِي قَبْرٍ.
اهـ. فَلَوْ جُمِعَ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ كَرَجُلَيْنِ وَامْرَأَتَيْنِ كُرِهَ عِنْدَ الْمَاوَرْدِيِّ وَحَرُمَ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ وَنَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ وَعِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ لَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ قَالَ السُّبْكِيُّ لَكِنَّ الْأَصَحَّ الْكَرَاهَةُ أَوْ نَفْيُ الِاسْتِحْبَابِ.
أَمَّا التَّحْرِيمُ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
اهـ. وَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَوْفَقُ لِكَلَامِ الْأَصْلِ السَّابِقِ مِنْ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَمِيلُ إلَى التَّحْرِيمِ بِقَرِينَةِ تَعْبِيرِهِ بِالْجَوَازِ فِي قَوْلِهِ (فَإِنْ كَثُرُوا وَعَسِرَ) إفْرَادُ كُلِّ مَيِّتٍ بِقَبْرٍ (جَازَ الْجَمْعُ) بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ بِحَسَبِ الضَّرُورَةِ وَكَذَا فِي ثَوْبٍ وَذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ فِي قَتْلَى أُحُدٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ إلَى الْقِبْلَةِ) «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْأَلُ فِي قَتْلَى أُحُدٍ عَنْ أَكْثَرِهِمْ قُرْآنًا فَيُقَدِّمُهُ إلَى اللَّحْدِ» (لَا فَرْعٌ) فَلَا يُقَدَّمُ (عَلَى أَصْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ) فَيُقَدَّمُ الْأَبُ عَلَى الِابْنِ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ وَتُقَدَّمُ الْأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ، وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْهَا وَتَعْبِيرُهُ بِالْأَصْلِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ (وَلَا) يُقَدَّمُ (أُنْثَى عَلَى ذَكَرٍ) فَيُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَى أُمِّهِ لِفَضِيلَةِ الذُّكُورَةِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ عَلَى أَنَّهُ سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ (وَ) يُقَدَّمُ (الرَّجُلُ عَلَى الصَّبِيِّ) وَالصَّبِيُّ عَلَى الْخُنْثَى وَالْخُنْثَى عَلَى الْمَرْأَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ وَيُمْكِنُ إدْخَالُهُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا أُنْثَى عَلَى ذَكَرٍ بِأَنْ يُقَالَ وَلَوْ احْتِمَالًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ أَنَّهُمْ إذَا تَسَاوَوْا فِي الْفَضِيلَةِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّهُمْ إذَا تَرَتَّبُوا لَا يُنَحَّى لِمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ يَأْتِي هُنَا، وَأَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا مِنْ اسْتِثْنَاءِ الْأَبِ وَالْأُمِّ يَأْتِي هُنَاكَ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمُدَّةَ هُنَا مُؤَيَّدَةٌ بِخِلَافِهَا وَبِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ وَالْأَفْضَلُ أَوْلَى بِهِ (وَلَا يُجْمَعُ) فِي قَبْرٍ (رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ إلَّا لِضَرُورَةٍ) فَيَحْرُمُ عِنْدَ عَدَمِهَا كَمَا فِي الْحَيَاةِ وَمَحَلِّهِ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ أَوْ زَوْجِيَّةٌ وَإِلَّا فَيَجُوزُ الْجَمْعُ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَاَلَّذِي فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فَقَالَ إنَّهُ حَرَامٌ حَتَّى فِي الْأُمِّ مَعَ وَلَدِهَا وَالْقِيَاسُ أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ كَالْمُحَرَّمِ بَلْ أَوْلَى، وَأَنَّ الْخُنْثَى مَعَ الْخُنْثَى أَوْ غَيْرِهِ كَالْأُنْثَى مَعَ الذَّكَرِ (وَيُحْجَزُ بَيْنَ الْمَيِّتَيْنِ بِتُرَابٍ) نَدْبًا فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَبِهِ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ (وَلَوْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ)
(فَصْلٌ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ وَالِاسْتِنَادُ وَالْوَطْءُ لِلْقَبْرِ) أَيْ الْجُلُوسُ وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ وَالِاسْتِنَادُ لَهُ تَوْقِيرًا لِلْمَيِّتِ، وَأَمَّا الْجُلُوسُ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ حَتَّى تَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» فَفَسَّرَهُ رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْجُلُوسِ لِلْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ أَيْضًا فِي مُسْنَدِهِ بِلَفْظِ «مَنْ جَلَسَ عَلَى قَبْرٍ يَبُولُ عَلَيْهِ أَوْ يَتَغَوَّطُ» اكْتَفَى الْمُصَنِّفُ بِالْإِسْنَادِ عَنْ الِاتِّكَاءِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الْأَصْلِ (إلَّا لِحَاجَةٍ بِأَنَّ حَالَ) الْقَبْرِ (دُونَ مَنْ يَزُورُهُ) وَلَوْ أَجْنَبِيًّا بِأَنْ لَا يَصِلَ إلَيْهِ إلَّا بِوَطْئِهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَفُهِمَ مِنْهُ بِالْأَوْلَى عَدَمُ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّى التَّلْقِينَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَا يُلَقَّنُ طِفْلٌ وَنَحْوُهُ) يَنْبَغِي أَنْ لَا يُلَقَّنَ الشَّهِيدُ كَمَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الطِّفْلَ لَا يُفْتَنُ فِي قَبْرِهِ جَرَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ كَابْنِ الصَّلَاحِ وَابْنِ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ حَجَرٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يُسْأَلُونَ؛ لِأَنَّ غَيْرَ النَّبِيِّ يُسْأَلُ عَنْ النَّبِيِّ فَكَيْفَ يُسْأَلُ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْمُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يُفْتَنُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ كَشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ (قَوْلُهُ وَحَرُمَ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ السُّبْكِيُّ لَكِنَّ الْأَصَحَّ الْكَرَاهَةُ إلَخْ) وَخَالَفَاهُ فِي الْقُوتِ وَالْخَادِمِ وَأَلْحَقَ السُّبْكِيُّ بَحْثًا بِالنَّوْعِ الْوَاحِدِ الْمُحَرَّمِ وَنَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ التَّصْرِيحَ بِهِ وَبِالزَّوْجِ وَنَقَلَهُ فِي الْخَادِمِ أَيْضًا ثُمَّ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّأَذِّي، وَأَمَّا مَحْذُورُ الشَّهْوَةِ وَالْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ فَزَالَ بِالْمَوْتِ وَسَيَأْتِي الْإِلْحَاقُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمُدَّةَ هُنَا مُؤَبَّدَةٌ بِخِلَافِهَا ثُمَّ وَبِأَنَّ الْقَصْدَ إلَخْ) وَفِيهِمَا نَظَرٌ ش (قَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ أَنَّ الصَّغِيرَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَأَنَّ الْخُنْثَى مَعَ الْخُنْثَى إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ نَدْبًا فِيمَا يَظْهَرُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَبِهِ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ إرْشَادِهِ) وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ لِفِعْلِهِ مَنْدُوبٌ
[فَصْلٌ الْجُلُوسُ وَالِاسْتِنَادُ وَالْوَطْءُ لِلْقَبْرِ]
(قَوْلُهُ تَوْقِيرًا لِلْمَيِّتِ) قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَتَيَقَّنُ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَبْقَى فِي الْقَبْرِ أَنَّهُ لَا احْتِرَامَ وَعِبَارَتُهُ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْبَلَدِ لَا تَبْقَى لَهُ حُرْمَةٌ
كَرَاهَةِ الْوَطْءِ لِضَرُورَةِ الدَّفْنِ وَنَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ عَنْ النَّصِّ وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمَنْ يَزُورُهُ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِقَبْرِ مَيِّتِهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْمُرَادَ قَبْرُ الْمُسْلِمِ لَا قَبْرُ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ وَنَحْوِهِمَا وَفِي قَبْرِ الذِّمِّيِّ وَنَحْوِهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ لَكِنْ يَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ لِأَجْلِ كَفِّ الْأَذَى عَنْ أَحْيَائِهِمْ إذَا وُجِدُوا وَلَا شَكَّ فِي كَرَاهَةِ الْمُكْثِ فِي مَقَابِرِهِمْ
(فَرْعٌ تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقُبُورِ) أَيْ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ (لِلرَّجُلِ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» (وَتُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ) لِجَزَعِهَا، وَإِنَّمَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهَا «لِقَوْلِ عَائِشَةَ قُلْت كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَعْنِي إذَا زُرْت الْقُبُورَ قَالَ قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَمَّا خَبَرُ «لَعَنَ اللَّهُ زَوْرَاتِ الْقُبُورِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ زِيَارَتُهُنَّ لِلتَّعْدِيدِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُنَّ (إلَّا قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَلَا تُكْرَهُ لَهَا زِيَارَتُهُ بَلْ تُنْدَبُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ بَابِ الْحَجّ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْقَمُولِيُّ أَنْ تَكُونَ قُبُورُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ كَذَلِكَ (وَيَقُولُ الزَّائِرُ) نَدْبًا (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ إلَى آخِرِهِ) ، وَهُوَ كَمَا فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَفِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَقْوَالٌ قِيلَ هُوَ عَلَى عَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ لِتَحْسِينِ الْكَلَامِ وَقِيلَ هُوَ عَلَى بَابِهِ رَاجِعٌ إلَى اللُّحُوقِ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لِلتَّبَرُّكِ وَامْتِثَالِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: 23] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 24] وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ مِنْ تَنْكِيرِ السَّلَامِ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْمَشْهُورُ مَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ تَعْرِيفُهُ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ قَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي يَقُولُ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَلَا يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلْخِطَابِ «وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَالَ لَهُ عَلَيْك السَّلَامُ أَنَّ عَلَيْك السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى إذَا لَقِيَ الرَّجُلُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فَلْيَقُلْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالصَّحِيحُ مَا مَرَّ وَأُجِيبَ عَنْ الْخَبَرِ بِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ عَادَتِهِمْ لَا تَعْلِيمٌ لَهُمْ وَبِأَنَّ أَخْبَارَنَا أَصَحُّ وَأَكْثَرُ وَقَوْلُهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلْخِطَابِ مَمْنُوعٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَدْنُوَ مِنْهُ دُنُوَّهُ مِنْهُ حَيًّا) عِنْدَ زِيَارَتِهِ نَعَمْ لَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ مَعَهُ الْبُعْدَ وَقَدْ أَوْصَى بِالْقُرْبِ مِنْهُ قَرُبَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي الْحَيَاةِ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ (وَأَنْ يَقْرَأَ) عِنْدَهُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ (ثُمَّ يَدْعُوَ) لَهُ بَعْدَ تَوَجُّهِهِ إلَى الْقِبْلَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الزِّيَارَةِ وَأَنْ يُكْثِرَ الْوُقُوفَ عِنْدَ قُبُورِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْفَضْلِ (وَالْأَجْرُ لَهُ) أَيْ لِلْقَارِئِ (وَالْمَيِّتُ كَالْحَاضِرِ تُرْجَى لَهُ الرَّحْمَةُ) وَالْبَرَكَةُ وَسَيَأْتِي فِي الْإِجَارَةِ مَا يُوَضِّحُهُ
(فَرْعٌ يَحْرُمُ نَبْشُ الْقَبْرِ قَبْلَ الْبِلَى عِنْدَ أَهْلِ الْخِبْرَةِ) بِتِلْكَ الْأَرْضِ لِهَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ (فَإِنْ بَلِيَ الْمَيِّتُ) بِأَنْ انْمَحَقَ جِسْمُهُ وَعَظْمُهُ وَصَارَ تُرَابًا (جَازَ) نَبْشُ قَبْرِهِ وَدَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ (وَحَرُمَ) حِينَئِذٍ (تَجْدِيدُهُ) بِأَنْ يَسْتَوِيَ تُرَابُهُ عَلَيْهِ وَيُعَمَّرَ عِمَارَةَ قَبْرٍ جَدِيدٍ (فِي) مَقْبَرَةٍ (مُسَبَّلَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ جَدِيدٌ فَيَمْتَنِعُونَ مِنْ الدَّفْنِ فِيهِ وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مَا لَوْ كَانَ الْمَدْفُونُ صَحَابِيًّا أَوْ مِمَّنْ اشْتَهَرَتْ وِلَايَتُهُ فَلَا يَجُوزُ نَبْشُهُ عِنْدَ الِانْمِحَاقِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَهُوَ حَسَنٌ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْوَصَايَا أَنَّهُ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِعِمَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لِمَا فِيهِ مِنْ إحْيَاءِ الزِّيَارَةِ وَالتَّبَرُّكِ وَالْمُرَادُ بِعِمَارَتِهَا حِفْظُهَا مِنْ الدِّرَاسَةِ لَا تَجْدِيدُ بِنَائِهَا لِمَا مَرَّ (وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ خَاتَمٌ وَنَحْوُهُ) أَيْ أَوْ نَحْوُهُ مِمَّا يُتَمَوَّلُ، وَإِنْ قَلَّ (نَبْشٌ) وَرُدَّ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ فِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ وَقَيَّدَهُ فِي الْمُهَذَّبِ بِطَلَبِ مَالِكِهِ لَهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَمْ يُوَافِقْهُ وَعَلَيْهِ وَرَدَ بِمُوَافَقَةِ صَاحِبَيْ الِانْتِصَارِ وَالِاسْتِقْصَاءِ لَهُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ مُوَافَقَتَهُمَا لَا تُنَافِي مَا قَالَهُ وَعَلَى الْإِطْلَاقِ يُفَارِقُ مَا يَأْتِي فِي الِابْتِلَاعِ وَفِي التَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ فِي الْمَغْصُوبِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ بَشَاعَةٌ بِشَقِّ جَوْفِ الْمَيِّتِ وَالْأَخِيرَيْنِ ضَرُورِيَّانِ لِلْمَيِّتِ فَاحْتِيطَ لَهَا بِالطَّلَبِ بِخِلَافِ هَذَا (أَوْ ابْتَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ) وَطَلَبَهُ صَاحِبُهُ كَمَا فِي الْأَصْلِ (وَلَمْ يَضْمَنْهُ) أَيْ مِثْلَهُ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْمُرَادَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لَكِنْ يَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَرْعٌ زِيَارَةُ الْقُبُورِ]
(قَوْلُهُ أَيْ قُبُورُ الْمُسْلِمِينَ) فَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَمْ تُسْتَحَبَّ بَلْ تُبَاحُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: تَحْرُمُ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مَنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ (قَوْلُهُ وَتُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ) مِثْلُهَا الْخُنْثَى (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْقَمُولِيُّ أَنْ تَكُونَ قُبُورُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيَقُولُ الزَّائِرُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ إلَخْ) سَبَقَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ زِيَارَةُ قُبُورِ أَقَارِبِهِ الْكُفَّارِ وَالْقِيَاسُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ لَا يَجُوزَ السَّلَامُ كَمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ بَلْ أَوْلَى ج وَقَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ) قِيلَ إنْ بِمَعْنَى إذْ وَقِيلَ مَعْنَاهُ عَلَى الْإِيمَانِ (قَوْلُهُ وَأَنْ يَدْنُوَ مِنْهُ دُنُوَّهُ مِنْهُ حَيًّا) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَا يَسْتَلِمْ الْقَبْرَ وَلَا يُقَبِّلْهُ وَيَسْتَقْبِلُ وَجْهَهُ لِلسَّلَامِ وَالْقِبْلَةِ لِلدُّعَاءِ ذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى الْأَصْفَهَانِيُّ قَالَ شَيْخُنَا: نَعَمْ إنْ كَانَ قَبْرَ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ أَوْ عَالِمٍ وَاسْتَلَمَهُ أَوْ قَبَّلَهُ بِقَصْدِ التَّبَرُّكِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَرْعٌ نَبْشُ الْقَبْرِ قَبْلَ الْبِلَى]
(قَوْلُهُ يَحْرُمُ نَبْشُ الْقَبْرِ قَبْلَ الْبِلَى) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَالْقَصْرِ وَبِفَتْحِهَا وَالْمَدِّ س (قَوْلُهُ فَإِنْ بَلِيَ الْمَيِّتُ جَازَ) يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) : وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ، وَهُوَ حَسَنٌ) ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْله وَرُدَّ بِمُوَافَقَةِ صَاحِبَيْ الِانْتِصَارِ وَالِاسْتِقْصَاءِ لَهُ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِي كَلَامِ الدَّارِمِيِّ إشَارَةٌ إلَى مُوَافَقَةٍ وَلَمْ أَرَ لِلْأَئِمَّةِ مَا يُخَالِفُهُ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ فِي الْأَرْضِ وَالثَّوْبِ الْمَغْصُوبَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي وُجُوبِ النَّبْشِ أَوْ فِي جَوَازِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُطْلِقِينَ عَلَى الْجَوَازِ وَكَلَامُ الْمُهَذَّبِ عَلَى الْوُجُوبِ عِنْدَ الطَّلَبِ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِإِطْلَاقِهِمْ اهـ
أَوْ قِيمَتَهُ (أَحَدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ) أَوْ غَيْرُهُمْ (نُبِشَ وَشُقَّ جَوْفُهُ) وَرُدَّ لِمَا مَرَّ وَتَعْبِيرُهُ بِأَحَدٍ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالْوَرَثَةِ وَالتَّقْيِيدُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ وَنَقَلَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ لَا يُنْبَشُ بِحَالٍ وَيَجِبُ الْغُرْمُ فِي تَرِكَتِهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّقْيِيدُ غَرِيبٌ وَالْمَشْهُورُ لِلْأَصْحَابِ إطْلَاقُ الشَّقِّ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الْبَحْرِ الِاسْتِثْنَاءَ عَنْ الْأَصْحَابِ وَقَالَ لَا خِلَافَ فِيهِ (لَا) إنْ ابْتَلَعَ مَالَ (نَفْسِهِ) فَلَا يُنْبَشُ وَلَا يُشَقُّ لِاسْتِهْلَاكِهِ مَالَهُ فِي حَيَاتِهِ (وَلَوْ كُفِّنَ فِي مَغْصُوبٍ أَوْ دُفِنَ فِيهِ وَشَحَّ مَالِكُهُ) بِهِ عَلَى الْمَيِّتِ مَعَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ لَا يَشِحَّ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ بَلْ يُكْرَهُ أَنْ يَشِحَّ بِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّصِّ (أَوْ) دُفِنَ (فِي مَسِيلٍ) أَيْ مَكَان لَحِقَهُ بَعْدَ الدَّفْنِ فِيهِ سَيْلٌ (أَوْ) فِي أَرْضٍ ذَاتِ (نَدَاوَةٍ) .
وَهَذَا قَدْ يُغْنِي عَمَّا قَبْلَهُ (نُبِشَ) لِيُؤْخَذَ الْكَفَنُ فِي الْأُولَى وَلِيُنْقَلَ فِي الْبَقِيَّةِ وَقَضِيَّةُ تَقْيِيدِهِ بِشُحِّ الْمَالِكِ فِي الْأُولَيَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّبْشُ قَبْلَ طَلَبِهِ، وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْأُسْتَاذِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ مِمَّنْ يُحْتَاطُ لَهُ وَمَحَلُّ النَّبْشِ أَيْضًا فِي الْكَفَنِ الْمَغْصُوبِ إذَا وُجِدَ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْمَيِّتُ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ النَّبْشُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّا إذَا لَمْ نَجِدْ إلَّا ثَوْبًا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِكِهِ قَهْرًا وَلَا يُدْفَنُ عُرْيَانًا، وَهُوَ مَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَيُنْبَشُ أَيْضًا فِيمَا لَوْ قَالَ إنْ وَلَدْت ذَكَرًا فَأَنْت طَالِقٌ طَلْقَةً أَوْ أُنْثَى فَطَلْقَتَيْنِ فَوَلَدَتْ مَيِّتًا وَدُفِنَ وَلَمْ يَعْلَمْ كَمَا يَأْتِي فِي الطَّلَاقِ أَوْ شَهِدَا عَلَى شَخْصِهِ ثُمَّ دُفِنَ وَاشْتَدَّتْ الْحَاجَةُ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ صُورَتُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ أَوْ دُفِنَتْ امْرَأَةٌ وَفِي جَوْفِهَا جَنِينٌ تُرْجَى حَيَاتُهُ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ تَدَارَكَا لِلْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ شَقُّ جَوْفِهَا قَبْلَ الدَّفْنِ الْكَافِرِ بِالْحَرَمِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِزْيَةِ أَوْ تَدَاعَيَاهُ فَيُنْبَشُ لِتُلْحِقَهُ الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ.
وَيَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ صُورَتُهُ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا دُفِنَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ يُنْبَشُ قَالَ الْبَغَوِيّ: وَلَوْ كَفَّنَهُ أَحَدُ الْوَرَثَةِ مِنْ التَّرِكَةِ وَأَسْرَفَ فَعَلَيْهِ غُرْمُ حِصَّةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فَلَوْ قَالَ أَخْرِجُوا الْمَيِّتَ وَخُذُوهُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُمْ نَبْشُ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ الْكَفَنُ مُرْتَفِعَ الْقِيمَةِ، وَإِنْ زَادَ فِي الْعَدَدِ فَلَهُمْ النَّبْشُ وَإِخْرَاجُ الزَّائِدِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الزَّائِدُ عَلَى الثَّلَاثِ (لَا) إنْ دُفِنَ (بِلَا كَفَنٍ أَوْ فِي حَرِيرٍ) فَلَا يُنْبَشُ لِحُصُولِ السِّتْرِ فِي الْأُولَى بِالتُّرَابِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ بِالنَّبْشِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ؛ فَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْحَرِيرِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى (وَشَرْطٌ) وَفِي نُسْخَةٍ وَيُشْتَرَطُ (عَدَمُ التَّغَيُّرِ) لِلْمَيِّتِ (فِي النَّبْشِ لِلْغُسْلِ) أَوْ التَّيَمُّمِ فَإِنْ تَغَيَّرَ وَخَشِيَ فَسَادَهُ حَرُمَ النَّبْشُ لِتَعَذُّرِ تَظْهِيرِهِ فَسَقَطَ كَمَا يَسْقُطُ وُضُوءُ الْحَيِّ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ
(فَرْعٌ) لَوْ (مَاتَ فِي سَفِينَةٍ وَأَمْكَنَ) مَنْ هُنَاكَ دَفْنُهُ لِكَوْنِهِمْ قُرْبَ الْبَرِّ وَلَا مَانِعَ (لَزِمَهُمْ) التَّأْخِيرُ لِيَدْفِنُوهُ فِيهِ (وَإِلَّا جُعِلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ) عَلَيْهِ (بَيْنَ لَوْحَيْنِ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ وَأُلْقِيَ لِيَنْبِذَهُ الْبَحْرُ إلَى مَنْ) لَعَلَّهُ (يَدْفِنُهُ، وَإِنْ) لَمْ يُجْعَلْ بَيْنَ لَوْحَيْنِ بَلْ (ثُقِّلَ بِشَيْءٍ لِيَنْزِلَ) إلَى الْقَرَارِ (لَمْ يَأْثَمُوا) ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْبَرِّ مُسْلِمِينَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ إلْقَائِهِ فِي الْبَحْرِ بَيْنَ لَوْحَيْنِ أَوْ مُثَقَّلًا بِشَيْءٍ غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَإِذَا أَلْقَوْهُ بَيْن لَوْحَيْنِ أَوْ فِي الْبَحْرِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ (وَتُسْتَحَبُّ الْمُجَاوَرَةُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ) وَنَحْوِهِمْ لِخَبَرِ ابْنِ مَظْعُونٍ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى الزَّائِرِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدَّمَ الْأَبُ إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ الْأَسَنُّ فَالْأَسَنُّ.
اهـ.
وَلَوْ قِيلَ هُنَا بِمَا قِيلَ بِهِ فِي التَّقْدِيمِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي الْقَبْرِ كَانَ أَقْرَبَ (وَمَنْ سَبَقَ إلَى) مَحَلٍّ مِنْ (مَكَان مُسَبَّلٍ فَهُوَ أَوْلَى بِالْحَفْرِ فِيهِ) لِخَبَرِ «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ فَإِنْ جَاءُوا مَعًا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَحْرُمُ نَبْشُ قَبْرِ الْمَيِّتِ وَدَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ قَبْلَ الْبِلَى (فَإِنْ حَفَرَ فَوَجَدَ عِظَامَ مَيِّتٍ) أَيْ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ تَمَامِ الْحَفْرِ (وَجَبَ رَدُّ تُرَابِهِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ وَجَدَهَا بَعْدَ تَمَامِ الْحَفْرِ جَعَلَهَا فِي جَانِبٍ)
مِنْ الْقَبْرِ (وَجَازَ) لِمَشَقَّةِ اسْتِئْنَافِ قَبْرٍ (دَفْنُهُ) أَيْ الْآخَرِ (مَعَهُ) وَنَقَلُوهُ عَنْ النَّصِّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ بَعْضُهُمْ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) : أُمِّيٌّ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَقَالَ لَا خِلَافَ فِيهِ) وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ مُرَاعَاةً لِلْمَيِّتِ وَحِفْظًا لِحَقِّ الْمَالِكِ وَيَقْوَى الْجَزْمُ بِهِ حَيْثُ لَا غَرَضَ إلَّا الْمَالِيَّةُ فَقَطْ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ إذَا وُجِدَ مَا يُكَفَّنُ بِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ) أَيْ وَالرَّاجِحُ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ أَوْ تَدَاعَيَا لِتُلْحِقْهُ الْقَافَةُ إلَخْ) أَوْ اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ فِي أَنَّ الْمَدْفُونَ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى نُبِشَ لِيَعْلَمَ كُلٌّ مِنْ الْوَرَثَةِ قَدْرَ حِصَّتِهِ وَتَظْهَرَ ثَمَرَةُ ذَلِكَ فِي الْمُنَاسَخَاتِ وَغَيْرِهَا أَوْ قَالَ إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ وَلَدًا غُلَامًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا فَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ حَالُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْبَشَ لِقَطْعِ النِّزَاعِ أَوْ بُشِّرَ بِمَوْلُودٍ فَقَالَ: إنْ كَانَ ذَكَرًا فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ أُنْثَى فَأَمَتِي حُرَّةٌ فَمَاتَ الْمَوْلُودُ وَدُفِنَ وَلَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْبَشَ لِيُعْتَقَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعِتْقَ أَوْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ بَعْدَمَا دُفِنَ أَنَّهُ امْرَأَتُهُ وَطَلَبَ الْإِرْثَ وَادَّعَتْ امْرَأَةٌ أَنَّهُ زَوْجُهَا وَطَلَبَتْ الْإِرْثَ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً فَيُنْبَشُ فَلَوْ وُجِدَ خُنْثَى تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ أَوْ زَعَمَ الْجَانِي شَلَلَ الْعُضْوِ وَلَوْ أُصْبُعًا نُبِشَ لِيُعْلَمَ ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ وَلَوْ دُفِنَ فِي ثَوْبٍ مَرْهُونٍ وَطَلَبَ الْمُرْتَهِنُ إخْرَاجَهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَالْقِيَاسُ غُرْمُ الْقِيمَةِ فَإِنْ تَعَذَّرَ نُبِشَ وَأُخْرِجَ مَا لَمْ تَسْقُطْ قِيمَتُهُ وَقَوْلُهُ ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ تَتَغَيَّرَ صُورَتُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الزَّائِدُ عَلَى الثَّلَاثِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَشَرْطُ عَدَمِ التَّغَيُّرِ فِي النَّبْشِ لِلْغُسْلِ) قَالَ الْغَزِّيِّ: يُسْتَثْنَى مَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ وَلَا تَيَمُّمٍ لِفَقْدِ الطَّهُورَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُنْبَشُ لِلْغُسْلِ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ
[فَرْعٌ لَوْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ وَأَمْكَنَ مَنْ هُنَاكَ دَفْنُهُ لِكَوْنِهِمْ قُرْبَ الْبَرِّ لَزِمَهُمْ التَّأْخِيرُ لِيَدْفِنُوهُ فِيهِ]
(قَوْلُهُ وَلَوْ قِيلَ هُنَا بِمَا قِيلَ بِهِ فِي التَّقْدِيمِ إلَخْ) هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا هُنَاكَ (قَوْلُهُ فَإِنْ حُفِرَ فَوُجِدَ عِظَامُ مَيِّتٍ) لَوْ انْهَدَمَ قَبْرُ مَيِّتٍ تَخَيَّرَ وَارِثُهُ بَيْنَ تَرْكِهِ بِحَالِهِ وَنَبْشِهِ لِإِصْلَاحِهِ وَنَقْلِهِ إلَى غَيْرِهِ
وَهَذَا النَّصُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فِي قَبْرٍ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ خِلَافًا لِلسَّرَخْسِيِّ وَقَدْ مَرَّ (وَمَنْ مَاتَ أَقَارِبُهُ) أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ (دَفْعَةً) وَأَمْكَنَهُ دَفْنُ كُلٍّ فِي قَبْرٍ (بَدَأَ بِدَفْنِ) الْأَوْلَى بِتَجْهِيزِ (مَنْ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ ثُمَّ بِأَبِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ حُرْمَةً (ثُمَّ أُمَّةُ) ؛ لِأَنَّ لَهَا رَحِمًا (ثُمَّ الْأَقْرَبُ وَيُقَدَّمُ الْأَكْبَرُ) سِنًّا (مِنْ أَخَوَيْهِ) مَثَلًا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِي تَقْدِيمِ الْأَكْبَرِ مُطْلَقًا نَظَرٌ إذَا كَانَ الْأَصْغَرُ أَتْقَى وَأَعْلَمَ وَأَوْرَعَ فَإِنْ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا (وَيُقْرَعُ بَيْنَ زَوْجِيَّتِهِ) إذْ لَا مَزِيَّةَ وَمِثْلُهُمَا فِيمَا يَظْهَرُ عَبْدَاهُ وَأَمَتَاهُ.
(وَلَا يُدْفَنُ مُسْلِمٌ مَعَ كُفَّارٍ) أَيْ فِي مَقْبَرَتِهِمْ (وَلَا عَكْسُهُ) أَيْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي مُجَلِّيٌّ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلَعْنِ الْمُسْلِمِ وَتَأَذِّيه بِمَوَاضِعِ الْغَضَبِ وُقُوعِ الْمُسْلِمِ فِي الِاسْتِغْفَارِ لِلْكَافِرِ (وَيُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ نَهَارًا) لِسُهُولَةِ الِاجْتِمَاعِ وَالْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ نَعَمْ إنْ خُشِيَ تَغَيُّرُهُ فَلَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ لِيُدْفَنَ نَهَارًا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ بَلْ يَنْبَغِي وُجُوبُ الْمُبَادَرَةِ بِهِ (وَلَا يُكْرَهُ لَيْلًا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «وَرَأَى نَاسٌ نَارًا فِي الْمَقْبَرَةِ فَأَتَوْهَا فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَبْرِ وَإِذَا هُوَ يَقُولُ نَاوِلُونِي صَاحِبَكُمْ وَإِذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «زَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إنْسَانٌ إلَى ذَلِكَ» فَالنَّهْيُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ عَنْ دَفْنِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
(وَلَا) يُكْرَهُ (فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ) بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا هَذَا (إنْ لَمْ يَتَحَرَّهَا) وَإِلَّا كُرِهَ وَعَلَيْهِ حُمِلَ خَبَرُ مُسْلِمٍ «عَنْ عُقْبَةَ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَإِنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانَا وَذَكَرَ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَاسْتِوَائِهَا وَغُرُوبِهَا» وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْأَوْقَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالزَّمَانِ دُونَ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْفِعْلِ وَجَرَى عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ قَالَ وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ وَالْحَدِيثُ وَالْمَعْنَى يَدُلُّ لِذَلِكَ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الصَّوَابُ التَّعْمِيمُ وَنَقْبُرُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ بِدَفْنٍ (وَيُكْرَهُ الْمَبِيتُ فِي الْمَقْبَرَةِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَحْشَةِ (وَيَحْرُمُ حَمْلُهُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ) آخَرَ لِيُدْفَنَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ دَفْنِهِ الْمَأْمُورِ بِتَعْجِيلِهِ وَتَعْرِيضِهِ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْبَلَدِ لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ بِظَاهِرِهِ، فَإِنَّ الصَّحْرَاءَ كَذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَيَنْتَظِمُ مِنْهَا مَعَ الْبَلَدِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ، وَهِيَ النَّقْلُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَمِنْ صَحْرَاءَ إلَى صَحْرَاءَ، وَمِنْ بَلَدٍ إلَى صَحْرَاءَ وَالْعَكْسُ وَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ بِالْبَلَدَيْنِ الْمُتَّصِلَيْنِ أَوْ الْمُتَقَارِبَيْنِ لَا سِيَّمَا وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِالدَّفْنِ خَارِجَ الْبَلَدِ وَلَعَلَّ الْعِبْرَةَ فِي كُلِّ بَلَدٍ بِمَسَافَةِ مَقْبَرَتِهَا (إلَّا مَنْ بِقُرْبِ) مَكَان (مِنْ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ) مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيَخْتَارُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَيْهِ لِفَضْلِ الدَّفْنِ فِيهِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقُرْبِ بِمَسَافَةٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهَا الْمَيِّتُ قَبْلَ وُصُولِهِ وَالْمُرَادُ بِمَكَّةَ جَمِيعُ الْحَرَمِ لَا نَفْسُ الْبَلَدِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ وَلَا يَنْبَغِي التَّخْصِيصُ بِالثَّلَاثَةِ بَلْ لَوْ كَانَ بِقُرْبِهِ مَقَابِرُ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ يَقْصِدُ الْجَارَ الْحَسَنَ قَالَ وَيَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ الشَّهِيدِ لِخَبَرِ جَابِرٍ قَالَ «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُرَدُّوا إلَى مَصَارِعِهِمْ وَكَانُوا نُقِلُوا إلَى الْمَدِينَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
اهـ. وَلَوْ تَعَارَضَ الْقُرْبُ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْمَذْكُورَةِ وَدَفَنَهُ بَيْنَ أَهْلِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى (فَإِنْ وَصَّى بِهِ) أَيْ بِحَمْلِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ غَيْرَ الْأَمَاكِنِ الْمَذْكُورَةِ (لَمْ تَنْفُذْ وَصِيَّتُهُ) بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ (وَإِنْ رُجِيَتْ حَيَاةُ جَنِينِ مَيِّتَةٍ شُقَّ جَوْفُهَا) وُجُوبًا (فِي الْقَبْرِ) نَدْبًا فِيمَا يَظْهَرُ (وَأُخْرِجَ) مِنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَتَا إخْرَاجِهِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ انْتِهَاكِ حُرْمَتِهَا وَالتَّقْيِيدُ بِالْقَبْرِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الشَّقَّ فِيهِ أَسْتَرُ وَأَكْثَرُ احْتِرَامًا وَأَقَلُّ كُلْفَةً قَالَ الرُّويَانِيُّ وَعِنْدِي أَنَّهُ يُشَقُّ قَبْلَهُ أَيْ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ، وَهَذَا النَّصُّ يَدُلُّ إلَخْ) مَا قَالَهُ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ إذَا وَجَبَ رَدُّ التُّرَابِ وَحَرُمَ الدَّفْنُ فِي الشَّقِّ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا جَوَّزَهُ فِي الشَّقِّ الثَّانِي لِمَشَقَّةِ اسْتِئْنَافِ قَبْرٍ ثُمَّ رَأَيْت الشَّيْخَ أَبَاحَهُ قَالَ عَقِبَ النَّصِّ إنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ مَنَعَ مِنْ دَفْنِ الثَّانِي مَعَهُ وَقَوْلُهُ بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ نَهَارًا) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ النَّهَارِ لَا مِنْ اللَّيْلِ وَلَا شَكَّ فِي إلْحَاقِهِ بِاللَّيْلِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى، وَهُوَ مَشَقَّةُ الِاجْتِمَاعِ بَلْ هُوَ فِي الْمَشَقَّةِ أَشَدُّ مِمَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا سِيَّمَا إذَا جُهِّزَ وَحُمِلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ إلَّا الدَّفْنُ.
اهـ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَلَا شَكَّ فِي إلْحَاقِهِ بِاللَّيْلِ لِمَشَقَّةِ الِاجْتِمَاعِ يُعْكَسُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ: لَا شَكَّ فِي إلْحَاقِهِ بِالنَّهَارِ وَتَيَسُّرِ الِاجْتِمَاعِ فَإِنَّ جَمَاعَاتِ الصُّبْحِ تَكْثُرُ فِي أَوَّلِ الْفَجْرِ وَهُمْ أَكْثَرُ فَرَاغًا مِنْ وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُمْ إذْ ذَاكَ يَنْتَشِرُونَ فِي مَعَايِشِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الشَّمْسِ.
(قَوْلُهُ بَلْ يَنْبَغِي وُجُوبُ الْمُبَادَرَةِ بِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ) ؛ لِأَنَّ لَهُ سَبَبًا مُتَقَدِّمًا أَوْ مُقَارِنًا، وَهُوَ الْمَوْتُ (قَوْلُهُ وَإِلَّا كُرِهَ) تَحَرِّيهَا مَكْرُوهٌ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ فَظَاهِرُهُ التَّنْزِيهُ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّحْرِيمِ كَمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا عَلِمَ بِالنَّهْيِ وَقَوْلُهُ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّحْرِيمِ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ قَالَ شَيْخُنَا: الْأَوْجَهُ تَحْرِيمُ الدَّفْنِ عِنْدَ تَحَرِّي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ، وَإِنْ لَمْ تَحْرُمْ الصَّلَاةُ فِيهِ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ) : أَيْ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَالصَّوَابُ التَّعْمِيمُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيَحْرُمُ حَمْلُهُ مِنْ بَلَدٍ إلَى آخَرَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ إنَّمَا يَحْرُمُ النَّقْلُ إلَى بَلَدٍ إلَّا إذَا كَانَتْ مَقْبَرَتُهُ أَبْعَدَ مِنْ مَقْبَرَةِ الْبَلَدِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ أَمَّا لَوْ كَانَتْ عَلَى مَسَافَتِهَا أَوْ أَقْرَبَ فَلَا وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَمِيرُ الْجَيْشِ مَثَلًا بِدَارٍ الْحَرْبِ وَعَلِمَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ وَعَلِمْنَا أَوْ خِفْنَا أَنَّا لَوْ دَفَنَاهُ بِهَا لَنَبَشُوهُ وَأَحْرَقُوهُ وَمَثَّلُوا بِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ النَّقْلُ جَزْمًا بَلْ يَتَأَكَّدُ إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى انْفِجَارِهِ وَنَحْوِهِ لِيُرَدَّ الْوَقْتُ أَوْ قُرْبِ دَارِنَا وَقَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ فِي الْبَلَدَيْنِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَعَلَّ الْعِبْرَةَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) وَغَيْرُهُ: (قَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ، وَإِنْ رُجِيَتْ حَيَاةُ جَنِينٍ مَيِّتَةٍ) بِأَنْ يَكُونَ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ إخْرَاجِهِ إلَخْ)
وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَمُوتُ بِضِيقِ النَّفَسِ (وَإِنْ لَمْ تُرْجَ) حَيَاتُهُ (لَمْ تُدْفَنْ) هِيَ (حَتَّى يَمُوتَ) هُوَ (وَلَوْ مَرَّ مُسَافِرُونَ بِمَيِّتٍ أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ) وَكَانَ الْمَيِّتُ فِيهِمَا بِمَحَلٍّ لَا يَمُرُّ بِهِ أَحَدٌ إلَّا نَادِرًا (فَتَرَكُوهُ) بِلَا تَجْهِيزٍ (أَثِمُوا) لِتَفْوِيتِهِمْ الْوَاجِبَ (وَعُوقِبُوا) أَيْ عَاقَبَهُمْ الْإِمَامُ لِذَلِكَ (إلَّا إنْ خَافُوا) عَدُوًّا أَوْ نَحْوَهُ لَوْ اشْتَغَلُوا بِتَجْهِيزِهِ فَلَا يَأْثَمُونَ بِتَرْكِهِ وَلَا يُعَاقَبُونَ لِلضَّرُورَةِ لَكِنْ يَخْتَارُ أَنْ يُوَارُوهُ مَا أَمْكَنَهُمْ صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَالتَّصْرِيحُ بِاسْتِثْنَاءِ الْخَوْفِ وَيَذْكُرُ الْعُقُوبَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرُورِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَقَوْلُهُ خَافُوا أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ الرَّوْضَةِ خَافُوا عَدُوًّا (وَإِنْ كَانَ) الْمَيِّتُ الْمَذْكُورُ (بِجَنْبِ قَرْيَةٍ أَوْ) طَرِيقٍ (جَادَّةٍ) أَيْ تَسْلُكُهُ الْمَارَّةُ كَثِيرًا (فَمُسِيئُونَ) بِتَرْكِ تَجْهِيزِهِ وَلَا (لَا يُعَاقَبُونَ) وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَفْنُهُ صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَبِذَلِكَ عُلِمَ إنْ أَسَاءَ تَجِيءُ لِغَيْرِ التَّحْرِيمِ وَمِنْهُ خَبَرُ «فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ» وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ فِي التَّحْرِيمِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَتَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ ثُمَّ (فَإِنْ وَجَدُوهُ مُكَفَّنًا مُحَنَّطًا دَفَنُوهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ وَمَنْ شَاءَ) الصَّلَاةَ عَلَيْهِ (صَلَّى بَعْدَ دَفْنِهِ) عَلَى قَبْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى دَفْنِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْأُولَى عَلَيْهِ أَهَمُّ
(بَابُ التَّعْزِيَةِ) (وَهِيَ سُنَّةٌ) وَفِي نُسْخَةٍ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا فَقَالَ لَهَا اتَّقَى اللَّهَ وَاصْبِرِي ثُمَّ قَالَ إنَّمَا الصَّبْرُ أَيْ الْكَامِلُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا) بِأَنْ يَجْتَمِعَ أَهْلُ الْمَيِّتِ بِمَكَانٍ لِيَأْتِيَهُمْ النَّاسُ لِلتَّعْزِيَةِ؛ لِأَنَّهُ مُحْدَثٌ، وَهُوَ بِدْعَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ يُجَدِّدُ الْحُزْنَ وَيُكَلِّفُ الْمُعَزَّى، وَأَمَّا مَا ثَبَتَ «عَنْ عَائِشَةَ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جَاءَهُ قَتْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ» فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ جُلُوسَهُ كَانَ لِأَجْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ النَّاسُ لِيُعَزُّوهُ (وَيُعَزَّى كُلُّ أَهْلِ الْمَيِّتِ) وَلَوْ صِبْيَانًا وَنِسَاءً (لَا أَجْنَبِيٌّ شَابَّةً) فَلَا يُعَزِّيهَا إلَّا مَحَارِمُهَا وَزَوْجُهَا وَكَذَا مِنْ أُلْحِقَ بِهِمْ فِي جَوَازِ النَّظَرِ فِيمَا يَظْهَرُ وَصَرَّحَ ابْنُ خَيْرَانَ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ بِالْمَمْلُوكِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنَّهُ يُعَزِّي بِكُلِّ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ عَلَيْهِ وَجْدٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حَتَّى بِالزَّوْجَةِ وَالصَّدِيقِ وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْأَهْلِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ (وَتَأْخِيرُهَا) أَيْ التَّعْزِيَةِ (حَتَّى يُدْفَنَ الْمَيِّتُ أَوْلَى) مِنْهَا قَبْلَهُ لِاشْتِغَالِهِمْ قَبْلَهُ بِتَجْهِيزِهِ وَلِشِدَّةِ حُزْنِهِمْ حِينَئِذٍ بِالْمُفَارَقَةِ (إلَّا إنْ أَفْرَطَ جَزَعُهُمْ) فَيَخْتَارُ تَقْدِيمَهَا لِيُصَيِّرَهُمْ (وَلَا تَعْزِيَةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ) مِنْ الْأَيَّامِ (تَقْرِيبًا) أَيْ تُكْرَهُ بَعْدَهَا إذْ الْغَرَضُ مِنْهَا تَسْكِينُ قَلْبِ الْمُصَابِ وَالْغَالِبُ سُكُونُهُ فِيهَا فَلَا يُجَدِّدْ حُزْنَهُ وَقَدْ جَعَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِهَايَةَ الْحُزْنِ بِقَوْلِهِ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمِنْ هُنَا كَانَ ابْتِدَاءُ الثَّلَاثِ مِنْ الْمَوْتِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ وَبِهِ صَرَّحَ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ أَبِي الدَّمِ وَالْغَزَالِيُّ فِي خُلَاصَتِهِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مِنْ الدَّفْنِ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ التَّعْزِيَةِ مِنْهُ أَيْضًا لَا مِنْ الْمَوْتِ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيَّ فَقَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي مَجْمُوعِهِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا وَقْتُهَا مِنْ الْمَوْتِ إلَى الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُرَادُهُ بِهِ مَا قُلْنَا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُهَا قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ لِلْحَنَابِلَةِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ زِيَادَتِهِ (لَا تَحْدِيدًا) تَأْكِيدٌ (إلَّا لِغَيْبَةِ مُعَزٍّ أَوْ مُعَزًّى) فَتَبْقَى التَّعْزِيَةُ لَهُ إلَى قُدُومِهِ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَالظَّاهِرُ امْتِدَادُهَا بَعْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيَلْحَقُ بِالْغَيْبَةِ الْمَرَضُ وَعَدَمُ الْعِلْمِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ (وَالتَّعْزِيَةُ) لُغَةً التَّصْبِيرُ لِمَنْ أُصِيبَ بِالتَّعْزِيَةِ عَلَيْهِ وَشَرْعًا (هِيَ الْحَمْلُ عَلَى الصَّبْرِ بِالْوَعْدِ بِالْأَجْرِ وَالتَّحْذِيرِ) عَنْ الْوِزْرِ بِالْجَزَعِ (وَ) أَنْ (يَدْعُوَ) عِبَارَةُ أَصْلِهِ وَالدُّعَاءُ (لِلْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ فَفِي تَعْزِيَةِ كَافِرٍ بِمُسْلِمٍ وَعَكْسِهِ يَخُصُّ الْمُسْلِمَ بِالدُّعَاءِ الْأُخْرَوِيَّ) فَيَقُولُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ عَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَك وَأَحْسَنَ عَزَاءَك بِالْمَدِّ أَيْ جَعَلَ صَبْرَك حَسَنًا وَغَفَرَ لِمَيِّتِك وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ قَبْلَهُ بِمَا وَرَدَ مِنْ تَعْزِيَةِ الْخَضِرِ أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَوْتِهِ إنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ وَدَرَكًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ فَبِاَللَّهِ فَثِقُوا وَإِيَّاهُ فَارْجُوا فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابُ وَيَقُولَ
[حاشية الرملي الكبير]
لِأَنَّ فِيهِ اسْتِبْقَاءَ حَيٍّ مُحْتَرَمٍ بِإِتْلَافِ جُزْءٍ مِنْ مَيِّتٍ فَوَجَبَ كَأَكْلِ الْمُضْطَرِّ مَيْتَةَ الْآدَمِيِّ (قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ تُرْجَ حَيَاتُهُ) بِأَنْ تَمُوتَ، وَهُوَ دُونَ سِتَّةٍ أَشْهُرٍ أَوْ كَانَ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ
[بَابُ التَّعْزِيَةِ]
(بَابُ التَّعْزِيَةِ) (قَوْلُهُ وَيُعَزِّي كُلَّ أَهْلِ الْمَيِّتِ إلَخْ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلِأَصْلَحِهِمْ وَأَضْعَفِهِمْ صَبْرًا آكَدُ (قَوْلُهُ وَكَذَا مَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَزِّيَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَبِهِ صَرَّحَ جَمْعٌ إلَخْ) ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَقَدْ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ: إنَّ أَوْلَى زَمَانِهَا مِنْ حِينِ يَمُوتُ إلَى أَنْ يُدْفَنَ وَبَعْدَ الدَّفْنِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقَالَ فِي الْكَافِي: وَوَقْتُهَا مِنْ حِينِ يَمُوتُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقِيلَ مِنْ الدَّفْنِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ دَفْنِهِ (قَوْلُهُ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ امْتِدَادُهَا بَعْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُمْ فِي الْبَيْعِ إنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ يَمْتَدُّ امْتِدَادَ بُلُوغِ الْخَبَرِ يُؤَيِّدُهُ (قَوْلُهُ وَيَلْحَقُ بِالْغَيْبَةِ الْمَرَضُ) أَيْ وَالْحَبْسُ (قَوْلُهُ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ إرْشَادِهِ) ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ هِيَ الْحَمْلُ عَلَى الصَّبْرِ بِالْوَعْدِ إلَخْ) تَحْصُلُ بِالْمُكَاتَبَةِ مِنْ الْغَائِبِ وَيَلْحَقُ بِهِ الْحَاضِرُ الْمَعْذُورُ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَفِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ وَفْقُهُ (قَوْلُهُ وَأَنْ يَدْعُوَ لِلْمَيِّتِ وَالْمُصَابِ) قِيلَ يُقَدِّمُ الدُّعَاءَ لِلْمُعَزَّى؛ لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ وَالثَّانِي يُقَدِّمُ الْمَيِّتَ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَجُ إلَى الدُّعَاءِ وَالثَّالِثُ يَتَخَيَّرُ فَيُقَدِّمُ مَنْ شَاءَ هَذَا فِي الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ فَإِنْ عَزَّى ذِمِّيًّا بِمُسْلِمٍ
فِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ غَفَرَ اللَّهُ لِمَيِّتِك وَأَحْسَنَ عَزَاءَك وَفِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك وَأَخْلَفَ عَلَيْك وَأَلْهَمَك الصَّبْرَ أَوْ جَبَرَ مُصِيبَتَك أَوْ نَحْوَهُ وَمَحَلُّ قَوْلِهِ وَأَخْلَفَ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ وَلَدًا أَوْ نَحْوَهُ مِمَّنْ يُخْلَفُ بَدَلُهُ فَإِنْ كَانَ أَبًا أَوْ نَحْوَهُ فَيَقُولُ خَلَفَ عَلَيْك أَيْ كَانَ اللَّهُ خَلِيفَةً عَلَيْك نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ (وَفِي) تَعْزِيَةِ (ذِمِّيٍّ بِذِمِّيٍّ) يُعَزِّي (بِنَحْوِ أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك وَلَا نَقَصَ عَدَدَك) بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُنَا فِي الدُّنْيَا بِكَثْرَةِ الْجِزْيَةِ وَفِي الْآخِرَةِ بِالْفِدَاءِ مِنْ النَّارِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِدَوَامِ الْكُفْرِ فَالْمُخْتَارُ تَرْكُهُ مَنَعَهُ ابْنُ النَّقِيبِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ قَالَ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِهِ بِتَكْثِيرِ الْجِزْيَةِ انْتَهَى.
وَفَائِدَةُ التَّعْلِيلَيْنِ السَّابِقَيْنِ تَظْهَرُ فِي تَعْزِيَةِ الْحَرْبِيِّ بِالْحَرْبِيِّ فَيُعَزَّى عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْفِدَاءِ دُونَ التَّعْلِيلِ بِتَكْثِيرِ الْجِزْيَةِ لَكِنْ أَطْلَقَ الْجِيلِيُّ أَنَّهُ لَا يُعَزَّى، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ تُكْرَهُ تَعْزِيَتُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ إلَّا أَنْ يُرْجَى إسْلَامُهُ فَيَنْبَغِي نَدْبُهَا أَخْذًا مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ الْآتِي، وَعَبَّرَ الْأَصْلُ فِي تَعْزِيَةِ الذِّمِّيِّ بِالذِّمِّيِّ بِجَوَازِهَا، وَفِي الْمَجْمُوعِ بِعَدَمِ نَدْبِهَا قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَكَلَامُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ كَالصَّرِيحِ فِي نَدْبِهَا وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُوَافِقُهُ وَذَكَرَ نَحْوًا مِنْ زِيَادَتِهِ قَالَ السُّبْكِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُنْدَبَ تَعْزِيَةُ الذِّمِّيِّ بِالذِّمِّيِّ أَوْ بِالْمُسْلِمِ إلَّا إذَا رُجِيَ إسْلَامُهُ تَأْلِيفًا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ فِي التَّعْزِيَةِ الدُّعَاءَ لِلْمُصَابِ؛ لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ وَلِيُوَافِقَ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا» حَيْثُ بَدَأَ بِالْحَيِّ وَخُولِفَ فِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ تَقْدِيمًا لِلْمُسْلِمِ
(فَصْلُ يُسْتَحَبُّ لِجِيرَانِ أَهْلِ الْمَيِّتِ) وَلَوْ أَجَانِبَ (وَأَقَارِبُهُ الْأَبَاعِدُ) ، وَإِنْ كَانُوا بِغَيْرِ بَلَدِ الْمَيِّتِ (أَنْ يَصْنَعُوا لِأَهْلِهِ) الْأَقَارِبِ (طَعَامًا يَكْفِيهِمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ) عَقِبَ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْمَوْتِ لِخَبَرِ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ؛ وَلِأَنَّهُ بِرٌّ وَمَعْرُوفٌ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالتَّعْبِيرُ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَاضِحٌ إذَا مَاتَ فِي أَوَائِلِ الْيَوْمِ فَلَوْ مَاتَ فِي آخِرِهِ فَقِيَاسُهُ أَنْ يُضَمَّ إلَى ذَلِكَ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ أَيْضًا لَا سِيَّمَا إذَا تَأَخَّرَ الدَّفْنُ عَنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَذَكَرَ فِي الْأَنْوَارِ مَعَ جِيرَانِ أَهْلِ الْمَيِّتِ مَعَارِفَهُمْ (وَيُلِحُّونَ) الْأَوْلَى حَذْفُ النُّونِ لِيَكُونَ الْمَعْنَى وَأَنْ يُلِحُّوا (عَلَيْهِمْ فِي الْأَكْلِ) مِنْهُ لِئَلَّا يَضْعُفُوا بِتَرْكِهِ (وَيَحْرُمُ صُنْعُهُ لِمَنْ يَنُوحُ) ؛ لِأَنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ (وَيُكْرَهُ لِأَهْلِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (طَعَامٌ) أَيْ صُنْعُ طَعَامٍ (يَجْمَعُونَ عَلَيْهِ النَّاسَ) أَخَذَ كَصَاحِبِ الْأَنْوَارِ الْكَرَاهَةَ مِنْ تَعْبِيرِ الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ بِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ وَاسْتَدَلَّ لَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِقَوْلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصُنْعَهُمْ الطَّعَامَ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ النِّيَاحَةِ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ «بَعْدَ دَفْنِهِ» ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ فَضْلًا عَنْ الْكَرَاهَةِ وَالْبِدْعَةِ الصَّادِقَةِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَأَمَّا الذَّبْحُ وَالْعَقْرُ عِنْدَ الْقَبْرِ فَمَذْمُومٌ لِخَبَرِ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ
(فَصْلٌ الْبُكَاءُ) عَلَى الْمَيِّتِ (جَائِزٌ قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ) وَلَوْ بَعْدَ الدَّفْنِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَكَى عَلَى وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَقَالَ: إنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ وَبَكَى عَلَى قَبْرِ بِنْتٍ لَهُ وَزَارَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ» رَوَى الْأَوَّلَ الشَّيْخَانِ وَالثَّانِيَ الْبُخَارِيُّ وَالثَّالِثَ مُسْلِمٍ (وَ) لَكِنَّهُ (قَبْلَهُ) أَيْ الْمَوْتِ (أَوْلَى) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَمُقْتَضَاهُ طَلَبُ الْبُكَاءِ وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي وَنَقَلَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَنَظَرَ فِيهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ يَكُونُ أَسَفًا عَلَى مَا فَاتَ وَمُقْتَضَاهُ أَيْضًا أَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ خِلَافَ الْأَوْلَى وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْجُمْهُورِ لَكِنَّهُ نَقَلَ فِي الْأَذْكَارِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لِخَبَرِ «فَإِذَا وَجَبَتْ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ قَالُوا وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمَوْتُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْبُكَاءُ لِرِقَّةٍ عَلَى الْمَيِّتِ وَمَا يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَأَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا يُكْرَهُ وَلَا يَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَإِنْ كَانَ لِلْجَزَعِ وَعَدَمِ التَّسْلِيمِ لِلْقَضَاءِ فَيُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا كُلُّهُ فِي الْبُكَاءِ بِصَوْتٍ أَمَّا مُجَرَّدُ دَمْعِ الْعَيْنِ فَلَا مَنْعَ مِنْهُ وَاسْتَثْنَى الرُّويَانِيُّ مَا إذَا غَلَبَهُ الْبُكَاءُ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَمْلِكُهُ الْبَشَرُ (وَالنَّدْبُ) ، وَهُوَ كَمَا فِي الْأَصْلِ عَدُّ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ بِنَحْوِ الصِّيغَةِ
[حاشية الرملي الكبير]
يَبْدَأُ بِالْمُسْلِمِ قَطْعًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ جَمَاعَةٍ (قَوْلُهُ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك) لَيْسَ فِيهِ الدُّعَاءُ بِكَثْرَةِ مَصَائِبِهِ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: 5] (قَوْلُهُ وَفِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ إلَخْ) وَفِي تَعْزِيَةِ السَّيِّدِ بِرَقِيقِهِ أَعْظَمَ اللَّهُ لَك الْأَجْرَ فِي رَقِيقِك وَأَخْلَفَ عَلَيْك فِي مَالِك وَلَا أَصَابَك نَقْصٌ فِي أَهْلِك وَلَا فِي مَالِك (قَوْلُهُ وَفِي تَعْزِيَةِ ذِمِّيٍّ) أُلْحِقَ بِهِ الْمُعَاهِدُ وَالْمُسْتَأْمِنُ (قَوْلُهُ لَكِنْ أَطْلَقَ الْجِيلِيُّ أَنَّهُ لَا يُعَزَّى) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ فَيَنْبَغِي نَدْبُهَا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ قَالَ السُّبْكِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُنْدَبَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ لَوْ قِيلَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ مَنْ تُسْتَحَبُّ عِيَادَتُهُ وَبَيْنَ مَنْ لَا تُسْتَحَبُّ وَيُحْمَلُ النَّقْلَانِ عَلَيْهِ لَكَانَ مُتَّجِهًا ج
[فَصْلُ صنع الطَّعَام لِأَهْلِ الْمَيِّتِ]
(قَوْلُهُ فَقِيَاسُهُ أَنْ يُضَمَّ إلَى ذَلِكَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيُلِحُّونَ عَلَيْهِمْ فِي الْأَكْلِ) وَلَا بَأْسَ بِالْقَسَمِ عَلَيْهِمْ إنْ عَلِمَ الْحَالِفُ إبْرَارَ قَسَمِهِ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُهُ فِي سَفَرٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّقَ الِاسْتِحْبَابُ بِالرُّفْقَةِ (قَوْلُهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ) لَا خَفَاءَ فِي تَحْرِيمِهِ إنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ فِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ أَوْ غَائِبٌ وَصُنِعَ ذَلِكَ مِنْ التَّرِكَةِ
[فَصْلٌ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ]
(قَوْلُهُ الْبُكَاءُ جَائِزٌ قَبْلَ الْمَوْتِ) قَالَ الصَّيْمَرِيُّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَبْكِيَ بِحَضْرَةِ الْمُحْتَضَرِ (قَوْلُهُ: قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْبُكَاءُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
الْآتِيَةِ وَقِيلَ عَدُّهَا مَعَ الْبُكَاءِ كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي مَجْمُوعِهِ كَأَنْ يُقَالَ وَاكَهْفَاه وَاجَبَلَاه وَاسَنَدَاه وَاكَرِيمَاه (حَرَامٌ) لِمَا سَيَأْتِي وَلِلْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمَاعَةٍ قَالَ فِيهِ وَجَاءَ فِي الْإِبَاحَةِ مَا يُشْبِهُ النَّدْبَ وَلَيْسَ مِنْهُ، وَهُوَ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ «لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الْكَرْبُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ وَا أَبَتَاهُ فَقَالَ لَيْسَ عَلَى أَبِيك كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ يَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ يَا أَبَتَاهُ إلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ» (وَكَذَا) يَحْرُمُ (النُّوحُ) ، وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِالْكَلَامِ الْمُسَجَّعِ وَتَقَدَّمَتْ هَذِهِ بِدَلِيلِهَا فِي جُمَلِ الْجَنَائِزِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ (وَ) يَحْرُمُ (ضَرْبُ الْخَدِّ وَنَشْرُ الشَّعْرِ) وَنَحْوِهِمَا كَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ وَإِلْقَاءِ الرَّمَادِ عَلَى الرَّأْسِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِإِفْرَاطٍ فِي الْبُكَاءِ لِمَا مَرَّ ثُمَّ وَلِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (وَلَا يُعَذَّبُ بِهِ) أَيْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (مَيِّتٌ لَمْ يُوصِ بِهِ) قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِهِ كَقَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ إذَا مِتُّ فَانْعَيْنِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدٍ وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْجُمْهُورُ خَبَرَ الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَا نِيحَ عَلَيْهِ» قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَك أَنْ تَقُولَ ذَنْبُ الْمَيِّتِ الْأَمْرُ بِذَلِكَ فَلَا يَخْتَلِفُ عَذَابُهُ بِامْتِثَالِهِمْ وَعَدَمِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الذَّنْبَ عَلَى السَّبَبِ يَعْظُمُ بِوُجُودِ الْمُسَبَّبِ وَشَاهِدُهُ خَبَرُ «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً» وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى تَعْذِيبِهِ بِمَا يَبْكُونَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ جَرَائِمِهِ كَالْقَتْلِ وَشَنِّ الْغَارَاتِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنُوحُونَ عَلَى الْمَيِّتِ بِهَا وَيَعُدُّونَهَا فَخْرًا وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَ الْعَفْوَ عَنْهُ إنْ لَمْ يَبْكُوا عَلَيْهِ فَإِنْ بَكَوْا وَنَدَبُوا عُذِّبَ بِذَنْبِهِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَافِرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الذُّنُوبِ
(بَابُ تَارِكِ الصَّلَاةِ) الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ أَصَالَةً جَحْدًا أَوْ غَيْرَهُ وَقَدَّمَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْجَنَائِزِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَعَلَّهُ أَلْيَقُ (فَالْجَاحِدُ لِوُجُوبِهَا) ، وَإِنْ أَتَى بِهَا (مُرْتَدٌّ) لِإِنْكَارِهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَتَعْبِيرُهُ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِتَرْكِهَا جَحْدًا (إلَّا جَاهِلٌ) نَفَى ذَلِكَ (لِقُرْبِ عَهْدٍ) بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَيْسَ مُرْتَدًّا بَلْ يَعْرِفُ الْوُجُوبَ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْجَحْدِ صَارَ مُرْتَدًّا وَالْجُحُودُ إنْكَارُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ الْمُنْكِرُ فَخَرَجَ بِهِ الْجَاهِلُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَحْوُهُ كَنَشْئِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَلَا حَاجَةَ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّهُ قَاصِرٌ عَنْ تَمَامِ الْغَرَضِ وَجَاهِلٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلَّا قَلِيلٌ عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ لَا جَاهِلٌ، وَهِيَ أَحْسَنُ (وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْمُرْتَدِّ) فِي بَابِهِ (وَمَنْ تَرَكَهَا غَيْرَ جَاحِدٍ بِلَا عُذْرٍ وَلَوْ صَلَاةً وَاحِدَةً أَوْ جُمُعَةً وَلَوْ قَالَ) فِي الْجُمُعَةِ (أُصَلِّيهَا ظُهْرًا أَوْ) تَرَكَ (وُضُوءً لَهَا) أَيْ لِلصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ (قُتِلَ بِالسَّيْفِ حَدًّا) لَا كُفْرًا.
قَالُوا أَمَّا فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ؛ فَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ قَالَ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقَالَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ فَلَوْ كَفَرَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى تَرْكِهَا جَحْدًا أَوْ عَلَى التَّغْلِيظِ أَوْ الْمُرَادُ بَيْنَ مَا يُوجِبُهُ الْكُفْرُ مِنْ وُجُوبِ الْقَتْلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ؛ فَلِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا قُتِلَ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ قَالَ أُصَلِّيهَا ظُهْرًا لَتَرَكَهَا بِلَا قَضَاءٍ إذْ الظُّهْرُ لَيْسَ قَضَاءً عَنْهَا، وَيُقَاسُ بِالْوُضُوءِ الْأَرْكَانُ وَسَائِرُ الشُّرُوطِ وَصَرَّحَ فِي الْبَيَانِ بِبَعْضِهَا فَقَالَ لَوْ صَلَّى عُرْيَانًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى السُّتْرَةِ أَوْ الْفَرِيضَةِ قَاعِدًا بِلَا عُذْرٍ قُتِلَ.
وَمَحَلُّهُ فِيمَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَوْ فِيهِ خِلَافٌ رَوَاهُ خِلَافَ الْقَوِيِّ فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ لَوْ تَرَكَ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا أَوْ مَسَّ شَافِعِيٌّ الذَّكَرَ أَوْ لَمَسَ الْمَرْأَةَ أَوْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَنْوِ وَصَلَّى مُتَعَمِّدًا لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ جَوَازَ صَلَاتِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ (إذَا أَخْرَجَهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ) فِيمَا لَهُ وَقْتُ ضَرُورَةٍ بِأَنْ يَجْمَعَ مَعَ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَقِيلَ عَدَّهَا مَعَ الْبُكَاءِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ «قَالَتْ يَا أَبَتَاهُ» ) أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ يَا أَبَتَاهُ (قَوْلُهُ كَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ إلَخْ) وَكَذَا تَغْيِيرُ الزِّيِّ وَلَيْسَ غَيْرُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ الْإِمَامُ: وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُ إظْهَارَ جَزَعٍ يُنَافِي الِانْقِيَادَ وَالِاسْتِسْلَامَ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُحَرَّمٌ انْتَهَى (قَوْلُهُ مِنْ ضَرْبِ الْخُدُودِ) خَصَّ الْخَدَّ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَضَرْبُ بَقِيَّةِ الْوَجْهِ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى تَعْذِيبِهِ إلَخْ) وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ
[بَابُ تَارِكِ الصَّلَاةِ]
(بَابُ تَارِكِ الصَّلَاةِ) (قَوْلُهُ فَالْجَاحِدُ لِوُجُوبِهَا مُرْتَدٌّ) ؛ لِأَنَّهُ جَحَدَ أَصْلًا مَقْطُوعًا بِهِ لَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ فَتَضَمَّنَ جَحْدُهُ تَكْذِيبَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (قَوْلُهُ وَمَنْ تَرَكَ غَيْرَ جَاحِدٍ إلَخْ) لَا يُقَرُّ مُسْلِمٌ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَةِ لَا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا إذَا اشْتَبَهَ صَغِيرُ مُسْلِمٍ بِصَغِيرِ كَافِرٍ ثُمَّ بَلَغَا وَلَمْ يُعْلَمْ الْمُسْلِمُ مِنْهُمَا وَلَا قَافَةَ وَلَا انْتِسَابَ وَلَا يُؤْمَرُ أَحَدٌ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ شَهْرًا فَأَكْثَرَ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُبْتَدَأَةُ إذَا ابْتَدَأَهَا الدَّمُ الضَّعِيفُ ثُمَّ أَقْوَى مِنْهُ ثُمَّ أَقْوَى مِنْهُ (قَوْلُهُ أَوْ جُمُعَةً إلَخْ) ، وَهُوَ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ فِعْلُهَا إجْمَاعًا قَالَ شَيْخُنَا: وَقَدْ أَفْتَى الشَّارِحُ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِهَا حَيْثُ أُمِرَ بِهَا وَامْتَنَعَ مِنْهَا أَوْ قَالَ أُصَلِّيهَا ظُهْرًا حَيْثُ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الظُّهْرِ (قَوْلُهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ إلَخْ) وَلِمَفْهُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نُهِيت عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ»
الثَّانِيَةِ فِي وَقْتِهَا فَلَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الظُّهْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلَا بِتَرْكِ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ وَيُقْتَلُ فِي الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَفِي الْعَصْرِ بِغُرُوبِهَا وَفِي الْعِشَاءِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَيُطَالَبُ بِأَدَائِهَا إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا وَيُتَوَعَّدُ بِالْقَتْلِ إنْ أَخْرَجَهَا عَنْ الْوَقْتِ فَإِنْ أَصَرَّ وَأَخْرَجَ اسْتَوْجَبَ الْقَتْلَ فَقَوْلُ الرَّوْضَةِ يُقْتَلُ بِتَرْكِهَا إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا مَحْمُولٌ عَلَى مُقَدِّمَاتِ الْقَتْلِ بِقَرِينَةِ كَلَامِهَا بَعْدُ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ كَتَرْكِ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَلِخَبَرِ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الْقَضَاءِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَتْرُوكٌ بِالنُّصُوصِ وَالْخَبَرُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَا.
وَقَتْلُهُ خَارِجَ الْوَقْتِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّرْكِ بِلَا عُذْرٍ عَلَى أَنَّا نَمْنَعُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ لِتَرَك الْقَضَاءِ مُطْلَقًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي، وَإِنَّمَا يُقْتَلُ (بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَسْوَأَ حَالًا مِنْ الْمُرْتَدِّ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ وَالْمَجْمُوعِ أَنَّ اسْتِتَابَتَهُ وَاجِبَةٌ كَالْمُرْتَدِّ لَكِنْ صَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ نَدْبَهَا وَعَلَيْهِ فَرَّقَ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ الرِّدَّةَ تُخَلِّدُ فِي النَّارِ فَوَجَبَ إنْقَاذُهُ مِنْهَا بِخِلَافِ تَرْكِ الصَّلَاةِ تَكْفِي اسْتِتَابَتُهُ (فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا يُفَوِّتُ صَلَوَاتٍ وَقِيلَ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالْقَوْلَانِ فِي النَّدْبِ وَقِيلَ فِي الْوُجُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (ثُمَّ) بَعْدَ قَتْلِهِ (لَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ) فَيُجَهَّزُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ وَلَوْ قَتَلَهُ فِي مُدَّةِ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ قَبْلَهَا إنْسَانٌ أَثِمَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَقَاتِلِ الْمُرْتَدِّ وَلَوْ جُنَّ أَوْ سَكِرَ قَبْلَ فِعْلِ الصَّلَاةِ لَمْ يُقْتَلْ فَإِنْ قُتِلَ وَجَبَ الْقَوَدُ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْمُرْتَدِّ لَا قَوَدَ عَلَى قَاتِلِهِ لِقِيَامِ الْكُفْرِ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ فِي جُنُونِهِ أَوْ سُكْرِهِ كُلُّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَعَائِدٌ بِالتَّرْكِ اهـ.
وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِتَابَةَ وَاجِبَةٌ أَمَّا تَارِكُ الْمَنْذُورَةِ الْمُؤَقَّتَةِ فَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ (فَرْعٌ) إذَا (قَالَ) حِينَ إرَادَةِ قَتْلِهِ (صَلَّيْت فِي بَيْتِي أَوْ تَرَكْتهَا بِعُذْرٍ إمَّا صَحِيحٍ) فِي الْوَاقِعِ (كَنِسْيَانٍ) وَنَوْمٍ وَإِغْمَاءٍ (أَوْ بَاطِلٍ كَكَانَ) أَيْ كَقَوْلِهِ كَانَ (عَلَى نَجَاسَةٍ) أَوْ تَرَكَهَا لِلْبَرْدِ أَوْ عَدَمِ الْمَاءِ عِبَارَةَ الرَّوْضَةِ، وَإِنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَقَالَ تَرَكْتهَا نَاسِيًا أَوْ لِلْبَرْدِ أَوْ لِعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ لِنَجَاسَةٍ كَانَتْ عَلَيَّ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ الْأَعْذَارِ صَحِيحَةً كَانَتْ أَوْ بَاطِلَةً (يُعْذَرُ) بِذَلِكَ (وَلَا نَقْتُلهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقُ) مِنْهُ (تَعَمُّدُ تَأْخِيرِهَا) عَنْ الْوَقْتِ بِغَيْرِ عُذْرٍ (وَلَا بُدَّ مِنْ أَنَّ نَأْمُرَهُ بِهَا بَعْدَ ذِكْرِ الْعُذْرِ) وُجُوبًا فِي الْعُذْرِ الْبَاطِلِ وَنَدْبًا فِي الصَّحِيحِ فِيمَا يَظْهَرُ بِأَنْ نَقُولَ لَهُ صَلِّ فَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُقْتَلْ لِذَلِكَ (وَإِنْ قَالَ تَعَمَّدْت تَرْكَهَا بِلَا عُذْرٍ قُتِلَ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ وَلَا أُصَلِّيهَا) بِأَنْ قَالَ ذَلِكَ أَوْ سَكَتَ لِتَحْقِيقِ جِنَايَتِهِ بِتَعَمُّدِ التَّأْخِيرِ (وَمَنْ تَرَكَهَا بِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ أَوْ نَوْمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا) بَلْ يَجُوزُ لَهُ قَضَاؤُهَا عَلَى التَّرَاخِي «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْضِ صَلَاةَ الصُّبْحِ الَّتِي فَاتَتْهُ بِالنَّوْمِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ الْوَادِي» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (أَوْ بِلَا عُذْرٍ وَلَزِمَهُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا) لِتَقْصِيرِهِ (لَكِنْ لَا يُقْتَلُ بِفَائِتَةٍ)
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ فَيُطَالَبُ بِأَدَائِهَا إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا إلَخْ) الْوَقْتُ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَقْتَانِ أَحَدُهُمَا وَقْتُ أَمْرٍ وَالْآخَرُ وَقْتُ قَتْلٍ فَوَقْتُ الْأَمْرِ هُوَ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ عَنْ فِعْلِهَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَأْمُرَ التَّارِكَ فَنَقُولَ لَهُ صَلِّ فَإِنْ صَلَّيْت تَرَكْنَاك، وَإِنْ أَخْرَجْتهَا عَنْ الْوَقْتِ قَتَلْنَاك وَفِي وَقْتِ الْأَمْرِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ زَمَنٌ يَسَعُ مِقْدَارَ الْفَرِيضَةِ وَالطَّهَارَةِ وَالثَّانِي إذَا بَقِيَ زَمَنٌ يَسَعُ رَكْعَةً وَطَهَارَةً.
(قَوْلُهُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ) اسْتَشْكَلَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا عَلَى التَّأْخِيرِ عَنْ الْوَقْتِ عَمْدًا أَوْ الْحُدُودُ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْحَدَّ هُنَا لَيْسَ هُوَ عَلَى مَعْصِيَةٍ سَابِقَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ حَلَالُهُ عَلَى فِعْلِ مَا تَرَكَ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ أَوْ بِأَنَّهُ عَلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَمْدًا مَعَ تَرْكِهَا فَالْعِلَّةُ مُرَكَّبَةٌ فَإِذَا صَلَّى زَالَتْ الْعِلَّةُ وَقَالَ الرِّيمِيُّ فِي التَّقْفِيَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّوْبَةَ هُنَا تُفِيدُ تَدَارُكَ الْفَائِتِ بِخِلَافِ التَّوْبَةِ عَنْ الزِّنَا وَشِبْهِهِ فَإِنَّ التَّوْبَةَ لَا تُفِيدُ تَدَارُكَ مَا مَضَى مِنْ الْجَرِيمَةِ بَلْ تُفِيدُ الِامْتِنَاعَ عَنْهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِخِلَافِ تَوْبَتِهِ هُنَا فَإِنَّهَا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ يُحَقِّقُ الْمُرَادَ فِي الْمَاضِي وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَارِكُ الصَّلَاةِ يَسْقُطُ حَدُّهُ بِالتَّوْبَةِ، وَهِيَ الْعَوْدُ لِفِعْلِ الصَّلَاةِ كَالْمُرْتَدِّ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ وَغَلِطَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ كَيْفَ تَنْفَعُ التَّوْبَةُ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ سَرَقَ نِصَابًا ثُمَّ رَدَّهُ لَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ، وَهَذَا كَلَامُ مَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحُدُودَ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ لَكِنْ صَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ نَدْبَهَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ تَرْكِ الصَّلَاةِ) بَلْ مُقْتَضَى مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ مِنْ أَنَّ الْحُدُودَ تُسْقِطُ الْإِثْمَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُدَّ عَلَى هَذِهِ الْجَرِيمَةِ وَالْمُسْتَقْبَلُ لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ قَالَ فِي الْخَادِمِ: مَا نَقَلَهُ عَنْ فَتَاوَى النَّوَوِيِّ مِنْ كَوْنِ التَّارِكِ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ بَعْدَ الْقَتْلِ إثْمٌ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَسْقُطُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَعْنِي الْقِصَاصَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى أَمَّا التَّوْبَةُ مِنْ التَّرْكِ فَلَا تَسْقُطُ بِذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْإِقْلَاعِ وَعَدَمِ الْإِصْرَارِ حَتَّى لَوْ قُتِلَ مِصْرًا عَلَى التَّرْكِ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى عَاصِيًا بِتَرْكِ التَّوْبَةِ وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ الْقَتْلِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَدِّ الْقِصَاصِ، وَأَمَّا تَارِكُ الصَّلَاةِ فَقَتْلُهُ عَلَى إخْرَاجِ الصَّلَاةِ عَنْ الْوَقْتِ ثُمَّ أَنَّهُ يَبْقَى عَاصِيًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ تَرْكُ فِعْلِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ ثَانِيهَا تَرْكُ التَّوْبَةِ ثَالِثُهَا تَسَبُّبُهُ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ بِتَرْكِ التَّوْبَةِ مَعَ إمْكَانِهَا وَقَوْلُهُ مِنْ أَنَّ الْحَدَّ يُسْقِطُ الْإِثْمَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَلَوْ قَتَلَهُ فِي مُدَّةِ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ قَبْلَهَا إنْسَانٌ) أَيْ لَيْسَ مِثْلُهُ (قَوْلُهُ كَأَنَّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ تَوَجَّهَ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ أَوْ لِعَدَمِ الْمَاءِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، وَإِنْ وَجَدَ التُّرَابَ عَجَّلَ يَسْقُطُ فَرْضُهُ بِالتَّيَمُّمِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صَحِيحَةً كَانَتْ الْأَعْذَارُ أَوْ بَاطِلَةً وَفِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْمَاءِ عَدَمُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ لَكِنَّهُ نَصَّ عَلَى الْمَاءِ جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ س وَقَوْلُهُ قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَنَدْبًا فِي الصَّحِيحِ فِيمَا يَظْهَرُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ لَكِنْ لَا يُقْتَلُ بِفَائِتَةٍ) قَالَ شَيْخُنَا لِعَدَمِ سَبْقِ التَّهْدِيدِ بِهَا بِخِلَافِ فَائِتَةِ عَدَدٍ عَلَى فِعْلِهَا وَلَمْ يَفْعَلْهَا فَيُقْتَلُ بِهَا
فَاتَتْهُ بِعُذْرٍ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا مُوَسَّعٌ أَوْ بِلَا عُذْرٍ وَقَالَ أُصَلِّيهَا لِتَوْبَتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ آنِفًا وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا الِاسْتِدْرَاكِ مِنْ زِيَادَتِهِ (فَائِدَةٌ) قَالَ الْغَزَالِيُّ لَوْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حَالَةً أَسْقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةَ وَأَحَلَّتْ لَهُ شُرْبَ الْخَمْرِ وَأَكْلُ مَالِ السُّلْطَانِ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ فَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي خُلُودِهِ فِي النَّارِ نَظَرٌ وَقَتْلُ مِثْلِهِ أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ مِائَةِ كَافِرٍ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ.
(كِتَابُ الزَّكَاةِ) هِيَ لُغَةً التَّطْهِيرُ وَالْإِصْلَاحُ وَالنَّمَاءُ وَالْمَدْحُ وَمِنْهُ وَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ وَشَرْعًا اسْمٌ لِمَا يُخْرَجُ عَنْ مَالٍ أَوْ بَدَنٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ سُمِّيَ بِهَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ وَيُصْلِحُ وَيُنَمِّي وَيَمْدَحُ الْمُخْرَجَ عَنْهُ وَيَقِيهِ مِنْ الْآفَاتِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] وَقَوْلُهُ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» (هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ) لِهَذَا الْخَبَرِ (يَكْفُرُ جَاحِدُهَا) وَإِنْ أَتَى بِهَا وَزَادَ قَوْلَهُ (كَالصَّلَاةِ) لِيَسْتَغْنِيَ عَنْ اسْتِثْنَاءِ الْجَاهِلِ الْمُتَقَدِّمِ نَظِيرُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ مِمَّا مَرَّ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ بِالْجُحُودِ فَلَا حَاجَةَ لِمَا زَادَهُ (وَيُقَاتَلُ الْمُمْتَنِعُونَ) مِنْ أَدَائِهَا (عَلَيْهَا وَتُؤْخَذُ) مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يُقَاتَلُوا (قَهْرًا) كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَتَلْزَمُ الزَّكَاةُ كُلَّ مُسْلِمٍ) وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ الْآتِي فِي زَكَاةِ الْمَوَاشِي فَرْضُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ (حُرٍّ وَلَوْ مُبَعَّضًا مُلِكَ بِحُرِّيَّتِهِ) لِتَمَامِ مِلْكِهِ عَلَى مَا مَلَكَهُ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ وَلِهَذَا يَكْفُرُ كَالْحُرِّ الْمُوسِرِ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَالْمُرَادُ بِلُزُومِهَا غَيْرُ الْمُكَلَّفِ أَنَّهَا تَلْزَمُ فِي مَالِهِ.
(فَعَلَى الْوَلِيِّ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالِ الطِّفْلِ) وَلَوْ مُرَاهِقًا (وَالْمَجْنُونِ) كَقِيمَةِ مَا أَتْلَفَاهُ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحُقُوقِ الْمُوَجَّهَةِ عَلَيْهِمَا كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ (لَا الْجَنِينِ) فَلَا زَكَاةَ فِي الْمَالِ الْمَوْقُوفِ لِأَنَّهُ لَا ثِقَةَ بِوُجُودِهِ وَلَا بِحَيَاتِهِ فَإِنْ انْفَصَلَ مَيِّتًا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فَيُتَّجَهُ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بَقِيَّةَ الْوَرَثَةِ لِضَعْفِ مِلْكِهِمْ وَمَحِلُّ وُجُوبِهَا عَلَى الْوَلِيِّ فِي مَالِ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَرَى وُجُوبَهَا فِي مَالِهِمَا فَإِنْ كَانَ لَا يَرَاهُ كَحَنَفِيٍّ فَلَا وُجُوبَ وَالِاحْتِيَاطُ لَهُ أَنْ تُحْسَبَ زَكَاتُهُ حَتَّى يَكْمُلَا فَيُخْبِرَهُمَا بِذَلِكَ وَلَا يُخْرِجُهَا فَيُغَرِّمُهُ الْحَاكِمُ قَالَهُ الْقَفَّالُ وَفَرَضَهُ فِي الطِّفْلِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ غَيْرَ مُتَمَذْهِبٍ بَلْ عَامِّيًّا صِرْفًا فَإِنْ أَلْزَمَهُ حَاكِمٌ يَرَاهَا بِإِخْرَاجِهَا فَوَاضِحٌ وَإِلَّا فَهَلْ نَقُولُ يَسْتَفْتِي وَيَعْمَلُ بِذَلِكَ أَوْ يُؤَخِّرُ الْأَمْرَ إلَى كَمَالِهِمَا أَوْ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى حَاكِمٍ عَدْلٍ مَأْمُونٍ وَيَعْمَلُ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا وَقَيِّمُ الْحَاكِمِ يُرَاجِعُهُ وَيَعْمَلُ بِقَوْلِهِ.
اهـ.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ كَحَاكِمٍ أَنَابَهُ حَاكِمٌ آخَرُ يُخَالِفُهُ فِي مَذْهَبِهِ وَالْأَوْجَهُ فِيمَا فِيهِ التَّرْدِيدَاتُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْقَفَّالِ السَّابِقِ الِاحْتِيَاطُ بِمِثْلِ مَا مَرَّ (فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا) الْوَلِيُّ مِنْ مَالِ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ (أَخْرَجَاهُ إنْ كَمُلَا) لِأَنَّ الْحَقَّ تَوَجَّهَ إلَى مَالِهِمَا لَكِنَّ الْوَلِيَّ عَصَى بِالتَّأْخِيرِ فَلَا يَسْقُطُ مَا تَوَجَّهَ إلَيْهِمَا وَمِثْلُهُمَا فِيمَا ذَكَرَ السَّفِيهُ (وَلَا يَلْزَمُ الْكَافِرَ إخْرَاجُهَا) لَا فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ (وَلَا تَسْقُطُ) الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْإِسْلَامِ (بِالرِّدَّةِ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ (فَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا) وَقَدْ مَضَى عَلَى مَالِهِ حَوْلٌ أَوْ أَكْثَرُ فِي رِدَّتِهِ (بَانَ أَنْ لَا مَالَ لَهُ) مِنْ حِينِهَا فَلَا زَكَاةَ وَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ أَخْرَجَ الْوَاجِبَ فِي الرِّدَّةِ وَقَبْلَهَا وَإِنْ أَخْرَجَ حَالَ رِدَّتِهِ أَجْزَأَهُ كَمَا لَوْ أَطْعَمَ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بَدَنِيٌّ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (وَلَا زَكَاةَ) عَلَى السَّيِّدِ وَلَا مُكَاتَبِهِ (فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لِلسَّيِّدِ وَالْمُكَاتَبُ لَيْسَ بِحُرٍّ وَمِلْكُهُ ضَعِيفٌ
[حاشية الرملي الكبير]
كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَتْلِهِ بِالصَّلَوَاتِ
[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
(كِتَابُ الزَّكَاةِ) فُرِضَتْ الزَّكَاةُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ بَعْدَ زَكَاةِ الْفِطْرِ (قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقِيلَ هِيَ عَامَّةٌ كَآيَةِ قَطْعِ السَّرِقَةِ فَتَكُونُ حُجَّةً فِي كُلِّ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ إلَّا مَا أَخْرَجَهُ الدَّلِيلُ وَقِيلَ هِيَ مُجْمَلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالرُّويَانِيُّ إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَقِيلَ مُطْلَقَةٌ حَمْلًا لَهُ عَلَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ (قَوْلُهُ فَلَا حَاجَةَ لِمَا زَادَهُ) أَفَادَ بِزِيَادَتِهِ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي زَكَاةٍ أُجْمِعَ عَلَيْهَا لِيَخْرُجَ مَالُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَالرِّكَازُ وَالتِّجَارَةُ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ لِأَنَّ الرِّكَازَ لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ عَلَى وَجْهٍ وَالتِّجَارَةُ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ لَا تَجِبَانِ عَلَى رَأْيٍ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْكُمْ الشَّافِعِيُّ بِكُفْرِ مَانِعِي الزَّكَاةِ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَكُنْ اسْتَقَرَّ عَلَى وُجُوبِهَا بَعْدُ وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ وُجُوبَهَا مُتَعَلِّقٌ بِدَفْعِهَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا اسْتَقَرَّ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى وُجُوبِهَا كَفَرَ جَاحِدُهَا وَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي ثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْمَالِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالزَّرْعِ وَالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَوَجَبَتْ لِثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ
(قَوْلُهُ فَعَلَى الْوَلِيِّ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالِ الطِّفْلِ) لِخَبَرِ «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَسْتَهْلِكُهَا الصَّدَقَةُ» وَفِي رِوَايَةٍ الزَّكَاةُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا وَرُوِيَ مُسْنَدًا بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ وَقَدْ اعْتَضَدَ بِقَوْلِ خَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى زَكَاةِ الْمُعَشَّرَاتِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ فَإِنَّ الْخَصْمَ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدْ وَافَقَ عَلَيْهِمَا وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ حُجَّةً وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ وَلَا يَتْرُكُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ» وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الزَّكَاةِ سَدُّ الْخُلَّةِ وَتَطْهِيرُ الْمَالِ وَمَا لَهُمَا قَابِلٌ لِأَدَاءِ النَّفَقَاتِ وَالْغَرَامَاتِ وَلَيْسَتْ الزَّكَاةُ مَحْضَ عِبَادَةٍ حَتَّى تَخْتَصَّ بِالْمُكَلَّفِ (قَوْلُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فَيُتَّجَهُ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بَقِيَّةَ الْوَرَثَةِ إلَخْ) الظَّاهِرُ خِلَافُهُ ثُمَّ رَأَيْت الْإِمَامَ قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِخُرُوجِ الْجَنِينِ حَيًّا وَهُوَ قِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِيمَا إذَا بَدَا الصَّلَاحُ أَوْ الِاشْتِدَادُ فِي زَمَنِ خِيَارِهِمَا أَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِ الْمِلْكِ مَوْقُوفًا (قَوْلُهُ لَا فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى النِّيَّةِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَتَكْلِيفُهُ بِالْفُرُوعِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الزَّكَاةُ مَعْنَاهُ إلْزَامُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بَعْدَ إتْيَانِهِ بِشَرْطِهَا وَهُوَ الْإِسْلَامُ (قَوْلُهُ وَلَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إلَخْ) تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ وَمِلْكُهُ ضَعِيفٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ زَكَاةٌ حَتَّى يَعْتِقَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَمِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
(فَإِنْ زَالَتْ الْكِتَابَةُ) بِعَجْزٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ (انْعَقَدَ حَوْلُهُ) مِنْ حِينِ زَوَالِهَا فَتَعْبِيرُهُ بِمَا قَالَهُ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ أَصْلُهُ فَإِنْ عَتَقَ وَفِي يَدِهِ مَالٌ ابْتَدَأَ لَهُ حَوْلًا وَإِنْ عَجَزَ نَفْسُهُ وَصَارَ مَالُهُ لِسَيِّدِهِ ابْتَدَأَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ (وَلَا مَالَ لِلْقِنِّ) وَلَوْ مُدَبَّرًا وَأُمَّ وَلَدٍ كَمَا سَيَأْتِي (فَلَا تَلْزَمُهُ) الزَّكَاةُ فَلَوْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ مَالًا لَمْ يَمْلِكْهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ سَيِّدِهِ فَتَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ (وَهِيَ) أَيْ الزَّكَاةُ (سِتَّةُ أَنْوَاعٍ: النَّعَمُ) وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ الْإِنْسِيَّةُ لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ لِلنَّمَاءِ غَالِبًا لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهِ وَالنَّعَمُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ وَجَمْعُهُ أَنْعَامٌ وَأَنْعَامٌ جَمْعُهُ أَنَاعِمُ وَسُمِّيَتْ نَعَمًا لِكَثْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ فِيهَا عَلَى خَلْقِهِ مِنْ النُّمُوِّ وَعُمُومِ الِانْتِفَاعِ بِهَا (وَالْمُعَشَّرَاتُ) أَيْ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ وَهُوَ الْقُوتُ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ فَأَوْجَبَ الشَّارِعُ فِيهِ شَيْئًا لِذَوِي الضَّرُورَاتِ (وَالنَّقْدَانِ) أَيْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَلَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَيْنِ لِالْتِحَاقِهِمَا بِالنَّامِيَاتِ بِتَهْيِئَتِهِمَا لِلْإِخْرَاجِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ الْجَوَاهِرِ غَالِبًا (وَالتِّجَارَةُ) لِمَا فِيهَا مِنْ النَّمَاءِ (وَالْمَعْدِنُ) لِأَنَّهُ نَمَاءٌ فِي نَفْسِهِ وَالْأَكْثَرُونَ أَدْرَجُوهُ فِي النَّقْدَيْنِ كَمَا أَدْرَجَ هُوَ فِيهِمَا الرِّكَازَ وَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى (وَالْفِطْرَةُ) تَطْهِيرًا لِلنَّفْسِ وَتَنْمِيَةً لِعَمَلِهَا قَالَ النَّوَوِيُّ الْفِطْرَةُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَهُوَ اسْمٌ مُوَلَّدٌ يُقَالُ لِلْخِلْقَةِ وَلِلْمُخْرَجِ وَقَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ تَبَعًا لِابْنِ أَبِي الدَّمِ بِضَمِّهَا اسْمٌ لِلْمُخْرَجِ مَرْدُودٌ.
(بَابٌ) حُكْمُ (زَكَاةِ الْمَوَاشِي) وُجُوبًا وَانْتِفَاءً (وَلَهَا) أَيْ الزَّكَاةِ أَيْ وُجُوبِهَا (خَمْسَةُ شُرُوطٍ) وَذَكَرَ الْأَصْلُ سَادِسًا وَهُوَ كَمَالِ الْمِلْكِ لِيَخْرُجَ بِهِ الْمَالُ الضَّالُّ وَالْمَغْصُوبُ وَنَحْوُهُمَا وَلِكَوْنِهِ تَفْرِيعًا عَلَى ضَعِيفٍ وَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَذْكُورَاتِ حَذَفَهُ الْمُصَنِّفُ الشَّرْطُ (الْأَوَّلُ النَّعَمُ فَلَا زَكَاةَ إلَّا فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) لِمَا مَرَّ وَلِمَا يَأْتِي (لَا) غَيْرِهِ حَتَّى (مُتَوَلِّدٍ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَفِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ أَنَّهَا تَجِبُ فِيمَا تَوَلَّدَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَمِنْ آخَرَ مِنْهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُهِمَّاتِ يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِهِ لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي أَنَّهُ يُزَكِّي زَكَاةَ أَيِّهِمَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُزَكِّي زَكَاةَ أَخَفِّهِمَا فَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ يُزَكَّى زَكَاةَ الْبَقَرِ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ.
اهـ. وَالْإِبِلُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَتُسَكَّنُ تَخْفِيفًا اسْمُ جَمْعٍ قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ فِي تَحْرِيرِهِ وَقَالَ فِي مَجْمُوعِهِ اسْمُ جِنْسٍ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَتُجْمَعُ عَلَى آبَالٍ كَأَحْمَالٍ وَالْبَقَرُ اسْمُ جِنْسٍ وَاحِدُهُ بَقَرَةٌ وَبَاقُورَةٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَبْقُرُ الْأَرْضَ أَيْ يَشُقُّهَا لِلْحِرَاثَةِ وَالْغَنَمُ أَيْضًا اسْمُ جِنْسٍ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي النِّصَابُ) لِمَا سَيَأْتِي فَلَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَهُ (وَأَوَّلُ نِصَابِ الْإِبِلِ خَمْسٌ وَفِيهَا شَاةٌ وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ وَفِي إحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ وَفِي إحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ وَكَذَا فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةٌ لَا بَعْضُهَا) خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ (وَجَبَتْ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ) . رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ لَمَّا وَجَّهَهُ إلَى الْبَحْرَيْنِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاَلَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ فَمَنْ سَأَلَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا وَمَنْ سَأَلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ سِتَّةً وَسَبْعِينَ إلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِيهِ زِيَادَةٌ يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي مَجَالِهَا وَقَوْلُهُ فَرَضَ أَيْ قَدَّرَ وَقَوْلُهُ فَلَا يُعْطِ أَيْ الزَّائِدَ بَلْ يُعْطِي الْوَاجِبَ فَقَطْ وَتَقْيِيدُ بِنْتِ الْمَخَاضِ وَاللَّبُونِ بِالْأُنْثَى وَابْنِ اللَّبُونِ بِالذَّكَرِ تَأْكِيدًا كَمَا يُقَالُ رَأَيْت بِعَيْنِي وَسَمِعْت بِأُذُنِي وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ بَعْضَ الْوَاحِدَةِ كَالْوَاحِدَةِ لِبِنَاءِ الزَّكَاةِ عَلَى تَغَيُّرِ وَاجِبِهَا بِالْأَشْخَاصِ دُونَ الْأَشْقَاصِ وَفِي أَبِي دَاوُد
[حاشية الرملي الكبير]
مَوْقُوفًا وَلَا مُخَالِفَ لَهُ وَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ وَمَالُهُ غَيْرُ صَالِحٍ لَهَا وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ قَرِيبَةٍ وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ (قَوْلُهُ وَهِيَ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ النَّعَمُ إلَخْ) أَمَّا وُجُوبُهَا فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ فَلِمَا سَيَأْتِي وَأَمَّا انْتِفَاؤُهُ عَمَّا عَدَاهَا فَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ نَامٍ وَلَا مُعَدٍّ لِلنَّمَاءِ فَلَمْ يَلْحَقْ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
[بَابٌ حُكْمُ زَكَاةِ الْمَوَاشِي]
(بَابُ زَكَاةِ الْمَوَاشِي) (قَوْلُهُ الْأَوَّلُ النَّعَمُ) النَّعَمُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ قَالَ تَعَالَى ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: 21] وَفِي مَوْضِعٍ مِمَّا فِي بُطُونِهِ (قَوْلُهُ يُزَكَّى زَكَاةَ الْبَقَرِ إلَخْ) وَهُوَ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي بَابِ النَّجَاسَةِ أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أَخَفَّ أَبَوَيْهِ فِي الزَّكَاةِ.
(قَوْلُهُ وَأَوَّلُ نِصَابِ الْإِبِلِ) إنَّمَا بَدَأَ بِالْإِبِلِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَأَ بِهَا فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ الَّتِي كَتَبَهَا لِلسُّعَاةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعَمَّ أَمْوَالِهِمْ وَضَبْطُهَا يَصْعُبُ فَبَدَأَ بِهَا لِيَعْتَنِيَ بِهَا (قَوْلُهُ وَفِيهَا شَاةٌ إلَخْ) إيجَابُ الْغَنَمِ فِي الْإِبِلِ عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ رِفْقًا بِالْفَرِيقَيْنِ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بَعِيرٌ لَأَضَرَّ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ وَلَوْ وَجَبَ جُزْءٌ لَأَضَرَّ بِالْفَرِيقَيْنِ بِالتَّشْقِيصِ وَقَوْلُهُ وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ الْمُرَادُ أَنَّ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ (قَوْلُهُ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ إلَخْ) وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ وَغَلِطَ حَافِظُ مَكَّةَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فَعَزَاهُ إلَى مُسْلِمٍ أَيْضًا فَاجْتَنِبْهُ (قَوْلُهُ وَفِيهِ زِيَادَةٌ يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي مَحَالِّهَا) إذْ الصَّحِيحُ جَوَازُ تَفْرِيقِ الْحَدِيثِ إذْ لَمْ يَخْتَلَّ بِهِ الْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ أَيْ قَدَّرَ) وَقِيلَ أَوْجَبَ
التَّصْرِيحُ بِالْوَاحِدَةِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ لِخَبَرِ أَنَسٍ (وَلِتِلْكَ الْوَاحِدَةِ قِسْطٌ) مِنْ الْوَاجِبِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ تَغَيَّرَ بِهَا فَيَتَعَلَّقُ بِهَا كَالْعَاشِرَةِ (فَيَسْقُطُ بِمَوْتِهَا بَيْنَ) تَمَامِ (الْحَوْلِ وَالتَّمَكُّنِ) مِنْ الْإِخْرَاجِ (جُزْءٌ مِنْ مِائَةٍ وَوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ الثَّلَاثِ) مِنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ (ثُمَّ) يَسْتَمِرُّ ذَلِكَ (إلَى مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ فَيَتَغَيَّرُ) الْوَاجِبُ (فِي كُلِّ عَشْرٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ فَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ بِنْتَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ وَفِي مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَحِقَّتَانِ وَعَلَى هَذَا) فَقِسْ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْأُنُوثَةُ فِي الْمُخْرَجِ لِمَا فِيهَا مِنْ رِفْقِ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ.
(فَرْعٌ بِنْتُ الْمَخَاضِ مَا لَهَا سَنَةٌ) سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّ أُمَّهَا بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ وِلَادَتِهَا تَحْمِلُ مَرَّةً أُخْرَى فَتَصِيرُ مِنْ الْمَخَاضِ أَيْ الْحَوَامِلِ (وَبِنْتُ اللَّبُونِ) مِثْلُهَا (سَنَتَانِ) سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّ أُمَّهَا آنَ لَهَا أَنْ تَلِدَ فَتَصِيرَ لَبُونًا (وَالْحِقَّةُ) مَا لَهَا (ثَلَاثٌ) سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُرْكَبَ وَيُحْمَلَ عَلَيْهَا وَلِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ يَطْرُقَهَا الْفَحْلُ وَاسْتَحَقَّ الْفَحْلُ أَنْ يَطْرُقَ (وَالْجَذَعَةُ) مَالَهَا (أَرْبَعٌ) سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا جَذَعَتْ مُقَدَّمَ أَسْنَانِهَا أَيْ أَسْقَطَتْهُ وَقِيلَ لِتَكَامُلِ أَسْنَانِهَا (بِالْكَمَالِ) أَيْ مَعَ كَمَالِ السِّنِينَ (فِي الْجَمِيعِ) مَعَ (الطَّعْنِ فِيمَا بَعْدُ) أَيْ بَعْدَهَا وَهَذَا إيضَاحٌ لِمَا قَبْلَهُ (وَالْجَذَعَةُ آخِرُ أَسْنَانِ زَكَاةِ الْإِبِلِ) يَعْنِي أَسْنَانَ إبِلِ الزَّكَاةِ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَدُ النَّاقَةِ يُسَمَّى بَعْدَ الْوِلَادَةِ رُبَعًا وَالْأُنْثَى رُبَعَةَ ثُمَّ هُبَعًا وَهُبَعَةَ بِضَمِّ أَوَّلِ الْجَمِيعِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ ثُمَّ فَصِيلًا فَإِذَا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ سُمِّيَ ابْنَ مَخَاضٍ وَالْأُنْثَى بِنْتَ مَخَاضٍ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَهُوَ غَلَطٌ بَلْ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الرُّبَعَ مَا يُنْتَجُ فِي أَوَّلِ زَمَنِ النِّتَاجِ وَهُوَ زَمَنُ الرَّبِيعِ وَجَمْعُهُ رِبَاعٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَأَرْبَاعٌ.
وَالْهُبَعُ مَا يُنْتَجُ فِي آخِرِهِ وَهُوَ زَمَنُ الصَّيْفِ قَالَ وَسُمِّيَ بِهِ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ مِنْ قَوْلِهِمْ هَبَعَ إذْ اسْتَعَانَ بِعُنُقِهِ فِي مَشْيِهِ لِأَنَّ الرُّبَعَ أَقْوَى مِنْهُ لِأَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَهُ فَإِذَا سَارَ مَعَهُ احْتَاجَ أَيْ الْهُبَعُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِعُنُقِهِ فِي مِشْيَتِهِ حَتَّى لَا يَنْقَطِعَ عَنْهُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَوَلَدُ النَّاقَةِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ يُسَمَّى حُوَارًا أَيْ بِضَمِّ الْحَاءِ وَبِالرَّاءِ وَسُمِّيَ فَصِيلًا لِأَنَّهُ فُصِلَ مِنْ أُمِّهِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِذَا دَخَلَتْ الْجَذَعَةُ فِي السَّادِسَةِ فَهِيَ ثَنِيَّةٌ فَإِذَا دَخَلَتْ فِي السَّابِعَةِ فَرَبَاعٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيُقَالُ رُبَاعِي بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ فَإِذَا دَخَلَ فِي الثَّامِنَةِ فَسَدَسٌ لَهُمَا بِفَتْحِ السِّينِ وَالدَّالِ وَيُقَالُ سَدِيسٌ بِزِيَادَةِ يَاءٍ فَإِذَا دَخَلَ فِي التَّاسِعَةِ فَبَازِلٌ لَهُمَا لِأَنَّهُ بَزَلَ نَابَهُ أَيْ طَلَعَ فَإِذَا دَخَلَ فِي الْعَاشِرَةِ فَمُخْلِفٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَالْأُنْثَى كَالذَّكَرِ فِي قَوْلِ الْكِسَائِيّ وَبِالْهَاءِ فِي قَوْلِ أَبِي زَيْدٍ النَّحْوِيِّ ثُمَّ لَا يَخْتَصُّ هَذَانِ بِاسْمٍ بَلْ يُقَالُ بَازِلُ عَامٍّ وَبَازِلُ عَامَيْنِ فَأَكْثَرَ وَمُخْلِفُ عَامٍ وَمُخْلِفُ عَامَيْنِ فَأَكْثَرَ فَإِذَا كَبِرَ فَهُوَ عَوْدٌ وَعَوْدَةٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ فَإِذَا هَرَمَ فَالذَّكَرُ قَحِمٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْأُنْثَى نَابٌ وَشَارِفٌ.
(فَصْلُ وَأَوَّلُ نِصَابِ الْبَقَرِ ثَلَاثُونَ وَفِيهَا تَبِيعٌ) وَهُوَ (مَالَهُ سَنَةٌ كَامِلَةٌ) سُمِّيَ تَبِيعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ وَقِيلَ لِأَنَّ قَرْنَهُ يَتْبَعُ أُذُنَهُ وَيُجْزِئُ عَنْهُ تَبِيعَةٌ بَلْ أَوْلَى لِلْأُنُوثَةِ (وَفِي الْأَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ) وَتُسَمَّى ثَنِيَّةً وَهِيَ مَا (لَهَا سَنَتَانِ كَامِلَتَانِ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ «عَنْ مُعَاذٍ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْيَمَنِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً وَمِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا» وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ وَسُمِّيَتْ مُسِنَّةً لِتَكَامُلِ أَسْنَانِهَا (وَفِي سِتِّينَ) بَقَرَةً (تَبِيعَانِ وَهَكَذَا فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ وَفِي سَبْعِينَ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ وَ) فِي (ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ وَهَكَذَا) فَفِي تِسْعِينَ ثَلَاثَةُ أَتْبِعَةٍ وَفِي مِائَةٍ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعَانِ وَفِي مِائَةٍ وَعَشْرَةٍ مُسِنَّتَانِ وَتَبِيعٌ أَخْذًا مِنْ الْخَبَرِ السَّابِقِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَالُوا وَلَدُ الْبَقَرَةِ يُسَمَّى بَعْدَ الْوِلَادَةِ عِجْلًا وَعَجُولًا فَإِذَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَهُوَ جَذَعٌ وَجَذَعَةٌ فَإِذَا دَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ فَثَنِيٌّ وَثَنِيَّةٌ فَإِذَا دَخَلَ فِي الرَّابِعَةِ فَرَبَاعٌ وَرَبَاعَةٌ فَإِذَا دَخَلَ فِي السَّادِسَةِ فَضَالِعٌ ثُمَّ لَا اسْمَ لَهُ بَعْدَ هَذَا إلَّا ضَالِعُ عَامٍ أَوْ ضَالِعُ عَامَيْنِ.
[فَصْلٌ نِصَابِ الْغَنَم]
(فَصْلٌ وَأَوَّلُ نِصَابِ الْغَنَمِ أَرْبَعُونَ وَفِيهَا شَاةٌ وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاتَانِ وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ وَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ فِي كُلِّ مِائَةٍ مِنْ الضَّأْنِ جَذَعَةٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الضَّأْنِ وَهِيَ مَا (لَهَا سَنَةٌ) كَامِلَةٌ (أَوْ مِنْ الْغَنَمِ) وَفِي نُسْخَةٍ وَهِيَ الْأَوْلَى الْمُوَافِقُ لِلْأَصْلِ أَوْ مِنْ الْمَعْزِ (فَثَنِيَّةٌ مِنْهُ) وَهِيَ (مَالَهَا سَنَتَانِ كَامِلَتَانِ) لِقَوْلِهِ فِي خَبَرِ أَنَسٍ وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ فَإِذَا زَادَتْ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا فَقِسْ) فَفِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَفِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَثَمَانِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ امْتَنَعَ الْأَخْذُ مِنْ النَّوْعَيْنِ مَعًا وَتَعَيَّنَ مِنْ أَحَدِهِمَا لِمَا يَلْزَمُ مِنْ التَّشْقِيصِ لَكِنْ إذَا وُجِدَا تَامَّيْنِ وَجَبَ أَخْذُ الْأَغْبَطِ وَفِيمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ يَتَغَيَّرُ بِكُلِّ عَشْرٍ كَمَا سَبَقَ وَيَسْقُطُ النَّظَرُ إلَى الْأَغْبَطِ لِلتَّشْقِيصِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ثُمَّ يَتَعَيَّنُ الْأَغْبَطُ إمَّا أَرْبَعُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ أَوْ سِتُّ بَنَاتِ لَبُونٍ وَهَكَذَا كُلَّمَا وُجِدَ الْفَرْضُ بِالْحِسَابَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَشْقِيصٍ تَعَيَّنَ الْأَغْبَطُ فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعَمِائَةٍ صَارَ لِكُلِّ مِائَتَيْنِ حُكْمُ نَفْسِهَا.
(قَوْلُهُ أَيْ مَعَ كَمَالِ السِّنِينَ إلَخْ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إذَا نَصَّ عَلَى سِنٍّ فِي بَابِ السَّلَمِ كَانَ لِلتَّقْرِيبِ فَلِمَ لَا كَانَ هُنَا مِثْلُهُ حَتَّى يُجْزِئَ مَا نَقَصَ قَلِيلًا قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْغَالِبَ فِي السَّلَمِ إنَّمَا يَكُونُ فِي غَيْرِ مَوْجُودٍ فَلَوْ كَلَّفْنَاهُ التَّحْدِيدَ لَتَعَسَّرَ وَالزَّكَاةُ تَجِبُ فِي سِنٍّ اسْتَنْتَجَهُ هُوَ غَالِبًا وَهُوَ عَارِفٌ بِسِنِّهِ فَإِذَا أَوْجَبْنَاهُ لَمْ يَشُقَّ (قَوْلُهُ فَرَبَاعٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقَالَ ابْنُ مَعْنٍ بِكَسْرِهَا.
[فَصْلُ نِصَابِ الْبَقَرِ]
(قَوْلُهُ وَفِي نُسْخَةٍ وَهِيَ الْأَوْلَى إلَخْ) لِأَنَّ الْغَنَمَ اسْمٌ لِلضَّأْنِ وَالْمَعْزِ
عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةٌ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا.
وَمَحَلُّ اعْتِبَارِ بُلُوغِ شَاةِ الضَّأْنِ سَنَةٌ إذَا لَمْ تَجْذَعْ قَبْلَ تَمَامِهَا كَالِاحْتِلَامِ مَعَ السِّنِّ وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ ضَأْنٍ مَعْزًا وَعَكْسَهُ فَيُخْرِجُ عَنْ أَرْبَعِينَ ضَائِنَةً ثَنِيَّةً مِنْ الْمَعْزِ وَعَنْ أَرْبَعِينَ مَاعِزَةً جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ (وَ) لَكِنْ (لَا تُجْزِئُ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى إلَّا بِرِعَايَةِ الْقِيمَةِ) بِأَنْ تَتَسَاوَيَا فِيهَا (وَكَذَا سَائِرُ أَنْوَاعِ الْغَنَمِ) لَا يُجْزِئُ نَوْعٌ عَنْ نَوْعٍ إلَّا بِرِعَايَةِ الْقِيمَةِ كَأَرْحَبِيَّةٍ وَمَهْرِيَّةٍ مِنْ الْإِبِلِ وَعِرَابٍ وَجَوَامِيسَ مِنْ الْبَقَرِ كَمَا سَيَأْتِي فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ نَوْعُهَا عِنْدَهُ مَعَ أَنَّ مَا هُنَا شَامِلٌ لِمَا إذَا اتَّحَدَ نَوْعُهَا عِنْدَهُ وَمَا إذَا اخْتَلَفَ (وَمَا بَيْنَ النِّصَابَيْنِ) هُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ (يُسَمَّى وَقَصًا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِهَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَالْفَصِيحُ فَتْحُهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْمَشْهُورُ فِي الْفِقْهِ إسْكَانُهَا وَالشَّنَقُ بِمُعْجَمَةٍ وَنُونٍ مَفْتُوحَتَيْنِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْوَقَصِ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ هُوَ فِي كُتُبِ الْإِبِلِ خَاصَّةً وَالْوَقَصُ فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَيُقَالُ فِيهِ وَقَسٌ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ وَبِالْجُمْلَةِ (لَا شَيْءَ فِيهِ) وَأَكْثَرُ مَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الْأَوْقَاصِ فِي الْإِبِلِ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ مَا بَيْنَ إحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَفِي الْبَقَرِ تِسْعَ عَشَرَةَ مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ وَسِتِّينَ وَفِي الْغَنَمِ مِائَةٌ وَثَمَانٍ وَتِسْعُونَ مَا بَيْنَ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
(فَصْلٌ شَاةُ الْإِبِلِ كَشَاةِ الْغَنَمِ) وَفِي قَدْرِ سِنِّهَا وَفِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا (مِنْ غَنَمِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ مِثْلِهَا) فِي الْقِيمَةِ أَوْ أَعْلَى كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى (مِنْ أَيِّ النَّوْعَيْنِ) أَيْ الضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ (شَاءَ وَلَوْ) كَانَ الْمُخْرَجُ (ذَكَرًا فِي إبِلِ إنَاثٍ) فَيُجْزِئُ كَالْأُضْحِيَّةِ بِخِلَافِهِ فِي الْغَنَمِ إذَا كَانَ فِيهَا أُنْثَى لِأَنَّ الْمُخْرَجَ عَنْهَا أَصْلٌ لَا بَدَلٌ فَلَا يُجْزِئُ عَنْهَا إلَّا أُنْثَى عَلَى الْأَصْلِ فِي الزَّكَاةِ كَمَا سَيَأْتِي بِخِلَافِ الْمُخْرَجِ عَنْ الْإِبِلِ.
(فَرْعٌ تُجْزِئُ بِنْتُ مَخَاضٍ ثُمَّ) وَفِي نُسْخَةٍ أَوْ (بَدَلُهَا) مِنْ ابْنِ لَبُونٍ أَوْ نَحْوِهِ كَمَا سَيَأْتِي (فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ إلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ) مِنْهَا بِإِخْرَاجِ الْغَايَةِ (وَلَوْ زَادَ قِيمَةُ الشَّاةِ) الْوَاجِبَةِ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ (عَلَيْهَا) أَيْ بِنْتِ الْمَخَاضِ ثُمَّ بَدَلُهَا وَفِي نُسْخَةٍ عَلَيْهِ أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا أَجْزَأَ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَعَمَّا دُونَهَا أَوْلَى وَفِي إيجَابِ عَيْنِهِ إجْحَافٌ بِالْمَالِكِ وَفِي إيجَابِ بَعْضِهِ ضَرَرُ الشَّرِكَةِ فَأَوْجَبْنَا الشِّدَّةَ بَدَلًا لِخَبَرِ أَنَسٍ السَّابِقِ فَصَارَ الْوَاجِبُ أَحَدَهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ الشَّاةَ كَمَا اقْتَضَاهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ حَكَى الْأَصْلُ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الشَّاةَ أَصْلٌ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ أَوْ بَدَلٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ جِنْسِ الْمَالِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ تَرْجِيحَ الْأَوَّلِ فَلَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِمَا أُجْبِرَ عَلَى أَدَاءِ الشَّاةِ فَإِنْ أَدَّى الْبَعِيرَ قُبِلَ مِنْهُ وَعُلِمَ مِمَّا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أُنُوثَةُ الْبَعِيرِ الْمُخْرَجِ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ فِي إبِلِهِ أُنْثَى كَمَا فِي الْمُخْرَجِ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ.
(فَرْعٌ لَوْ كَانَتْ الْإِبِلُ مِرَاضًا وَجَبَتْ شَاةٌ صَحِيحَةٌ بِلَا تَقْسِيطٍ) بَلْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً كَمَا فِي الصِّحَاحِ إذْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا صِفَةُ مَالِهِ فَلَمْ تَخْتَلِفْ بِصِحَّةِ الْمَالِ وَمَرَضِهِ كَالْأُضْحِيَّةِ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْغَنَمِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَا فِي الذِّمَّةِ وَثَمَّ فِي الْمَالِ وَقِيلَ تَجِبُ فِيهَا صَحِيحَةٌ بِالتَّقْسِيطِ بِأَنْ تَكُونَ لَائِقَةً بِهَا فَيُؤْخَذُ مِنْ خُمْسِ قِيمَتِهَا بِالْمَرَضِ خَمْسُونَ وَبِدُونِهِ مِائَةٌ وَشَاتُهَا تُسَاوِي سِتَّةً صَحِيحَةً تُسَاوِي ثَلَاثَةً وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَمَا رَجَّحَهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ إنَّهُ الْأَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ كَلَامُ الْأَصْلِ قَدْ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الثَّانِي (فَإِنْ عُدِمَتْ الشَّاةُ الصَّحِيحَةُ فَدَرَاهِمُ) يُفَرِّقُهَا لِلضَّرُورَةِ.
(فَصْلٌ يُؤْخَذُ ابْنُ لَبُونٍ وَلَوْ) وَلَدَ لَبُونٍ (خُنْثَى وَمُشْتَرًى) أَيْ وَلَوْ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ الْمَالِكُ (عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ لَمْ تَكُنْ فِي إبِلِهِ) يَعْنِي فِي مِلْكِهِ (وَكَذَا حِقٌّ) وَمَا فَوْقَهُ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهَا أَقَلَّ قِيمَةً مِنْهَا وَلَا يُكَلَّفُ تَحْصِيلَهَا بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ أَمَّا إجْزَاءُ ابْنِ اللَّبُونِ فَلِلنَّصِّ عَلَيْهِ فِي خَبَرِ أَنَسٍ وَأَمَّا الْخُنْثَى وَالْحِقُّ وَمَا فَوْقَهُ فَبِالْأَوْلَى وَلَا جُبْرَانَ فِيهَا وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ وَعُدَّتْ الْخُنُوثَةُ عَيْبًا إذْ فَضْلُ السِّنِّ يُجْبِرُ فَضْلَ الْأُنُوثَةِ وَعَيْبَ الْخُنُوثَةِ فَكَانَتْ إبْدَالًا تَامَّةً وَبِهَذَا فَارَقَ الطَّهَارَةَ وَالْكَفَّارَةَ حَيْثُ جُعِلَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى شِرَاءِ الْمَاءِ وَالرَّقَبَةِ كَوُجُودِهِمَا بِمِلْكِهِ مَعَ أَنَّ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ إذَا لَمْ تَجْذَعْ قَبْلَ تَمَامِهَا) فَإِنْ أَجْذَعَتْ قَبْلَ تَمَامِهَا أَجْزَأَتْ كَمَا لَوْ تَمَّتْ السَّنَةُ قَبْلَ أَنْ تَجْذَعُ (قَوْلُهُ وَهِيَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ مَا بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ) قَالَ شَيْخُنَا وَجْهُهُ أَنَّ الْفَرْضَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَدْفُوعِ مِنْ الزَّكَاةِ وَعَلَى الْمُخْرَجِ مِنْهُ وَلَا كَذَلِكَ النِّصَابُ.
[فَصْلٌ شَاةُ الْإِبِلِ كَشَاةِ الْغَنَمِ]
(قَوْلُهُ مِنْ أَيِّ النَّوْعَيْنِ شَاءَ) فَلَوْ كَانَتْ غَنَمُ الْبَلَدِ كُلُّهَا ضَائِنَةً وَهِيَ أَعْلَى قِيمَةً مِنْ الْمَعْزِ لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُهُ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمُخْرِجِ عَنْ الْإِبِلِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الشَّاةَ بَدَلٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا أَصْلٌ قَالَ شَيْخُنَا نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ حَيْثُ الْقِيَاسُ وَأَنَّهَا أَصْلٌ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ كَاتِبُهُ.
(قَوْلُهُ بِإِخْرَاجِ الْغَايَةِ) أَيْ لِأَنَّ حُكْمَهَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَإِلَّا فَإِدْخَالُهَا صَحِيحٌ (قَوْلُهُ فِي أَنَّ الشَّاةَ أَصْلٌ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ الصَّحِيحُ أَنَّهَا أَصْلٌ ع
[فَرْعٌ كَانَتْ الْإِبِل مِرَاضًا]
(قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ إنَّهُ الْأَصَحُّ) عِنْدَ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْبَيَانِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَقَالَ الْقَمُولِيُّ إنَّهُ الْأَصَحُّ وَنَصِّ الْمُخْتَصَرِ.
[فَصَلِّ يُؤْخَذُ ابْنُ لَبُونٍ وَلَوْ وَلَدَ لَبُونٍ خُنْثَى وَمُشْتَرًى]
(قَوْلُهُ يُؤْخَذُ ابْنُ لَبُونٍ وَلَوْ خُنْثَى وَمُشْتَرًى عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ إلَخْ) فَإِنْ قِيلَ مَنْ قَدَرَ عَلَى شِرَاءِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ وَالْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ لَمْ يَعْدِلْ إلَى الْبَدَلِ فَمَا الْفَرْقُ قِيلَ لِلنَّصِّ وَالْمَعْنَى أَمَّا النَّصُّ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ [البقرة: 196] ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] فَاعْتُبِرَ عَدَمُهُمَا وَهُمَا قَادِرَانِ بِالشِّرَاءِ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هُنَا فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي إبِلِهِ فَاعْتُبِرَ الْمَوْجُودُ فِي مَالِهِ وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ وَأَيْضًا ابْنُ اللَّبُونِ يُسَاوِي بِنْتَ الْمَخَاضِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهَا بِالسِّنِّ فَيَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ وَيَرْعَى بِنَفْسِهِ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ بِالْأُنُوثَةِ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يُجْزِئَ مَعَ وُجُودِهَا لَوْلَا الْخَبَرُ فَإِنَّهُ شُرِطَ فِي إجْزَائِهِ عَدَمُهَا.
(قَوْلُهُ يَعْنِي فِي مِلْكِهِ) أَيْ حَالَةَ الْإِخْرَاجِ كَمَا قَيَّدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ غ
الزَّكَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ بِخِلَافِهِمَا أَمَّا إذَا مَلَكَ بِنْتَ مَخَاضٍ فَلَا يُجْزِئُهُ مَا ذُكِرَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَفِي كَيْفِيَّةِ مُطَالَبَةِ السَّاعِي بِالْوَاجِبِ عِنْدَ فَقْدِ بِنْتِ الْمَخَاضِ مَعَ ابْنِ اللَّبُونِ وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا الشَّيْخَانِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ.
أَحَدُهُمَا يُخَيِّرُهُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الْإِخْرَاجِ وَالثَّانِي يُطَالِبُهُ بِبِنْتِ مَخَاضٍ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فَإِنْ دَفَعَ ابْنَ لَبُونٍ قُبِلَ مِنْهُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ لِلْخُنْثَى ابْنٌ وَلَيْسَ مُرَادًا وَخَرَجَ بِابْنِ اللَّبُونِ وَنَحْوِهِ ابْنُ الْمَخَاضِ فَلَا يُجْزِئُ وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إنَّهُ يُجْزِئُ وَقَالَ الْقَاضِي إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ (لَا عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ) أَيْ لَا يُؤْخَذُ عَنْهَا مَا ذُكِرَ لِأَنَّ زِيَادَةَ السِّنِّ فِي ابْنِ اللَّبُونِ وَنَحْوِهِ فِيمَا مَرَّ تُوجِبُ اخْتِصَاصَهُمَا بِقُوَّةِ وُرُودِ الْمَاءِ وَالشَّجَرِ وَالِامْتِنَاعَ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بِخِلَافِهَا فِي الْحِقِّ وَنَحْوِهِ هُنَا لَا يُوجِبُ اخْتِصَاصَهُمَا عَنْ بِنْتِ اللَّبُونِ بِهَذِهِ الْقُوَّةِ بَلْ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهِمَا جَمِيعًا فَلَيْسَتْ الزِّيَادَةُ هُنَا فِي مَعْنَى الزِّيَادَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَبْرِهَا ثَمَّ جَبْرُهَا هَا هُنَا (وَ) بِنْتُ الْمَخَاضِ (الْمَعِيبَةُ وَالْمَغْصُوبَةُ) إذَا عَجَزَ عَنْ تَخْلِيصِهَا (وَالْمَرْهُونَةُ بِمُؤَجَّلٍ كَالْمَعْدُومَةِ) فَيُؤْخَذُ عَنْهَا مَا ذُكِرَ لِعَدَمِ إجْزَاءِ الْمَعِيبَةِ وَعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ إخْرَاجِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَهُمَا مَعَ مَا بَعْدَهُمَا إلَى آخِرِ الْفَصْلِ مَا عَدَا مَسْأَلَةَ الْكَرِيمَةِ مِنْ زِيَادَتِهِ وَخَرَجَ بِالْمُؤَجَّلِ الْمَرْهُونَةُ بِحَالٍ أَوْ بِمُؤَجَّلٍ حَلَّ أَيْ وَقَدَرَ عَلَى فَكِّهَا فَيَخْرُجُهَا (وَلَوْ مَلَكَ هُوَ أَوْ وَارِثُهُ بِنْتَ الْمَخَاضِ بَيْنَ) تَمَامِ (الْحَوْلِ وَالْأَدَاءِ تَعَيَّنَتْ) لِلْأَدَاءِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الثَّانِيَةِ خِلَافُ الْمَنْقُولِ فَقَدْ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَلَوْ تَلِفَتْ بِنْتُ الْمَخَاضِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ إخْرَاجِهَا فَيُتَّجَهُ امْتِنَاعُ ابْنِ اللَّبُونِ لِتَقْصِيرِهِ (وَلَوْ كَانَ لَهُ كَرِيمَةٌ لَمْ يُجْزِهِ ابْنُ لَبُونٍ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى بِنْتِ الْمَخَاضِ (وَلَمْ يُكَلَّفْهَا) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ عَامِلًا إيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فَإِنْ تَطَوَّعَ بِهَا فَقَدْ أَحْسَنَ هَذَا إنْ كَانَتْ بَقِيَّةٌ بَلْ مَهَازِيلُ كَمَا قَيَّدَ بِهَا الْأَصْلُ فَإِنْ كَانَتْ كِرَامًا لَزِمَهُ إخْرَاجُ كَرِيمَةٍ إذْ لَا تَكْلِيفَ وَكَرَائِمُ الْأَمْوَالِ نَفَائِسُهَا الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا نَفْسُ مَالِكِهَا لِعِزَّتِهَا عَلَيْهِ بِسَبَبِ مَا جَمَعْت مِنْ جَمِيلِ الصِّفَاتِ (وَلَا يُكَلَّفُ عَنْ الْحَوَامِلِ حَامِلًا) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَخْذِ الشَّافِعِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ أَخْذِ حَيَوَانَيْنِ فَلَوْ أَخْرَجَ حَامِلًا قُبِلَتْ مِنْهُ وَالْحَمْلُ لَيْسَ عَيْبًا فِي الْبَهَائِمِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ خِيَارِ النَّقْصِ.
(فَرْعٌ) إذَا بَلَغَتْ إبِلُهُ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ لِأَنَّهَا أَرْبَعُ خَمْسِينَاتٍ وَخَمْسُ أَرْبَعِينَاتِ وَلَهُ فِيهَا خَمْسَةُ أَحْوَالٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَجِدَ عِنْدَهُ كُلَّ الْوَاجِبِ بِكُلِّ الْحِسَابَيْنِ أَوْ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ أَوْ يَجِدَ بَعْضَهُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا أَوْ لَا يَجِدُ شَيْئًا مِنْهُمَا وَقَدْ بَيَّنَهَا بِهَذَا التَّرْتِيبِ فَقَالَ (صَاحِبُ الْمِائَتَيْنِ) أَيْ مِنْ الْإِبِلِ (يَلْزَمُهُ) فِيهَا (الْأَغْبَطُ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ أَرْبَعِ حِقَاقٍ وَخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ إنْ وُجِدَا مَعَهُ) بِصِفَةِ الْإِجْزَاءِ مِنْ غَيْرِ نَفَاسَةٍ عَلَى بَقِيَّةِ الْإِبِلِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فَرَضَهُ فَإِذَا اجْتَمَعَا رُوعِيَ مَا فِيهِ حَظُّ الْأَصْنَافِ إذْ لَا مَشَقَّةَ فِي تَحْصِيلِهِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَسَاكِينِ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالزَّكَاةِ أَحَدُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ بَلْ جَمِيعُهَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي بَابِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ إنَّمَا عَبَّرُوا بِهِمْ أَوْ بِالْفُقَرَاءِ لِغَلَبَتِهِمْ وَلِأَنَّهُمْ أَهَمُّ الْأَصْنَافِ وَأَشْهَرُهَا عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْمَسَاكِينِ سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ.
(فَلَوْ أَخَذَ غَيْرَ الْأَغْبَطِ بِلَا تَقْصِيرٍ) مِمَّنْ يَأْتِي (أَجْزَأَهُ) لِلْعُذْرِ (وَجُبِرَ) التَّفَاوُتُ لِنَقْصِ حَقِّ الْمُسْتَحِقِّينَ (بِالنَّقْدِ) أَيْ بِنَقْدِ الْبَلَدِ (أَوْ بِجُزْءٍ مِنْ الْأَغْبَطِ) لِأَنَّهُ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ أَمَّا إذَا مَلَكَ بِنْتَ الْمَخَاضِ) أَيْ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْ النِّصَابِ بِأَنْ كَانَتْ مَعْلُوفَةً كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ إنَّهُ الْمُتَّجَهُ (قَوْلُهُ وَالثَّانِي يُطَالِبُهُ بِبِنْتِ مَخَاضٍ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ وَكَتَبَ عَلَيْهِ وَهَذَا أَحْسَنُ غ (قَوْلُهُ لِأَنَّ زِيَادَةَ السِّنِّ فِي ابْنِ اللَّبُونِ إلَخْ) وَلِأَنَّ فِي بِنْتِ اللَّبُونِ خِيَارَيْنِ بِالنُّزُولِ وَالصُّعُودِ فَلَا تَثْبُتُ ثَالِثًا بِإِخْرَاجِ الْحَقِّ وَفِي بِنْتِ الْمَخَاضِ خِيَارٌ بِالصُّعُودِ فَقَطْ فَأَثْبَتْنَا لَهُ ثَانِيًا (قَوْلُهُ تَعَيَّنَتْ لِلْأَدَاءِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي عَدَمِهَا حَالَةَ الْأَدَاءِ لَا حَالَةَ الْوُجُودِ عَلَى الْأَصَحِّ (قَوْلُهُ فَقَدْ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ إلَخْ) عِبَارَةُ الرُّويَانِيِّ وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ إخْرَاجِ ابْنِ اللَّبُونِ وَعِنْدَ وَارِثِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ أَجْزَأَهُ ابْنُ اللَّبُونِ.
اهـ. فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى صَيْرُورَتِهَا بِنْتَ مَخَاضٍ فِي الْمَوْرُوثِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ الزَّكَاةُ وَكَلَامُ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ فَيُتَّجَهُ امْتِنَاعُ ابْنِ اللَّبُونِ لِتَقْصِيرِهِ) الْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْأَدَاءِ ثُمَّ رَأَيْت السُّبْكِيَّ قَالَ إنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ (قَوْلُهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى بِنْتِ الْمَخَاضِ) وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ وُجُودُهَا الصُّعُودَ وَالنُّزُولَ وَفَرَّقَ الرُّويَانِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الذَّكَرَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي فَرَائِضِ الْإِبِلِ فَكَانَ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ أَغْلَظَ مِنْ الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ.
(قَوْلُهُ وَلَا يُكَلِّفُ عَنْ الْحَوَامِلِ حَامِلًا) قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَيَلْحَقُ بِهَا مِنْ طُرُقِهَا الْفَحْلُ وَلَوْ مَرَّةً لِأَنَّ عَادَةَ الْبَهَائِمِ الْحَمْلُ مِنْ مَرَّةٍ بِخِلَافِ الْآدَمِيَّاتِ وَقَوْلُهُ عَنْ الْحَوَامِلِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُهَا عَنْ غَيْرِ الْحَوَامِلِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ) لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد عَنْ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ» أَيْ السِّنِينَ وُجِدَتْ أُخِذَتْ.
اهـ. فَأُوفِيهِ عِنْدَ وُجُودِ السِّنِينَ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ (قَوْلُهُ صَاحِبُ الْمِائَتَيْنِ) أَيْ أَوْ وَلِيُّهُ (قَوْلُهُ يَلْزَمُهُ الْأَغْبَطُ لِلْمَسَاكِينِ) لِزِيَادَةِ قِيمَةٍ أَوْ بِاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ لِحَمْلٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ نَحْوِهِ (قَوْلُهُ إنْ وُجِدَا مَعَهُ) أَيْ حَالَ الْأَدَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الشَّاتَيْنِ وَالدَّرَاهِمِ أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَمَنْ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ أَحَدُ حَقَّيْنِ كَانَ مُخَيَّرًا فِي دَفْعِ أَيِّهِمَا شَاءَ بِخِلَافِ الْحِقَاقِ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ فَخَيَّرْنَا مُسْتَحِقَّهَا وَفَرْقٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ لِرَبِّ الْمَالِ الْعُدُولُ عَنْ الْعِشْرِينَ وَالشَّاتَيْنِ إلَى جَوَازِ دَفْعِ الْفَرِيضَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الشَّاتَيْنِ وَالدَّرَاهِمِ وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْعُدُولُ عَنْ هَذَيْنِ إلَى غَيْرِهِمَا لَمْ يَكُنْ مُخَيَّرًا بَيْنَهُمَا وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَقْدِ الْوَاجِبِ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ بِأَنَّ الْمَالِكَ هُنَاكَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْهُمَا بِتَحْصِيلِ الْفَرْضِ وَإِنَّمَا شُرِعَا لَهُ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ فَفُوِّضَ إلَيْهِ وَهَا هُنَا بِخِلَافِهِ
الْوَاجِبُ لَا مِنْ الْمَأْخُوذِ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ التَّفَاوُتُ بِالنَّظَرِ إلَى الْقِيمَةِ فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْحِقَاقِ أَرْبَعَمِائَةٍ وَقِيمَةُ بَنَاتِ اللَّبُونِ أَرْبَعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَقَدْ أَخَذَ الْحِقَاقَ فَالْجَبْرُ بِخَمْسِينَ أَوْ بِخَمْسَةِ أَتْسَاعِ بِنْتِ لَبُونٍ لَا بِنِصْفِ حِقَّةٍ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ خَمْسُونَ وَقِيمَةُ كُلِّ بِنْتِ لَبُونٍ تِسْعُونَ وَجَازَ دَفْعُ النَّقْدِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْوَاجِبِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ شِرَاءِ جُزْئِهِ لِدَفْعِ ضَرَرٍ وَالْمُشَارَكَةِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَعْدِلُ إلَى غَيْرِ الْجِنْسِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ قِيمَتَهَا إذَا لَمْ يُوجَدْ جِنْسُهَا كَمَا مَرَّ وَكَمَا لَوْ لَزِمَتْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَلَمْ يَجِدْهَا وَلَا ابْنُ لَبُونٍ لَا فِي مَالِهِ وَلَا بِالثَّمَنِ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ قِيمَتَهَا عَلَى أَنَّ الْغَرَضَ جُبْرَانُ الْوَاجِبِ كَدَرَاهِمِ الْجُبْرَانِ.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ وَبِتَعْبِيرِهِمْ بِالْجَبْرِ وَنَبَّهَ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى أَنَّ قَضِيَّةَ ذَلِكَ أَنَّ الِانْتِقَالَ حِينَئِذٍ إلَى بِنْتِ اللَّبُونِ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْقِيمَةَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ فِي سَائِرِ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ (أَوْ) أَخَذَهُ (بِتَقْصِيرٍ مِنْ الْمَالِكِ) بِأَنْ دَلَّسَ (أَوْ مِنْ السَّاعِي بِأَنْ لَمْ يَجْتَهِدْ) وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ الْأَغْبَطُ (لَمْ يُجْزِهِ وَعَلَيْهِ) أَيْ السَّاعِي (رَدُّهُ) أَيْ رَدُّ عَيْنِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَقِيمَتِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا وَالزَّكَاةُ بَاقِيَةٌ عَلَى الْمَالِكِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ كَامِلٌ إلَّا أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ) لِلْأَدَاءِ وَلَا يُكَلَّفُ تَحْصِيلَ الْأَغْبَطِ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ وَيَمْتَنِعُ الصُّعُودُ وَالنُّزُولُ بِالْجُبْرَانِ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ سَوَاءٌ أَعَدِمَ جَمِيعَ الصِّنْفِ الْآخَرِ أَمْ بَعْضَهُ أَمْ وَجَدَ مَعِيبًا فَالنَّاقِصُ وَالْمَعِيبُ كَالْمَعْدُومِ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ (وَإِنْ كَانَ مَعَهُ بَعْضُ كُلٍّ) مِنْهُمَا (كَثَلَاثِ حِقَاقٍ وَأَرْبَعِ بَنَاتِ لَبُونٍ جُعِلَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا فَيُسَلِّمُ الثَّلَاثَ) حِقَاقٍ (وَبِنْتَ لَبُونٍ وَيُعْطِي جُبْرَانًا أَوْ) يُسَلِّمُ (الْأَرْبَعَ) بَنَاتِ لَبُونٍ (وَحِقَّةً وَيَأْخُذُ جُبْرَانًا وَكَذَا لَوْ دَفَعَ حِقَّةً وَثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَثَلَاثَ جُبْرَانَاتٍ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِإِقَامَةِ الشَّرْعِ بِنْتُ اللَّبُونِ مَعَ الْجُبْرَانِ مَقَامَ حَقِّهِ.
وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُ حِقَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ لَبُونٍ وَجُبْرَانَيْنِ وَدَفْعُ بِنْتَيْ لَبُونٍ وَثَلَاثِ حِقَاقٍ وَأَخْذُ ثَلَاثِ جُبْرَانَاتٍ وَدَفْعُ ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ وَحِقَّتَيْنِ وَأَخْذُ جُبْرَانَيْنِ (فَإِنْ أَعْطَى الثَّلَاثَ) حِقَاقٍ (وَجَذَعَةً وَأَخَذَ جُبْرَانًا أَوْ) أَعْطَى (الْأَرْبَعَ) بَنَاتِ لَبُونٍ (وَبِنْتَ مَخَاضٍ مَعَ الْجُبْرَانِ جَازَ) لِمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ آنِفًا (وَإِنْ وَجَدَ بَعْضَ أَحَدِهِمَا فَقَطْ كَحِقَّتَيْنِ مَثَلًا) بِزِيَادَتِهِ تَأْكِيدًا وَهَذَا الْحَالُ كَالْحَالِ الَّذِي قَبْلَهُ (فَلَهُ إخْرَاجُهُمَا) أَيْ الْحِقَّتَيْنِ (مَعَ جَذَعَتَيْنِ وَيَأْخُذُ جُبْرَانَيْنِ فَلَوْ جَعَلَ بَنَاتَ اللَّبُونِ أَصْلًا وَأَعْطَى خَمْسَ بَنَاتِ مَخَاضٍ وَخَمْسَ جُبْرَانَاتٍ جَازَ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَوْجُودُ) عِنْدَهُ (ثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ فَلَهُ تَرْكُهَا وَجَعْلُ الْحِقَاقِ) وَفِي نُسْخَةٍ فَلَوْ تَرَكَهَا وَجَعَلَ الْحِقَاقَ (أَصْلًا فَيُخْرِجُ أَرْبَعَ جَذَعَاتٍ وَيَأْخُذُ أَرْبَعَ جُبْرَانَاتٍ وَلَهُ إخْرَاجُهَا) أَيْ الثَّلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ (مَعَ بِنْتَيْ مَخَاضٍ وَجُبْرَانَيْنِ وَإِذَا لَمْ يَجِدْ مِنْهُمَا شَيْئًا) وَفِي مَعْنَاهُ أَنْ يَجِدَهُمَا مَعِيبَيْنِ (فَلَهُ تَحْصِيلُ أَحَدِهِمَا) بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَغْبَطَ لِأَنَّهُ إذَا حَصَّلَهُ صَارَ وَاحِدًا لَهُ دُونَ الْآخَرِ وَلِمَا فِي تَعْيِينِ الْأَغْبَطِ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي تَحْصِيلِهِ (وَلَهُ جَعْلُ أَحَدِهِمَا) فِي هَذَا الْحَالِ وَاَللَّذَيْنِ قَبْلَهُ (أَصْلًا فَإِنْ شَاءَ صَعِدَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ (عَنْ الْحِقَاقِ إلَى الْجِذَاعِ) بِالْجُبْرَانِ بِأَنْ يُعْطِيَ أَرْبَعًا مِنْهَا وَيَأْخُذَ أَرْبَعَ جُبْرَانَاتٍ (وَلَا يَنْزِلُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْحِقَاقِ إلَى بَنَاتِ الْمَخَاضِ بِالْجُبْرَانِ بِأَنْ يُعْطِيَ أَرْبَعًا مِنْهَا مَعَ ثَمَانِي جُبْرَانَاتٍ لِتَكْثِيرِ الْجُبْرَانِ بِالتَّخَطِّي مَعَ إمْكَانِ تَقْلِيلِهِ بِمَا مَرَّ (وَإِنْ شَاءَ نَزَلَ عَنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ إلَى بَنَاتِ الْمَخَاضِ بِالْجُبْرَانِ) بِأَنْ يُعْطِيَ خَمْسًا مِنْهَا مَعَ خَمْسِ جُبْرَانَاتٍ (وَلَا يَصْعَدُ) مِنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ إلَى الْجِذَاعِ بِأَنْ يُعْطِيَ خَمْسًا مِنْهَا وَيَأْخُذَ عَشْرَ جُبْرَانَاتٍ لِمَا مَرَّ بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَ خَمْسَ جُبْرَانَاتٍ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْحِقَاقَ أَصْلًا وَيَنْزِلَ إلَى أَرْبَعِ بَنَاتِ لَبُونٍ يُحَصِّلُهَا أَوْ يَدْفَعُ أَرْبَعَ جُبْرَانَاتٍ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ بَنَاتَ اللَّبُونِ أَصْلًا وَيَصْعَدَ إلَى خَمْسِ حِقَاقٍ لِيَأْخُذَ خَمْسَ جُبْرَانَاتٍ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ قَدْ حَصَّلَ الْوَاجِبَ فَلَيْسَ لَهُ الْعُدُولُ إلَى الْجُبْرَانِ بِخِلَافِهِ فِي الْأُولَى وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي ذَلِكَ.