(الْبَابُ الثَّانِي فِي الْقَسَامَةِ)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأنصاري، زكريا
- الكتاب
- أسنى المطالب في شرح روض الطالب
- المؤلف
- زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
- عدد الأجزاء
- 4
- الناشر
- دار الكتاب الإسلامي
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومعه حاشية الرملي الكبير]
هِيَ لُغَةً اسْمٌ لِأَوْلِيَاءِ الدَّمِ وَلِأَيْمَانِهِمْ وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِأَيْمَانِهِمْ وَيُطْلِقُهَا أَئِمَّتُنَا عَلَى الْأَيْمَانِ مُطْلَقًا أَيْضًا وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ لَمَّا أَخْبَرُوهُ بِقَتْلِ الْيَهُودِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ بِخَيْبَرَ، وَأَنْكَرَهُ الْيَهُودُ أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ وَفِي رِوَايَةٍ تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ قَاتِلِكُمْ أَوْ صَاحِبِكُمْ قَالُوا كَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نُشَاهِدْ، وَلَمْ نَرَ قَالَ فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا قَالُوا كَيْفَ نَأْخُذُ بِأَيْمَانِ كُفَّارٍ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ» ، وَهَذَا مُخَصِّصٌ لِخَبَرِ الْبَيْهَقِيّ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» .
(وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَطْرَافٍ الْأَوَّلُ فِي مَحِلِّهَا) أَيْ الْقَسَامَةِ (وَهُوَ قَتْلُ الْحُرِّ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ) الْآتِي بَيَانُهُ (وَكَذَا الْعَبْدُ) ، وَلَوْ مُكَاتَبًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَدَلَهُ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَفِي مَعْنَاهُ الْأَمَةُ، وَلَوْ أُمَّ وَلَدٍ (فَلَا قَسَامَةَ فِي غَيْرِ الْقَتْلِ مِنْ جُرْحٍ، وَإِتْلَافِ مَالٍ) بَلْ يُصَدَّقُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ عَلَى الْأَصْلِ (وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ) ؛ لِأَنَّ الْبُدَاءَةَ بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي النَّفْسِ وَحُرْمَتُهَا أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ غَيْرِهَا وَلِهَذَا اخْتَصَّتْ بِالْكَفَّارَةِ وَكَذَا لَا قَسَامَةَ فِي قَتْلِ النَّفْسِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ اللَّوْثِ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ السَّابِقُ لِانْتِفَاءِ مَا يُفِيدُ الظَّنَّ (وَلَوْ ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ أَوْ نَقَضَ الْعَهْدَ) فِيمَا لَوْ كَانَ كَافِرًا (وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ) فِي الْأُولَى (أَوْ تَجْدِيدِ الْعَهْدِ) فِي الثَّانِيَةِ (فَلَا قَسَامَةَ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ ضَمَانُ الْجُرْحِ دُونَ النَّفْسِ فَإِنْ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَوْ تَجْدِيدِ الْعَهْدِ جَرَتْ الْقَسَامَةُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ حِينَئِذٍ ضَمَانُ النَّفْسِ.
(وَاللَّوْثُ) لُغَةً الْقُوَّةُ، وَيُقَالُ الضَّعْفُ يُقَالُ لَاثَ فِي كَلَامِهِ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ ضَعِيفٍ وَاصْطِلَاحًا (قَرِينَةٌ تُوقِعُ فِي الْقَلْبِ صِدْقَ الْمُدَّعِي كَأَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ فِي مَسَاكِنِ أَعْدَائِهِ) كَالْحِصْنِ وَالْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ وَالْمَحَلَّةِ (الْمُنْفَرِدَةِ عَنْ الْبَلَدِ الْكَبِيرِ، وَلَمْ يُخَالِطْهُمْ غَيْرُهُمْ) حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْقَرْيَةُ مَثَلًا بِقَارِعَةِ طَرِيقٍ يَطْرُقُهَا غَيْرُهُمْ فَلَا لَوْثَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ غَيْرَهُمْ قَتَلَهُ وَاعْتِبَارُ عَدَمِ الْمُخَالَطَةِ جَرَى عَلَيْهِ تَبَعًا لِلْإِسْنَوِيِّ فَقَالَ إنَّهُ الصَّوَابُ فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ بَلْ جَمِيعُهُمْ إلَّا الشَّاذَّ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ وَاَلَّذِي فِي الْأَصْلِ تَصْحِيحُ اعْتِبَارِ أَنْ لَا يُسَاكِنَهُمْ غَيْرُهُمْ وَالْمُرَادُ بِغَيْرِهِمْ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ مَنْ لَمْ تُعْلَمْ صَدَاقَتُهُ لِلْقَتِيلِ، وَلَا كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِلَّا فَاللَّوْثُ مَوْجُودٌ فَلَا تُمْنَعُ الْقَسَامَةُ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ وَغَيْرُهُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ تَبَعًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ وَيَدُلُّ لَهُ قَضِيَّةُ خَيْبَرَ فَإِنَّ إخْوَةَ الْقَتِيلِ كَانُوا مَعَهُ وَمَعَ ذَلِكَ شُرِعَتْ الْقَسَامَةُ، قَالَ الْعِمْرَانِيُّ: وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ الْمَكَانَ غَيْرُ أَهْلِهِ لَمْ تُعْتَبَرْ الْعَدَاوَةُ (أَوْ) يُوجَدُ (قَرِيبًا مِنْ قَرْيَتِهِمْ) مَثَلًا (وَلَا سَاكِنَ فِي الصَّحْرَاءِ، وَلَا عِمَارَةَ) ثَمَّ (أَوْ) يُوجَدُ، وَقَدْ (تَفَرَّقَ عَنْهُ جَمْعٌ) ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَعْدَاءَهُ (وَبِهِ أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ عَضٍّ) وَفِي نُسْخَةٍ أَوْ عَصْرٍ (وَلَوْ) كَانَ وُجُودُهُ (فِي الْمَسْجِدِ أَوْ) فِي (بَابِ الْكَعْبَةِ أَوْ) فِي (الطَّوَافِ وَنَحْوِهِ) كَبُسْتَانٍ، وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَبِهِ أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ عَضٍّ يُغْنِي عَنْهُ مَا يَأْتِي قُبَيْلَ الطَّرَفِ الثَّانِي بَلْ ذِكْرُهُ هُنَا يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيمَا قَبْلَهُ، وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ (أَوْ) يُوجَدُ، وَقَدْ (ازْدَحَمُوا فِي مَضِيقٍ) إذْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ أَوْ بَعْضُهُمْ، وَلَوْ تَرَكَ قَوْلَهُ ازْدَحَمُوا كَانَ أَوْلَى، وَأَخْصَرَ (أَوْ وُجِدَ) الْأَنْسَبُ بِكَلَامِهِ يُوجَدُ (قَتِيلٌ فِي صَحْرَاءَ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مُلَطَّخٌ سِلَاحُهُ) أَوْ ثَوْبُهُ أَوْ بَدَنُهُ (بِالدَّمِ، وَلَا قَرِينَةَ تُعَارِضُهُ) بِأَنْ لَا يَكُونَ ثُمَّ مَا تُمْكِنُ إحَالَةُ الْقَتْلِ عَلَيْهِ (فَلَوْ وُجِدَ بِقُرْبِهِ سَبُعٌ أَوْ رَجُلٌ) آخَرُ (مُوَلٍّ ظَهْرَهُ) قَالَ فِي الْأَنْوَارِ أَوْ غَيْرُ مُوَلٍّ (أَوْ وُجِدَ أَثَرُ قَدَمٍ أَوْ تَرْشِيشِ دَمٍ فِي غَيْرِ جِهَةِ صَاحِبِ السِّلَاحِ فَلَيْسَ بِلَوْثٍ فِي حَقِّهِ) إنْ لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْثٌ فِي حَقِّهِ كَأَنْ وُجِدَ بِهِ جِرَاحَاتٌ لَا يَكُونُ مِثْلُهَا مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ وُجِدَ.
(ثُمَّ وَلَوْ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: فَمَالٌ ضَائِعٌ) وَفِي الشَّامِلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ رَفْعُ الْيَدِ عَنْهُ
[الْبَابُ الثَّانِي فِي الْقَسَامَةِ]
[الطَّرَف الْأَوَّلُ فِي مَحِل الْقَسَامَة]
(قَوْلُهُ: وَاللَّوْثُ قَرِينَةٌ تُوقِعُ إلَخْ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَشْمَلُ الْقَرِينَةَ الْحَالِيَّةَ وَالْقَوْلِيَّةَ وَالْفِعْلِيَّةَ، وَالْمُرَادُ أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تُوقِعُ فِي قَلْبِ الْحَاكِمِ صِدْقَ دَعْوَاهُ (قَوْلُهُ: صَدَقَ الْمُدَّعِي) خَرَجَ بِهِ مَا إذَا عَرَفَ أَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ عَلِمَ الْحَاكِمُ (قَوْلُهُ: أَعْدَائِهِ) يَكْفِي كَوْنُهُمْ أَعْدَاءَ الْقَبِيلَةِ، وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ الْعَدَاوَةَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بِسَبَبِ دِينٍ وَدُنْيَا إذَا كَانَتْ تَبْعَثُ عَلَى الِانْتِقَامِ بِالْقَتْلِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُخَالِطْهُمْ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ يُسَاكِنْهُمْ.
(قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْأَصْلِ تَصْحِيحُ اعْتِبَارٍ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِغَيْرِهِمْ إلَخْ (قَوْلُهُ: قَالَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ وَغَيْرُهُ) ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: قَالَ الْعِمْرَانِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ الْمَكَانَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ شَبِيهَةٌ بِالدَّارِ الَّتِي تَفَرَّقَ فِيهَا الْجَمَاعَةُ عَنْ قَتِيلٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَا سَاكِنَ فِي الصَّحْرَاءِ، وَلَا عِمَارَةَ) ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيُشْبِهُ اشْتِرَاطُ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ طَرِيقٌ جَادَّةٌ كَثِيرَةُ الطَّارِقِينَ.
اسْتَفَاضَ) بَيْنَ النَّاسِ (أَنَّهُ) أَيْ أَنَّ فُلَانًا هُوَ (الْقَاتِلُ أَوْ رُئِيَ مِنْ بَعِيدٍ) يُحَرِّكُ يَدَهُ كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يَضْرِبُ (فَوُجِدَ مَكَانَهُ قَتِيلٌ أَوْ شَهِدَ عَدْلٌ) ، وَلَوْ قَبْلَ الدَّعْوَى (وَكَذَا امْرَأَتَانِ أَوْ عَبْدَانِ أَوْ صَبِيَّانِ أَوْ فُسَّاقٌ أَوْ ذِمِّيُّونَ) ، وَلَوْ دَفْعَةً بِأَنَّهُ الْقَاتِلُ (فَلَوْثٌ) فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ يُثِيرُ الظَّنَّ، وَاحْتِمَالُ التَّوَاطُؤِ كَاحْتِمَالِ الْكَذِبِ فِي شَهَادَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِي شَهَادَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ كَعَبِيدٍ وَنِسْوَةٍ جَاءُوا دَفْعَةً، وَجْهَيْنِ أَشْهَرُهُمَا الْمَنْعُ، وَأَقْوَاهُمَا أَنَّهُ لَوْثٌ، وَاقْتَصَرَ فِي الرَّوْضَةِ عَلَى الْأَصَحِّ بَدَلَ الْأَقْوَى، قَالَ الْإِسْنَوِيِّ: وَهُوَ عَجِيبٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّهُ بَحَثَ، وَأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِهِ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ نَقَلَ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعَ فَيَتَعَيَّنُ الْفَتْوَى بِهِ.
انْتَهَى.
وَالْأَوْجَهُ مُقَابِلُهُ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَلَمْ يَنْسُبْ تَرْجِيحَ الْمَنْعِ إلَى أَحَدٍ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الرَّافِعِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ بَحْثٌ، وَأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِهِ مَمْنُوعٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ يَقْتَضِي الْقَوْلَ بِهِ فِي نَظِيرِهِ مِمَّنْ لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ كَفَسَقَةٍ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ بِالشَّهَادَةِ يُوهِمُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْبَيَانُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَكْفِي الْإِخْبَارُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُشْتَرَطُ الْبَيَانُ فَقَدْ يَظُنُّ مَا لَيْسَ بِلَوْثٍ لَوْثًا ذَكَرَهُ فِي الْمَطْلَبِ.
(لَا قَوْلَ الْمَقْتُولِ) أَيْ الْمَجْرُوحِ جَرَحَنِي فُلَانٌ أَوْ قَتَلَنِي أَوْ دَمِي عِنْدَهُ أَوْ نَحْوُهُ فَلَيْسَ بِلَوْثٍ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ فَلَا يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ فَيَقْصِدُ إهْلَاكَهُ (فَإِنْ تَفَرَّقَ عَنْهُ جَمْعٌ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ) كَمَا فِي الِازْدِحَامِ بِمَضِيقٍ (لَمْ تُسْمَعْ) دَعْوَاهُ عَلَيْهِمْ كَمَا مَرَّ (وَتُسْمَعُ عَلَى بَعْضِهِمْ فِي الِازْدِحَامِ) كَمَا لَوْ ثَبَتَ اللَّوْثُ فِي جَمَاعَةٍ مَحْصُورِينَ فَادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى بَعْضِهِمْ (وَيَعْتَمِدُ الْقَاضِي لَوْثًا عَايَنَهُ) ، وَلَا يُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي قَضَائِهِ بِعِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي بِالْأَيْمَانِ.
(وَقَتِيلُ الصَّفَّيْنِ) الْمُتَقَاتِلَيْنِ أَيْ قَتِيلُ أَحَدِهِمَا الْمَوْجُودِ عِنْدَ انْكِشَافِهِمَا (إنْ الْتَحَمَ قِتَالٌ) بَيْنَهُمَا، وَلَوْ بِأَنْ وَصَلَ سِلَاحُ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ (فَلَوْثٌ فِي حَقِّ صَفِّ الْعَدُوِّ) لِلْقَتِيلِ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ أَهْلَ صَفِّهِ لَا يَقْتُلُونَهُ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَتَّمْ الْقِتَالُ (فَفِي) أَيْ فَهُوَ لَوْثٌ فِي (حَقِّ) أَهْلِ (صَفِّهِ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ (فَلَوْ وُجِدَ بَعْضُهُ) أَيْ الْقَتِيلِ (فِي مَحَلَّةِ أَعْدَائِهِ وَبَعْضُهُ فِي أُخْرَى لِأَعْدَاءٍ) لَهُ (آخَرِينَ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُعَيِّنَ) أَحَدَهُمَا وَيَدَّعِيَ عَلَيْهِ (وَيُقْسِمَ) قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهَا وَيُقْسِمَ قَالَ فِي الْأَصْلِ قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ أَوْ قَبِيلَتَيْنِ، وَلَمْ يُعْرَفْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا عَدَاوَةٌ لَمْ يُجْعَلْ قُرْبَهُ مِنْ إحْدَاهُمَا لَوْثًا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنْ يُبْعِدَ الْقَاتِلُ الْقَتِيلَ عَنْ فِنَائِهِ وَيَنْقُلَهُ إلَى بُقْعَةٍ أُخْرَى دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَا وَرَدَ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ لَمْ يُثْبِتْ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إسْنَادَهُ.
(فَصْلٌ: قَدْ يُعَارِضُ اللَّوْثَ مَا يُبْطِلُهُ فَإِذَا ظَهَرَ لَوْثٌ عَلَى جَمَاعَةٍ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُعَيِّنَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ) وَفِي نُسْخَةٍ الْأَكْثَرَ مِنْهُمْ وَيَدَّعِيَ عَلَيْهِ وَيُقْسِمَ؛ لِأَنَّ اللَّوْثَ كَذَلِكَ يَظْهَرُ، وَقَلَّمَا يَخْتَصُّ بِالْوَاحِدِ (فَإِنْ قَالَ الْقَاتِلُ أَحَدُهُمْ، وَلَا أَعْرِفُهُ فَلَا قَسَامَةَ، وَلَهُ تَحْلِيفُهُمْ) قَالَ الْإِسْنَوِيِّ وَغَيْرُهُ: هَذَا خِلَافُ الصَّحِيحِ فَقَدْ مَرَّ أَوَّلُ الْبَابِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ قَتَلَهُ أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي تَحْلِيفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يُجِبْهُ لِلْإِبْهَامِ وَسَبَبُ مَا وَقَعَ فِيهِ الرَّافِعِيُّ هُنَا أَنَّ الْغَزَالِيَّ فِي الْوَجِيزِ ذَكَرَهُ هُنَا كَذَلِكَ، وَهُوَ مِمَّنْ يُصَحِّحُ سَمَاعَ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَقَلَّدَهُ ذَاهِلًا عَمَّا مَرَّ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْلِيفِ (فَإِنْ نَكَلَ وَاحِدٌ) مِنْهُمْ عَنْ الْيَمِينِ (فَذَلِكَ لَوْثٌ فِي حَقِّهِ) ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ يُشْعِرُ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: أَوْ شَهِدَ عَدْلٌ) ، قَالَ الْبُلْقِينِيُّ إذَا شَهِدَ الْعَدْلُ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ وَكَانَ فِي خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ لَمْ يَكُنْ لَوْثًا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى اللَّوْثِ نَقْلُ الْيَمِينِ إلَى جَانِبِ الْمُدَّعِي، وَهِيَ هُنَا فِي جَانِبِهِ ابْتِدَاءً، وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ إنْ شَهِدَ الْعَدْلُ الْوَاحِدُ بَعْدَ دَعْوَى الْمُدَّعِي فَاللَّوْثُ حَاصِلٌ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعَمْدِ الْمَحْضِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ (قَوْلُهُ: وَكَذَا امْرَأَتَانِ أَوْ عَبْدَانِ) أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ عَبْدٌ وَفِي الْوَجِيزِ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ قَوْلَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْثٌ، وَجَرَى عَلَيْهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ فَقَالَ، وَقَوْلُ رَاوٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (قَوْلُهُ: أَوْ صَبِيَّانِ أَوْ فُسَّاقٌ إلَخْ) قَوْلٌ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ لَيْسَ بِلَوْثٍ، قَالَ شَيْخُنَا عَلَى ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ فِي الْمَطْلَبِ) هَذَا التَّعْلِيلُ إنَّمَا يَجِيءُ إذَا شَهِدَ بِأَنَّهُ لَوْثٌ، وَهُوَ إنَّمَا يَشْهَدُ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ وَكَتَبَ أَيْضًا كَلَامُ الْمَطْلَبِ لَا يَحْسُنُ إيرَادُهُ تَقْيِيدًا لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: فَيَقْصِدُ إهْلَاكَهُ) ، قَالَ شَيْخُنَا أَيْ ضَرَرُهُ بِالْغُرْمِ أَوْ هَلَاكُهُ حَقِيقَةً بِرَفْعِهِ لِمُخَالِفٍ كَمَالِكِيٍّ يَرَى وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِالْقَسَامَةِ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ ثَبَتَ اللَّوْثُ فِي جَمَاعَةٍ مَحْصُورِينَ إلَخْ) بَحَثَهُ الشَّيْخَانِ وَصَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ، وَلَا يُجْدِي الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَاهُ عَلَى الْجَمِيعِ تُقْبَلُ مِنْهُ فَعَلَى الْبَعْضِ أَوْلَى بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: إنْ الْتَحَمَ قِتَالٌ بَيْنَهُمَا) أَوْ اخْتَلَطَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَكَتَبَ أَيْضًا، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّهُ إذَا الْتَحَمَ الْقِتَالُ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَنَالُهُ سِلَاحُ أَصْحَابِهِ كَانَ لَوْثًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَنَالُهُ سِلَاحُ أَضْدَادِهِ كَانَ لَوْثًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَنَالُهُ سِلَاحُ الْجَمِيعِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ يَكُونُ لَوْثًا فِي حَقِّ أَضْدَادِهِ خَاصَّةً وَالثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ يَكُونُ لَوْثًا مَعَ الْفَرِيقَيْنِ، وَفِيمَا إذَا لَمْ يَلْتَحِمْ الْقِتَالُ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ أَصْحَابُهُ مُسْتَهْزَمِينَ، وَأَضْدَادُهُ طَالِبِينَ كَانَ لَوْثًا مَعَ أَضْدَادِهِ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ انْعَكَسَ الْحُكْمُ، وَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الطَّلَبِ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِأَنْ وَصَلَ سِلَاحُ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ رَمْيًا أَوْ طَعْنًا أَوْ ضَرْبًا) وَكُلٌّ مِنْ الصَّفَّيْنِ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ عَلَى الْآخَرِ (قَوْلُهُ فَلَا قَسَامَةَ وَلَهُ تَحْلِيفُهُمْ) قَالَ شَيْخُنَا وَلَا يُنَافِي تَحْلِيفُهُمْ حَمْلَنَا ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا وُجِدَ لَوْثٌ مَعَ أَنَّ قَاعِدَةَ الْبَابِ أَنَّ الْأَيْمَانَ مَعَ وُجُودِهِ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي لِضَعْفِ هَذِهِ الْحَالَةِ بِعَدَمِ تَعْيِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَكَانَتْ الْأَيْمَانُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَفَائِدَةُ اللَّوْثِ صِحَّةُ سَمَاعِ الدَّعْوَى كا.
[فَصْلٌ تُعَارِضُ اللَّوْثَ مَعَ مَا يُبْطِلُهُ]
(قَوْلُهُ: فَقَلَّدَهُ ذَاهِلًا عَمَّا مَرَّ) قَدْ تَقَدَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا
بِأَنَّهُ الْقَاتِلُ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ (، وَلَوْ) وَفِي نُسْخَةٍ فَلَوْ (نَكَلُوا) كُلُّهُمْ عَنْ الْيَمِينِ (وَقَالَ) وَفِي نُسْخَةٍ أَوْ قَالَ (عَرَفْته فَلَهُ تَعْيِينُهُ وَيُقْسِمُ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّوْثَ حَاصِلٌ فِي حَقِّهِمْ جَمِيعًا، وَقَدْ يَظْهَرُ لَهُ بَعْدَ الِاشْتِبَاهِ أَنَّ الْقَاتِلَ هُوَ الَّذِي عَيَّنَهُ (وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِقَتْلِهِ مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَمْدٍ أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ دَعْوَى مُفَصَّلَةٍ أَوْ مُطْلَقَةٍ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهَا (لَمْ يَكُنْ) ذَلِكَ (لَوْثًا حَتَّى يُبَيِّنَ) إذْ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ صِفَةَ الْقَتْلِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مُوجِبَهُ فَظُهُورُ اللَّوْثِ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ دُونَ وَصْفِهِ لَا قَسَامَةَ فِيهِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ مُوجِبِهِ قَالَ فِي الْأَصْلِ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَسَامَةَ عَلَى قَتْلٍ مَوْصُوفٍ تَسْتَدْعِي ظُهُورَ اللَّوْثِ فِي قَتْلٍ مَوْصُوفٍ لَكِنْ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ يُفْهِمُ تَمَكُّنَ الْوَلِيِّ مِنْ الْقَسَامَةِ عَلَى الْقَتْلِ الْمَوْصُوفِ بِظُهُورِ اللَّوْثِ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ اللَّوْثُ فِي حَقِّ جَمَاعَةٍ تَمَكَّنَ الْوَلِيُّ مِنْ الْقَسَامَةِ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ فَكَمَا لَا يُعْتَبَرُ ظُهُورُ اللَّوْثِ فِي الِانْفِرَادِ وَالِاشْتِرَاكِ لَا يُعْتَبَرُ فِي صِفَتَيْ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ.
(وَيُصَدَّقُ) بِيَمِينِهِ (مُدَّعِي الْغَيْبَةِ) عَنْ مَكَانِ الْقَتْلِ (أَوْ) مُدَّعِي (أَنَّهُ غَيْرُ مَنْ نُسِبَ إلَيْهِ اللَّوْثُ) كَأَنْ قَالَ لَمْ أَكُنْ فِي الْقَوْمِ الْمُتَّهَمِينَ أَوْ لَسْت أَنَا الَّذِي رُئِيَ مَعَهُ السِّكِّينُ الْمُتَلَطِّخُ عَلَى رَأْسِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ، وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ (فَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِحُضُورِهِ وَبَيِّنَةٌ بِكَوْنِهِ) كَانَ غَائِبًا (فِي مَكَان آخَرَ تَسَاقَطَتَا) ، وَقِيلَ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْغَيْبَةِ إنْ اتَّفَقْنَا عَلَى سَبْقِ حُضُورِهِ وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالصَّحِيحُ الثَّانِي فَقَدْ نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ اخْتَارَ هُوَ الْأَوَّلَ (وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُهُ أَوْ أَنَّهُ كَانَ فِي مَكَان آخَرَ) أَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ (بَعْدَ الْقَسَامَةِ وَالْحُكْمِ) بِمُوجِبِهَا (نَقَضَ وَاسْتَرَدَّ الْمَالَ، وَلَا تُسْمَعُ) الْبَيِّنَةُ (أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ) وَفِي نُسْخَةٍ هُنَا وَبِهِ عَبَّرَ الْأَصْلُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ (أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ؛ لِأَنَّهُ نَفْيٌ مَحْضٌ) قَالَ الْإِسْنَوِيِّ فِي الْأُولَى أَخْذًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ: هُوَ وَإِنْ كَانَ نَفْيًا إلَّا أَنَّهُ نَفْيٌ مَحْصُورٌ فَتُسْمَعُ، قَالَ: وَلَوْ اقْتَصَرَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا فَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي أَيْضًا وَالْمُتَّجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ نَظَرًا إلَى اللَّفْظِ، وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ (وَالْحَبْسُ وَالْمَرَضُ) الْمُبْعِدُ لِلْقَتْلِ أَيْ دَعْوَى وُجُودِ كُلٍّ مِنْهُمَا يَوْمَ الْقَتْلِ (كَالْغَيْبَةِ) أَيْ كَدَعْوَاهَا فِيمَا مَرَّ (وَالشَّهَادَةُ مِنْ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَتَلَهُ لَوْثٌ) فِي حَقِّهِمَا فَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِمَا، وَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ أَحَدَهُمَا وَيَدَّعِيَ عَلَيْهِ (لَا) الشَّهَادَةُ (أَنَّهُ قَتَلَ أَحَدَهُمَا) فَلَيْسَتْ لَوْثًا؛ لِأَنَّهَا لَا تُوقِعُ فِي الْقَلْبِ صِدْقَ وَلِيِّ أَحَدِهِمَا، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ يُؤْخَذُ مِنْهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَلِيُّهُمَا وَاحِدًا كَانَ لَوْثًا وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَيُقَوِّي مَا قَالَهُ مَا لَوْ كَانَتْ دِيَتُهُمَا مُتَسَاوِيَةً قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا لَوْ عَجَزَ الشُّهُودُ عَنْ تَعْيِينِ الْمُوضِحَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْأَرْشُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحَلِّهَا، وَقَدْرِهَا بِخِلَافِ الْقِصَاصِ لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ وَمَا لَوْ شَهِدَا عَلَى أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ زَيْدٍ، وَلَمْ يُعَيِّنَا وَكَانَ زَيْدٌ مَقْطُوعَ يَدٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يَنْزِلُ عَلَى الْمَقْطُوعَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَنْصِيصُهُمَا.
(وَإِنْ) وَفِي نُسْخَةٍ، وَإِذَا (تَكَاذَبَ الْوَارِثَانِ فِي مُتَّهَمَيْنِ، وَعَيَّنَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (غَيْرَ مَنْ يَرَاهُ الْآخَرُ) أَنَّهُ الْقَاتِلُ أَوْ كَذَّبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِيمَنْ عَيَّنَهُ كَأَنْ قَالَ أَحَدُ ابْنَيْ الْقَتِيلِ قَتَلَهُ زَيْدٌ وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ، وَلَوْ فَاسِقًا (بَطَلَ اللَّوْثُ) فَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي لِانْخِرَامِ ظَنِّ الْقَتْلِ بِالتَّكْذِيبِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى الِانْتِقَامِ مِنْ قَاتِلِ الْمُوَرِّثِ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُ وَارِثَيْنِ دَيْنًا لِلْمُوَرِّثِ، وَأَقَامَ بِهِ شَاهِدًا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ حَيْثُ لَا يَمْنَعُ تَكْذِيبُهُ حَلَفَ الْمُدَّعِي مَعَ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِقَتْلِهِ مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ لَوْثًا حَتَّى يُبَيِّنَ) إذَا شَهِدَ الْعَدْلُ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ وَكَانَ فِي خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ لَمْ يَكُنْ لَوْثًا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى اللَّوْثِ نَقْلُ الْيَمِينِ إلَى جَانِبِ الْمُدَّعِي، وَهِيَ هُنَا فِي جَانِبِهِ ابْتِدَاءً، وَقَوْلُهُ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْأَصْلِ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ، وَهَذَا يَدُلُّ إلَخْ) ، قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ: وَهَذَا الَّذِي بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ فَمَتَى ظَهَرَ لَوْثٌ، وَفَصَّلَ الْوَلِيُّ سُمِعَتْ الدَّعْوَى، وَأَقْسَمَ بِلَا خِلَافٍ وَمَتَى لَمْ يُفَصِّلْ لَمْ تُسْمَعْ، وَلَمْ يُقْسِمْ عَلَى الْأَصَحِّ.
اهـ. وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: مَا قَالَ إنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ نَصُّ الْأُمِّ كَالصَّرِيحِ فِيهِ، وَكَذَا لَفْظُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ بَعْدَ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا جَهِلَ الْمُدَّعِي صِفَةَ الْقَتْلِ هَلْ تُسْمَعُ الدَّعْوَى، وَيُقْسِمُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ أَمْ لَا هَكَذَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَظَهَرَ بِهَذَا فَسَادُ قَوْلِهِ، وَلَوْ ظَهَرَ لَوْثٌ بِأَصْلِ قَتْلٍ دُونَ عَمْدٍ وَخَطَأٍ فَلَا قَسَامَةَ فِي الْأَصَحِّ بَلْ مَتَى ظَهَرَ اللَّوْثُ وَفَصَّلَ الْمُدَّعِي سُمِعَتْ الدَّعْوَى، وَأَقْسَمَ قَطْعًا وَمَتَى لَمْ يُفَصِّلْ لَمْ تُسْمَعْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَمْ يُقْسِمْ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ الْحَقُّ أَنْ لَا اعْتِرَاضَ، وَأَنَّ إطْلَاقَ الْأَصْحَابِ فِي الِاكْتِفَاءِ لِلَّوْثِ بِظُهُورِهِ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ، وَأَنَّ تَصْرِيحَهُمْ بِأَنَّ الدَّعْوَى فِي اللَّوْثِ لَا تُسْمَعُ إلَّا بِقَتْلٍ مَوْصُوفٍ لَا يُنَافِي ذَلِكَ الْإِطْلَاقَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّوْثَ قَرِينَةٌ تَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، وَتُوقِعُ مَعَ الْوَلِيِّ ظَنًّا غَالِبًا إمَّا بِتَعَمُّدِ الْقَاتِلِ أَوْ خَطَئِهِ فَيُصَرِّحُ بِالدَّعْوَى عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ وَيُقْسِمُ عَلَيْهِ فَقَدْ جَوَّزُوا الْحَلِفَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْوَصْفِ لِلْقَتْلِ فِي الدَّعْوَى اشْتِرَاطُهُ فِي ظُهُورِ اللَّوْثِ.
(قَوْلُهُ: وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ مُدَّعِي الْغَيْبَةِ إلَخْ) مَحَلُّ تَصْدِيقِهِ مَا إذَا لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعِي فَلَوْ، قَالَ بَعْدَ حَلِفِهِ لَمْ أَكُنْ حَاضِرًا فِي مَوْضِعِ الْقَتْلِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يُبَرِّئُ بِهِ نَفْسَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَائِبًا لَذَكَرَهُ قَبْلَ الْحَلِفِ نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْغَيْبَةِ) إنْ اتَّفَقَا عَلَى سَبْقِ حُضُورِهِ أَيْ لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الشَّيْخَانِ الْحُكْمَ عِنْدَ عَدَمِ الِاتِّفَاقِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُتَّجَهُ التَّعَارُضُ جَزْمًا لِانْتِفَاءِ التَّعْلِيلِ بِزِيَادَةِ الْعِلْمِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَارَ هُوَ الْأَوَّلَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ، وَقَالَ عَنْ الثَّانِي: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّ الْغَيْبَةَ مَعْنَاهَا كَوْنُهُ فِي مَكَان آخَرَ وَالْحُضُورُ كَوْنُهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَمِنْ ضَرُورَةِ الْكَوْنِ فِي مَكَان انْتِفَاءُ الْكَوْنِ فِي غَيْرِهِ فَإِذًا كُلُّ بَيِّنَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى إثْبَاتٍ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ فَلَا يَجُوزُ تَرْجِيحُ الْغَيْبَةِ لِذَلِكَ ر (قَوْلُهُ: وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
الشَّاهِدِ بِأَنَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ حُجَّةٌ فِي نَفْسِهَا، وَهِيَ مُحَقَّقَةٌ، وَإِنْ كَذَّبَ الْآخَرُ وَاللَّوْثُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُثِيرٌ لِلظَّنِّ فَيَبْطُلُ بِالتَّكْذِيبِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ اللَّوْثُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فِي خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ وَالْأَلَمُ يَبْطُلُ بِتَكْذِيبِ أَحَدِهِمَا قَطْعًا (وَلَهُمَا التَّحْلِيفُ) أَيْ وَلِكُلٍّ مِنْ الْوَارِثَيْنِ تَحْلِيفُ مَنْ عَيَّنَهُ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَخَرَجَ بِالتَّكَاذُبِ مَا لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ زَيْدٌ وَسَكَتَ الْآخَرُ أَوْ قَالَ لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَلَا يَبْطُلُ اللَّوْثُ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ (فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ زَيْدٌ وَمَجْهُولٌ، وَقَالَ الْآخَرُ قَتَلَهُ عَمْرٌو وَمَجْهُولٌ أَقْسَمَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ) إذْ لَا تَكَاذُبَ مِنْهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنَّ الَّذِي أَبْهَمَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَنْ عَيَّنَهُ الْآخَرُ (وَأَخَذَ) كُلٌّ مِنْهُمَا مِمَّنْ عَيَّنَهُ (رُبْعَ الدِّيَةِ) لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ نِصْفُهَا وَحِصَّتُهُ مِنْهُ نِصْفُهُ (وَإِنْ قَالَ كُلٌّ) مِنْهُمَا بَعْدَ أَنْ أَقْسَمَ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ (الْمَجْهُولُ مَنْ عَيَّنَهُ أَخِي أَقْسَمَا ثَانِيًا، وَأَخَذَ الْبَاقِيَ) أَيْ أَقْسَمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ الْآخَرُ، وَأَخَذَ رُبْعَ الدِّيَةِ (وَهَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ) مِنْهُمَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ (خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ نِصْفَهَا) فِيهِ (خِلَافٌ) يَأْتِي فِي نَظَائِرِهِ (أَوْ) قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَعْدَمَا ذَكَرَ (الْمَجْهُولَ غَيْرَ مَنْ عَيَّنَهُ) صَاحِبِي (رَدَّ كُلٌّ) مِنْهُمَا (مَا أَخَذَهُ) لِتَكَاذُبِهِمَا (وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا رَدَّ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ) مَا أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ كَذَّبَهُ بِخِلَافِ قَائِلِهِ وَلِصَاحِبِهِ أَنْ يُحَلِّفَ مَنْ عَيَّنَهُ، وَقَوْلُهُ (وَلِكُلٍّ) مِنْهُمَا (تَحْلِيفُ مَنْ عَيَّنَهُ) مُتَعَلِّقٌ بِاَلَّتِي قَبْلَ هَذِهِ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي خِلَافَهُ.
(وَلَوْ قَالَ) أَحَدُهُمَا (قَتَلَهُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ زَيْدٌ وَحْدَهُ أَقْسَمَا عَلَى زَيْدٍ) لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ (وَطَالَبَاهُ بِالنِّصْفِ) ، وَلَا يُقْسِمُ الْأَوَّلُ عَلَى عَمْرٍو؛ لِأَنَّ أَخَاهُ كَذَّبَهُ فِي الشَّرِكَةِ (وَلِكُلٍّ) مِنْهُمَا (تَحْلِيفُ خَصْمِهِ فِي الْبَاقِي) فَلِلْأَوَّلِ تَحْلِيفُ عَمْرٍو فِيمَا بَطَلَتْ فِيهِ الْقَسَامَةُ وَلِلثَّانِي تَحْلِيفُ زَيْدٍ فِيهِ (وَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ أَثَرٍ فِي اللَّوْثِ) وَالْقَسَامَةِ (كَالْخَنْقِ وَالْعَضِّ) وَفِي نُسْخَةٍ وَالْعَصْرِ (وَالْجُرْحِ) فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَثَرٌ فَلَا لَوْثَ فَلَا قَسَامَةَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَاتَ فَجْأَةً، وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَعَرُّضِ غَيْرِهِ لَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ قَتِيلٌ لِيَبْحَثَ عَنْ الْقَاتِلِ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الْأَصْلُ وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ ثُبُوتُ اللَّوْثِ وَالْقَسَامَةِ ذَكَرَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ وَبَسَطَهُ (وَلَا يَتَعَيَّنُ) فِي ذَلِكَ (الْجُرْحُ) ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَحْصُلُ بِمَا ذُكِرَ.
(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الْقَسَامَةِ يَحْلِفُ الْوَلِيُّ) أَيْ الْوَارِثُ (مَعَ) وُجُودِ (اللَّوْثِ خَمْسِينَ يَمِينًا) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَلِيُّ حَائِزًا أَمْ لَا لِتَكْمُلَ الْحُجَّةُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ النَّفْسُ كَامِلَةً أَمْ لَا (لَقَدْ قَتَلَ هَذَا أَبِي) مَثَلًا (وَإِنْ شَاءَ مَيَّزَهُ) أَيْ كُلًّا مِنْ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ (بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ) وَغَيْرُهُمَا كَقَبِيلَةٍ وَضُبَعَةٍ (عَمْدًا) أَيْ قَتَلَهُ عَمْدًا (أَوْ خَطَأً) أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ وَشَمَلَ قَوْلُهُ يَحْلِفُ الْوَلِيُّ مَا لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي غَيْرَهُ كَمُسْتَوْلَدَةٍ أَوْصَى لَهُ سَيِّدُهَا بِقِيمَةِ عَبْدٍ قَتَلَ، وَهُنَاكَ لَوْثٌ وَمَاتَ السَّيِّدُ فَلَهَا الدَّعْوَى، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُقْسِمَ، وَإِنَّمَا يُقْسِمُ الْوَارِثُ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ (وَيَقُولُ) قَتَلَهُ (وَحْدَهُ أَوْ مَعَ زَيْدٍ، وَهَلْ ذَلِكَ) أَيْ قَوْلُهُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ زَيْدٍ (شَرْطٌ) لِاحْتِمَالِ الِانْفِرَادِ صُورَةً مَعَ الِاشْتِرَاكِ حُكْمًا كَالْمُكْرَهِ مَعَ الْمُكْرِهِ أَوْ تَأْكِيدٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَتَلَهُ يَقْتَضِي الِانْفِرَادَ (وَجْهَانِ) أَوْجَهُهُمَا الْأَوَّلُ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ الْجَانِيَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ بَرِيءَ مِنْ الْجُرْحِ زَادَ الْوَلِيُّ فِي الْيَمِينِ وَمَا بَرِيءَ مِنْ جُرْحِهِ حَتَّى مَاتَ مِنْهُ نَقَلَهُ الْأَصْلُ (وَيُسَنُّ لِلْقَاضِي تَخْوِيفُهُ وَوَعْظُهُ) إذَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَحْلِفْ إلَّا عَنْ تَحَقُّقٍ وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا﴾ [آل عمران: 77] (وَيُغْلِظُ) عَلَيْهِ فِي الْيَمِينِ (كَمَا فِي اللِّعَانِ) فَيُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ فِيهَا زَمَانًا وَمَكَانًا، وَلَفْظًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ مُوَالَاتُهَا) ؛ لِأَنَّهَا حُجَّةٌ كَالشَّهَادَةِ فَيَجُوزُ تَفْرِيقُهَا فِي خَمْسِينَ يَوْمًا وَيُفَارِقُ اشْتِرَاطَهَا فِي اللِّعَانِ بِأَنَّ اللِّعَانَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْعُقُوبَةُ الْبَدَنِيَّةُ، وَأَنَّهُ يَخْتَلُّ بِهِ النَّسَبُ، وَتَشِيعُ بِهِ الْفَاحِشَةُ (فَإِنْ تَخَلَّلَهَا جُنُونٌ وَنَحْوُهُ) كَإِغْمَاءٍ ثُمَّ زَالَ عَمَّنْ قَامَ بِهِ (بَنَى) عَلَيْهَا فَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ لِعُذْرِهِ مَعَ لُزُومِ مَا وَقَعَ (أَوْ) تَخَلَّلَهَا (مَوْتٌ) لِلْمُدَّعِي (اسْتَأْنَفَ وَارِثُ الْمُدَّعِي) فَلَا يَبْنِي؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ كَالْحُجَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَحَدٌ شَيْئًا بِيَمِينِ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ كَمَا لَوْ أَقَامَ شَطْرَ الْبَيِّنَةِ ثُمَّ مَاتَ حَيْثُ يَضُمُّ وَارِثُهُ إلَيْهِ الشَّطْرَ الثَّانِيَ، وَلَا يَسْتَأْنِفُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ شَاهِدٍ مُسْتَقِلَّةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا انْضَمَّتْ الْيَمِينُ إلَيْهَا قَدْ يَحْكُمُ بِهِمَا بِخِلَافِ يَمِينِ الْقَسَامَةِ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ اللَّوْثُ بِشَاهِدٍ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ، وَهُوَ وَاضِحٌ (قَوْلُهُ: قَالَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ نِصْفُهَا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ إلَخْ) ، قَالَ فِي الْأُمِّ وَسَوَاءٌ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الْقَسَامَةُ كَانَ بِالْمَيِّتِ أَثَرُ سِلَاحٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ بِلَا أَثَرٍ.
[الطَّرَفُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الْقَسَامَةِ]
(قَوْلُهُ: يَحْلِفُ الْوَلِيُّ مَعَ وُجُودِ اللَّوْثِ خَمْسِينَ يَمِينًا) مَحَلُّهُ مَا إذَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ إقْرَارٌ أَوْ عَلِمَ الْحَاكِمُ (قَوْلُهُ: أَيْ كُلًّا مِنْ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ) أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ الْجَنِينَ فَيُقْسِمُ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ اللَّوْثِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ غَيْرِهِ، وَلَا يُسَمَّى هَذَا قَتِيلًا إنَّمَا يُطْلَقُ الْقَتِيلُ عَلَى مَنْ تَحَقَّقَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ فَالْأَقْسَامُ تَجِيءُ فِي قَدِّ الْمَلْفُوفِ مَعَ أَنَّا لَا نَتَحَقَّقُ فِيهِ حَالَةَ الْقَتْلِ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ تَحَقُّقُ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ تَحَقَّقَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْجَنِينِ ع وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَنْعَهُ التَّهَيُّؤَ لِلْحَيَاةِ فِي مَعْنَى الْقَتْلِ، وَقَوْلُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: أَوْجَهُهُمَا الْأَوَّلُ إلَخْ) ، وَهُوَ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ: وَيُفَارِقُ اشْتِرَاطَهَا) أَيْ الْمُوَالَاةِ.
لَا اسْتِقْلَالَ لِبَعْضِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ انْضَمَّ إلَيْهِ شَهَادَةُ شَاهِدٍ لَا يَحْكُمُ بِهَا (لَا إنْ تَمَّتْ) أَيْمَانُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ فَلَا يَسْتَأْنِفُ وَارِثُهُ بَلْ يَحْكُمُ لَهُ كَمَا لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً ثُمَّ مَاتَ (وَيَبْنِي وَارِثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) عَلَى أَيْمَانِهِ إذَا تَخَلَّلَ مَوْتَهُ الْأَيْمَانُ (وَإِنْ عُزِلَ الْقَاضِي) أَوْ مَاتَ فِي خِلَالِهَا وَوَلِيَ غَيْرُهُ (لَا الْمُدَّعِي) إنْ عُزِلَ الْقَاضِي أَوْ مَاتَ فِي خِلَالِهَا أَيْ لَا يَبْنِي عَلَيْهَا بَلْ يَسْتَأْنِفُ (إلَّا إنْ عَادَ الْمَعْزُولُ) فَيَبْنِي الْمُدَّعِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَأْنَفَ فِيمَا إذَا وَلِيَ غَيْرُهُ تَشْبِيهًا بِمَا لَوْ عُزِلَ الْقَاضِي أَوْ مَاتَ بَعْدَ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ، وَبِمَا لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا، وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ فَعُزِلَ الْقَاضِي وَوَلِيَ آخَرُ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْنَافِ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ، وَخَرَجَ بِالْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى أَيْضًا مَنْ فِي حُكْمِ وَارِثِهِ فَلَهُ الْبِنَاءُ فِيمَا لَوْ تَخَلَّلَ أَيْمَانَهُ عَزْلُ الْقَاضِي أَوْ مَوْتُهُ ثُمَّ وَلِيَ غَيْرُهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ يَمِينَهُ لِلنَّفْيِ فَتَنْفُذُ بِنَفْسِهَا وَيَمِينُ الْمُدَّعِي لِلْإِثْبَاتِ فَتَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي وَالْقَاضِي الثَّانِي لَا يَحْكُمُ بِحُجَّةٍ أُقِيمَتْ عِنْدَ الْأَوَّلِ (وَعَزْلُ الْقَاضِي وَمَوْتُهُ بَعْدَ تَمَامِهَا كَهُوَ) الْأَوْلَى كَهُمَا (فِي أَثْنَائِهَا فِي الطَّرَفَيْنِ) أَيْ طَرَفِ الْمُدَّعِي وَطَرَفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا تَقَرَّرَ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (أَنْ يُقْسِمَ، وَلَوْ غَابَ حَالَ قَتْلِهِ) عَنْ مَحَلِّ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْرِفُ الْحَالَ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ سَمَاعِ مَنْ يَنُوبُهُ، وَلَا تَمْنَعُ الْقَسَامَةَ غَيْبَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالْبَيِّنَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (، وَتُوَزَّعُ الْأَيْمَانُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ) ؛ لِأَنَّ مَا يَثْبُتُ بِأَيْمَانِهِمْ يُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ فَكَذَا الْيَمِينُ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ وَاحِدٌ، وَهُمْ خُلَفَاؤُهُ فَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِقَدْرِ خِلَافَتِهِ وَفِي صُوَرِ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ تُقَسَّمُ الْأَيْمَانُ كَقَسْمِ الْمَالِ وَفِي الْمُعَادَةِ لَا يَحْلِفُ وَلَدُ الْأَبِ إنْ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا فَإِنْ أَخَذَ حَلَفَ بِقَدْرِ حَقِّهِ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ.
(وَيُتَمَّمُ الْمُنْكَسِرُ) مِنْ الْأَيْمَانِ إنْ وَقَعَ كَسْرٌ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَتَبَعَّضُ، وَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ لِئَلَّا يَنْقُصَ نِصَابُ الْقَسَامَةِ (فَمَنْ خَلَّفَ تِسْعَةً، وَأَرْبَعِينَ ابْنًا حَلَفُوا يَمِينَيْنِ يَمِينَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ الْبَاقِيَةَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ وَيُتَمِّمُ، وَلَوْ خَلَّفَ أُمًّا وَابْنًا حَلَفَتْ تِسْعًا وَحَلَفَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَلَوْ خَلَّفَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ ابْنًا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (وَإِنْ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ حَلَفَ كُلٌّ) مِنْهُمْ (سَبْعَ عَشَرَةَ) يَمِينًا (فَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ) مِنْهُمْ (حَلَفَ خَمْسِينَ لِحَقِّهِ فَقَطْ إنْ لَمْ يَصْبِرْ) أَيْ إلَى حُضُورِ الْآخَرِينَ لِتَعَذُّرِ أَخْذِ شَيْءٍ قَبْلَ تَمَامِ الْحُجَّةِ فَيَفْرِضُ حَائِزًا لِذَلِكَ فَإِنْ صَبَرَ حَتَّى حَضَرَا حَلَفَ كُلٌّ بِقَدْرِ حَقِّهِ (وَإِنْ حَضَرَ آخَرُ أَوْ بَلَغَ) الصَّبِيُّ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ (حَلَفَ نِصْفَهَا) كَمَا لَوْ حَضَرَ ابْتِدَاءً (وَ) حَلَفَ (الثَّالِثُ) إذَا حَضَرَ أَوْ بَلَغَ أَوْ أَفَاقَ (سَبْعَ عَشَرَةَ) بِتَكْمِيلِ الْمُنْكَسِرِ فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَتْ الْأَيْمَانُ كَالْبَيِّنَةِ فَلِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِوُجُودِهَا مِنْ بَعْضِهِمْ كَالْبَيِّنَةِ قُلْنَا لِصِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ دُونَ الْيَمِينِ؛ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ عَامَّةٌ وَالْيَمِينُ حُجَّةٌ خَاصَّةٌ وَذَكَرَ الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ حَلَفَ فَلَهُ أَخْذُ حِصَّتِهِ فِي الْحَالِ، وَكَانَ لِلْمُصَنِّفِ حَذْفُهُ لِقَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ هَذَا إنَّمَا يُتَّجَهُ إذَا قُلْنَا إنَّ تَكْذِيبَ بَعْضِ الْوَرَثَةِ لَا يَمْنَعُ الْقَسَامَةَ، وَهُوَ رَأْيُ الْبَغَوِيّ فَإِنْ قُلْنَا يَمْنَعُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَيَتَعَيَّنُ الِانْتِظَارُ؛ لِأَنَّ تَوَافُقَ الْوَرَثَةِ شَرْطٌ، وَمَا قَالَهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ عَدَمُ التَّكَاذُبِ لَا التَّوَافُقُ، وَقَوْلُ الْأَصْلِ، وَلَوْ امْتَنَعَ الْحَاضِرُ مِنْ الزَّائِدِ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ مِنْ الْقَسَامَةِ حَتَّى إذَا حَضَرَ الْغَائِبُ كَمَّلَ مَعَهُ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ فِيهَا تَقْصِيرٌ مُبْطِلٌ وَالْقَسَامَةُ لَا تَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ صَدْرَهُ لِفَهْمِهِ مِنْ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَصْبِرْ، وَعَجُزَهُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى ضَعِيفٍ إذْ الصَّحِيحُ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ حَقُّ الْحَاضِرِ مِنْهَا بِالتَّأْخِيرِ.
(وَإِنْ مَاتَا) أَيْ الثَّانِي وَالثَّالِثُ بَعْدَ حَلِفِ الْحَاضِرِ (فَوَرِثَهُمَا) الْحَاضِرُ (حَلَفَ حِصَّتَهُمَا) ، وَلَا يَكْفِيهِ حَلِفُهُ السَّابِقُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِحِصَّتِهِمْ يَوْمَئِذٍ (وَلَوْ خَلَّفَ زَوْجَةً وَبِنْتًا حَلَفَتْ الزَّوْجَةُ عَشَرًا وَالْبِنْتُ أَرْبَعِينَ) بِجَعْلِ الْأَيْمَانِ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْبِنْتِ كَنَصِيبِ الزَّوْجَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ (أَوْ) خَلَّفَتْ (زَوْجًا وَبِنْتًا حَلَفَتْ الْبِنْتُ الثُّلُثَيْنِ، وَهُوَ) أَيْ الزَّوْجُ (الثُّلُثَ) بِجَعْلِ الْأَيْمَانِ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ نَصِيبَهَا كَنَصِيبِهِ مَرَّتَيْنِ.
(وَيَحْلِفُ الْخُنْثَى خَمْسِينَ)
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَتُوَزَّعُ الْأَيْمَانُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ) لَمْ يُبَيِّنْ هَلْ هُوَ بِحَسَبِ أَسْمَاءِ فَرَائِضِهِمْ أَوْ بِحَسَبِ سِهَامِهِمْ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْعَوْلِ كَزَوْجٍ وَأُمٍّ وَأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَآخَرَيْنِ لِأُمٍّ هِيَ مِنْ سِتَّةٍ، وَتَعُولُ إلَى عَشَرَةٍ فَهَلْ يَحْلِفُونَ عَلَى أَسْمَاءِ فَرَائِضِهِمْ فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ نِصْفَ الْخَمْسِينَ وَالْأُمُّ سُدُسَهَا وَالْأُخْتَانِ لِلْأَبِ ثُلُثَيْهَا وَالْأُخْتَانِ لِلْأُمِّ ثُلُثَهَا جَبْرًا لِلْمُنْكَسِرِ فِي الْجَمِيعِ أَوْ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى نِسْبَةِ سِهَامِهِ فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ ثَلَاثَةَ أَعْشَارِ الْخَمْسِينَ وَالْأُخْتَانِ لِلْأَبِ أَرْبَعَةَ أَعْشَارِهَا وَالْأُخْتَانِ لِلْأُمِّ خُمُسَيْهَا، فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَصَحَّحَ الثَّانِيَ (قَوْلُهُ: حَلَفَ خَمْسِينَ لِحَقِّهِ) أَيْ لِأَخْذِهِ فَيَأْخُذُهُ فِي الْحَالِ (قَوْلُهُ: وَإِذَا حَضَرَ آخَرُ أَوْ بَلَغَ حَلَفَ نِصْفَهَا إلَخْ) فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَتْ الْأَيْمَانُ كَالْبَيِّنَةِ فَهَلَّا كَانَ وُجُودُهَا مِنْ بَعْضِهِمْ حُجَّةً لِجَمِيعِهِمْ كَالْبَيِّنَةِ قِيلَ الْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا صِحَّةُ النِّيَابَةِ فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ دُونَ الْيَمِينِ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ عَامَّةٌ وَالْيَمِينَ حُجَّةٌ خَاصَّةٌ، قَالَ شَيْخُنَا وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ قَرِينَةٌ (قَوْلُهُ: وَكَانَ الْمُصَنِّفُ حَذَفَهُ إلَخْ) إنَّمَا حَذَفَهُ لِفَهْمِهِ مِنْ قَوْلِهِ لِحَقِّهِ أَيْ لِأَخْذِهِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ تَوَافُقَ الْوَرَثَةِ شَرْطٌ) وَالْبَغَوِيُّ، قَالَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقَتِهِ فَوَافَقَهُ الرَّافِعِيُّ ذُهُولًا قُلْت بَلْ إيرَادُهُ هُوَ الذُّهُولُ فَإِنَّ الرَّافِعِيَّ، قَالَ فِي تَوْجِيهِ رَأْيِ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ صَغِيرًا أَوْ غَائِبًا كَانَ لِلْبَالِغِ الْحَاضِرِ أَنْ يُقْسِمَ مَعَ احْتِمَالِ التَّكْذِيبِ مِنْ الثَّانِي إذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ، وَقَالَ فِي تَوْجِيهِ الْأَصَحِّ وَفِيمَا إذَا كَانَ صَغِيرًا أَوْ غَائِبًا لَمْ يُوجَدْ التَّكْذِيبُ الْخَارِمُ لِلظَّنِّ فَكَانَ كَمَا إذَا ادَّعَى، وَلَمْ يُسَاعِدْهُ الْآخَرُ، وَلَمْ يَكْذِبْ كَانَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُقْسِمَ.
اهـ. وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ حَلِفَ الْبَعْضِ مَعَ غَيْبَةِ الْبَاقِي مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَلَى الرَّأْيَيْنِ مَعًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِحِصَّتِهِمَا يَوْمَئِذٍ) لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَانَا مَيِّتَيْنِ حَالَ الْحَلِفِ فَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِحَلِفِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَانَ هُوَ الْوَارِثَ الْحَائِزَ فَأَشْبَهَ مَا إذَا بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ فَبَانَ مَيِّتًا فس هُوَ وَاضِحٌ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّعْلِيلِ.
يَمِينًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ذَكَرٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ قَبْلَ تَمَامِ الْأَيْمَانِ شَيْئًا (وَيَأْخُذُ النِّصْفَ) فَقَطْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُنْثَى هَذَا (إنْ انْفَرَدَ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ) أَيْ مَعَهُ (عَصَبَةٌ) لَيْسُوا فِي دَرَجَتِهِ كَإِخْوَةٍ (فَلَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا نِصْفَهَا) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُنْثَى (وَيُؤْخَذُ الْمَالُ) الْبَاقِي (وَيُوقَفُ) بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ إلَى الْبَيَانِ أَوْ الصُّلْحِ، وَلَهُمْ أَنْ يَصْبِرُوا إلَى الْبَيَانِ (وَلَا تُعَادُ الْقَسَامَةُ عِنْدَ الْبَيَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) مَعَهُ (عَصَبَةٌ لَمْ يُؤْخَذْ) أَيْ الْبَاقِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَلْ يُوقَفُ حَتَّى يُبَيِّنَ الْخُنْثَى (فَإِنْ بَانَ أُنْثَى، وَلَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ (أَخَذَهُ) أَيْ الْقَاضِي الْبَاقِي (لِبَيْتِ الْمَالِ) ، وَإِنْ بَانَ ذَكَرًا أَخَذَهُ فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ الْقَاضِي ذَلِكَ، وَفِي نُسْخَةٍ فَإِنْ بَانَ أُنْثَى، وَلَا عَصَبَةَ حَلَفَ الْمُدَّعَى أَيْ عَلَيْهِ لِبَيْتِ الْمَالِ أَيْ لِأَجْلِهِ (وَالْخُنْثَيَانِ يَحْلِفُ كُلٌّ) مِنْهُمَا (الثُّلُثَيْنِ) أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ (مَعَ الْجَبْرِ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ذَكَرٌ، وَالْآخَرُ أُنْثَى (وَيُعْطَى الثُّلُثَ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُنْثَى (وَالِابْنُ مَعَ الْخُنْثَى يَحْلِفُ ثُلُثَيْهَا) لِاحْتِمَالِ أُنُوثَةِ الْخُنْثَى (وَيُعْطَى النِّصْفَ) لِاحْتِمَالِ ذُكُورَتِهِ (وَالْخُنْثَى يَحْلِفُ نِصْفَهَا) لِاحْتِمَالِ ذُكُورَتِهِ (وَيُعْطَى الثُّلُثَ) لِاحْتِمَالِ أُنُوثَتِهِ (وَيُوقَفُ السُّدُسُ) بَيْنَهُمَا إلَى الْبَيَانِ أَوْ الصُّلْحِ، وَلَوْ خَلَّفَ بِنْتًا وَخُنْثَى حَلَفَتْ نِصْفَ الْأَيْمَانِ وَالْخُنْثَى ثُلُثَهَا، وَأَخَذَا ثُلُثَيْ الدِّيَةِ، وَلَا يُؤْخَذُ الْبَاقِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْخُنْثَى، صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ.
(فَرْعٌ: مَنْ مَاتَ) مِنْ الْوَرَثَةِ قَبْلَ حَلِفِهِ (وُزِّعَتْ أَيْمَانُهُ عَلَى وَرَثَتِهِ) كَمَا مَرَّ (فَإِنْ مَاتَ مَنْ لَزِمَهُ النِّصْفُ) مَثَلًا (فَحَلَفَ اثْنَيْنِ فَحَلَفَ الْأَوَّلُ) حِصَّتَهُ (ثَلَاثَ عَشَرَةَ ثُمَّ مَاتَ أَخُوهُ) قَبْلَ حَلِفِهِ (وَوَرِثَهُ حَلَفَ حِصَّتَهُ) ثَلَاثَ عَشَرَةَ؛ لِأَنَّهَا الْقَدْرُ الَّذِي كَانَ يَحْلِفُهُ مُوَرِّثُهُ (لَا تَكْمِلَةَ النِّصْفِ) فَقَطْ (وَمَنْ نَكَلَ) مِنْ الْوَرَثَةِ عَنْ الْيَمِينِ (وَمَاتَ فَلِوَرَثَتِهِ تَحْلِيفُ الْخَصْمِ لَا الْقَسَامَةُ) لِبُطْلَانِ حَقِّهِمْ بِنُكُولِ مُوَرِّثِهِمْ.
[فَرْعٌ كَانَ لِلْقَتِيلِ ابْنَانِ وَحَلَفَ أَحَدُهُمَا وَمَاتَ الْآخَرُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَيْمَان الْقَسَامَة]
(فَرْعٌ) لَوْ كَانَ (لِلْقَتِيلِ ابْنَانِ) وَ (حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَمَاتَ الْآخَرُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ عَنْ ابْنَيْنِ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ، وَهِيَ ثَلَاثَ عَشَرَةَ وَنَكَلَ الْآخَرُ وُزِّعَتْ أَيْمَانُهُ الَّتِي نَكَلَ عَنْهَا، وَهِيَ الرُّبْعُ عَلَى عَمِّهِ، وَأَخِيهِ عَلَى قَدْرِ حِصَّتَيْهِمَا) مِنْ الدِّيَةِ تَكْمِلَةً لِلْحُجَّةِ (فَيَحْلِفُ الْعَمُّ تِسْعًا) إذْ يَخُصُّهُ ثَمَانٍ وَثُلُثٌ (وَالْأَخُ أَرْبَعًا) إذْ يَخُصُّهُ أَرْبَعٌ وَسُدُسٌ يُضَمُّ ذَلِكَ إلَى حِصَّتَيْهِمَا فِي الْأَصْلِ (فَيَكْمُلُ لِلْعَمِّ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ) ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ أَوَّلًا خَمْسًا وَعِشْرِينَ (وَلِلْأَخِ سَبْعَ عَشَرَةَ) ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ أَوَّلًا ثَلَاثَ عَشَرَةَ، وَإِنَّمَا حَلَفَ الْأَخُ هُنَا بِالْحِصَّةِ الْأَصْلِيَّةِ وَفِيمَا قَبْلَ الْفَرْعِ بِحِصَّةٍ لِتَكْمِلَةٍ؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَنْ أَخِيهِ ثُمَّ بِخِلَافِهِ هُنَا لِبُطْلَانِ حَقِّ النَّاكِلِ بِنُكُولِهِ (وَلَا يَخْتَصُّ الْعَدَدُ بِاللَّوْثِ بَلْ يَمِينُ مُدَّعِي الْقَتْلِ مَعَ الشَّاهِدِ وَيَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ) مِنْ الْمُدَّعِي أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فِيهَا) أَيْ فِي الْقَسَامَةِ (خَمْسُونَ) ؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ دَمٍ وَلِخَبَرِ «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا» فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَمَحَلُّهُ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (إنْ انْفَرَدَ، وَإِلَّا) بِأَنْ تَعَدَّدَ (حَلَفَ كُلٌّ) مِنْهُمْ (خَمْسِينَ) كَمَا يَحْلِفُهَا الْوَاحِدُ اعْتِبَارًا بِالْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ أَمَّا إذَا تَعَدَّدَ الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِنِسْبَةِ حَقِّهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ يَنْفِي مَا يَنْفِيهِ الْوَاحِدُ لَوْ انْفَرَدَ وَكُلٌّ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ لَا يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ مَا يُثْبِتُهُ الْوَاحِدُ لَوْ انْفَرَدَ بَلْ يُثْبِتُ بَعْضَ الْأَرْشِ فَيَحْلِفُ بِقَدْرِ الْحِصَّةِ وَبِهَذَا فَرَّقَ الرَّافِعِيُّ بَيْنَ يَمِينِ الْمُدَّعِينَ ابْتِدَاءً وَيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ عَلَى الْمُدَّعِينَ كَيَمِينِهِمْ ابْتِدَاءً، وَجَرَى عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ كَمَا أَشَرْت إلَيْهِ فِي تَقْرِيرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
(وَالْأَشْبَهُ أَنَّ يَمِينَ الْجِرَاحَاتِ كَالنَّفْسِ) فَتَكُونُ خَمْسِينَ (سَوَاءٌ نَقَصَتْ) أَيْ الْجِرَاحَاتُ أَيْ إبْدَالُهَا (عَنْ الدِّيَةِ كَالْحُكُومَةِ) وَبَدَلُ الْيَدِ (أَوْ زَادَتْ) كَبَدَلِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذْ لَا تَخْلُفُ الْيَمِينُ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى بِقِلَّةِ الْمُدَّعَى وَكَثْرَتِهِ.
(الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْقَسَامَةِ وَالْوَاجِبُ بِهَا الدِّيَةُ) فِي الْحُرِّ وَالْقِيمَةُ فِي الرَّقِيقِ (لَا الْقِصَاصُ) لِمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ أَوْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ» ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ فَلَا تُوجِبُ الْقِصَاصَ احْتِيَاطًا لِأَمْرِ الدِّمَاءِ كَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَلَيْسَتْ كَاللِّعَانِ فِي رَجْمِ الْمَرْأَةِ لِتَمَكُّنِهَا فِيهِ مِنْ الدَّفْعِ بِلِعَانِهَا أَوَّلًا كَالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ لِتُقَوِّيهَا بِالنُّكُولِ، وَلِهَذَا جُعِلَتْ كَالْإِقْرَارِ أَوْ كَالْبَيِّنَةِ، وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ «أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» بِأَنَّ التَّقْدِيرَ بَدَلُ دَمِ صَاحِبِكُمْ جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ (وَيَعْقِلُ عَنْهُ) أَيْ الْقَاتِلُ (فِي غَيْرِ الْعَمْدِ) مِنْ شِبْهِهِ، وَالْخَطَأُ أَمَّا فِي الْعَمْدِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ حَالَّةً.
(فَإِنْ ادَّعَى) الْقَتْلَ (عَلَى اثْنَيْنِ وَاللَّوْثَ عَلَى أَحَدِهِمَا
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: أَخَذَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ) أَيْ إنْ أَقَرَّ فَإِنَّهُ إذَا نَكَلَ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ بَلْ يُحْبَسُ لِيَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ.
[فَرْعٌ مَنْ مَاتَ مِنْ الْوَرَثَةِ قَبْلَ حَلِفِهِ أَيْمَان الْقَسَامَة]
(قَوْلُهُ: بَلْ يَمِينُ مُدَّعِي الْقَتْلِ مَعَ الشَّاهِدِ) أَيْ، وَلَوْ فِي خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ (قَوْلُهُ: وَجَرَى عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ) ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّ يَمِينَ الْجِرَاحَاتِ) أَيْ وَنَحْوَهَا.
أَقْسَمَ عَلَيْهِ) خَمْسِينَ (وَحَلَفَ الْآخَرُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ) ادَّعَى (عَلَى ثَلَاثَةٍ بِلَوْثٍ) أَيْ مَعَهُ (أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ عَمْدًا، وَهُمْ حُضُورٌ حَلَفَ لَهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا) ، وَأَخَذَ الدِّيَةَ (وَإِنْ غَابُوا حَلَفَ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ) مِنْهُمْ (خَمْسِينَ) ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِأَيْمَانِهِ الْأُوَلَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَنَاوَلْ غَيْرَهُ قَالَ فِي الْأَصْلِ هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرَ غَيْرَهُ فِي الْأَيْمَانِ السَّابِقَةِ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِهَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْقَسَامَةِ فِي غَيْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
انْتَهَى.
وَفِي تَعْلِيلِهِمْ السَّابِقِ إشَارَةٌ إلَيْهِ (وَإِنْ أَقَرَّ) مَنْ حَضَرَ (بِعَمْدٍ اُقْتُصَّ مِنْهُ أَوْ بِخَطَأٍ وَصَدَّقَتْهُ الْعَاقِلَةُ كَانَ) الْوَاجِبُ (عَلَيْهَا، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تُصَدِّقْهُ (فَفِي مَالِ الْمُقِرِّ وَكُلُّ مَنْ حَلَفَ لَهُ أَخَذَ مِنْهُ ثُلُثَ الدِّيَةِ) .
(فَرْعٌ) لَوْ (نَكَلَ) الْمُدَّعِي (فِي) دَعْوَى (عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ) أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ (عَنْ الْقَسَامَةِ أَوْ عَنْ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ثُمَّ نَكَلَ خَصْمُهُ) عَنْ الْيَمِينِ (فَرُدَّتْ عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ) ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَكَلَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَكَلَ عَنْ يَمِينِ الْقَسَامَةِ أَوْ الْمُكَمِّلَةِ لِلْحُجَّةِ، وَهَذِهِ يَمِينُ الرَّدِّ وَالسَّبَبُ الْمُمْكِنُ مِنْ تِلْكَ هُوَ اللَّوْثُ وَمِنْ هَذِهِ نُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالنُّكُولُ عَنْ شَيْءٍ فِي مَقَامٍ لَا يُبْطِلُ حَقًّا فِي مَقَامٍ آخَرَ؛ وَلِأَنَّهُ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ يَسْتَفِيدُ بِهَا مَا لَا يَسْتَفِيدُ بِالْقَسَامَةِ، وَهُوَ الْقِصَاصُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ (وَيَقْتَصُّ أَوْ يَطْلُبُ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ أَوْ كَالْبَيِّنَةِ وَكِلَاهُمَا يَثْبُتُ بِهِ الْقِصَاصُ) أَوْ الدِّيَةُ (وَإِذَا نَكَلَ) الْمُدَّعِي (عَنْ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ) ، وَلَا لَوْثَ (ثُمَّ ظَهَرَ لَوْثٌ أَقْسَمَ) لِمَا مَرَّ.
[الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِيمَنْ يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ]
(الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِيمَنْ يَحْلِفُ) فِي الْقَسَامَةِ (مَنْ اسْتَحَقَّ بَدَلَ الدَّمِ) مِنْ دِيَةٍ أَوْ قِيمَةٍ (أَقْسَمَ) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا (فَيُقْسِمُ السَّيِّدُ، وَلَوْ مُكَاتَبًا) بِقَتْلِ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَحَقُّ (لَا) الْعَبْدُ (الْمَأْذُونُ) لَهُ فَلَا يُقْسِمُ بِقَتْلِ عَبْدِهِ، وَهُوَ عَبْدُ التِّجَارَةِ إذْ لَا حَقَّ لَهُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، وَإِنَّمَا يُقْسِمُ سَيِّدُهُ فَقَوْلُهُ (بِقَتْلِ عَبْدِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيُقْسِمُ (فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ) عَنْ أَدَاءِ النُّجُومِ (قَبْلَ نُكُولِهِ) عَنْ الْيَمِينِ، وَلَوْ بَعْدَ عَرْضِهَا عَلَيْهِ (حَلَفَ السَّيِّدُ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ حِينَئِذٍ (أَوْ بَعْدَ نُكُولِهِ فَلَا) يَحْلِفُ لِبُطْلَانِ الْحَقِّ بِالنُّكُولِ كَمَا لَا يُقْسِمُ الْوَارِثُ إذَا نَكَلَ مُوَرِّثُهُ (لَكِنْ لِلسَّيِّدِ تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ عَجْزٌ بَعْدَ الْقَسَامَةِ أَخَذَ) السَّيِّدُ (الْمَالَ) أَيْ قِيمَةَ الْعَبْدِ كَمَا لَوْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ، وَكَمَا لَوْ مَاتَ الْوَلِيُّ بَعْدَمَا أَقْسَمَ.
(وَإِنْ أَوْصَى لِمُسْتَوْلَدَتِهِ بِعَبْدٍ فَقُتِلَ) ، وَهُنَاكَ لَوْثٌ (حَلَفَ السَّيِّدُ) ، وَأَخَذَ الْقِيمَةَ (وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ أَوْ) أَوْصَى لَهَا (بِقِيمَةِ عَبْدِهِ إنْ قُتِلَ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ) ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَهُ فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهَا، وَلَا يَقْدَحُ فِيهَا الْخَطَرُ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْأَخْطَارَ (وَالْقَسَامَةُ لِلسَّيِّدِ أَوْ وَرَثَتُهُ) بَعْدَ مَوْتِهِ بِلَا نُكُولٍ (فَلَا تَلْزَمُهُمْ) الْقَسَامَةُ، وَإِنْ تَيَقَّنُوا الْحَالَ قَالَ فِي الذَّخَائِرِ؛ لِأَنَّهُ سَعَى فِي تَحْصِيلِ غَرَضِ الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا أَقْسَمُوا مَعَ أَنَّ الْقِيمَةَ لِلْمُسْتَوْلَدَةِ (لِأَنَّ الْمَالَ لِلسَّيِّدِ) ؛ وَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ مِنْ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِقَتْلِ مَمْلُوكِهِ فَتُورَثُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَيَثْبُتُ بِهَا الْمَالُ لَهُ (ثُمَّ يُصْرَفُ) أَيْ يَصْرِفُونَهُ (لَهَا) بِمُوجِبِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ غَرَضًا ظَاهِرًا فِي تَنْفِيذِهَا كَمَا يَقْضُونَ دُيُونَهُ عِنْدَ عَدَمِ التَّرِكَةِ مِنْ خَالِصِ مَالِهِمْ وَيَجِبُ قَبُولُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ (فَإِنْ نَكَلُوا) عَنْ الْقَسَامَةِ (لَمْ تُقْسِمْ الْمُسْتَوْلَدَةُ) ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ لِإِثْبَاتِ الْقِيمَةِ، وَهِيَ لِلسَّيِّدِ فَيَخْتَصُّ بِتَحْلِيفِهِ (بَلْ لَهَا الدَّعْوَى) عَلَى الْخَصْمِ بِالْقِيمَةِ (وَالتَّحْلِيفُ) لَهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهَا فِيهَا ظَاهِرًا، وَلَا يَحْتَاجُ فِي دَعْوَاهَا وَالتَّحْلِيفُ إلَى إثْبَاتِ جِهَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَا إلَى إعْرَاضِ الْوَرَثَةِ عَنْ الدَّعْوَى صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (فَلَوْ نَكَلَ الْخَصْمُ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ) يَمِينَ الرَّدِّ.
(وَإِنْ أَوْصَى) لِغَيْرِهِ (بِعَيْنٍ فَادَّعَاهَا شَخْصٌ فَفِي حَلِفِ الْوَارِثِ لِتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ تَرَدُّدٌ) أَيْ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ أَحَدُهُمَا وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ يَحْلِفُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُسْتَوْلَدَةِ وَالثَّانِي لَا وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْقَسَامَةَ تَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَمَحَلُّ التَّرَدُّدِ إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْوَارِثِ فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُوصَى لَهُ فَهُوَ الْحَالِفُ جَزْمًا (وَإِنْ أَوْصَى لِعَبْدِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ) لَهُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهَا حُرٌّ يَمْلِكُ (وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ) بَعْدَهَا صَحَّتْ (وَتَصِيرُ لِلْمُشْتَرِي)
[حاشية الرملي الكبير]
[الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْقَسَامَةِ وَالْوَاجِبُ بِهَا]
قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِهَا إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ رَدَّ الْبُلْقِينِيِّ الْبَحْثَ، وَقَالَ إنْ كَانَ فِي مَسَافَةِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فَلَا حَاجَةَ لِإِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْ الْأَيْمَانِ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ فِيمَا دُونَهَا لَمْ يَعْتَدَّ بِمَا تَعَلَّقَ بِالْغَائِبِ قَطْعًا، وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي الْأَيْمَانِ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ دَعْوَى عَلَيْهِ فِي هَذَا الْخِلَافِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ غَابَ عَنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، وَقْتَ الْأَيْمَانِ، وَعِبَارَةُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ كَالْبَيِّنَةِ وَمُقْتَضَاهُ الْقَطْعُ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِي غَيْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِي الرَّوْضَةِ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ مَنْعُهُ، وَقَوْلُهُ وَقَالَ إنْ كَانَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي تَعْلِيلِهِمْ السَّابِقِ إشَارَةٌ إلَيْهِ) ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُبَابِ وَبِهِ أَفْتَيْت
[فَرْعٌ نَكَلَ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَى عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ عَنْ الْقَسَامَةِ أَوْ عَنْ الْيَمِينِ]
(قَوْلُهُ: مَنْ اسْتَحَقَّ بَدَلَ الدَّمِ أَقْسَمَ) فَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ، قَالَ الشَّيْخَانِ: إنَّ الْقَاضِيَ يُنَصِّبُ مَنْ يَدَّعِي عَلَيْهِ وَيُحَلِّفُهُ فَإِنْ نَكَلَ فَفِي الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ خِلَافٌ يَأْتِي، وَجَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ بِالْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لَكِنْ صَحَّحَا فِي الدَّعَاوَى فِيمَنْ مَاتَ بِلَا وَارِثٍ فَادَّعَى الْقَاضِي أَوْ مَنْصُوبُهُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ بَلْ يُحْبَسُ لِيَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ هُنَاكَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَا قَطَعُوا بِهِ مِنْ امْتِنَاعِ الْقَسَامَةِ وَاضِحٌ إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا فَإِنَّ مَالَهُ يَنْتَقِلُ لِبَيْتِ الْمَالِ لِلْمَصْلَحَةِ لَا إرْثًا فَلَوْ أَقْسَمَ الْإِمَامُ لَكَانَ إقْسَامًا مِمَّنْ لَيْسَ بِوَارِثٍ، وَلَا نَائِبَ عَنْهُ أَمَّا لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ خِلَافُ اسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ مِنْ الْإِمَامِ هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْوَارِثِ الْخَاصِّ، وَفِي فُرُوعِ ابْنِ الْقِطَّانِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ، قَالَ فِيمَا لَوْ تَرَكَ بِنْتًا وَاحِدَةً، وَلَا عَصَبَةَ لَهُ أَنَّ الْإِمَامَ يُقْسِمُ مَعَهَا فَيَحْلِفُ خَمْسًا، وَعِشْرِينَ وَيَأْخُذُ نِصْفَ الدِّيَةِ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ أَنْ يَحْلِفَ حَلَفَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَاسْتَحَقَّتْ نِصْفَ الدِّيَةِ هَذَا لَفْظُهُ، وَقَوْلُهُ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ هُنَاكَ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ، قَالَ شَيْخُنَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
(قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ إلَخْ) هُوَ الْأَصَحُّ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ إنَّهُ الرَّاجِحُ
، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ.
(فَرْعٌ) لَوْ (قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَعَتَقَ ثُمَّ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ فَلِلسَّيِّدِ الْأَقَلُّ مِنْ الدِّيَةِ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ) كَمَا مَرَّ (فَإِنْ كَانَ) ثَمَّ (لَوْثٌ) وَفَضَلَ عَنْ الْأَقَلِّ شَيْءٌ لِلْوَرَثَةِ (أَقْسَمَ) السَّيِّدُ (مَعَ الْوَرَثَةِ بِالتَّوْزِيعِ) لِلْأَيْمَانِ عَلَيْهِمَا بِحَسْبِ مَا يَأْخُذَانِ (وَكَذَا) يُقْسِمُ (وَحْدَهُ إنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ شَيْءٌ) لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ دُونَهُمْ.
[فَرْعٌ ارْتَدَّ السَّيِّدُ وَلَوْ قَبْلَ قَتْلِ الْعَبْدِ فِي الْقَسَامَة]
(فَرْعٌ) لَوْ (ارْتَدَّ السَّيِّدُ) ، وَلَوْ (قَبْلَ قَتْلِ الْعَبْدِ وَكَذَا) لَوْ ارْتَدَّ (الْوَارِثُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ لَا قَبْلَهُ فَلَهُ) أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَوْ فِي الرِّدَّةِ (الْقَسَامَةُ) لِإِثْبَاتِ حَقِّهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ ارْتَدَّ الْوَارِثُ قَبْلَ مَوْتِ الْجَرِيحِ وَاسْتَمَرَّ مُرْتَدًّا حَتَّى مَاتَ الْجَرِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفَصِّلْ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِالْمِلْكِ لَا بِالْإِرْثِ (وَالْأَوْلَى تَأْخِيرُهَا) أَيْ الْقَسَامَةُ إلَى أَنْ يُسْلِمَ السَّيِّدُ أَوْ الْوَارِثُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ لَا يَتَوَرَّعُ عَنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ (فَإِنْ أَقْسَمَ فِي الرِّدَّةِ ثَبَتَ الْمَالُ) كَمَا لَوْ أَقْسَمَ فِي الْإِسْلَامِ (وَكَانَ الْمَالُ) الْحَاصِلُ بِهِ (لِلْمُقْسِمِ فِي الرِّدَّةِ كَاكْتِسَابٍ) أَيْ كَالْحَاصِلِ بِالِاكْتِسَابِ بِاحْتِشَاشٍ (وَاحْتِطَابٍ وَنَحْوِهِ) وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا فِي بَابِ الرِّدَّةِ، وَإِنَّمَا صَحَّ إقْسَامُهُ فِيهَا كَسَائِرِ الْكُفَّارِ؛ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ اكْتِسَابٍ لِلْمَالِ فَلَا تَمْنَعُ مِنْهُ الرِّدَّةُ كَالِاحْتِطَابِ، وَذِكْرُهُ أَوْلَوِيَّةَ تَأْخِيرِ الْقَسَامَةِ وَمَا بَعْدَهَا فِي حَقِّ السَّيِّدِ مِنْ زِيَادَتِهِ.
[مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ فِي الْقَسَامَة]
(مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْلِفَ سَكْرَانُ) مُدَّعِيًا كَانَ أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقُولُ وَمَا يُقَالُ لَهُ وَيَنْزَجِرَ عَنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ (فَلَوْ حَلَفَ صَحَّ كَغَيْرِهِ، وَإِنْ قُتِلَ رَجُلٌ فَبَانَ اللَّوْثُ عَلَى عَبْدِهِ فَلَا قَسَامَةَ) لِوَارِثِهِ (لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ شَيْءٌ لَا إنْ كَانَ مَرْهُونًا) فَلَهُ الْقَسَامَةُ (لِيَسْتَفِيدَ) بِهَا (فَكُّهُ) وَبَيْعُهُ، وَقِسْمَةُ ثَمَنِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ.
(وَلَوْ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ قَتْلًا عَمْدًا فَأَقَرَّ خَصْمُهُ بِالْخَطَأِ) أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَلَا لَوْثَ (صُدِّقَ الْخَصْمُ وَحَلَفَ خَمْسِينَ) يَمِينًا (فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ أَقْسَمَ الْمُدَّعِي) وَدَعْوَى الْخَصْمِ كَوْنَ الْقَتْلِ غَيْرَ عَمْدٍ لَا يَمْنَعُ الْمُدَّعِي مِنْ الْقَسَامَةِ، وَلَا تُبْطِلُ اللَّوْثَ بَلْ تُؤَكِّدُهُ (وَإِذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْخَطَأِ) أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ (فَلِلْمُدَّعِي طَلَبُ الدِّيَةِ) مِنْهُ إلَّا أَنْ تُصَدِّقَهُ الْعَاقِلَةُ فَيَطْلُبُهَا مِنْهُمْ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهِيَ مُخَفَّفَةٌ صِفَةً، وَتَأْجِيلًا (فَإِنْ نَكَلَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَحَلَفَ الْمُدَّعِي اقْتَصَّ) مِنْهُ فَإِنْ عُفِيَ عَلَى الدِّيَةِ فَهِيَ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِهِ.
(وَإِنْ ادَّعَى) عَلَيْهِ قَتْلًا (خَطَأً) أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ (وَأَقَرَّ) خَصْمُهُ (بِعَمْدٍ فَلَا قِصَاصَ) عَلَيْهِ لِتَكْذِيبِ الْمُدَّعَى لَهُ (وَطُولِبَ بِدِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا الْمُدَّعَاةُ وَالْخَصْمُ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِالدِّيَةِ بَلْ بِالْقِصَاصِ لَكِنْ طَلَبُ الْمُدَّعِي لَهَا يَسْتَلْزِمُ الْعَفْوَ عَنْهَا.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِ]
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِ) إنَّمَا يَثْبُتُ مُوجِبُ الْقِصَاصِ مِنْ قَتْلٍ أَوْ جُرْحٍ (بِعَدْلَيْنِ) يَشْهَدَانِ بِالْمُوجِبِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْجَانِي (وَإِنْ عُفِيَ عَلَى مَالٍ) فَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي فِي الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ عَفَوْت عَنْهُ فَاقْبَلُوا مِنِّي رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ شَاهِدًا وَيَمِينًا لِآخُذَ الْمَالَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا فِي نَفْسِهَا مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاصِ لَوْ ثَبَتَتْ؛ وَلِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الْقِصَاصُ حَتَّى يُعْتَبَرَ الْعَفْوُ (وَإِقْرَارُ الْجَانِي) عُطِفَ عَلَى عَدْلَيْنِ وَالتَّصْرِيحُ بِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَيَثْبُتُ مُوجِبُ الْمَالِ) مِمَّا ذُكِرَ مَعَ عَدْلَيْنِ (بِرَجُلٍ مَعَ امْرَأَتَيْنِ أَوْ) بِرَجُلٍ (وَيَمِينٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمَالُ وَذَلِكَ (كَعَمْدِ الْأَبِ وَالصَّبِيِّ) وَالْمَجْنُونِ (وَكَالْهَاشِمَةِ لَا) الْهَاشِمَةِ (الْمَسْبُوقَةِ بِإِيضَاحٍ) فَلَا يَثْبُتُ أَرْشُهَا بِذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِيضَاحَ قَبْلَهَا الْمُوجِبَ لِلْقِصَاصِ لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ.
(وَمَتَى شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) أَوْ رَجُلٌ مَعَ يَمِينٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (أَنَّهُ تَعَمَّدَ زَيْدًا بِسَهْمٍ) رَمَاهُ بِهِ (فَقَتَلَهُ وَمَرَقَ) مِنْهُ (فَقَتَلَ عَمْرًا قُبِلَ) مِنْهُ ذَلِكَ لِعَمْرٍو، سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْجِنَايَةُ الْأُولَى مُتَعَلِّقَ حَقِّ الْمُدَّعِي أَمْ لَا (وَالْفَرْقُ) بَيْنَ هَذِهِ وَمَا قَبْلَهَا (أَنَّ الْإِيضَاحَ وَالْهَشْمَ هُنَاكَ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ) ، وَإِذَا اشْتَمَلَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ اُحْتِيطَ لَهَا، وَلَمْ تَثْبُتْ إلَّا بِحُجَّةٍ كَامِلَةٍ (وَهُنَا جِنَايَتَانِ فِي مَجْلِسٍ لَا تَتَعَلَّقُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى) وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَوْضَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ عَادَ وَهَشَّمَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ أَرْشُ الْهَاشِمَةِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ لِتَعَدُّدِ الْجِنَايَةِ وَمِثْلُهُ رَجُلٌ وَيَمِينٌ.
(فَصْلٌ: وَلْيُصَرِّحْ الشَّاهِدُ) عَلَى الْجَانِي (بِالْإِضَافَةِ) لِلْهَلَاكِ إلَى فِعْلِهِ فَلَوْ قَالَ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ أَوْ ضَرَبَهُ فَأَنْهَرَ الدَّمَ لَمْ يَكْفِ فِي ثُبُوتِ قَتْلِهِ بِذَلِكَ (وَيَكْفِي) فِيهِ قَوْلُهُ (جَرَحَهُ فَقَتَلَهُ) أَوْ فَمَاتَ مِنْ جُرْحِهِ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْعٌ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَعَتَقَ ثُمَّ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ]
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِ) (قَوْلُهُ: أَوْ إقْرَارُ الْجَانِي) أَوْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي عِنْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ بِعِلْمِ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: مِمَّا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ قَتْلٍ أَوْ جُرْحٍ (قَوْلُهُ: أَوْ بِرَجُلٍ وَيَمِينٍ) الْمُرَادُ جِنْسُ الْيَمِينِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْأَيْمَانَ فِي الْجِرَاحِ مُتَعَدِّدَةٌ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: كَعَمْدِ الْأَبِ إلَخْ) وَمُوضِحَةٌ عَجَزَ عَنْ تَعْيِينِ مَوْضِعِهَا.
(قَوْلُهُ: يَنْبَغِي أَنْ يُثْبِتَ أَرْشَ الْهَاشِمَةِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
أَوْ أَنْهَرَ دَمَهُ فَمَاتَ بِذَلِكَ (لَا) جَرَحَهُ (فَمَاتَ) فَلَا يَكْفِي (حَتَّى يَقُولَ مِنْهُ أَوْ مَكَانَهُ) أَوْ نَحْوُهُ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ (، وَلَا يَشْهَدُ بِالْقَتْلِ بِرُؤْيَةِ الْجُرْحِ حَتَّى يَقْطَعَ بِمَوْتِهِ مِنْهُ) بِقَرَائِنَ يُشَاهِدُهَا (وَتَثْبُتُ الدَّامِيَةُ وَالْمُوضِحَةُ) فَالدَّامِيَةُ (بِقَوْلِهِ ضَرَبَهُ فَأَسَالَ دَمَهُ) أَوْ فَأَدْمَاهُ أَوْ فَجَرَحَهُ (لَا) بِقَوْلِهِ ضَرَبَهُ (فَسَالَ) دَمُهُ لِاحْتِمَالِ سَيَلَانِهِ بِغَيْرِ الضَّرْبِ (وَ) الْمُوضِحَةُ بِقَوْلِهِ (أَوْضَحَ) أَيْ ضَرَبَهُ فَأَوْضَحَ (عَظْمَهُ أَوْ فَاتَّضَحَ) عَظْمُهُ (بِضَرْبِهِ لَا) بِقَوْلِهِ (أَوْضَحَهُ) أَيْ ضَرَبَهُ فَأَوْضَحَهُ أَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَاتَّضَحَ أَوْ فَوَجَدْنَا رَأْسَهُ مُوضِحًا لِعَدَمِ اسْتِلْزَامِهَا إيضَاحَ الْعَظْمِ وَلِاحْتِمَالِ الْإِيضَاحِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ اعْتِبَارِ ذِكْرِ الْعَظْمِ حَتَّى لَا يَكْفِي فَأَوْضَحَهُ أَوْ فَأَوْضَحَ رَأْسَهُ هُوَ مَا صَحَّحَهُ الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ حَيْثُ قَالَ وَيُشْتَرَطُ لِمُوضِحَةٍ ضَرَبَهُ فَأَوْضَحَ عَظْمَ رَأْسِهِ، وَقِيلَ يَكْفِي فَأَوْضَحَ رَأْسَهُ أَيْ لِفَهْمِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْأَصْلُ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَوَّلَ عَنْ حِكَايَةِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَحَكَى الْبُلْقِينِيُّ الثَّانِيَ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَرَجَّحَهُ وَصَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَالَ إنَّهُ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ (وَلْيُبَيِّنْ مَحَلَّ الْمُوضِحَةِ وَمِسَاحَتَهَا) فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى رَأْسِهِ مَوَاضِحُ (لِلْقِصَاصِ) أَيْ لِوُجُوبِهِ (أَوْ يُعَيِّنْهَا بِالْإِشَارَةِ) إلَيْهَا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ إلَّا مُوضِحَةٌ (لِأَنَّهَا قَدْ تُوَسَّعُ) أَيْ لِجَوَازِ أَنَّهَا كَانَتْ صَغِيرَةً فَوَسَّعَهَا غَيْرُ الْجَانِي.
(فَلَوْ شَهِدَا) فِي صُورَةِ الْوَضَحِ (بِإِيضَاحٍ بِلَا تَعْيِينٍ، وَجَبَ الْمَالُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحَلِّ الْمُوضِحَةِ، وَقَدْرِهَا بِخِلَافِ الْقِصَاصِ لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ (لَا إنْ وُجِدَ) الْمَشْهُودُ لَهُ بِإِيضَاحِهِ (سَلِيمًا) لَا أَثَرَ عَلَيْهِ (وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ) فَلَا يَجِبُ الْمَالُ لِبُطْلَانِ الشَّهَادَةِ (وَيَكْفِي فِي شَهَادَةِ مَقْطُوعٍ) أَيْ فِي الشَّهَادَةِ بِقَطْعِ (يَدٍ فَقَطْ) قَوْلُ الشَّاهِدِ (قَطَعَ يَدَهُ وَيَكْفِي) فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ بِقَطْعِهَا (رُؤْيَتُهَا مَقْطُوعَةً عَنْ التَّعْيِينِ) لَهَا (وَكَذَا) يَكْفِي فِيهِ قَوْلُهُ (قَطْعَ يَدِهِ، وَهُمَا) أَيْ يَدَاهُ (مَقْطُوعَتَانِ لَكِنْ لَا قِصَاصَ) فِيهَا لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا (بِخِلَافِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ) لِتَعَيُّنِهَا.
[فَصْلٌ شَهَادَةُ الْوَارِثِ لِمُوَرِّثِهِ]
(فَصْلٌ: تُرَدُّ شَهَادَةُ الْوَارِثِ) لِمُوَرِّثِهِ غَيْرَ بَعْضِهِ (بِالْجُرْحِ) الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُفْضِيَ إلَى الْهَلَاكِ (قَبْلَ الِانْدِمَالِ، وَلَوْ عَاشَ) الْجَرِيحُ لِلتُّهْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ مُوَرِّثُهُ أَخَذَ الْأَرْشَ فَكَأَنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَ لَهُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ أَوْ قَبْلَهُ لَكِنَّ مُسْتَحِقَّ الْأَرْشِ غَيْرُهُ كَأَنْ جُرِحَ عَبْدٌ فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ وَادَّعَى بِالْجُرْحِ عَلَى الْجَارِحِ لِكَوْنِ الْأَرْشِ لَهُ فَشَهِدَ لَهُ وَارِثُ الْجَرِيحِ فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ وَبِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَ لَهُ بِمَالٍ، وَلَوْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجُرْحَ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ النَّاقِلِ لِلْحَقِّ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَالِ.
(وَلَا يَحْكُمُ بِالْجُرْحِ بِشَهَادَةِ مَحْجُوبٍ) كَأَخٍ مَعَ وُجُودِ ابْنٍ (صَارَ وَارِثًا) بِأَنْ مَاتَ الِابْنُ (فَإِنْ وَرِثَ بَعْدَ الْحُكْمِ) بِهِ (لَمْ يُنْقَضْ) كَمَا لَوْ حَدَثَ الْفِسْقُ (وَلَوْ شَهِدَ وَارِثَانِ) ظَاهِرًا (بِهِ ثُمَّ حُجِبَا قَبْلَ الْحُكْمِ رُدَّتْ) شَهَادَتُهُمَا لِلتُّهْمَةِ عِنْدَ أَدَائِهَا (وَلِلْعَاقِلَةِ الشَّهَادَةُ بِجُرْحِ شُهُودِ) الْقَتْلِ (الْعَمْدِ، وَ) بِجُرْحِ شُهُودِ (الْإِقْرَارِ بِالْخَطَأِ) أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ إذْ لَا تُهْمَةَ لِانْتِفَاءِ تَحَمُّلِهِمْ الدِّيَةَ (وَلِبَعِيدِهِمْ) الْغَنِيِّ وَفِي عَدَدِ الْأَقْرَبِ وَفَاءٌ بِالْوَاجِبِ (الشَّهَادَةُ بِالْجُرْحِ مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِالْعَمْدِ وَالْإِقْرَارِ بِغَيْرِهِ (لَا فَقِيرُهُمْ) أَيْ لَيْسَ لَهُ الشَّهَادَةُ بِذَلِكَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ تَوَقُّعَ الْغَنِيِّ أَقْرَبُ مِنْ تَوَقُّعِ مَوْتِ الْقَرِيبِ الْمُحْوِجِ إلَى التَّحَمُّلِ فَالتُّهْمَةُ لَا تَتَحَقَّقُ فِيهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِمُطْلَقًا مِنْ زِيَادَتِهِ.
(فَرْعٌ)
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ قَالَ الشَّاهِدُ عَلَى الدَّمِ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ أَوْ ضَرَبَهُ فَأَنْهَرَ الدَّمَ]
قَوْلُهُ: لِعَدَمِ اسْتِلْزَامِهَا إيضَاحَ الْعَظْمِ) فَإِنَّهَا مِنْ الْإِيضَاحِ، وَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِإِيضَاحِ الْعَظْمِ، وَتَنْزِيلُ أَلْفَاظِ الشَّاهِدِ عَلَى أَلْفَاظٍ اصْطَلَحَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ لَا وَجْهَ لَهُ نَعَمْ لَوْ كَانَ الشَّاهِدُ فَقِيهًا، وَعَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ لَفْظُ الْمُوضِحَةِ إلَّا عَلَى مَا يُوَضِّحُ الْعَظْمَ كَفَاهُ فِي شَهَادَتِهِ بِهَا (قَوْلُهُ: وَبِالثَّانِي جَزَمَ الْأَصْلُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَحَكَى الْبُلْقِينِيُّ الثَّانِيَ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَرَجَّحَهُ) ، قَالَ وَقَوْلُ الْإِمَامِ إنَّ الْإِيضَاحَ لَفْظٌ اصْطَلَحَ الْفُقَهَاءُ عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ فَهُوَ لُغَوِيٌّ مَشْهُورٌ أَنَاطَ بِهِ الشَّرْعُ الْأَحْكَامَ فَهُوَ كَصَرَائِحِ الطَّلَاقِ يُقْضَى بِهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ فَإِذَا شَهِدَا بِأَنَّهُ سَرَّحَ زَوْجَتَهُ قَضَى بِطَلَاقِهَا، وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَرَّحَ رَأْسَهَا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا قَدْ تُوَسِّعُ) ، قَالَ شَيْخُنَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ الْبَيَانِ عِنْدَ احْتِمَالِ الِاتِّسَاعِ أَمَّا عِنْدَ الِاحْتِمَالِ فَلَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا اقْتَضَاهُ الْكَلَامُ الْآخَرُ الْمُقْتَضِي عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ
(قَوْلُهُ: تُرَدُّ شَهَادَةُ الْوَارِثِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ) صُورَتُهَا فِيمَا إذَا ادَّعَى الْمَجْرُوحُ بِالْقِصَاصِ أَوْ بِأَرْشِهِ أَنَّهُ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ إنْ قُلْنَا بِجَوَازِ طَلَبِ الْأَرْشِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ أَمَّا إذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ طَلَبُ أَرْشِهِ فَالشَّهَادَةُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِنْ غَيْرِ الْوَارِثِ لِعَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى فَمِنْ الْوَارِثِ أَوْلَى، وَكَتَبَ أَيْضًا شَهَادَتُهُمْ بِتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ كَشَهَادَتِهِمْ بِالْجُرْحِ (قَوْلُهُ: لِلتُّهْمَةِ) اسْتَثْنَى ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ تَبَعًا لِشَيْخِهِ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِقِيِّ مَا لَوْ كَانَ عَلَى الْمَجْرُوحِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ أَرْشَ الْجُرْحِ، وَلَا مَالَ لَهُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ حِينَئِذٍ، وَهُوَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ؛ وَلِأَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ قَدْ يُبْرِئُ مِنْهُ ع، وَهُوَ مُتَّجَهٌ إذَا كَانَ مُتَعَذِّرَ الْبَرَاءَةِ مِنْ الدَّيْنِ كَالزَّكَاةِ وَمَالِ طِفْلٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ مَالِ وَقْفٍ عَامٍّ فَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ مِمَّا لَا يَسْرِي إلَى النَّفْسِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ غ (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجُرْحَ إلَخْ) وَبِأَنَّهُ إذَا شَهِدَ لَهُ بِالْمَالِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ حَالَ وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَحْصُلُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ فِي مَلَاذِهِ وَشَهَوَاتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ لَهُ بِالْجُرْحِ فَإِنَّ النَّفْعَ حَالُ الْوُجُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ قَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ تَجِبْ وَبَعْدَهُ تَجِبُ لَهُ.
(قَوْلُهُ: إذْ لَا تُهْمَةَ) لِانْتِفَاءِ تَحَمُّلِهِمْ الدِّيَةَ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ بِفِسْقِ شُهُودِ جِنَايَةٍ يَحْمِلُونَهَا (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ أَنَّ تَوَقُّعَ الْغِنَى إلَخْ) وَالْإِنْسَانُ يَطْلُب غِنَى نَفْسِهِ، وَيُدَبِّرُ أَسْبَابَهُ وَيَتَخَيَّلُ مُسَاعَدَةَ الْقَدَرِ وَالظَّفَرِ بِالْمَقْصُودِ، وَلَا يَطْلُبُ فَقْرَ غَيْرِهِ، وَلَا يَسْعَى فِيهِ، وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ الْفَقِيرَ مَعْدُودٌ مِنْ الْعَاقِلَةِ فِي الْحَالِ لِقُرْبِ نَسَبِهِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ لَا يَتَحَمَّلَ لِبَقَاءِ فَقْرِهِ وَالْبَعِيدُ النَّسَبِ غَيْرُ مَعْدُودٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَتَحَمَّلَ بِمَوْتِ الْقَرِيبِ (قَوْلُهُ: أَقْرَبَ مِنْ تَوَقُّعِ مَوْتِ الْقَرِيبِ) أَيْ أَوْ فَقْرِهِ.
لَوْ (بَادَرَ الشُّهُودُ عَلَيْهِمَا بِالْقَتْلِ أَوْ) بَادَرَ غَيْرُهُمْ (وَشَهِدَا بِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ) عَلَيْهِمَا بِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (سُئِلَ الْمُطَالِبُ) أَيْ الْمُدَّعِي احْتِيَاطًا لِحُصُولِ الرِّيبَةِ بِشَهَادَةِ الْآخَرَيْنِ (فَإِنْ كَذَّبَهُمَا حَكَمَ عَلَيْهِمَا) بِالْقَتْلِ بِشَهَادَةِ الْأَوَّلَيْنِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لِتَكْذِيبِ الْوَلِيِّ لَهُمَا وَلِلتُّهْمَةِ بِالْمُبَادَرَةِ وَبِدَفْعِ ضَرَرِ مُوجِبِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ عَلَيْهِمَا عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَلِصَيْرُورَتِهِمْ اعَدُوَّيْنِ لَهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا عَلَيْهِمَا (وَإِنْ صَدَّقَهُمَا) دُونَ الْأَوَّلَيْنِ (أَوْ صَدَّقَ الْجَمِيعَ أَوْ كَذَّبَ) الْجَمِيعَ (وَهُوَ) أَيْ وَالْمُدَّعِي (الْوَلِيُّ بَطَلَ الْجَمِيعُ) أَيْ الشَّهَادَتَانِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الثَّالِثِ وَوَجْهُهُ فِي الْأَوَّلِ أَنَّ فِيهِ تَكْذِيبَ الْأَوَّلَيْنِ، وَعَدَاوَةَ الْآخَرَيْنِ لَهُمَا وَالتُّهْمَةُ، وَفِي الثَّانِي أَنَّ فِي تَصْدِيقِ كُلِّ فَرِيقٍ تَكْذِيبَ الْآخَرِ (أَوْ) وَالْمُدَّعِي (وَكِيلُهُ) أَيْ الْوَلِيُّ، وَعَيَّنَ لَهُ الْوَلِيُّ الْآخَرَيْنِ (انْعَزَلَ) عَنْ الْوَكَالَةِ وَذِكْرُ الِانْعِزَالِ عِنْدَ تَكْذِيبِ الْجَمِيعِ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَلَا تَبْطُلُ دَعْوَى مُوَكِّلِهِ عَلَيْهِمَا (فَلَوْ وَكَّلَهُ بِإِثْبَاتِ الْحَقِّ عَلَى اثْنَيْنِ مِنْ هَؤُلَاءِ) الْأَرْبَعَةِ، وَلَمْ يُعَيِّنْهُمَا (صَحَّ) التَّوْكِيلُ (فَإِنْ شَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا عَلَى الْآخَرَيْنِ) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِمَا (فَصَدَّقَهُمَا) أَيْ الْوَكِيلُ الْآخَرَيْنِ وَحْدَهُمَا أَوْ مَعَ الْأَوَّلَيْنِ (انْعَزَلَ) عَنْ الْوَكَالَةِ (وَلِلْوَلِيِّ الدَّعْوَى عَلَى الْأَوَّلَيْنِ إنْ لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ مُنَاقِضٌ) لَهُمَا لَكِنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْآخَرَيْنِ لِمَا مَرَّ (فَإِنْ صَدَّقَ) الْوَلِيُّ (الْمُبَادِرَيْنِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا) عَلَى الْأَوَّلَيْنِ (وَلَوْ كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ) أَيْ غَيْرَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمَا لِمَا مَرَّ (وَلَوْ شَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا) أَوْ أَجْنَبِيَّانِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (بِمَالٍ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ لِلْمُدَّعِي بِمَالٍ وَصَدَّقَهُمَا) الْمُدَّعِي (لَمْ يَضُرَّ) فِي صِحَّةِ دَعْوَاهُ وَشَهَادَةِ الْأَوَّلَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِمَا أَيْضًا لِإِمْكَانِ اجْتِمَاعِ الْمَالَيْنِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْآخَرَيْنِ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ شَهِدَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ.
(فَصْلٌ) لَوْ (أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بِعَفْوِ بَعْضِهِمْ) عَنْ الْقِصَاصِ، وَعَيَّنَهُ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ (سَقَطَ الْقِصَاصُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ وَبِالْإِقْرَارِ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهُ فَسَقَطَ حَقُّ الْبَاقِي (فَلِلْجَمِيعِ الدِّيَةُ) إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْعَافِي، وَكَذَا إنْ عَيَّنَهُ فَأَنْكَرَ فَإِنْ أَقَرَّ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ (فَإِنْ عَيَّنَهُ الْمُقِرُّ وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ) جَمِيعًا بَعْدَ دَعْوَى الْجَانِي (قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُ (فِي الدِّيَةِ وَيَحْلِفُ) الْجَانِي (مَعَهُ) أَيْ مَعَ الشَّاهِدَانِ الْعَافِي عَفَا عَنْ الدِّيَةِ لَا عَنْهَا، وَعَنْ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ سَقَطَ بِالْإِقْرَارِ فَتَسْقُطُ مِنْ الدِّيَةِ حِصَّةُ الْعَافِي (وَيَكْفِي مُنْكِرُ الْعَفْوِ) الْمُدَّعِي بِهِ عَلَيْهِ (الْيَمِينُ) فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَثَبَتَ الْعَفْوُ بِيَمِينِ الرَّدِّ (وَيُشْتَرَطُ لِإِثْبَاتِ الْعَفْوِ) مِنْ بَعْضِ الْوَرَثَةِ (عَنْ الْقِصَاصِ لَا عَنْ حِصَّتِهِ مِنْ الدِّيَةِ شَاهِدَانِ) ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِمَالٍ وَمَا لَا يَثْبُتُ بِحُجَّةٍ نَاقِصَةٍ لَا يُحْكَمُ بِسُقُوطِهِ بِهَا أَمَّا إثْبَاتُ الْعَفْوِ عَنْ حِصَّتِهِ مِنْ الدِّيَةِ فَيَثْبُتُ بِالْحُجَّةِ النَّاقِصَةِ أَيْضًا مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَيَمِينٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ بِذَلِكَ فَكَذَا إسْقَاطُهُ.
(فَصْلٌ) لَوْ (اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي هَيْئَةِ الْقَتْلِ) كَأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَدَّهُ نِصْفَيْنِ وَالْآخَرُ حَزَّ رَقَبَتَهُ (أَوْ) فِي (مَكَانِهِ) كَأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ فِي الْبَيْتِ وَالْآخَرُ فِي السُّوقِ (أَوْ) فِي (زَمَانِهِ) كَأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ غَدْوَةً وَالْآخَرُ يَوْمَ الْأَحَدِ أَوْ عَشِيَّتَهُ (أَوْ فِي آلَتِهِ) كَأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ وَالْآخَرُ بِالرُّمْحِ (لَغَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَا لَوْثَ) بِهَا لِلتَّنَاقُضِ فِيهَا، وَقَدْ يُقَالُ لِمَ لَمْ يَحْلِفْ مَعَ مَنْ وَافَقَهُ مِنْهُمَا وَيَأْخُذُ الْبَدَلَ كَنَظِيرِهِ مِنْ السَّرِقَةِ وَيُجَابُ بِأَنَّ بَابَ الْقَسَامَةِ أَمْرُهُ أَعْظَمُ وَلِهَذَا غَلَّظَ فِيهِ بِتَكَرُّرِ الْأَيْمَانِ (لَا) إنْ اخْتَلَفَا (فِي زَمَانِ الْإِقْرَارِ وَمَكَانِهِ) الْمَزِيدِ عَلَى الْأَصْلِ أَيْ فِيهِمَا مَعًا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا كَأَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْقَتْلِ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْآخَرُ بِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ يَوْمَ الْأَحَدِ فَلَا تَلْغُو الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِي الْقَتْلِ وَصِفَتِهِ بَلْ فِي الْإِقْرَارِ (إلَّا إنْ عَيَّنَا يَوْمًا) أَوْ نَحْوَهُ (فِي مَكَانَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ) بِحَيْثُ لَا يَصِلُ الْمُسَافِرُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي عَيَّنَاهُ كَأَنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْقَتْلِ بِمَكَّةَ يَوْمَ كَذَا وَالْآخَرُ بِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ بِمِصْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَتَلْغُو الشَّهَادَةُ.
(وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا) عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِالْقَتْلِ وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ فَلَوْثٌ) تَثْبُتُ بِهِ الْقَسَامَةُ دُونَ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ (فَإِنْ ادَّعَى) عَلَيْهِ
[حاشية الرملي الكبير]
[فَرْعٌ بَادَرَ الشُّهُودُ عَلَيْهِمَا بِالْقَتْلِ وَشَهِدَا بِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِمَا بِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِمَا]
قَوْلُهُ: بَادَرَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا بِالْقَتْلِ أَوْ غَيْرُهُمَا وَشَهِدَا بِهِ إلَخْ) ، قَالَ الْفَتَى لَيْسَ قَوْلُهُ: هُنَا أَوْ غَيْرُهُمَا بِمُسْتَقِيمٍ أَصْلًا فَأَخَّرْته لِيَسْتَقِيمَ فَقُلْت بَادَرَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا بِالْقَتْلِ وَشَهِدَا بِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ الْمُسْتَقِيمُ، وَمَا فِي الرَّوْضَةِ - انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - مُسْتَقِيمٌ أَيْضًا أَفَادَ بِهِ أَنَّهُ لَوْ بَادَرَ اثْنَانِ غَيْرُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمَا بِالْقَتْلِ لَمْ يَكُونَا بِدَافِعَيْنِ، وَلَكِنَّهُمَا مُبَادِرَانِ فَإِنْ كَذَّبَهُمَا الْوَارِثُ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ صَدَّقَهُمَا أَوْ صَدَّقَ الْكُلَّ بَطَلَتْ الشَّهَادَتَانِ.
(قَوْلُهُ: وَبِصَيْرُورَتِهِمْ اعَدُوَّيْنِ لَهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا عَلَيْهِمَا) ، قَالَ شَيْخُنَا إنَّمَا حَصَلَتْ الْعَدَاوَةُ لَهُمَا بِسَبَبِ مُبَادَرَتِهِمَا بِهَا لَا مِنْ حَيْثُ الشَّهَادَةُ بِشَرْطِهَا إذْ حُصُولُهَا لَا يُثْبِتُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِي أَنَّ فِي تَصْدِيقِ كُلِّ فَرِيقٍ تَكْذِيبَ الْآخَرِ) التَّصْوِيرُ فِي تَعْقِيبِ الثَّانِيَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ تَأَخَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ الْمَقَامِ فَلَا مُرَاجَعَةَ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يُصْغِي لَهَا، وَلَوْ وَقَعَتَا مَعًا، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَغَتْ لِلتَّدَافُعِ، وَلَوْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا وَقْتَ الشَّهَادَةِ انْتَظَرَ كَمَالَهُ لِيُرَاجَعَ، وَقِيلَ يَحْكُمُ عَلَى الْآخَرِينَ.
[فَصْلٌ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بِعَفْوِ بَعْضِهِمْ عَنْ الْقِصَاصِ]
(قَوْلُهُ: فَإِنْ عَيَّنَهُ الْمُقِرُّ وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ قُبِلَتْ فِي الدِّيَةِ) أَطْلَقُوا شَهَادَةَ الْوَارِثِ بِعَفْوِ بَعْضِهِمْ عَنْ الْمَالِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ وَفَاءً بِكُلِّ الدِّيَةِ أَمْ لَا، وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ يَفِي بِكُلِّ الدِّيَةِ فَإِنْ لَمْ يَفِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِشَهَادَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ شَهَادَةِ الْغُرَمَاءِ لِلْمُفْلِسِ الَّذِي لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ بَعْدُ بِمَالٍ وَرَجَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فَيَكُونُ إطْلَاقُهُمْ هُنَا مُفَرَّعًا عَلَى الرَّاجِحِ هُنَاكَ ر
الْوَارِثُ قَتْلًا (عَمْدًا أَقْسَمَ) وَرُتِّبَ حُكْمُ الْقَسَامَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ ادَّعَى خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ (فَيَحْلِفُ مَعَ أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ (فَإِنْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِ الْإِقْرَارِ فَالدِّيَةُ عَلَى الْجَانِي أَوْ مَعَ الْآخَرِ) أَيْ شَاهِدِ الْقَتْلِ (فَعَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ ادَّعَى) عَلَيْهِ (عَمْدًا فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِإِقْرَارِهِ بِقَتْلٍ عَمْدٍ وَالْآخَرُ) بِإِقْرَارِهِ (بِمُطْلَقٍ) أَيْ بِقَتْلٍ مُطْلَقٍ عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَمْدٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ) شَهِدَ (أَحَدُهُمَا بِقَتْلٍ عَمْدٍ وَالْآخَرُ بِقَتْلٍ مُطْلَقٍ) ثَبَتَ أَصْلُ الْقَتْلِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ حَتَّى لَا يُقْبَلُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْكَارُهُ (وَطُولِبَ بِالْبَيَانِ) لِصِفَةِ الْقَتْلِ (فَإِنْ امْتَنَعَ) مِنْهُ، وَأَصَرَّ عَلَى إنْكَارِ أَصْلِ الْقَتْلِ (جُعِلَ نَاكِلًا وَحَلَفَ الْمُدَّعِي) يَمِينَ الرَّدِّ أَنَّهُ قَتَلَ عَمْدًا وَاقْتُصَّ مِنْهُ (فَإِنْ بَيَّنَ) فَقَالَ قَتَلْته عَمْدًا اقْتَصَّ مِنْهُ أَوْ عَفَى عَلَى مَالٍ أَوْ قَتَلَهُ (خَطَأً وَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُهُ) عَلَى نَفْيِ الْعَمْدِيَّةِ إنْ كَذَّبَهُ فَإِذَا حَلَفَ لَزِمَهُ دِيَةُ خَطَأٍ بِإِقْرَارِهِ (فَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ (حَلَفَ) الْمُدَّعِي (وَاقْتَصَّ) مِنْهُ.
(وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِقَتْلٍ عَمْدٍ ادَّعَى) بِهِ (وَالْآخَرُ بِخَطَأٍ) أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ (ثَبَتَ الْقَتْلُ) لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَصْلِهِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي الْعَمْدِيَّةِ وَضِدِّهَا لَيْسَ كَالِاخْتِلَافِ فِيمَا مَرَّ أَوَّلَ الْفَصْلِ؛ لِأَنَّ التَّكَاذُبَ ثَمَّ فِي أَمْرٍ مَحْسُوسٍ وَالْعَمْدِيَّةَ وَضِدَّهَا فِي مَحَلِّ الِاشْتِبَاهِ فَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ قَدْ يَعْتَقِدُهُ أَحَدُهُمَا عَمْدًا وَالْآخَرُ غَيْرَهُ عَلَى أَنَّهُ صَحَّحَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عَدَمَ ثُبُوتِ الْقَتْلِ هُنَا أَيْضًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُطَالِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْبَيَانِ (فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ) عَمْدٌ ثَبَتَ أَوْ أَنَّهُ (خَطَأٌ) أَوْ شِبْهُ عَمْدٍ (فَكَذَّبَهُ الْوَلِيُّ أَقْسَمَ) ؛ لِأَنَّ مَعَهُ شَاهِدًا وَذَلِكَ لَوْثٌ هُنَا وَيُخَالِفُ مَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِإِقْرَارِ الْعَمْدِ وَالْآخَرُ بِإِقْرَارِ الْقَتْلِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّ اللَّوْثَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الْإِقْرَارِ (فَإِنْ امْتَنَعَ) مِنْ الْإِقْسَامِ (حَلَفَ الْجَانِي، وَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ مُخَفَّفَةٌ) فَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فَإِنْ حَلَفَ ثَبَتَ مُوجِبُ الْعَمْدِ أَوْ نَكَلَ فَدِيَةُ الْخَطَأِ فِي مَالِهِ.
(فَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ قُدَّ مَلْفُوفًا) فِي ثَوْبٍ (وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِحَيَاتِهِ) حِينَ الْقَدِّ (لَمْ يَثْبُتْ الْقَتْلُ) بِشَهَادَتِهِمَا (وَالْقَوْلُ فِي حَيَاتِهِ) حِينَئِذٍ (قَوْلُ الْوَلِيِّ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ اخْتِلَافِ الْجَانِي وَمُسْتَحِقِّ الدَّمِ (وَإِذَا حَلَفَ اقْتَصَّ) مِنْ الْقَادِّ عَمَلًا بِمُقْتَضَى تَصْدِيقِهِ كَالدِّيَةِ، وَهَذَا مَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ هُنَا عَنْ جَمَاعَةٍ وَنُقِلَ مُقَابِلُهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا لَكِنَّهُ رَجَّحَ الثَّانِيَ فِي الرَّوْضَةِ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ آنِفًا كَمَا قَدَّمْته ثَمَّ وَنَقَلَهُ فِيهِ عَنْ الْمَحَامِلِيِّ وَالْبَغَوِيِّ أَيْضًا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ.
(فَرْعٌ) لَوْ (شَهِدَ) رَجُلٌ عَلَى آخَرَ (أَنَّهُ قَتَلَ زَيْدًا وَآخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ عَمْرًا أَقْسَمَ وَلِيَّاهُمَا) لِحُصُولِ اللَّوْثِ فِي حَقِّهِمَا جَمِيعًا.
[بَابُ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى]
(بَابُ الْإِمَامَةِ) الْعُظْمَى (وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) كَالْقَضَاءِ إذْ لَا بُدَّ لِلْأُمَّةِ مِنْ إمَامٍ يُقِيمُ الدِّينَ وَيَنْصُرُ السُّنَّةَ وَيُنْصِفُ الْمَظْلُومِينَ وَيَسْتَوْفِي الْحُقُوقَ وَيَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا (فَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ) لَهَا (إلَّا وَاحِدٌ) ، وَلَمْ يَطْلُبُوهُ (لَزِمَهُ طَلَبُهَا) لِتَعَيُّنِهَا عَلَيْهِ (وَأُجْبِرَ) عَلَيْهَا (إنْ امْتَنَعَ) مِنْ قَبُولِهَا فَإِنْ صَلُحَ لَهَا جَمَاعَةٌ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ صَلُحَ جَمَاعَةٌ لِلْقَضَاءِ وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ فِي بَابِهِ مَعَ أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِبَعْضِ ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ الْآتِي.
(وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ حَالَ الْعَقْدِ) لَهَا (أَوْ الْعَهْدِ) بِهَا (أَهْلًا لِلْقَضَاءِ) فَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا عَدْلًا حُرًّا ذَكَرًا مُجْتَهِدًا ذَا كِفَايَةٍ سَمِيعًا بَصِيرًا نَاطِقًا لِنَقْصِ غَيْرِهِ (شُجَاعًا) لِيَغْزُوَ بِنَفْسِهِ وَيُدِيرَ الْجُيُوشَ وَيَقْوَى عَلَى فَتْحِ الْبِلَادِ (قُرَشِيًّا)
[حاشية الرملي الكبير]
[فَصْلٌ اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي هَيْئَةِ الْقَتْلِ]
قَوْلُهُ: وَإِذَا حَلَفَ اقْتَصَّ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَمْ يُقْتَصَّ (قَوْلُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ.
[فَرْعٌ شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ زَيْدًا وَآخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ عَمْرًا]
(بَابُ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى) ، قَالَ قَوْمٌ الْإِمَامَةُ رِئَاسَةٌ عَامَّةٌ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لِشَخْصٍ مِنْ الْأَشْخَاصِ.
فَقَيْدُ الْعُمُومِ احْتِرَازٌ عَنْ الْقَاضِي وَالرَّئِيسِ وَغَيْرِهِمَا، وَنَقْضُ هَذَا التَّعْرِيفِ بِالنُّبُوَّةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ هِيَ خِلَافَةُ الرَّسُولِ فِي إقَامَةِ الدِّينِ وَحِفْظِ حَوْزَةِ الْمِلَّةِ بِحَيْثُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ عَلَى كُلِّ كَافَّةِ الْأُمَّةِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِلْإِجْمَاعِ، وَقَدْ بَادَرَ الصَّحَابَةُ إلَيْهَا، وَتَرَكُوا التَّشَاغُلَ بِتَجْهِيزِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَخَافَةَ أَنْ يَدْهَمَهُمْ أَمْرٌ، وَأَيْضًا لَوْ تُرِكَ النَّاسُ فَوْضَى لَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى الْحَقِّ جَامِعٌ، وَلَا يَرْدَعُهُمْ عَنْ الْبَاطِلِ رَادِعٌ لَهَلَكُوا، وَلَاسْتَحْوَذَ أَهْلُ الْفَسَادِ عَلَى الْعِبَادِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 251] .
(قَوْلُهُ: فَيَشْتَرِطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا) لِيُرَاعِيَ مَصْلَحَةَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، مُكَلَّفًا لِيَلِيَ أَمْرَ غَيْرِهِ، عَدْلًا لِيُوثَقَ بِهِ، حُرًّا ذَكَرًا لِيَكْمُلَ وَيُهَابَ وَيَتَفَرَّغَ وَيُخَالِطَ الرِّجَالَ، مُجْتَهِدًا لِيَعْلَمَ، وَلَا يَتَعَطَّلَ بِالِاسْتِفْتَاءِ (قَوْلُهُ: عَدْلًا) هَذَا عِنْدَ التَّمَكُّنِ فَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَى وِلَايَةِ فَاسِقٍ جَازَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْوَصَايَا، وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ إذَا تَعَذَّرَتْ الْعَدَالَةُ فِي الْأَئِمَّةِ وَالْحُكَّامِ قَدَّمْنَا أَقَلَّهُمْ فِسْقًا، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِ النَّاسِ فَوْضَى، وَقَوْلُهُ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ (قَوْلُهُ: حُرًّا ذَكَرًا) ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَلِي الْإِمَامَةَ الْخَاصَّةَ بِالرِّجَالِ فَكَيْفَ تَلِي الْإِمَامَةَ الْعَامَّةَ الَّتِي تَقْتَضِي الْبُرُوزَ، وَعَدَمَ التَّحَرُّزِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» ؛ وَلِأَنَّ الرِّقَّ يُنَافِي الْوِلَايَاتِ الْخَاصَّةَ فَالْعَامَّةُ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُهَابُ، وَلَا يَتَفَرَّغُ.
(فَرْعٌ) لَوْ وَلِيَ الْخُنْثَى ثُمَّ بَانَ ذَكَرًا لَمْ يَصِحَّ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْقَاضِي، وَأَوْلَى (قَوْلُهُ: مُجْتَهِدًا) ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ أُمُورِ الدِّينِ تَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَوْ كَانَ مُقَلِّدًا لَاحْتَاجَ إلَى مُرَاجَعَةِ الْعُلَمَاءِ فِي تَفَاصِيلِ الْوَقَائِعِ فَيَخْرُجُ عَنْ رُتْبَةِ الِاسْتِقْلَالِ، وَيَفُوتُ مِنْ الْأُمُورِ الْعِظَامِ مَا لَا يَتَنَاهَى، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَيْثُ قَالَ: لَوْ اجْتَمَعَ عَدْلٌ جَاهِلٌ، وَعَالِمٌ فَاسِقٌ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِتَمَكُّنِهِ مِنْ التَّعْوِيضِ إلَى الْعُلَمَاءِ فِيمَا يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ وَيَسْتَشِيرُهُمْ فَمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ عُمِلَ بِهِ وَيَمْضِي الْحُكْمُ فِيهِ بِنَفْسِهِ كَذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا مَفْرُوضٌ كَمَا، قَالَهُ الْإِمَامُ عِنْدَ فَقْدِ الْمُجْتَهِدِينَ.
(تَنْبِيهٌ) شَمَلَ قَوْلُهُمْ مُجْتَهِدًا الْمُجْتَهِدَ الْمُطْلَقَ وَمُجْتَهِدَ الْمَذْهَبِ وَمُجْتَهِدَ الْفُتْيَا
لِخَبَرِ النَّسَائِيّ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ، وَأَمَّا خَبَرُ «أَطِيعُوا، وَلَوْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ» فَمَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى فَلَوْ اخْتَلَتْ الشُّرُوطُ عِنْدَ الْعَهْدِ، وَكَمُلَتْ عِنْدَ مَوْتِ الْعَاهِدِ لَمْ يَصِحَّ الْعَهْدُ (، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ هَاشِمِيًّا) فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ لَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ (وَلَا مَعْصُومًا) بِاتِّفَاقِ مَنْ يَعْتَدُّ بِهِ (فَإِنْ فُقِدَ) قُرَشِيٌّ جَامِعٌ لِلشُّرُوطِ (فَمُنْتَسِبٌ إلَى كِنَانَةَ ثُمَّ) إلَى (إسْمَاعِيلَ) ، وَقَوْلُهُ (وَهُمْ) يَعْنِي أَوْلَادَهُ الشَّامِلِينَ لِكِنَانَةَ (الْعَرَبِ) مِنْ زِيَادَتِهِ (ثُمَّ) إلَى (جُرْهُمَ) قَالَ فِي الْأَصْلِ، وَهُمْ أَصْلُ الْعَرَبِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَمِنْهُمْ تَزَوَّجَ إسْمَاعِيلُ حِينَ أَنْزَلَهُ أَبُوهُ أَرْضَ مَكَّةَ (ثُمَّ) إلَى (إِسْحَاقَ ثُمَّ) إلَى (غَيْرِهِمْ) ، وَقِيلَ إذَا فُقِدَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلِيَ رَجُلٌ مِنْ الْعَجَمِ، وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَك أَنْ تَقُولَ قُرَيْشٌ مِنْ وَلَدِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ فَكَمَا قَالُوا إذَا فُقِدَ قُرَشِيٌّ وَلِيَ كِنَانِيٌّ هَلَّا قَالُوا إذَا فُقِدَ كِنَانِيٌّ وَلِيَ خُزَيْمِيٌّ، وَهَكَذَا يَرْتَقِي إلَى أَبٍ بَعْدَ أَبٍ حَتَّى يُنْتَهَى إلَى إسْمَاعِيلَ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْقَاضِي فَمَا ذَكَرُوهُ مِثَالٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ الْأَخِيرِ وَقْفَةٌ ظَاهِرَةٌ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ فَوْقَ عَدْنَانَ لَا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَا يُمْكِنُ حِفْظُ النَّسَبِ فِيهِ مِنْهُ إلَى إسْمَاعِيلَ.
(وَ) يُشْتَرَطُ (أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ نَقْصٌ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَرَكَةِ وَسُرْعَةَ النُّهُوضِ) كَالنَّقْصِ فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ (وَ) أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ (نَظَرٌ لَا يُمَيِّزُ بِهِ الْأَشْخَاصَ، وَلَا يَضُرُّ فَقْدُ ذَوْقٍ) وَشَمٍّ (وَلَا قَطْعِ ذَكَرٍ وَنَحْوِهِ) كَالْأُنْثَيَيْنِ (وَلَا يَضُرُّ عَشَا الْعَيْنِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْقَصْرِ (؛ لِأَنَّ عَجْزَهُ) عَنْ النَّظَرِ إنَّمَا هُوَ (حَالُ الِاسْتِرَاحَةِ) وَيُرْجَى زَوَالُهُ.
[مَا تَنْعَقِد بِهِ الْإِمَامَة]
(وَتَنْعَقِدُ) الْإِمَامَةُ (بِثَلَاثَةِ طُرُقٍ الْأَوَّلُ الْبَيْعَةُ) كَمَا بَايَعَ الصَّحَابَةُ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (، وَلَا تَنْعَقِدُ) الْبَيْعَةُ (إلَّا بِعَقْدِ ذَوِي عَدَالَةٍ، وَعِلْمٍ وَرَأْيٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ) مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَسَائِرِ وُجُوهِ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَيَسَّرُ حُضُورُهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَنْتَظِمُ بِهِمْ وَيَتْبَعُهُمْ سَائِرُ النَّاسِ، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ وَالْأَصْقَاعِ بَلْ إذَا وَصَلَ الْخَبَرُ إلَى أَهْلِ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ لَزِمَهُمْ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُتَابَعَةُ (وَلَوْ كَانَ أَهْلُهُ) الْأَوْلَى أَهْلُهَا (وَاحِدًا يُطَاعُ كَفَى) فِي الْبَيْعَةِ.
(وَيُشْتَرَطُ) لِانْعِقَادِهَا (الْإِشْهَادُ) بِشَاهِدَيْنِ إنْ عَقَدَهَا وَاحِدٌ (لَا إنْ عَقَدَهَا جَمَاعَةٌ) كَذَا صَحَّحَ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي الرَّوْضَةِ بَعْدَ نَقْلِهِ كَأَصْلِهِ عَنْ الْعِمْرَانِيِّ إطْلَاقَ وَجْهَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ حُضُورِ شَاهِدَيْنِ وَحَكَى بَعْدَ تَصْحِيحِهِ الْمَذْكُورِ عَنْ الْإِمَامِ عَنْ أَصْحَابِنَا اشْتِرَاطَ حُضُورِ الشُّهُودِ لِئَلَّا يَدَّعِيَ عَقْدَ سَابِقٍ؛ وَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَيْسَتْ دُونَ النِّكَاحِ.
انْتَهَى.
وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ التَّفْصِيلِ فَإِمَّا أَنْ يُشْتَرَطَ الْإِشْهَادُ فِي الشِّقَّيْنِ أَوْ لَا يُشْتَرَطَ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا.
الطَّرِيقُ (الثَّانِي اسْتِخْلَافُ الْإِمَامِ) لِغَيْرِهِ (وَلَوْ لِوَلَدِهِ) أَيْ جَعْلُهُ خَلِيفَةً بَعْدَهُ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِعَهْدِهِ إلَيْهِ كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ آخِرِ عَهْدِهِ مِنْ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ عَهْدِهِ بِالْآخِرَةِ فِي الْحَالِ الَّتِي يُؤْمِنُ فِيهَا الْكَافِرُ وَيَتَّقِي فِيهَا الْفَاجِرُ أَنِّي اسْتَعْمَلْت عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَإِنْ بَرَّ، وَعَدَلَ فَذَلِكَ عِلْمِي بِهِ وَرَأْيِي فِيهِ، وَإِنْ جَارَ وَبَدَّلَ فَلَا عِلْمَ لِي بِالْغَيْبِ، وَالْخَيْرَ أَرَدْت وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا اكْتَسَبَ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227] وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ الْإِمَامُ الْجَامِعُ لِلشُّرُوطِ فَلَا عِبْرَةَ بِاسْتِخْلَافِ الْجَاهِلِ وَالْفَاسِقِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِخْلَافُ (بِشَرْطِ الْقَبُولِ) مِنْ الْخَلِيفَةِ (فِي حَيَاتِهِ) أَيْ الْإِمَامِ، وَإِنْ تَرَاخَى عَنْ الِاسْتِخْلَافِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ اعْتِبَارَ كَوْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ.
انْتَهَى.
فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ حَيَاتِهِ رَجَعَ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ إلَى الْإِيصَاءِ وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ (وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى الْأَصْلَحَ) لِلْإِمَامَةِ أَيْ يَجْتَهِدَ فِيهِ فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ وَاحِدٌ وَلَّاهُ.
(وَلَهُ جَعْلُهَا) أَيْ الْخِلَافَةَ (لِزَيْدٍ ثُمَّ بَعْدَهُ لِعَمْرٍو ثُمَّ) بَعْدَهُ (لِبَكْرٍ) ، وَتَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ عَلَى مَا رَتَّبَ كَمَا رَتَّبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَرَاءَ جَيْشِ مُؤْتَةَ فَيَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً مُتَرَتِّبِينَ (وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ) ، وَلَمْ يُشَاوِرْ أَحَدًا (فَإِنْ جَعَلَهَا شُورَى) بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ بَعْدَهُ (تَعَيَّنَ مَنْ عَيَّنُوهُ) مِنْهُمْ (بَعْدَ مَوْتِهِ) كَمَا جَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ عَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ، وَعُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَطَلْحَةَ فَاتَّفَقُوا عَلَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (لَا قَبْلَهُ) فَلَا يَتَعَيَّنُ مَنْ عَيَّنُوهُ بَلْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُعَيِّنُوا أَحَدًا حِينَئِذٍ (إلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ خَافُوا الْفُرْقَةَ) أَيْ تَفَرُّقَ الْأَمْرِ وَانْتِشَارَهُ بَعْدَهُ (اسْتَأْذَنُوهُ) فَإِنْ أَذِنَ فَعَلُوهُ (وَلَا يَلْزَمُهُمْ التَّعْيِينُ) فِيمَا إذَا جَعَلَهَا شُورَى بَيْنَ جَمَاعَةٍ بَلْ يَكُونُ الْأَمْرُ كَمَا لَوْ لَمْ يَجْعَلْهَا شُورَى.
(وَلَوْ أَوْصَى
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: لِخَبَرِ النَّسَائِيّ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» ، وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ فُقِدَ قُرَشِيٌّ إلَخْ) ، قَالَ الْإِمَامُ لَوْ عُقِدَتْ لِغَيْرِ قُرَشِيٍّ لِلْعَدَمِ ثُمَّ نَشَأَ قُرَشِيٌّ بِالشُّرُوطِ فَإِنْ عَسُرَ خَلْعُ الْأَوَّلِ أُقِرَّ، وَإِلَّا فَالْوَجْهُ عِنْدِي تَسْلِيمُ الْأَمْرِ لِلْقُرَشِيِّ (قَوْلُهُ: ثُمَّ إلَى جُرْهُمَ) هُمْ الَّذِينَ رَبَّوْا إسْمَاعِيلَ، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ
(قَوْلُهُ: وَالْأَصْقَاعُ) جَمْعُ صُقْعٍ، وَهُوَ النَّاحِيَةُ صِحَاحٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ التَّفْصِيلِ إلَخْ) الْأَوْجَهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لِوَلَدِهِ) أَوْ وَالِدِهِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ الْإِمَامُ الْجَامِعُ لِلشُّرُوطِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ اعْتِبَارَ كَوْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ) ، وَلَيْسَ هَذَا كَالْإِيصَاءِ، وَلَوْ شَبَّهَ بِالْإِيصَاءِ لِمَا كَانَ قَبُولُهُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى مَا رَجَّحَهُ فِي الْوِصَايَةِ.
(قَوْلُهُ: فَيَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً مُتَرَتِّبِينَ) . فَلَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ فِي حَيَاةِ الْخَلِيفَةِ فَالْخِلَافَةُ لِلثَّانِي أَوْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَلِلثَّالِثِ، وَلَوْ مَاتَ الْخَلِيفَةُ وَالثَّلَاثَةُ أَحْيَاءٌ وَانْتَصَبَ الْأَوَّلُ، وَأَرَادَ أَنْ يَعْهَدَ بِهَا إلَى غَيْرِ الْأَخِيرَيْنِ فَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ، وَلَمْ يَعْهَدْ إلَى أَحَدٍ فَلَيْسَ لِأَهْلِ الْبَيْعَةِ مُبَايَعَةُ غَيْرِ الثَّانِي وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنُصَّ عَلَى مَنْ يَخْتَارُ خَلِيفَةً بَعْدَهُ، وَلَا يَصِحُّ اخْتِيَارُ غَيْرِهِ
بِهَا جَازَ) كَمَا لَوْ اسْتَخْلَفَ لَكِنْ قَبُولُ الْمُوصَى لَهُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ يَخْرُجُ عَنْ الْوِلَايَةِ، وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَيَتَعَيَّنُ مَنْ اخْتَارَهُ لِلْخِلَافَةِ) بِالِاسْتِخْلَافِ أَوْ الْوَصِيَّةِ مَعَ الْقَبُولِ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُعَيِّنَ غَيْرَهُ.
فَلَوْ جَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ ثَلَاثَةٍ مُتَرَتِّبِينَ فَمَاتَ الْأَوَّلُ مِنْهُمْ فِي حَيَاتِهِ فَالْخِلَافَةُ لِلثَّانِي أَوْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَلِلثَّالِثِ (فَإِنْ اسْتَعْفَى) الْخَلِيفَةُ أَوْ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ (لَمْ يَنْعَزِلْ حَتَّى يُعْفَى وَيُوجَدَ غَيْرُهُ) فَإِنْ عُفِيَ بَعْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ انْعَزَلَ، عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ جَازَ اسْتِعْفَاؤُهُ، وَإِعْفَاؤُهُ وَخَرَجَ مِنْ الْعَهْدِ بِاجْتِمَاعِهِمَا، وَإِلَّا امْتَنَعَا وَبَقِيَ الْعَهْدُ لَازِمًا، وَشُمُولُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمَ الْمُوصَى لَهُ مِنْ زِيَادَتِهِ.
(وَيَصِحُّ اسْتِخْلَافُ غَائِبٍ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ) بِخِلَافِ مَا إذَا جُهِلَتْ (وَيَسْتَقْدِمُ) أَيْ يَطْلُبُ قُدُومَهُ بِأَنْ يَطْلُبَهُ أَهْلُ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ (بَعْدَ الْمَوْتِ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِ الْإِمَامِ (فَإِنْ بَعُدَ) قُدُومُهُ بِأَنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ (وَتَضَرَّرُوا) أَيْ الْمُسْلِمُونَ بِتَأَخُّرِ النَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ (عُقِدَتْ) أَيْ الْخِلَافَةُ أَيْ عَقَدَهَا أَهْلُ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ (لِنَائِبٍ) عَنْهُ بِأَنْ يُبَايِعُوهُ بِالنِّيَابَةِ دُونَ الْخِلَافَةِ (وَيَنْعَزِلُ بِقُدُومِهِ، وَلَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (تَبْدِيلُ وَلِيِّ عَهْدِ غَيْرِهِ) فَلَوْ جُعِلَ الْأَمْرُ شُورَى بَيْنَ ثَلَاثَةٍ مُتَرَتِّبِينَ وَمَاتَ، وَهُمْ أَحْيَاءٌ فَانْتَصَبَ الْأَوَّلُ لِلْخِلَافَةِ فَلَهُ تَبْدِيلُ الْأَخِيرَيْنِ بِغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهَا لَمَّا انْتَهَتْ إلَيْهِ صَارَ أَمْلَكَ بِهَا (لَا) تَبْدِيلَ وَلِيِّ (عَهْدِهِ) إذْ لَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ بِلَا سَبَبٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَائِبًا لَهُ بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ.
(وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الْعَهْدِ نَقْلُهَا) أَيْ الْخِلَافَةَ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَلِّي (وَلَا عَزْلُ نَفْسِهِ) اسْتِقْلَالًا (وَ) إنَّمَا (يَنْعَزِلُ بِالتَّرَاضِي) مِنْهُ وَمِنْ الْإِمَامِ بِقَيْدٍ زَادَهُ بِقَوْلِهِ (إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ) فَإِنْ تَعَيَّنَ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْإِمَامِ لَمْ يَنْعَزِلْ (وَإِنْ خُلِعَ الْإِمَامُ) بِأَنْ خَلَعَهُ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ بِجَائِزٍ (بِغَيْرِ سَبَبٍ لَمْ يَنْخَلِعْ) إذْ لَوْ انْخَلَعَ لَمْ يُؤْمَنْ تَكَرُّرُ التَّوْلِيَةِ وَالِانْخِلَاعِ وَفِي ذَلِكَ سُقُوطُ الْهَيْبَةِ (وَكَذَا لَوْ خَلَعَ نَفْسَهُ) لَمْ يَنْخَلِعْ إلَّا (لِعَجْزٍ) مِنْهُ عَنْ الْقِيَامِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ فَيَنْخَلِعُ فَقَوْلُهُ (وَنَحْوُهُ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ (وَلَهُ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ مَا دَامَ الْأَمْرُ لَهُ) أَيْ قَبْلَ خَلْعِهِ نَفْسَهُ فَإِنْ وَلَّاهُ حِينَئِذٍ انْعَقَدَتْ وِلَايَتُهُ، وَإِلَّا فَيُبَايِعُ النَّاسُ غَيْرَهُ.
(فَصْلٌ) لَوْ (صَلُحَ لَهَا اثْنَانِ اُسْتُحِبَّ) لِأَهْلِ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ (تَقْدِيمُ أَسَنِّهِمَا) أَيْ فِي الْإِسْلَامِ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ (ثُمَّ إنْ كَثُرَتْ الْحُرُوبُ) بِظُهُورِ الْبُغَاةِ، وَأَهْلِ الْفَسَادِ (فَالْأَشْجَعُ) أَحَقُّ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَعَتْ إلَى زِيَادَةِ الشَّجَاعَةِ (أَوْ) كَثُرَتْ (الْبِدَعُ فَالْأَعْلَمُ) أَحَقُّ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَعَتْ إلَى زِيَادَةِ الْعِلْمِ لِسُكُونِ الْفِتَنِ وَظُهُورِ الْبِدَعِ (ثُمَّ) إنْ تَسَاوَيَا فِيمَا ذُكِرَ اُعْتُبِرَتْ (الْقُرْعَةُ) لِعَدَمِ التَّرْجِيحِ، وَقِيلَ يُقَدِّمُ أَهْلُ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ مَنْ شَاءُوا بِلَا قُرْعَةٍ، وَالتَّرْجِيحُ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَلَوْ تَنَازَعَاهَا لَمْ يَقْدَحْ فِيهِمَا) تَنَازُعُهُمَا؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا لَيْسَ مَكْرُوهًا، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُقْرَعُ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَازَعَاهَا، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يُقْرَعُ عِنْدَ تَنَازُعِهِمَا، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ لَا لَهُمَا كَمَا سَيَأْتِي.
(الطَّرِيقُ الثَّالِثُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهَا ذُو شَوْكَةٍ، وَلَوْ) كَانَ (غَيْرَ أَهْلٍ) لَهَا كَأَنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ جَاهِلًا (فَتَنْعَقِدُ لِلْمَصْلَحَةِ) ، وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا بِفِعْلِهِ (وَكَذَا) تَنْعَقِدُ (لِمَنْ قَهَرَهُ) عَلَيْهَا فَيَنْعَزِلُ هُوَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قُهِرَ عَلَيْهَا مَنْ انْعَقَدَتْ إمَامَتُهُ بِبَيْعَةٍ أَوْ عَهْدٍ فَلَا تَنْعَقِدُ لَهُ، وَلَا يَنْعَزِلُ الْمَقْهُورُ (وَلَا يَصِيرُ أَحَدٌ إمَامًا بِمُجَرَّدِ) حُصُولِ (الْأَهْلِيَّةِ) أَيْ أَهْلِيَّتِهِ لِلْإِمَامَةِ (بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إحْدَى الطُّرُقِ) السَّابِقَةِ.
(فَصْلٌ: تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ) ، وَإِنْ كَانَ جَائِرًا (فِيمَا يَجُوزُ) فَقَطْ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ لِخَبَرِ «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعُ الْأَطْرَافِ» وَخَبَرِ «مَنْ نَزَعَ يَدَهُ مِنْ طَاعَةِ إمَامِهِ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ» وَخَبَرِ «مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدَهُ مِنْ طَاعَتِهِ» رَوَاهَا مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ نَصْبِهِ اتِّحَادُ الْكَلِمَةِ وَدَفْعُ الْفِتَنِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِوُجُوبِ الطَّاعَةِ (وَ) تَجِبُ (نَصِيحَتُهُ فِيمَا يَقْدِرُ) أَيْ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ عَقْدُهَا لِإِمَامَيْنِ) فَأَكْثَرَ، وَلَوْ بِأَقَالِيمَ (وَلَوْ تَبَاعَدَتْ الْأَقَالِيمُ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ اخْتِلَافِ الرَّأْيِ، وَتَفَرُّقِ الشَّمْلِ (فَإِنْ عُقِدَتَا) أَيْ الْإِمَامَتَانِ لِاثْنَيْنِ (مَعًا بَطَلَتَا أَوْ مُرَتَّبًا انْعَقَدَتْ لِلسَّابِقِ) كَمَا فِي النِّكَاحِ عَلَى امْرَأَةٍ (وَيُعَزَّرُ الْآخَرُونَ) أَيْ الثَّانِي وَمُبَايِعُوهُ (إنْ عَلِمُوا) بَيْعَةَ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ يَخْرُجُ عَنْ الْوِلَايَةِ) ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَك أَنْ تَقُولَ هَذَا التَّوْجِيهُ يُشْكِلُ بِكُلِّ وِصَايَةٍ ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ مَنْ جَعَلَهُ خَلِيفَةً فِي حَيَاتِهِ إمَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ اسْتِنَابَتَهُ فَلَا يَكُونُ هَذَا عَهْدًا بِالْإِمَامَةِ أَوْ يُرِيدَ جَعْلَهُ إمَامًا فِي الْحَالِ، وَهُوَ إمَّا خَلْعُ النَّفْسِ أَوْ اجْتِمَاعُ إمَامَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ جَعَلْته خَلِيفَةً أَوْ إمَامًا بَعْدَ مَوْتِي فَهَذَا هُوَ مَعْنَى لَفْظِ الْوَصِيَّةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ جَعَلْته خَلِيفَةً أَوْ إمَامًا بَعْدَ مَوْتِي، قَالَ الْإِسْنَوِيِّ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ الرَّوْضَةِ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ بِهَا وَبَيْنَ عَقْدِهَا لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَجَوَابُ إشْكَالِ الرَّافِعِيِّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَارَ فِي حَيَاتِهِ خَلِيفَةً بَعْدَ مَوْتِهِ وَالْمَحْذُورُ مِنْ اجْتِمَاعِ خَلِيفَتَيْنِ اخْتِلَافُ الْكَلِمَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فَرْعُ الْآخَرِ، وَتَصَرُّفُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى مَوْتِهِ، وَجُوِّزَ ذَلِكَ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَلِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ جَمْعًا لِلْكَلِمَةِ
(قَوْلُهُ: إلَّا لِعَجْزٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ كَتَسْكِينِ فِتْنَةٍ
[فَصْلٌ صَلُحَ اثْنَانِ لِلْإِمَامَةِ الْعُظْمَى]
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَاضِحٌ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا زِيَادَةُ تَجْرِبَتِهِ الْأُمُورَ بِخِلَافِهِ ثَمَّ (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ جَاهِلًا) أَيْ أَوْ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ رَقِيقًا.
[فَصْلٌ طَاعَةُ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ جَائِرًا]
(قَوْلُهُ: مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ) ضَبَطَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي نِهَايَتِهِ بِالْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْخَاءِ وَالدَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَمَعْنَاهُ عَلَى كِلَيْهِمَا مُقَطَّعُ الْأَطْرَافِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ عُقْدَتَا مَعًا بَطَلَتَا) ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا النُّبُوَّةُ فَكَمَا لَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِشَرِيعَتَيْنِ لَا يُطَاعُ إمَامَانِ وَلِئَلَّا تَخْتَلِفَ الْكَلِمَةُ لِاخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ وَيُخَالِفُ قَاضِيَيْنِ فِي الْبَلَدِ عَلَى الشُّيُوعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ فَإِنَّ الْإِمَامَ وَرَاءَهُمَا يَفْصِلُ مَا تَنَازَعَا فِيهِ
السَّابِقِ لِارْتِكَابِهِمْ مُحَرَّمًا.
وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «إذَا بُويِعَ لِلْخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا» فَمَعْنَاهُ لَا تُطِيعُوهُ فَيَكُونُ كَمَنْ قُتِلَ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إنْ أَصَرَّ فَهُوَ بَاغٍ يُقَاتَلُ (فَإِنْ جُهِلَ سَبْقٌ أَوْ) عُلِمَ لَكِنْ جُهِلَ (سَابِقٌ فَكَمَا) مَرَّ (فِي) نَظِيرِهِ مِنْ (الْجُمُعَةِ) وَالنِّكَاحِ فَيَبْطُلُ الْعَقْدَانِ (وَإِنْ عُلِمَ السَّابِقُ ثُمَّ نَسِيَ وُقِفَ) الْأَمْرُ رَجَاءَ الِانْكِشَافِ (فَإِنْ أَضَرَّ الْوَقْفُ) بِالْمُسْلِمِينَ (عُقِدَ لِأَحَدِهِمَا لَا غَيْرِهِمَا) ؛ لِأَنَّ عَقْدَهَا لَهُمَا أَوْجَبَ صَرْفَهَا عَنْ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ بَطَلَ عَقْدَاهُمَا بِالْإِضْرَارِ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ بَلْ الْأَصَحُّ جَوَازُ عَقْدِهَا لِغَيْرِهِمَا إذْ هُوَ مُقْتَضَى بُطْلَانِ عَقْدِهِمَا، وَمَا قَالَهُ حَسَنٌ (وَالْحَقُّ) فِي الْإِمَامَةِ (لِلْمُسْلِمِينَ) لَا لَهُمَا (فَلَا تُسْمَعُ) (دَعْوَاهُمَا) أَيْ دَعْوَى أَحَدِهِمَا (السَّبْقَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ) أَحَدُهُمَا (لِلْآخَرِ بَطَلَ حَقُّهُ، وَلَا يَثْبُتُ) الْحَقُّ (لِلْآخَرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ لَهُ بِسَبْقِهِ، وَقَوْلُ الْبُلْقِينِيِّ إنَّ الصَّوَابَ ثُبُوتُهُ لَهُ بِالْإِقْرَارِ لِانْحِصَارِ الْحَقِّ فِيهِ حِينَئِذٍ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْحَقَّ إنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ لَا لَهُمَا كَمَا عُرِفَ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُقِرِّ) بِالسَّبْقِ (لَهُ) أَيْ لِلْآخَرِ (مَعَ آخَرَ إنْ لَمْ يَسْبِقْ مُنَاقِضٌ) لَهَا بِأَنْ كَانَ يَدَّعِيَ اشْتِبَاهَ الْأَمْرِ قَبْلَ إقْرَارِهِ فَإِنْ سَبَقَ مُنَاقِضٌ بِأَنْ كَانَ يَدَّعِي السَّبْقَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ.
(فَصْلٌ: وَيَنْعَزِلُ الْإِمَامُ بِعَمًى وَصَمَمٍ وَخَرَسٍ وَمَرَضٍ يُنْسِيه الْعُلُومَ، وَجُنُونٍ) لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْإِمَامَةِ قَالَ الْبَغَوِيّ: فَإِنْ أَفَاقَ بَعْدَ تَوْلِيَةِ غَيْرِهِ فَالْوِلَايَةُ لِلثَّانِي إلَّا أَنْ يَخَافَ فِتْنَةً فَهِيَ لِلْأَوَّلِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لِلثَّانِي مُطْلَقًا (لَا إنْ كَثُرَ زَمَنُ الْإِفَاقَةِ) مِنْ جُنُونِهِ (وَتَمَكَّنَ فِيهِ مِنْ أُمُورِهِ) أَيْ مِنْ قِيَامِهِ بِهَا فَلَا يَنْعَزِلُ (، وَلَا) يَنْعَزِلُ (إنْ فَسَقَ) أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ وَصَرَّحَ بِهِ أَصْلُهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْإِغْمَاءِ كَذَا أَطْلَقُوهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا قَلَّ زَمَنُهُ، وَلَمْ يَتَكَرَّرْ، وَأَمَّا لَوْ طَالَ زَمَنُهُ، وَتَكَرَّرَ بِحَيْثُ يَقْطَعُهُ عَنْ النَّظَرِ فِي الْمَصَالِحِ فَلَا (، وَلَا) يَنْعَزِلُ (بِثِقَلِ سَمْعٍ، وَتَمْتَمَةِ لِسَانٍ وَفِي مَنْعِهِمَا) الْإِمَامَةُ (ابْتِدَاءً خِلَافٌ) وَالْأَقْرَبُ لَا كَمَا فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ (وَلَوْ قُطِعَتْ إحْدَى يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الدَّوَامِ) بِخِلَافِ الِابْتِدَاءِ إذْ يُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ وَبِخِلَافِ قَطْعِ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ.
(فَصْلٌ: لَا يَنْعَزِلُ إمَامٌ أَسَرَهُ كُفَّارٌ أَوْ بُغَاةٌ لَهُمْ إمَامٌ إلَّا إنْ وَقَعَ الْيَأْسُ مِنْ خَلَاصِهِ) فَيَنْعَزِلُ (فَحِينَئِذٍ لَا يُؤَثِّرُ عَهْدُهُ) لِغَيْرِهِ بِالْإِمَامَةِ (وَتُعْقَدُ لِغَيْرِهِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ عَهِدَ لِغَيْرِهِ قَبْلَ الْيَأْسِ لِبَقَائِهِ عَلَى إمَامَتِهِ (وَإِنْ خُلَّصُ مِنْ الْأَسْرِ بَعْدَ الْيَأْسِ لَمْ يَعُدْ) إلَى إمَامَتِهِ بَلْ يَسْتَقِرُّ فِيهَا وَلِيُّ عَهْدِهِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبُغَاةِ إمَامٌ لَمْ يَنْعَزِلْ) الْإِمَامُ الْمَأْسُورُ، وَإِنْ وَقَعَ الْيَأْسُ مِنْ خَلَاصِهِ (وَيَسْتَنِيبُ) عَنْ نَفْسِهِ إنْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ (ثُمَّ يُسْتَنَابُ عَنْهُ إنْ عَجَزَ) عَنْهَا فَلَوْ خَلَعَ الْأَسِيرُ نَفْسَهُ أَوْ مَاتَ لَمْ يَصِرْ الْمُسْتَنَابُ إمَامًا.
[فَرْعٌ تَسْمِيَةُ الْإِمَامِ خَلِيفَةً وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ]
(فَرْعٌ: يَجُوزُ تَسْمِيَةُ الْإِمَامِ خَلِيفَةً، وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) ، وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَخَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا؛ لِأَنَّهُ خَلَفَ الْمَاضِي وَخَلَفَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُمَّتِهِ، وَقَامَ بِأَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ (لَا خَلِيفَةُ اللَّهِ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَخْلِفُ مَنْ يَغِيبُ وَيَمُوتُ وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِقِيَامِهِ بِحُقُوقِهِ فِي خَلْقِهِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: 39] قَالَ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ مَعَ ذِكْرِهِ ذَلِكَ قَالَ الْبَغَوِيّ: وَلَا يُسَمَّى أَحَدٌ خَلِيفَةَ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ آدَمَ وَدَاوُد - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - قَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] ، وَقَالَ ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص: 26] ، وَعَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ فَقَالَ أَنَا خَلِيفَةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا رَاضٍ بِذَلِكَ.
[بَابُ قِتَالِ الْبُغَاةِ]
[الطَّرَف الْأَوَّلُ فِي صِفَة الْبُغَاةِ]
(بَابُ قِتَالِ الْبُغَاةِ) جَمْعُ بَاغٍ سُمُّوا بِذَلِكَ لِمُجَاوَزَتِهِمْ الْحَدَّ، وَقِيلَ لِطَلَبِ الِاسْتِعْلَاءِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] الْآيَةَ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ لَكِنَّهَا تَشْمَلُهُ لِعُمُومِهَا أَوْ تَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَبَ الْقِتَالَ لِبَغْيِ طَائِفَةٍ عَلَى طَائِفَةٍ فَلِلْبَغْيِ عَلَى الْإِمَامِ أَوْلَى (وَفِيهِ أَطْرَافٌ أَرْبَعَةٌ الْأَوَّلُ فِي صِفَتِهِمْ، وَهُمْ الْخَارِجُونَ عَنْ الطَّاعَةِ) لِإِمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَلَوْ جَائِرًا بِامْتِنَاعِهِمْ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ (بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ لَا يُقْطَعُ بِفَسَادِهِ) بَلْ يَعْتَقِدُونَ بِهِ جَوَازَ الْخُرُوجِ كَتَأْوِيلِ الْخَارِجِينَ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنَّهُ يَعْرِفُ قَتَلَةَ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
[فَصْلٌ مَا يَنْعَزِلُ بِهِ الْإِمَامُ]
(قَوْلُهُ: وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لِلثَّانِي مُطْلَقًا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ قَلَّ زَمَنُهُ إلَخْ) مَحْمَلُ كَلَامِهِمْ الشِّقُّ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: وَالْأَقْرَبُ لَا) هُوَ الرَّاجِحُ كَمَا فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ أَيْ وَوِلَايَةِ الْقَضَاءِ
[فَصْلٌ إمَامٌ أَسَرَهُ كُفَّارٌ أَوْ بُغَاةٌ لَهُمْ إمَامٌ]
(بَابُ قِتَالِ الْبُغَاةِ) (قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِيهِ إلَخْ) قَاتَلَ عَلِيٌّ أَهْلَ الْجَمَلِ بِالْبَصْرَةِ مَعَ عَائِشَةَ ثُمَّ قَاتَلَ أَهْلَ الشَّامِ بِصِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ ثُمَّ قَاتَلَ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ السِّيرَةَ فِي قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ الصِّدِّيقِ وَفِي قِتَالِ الْبُغَاةِ مِنْ عَلِيٍّ فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُخْطِئِينَ فِي قِتَالِهِ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمَّارٍ قَتَلَتْك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» (قَوْلُهُ: وَلَوْ جَائِرًا) ، وَإِنْ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْخُرُوجَ عَلَى الْجَائِرِ لَيْسَ بَغْيًا فَقَدْ صَرَّحَ الْقَفَّالُ بِأَنَّهُ بَغْيٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِالْجَوْرِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّ الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً ظَالِمِينَ وَنُوزِعَ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ بِخُرُوجِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَان وَمَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ بِلَا عُذْرٍ، وَلَا تَأْوِيلٍ وَيُعْتَبَرُ فِي الْبُغَاةِ الْإِسْلَامُ فَالْمُرْتَدُّونَ إذَا نَصَبُوا الْقِتَالَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْبُغَاةِ عَلَى الْأَصَحِّ
عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَيَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَقْتَصُّ مِنْهُمْ لِمُوَاطَأَتِهِ إيَّاهُمْ، وَتَأْوِيلُ بَعْضِ مَانِعِي الزَّكَاةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنَّهُمْ لَا يَدْفَعُونَ الزَّكَاةَ إلَّا لِمَنْ صَلَاتُهُ سَكَنٌ لَهُمْ، وَهُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إنْ كَانَ لَهُمْ شَوْكَةٌ بِكَثْرَةٍ أَوْ قُوَّةٍ، وَلَوْ بِحِصْنٍ) بِحَيْثُ يُمْكِنُ مَعَهَا مُقَاوَمَةُ الْإِمَامِ وَيَحْتَاجُ إلَى احْتِمَالِ كُلْفَةٍ مِنْ بَذْلِ مَالٍ، وَإِعْدَادِ رِجَالٍ وَنَصْبِ قِتَالٍ وَنَحْوِهَا لِيَرُدَّهُمْ إلَى الطَّاعَةِ.
(وَ) كَانَ (فِيهِمْ مُطَاعٌ) لِيَحْصُلَ بِهِ قُوَّةُ الشَّوْكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إمَامًا لَهُمْ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الشَّوْكَةَ تَحْصُلُ بِالتَّقَوِّي بِالْحِصْنِ أَخَذَهُ مِنْ عُمُومِ كَلَامِ أَصْلِهِ أَوَّلًا فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ، وَعَدَدٌ بِالْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ قَالَ، وَلَوْ تَقَوَّى قَوْمٌ قَلِيلٌ بِحِصْنٍ فَوَجْهَانِ عَنْ الْإِمَامِ وَرَأَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُفَصَّلَ فَيُقَالَ إنْ كَانَ الْحِصْنُ بِحَافَةِ الطَّرِيقِ وَكَانُوا يَسْتَوْلُونَ بِسَبَبِهِ عَلَى نَاحِيَةٍ وَرَاءَ الْحِصْنِ ثَبَتَ لَهُمْ الشَّوْكَةُ وَحُكْمُ الْبُغَاةِ لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ أَقَضِيَّةُ أَهْلِ النَّاحِيَةِ، وَإِلَّا فَلَيْسُوا بُغَاةً، وَلَا يُبَالِي بِتَعْطِيلِ عَدَدٍ قَلِيلٍ (وَيَجِبُ قِتَالُهُمْ) فَقَدْ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ (وَلَيْسُوا فَسَقَةً) كَمَا أَنَّهُمْ لَيْسُوا كَفَرَةً؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا خَالَفُوا بِتَأْوِيلٍ جَائِزٍ بِاعْتِقَادِهِمْ لَكِنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِيهِ (وَلَا اسْمَ الْبَغْيِ ذَمًّا وَالْأَحَادِيثُ) الْوَارِدَةُ (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِيمَا يَقْتَضِي ذَمَّهُمْ كَحَدِيثِ «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» وَحَدِيثِ «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» وَحَدِيثِ «مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ» (مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خَرَجَ) عَنْ الطَّاعَةِ (بِلَا تَأْوِيلٍ) أَوْ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ قَطْعًا.
(وَمَنْ فُقِدَتْ فِيهِمْ الشُّرُوطُ) الْمَذْكُورَةُ بِأَنْ خَرَجُوا بِلَا تَأْوِيلٍ كَمَانِعِي حَقِّ الشَّرْعِ كَالزَّكَاةِ عِنَادًا أَوْ بِتَأْوِيلٍ يُقْطَعُ بِفَسَادِهِ كَتَأْوِيلِ الْمُرْتَدِّينَ وَمَانِعِي حَقِّ الشَّرْعِ كَالزَّكَاةِ الْآنَ وَالْخَوَارِجُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَوْكَةٌ بِأَنْ كَانُوا أَفْرَادًا يَسْهُلُ الظَّفَرُ بِهِمْ أَوْ لَيْسَ فِيهِمْ مُطَاعٌ (فَلَيْسَ لَهُمْ حُكْمُهُمْ) أَيْ الْبُغَاةِ لِانْتِفَاءِ حُرْمَتِهِمْ؛ وَلِأَنَّ ابْنَ مُلْجِمٍ قَتَلَ عَلِيًّا مُتَأَوِّلًا بِأَنَّهُ وَكِيلُ امْرَأَةٍ قَتَلَ عَلِيٌّ أَبَاهَا فَاقْتَصَّ مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطَ حُكْمُهُمْ فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ لِانْتِفَاءِ شَوْكَتِهِ.
[فَرْعٌ الْخَوَارِجِ قَوْمٌ مِنْ الْمُبْتَدَعَةِ]
(فَرْعٌ: الْخَوَارِجِ قَوْمٌ) مِنْ الْمُبْتَدَعَةِ (يُكَفِّرُونَ مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً) وَيَطْعَنُونَ بِذَلِكَ فِي الْأَئِمَّةِ، وَلَا يَحْضُرُونَ مَعَهُمْ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَاتِ (فَلَا يُقَاتَلُونَ، وَلَا يُفَسَّقُونَ مَا لَمْ يُقَاتِلُوا) وَكَانُوا فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَمِعَ رَجُلًا مِنْ الْخَوَارِجِ يَقُولُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَيُعَرِّضُ بِتَخْطِئَةِ تَحْكِيمِهِ فَقَالَ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوهُ فِيهَا، وَلَا الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا، وَلَا نَبْدَأُ بِقِتَالِكُمْ نَعَمْ إنْ تَضَرَّرْنَا بِهِمْ تَعَرَّضْنَا لَهُمْ حَتَّى يَزُولَ الضَّرَرُ نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ الْأَصْحَابِ.
أَمَّا إذَا قَاتَلُوا، وَلَمْ يَكُونُوا فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ فَيُقَاتَلُونَ، وَلَا يَتَحَتَّمُ قَتْلُ الْقَاتِلِ مِنْهُمْ كَمَا سَيَأْتِي قَالَ فِي الْأَصْلِ مَعَ هَذَا، وَأَطْلَقَ الْبَغَوِيّ أَنَّهُمْ إنْ قَاتَلُوا فَهُمْ فَسَقَةٌ، وَأَصْحَابُ نَهْبٍ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَبِهِ جُزْءٌ فِي الْمِنْهَاجِ، وَأَصْلُهُ وَمَحَلُّهُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي قَرِيبًا إذَا قَصَدُوا إخَافَةَ الطَّرِيقِ (وَإِنْ سَبُّوا الْأَئِمَّةَ وَغَيْرَهُمْ) مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ (عُزِّرُوا إلَّا إنْ عَرَّضُوا) بِالسَّبِّ فَلَا يُعَزَّرُونَ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُعَزِّرْ الَّذِي عَرَّضَ بِهِ؛ وَلِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تَكَادُ تَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَنْ يُعَرِّضُ بِالسُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ (فَإِنْ قَتَلُوا أَحَدًا) مِمَّنْ يُكَافِئُهُمْ هَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَصْلِهِ، وَلَوْ بَعَثَ إلَيْهِمْ وَالِيًا فَقَتَلُوهُ (اقْتَصَّ مِنْهُمْ) كَغَيْرِهِمْ (وَلَا يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُمْ) ، وَإِنْ كَانُوا كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ فِي شَهْرِ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا إخَافَةَ الطَّرِيقِ.
(الطَّرَفُ الثَّانِي فِي حُكْمِهِمْ) أَيْ الْبُغَاةِ (فَنُجِيزُ) نَحْنُ (شَهَادَةَ الْبُغَاةِ وَنُنَفِّذُ قَضَاءَهُمْ فِيمَا يَنْفُذُ فِيهِ قَضَاؤُنَا) لِانْتِفَاءِ فِسْقِهِمْ (إنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا، وَلَمْ يَكُونُوا خِطَابِيَّةً) ، وَهُمْ صِنْفٌ مِنْ الرَّافِضَةِ يَشْهَدُونَ بِالزُّورِ وَيَقْضُونَ بِهِ لِمُوَافِقِيهِمْ بِتَصْدِيقِهِمْ فَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ عَدَمَ اسْتِحْلَالِهِمْ لِمَا ذُكِرَ بِأَنْ عَلِمْنَا اسْتِحْلَالَهُمْ لَهُ أَوْ لَمْ نَعْلَمْهُ امْتَنَعَ ذَلِكَ لِانْتِفَاءِ الْعَدَالَةِ لَكِنَّ مَحَلَّهُ فِي الْأُولَى إذَا اسْتَحَلُّوا ذَلِكَ بِالْبَاطِلِ عُدْوَانًا لِيَتَوَصَّلُوا بِهِ إلَى إرَاقَةِ دِمَائِنَا، وَإِتْلَافِ أَمْوَالِنَا وَمَا ذَكَرَهُ كَأَصْلِهِ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ التَّسْوِيَةِ فِي تَنْفِيذِ مَا ذُكِرَ بَيْنَ مَنْ يَسْتَحِلُّ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: إنْ كَانَ لَهُمْ شَوْكَةٌ إلَخْ) ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ قَضِيَّتُهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ آخَرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنْفَرِدُوا بِبَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ مَوْضِعٍ مِنْ الصَّحْرَاءِ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إمَامًا لَهُمْ) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ صِفِّينَ، وَأَهْلَ الْجَمَلِ لَمْ يُنَصِّبُوا لَهُمْ إمَامًا وَحُكْمُ الْبُغَاةِ شَامِلٌ لَهُمْ.
(قَوْلُهُ: وَرَأَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُفَصَّلَ فَيُقَالَ إنْ كَانَ الْحِصْنُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ فِي الْأَنْوَارِ (قَوْلُهُ: وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ إلَخْ) رُبَّمَا يَبْلُغُ مَجْمُوعُهَا التَّوَاتُرَ الْمَعْنَوِيَّ (قَوْلُهُ: كَحَدِيثِ «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ» إلَخْ) وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ، وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «مَنْ مَاتَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إمَامُ جَمَاعَةٍ فَإِنَّ مَوْتَتَهُ مَوْتُ جَاهِلِيَّةٍ» وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُ فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ فَيَمُوتُ إلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
(قَوْلُهُ: وَكَانُوا فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ) كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ سَوَاءٌ كَانُوا بَيْنَنَا أَوْ امْتَازُوا بِمَوْضِعٍ لَكِنْ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ طَاعَتِهِ (قَوْلُهُ: فَقَالَ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ إلَخْ) ، قَالَ الْأَصْحَابُ وَاقْتُفِيَ فِي ذَلِكَ سِيرَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُنَافِقِينَ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي قَرِيبًا إذَا قَصَدُوا إخَافَةَ الطَّرِيقِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
[الطَّرَفُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الْبُغَاةِ]
(قَوْلُهُ: إنْ عَلِمْنَا اسْتِحْلَالَهُمْ لَهُ) ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَائِرُ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْفِسْقِ فِي مَعْنَاهُ، وَكَلَامُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ يَدُلُّ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ مَحَلُّهُ فِي الْأُولَى إذَا اسْتَحَلُّوا ذَلِكَ بِالْبَاطِلِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ وَغَيْرُهُ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا تَنَاقُضَ، وَأَمَّا إذَا كَانُوا خِطَابِيَّةً فَيُمْتَنَعُ مِنَّا ذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِلُّونَ مَا ذُكِرَ لَكِنَّ مَحَلَّهُ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ مُوَافِقِيهِمْ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ نَعَمْ لَوْ بَيَّنُوا فِي شَهَادَتِهِمْ السَّبَبَ قُبِلَتْ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ حِينَئِذٍ كَمَا سَيَأْتِي.
ثَمَّ وَخَرَجَ بِمَا يَنْفُذُ فِيهِ قَضَاؤُنَا غَيْرُهُ كَأَنْ حَكَمُوا بِمَا يُخَالِفُ النَّصَّ أَوْ الْإِجْمَاعَ أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ فَلَا نَنْفُذُهُ (، وَلَوْ كَتَبُوا بِحُكْمٍ) مِنْهُمْ إلَى حَاكِمِنَا (جَازَ تَنْفِيذُهُ) ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ أُمْضِيَ وَالْحَاكِمُ بِهِ مِنْ أَهْلِهِ بَلْ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ لِوَاحِدٍ مِنَّا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَالْمُتَّجَهُ وُجُوبُ تَنْفِيذِهِ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (وَكَذَا) لَوْ كَتَبُوا (بِسَمَاعِ بَيِّنَةٍ) يَجُوزُ لَنَا الْحُكْمُ بِهَا لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِرَعَايَانَا (وَيُسْتَحَبُّ) لَنَا (أَنْ لَا نُنَفِّذَ حُكْمَهُمْ) اسْتِخْفَافًا بِهِمْ (وَلْيُعْتَدَّ بِمَا اسْتَوْفَوْهُ) بِالْبَلَدِ الَّذِي اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ (مِنْ حُدُودٍ) ، وَتَعَازِيرَ (وَخَرَاجٍ) وَزَكَاةٍ (وَجِزْيَةٍ) لِاعْتِمَادِهِمْ التَّأْوِيلَ الْمُحْتَمِلَ فَأَشْبَهَ الْحُكْمَ بِالِاجْتِهَادِ وَلِمَا فِي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالرَّعِيَّةِ.
(وَكَذَا لَوْ فَرَّقُوا سَهْمَ الْمُرْتَزِقَةِ فِي جُنْدِهِمْ) يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ جُنْدِ الْإِسْلَامِ وَرُعْبُ الْكُفَّارِ قَائِمٌ بِهِمْ (وَلَوْ ادَّعَى الْمَطْلُوبُ بِالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ اسْتِيفَاءَهُمْ) مِنْهُ لَهُمَا، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُجْرَةٌ فَكَانَ الْمَطْلُوبُ بِهِمَا كَالْمُسْتَأْجِرِ (بِخِلَافِ الزَّكَاةِ) ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَمُوَاسَاةٌ وَمَبْنَاهَا عَلَى الرِّفْقِ (وَ) بِخِلَافِ (الْحَدِّ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ) ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ بِهِ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ بِمَا يَدَّعِيهِ بَقَاءَ الْحَدِّ عَلَيْهِ فَيُجْعَلُ كَالرُّجُوعِ (لَا الْبَيِّنَةَ) أَيْ لَا الْحَدُّ الثَّابِتُ بِهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ بِهِ أَنَّهُ اسْتَوْفَى مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اسْتِيفَائِهِ، وَلَا قَرِينَةَ تَدْفَعُهُ (إلَّا إنْ بَقِيَ أَثَرُهُ) عَلَى بَدَنِهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ لِلْقَرِينَةِ.
[الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ وَمَا أَتْلَفهُ الْبُغَاةُ]
(الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ، وَمَا أَتْلَفُوهُ أَوْ أَتْلَفْنَاهُ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ) بِلَا ضَرُورَتِهَا (مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ مَضْمُونٍ) عَلَى الْأَصْلِ فِي الْإِتْلَافَاتِ (وَمَا أَتْلَفْنَاهُ أَوْ أَتْلَفُوهُ بِضَرُورَةِ الْحَرْبِ فَهَدَرٌ) اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ، وَتَرْغِيبًا فِي الطَّاعَةِ؛ وَلِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالْقِتَالِ فَلَا يُضْمَنُ مَا يُتَوَلَّدُ مِنْهُ، وَهُمْ إنَّمَا أَتْلَفُوا بِتَأْوِيلٍ (وَمَا أُتْلِفَ فِيهَا بِلَا حَاجَةٍ) تَتَعَلَّقُ بِهَا (ضُمِنَ) كَالْمُتْلَفِ فِي غَيْرِهَا (وَيَجِبُ رَدُّ الْأَمْوَالِ الْمَأْخُوذَةِ فِي الْقِتَالِ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ) إلَى أَرْبَابِهَا.
(فَرْعٌ) لَوْ (وَطِئَ بَاغٍ أَمَةَ عَادِلٍ) بِلَا شُبْهَةٍ (حُدَّ وَرُقَّ الْوَلَدُ، وَلَا نَسَبَ) ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ حِينَئِذٍ زِنًا (وَمَتَى كَانَتْ مُكْرَهَةً) عَلَى الْوَطْءِ (لَزِمَهُ الْمَهْرُ) كَغَيْرِهِ (وَإِنْ وَطِئَهَا) يَعْنِي أَمَةَ غَيْرِهِ (حَرْبِيٌّ) ، وَلَا شُبْهَةَ، وَأَوْلَدَهَا (رُقَّ الْوَلَدُ) ، وَلَا نَسَبَ (وَ) لَكِنْ (لَا حَدَّ) عَلَيْهِ (وَلَا مَهْرَ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الْأَحْكَامَ.
[فَصْلٌ الْمُتَأَوِّلُونَ بِلَا شَوْكَةٍ وَذَوُو الشَّوْكَةِ بِلَا تَأْوِيلٍ لَا تَنْفُذُ أَحْكَامُهُمْ وَلَا يُعْتَدُّ بِحُقُوقٍ قَبَضُوهَا]
(فَصْلٌ: الْمُتَأَوِّلُونَ بِلَا شَوْكَةٍ وَذَوُو الشَّوْكَةِ بِلَا تَأْوِيلٍ لَا تَنْفُذُ أَحْكَامُهُمْ، وَلَا يُعْتَدُّ بِحُقُوقٍ قَبَضُوهَا) لِانْتِفَاءِ شُرُوطِهِمْ (وَيَضْمَنُ الْمُتْلَفَاتِ) ، وَلَوْ فِي الْحَرْبِ (مَنْ لَا شَوْكَةَ لَهُ) كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَإِلَّا لَأَبْدَتْ كُلُّ شِرْذِمَةٍ مَفْسَدَةً تَأْوِيلًا وَفَعَلَتْ مَا شَاءَتْ وَبَطَلَتْ السِّيَاسَاتُ (وَذَوُو الشَّوْكَةِ بِلَا تَأْوِيلٍ كَبَاغِينَ) فِي الضَّمَانِ، وَعَدَمِهِ فَلَا يَضْمَنُونَ الْمُتْلَفَاتِ لِحَاجَةِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الضَّمَانِ عَنْ الْبَاغِينَ لِقَطْعِ الْفِتْنَةِ وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ هُنَا بِخِلَافِ مَا لَوْ ارْتَدَّتْ طَائِفَةٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ فَأَتْلَفُوا مَالًا أَوْ نَفْسًا فِي الْقِتَالِ ثُمَّ تَابُوا، وَأَسْلَمُوا فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ لِجِنَايَتِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ كَمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ النَّصِّ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ وَابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَنَقَلَهُ عَنْ تَصْحِيحِ جَمَاعَاتٍ، وَقَطْعٍ آخَرِينَ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الْوَجْهُ وَحَكَى الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: لَكِنْ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ إذَا اسْتَحَلُّوا (قَوْلُهُ: بَلْ لَوْ كَانَ لِوَاحِدٍ مِنَّا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَخْ) قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ وَالْكِتَابُ لِمَنْ هُوَ مِنْهُمْ أَوْ مِنَّا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَوْلَى حَتَّى يَجِبَ إنْفَاذُ الْحُكْمِ، وَقَبُولُ الْكِتَابِ لِمَنْ هُوَ مِنَّا لَا مِنْهُمْ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ ثُمَّ رَأَيْت الدَّارِمِيَّ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ حَقٌّ فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ، وَجَبَ عَلَى الْقَاضِيَيْنِ الْأَخْذُ فَإِنْ تَرَكَا عَصَيَا.
اهـ. وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الِاسْتِحْبَابَ الْمَذْكُورَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ خَاصَّةً (قَوْلُهُ: فَالْمُتَّجَهُ وُجُوبُ تَنْفِيذِهِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَلْيَعْتَدَّ بِمَا اسْتَوْفَوْهُ) ، قَالَ الْبُلْقِينِيُّ إنَّ مَحَلَّهُ فِي إمَامِ الْفِرْقَةِ الْبَاغِيَةِ فَأَمَّا آحَادُ رَعِيَّتِهِ الَّذِينَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ ذَلِكَ أَوْ الْفِرْقَةَ الَّتِي مَنَعَتْ وَاجِبًا عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ عَلَى الْإِمَامِ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْقِعَ بِفِعْلِهَا، قَالَ وَلِهَذَا عَبَّرَ الشَّافِعِيُّ بِإِمَامِهِمْ.
اهـ. وَمَوْضِعُ الِاعْتِدَادِ بِذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ وُلَاةُ أُمُورِهِمْ وَالْمُطَاعُ فِيهِ كَمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَلِهَذَا فَرَضَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي إقَامَةِ الْإِمَامِ ر (قَوْلُهُ: وَزَكَاةٌ) ، قَالَ الْبُلْقِينِيُّ مَحَلُّهُ مَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُعَجَّلَةٍ أَوْ مُعَجَّلَةً وَاسْتَمَرَّتْ شَوْكَتُهُمْ حَتَّى وَجَبَتْ فَلَوْ زَالَتْ قَبْلَ الْوُجُوبِ لَمْ يَقَعْ مَا تَعَجَّلُوهُ مَوْقِعَهُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ لَمْ يَكُونُوا أَهْلًا لِلْأَخْذِ، قَالَ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ صَدَقَةٌ عَامَّةٌ.
اهـ.، وَتَعْلِيلُ الْأَصْحَابِ الِاعْتِدَادُ بِأَخْذِهِمْ الْحُقُوقَ بِأَنَّ فِي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهِ إضْرَارًا بِالرَّعِيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يُقَاسُونَ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ س، وَقَوْلُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَلِمَا فِي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهِ إلَخْ) ، وَقَدْ فَعَلَ عَلِيٌّ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ
(قَوْلُهُ: مَا أَتْلَفُوهُ أَوْ أَتْلَفْنَاهُ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ إلَخْ) اسْتَثْنَى الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الْإِتْلَافِ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ مَا إذَا قَصَدَ أَهْلُ الْعَدْلِ بِإِتْلَافِ الْمَالِ إضْعَافَهُمْ وَهَزِيمَتَهُمْ فَلَا ضَمَانَ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالْقِتَالِ إلَخْ) ؛ وَلِأَنَّا لَوْ غَرَّمْنَاهُمْ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُنَفِّرَهُمْ ذَلِكَ عَنْ الْعَوْدِ إلَى الطَّاعَةِ، وَيَحْمِلَهُمْ عَلَى التَّمَادِي فِيمَا هُمْ فِيهِ وَلِمِثْلِ ذَلِكَ أَسْقَطَ الشَّرْعُ التَّبَعَاتِ عَنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا أَسْلَمُوا؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْأُمَّةَ أَنْ يُصْلِحُوا بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَبَعَةً فِي دَمٍ، وَلَا مَالٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا طَالَبَ أَحَدًا بِذَلِكَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ مَعَ مَعْرِفَةِ الْقَاتِلِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الضَّمَانِ أَمَّا التَّحْرِيمُ فَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ لَا يَتَّصِفُ إتْلَافُهُمْ بِإِبَاحَةٍ، وَلَا تَحْرِيمٍ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا يُتْلِفُهُ الْحَرْبِيُّونَ حَالَ الْقِتَالِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ
[فَرْعٌ وَطِئَ بَاغٍ أَمَةَ عَادِلٍ بِلَا شُبْهَةٍ]
(قَوْلُهُ: وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ) أَيْ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ: وَحَكَى الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ بِلَا تَرْجِيحٍ) ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ وَضَمَانُهُمْ
وَجْهَيْنِ بِلَا تَرْجِيحٍ.
(الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِي كَيْفِيَّةِ قِتَالِهِمْ وَالْمَقْصُودُ بِهِ رَدُّهُمْ إلَى الطَّاعَةِ) لَا نَفْيُهُمْ، وَقَتْلُهُمْ فَيُقَاتَلُونَ (كَالصَّائِلِ فَلَا يُقَاتِلُهُمْ) الْإِمَامُ (حَتَّى) يَبْعَثَ إلَيْهِمْ أَمِينًا فَطِنًا نَاصِحًا (يَسْأَلُهُمْ مَا يَنْقِمُونَ) أَيْ يَكْرَهُونَ (فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلَمَةٌ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا (أَوْ شُبْهَةً أَزَالَهَا) عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا بَعَثَ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إلَى أَهْلِ النَّهْرَوَانِ فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ إلَى الطَّاعَةِ (فَإِنْ أَبَوْا) عَنْ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْإِزَالَةِ (وَعَظَهُمْ) ، وَأَمَرَهُمْ بِالْعَوْدِ إلَى الطَّاعَةِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ أَهْلِ الدِّينِ وَاحِدَةً (ثُمَّ) إذَا لَمْ يَتَّعِظُوا (يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الْمُنَاظَرَةَ فَإِنْ أَصَرُّوا) عَلَى إبَائِهِمْ (آذَنَهُمْ) بِالْمَدِّ أَيْ أَعْلَمَهُمْ (بِالْقِتَالِ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ ثُمَّ بِالْقِتَالِ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ (فَإِنْ) وَفِي نُسْخَةٍ، وَإِنْ (اسْتَنْظَرُوهُ) أَيْ طَلَبُوا مِنْهُ الْإِنْظَارَ (وَلَهُ) فِيهِ (مَصْلَحَةٌ) بِأَنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ اسْتِنْظَارَهُمْ لِلتَّأَمُّلِ فِي إزَالَةِ الشُّبْهَةِ (أَنْظَرَهُمْ) بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ (لَا إنْ خَشِيَ مَضَرَّةً) بِأَنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ اسْتِنْظَارَهُمْ لِتَقَوِّيهِمْ كَاسْتِلْحَاقِ مَدَدٍ فَلَا يُنْظِرُهُمْ (وَإِنْ بَذَلُوا مَالًا وَرَهَنُوا أَوْلَادًا) وَنِسَاءً لِاحْتِمَالِ تَقَوِّيهِمْ وَاسْتِرْدَادِهِمْ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ بِأَهْلِ الْعَدْلِ ضَعْفٌ أَخَّرَ الْقِتَالَ لِلْخَطَرِ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ (فَإِنْ سَأَلُوا الْكَفَّ عَنْهُمْ حَالَ الْحَرْبِ لِيُطْلِقُوا أَسْرَانَا وَبَذَلُوا) بِذَلِكَ (رَهَائِنَ قَبِلْنَاهَا) اسْتِيثَاقًا وَاسْتِمَالَةً لِأَسْرَانَا (فَإِنْ قَتَلُوا الْأُسَارَى لَمْ تُقْتَلْ الرَّهَائِنُ) ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُهُمْ (بَلْ يُطْلِقُهُمْ كَأُسَارَاهُمْ) بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ فَإِنْ أَطْلَقُوهُمْ أَطْلَقْنَاهُمْ.
(فَإِنْ انْهَزَمُوا مُتَبَدِّدِينَ) أَيْ مُتَفَرِّقِينَ بِحَيْثُ بَطَلَتْ شَوْكَتُهُمْ وَاتِّفَاقُهُمْ (لَمْ نُتْبِعْهُمْ، وَلَوْ خِفْنَا أَنْ يَجْتَمِعُوا) فِي الْمَآلِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ؛ وَلِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِمَا يُتَوَقَّعُ (أَوْ) انْهَزَمُوا (مُجْتَمَعِينَ تَحْتَ رَايَةِ زَعِيمِهِمْ اتَّبَعْنَاهُمْ) حَتَّى يَرْجِعُوا إلَى الطَّاعَةِ أَوْ يَتَبَدَّدُوا (وَمَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ عَجْزًا) ، وَلَوْ غَيْرَ مُخْتَارٍ (أَوْ أَلْقَى سِلَاحَهُ تَارِكًا الْقِتَالَ لَمْ يُقْتَلْ) عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ لَمْ يُقَاتَلْ، وَهِيَ أَوْلَى، وَقَوْلُهُ كَأَصْلِهِ أَلْقَى سِلَاحَهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ لَوْ تَرَكَ الْقِتَالَ، وَهُوَ مَعَهُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِقِتَالِهِ الْكَفُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِالتَّرْكِ (وَيُقَاتَلُ مُوَلٍّ) ظَهْرَهُ (تَحَرَّفَ لِلْقِتَالِ أَوْ تَحَيَّزَ إلَى فِئَةٍ قَرِيبَةٍ لَا بَعِيدَةٍ) لِأَمْنِ غَائِلَتِهِ فِي الْبَعِيدَةِ دُونَ مَا قَبْلَهَا، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا يُتَوَقَّعُ.
(وَلَا يُقْتَلُ مُثْخِنُهُمْ) مَنْ أَثْخَنَهُ الْجُرْحُ أَيْ أَضْعَفَهُ (وَلَا أَسْرَاهُمْ) لِلنَّهْيِ عَنْهُمَا فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ (وَيَنْبَغِي أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَسْرَاهُمْ الرِّجَالِ (التَّوْبَةُ) وَبَيْعَةُ الْإِمَامِ (وَيُطْلَقُونَ بَعْدَ) انْقِضَاءِ (الْحَرْبِ) ، وَتَفَرُّقِ الْجَمْعِ (إلَّا إنْ خِيفَ عَوْدُهُمْ) إلَى الْقِتَالِ فَلَا يُطْلَقُونَ، وَقَوْلُهُ وَيَنْبَغِي إلَخْ مِنْ زِيَادَتِهِ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي وَبَعْضُهُ بِعَلَمِ مِمَّا يَأْتِي آخِرَ الْفَصْلِ بَلْ إنْ جُعِلَ ضَمِيرُ عَوْدِهِمْ لِلْبُغَاةِ لَا لِلْأُسَارَى فَذَلِكَ كُلُّهُ تَكْرَارٌ (فَلَوْ كَانُوا مُرَاهِقِينَ، وَعَبِيدًا وَنِسَاءً غَيْرَ مُقَاتِلِينَ أَوْ أَطْفَالًا أُطْلِقُوا بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِمْ الْبَيْعَةُ، وَإِنْ خِفْنَا عَوْدَهُمْ إلَى الْقِتَالِ إذْ لَا بَيْعَةَ لَهُمْ فَإِنْ كَانُوا مُقَاتِلِينَ فَهُمْ كَالرِّجَالِ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى نَصِّ الْأُمِّ مِنْ أَنَّهُمْ كَغَيْرِ الْمُقَاتِلِينَ (وَالْأَمْوَالُ) الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ (كَالْأَطْفَالِ) فَتُرَدُّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، وَإِنْ خِفْنَا عَوْدَهُمْ إلَى الْقِتَالِ (وَالْخَيْلُ وَالسِّلَاحُ كَالْأُسَارَى) فَيُرَدَّانِ إلَيْهِمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ إلَّا إنْ خِفْنَا عَوْدَهُمْ إلَى الْقِتَالِ (وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا) أَيْ الْأَمْوَالِ وَالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ فِي قِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ لِخَبَرِ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَأَنْ تَعَيَّنَ السِّلَاحُ لِلدَّفْعِ وَالْخَيْلُ لِلْهَزِيمَةِ (كَمَالِ)
[حاشية الرملي الكبير]
كَالْبُغَاةِ، وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ، وَلَوْ ارْتَدَّتْ طَائِفَةٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ فَأَتْلَفُوا مَالًا أَوْ نَفْسًا فِي الْقِتَالِ ثُمَّ تَابُوا، وَأَسْلَمُوا فَفِي ضَمَانِهِمْ الْقَوْلَانِ كَالْبُغَاةِ، وَقَوْلُهُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
[الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِي كَيْفِيَّةِ قِتَال الْبُغَاة]
(قَوْلُهُ: الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِي كَيْفِيَّةِ قِتَالِهِمْ إلَخْ) إنَّمَا يَجِبُّ قِتَالَهُمْ بِأَحَدِ خَمْسَةِ أُمُورٍ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِحَرِيمِ أَهْلِ الْعَدْلِ أَوْ يَتَعَطَّلَ جِهَادُ الْمُشْرِكِينَ بِهِمْ أَوْ يَأْخُذُوا مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ مَا لَيْسَ لَهُمْ أَوْ يَمْتَنِعُوا مِنْ دَفْعِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يَتَظَاهَرُوا عَلَى خَلْعِ الْإِمَامِ الَّذِي انْعَقَدَتْ بَيْعَتُهُ نَعَمْ لَوْ مَنَعُوا الزكاوات، وَقَالُوا نُفَرِّقُهَا فِي أَهْلِ السُّهْمَانِ مِنَّا فَفِي وُجُوبِ قِتَالِهِمْ قَوْلَانِ، وَقِيَاسُ قَوْلِهِ الْجَدِيدِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَلْ يُبَاحُ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ أَمِينًا إلَخْ) فِي كَوْنِ الْبَعْثِ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا خِلَافٌ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا الْأَوَّلِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ خَلَائِقُ وَنَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْمَبْعُوثِ أَمِينًا نَاصِحًا فَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ فَطِنًا فَالظَّاهِرُ كَمَا، قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَعَثَهُ لِمُجَرَّدِ السُّؤَالِ فَمُسْتَحَبٌّ أَوْ لِلْمُنَاظَرَةِ، وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأَهُّلِهِ لِذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ هَذَا مَنْقُولًا وَلَكِنَّهُ ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ كَمَا، قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَبَوْا، وَعَظَهُمْ ثُمَّ يَعْرِضُ الْمُنَاظَرَةَ إلَخْ) قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُرَاعَاةُ هَذَا التَّدْرِيجِ فِي الْقِتَالِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ فَقَالَ سَبِيلُهُ سَبِيلُ دَفْعِ الصَّائِلِ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى فَإِذَا أَمْكَنَ الدَّفْعُ بِالْقَوْلِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ بِالْيَدِ مِنْ غَيْرِ شَهْرِ السِّلَاحِ، وَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَمْكَنَ الْأَمْرُ لَا يَدُلُّ إلَى خُرُوجِ الْأَمْرِ عَنْ الضَّبْطِ (قَوْلُهُ: أَيْ أَعْلَمَهُمْ) وُجُوبًا (قَوْلُهُ: بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ) فَلَا تَتَقَدَّرُ مُدَّةُ الْإِمْهَالِ وَفِي التَّهْذِيبِ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ وَفِي الْمُهَذَّبِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَفِي الْعُمْدَةِ لِلْفُورَانِيِّ إنْ رَجَا رُجُوعَهُمْ، وَتَوْبَتَهُمْ أَنْظَرَهُمْ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ، وَكَذَلِكَ إنْ رَأَى فِي أَهْلِ الْعَدْلِ ضَعْفًا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ انْهَزَمُوا مُتَبَدِّدِينَ لَمْ نُتْبِعْهُمْ) فَلَا يُقَاتَلُ مُدْبِرُهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُثْخِنُهُمْ، وَأَسِيرُهُمْ فَقَدْ أَمَرَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُنَادِيهِ يَوْمَ الْبَصْرَةِ لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾ [الحجرات: 9] وَالْفَيْئَةُ الرُّجُوعُ عَنْ الْقِتَالِ بِالْهَزِيمَةِ؛ وَلِأَنَّ قَتْلَهُمْ شُرِعَ لِلدَّفْعِ عَنْ مَنْعِ الطَّاعَةِ، وَقَدْ زَالَ (قَوْلُهُ: كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا أَسِيرَ لَهُمْ) شَمَلَ مَا إذَا أَيِسَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاحِهِمْ لِتَمَكُّنِ الضَّلَالَةِ مِنْهُمْ وَخَشِيَ مِنْ شَرِّهِمْ (قَوْلُهُ: لِلنَّهْيِ عَنْهُمَا) فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّ الْمُدْبِرَ حَقِيقَةً مَنْ وَلَّى عَنْ الْحَرْبِ وَسَقَطَتْ شَوْكَتُهُ وَأُمِنَتْ غَائِلَتُهُ
أَيْ كَمَا لَا يَجُوزُ أَكْلُ مَالِ (الْغَيْرِ) إلَّا لِضَرُورَةٍ بِأَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ، وَقَضِيَّتُهُ وُجُوبُ أُجْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْقِتَالِ لِلضَّرُورَةِ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ خِلَافُهُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَنْوَارِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ لِمَا يَتْلَفُ فِي الْقِتَالِ وَيُفَارِقُ مَسْأَلَةَ الْمُضْطَرِّ بِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِيهِ نَشَأَتْ مِنْ الْمُضْطَرِّ بِخِلَافِهَا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهَا إنَّمَا نَشَأَتْ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ.
(وَلَا نُقَاتِلُهُمْ بِمَا يَعُمُّ) وَيَعْظُمُ أَثَرُهُ (كَالْمَنْجَنِيقِ وَالنَّارِ) ، وَإِرْسَالِ السُّيُولِ الْجَارِفَةِ (وَلَوْ تَعَذَّرَ الِاسْتِيلَاءُ) عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَأَنْ تَحَصَّنُوا بِبَلْدَةٍ، وَلَمْ يَتَأَتَّ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِمْ إلَّا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِقِتَالِهِمْ رَدُّهُمْ إلَى الطَّاعَةِ، وَقَدْ يَرْجِعُونَ فَلَا يَجِدُونَ لِلنَّجَاةِ سَبِيلًا؛ وَلِأَنَّ تَرْكَ بَلْدَةٍ بِأَيْدِي طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَتَوَقَّعُ الِاحْتِيَالُ فِي فَتْحِهَا أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ مِنْ اسْتِئْصَالِهِمْ (إلَّا لِضَرُورَةِ دَفْعٍ) بِأَنْ خِيفَ اسْتِئْصَالُنَا بِهِمْ بِأَنْ أَحَاطُوا بِنَا وَاضْطُرِرْنَا إلَى دَفْعِهِمْ بِذَلِكَ أَوْ قَاتَلُونَا بِهِ وَاحْتَجْنَا إلَى دَفْعِهِمْ إلَى مِثْلِهِ فَيَجُوزُ أَنْ نُقَاتِلَهُمْ بِهِ (وَيَتَجَنَّبُ) الْعَادِلُ نَدْبًا (قَرِيبَهُ) الْبَاغِي أَيْ قِتَالَهُ (مَا أَمْكَنَ) بَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ.
(وَتَحْرُمُ الِاسْتِعَانَةُ) عَلَيْهِمْ (بِكَافِرٍ) ، وَلَوْ ذِمِّيًّا إذْ لَا يَجُوزُ تَسْلِيطُهُ عَلَيْنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَدُّهُمْ إلَى الطَّاعَةِ وَالْكُفَّارِ يَدِينُونَ بِقَتْلِهِمْ نَعَمْ يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمُتَوَلِّي، وَقَالُوا إنَّهُ مُتَّجَهٌ (وَكَذَا) يَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَا يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ الِاسْتِعَانَةُ عَلَيْهِمْ (بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ) لِعَدَاوَةٍ أَوْ لِاعْتِقَادٍ كَالْحَنَفِيِّ إبْقَاءً عَلَيْهِمْ، وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَوَازِ اسْتِخْلَافِ الشَّافِعِيِّ الْحَنَفِيَّ وَنَحْوِهِ بِأَنَّ الْخَلِيفَةَ يَنْفَرِدُ بِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَالْمَذْكُورُونَ هُنَا تَحْتَ رَأْيِ الْإِمَامِ فَفِعْلُهُمْ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلُوا بِخِلَافِ اجْتِهَادِهِ (إلَّا إنْ احْتَجْنَاهُمْ) أَيْ احْتَجْنَا إلَى مَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ (وَلَهُمْ إقْدَامٌ) أَيْ حُسْنُ إقْدَامٍ (وَجَرَاءَةٍ، وَأَمْكَنَ) دَفْعُهُمْ عَنْهُمْ لَوْ اتَّبَعُوهُمْ بَعْدَ انْهِزَامِهِمْ زَادَ الْمَاوَرْدِيُّ وَشَرَطْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُتْبِعُوا مُدْبِرًا، وَلَا يَقْتُلُوا جَرِيحًا وَنَثِقُ بِوَفَائِهِمْ بِذَلِكَ.
(وَإِنْ قُتِلَ) وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ (أَسِيرُهُمْ أَوْ مُثْخِنُهُمْ) أَوْ مُدْبِرُهُمْ أَوْ ذُفِّفَ جَرِيحُهُمْ (فَلَا قِصَاصَ لِشُبْهَةِ) تَجْوِيزِ (أَبِي حَنِيفَةَ) قَتْلَهُ (وَلَا يُطْلَقُ أَسِيرُهُمْ، وَجُمُوعُهُمْ بَاقِيَةٌ) ، وَلَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ (إلَّا إنْ تَابَ وَبَايَعَ) الْإِمَامَ، وَلَفْظُ تَابَ مِنْ زِيَادَتِهِ (، وَإِنْ تَفَرَّقُوا أُطْلِقَ) الْأَسِيرُ، وَلَوْ تَوَقَّعَ عَوْدَهُمْ (وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِضَ عَلَى الْأَسِيرِ) مِنْهُمْ (الْبَيْعَةَ) لِلْإِمَامِ.
[فَصْلٌ عَقَدَ الْبُغَاةُ ذِمَّةً الْحَرْبِيِّينَ لِيُعِينُوهُمْ عَلَيْنَا]
(فَصْلٌ: لَوْ عَقَدَ الْبُغَاةُ ذِمَّةً) أَيْ أَمَانًا (الْحَرْبِيِّينَ لِيُعِينُوهُمْ) عَلَيْنَا (نَفَذَتْ فِي حَقِّهِمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُمْ (لَا) فِي (حَقِّنَا) ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ لِتَرْكِ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَنْعَقِدُ بِشَرْطِ الْقِتَالِ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَإِذَا حَارَبُونَا مَعَهُمْ لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُهُمْ فِي حَقِّهِمْ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَمِنَ شَخْصٌ مُشْرِكًا فَقَصَدَ مُسْلِمًا أَوْ مَالَهُ فَلِمُؤَمِّنِهِ مُجَاهَدَتُهُ؛ لِأَنَّ تَأْمِينَهُ لِيَكُفَّ عَنْ الْكُلِّ فَانْتَقَضَ بِقِتَالِ أَحَدِهِمْ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ مَعَ الْبُغَاةِ أَمَّا إذَا عَقَدُوهَا لَهُمْ بِغَيْرِ شَرْطِ إعَانَتِهِمْ عَلَيْنَا فَيَنْفُذُ فِي حَقِّنَا أَيْضًا فَإِذَا اعْتَانُوا بِهِمْ عَلَيْنَا انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ فِي حَقِّنَا نَصَّ عَلَيْهِ وَالْقِيَاسُ انْتِقَاضُهُ فِي حَقِّهِمْ أَيْضًا (فَمَا أَتْلَفُوهُ عَلَى الْبُغَاةِ لَا عَلَيْنَا ضَمِنُوهُ) لِصِحَّةِ الْأَمَانِ فِي حَقِّهِمْ لَا فِي حَقِّنَا (وَنَسْتَبِيحُهُمْ) نَحْنُ بِأَنْ نَغْنَمَ أَمْوَالَهُمْ وَنَسْتَرِقَّهُمْ وَنَسَبِي نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَنَقْتُلَ مُدْبِرَهُمْ وَنُذَفِّفَ عَلَى جَرِيحِهِمْ (وَنَقْتُلُ أَسِيرَهُمْ) بِخِلَافِ الْبُغَاةِ، وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ وَنَقْتُلُ أَسِيرَهُمْ لِدُخُولِهِ فِيمَا قَبْلَهُ (فَلَوْ قَالُوا) أَيْ الْحَرْبِيُّونَ (ظَنَنَّاهُمْ) أَيْ الْبُغَاةَ (الْمُحِقِّينَ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَإِنَّ لَنَا إعَانَةَ الْمُحِقِّينَ (أَوْ ظَنَنَّا جَوَازَ الْإِعَانَةِ) لَهُمْ فِي قِتَالِكُمْ أَوْ أَنَّهُمْ اسْتَعَانُوا بِنَا
[حاشية الرملي الكبير]
قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ وُجُوبُ أُجْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْقِتَالِ لِلضَّرُورَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَتَجِبُ أُجْرَتُهَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا لِلضَّرُورَةِ وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُضْمَنُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا مِنْ طَعَامِهِمْ.
اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَنْوَارِ) عِبَارَتُهُ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْقِتَالِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَإِلَّا فَتَلْزَمُهُمْ الْأُجْرَةُ.
اهـ. وَعِبَارَةُ الْمُتَوَلِّي لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي قِتَالِهِمْ، وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ، وَلَوْ فَعَلُوهُ ضَمِنُوا أَجْرَ الْمِثْلِ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَتَجِبُ أُجْرَتُهَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا لِلضَّرُورَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ.
(قَوْلُهُ: وَالنَّارُ) فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّهَا» (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِقِتَالِهِمْ رَدُّهُمْ إلَخْ) ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ مِثْلُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ (قَوْلُهُ: بَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ كَمَا، قَالَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ.
[الِاسْتِعَانَةُ عَلَى الْبُغَاة بِكَافِرٍ]
قَوْلُهُ: (وَالْكُفَّارُ يَدِينُونَ بِقَتْلِهِمْ) مُقْبِلِهِمْ وَمُدْبِرِهِمْ، وَجَرِيحِهِمْ، وَأَسِيرِهِمْ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَاصِرَهُمْ وَيَمْنَعَهُمْ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ (قَوْلُهُ: نَعَمْ تَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ) مَوْضِعُ الْمَنْعِ فِيمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَرَى مَا رَأَيْنَاهُ فِيهِمْ كَمَا قَيَّدَهُ الْإِمَامُ، وَإِلَّا فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِيمَا يَرَاهُ مَذْهَبًا، وَقَوْلُهُ كَمَا قَيَّدَهُ الْإِمَامُ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: زَادَ الْمَاوَرْدِيُّ وَشَرَطْنَا عَلَيْهِمْ إلَخْ) ، قَالَ شَيْخُنَا الْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ إذْ قُوَّتُنَا، وَهُوَ إمْكَانُ دَفْعِهِمْ فِيهَا غُنْيَةً عَنْ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: لَوْ عَقَدَ الْبُغَاةُ ذِمَّةً، وَأَمَانًا لِحُرٍّ أَيْ بَيْنَ إلَخْ) اقْتَضَى كَلَامُهُمْ أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِهِمْ لَيْسَتْ بِأَمَانٍ لَهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ وَصَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي، وَقَالَ إذَا اسْتَعَانُوا بِهِمْ، وَلَمْ يَعْقِدُوا لَهُمْ أَمَانًا فَكَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِقِتَالِنَا فِي سَبْيِهِمْ وَاغْتِنَامِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْبُغَاةِ، وَقَوْلُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَنْعَقِدُ بِشَرْطِ الْقِتَالِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَ عَقَدَ بِقِتَالِنَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى قِتَالِنَا؛ وَلِأَنَّ عَقْدَ الْأَمَانِ يَقْتَضِي وُجُودَهُ فِي الطَّرَفَيْنِ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْكِفَايَةِ، وَإِذَا حَارَبُونَا مَعَهُمْ لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُهُمْ فِي حَقِّهِمْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَالْقِيَاسُ انْتِقَاضُهُ فِي حَقِّهِمْ أَيْضًا) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَإِنَّ لَنَا إعَانَةَ الْمُحِقِّينَ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: الْمَشْهُورُ الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ
فِي قِتَالِ كُفَّارٍ وَأَمْكَنَ صِدْقُهُمْ فِيمَا قَالُوهُ (بُلِّغُوا الْمَأْمَنَ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْبُغَاةِ) فِي الْقِتَالِ فَلَا نَسْتَبِيحُهُمْ لِلْأَمَانِ مَعَ عُذْرِهِمْ (فَإِنْ أَعَانَهُمْ) عَلَيْنَا (ذِمِّيُّونَ أَوْ مُسْتَأْمَنُونَ مُخْتَارِينَ عَالِمِينَ بِالتَّحْرِيمِ) لِقِتَالِهِمْ لَنَا (انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ فِي حَقِّنَا وَحَقِّ الْبُغَاةِ) ، وَلَوْ قَالُوا ظَنَنَّاهُمْ الْمُحِقِّينَ كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِالْقِتَالِ، وَالتَّصْرِيحُ بِالْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ فِي الْمُسْتَأْمَنِينَ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَلَهُمْ) الْأَوْلَى فَلَهُمْ (حُكْمُ أَهْلِ الْحَرْبِ) فَنَسْتَبِيحُهُمْ نَحْنُ وَالْبُغَاةُ، وَنَقْتُلُ أَسِيرَهُمْ، وَلَوْ أَتْلَفُوا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِتَالِ شَيْئًا لَمْ يَضْمَنُوهُ.
(وَإِنْ ذَكَرُوا عُذْرًا) فِي إعَانَتِهِمْ إيَّاهُمْ بِأَنْ قَالُوا ظَنَنَّا أَنَّهُمْ الْمُحِقُّونَ، وَأَنَّ لَنَا إعَانَةَ الْمُحِقِّينَ أَوْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا إعَانَتُهُمْ أَوْ أَنَّهُمْ اسْتَعَانُوا بِنَا فِي قِتَالِ كُفَّارٍ وَأَمْكَنَ صِدْقُهُمْ أَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُكْرَهِينَ (لَمْ يُنْتَقَضْ) عَهْدُهُمْ لِمُوَافَقَتِهِمْ طَائِفَةً مُسْلِمَةً مَعَ عُذْرِهِمْ (لَا الْمُسْتَأْمَنَ) الشَّامِلُ لِلْمُعَاهَدِ فِي دَعْوَاهُ الْإِكْرَاهَ (فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ) فِي عَدَمِ انْتِقَاضِ أَمَانِهِ (إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِإِكْرَاهِهِ) فَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا انْتَقَضَ؛ لِأَنَّ أَمَانَهُ يُنْتَقَضُ بِخَوْفِ الْقِتَالِ فَبِحَقِيقَتِهِ أَوْلَى بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ (وَيُقَاتَلُونَ) أَيْ الَّذِينَ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُمْ (كَالْبُغَاةِ لَكِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ) مَا أَتْلَفُوهُ عَلَيْنَا مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ أَتْلَفُوهُ فِي الْحَرْبِ أَمْ لَا بِخِلَافِ الْبُغَاةِ كَمَا مَرَّ اسْتِمَالَةً لِقُلُوبِهِمْ لِئَلَّا يُنَفِّرَهُمْ الضَّمَانُ؛ وَلِأَنَّ لَهُمْ تَأْوِيلًا، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَالْأَمَانِ فِي قَبْضَتِنَا، وَلَا تَأْوِيلَ لَهُمْ (وَهَلْ يُقْتَصُّ مِنْهُمْ) إذَا قَتَلُوا نَفْسًا فِي الْحَرْبِ (وَجْهَانِ) قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الْمَشْهُورُ الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ، وَصَحَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَقَالَ إنَّهُ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ.
(وَلَوْ حَارَبَ ذِمِّيُّونَ بُغَاةً لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ حَارَبُوا مَنْ عَلَى الْإِمَامِ مُحَارَبَتُهُ، وَيُقَاسُ بِهِمْ الْمُسْتَأْمَنُونَ.
(فَصْلٌ) لَوْ (اقْتَتَلَ طَائِفَتَانِ بَاغِيَتَانِ مَنَعَهُمَا الْإِمَامُ) مِنْ الِاقْتِتَالِ فَلَا يُعِينُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ مَنْعِهِمَا (قَاتَلَ أَشَرَّهُمَا بِالْأُخْرَى) الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ (فَإِنْ رَجَعَتْ) مَنْ قَاتَلَهَا إلَى الطَّاعَةِ (لَمْ يُفَاجِئْ الْأُخْرَى بِالْقِتَالِ حَتَّى يُنْذَرَهَا) أَيْ يَدْعُوهَا إلَى الطَّاعَةِ (لِأَنَّهَا) بِاسْتِعَانَتِهِ بِهَا صَارَتْ (فِي أَمَانِهِ فَإِنْ اسْتَوَتَا اجْتَهَدَ) فِيهِمَا (وَقَاتَلَ الْمَضْمُومَةَ) مِنْهُمَا إلَيْهِ الْأُخْرَى (غَيْرَ قَاصِدٍ إعَانَتَهَا) بَلْ قَاصِدًا دَفَعَ الْأُخْرَى، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ اسْتَوَيَا ضَمَّ إلَيْهِ أَقَلُّهُمَا جَمْعًا ثُمَّ أَقَرَّ بِهِمَا دَارًا ثُمَّ يَجْتَهِدُ (، وَعَلَى الْعَادِلِ) مِنَّا (مُصَابَرَةُ بَاغِيَيْنِ) فِي الْجَمَاعَةِ كَمَا فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ فَلَا يُوَلِّي عَنْهُمَا إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ.
(وَإِنْ غَزَا الْبُغَاةُ مَعَ الْإِمَامِ) مُشْرِكِينَ (فَكَأَهْلِ الْعَدْلِ فِي) حُكْمِ (الْغَنَائِمِ، وَإِنْ وَادَعُوا) أَيْ الْبُغَاةُ أَيْ عَاهَدُوا (مُشْرِكًا اجْتَنَبْنَاهُ) بِأَنْ لَا نَقْصِدَهُ بِمَا يُقْصَدُ بِهِ الْحَرْبِيُّ غَيْرُ الْمُعَاهَدِ (وَيُسْتَنْقَذُ) وُجُوبًا (مِنْهُمْ سَبَايَا مُشْرِكِينَ أَمَنَّاهُمْ وَمَنْ تَعَمَّدَ قَتْلَ بَاغٍ أَمَّنَهُ عَادِلٌ، وَلَوْ) كَانَ الْمُؤَمِّنُ لَهُ (عَبْدًا) أَوْ امْرَأَةً (اقْتَصَّ مِنْهُ أَوْ قَتَلَهُ جَاهِلًا) بِأَمَانِهِ (فَالدِّيَةُ) تَلْزَمُهُ (وَيُسْتَنْقَذُ) وُجُوبًا (أَسِيرُ الْبُغَاةِ مِنْ الْكُفَّارِ) إنْ قَدَرْنَا عَلَى اسْتِنْقَاذِهِ.
(وَإِنْ قَتَلَ عَادِلٌ عَادِلًا فِي الْقِتَالِ، وَقَالَ ظَنَنْته بَاغِيًا حَلَفَ وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ) لَا الْقِصَاصُ لِلْعُذْرِ.
[كِتَابُ الرِّدَّةِ]
[الْبَاب الْأَوَّل حَقِيقَة الرِّدَّةِ]
[الطَّرَف الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَة الرِّدَّة]
(كِتَابُ الرِّدَّةِ) . (هِيَ) لُغَةً الرُّجُوعُ عَنْ الشَّيْءِ إلَى غَيْرِهِ وَشَرْعًا مَا سَيَأْتِي، وَهِيَ (أَفْحَشُ الْكُفْرِ، وَأَغْلَظُهُ حُكْمًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: 217] الْآيَةَ وَلِقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85] وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (وَفِيهِ بَابَانِ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَتِهَا) وَمَنْ تَصِحُّ مِنْهُ وَفِيهِ طَرَفَانِ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَتِهَا، وَهَذَا سَقَطَ مِنْ نُسْخَةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِقَوْلِهِ بَعْد