أسنى المطالب في شرح روض الطالبصفحات 210-211

(الْبَابُ الثَّالِثُ) (فِيمَا تُتْلِفُهُ الْبَهَائِمُ)

صفحات 210-211
عن هذه الطبعة
عَلَم
الأنصاري، زكريا
الكتاب
أسنى المطالب في شرح روض الطالب
المؤلف
زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
عدد الأجزاء
4
الناشر
دار الكتاب الإسلامي
الطبعة
بدون طبعة وبدون تاريخ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومعه حاشية الرملي الكبير]

[كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَفِيهِ طَرَفَانِ]

[الطَّرَف الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِ الْجِزْيَةِ]

[الرُّكْن الْأَوَّلُ الْعَاقِدُ]

(كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ) لِلْكُفَّارِ تُطْلَقُ الْجِزْيَةُ عَلَى الْعَقْدِ وَعَلَى الْمَالِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُجَازَاةِ لِكَفِّنَا عَنْهُمْ وَقِيلَ مِنْ الْجَزَاءِ بِمَعْنَى الْقَضَاءِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48] أَيْ لَا تَقْضِي وَيُقَالُ جَزَيْت دَيْنِي أَيْ قَضَيْته وَجَمْعُهَا جِزَىً كَقَرْيَةٍ وَقُرًى وَالْعُقُودُ الَّتِي تُفِيدُ الْكَافِرَ الْأَمْنَ ثَلَاثَةٌ: أَمَانٌ وَهُدْنَةٌ وَجِزْيَةٌ؛ لِأَنَّ التَّأْمِينَ إنْ تَعَلَّقَ بِمَحْصُورٍ فَهُوَ الْأَمَانُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوْ بِغَيْرِ مَحْصُورٍ كَأَهْلِ إقْلِيمٍ أَوْ بَلَدٍ فَإِنْ كَانَ إلَى غَايَةٍ فَهُوَ الْهُدْنَةُ وَسَتَأْتِي أَوَّلًا إلَى غَايَةٍ فَهُوَ الْجِزْيَةُ وَهُمَا مُخْتَصَّانِ بِالْإِمَامِ بِخِلَافِ الْأَمَانِ كَمَا مَرَّ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ تَأْمِينَ الْإِمَامِ غَيْرُ مَحْصُورَيْنِ لَا يُسَمَّى أَمَانًا، وَإِنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَصِحُّ فِي مَحْصُورِينَ وَلَيْسَ مُرَادًا وَالْأَصْلُ فِي الْجِزْيَةِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 29] إلَى قَوْلِهِ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] وَقَدْ «أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي أَخْذِهَا مَعُونَةً لَنَا وَإِهَانَةً لَهُمْ وَرُبَّمَا يَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْلَامِ (وَفِيهِ طَرَفَانِ الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهَا، وَهِيَ خَمْسَةٌ) عَاقِدٌ وَصِيغَةٌ وَمَعْقُودٌ لَهُ وَمَكَانٌ وَمَالٌ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ (الْأَوَّلُ الْعَاقِدُ، وَهُوَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ وَعَلَيْهِ الْإِجَابَةُ) لَهُمْ (إنْ طَلَبُوا) عَقْدَهَا (وَأَمِنَ مَكْرَهُمْ) سَوَاءٌ أَرَأَى فِيهَا مَصْلَحَةً أَمْ لَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29] وَلِلْأَمْرِ بِهِ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَطْلُبُوا أَوْ خَافَ مَكْرَهُمْ فَلَا يُجِيبُهُمْ (فَإِنْ عَقَدَ) هَا لَهُمْ (غَيْرُهُ) مِنْ الْآحَادِ (لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ فَيَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ (وَ) لَكِنْ (يَبْلُغُونَ الْمَأْمَنَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَعْقُودِ لَهُ، وَإِنْ أَقَامَ سَنَةً فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَغْوٌ وَلَوْ قَالَ عَلَيْهِمْ كَانَ أَنْسَبَ (وَيَكْتُبُ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (بَعْدَ الْعَقْدِ أَسْمَاءَهُمْ وَأَدْيَانَهُمْ وَحُلَاهُمْ) هَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ هُنَا، وَهُوَ تَكْرَارٌ فَقَدْ ذَكَرَهُ كَأَصْلِهِ مَعَ زِيَادَةٍ آخِرَ الْكِتَابِ

(الرُّكْنُ الثَّانِي الصِّيغَةُ) كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَهِيَ (كَأَقْرَرْتُكُمْ أَوْ أَذِنْت لَكُمْ فِي الْإِقَامَةِ بِدَارِنَا) مَثَلًا (عَلَى الِانْقِيَادِ لِلْحُكْمِ) أَيْ حُكْمِنَا الَّذِي يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ دُونَ غَيْرِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنِكَاحِ الْمَجُوسِ الْمَحَارِمَ (وَيَذْكُرُ) لَهُمْ فِي الْعَقْدِ (الْجِزْيَةَ) أَيْ الْتِزَامَهَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِانْقِيَادَ وَالْجِزْيَةَ كَالْعِوَضِ عَنْ التَّقْرِيرِ فَيَجِبُ ذِكْرُهُمَا كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ وَفَسَّرَ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ فِي الْآيَةِ بِالْتِزَامِهَا وَالصَّغَارَ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِنَا قَالُوا وَأَشَدُّ الصَّغَارِ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَعْتَقِدُهُ وَيَضْطَرُّ إلَى احْتِمَالِهِ (وَيُشْتَرَطُ تَقْدِيرُهَا) كَالثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ (لَا التَّعَرُّضُ لِلْكَفِّ) أَيْ لِكَفِّهِمْ (عَنْ اللَّهِ) تَعَالَى (وَرَسُولِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لِدُخُولِهِ فِي) ذِكْرِ (الِانْقِيَادِ وَلَا بُدَّ) فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ (مِنْ لَفْظٍ دَالٍّ عَلَى الْقَبُولِ) كَمَا فِي الْإِيجَابِ (كَرَضِيتُ وَقَبِلْت) وَقَوْلُهُ (وَنَحْوِهِ) مِنْ زِيَادَتِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَيَكْتَفِي بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ وَبِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ اتِّصَالُ الْقَبُولِ بِالْإِيجَابِ كَالْبَيْعِ لَكِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَقْرُبُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ (وَيَلْزَمُ) الْعَقْدُ (بِقَوْلِهِ) أَيْ الْكَافِرِ (قَرِّرْنِي بِكَذَا فَقَرَّرَهُ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيجَابَ كَالْقَبُولِ (فَإِنْ عَقَدَهَا مُؤَقَّتًا) بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ (أَوْ) مَجْهُولٍ كَأَنْ (قَالَ) أَقْرَرْتُكُمْ (مَا شِئْنَا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ) أَوْ زِيدَ أَوْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ (لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ مُؤَقَّتًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ» فَإِنَّمَا جَرَى فِي الْمُهَادَنَةِ حِينَ وَادَعَ يَهُودَ خَيْبَرَ لَا فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالْوَحْيِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ التَّأْبِيدِ بَلْ يَجُوزُ الْإِطْلَاقُ، وَهُوَ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ (أَوْ) قَالَ أَقْرَرْتُكُمْ (مَا شِئْتُمْ صَحَّ) ؛ لِأَنَّ لَهُمْ نَبْذَ الْعَقْدِ مَتَى شَاءُوا فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا التَّصْرِيحُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ (بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ) لَا تَصِحُّ بِهَذَا اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ عَقْدَهَا عَنْ مَوْضُوعِهِ مِنْ كَوْنِهِ مُؤَقَّتًا إلَى مَا يَحْتَمِلُ تَأْبِيدَهُ الْمُنَافِيَ لِمُقْتَضَاهُ

(فَرْعٌ) لَوْ (أَقَامَ مَنْ عَقَدَ لَهُ الْإِمَامُ) أَوْ نَائِبُهُ الْجِزْيَةَ

[حاشية الرملي الكبير]

كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ) (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعِظَامِ فَاخْتَصَّ بِمَنْ لَهُ النَّظَرُ الْعَامُّ؛ وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ فِي الْمَالِ الْمُسْتَفَادِ بِهَذَا الْعَقْدِ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ وِلَايَةُ الْعَقْدِ لَهُمَا كَالْعَقْدِ عَلَى مَالِ الْيَتِيمِ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَغْوٌ) أَيْ بَاطِلٌ لَا فَاسِدٌ

[الرُّكْنُ الثَّانِي الصِّيغَةُ]

(قَوْلُهُ كَأَقْرَرْتُكُمْ أَوْ أُقِرُّكُمْ) وَالْمُضَارِعُ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ يَقْتَضِي الْوَعْدَ لَكِنْ الْمُرَادُ بِهِ الْإِنْشَاءُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ التَّجَرُّدِ مِنْ الْقَرَائِنِ يَكُونُ لِلْحَالِ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ صِيغَةَ الْمُضَارِعِ تَأْتِي لِلْإِنْشَاءِ كَأَشْهَدُ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ بِدَارِنَا مَثَلًا) وَإِلَّا فَقَدْ يُقِرُّهُمْ بِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْمُرَادُ بِدَارِنَا غَيْرُ الْحِجَازِ لِمَا سَيَأْتِي وَلَا بُدَّ مِنْهُ إنْ عَقَدَ مُطْلَقًا وَالْخِطَابُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَلَوْ عَقَدَ لِغَائِبِينَ فَقَبِلُوهُ عِنْدَ بُلُوغِهِمْ الْخَبَرَ جَازَ (قَوْلُهُ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ) وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَغَرَامَةِ الْمُتْلَفَاتِ (قَوْلُهُ وَنَحْوَهُ) أَيْ نَحْوَ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ اتِّصَالُ الْقَبُولِ بِالْإِيجَابِ) فَلَوْ عَقَدَ لِغَائِبِينَ فَرَضُوا بِذَلِكَ عِنْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ جَازَ (قَوْلُهُ لَكِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَقْرُبُ إلَخْ) أَشَارَ شَيْخُنَا إلَى تَضْعِيفِهِ (قَوْلُهُ وَيَلْزَمُ بِقَوْلِهِ قَرِّرْنِي بِكَذَا) أَوْ أَمِّنِّي عَلَى كَذَا (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيجَابَ كَالْقَبُولِ) وَنَصَّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِقَوْلِهِ سَأَلْتُك أَنْ تُؤَمِّنَنِي فَأَمَّنَهُ (قَوْلُهُ فَإِنْ عَقَدَهَا مُؤَقَّتًا إلَخْ) هَلْ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَقَّتَ بِزَمَانٍ لَا يَعِيشُ الذِّمِّيُّ أَكْثَرَ مِنْهُ قَطْعًا كَذَلِكَ أَمْ لَا فِيهِ احْتِمَالَانِ مَأْخُوذَانِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ بِمَعَانِيهَا قَالَ شَيْخُنَا الْأَقْرَبُ هُنَا اعْتِبَارُ الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مُؤَقَّتًا، وَهُوَ مُفْسِدٌ (قَوْلُهُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

بِدَارِنَا (سَنَةً) فَأَكْثَرَ (بِعَقْدٍ فَاسِدٍ سَقَطَ الْمُسَمَّى) لِفَسَادِ الْعَقْدِ (وَوَجَبَ لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ) ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجِزْيَةِ (وَبَلَغَ الْمَأْمَنَ أَوْ) أَقَامَ كَافِرٌ سَنَةً فَأَكْثَرَ (بِغَيْرِ عَقْدٍ فَلَا مَالَ) عَلَيْهِ لِمَا مَضَى بِخِلَافِ مَنْ سَكَنَ مِنْ الْمُلْتَزِمِينَ لِلْأَحْكَامِ دَارًا غَصْبًا كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّ عِمَادَ الْجِزْيَةِ الْقَبُولُ، وَهَذَا الْحَرْبِيُّ لَمْ يَلْتَزِمْ شَيْئًا بِخِلَافِ الْغَاصِبِ (وَجَازَ) لَنَا (اغْتِيَالُهُ) أَيْ قَتْلُهُ غِيلَةً (وَاسْتِرْقَاقُهُ وَأَخْذُ مَالِهِ) وَيَكُونُ فَيْئًا (وَالْمَنُّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ) بِخِلَافِ سَبَايَا الْحَرْبِ وَأَمْوَالِهَا؛ لِأَنَّ الْغَانِمِينَ مَلَكُوهَا فَاشْتُرِطَ اسْتِرْضَاؤُهُمْ (وَيَلْزَمُ الْمَالُ) أَيْ الْأُجْرَةُ (مَنْ سَكَنَ) دَارًا (غَصْبًا) كَمَا تَقَرَّرَ (وَمَتَى مَنَّ عَلَيْهِ وَبَذَلَ الْجِزْيَةَ قُبِلَتْ) مِنْهُ وُجُوبًا

(وَإِذَا بَذَلَهَا الْأَسِيرُ حَرُمَ قَتْلُهُ) ؛ لِأَنَّ بَذْلَهَا يَقْتَضِي حَقْنَ الدَّمِ كَمَا لَوْ بَذَلَهَا قَبْلَ الْأَسْرِ (لَا اسْتِرْقَاقُهُ) فَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَعْظَمُ مِنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ وَالْإِسْلَامُ بَعْدَ الْأَسْرِ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِرْقَاقَ فَقَبُولُ الْجِزْيَةِ أَوْلَى أَنْ لَا يُمْنَعَ وَمَالُهُ مَغْنُومٌ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ

(فَرْعٌ) لَوْ (قَالَ) مَنْ رَأَيْنَاهُ فِي دَارِنَا (دَخَلْت لِسَمَاعِ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ بِأَمَانِ مُسْلِمٍ أَوْ لِأَدَاءِ رِسَالَةٍ وَلَوْ وَعِيدًا) أَيْ وَلَوْ فِي وَعِيدٍ وَتَهْدِيدٍ (صُدِّقَ) فَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ سَوَاءٌ أَكَانَ مَعَهُ كِتَابٌ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ فَقَوْلُهُ مُوَافِقٌ لِلظَّاهِرِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا إذَا ادَّعَى ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ عِنْدَنَا أَسِيرًا وَإِلَّا لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (وَإِنْ اُتُّهِمَ حَلَفَ) احْتِيَاطًا وَذِكْرُ تَحْلِيفِ مَنْ دَخَلَ لِسَمَاعِ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ بِأَمَانٍ مُسَلَّمٌ مِنْ زِيَادَتِهِ

(الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْمَعْقُودُ لَهُ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ عَقْلٌ وَبُلُوغٌ وَحُرِّيَّةٌ وَذُكُورَةٌ وَكَوْنُهُ كِتَابِيًّا) أَوْ نَحْوَهُ مِمَّنْ يَأْتِي

(فَلَا جِزْيَةَ عَلَى مَجْنُونٍ) مُطْبَقٌ جُنُونُهُ؛ لِأَنَّهَا لِحَقْنِ الدَّمِ، وَهُوَ مَحْقُونُهُ (وَطَرَيَانُهُ) أَيْ الْجُنُونِ فِي أَثْنَاءِ الْعَامِ عَلَى الْمَعْقُودِ لَهُ (كَمَوْتِهِ) فِيهِ وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ (فَلَوْ تَقَطَّعَ) جُنُونُهُ (لَفَّقَ) زَمَنَهُ (إنْ أَمْكَنَ) كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ أَوْ وَيَوْمَيْنِ فَإِذَا تَمَّ زَمَنُ إفَاقَتِهِ عَامًا فَأَكْثَرَ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ اعْتِبَارًا لِلْأَزْمِنَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ بِالْأَزْمِنَةِ الْمُجْتَمِعَةِ أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ التَّلْفِيقَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمَجْنُونِ (وَلَا أَثَرَ لِيَسِيرِهِ) أَيْ زَمَنِ جُنُونِهِ (كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ) فَتُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَكَذَا لَا أَثَرَ لِيَسِيرِ زَمَنِ الْإِفَاقَةِ فِيمَا يَظْهَرُ

(وَلَوْ أُسِرَ) مَنْ لَمْ يَجُزْ مَعَهُ عَقْدٌ وَلَا أَمَانٌ (حَالَةَ جُنُونِهِ رُقَّ) فَلَا يُقْتَلُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْجُنُونِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أُسِرَ حَالَ إفَاقَتِهِ

(وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ وَرَقِيقٍ وَلَوْ مُبَعَّضًا) أَوْ مُكَاتَبًا لِمَا مَرَّ وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ لَا تَأْخُذُوا الْجِزْيَةَ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَجَّهَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» وَرَوَى «لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ» ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ وَالْمَالُ لَا جِزْيَةَ فِيهِ وَلَا جِزْيَةَ عَلَى سَيِّدِهِ بِسَبَبِهِ وَيُفَارِقُ الْمُبَعَّضُ مَنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُ بِأَنَّ الْجُنُونَ وَالْإِفَاقَةَ لَمْ يَجْتَمِعَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِهِ هُنَا

(فَإِنْ بَلَغَ) الصَّبِيُّ (أَوْ عَتَقَ) الْعَبْدُ وَطَلَبْنَا مِنْهُ الْجِزْيَةَ فَامْتَنَعَ (وَلَمْ يَبْذُلْهَا بَلَغَ الْمَأْمَنَ) سَوَاءٌ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ (وَإِنْ بَذَلَهَا لَمْ يَكْفِ عَقْدُ أَبٍ وَسَيِّدٍ وَلَوْ كَانَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (قَدْ أَدْخَلَهُ فِي عَقْدٍ إذَا بَلَغَ) أَوْ عَتَقَ كَأَنْ: قَالَ قَدْ الْتَزَمْت هَذَا عَنِّي وَعَنْ ابْنِي إذَا بَلَغَ أَوْ عَبْدِي إذَا عَتَقَ وَإِذَا لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ (فَيُعْقَدُ لَهُ) عَقْدٌ مُسْتَأْنَفٌ (وَيُسَاوَمُ كَغَيْرِهِ) لِانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ بِالْكَمَالِ وَلِوُجُوبِ جِزْيَةٍ أُخْرَى وَتَقَدَّمَ أَنَّ إعْطَاءَهَا فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الْتِزَامِهَا (وَيَجْعَلُ) الْإِمَامُ (حَوْلَهُمَا) أَيْ التَّابِعِ وَالْمَتْبُوعِ (وَاحِدًا) لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ أَخْذُ الْجِزْيَةِ (وَيَسْتَوْفِي) الْمَالَ (الْمُنْكَسِرَ) ، وَهُوَ مَا لَزِمَ التَّابِعَ فِي بَقِيَّةِ الْعَامِ الَّذِي اتَّفَقَ الْكَمَالُ فِي أَثْنَائِهِ إنْ رَضِيَ التَّابِعُ بِذَلِكَ (أَوْ يُؤَخِّرُهُ إلَى الْحَوْلِ الثَّانِي) فَيَأْخُذُهُ مَعَ جِزْيَةِ الْمَتْبُوعِ فِي آخِرِهِ لِئَلَّا يَخْتَلِفَ أَوَاخِرُ الْأَحْوَالِ (وَإِنْ شَاءَ أَفْرَدَهُمَا بِحَوْلٍ) فَيَأْخُذُ مَا لَزِمَ كُلًّا مِنْهُمَا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ

(وَلَوْ بَلَغَ) الصَّبِيُّ (سَفِيهًا فَعَقَدَ) لِنَفْسِهِ (هُوَ أَوْ وَلِيُّهُ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّ الْحَقْنَ مُمْكِنٌ بِدِينَارٍ (أَوْ بِدِينَارٍ صَحَّ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةَ حَقْنِ الدَّمِ (وَإِنْ اخْتَارَ) السَّفِيهُ (إلْحَاقَهُ) أَيْ الْتِحَاقَهُ (بِالْمَأْمَنِ لَمْ يَمْنَعْهُ الْوَلِيُّ) ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَى مَالِهِ لَا عَلَى

[حاشية الرملي الكبير]

[فَرْعٌ أَقَامَ مَنْ عُقِدَ لَهُ الْجِزْيَةَ بِدَارِنَا سَنَةً فَأَكْثَرَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ]

قَوْلُهُ سَقَطَ الْمُسَمَّى لِفَسَادِ الْعَقْدِ) كُلُّ عَقْدٍ فَسَدَ سَقَطَ فِيهِ الْمُسَمَّى إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا إذَا عَقَدَ الذِّمَّةَ مَعَهُمْ عَلَى السُّكْنَى فِي أَرْضِ الْحِجَازِ فَإِنَّهُمْ إذَا سَكَنُوهُ وَمَضَتْ الْمُدَّةُ وَجَبَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْعِوَضَ وَلَيْسَ لِمِثْلِهِ أُجْرَةٌ فَيَرْجِعُ إلَى الْمُسَمَّى (قَوْلُهُ أَوْ أَقَامَ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَلَا مَالَ) مِثْلُهُ عَقْدُ الْآحَادِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ حُكْمَ فَاسِدِ الْعُقُودِ حُكْمُ صَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَعَقْدَ الْآحَادِ لَهَا لَاغٍ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ

(قَوْلُهُ وَإِذَا بَذَلَهَا الْأَسِيرُ حَرُمَ قَتْلُهُ لَا اسْتِرْقَاقُهُ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَقْرِيرُهُ بِالْجِزْيَةِ وَتَرَدَّدَ الْبُلْقِينِيُّ فِي جَوَازِ إجَابَتِهِ لِذَلِكَ ثُمَّ رَجَّحَ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُجَابُ عَنْهُ كَمَلِكٍ لَهُ جَيْشٌ أَوْ مُطَاعٍ صَاحِبِ عَشَرَةٍ جَازَ تَقْرِيرُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ قُوَّةً فِي الْمَعْنَى وَإِلَّا فَلَا قَالَ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَقَوْلُهُ ثُمَّ رَجَّحَ أَنَّهُ إنْ كَانَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

[فَرْعٌ قَالَ مَنْ رَأَيْنَاهُ فِي دَارِنَا دَخَلْت لِسَمَاعِ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ لِأَدَاءِ رِسَالَةٍ]

(قَوْلُهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) أَيْ كَالْبُلْقِينِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا إذَا ادَّعَى ذَلِكَ إلَخْ أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ احْتِيَاطًا) أَيْ لَا وُجُوبًا جَمَعَ بِهِ بَيْنَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ عَنْ النَّصِّ مِنْ أَنَّهُ يَحْلِفُ وَبَيْنَ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَحْلِيفُهُ

[الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْمَعْقُودُ لَهُ]

(قَوْلُهُ الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْمَعْقُودُ لَهُ وَيُشْتَرَطُ إلَخْ) لَا يُقْبَلُ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَّا الْإِسْلَامُ فَقَطْ قَالَ شَيْخُنَا إذْ شَرِيعَتُنَا بِالنِّسْبَةِ لِقَبُولِ الْجِزْيَةِ مُغَيَّاةٌ بِنُزُولِهِ

(قَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمَجْنُونِ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ وَكَذَا لَا أَثَرَ لِيَسِيرِ زَمَنِ الْإِفَاقَةِ فِيمَا يَظْهَرُ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ

(قَوْلُهُ فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ) أَيْ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ

(قَوْلُهُ وَلَوْ بَلَغَ سَفِيهًا فَعَقَدَ إلَخْ) لَوْ قَبِلَ رَشِيدٌ بِدِينَارَيْنِ ثُمَّ سَفِهَ فَهَلْ تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ (قَوْلُهُ، وَإِنْ اخْتَارَ إلْحَاقَهُ بِالْمَأْمَنِ لَمْ يَمْنَعْهُ الْوَلِيُّ) الظَّاهِرُ أَنَّ مَأْخَذَهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ مِنْ أَنَّ الْعَهْدَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوِلَايَةِ إذْ لَوْ دَخَلَ لَتَوَقَّفَ عَقْدُهُ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ أَوْ إذْنِهِ ع

نَفْسِهِ (وَإِنْ صَالَحَ السَّفِيهُ عَنْ الْقِصَاصِ) الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مُسْتَحَقُّهُ (بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ لَمْ يَمْنَعْ) أَيْ لَمْ يَمْنَعْهُ الْوَلِيُّ كَمَا يَشْتَرِي لَهُ الطَّعَامَ فِي الْمَخْمَصَةِ بِثَمَنٍ غَالٍ صِيَانَةً لِرُوحِهِ (وَالْفَرْقُ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْعِهِ لَهُ مِنْ عَقْدِ الْجِزْيَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ (أَنَّ صَوْنَ الدَّمِ) فِي تِلْكَ (يَحْصُلُ بِالدِّينَارِ) وَصَوْنَ الرُّوحِ لَا يَحْصُلُ فِي هَذِهِ إلَّا بِالزِّيَادَةِ

(وَتُعْقَدُ الذِّمَّةُ لِامْرَأَةٍ وَخُنْثَى) طَلَبَهَا بِلَا بَذْلِ جِزْيَةٍ (وَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمَا) أَمَّا فِي الْمَرْأَةِ فَلِمَا مَرَّ، وَأَمَّا فِي الْخُنْثَى فَلِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أُنْثَى وَيُعْلِمُهُمَا الْإِمَامُ بِأَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمَا فَإِنْ رَغِبَا فِي بَذْلِهَا فَهِيَ هِبَةٌ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ هُنَا (وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِمَا الْتِزَامَ الْأَحْكَامِ) وَذِكْرُ الْعَقْدِ لِلْخُنْثَى مَعَ اشْتِرَاطِ الِالْتِزَامِ عَلَيْهِ مِنْ زِيَادَتِهِ

(وَتُسْتَرَقُّ) الْمَرْأَةُ (إنْ دَخَلَتْ) دَارَنَا (بِلَا أَمَانٍ وَنَحْوِهِ) كَطَلَبِ أَمَانٍ (كَالصَّبِيِّ) وَنَحْوِهِ (وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ فِيهِمْ) أَيْ الْكُفَّارِ (حَالَ الْقِتَالِ) مِنْ قَتْلٍ وَاسْتِرْقَاقٍ وَغَيْرِهِمَا (يَفْعَلُهُ بِمَنْ دَخَلَ) دَارَنَا (بِلَا أَمَانٍ) وَنَحْوِهِ، وَهَذَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ

(وَلَوْ بَانَ الْخُنْثَى) الْمَعْقُودُ لَهُ الْجِزْيَةُ (ذَكَرًا طَالَبْنَاهُ) بِجِزْيَةِ الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ عَمَلًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا وَبَقِيَ مُدَّةً ثُمَّ اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ لَا نَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا لِمَا مَضَى كَمَا مَرَّ إذْ لَمْ تُعْقَدْ لَهُ الْجِزْيَةُ

(وَإِنْ حَاصَرْنَا قَلْعَةً) مَثَلًا أَيْ أَهْلَهَا (فَبَذَلُوا الْجِزْيَةَ عَنْ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ لَمْ نُصَالِحْهُمْ) فَإِنْ صَالَحْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) فِيهَا (إلَّا نِسَاءٌ وَطَلَبْنَ الْعَقْدَ بِالْجِزْيَةِ فَفِي قَوْلٍ تُعْقَدُ لَهُنَّ) ؛ لِأَنَّهُنَّ يَحْتَجْنَ إلَى صِيَانَةِ أَنْفُسِهِنَّ عَنْ الرِّقِّ كَمَا يَحْتَاجُ الرِّجَالُ إلَى الصِّيَانَةِ عَنْ الْقَتْلِ فَعَلَيْهِ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِنَّ الْتِزَامُ الْأَحْكَامِ وَلَا يُسْتَرْقَقْنَ (وَلَا يَلْزَمُهُنَّ الْمَالُ) أَيْ الْجِزْيَةُ (فَإِنْ بَذَلْنَهَا جَاهِلَاتٍ) بِلُزُومِهَا (رُدَّتْ عَلَيْهِنَّ) ؛ لِأَنَّهُنَّ دَفَعْنَهَا عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ (فَإِنْ عَلِمْنَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُنَّ) الْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُنَّ فَبَذَلْنَهَا (فَهِيَ هِبَةٌ تَلْزَمُ بِالْقَبْضِ بِالْإِذْنِ) وَالتَّصْرِيحُ بِالْإِذْنِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَفِي قَوْلٍ) لَا تُعْقَدُ لَهُنَّ بَلْ (يُسْبَيْنَ) ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ لِقَطْعِ الْحَرْبِ وَلَا حَرْبَ فِيهِنَّ فَإِنْ عُقِدَ لَهُنَّ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُنَّ حَتَّى يَرْجِعْنَ إلَى الْقَلْعَةِ فَإِذَا فَتَحْنَهَا سَبَاهُنَّ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَالْقَوْلَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُنَّ جِزْيَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ أَخْذُ الْتِزَامٍ (فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ) فِي الْقَلْعَةِ (رَجُلٌ وَبَذَلَ الْجِزْيَةَ) جَازَ وَ (عَصَمَهُنَّ) مِنْ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْأَصْلِ كَذَا أَطْلَقَهُ مُطْلِقُونَ وَخَصَّهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ بِمَا إذَا كُنَّ مِنْ أَهْلِهِ، وَهُوَ حَسَنٌ

(فَرْعٌ يَدْخُلُ فِي) عَقْدِ (الذِّمَّةِ) لِلْكَافِرِ (الْمَالُ حَتَّى الْعَبْدُ وَكَذَا زَوْجَةٌ وَطِفْلٌ) وَمَجْنُونٌ لَهُ وَسَائِرُ مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ دُخُولُهُمْ اعْتِمَادًا عَلَى قَرِينَةِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَأْمَنُ إذَا لَمْ يَأْمَنْ عَلَيْهَا فَبَذْلُهُ الْجِزْيَةَ إنَّمَا هُوَ لِعِصْمَتِهَا فَيَحْرُمُ إتْلَافُهَا، وَعَلَى مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْهَا غَيْرَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِمَا الضَّمَانُ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إتْلَافُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ إذَا أَظْهَرَهُمَا وَكَذَا يَدْخُلُ فِيهِ (مَنْ اُشْتُرِطَ) دُخُولُهُ مَعَهُ فِيهِ (مِنْ نِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ وَمَجَانِينَ) وَخَنَاثَى وَأَرِقَّاءَ (لَهُمْ مِنْهُ قَرَابَةٌ وَعَلَقَةٌ وَلَوْ مُصَاهَرَةً) بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُشْتَرَطْ دُخُولُهُ مِنْهُمْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَتْبِعَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الضَّبْطِ وَاسْتَشْكَلَ صَاحِبُ الْوَافِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ الِاسْتِتْبَاعُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالشَّرْطِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْأَقَارِبِ وَنَحْوِهِمْ قَالَ وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالشَّرْطِ أَنْ يَقُولَ بِشَرْطِ دُخُولِ أَتْبَاعِي فِي الْعَقْدِ وَلَا يُعَيِّنُهُمْ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِلَّا فَفِيهِ احْتِمَالٌ انْتَهَى.
نَقَلَهُ عَنْهُ الزَّرْكَشِيُّ وَأَقَرَّهُ

(فَرْعٌ) لَوْ (صَالَحْنَاهُمْ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ مِنْ مَالِهِمْ عَنْ) مَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مِنْ (النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ) وَالْمَجَانِينِ سِوَى مَا يُؤَدُّونَهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ (جَازَ) وَكَأَنَّهُمْ قَبِلُوا جِزْيَةً كَثِيرَةً بِخِلَافِ مَا لَوْ صَالَحْنَاهُمْ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوهَا مِنْ مَالِ الْمَذْكُورِينَ إلَّا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ إنْ أَذِنَ لَهُمْ فَهُمْ وُكَلَاءُ عَنْهُنَّ وَفِي بَذْلِهِنَّ لَهَا مَا مَرَّ

جارٍ التحميل