المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب النكاح
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الأول في

خصائص رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في النكاح وغيره

قوله في أصل "الروضة": ومن الواجبات على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الأضحية والوتر والتهجد والسواك والمشاورة على الصحيح في الخمسة.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن كلامه يقتضي أن الرافعي حكى خلافًا في وجوب الخمسة عليه وهو في ما عدا التهجد [صحيح، وأما التهجد] 1 فلا، بل المجزوم به في الرافعي وجوبه، ثم حكى وجهًا أنه نسخ في حقه كما في حق الأمة.
قال: وهو ما أورده الشيخ أبو حامد.
واعلم أن الشيخ أبا حامد قد نقل عن نص الشافعي موافقة هذا الوجه، ونقله في "الروضة" عنه، وقال: إنه الأصح.
قال: وفي "صحيح مسلم" عن عائشة -رضي الله عنها- ما يدل عليه، وذكر من "زوائده" في كتاب السير أن الله تعالى فرض من قيام الليل أولًا ما ذكره في أول سورة المزمل ثم نسخه بما في آخرها، ثم نسخه بالخمس.
الأمر الثاني: أن هذا الكلام يقتضي أن الوتر غير التهجد، وقد وقع فيه اختلاف صريح في عبارة "الروضة" يعرف بمراجعة ما قدمته في صلاة التطوع فليراجع من هناك.

الجزء: 7 - الصفحة: 5

قوله: أما في النكاح فقد أوجب الله تعالى على رسوله تخيير نسائه بين اختياره وبين مفارقته واختيار زينة الدنيا، والمعنى فيه أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آثر لنفسه الفقر والصبر عليه فأمر بتخييرهن كيلا يكون مكرهًا لهن على الصبر والفقر.
انتهى كلامه.
ذكر مثله بعد هذا في الكلام على [الكفاءة] 2، وما ذكره من أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اختار الفقر لنفسه، كيف يصح مع ما ثبت في الصحيحين من رواية عائشة أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يتعوذ من الفقر 3، وقد ذكر هو هذا الحديث قبل هذا الموضع بأوراق في الكلام على قسم الصدقات، فقال: إنه -عليه السلام- كان يستعيذ من الفقر، وقال: "اللهم أحينى مسكينًا" 4، وما ذكره من الدعاء بالمسكنة قد رواه الترمذي وابن ماجة بإسناد ضعيف ولفظهما: "اللهم أحينى مسكينًا وأمتنى مسكينًا"، قال البيهقي: وقد روي أيضًا في حديث أنس أنه استعاذ من الفقر والمسكنة معًا.

قوله: وهل حرم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طلاقهن بعدما اخترنه؟ فيه وجهان: أظهرهما عند الإمام: أنه لا يحرم.
انتهى.
وهذا الذي رجحه الإمام هو الصحيح، فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين والنووي في أصل "الروضة": إنه الأصح.

الجزء: 7 - الصفحة: 6

قوله: وفي "الجرجانيات" لأبي العباس الروياني ذكر وجهين في أنه هل كان يجوز للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يجعل الاختيار إليهن قبل المشاورة معهن؟ انتهى.
وهذه المسألة أسقطها النووي من "الروضة".

قوله: ومن المحرمات الصدقة على أظهر الوجهين على ما سبق في كتاب قسم الصدقات.
انتهى.
وحكاية الخلاف في هذه المسألة وجهين تبع فيه جماعة منهم الإمام هنا والطبري صاحب "العدة" والعجلي في "شرح الوسيط" والجرجاني في "الشافي"، لكن الذي سبق من كلام الرافعي في قسم الصدقات أن الخلاف قولان، وهو الصواب المذكور في بعض نسخ الرافعي هنا وفي "الروضة" أيضًا، فقد قال الماوردي في كتاب الوقف: إنهما منصوصان في "الأم".

قوله: وعد من المحرمات الخط والشعر، وإنما يتجه القول بتحريمهما ممن يقول: إنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يحسنهما، وقد اختلفوا فيه، والأصح أنه كان لا يحسنهما.
انتهى.
وهذا البحث الذي ذكره ضعيف كما نبه عليه في "الروضة"، فإنه لا يمتنع أن يحرم على الشخص ما لا يحسنه حتى يحرم عليه التوصل إليه.

قوله: وكان يحرم عليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا لبس لأمته أن [ينزعها حتى] 5 يلقى العدو ويقاتل 6، وقيل: كان مكروهًا.
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 7

اللأمة بهمزة ساكنة هي الدرع، يجمع على لائم كثمرة وثمر وعلى لؤم كرطب، وهذا الثاني على غير القياس كما قاله الجوهري، فإنه جمع لُؤمة بضم اللام.

قوله: وفي "الجرجانيات" لأبي العباس الروياني ذكر وجهين في أنه هل كان يجوز للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يصلي على من كان عليه دين؟ وطريقتين في أنه هل كان يجوز أن يصلي مع وجود الضامن؟ . انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" لم يذكر المسألة الثانية -أعني مسألة الضامن- طريقين كما ذكرهما الرافعي، بل عبر بالوجهين أيضًا.
الثاني: أن الصحيح فيها -أعني في المسألة الثانية- هو الجواز، فقد قال في "الروضة" من "زياداته": إن الصواب الجزم به قال: ثم نسخ التحريم فكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد ذلك يصلي على من عليه دين ولا ضامن له يوفيه من عنده 7.

قوله: ولا يحل له الكتابية في أصح الوجهين، ثم قال: ويجرى الوجهان في التسرى بالأمة الكتابية.
انتهى كلامه.
وهو وإن كان يقتضي عدم الجواز في التسرى بالأمة لكنه قد أعادها بعدها بقليل.
وقال: إن أظهر الوجهين فيها الجواز فاعلم ذلك، ولم يذكر هذه الزيادة في "الشرح الصغير" فصار ظاهره مخالفًا لما في "الكبير".

قوله: ومن المباح له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة من جارية وغيرها، ويقال لذلك المختار: الصفى والصفية والجمع الصفايا،

الجزء: 7 - الصفحة: 8

ومن صفاياه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صفية بنت حيي اصطفاها وأعتقها وتزوجها، وذو الفقار.
انتهى كلامه.
والذي ذكره من أن صفية بنت حيي من صفاياه قبل القسمة ليس كذلك، فقد روى مسلم في "صحيحه" 8 عن أنس أنها وقعت في سهم دحية الكلبى واشتراها منه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسبعة أرؤس.
وفي "صحيح البخاري" 9 أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخذها بعد أن وقعت في سهم دحية الكلبي.
وأما ذو الفقار بفاء تفتح وتكسر وبعدها قاف، وبالراء المهملة فهو سيف كان للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والفقار هي العظام التي في سلسلة الظهر، ومفرده يقال فيه: فقارة بالفتح والمفتوح جمعه، وفقرة بالكسر والمكسور جمعه.
قال ابن الأثير في "النهاية": هي خرزات الظهر، قال: وفي حديث زيد بن ثابت: ما بين عجب الذنب إلى فقارة القفا ثنتان وثلاثون فقارة في كل فقارة أحد وثلاثون دينارًا، وقد تعرض لأخبار هذا السيف جماعة منهم الطبري في "تاريخه الكبير" والكلبي في "جمهرة النسب"، وجمع ابن خلكان خلاصة ذلك في تاريخه في الكلام على ترجمة مرثد بن يزيد بن زائدة، فقال: لما كانت وقعة بدر [وكان ممن حضرها منبه ونبيه أبناء الحجاج القرشي السهمي، وكانا] 10 إذ ذاك سيدى بني سهم، وكان العاص ابن نبيه قد حضرها مع أبيه فقتل هو وأبوه وعمه كفارًا، وكان هذا السيف له -أي للعاص- فقال الكلبي: إن عليًا - رضي الله عنه - قتله وأخذ سيفه، وقال غيره إنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخذه من جملة ما أخذ، ثم أعطاه لعلى فانتقل في أولاده إلى أن وصل إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين ابن

الجزء: 7 - الصفحة: 9

على، ثم إن محمدًا المذكور خرج على الخليفة أبي جعفر المنصور العباسي فأرسل إليه جيشًا فانهزم أصحاب محمد وقتل هو في تلك الفتنة، فلما أحس محمد بالموت دفع ذا الفقار إلى رجل من التجار كان معه، وكان له عليه أربعمائة دينار، وقال له خذ هذا السيف فإنك لا تلقى أحدًا من آل أبي طالب إلا أخذه منك وأعطاك حقك فكان السيف عند ذلك الشخص إلى أن ولى جعفر بن سليمان بن على بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - اليمن والمدينة فوصل إليه الخبر فدعا الرجل فأخذ منه السيف وأعطاه أربعمائة دينار فلم يزل عنده إلى زمان المهدى بن المنصور فاتصل به خبره فأخذه فبقي في أيدى خلفاء بني العباس.
قال الأصمعي: رأيت الرشيد بطوس متقلدًا سيفًا، فقال: يا أصمعي ألا أريك ذا الفقار قلت: بلى جعلنى الله فداك، فقال: استل سيفي هذا فاستللته فرأيت فيه ثماني عشرة فقارة.

قوله: ومن خصائصه أنه لا يورث ماله، لكن هل هو باق على ملكه ينفق منه على أهله كما في حياته أو هو صدقة؟ فيه وجهان: صحح الإمام الأول، وقطع أبو العباس الروياني بالثاني لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" 11، ثم حكى أبو العباس المذكور وجهين في ما إذا قلنا: إنه صدقة، هل تكون وقفًا على ورثته؟ ووجهين إذا جعلناه وقفًا، هل هو الواقف بقوله في الحديث السابق: "ما تركناه فهو صدقة".
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الصحيح أنه صدقة فقد قال في "الشرح الصغير": إنه المشهور، وقال في "الروضة" من "زياداته": الصواب الجزم بذلك،

الجزء: 7 - الصفحة: 10

وبأنه لا يختص به الورثة، بل يكون صدقة على المسلمين.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر قبل هذا في الباب الأول من كتاب قسم [الفيء] 12 والغنيمة أن خمس الفيء كان لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينفق منه على نفسه وأهله، وفي مصالحه، ولم يكن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يملكه ولا ينتقل منه إلى غيره إرثًا.
هذا كلامه، فقد حكم في ذلك الباب بأن جهة الإنفاق غير مملوكة، وحكم هنا بأنها مملوكة فتفطن له، واجمع بينهما بأن لتلك الجهة مادتين مملوكة وغير مملوكة، والخلاف في إحداهما على أن العمراني قد ذكر في آخر إحياء الموات من "البيان" عن الشيخ أبي حامد أن بعضهم قال: إنه -عليه الصلاة والسلام- ما كان يملك شيئًا ولا يتأتى منه الملك، وإنما أبيح له ما يأكله وما يحتاج إليه، قال الشيخ أبو حامد: وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ [مِنْ أَهْلِ الْقُرَى] 13 فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ 14، وأيضًا فقد أعتق صفية 15 واستولد مارية، والحديث الذي ذكره الرافعي صحيح.

قوله: وكذلك حكى -يعني أبا العباس الروياني- وجهين في انتقاض وضوءه باللمس.
انتهى.
والراجح الانتقاض فقد قال في "الروضة": المذهب الجزم به.

قوله: وفي ما حكى صاحب "التلخيص" أنه كان يجوز له أن يدخل المسجد جنبًا ولم يسلمه القفال، قال: ولا أخاله صحيحًا.
انتهى.
وقد أنكر ذلك أيضًا إمام الحرمين فقال: إنه شيء لا ندري من أين قاله وإلى أي أصل أسنده.

الجزء: 7 - الصفحة: 11

والذي قالوه غريب فإن مستند صاحب "التلخيص" ما رواه الترمذي عن عطية عن أبى سعيد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعلي: "لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك" 16. قال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
نعم عطية ضعيف عند جمهور المحدثين.
قال الترمذي: قال ضرار بن صرد: معناه لا يحل لأحد يستطرقه جنبًا غيري وغيرك.
وقد ضعف في "الروضة" هذا التأويل وسببه أنه يدل على تحريم العبور مع أنه جائز بنص القرآن.

قوله: وحكى صاحب ["التلخيص"] 17 أنه يجوز له القتل بعد الأمان وخطؤوه فيه.
انتهى.
وهذا الذي نقله الرافعي هنا لم يتعرض له في "الروضة" بالكلية.

قوله: وكان له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يزيد على تسع نسوة في أصح الوجهين، ثم قال: وفي انحصار طلاقه في الثلاث وجهان كالوجهين في انحصار الزوجات في التسع، ورأى صاحب "التتمة" الانحصار.
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 12

ذكر في "الشرح الصغير" مثله أيضًا، وصحح في أصل "الروضة" الانحصار وهو غريب، فإن كلام الرافعي إن لم يشعر برجحان عدم الانحصار فلا أقل من عدم الشعور برجحان عكسه لمعارضة الأول له.

قوله: وفي انعقاد نكاحه بلفظ الهبة وجهان أظهرهما: الانعقاد، ولكن هل يشترط لفظ النكاح من جهة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فيه وجهان أرجحهما عند الشيخ أبى حامد: أنه يشترط.
انتهى.
والأصح ما رجحه أبو حامد، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".

قوله: في أصل "الروضة" وأكثر هذه المسائل مخرج على أصل اختلف فيه الأصحاب، وهو أن النكاح في حقه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هل هو كالتسرى في حقنا؟ إن قلنا: لا، لم ينحصر عدد المنكوحات والطلاق وانعقد بالهبة ومعناها وبلا ولى [وشهود] 18، وفي الإحرام ولم يجب القسم وإلا انعكس الحكم.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله إن قلنا لا سهو وصوابه إن قلنا نعم، وهو المذكور أيضًا في الرافعي.

قوله: وكان يحل له نكاح المعتدة في أحد الوجهين.
قال في "الروضة" من زياداته: الصواب القطع بامتناعه وغلطوا قائل هذا الوجه.

قوله: وهل كان يلزمه نفقة زوجاته؟ فيه وجهان بناء على الخلاف في المهر.
انتهى.
وهذا البناء يشعر بترجيح عدم الوجوب، فإنه الراجح في المهر لكن في "الروضة" من زياداته أن الصحيح الوجوب.

الجزء: 7 - الصفحة: 13

قوله: وأعتق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صفية وجعل عتقها صداقها، فقيل.
أعتقها وشرط أن ينكحها فلزمها الوفاء بخلاف غيره، [وقيل: جعل نفس العتق صداقًا، وجاز ذلك بخلاف غيره] 19. انتهى.
ذكر في "الروضة" تفسيرًا ثالثًا وصححه وهو: أن معناه أنه أعتقها بلا عوض وتزوجها بلا مهر لا في الحال ولا في ما بعده.

قوله: ومنها: أن زوجاته اللاتي توفى عنهن محرمات على غيره أبدًا، وفي التي فارقها في حياته كالتي وجد بكشحها بياضًا فردها وكالمستعيذة منه ثلاثة أوجه: أحدها ويحكى عن نصه في "أحكام القرآن": أنها حرام.
والثاني: لا.
والثالث -وصححه الشيخ أبو حامد-: أنها إن كانت مدخولًا بها حرمت وإلا فلا.
انتهى ملخصًا.
وهذا الثالث صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأظهر وقال في "الروضة" من "زياداته": الأول أرجح، ولم يذكر ترجيحًا غيره.
والكشح بكاف مفتوحة وشين معجمة ساكنة وحاء مهملة هو الجنب.
وقال الجوهري: ما بين الخصر وأقصر الأضلاع.

قوله: ويشفع في أهل الكبائر.
أعلم أن هذه العبارة ناقصة أو باطلة كما قاله في "الروضة" فإن لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خمس شفاعات: أولاهن: الشفاعة العظمى في الفصل بين أهل الموقف حين يهرعون

الجزء: 7 - الصفحة: 14

إليه بعد الأنبياء، كما ثبت في الحديث الصحيح، حديث الشفاعة 20. والثانية: في جماعات يدخلون الجنة بغير حساب.
والثالثة: في أناس استحقوا دخول النار فلا يدخلونها.
والرابعة: في أناس دخلوا النار فيخرجون منها.
والخامسة: في رفع درجات أناس في الجنة، والشفاعة المختصة به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هي الأولى والثانية، ويجوز أن تكون الثالثة والخامسة.
هذا كلام "الروضة".

قوله: وبعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الناس كافة.
اعلم أن التعبير بالناس وقع في القرآن والحديث والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث إلى الإنس والجن والتعبير بالناس يشملهما.
قال الجوهري: والناس قد تكون من الإنس ومن الجن، وأصله أناس فخفف.
هذا كلامه.

قوله: وهو سيد ولد آدم.
اعلم أن التعبير بولد آدم وقع أيضًا في الحديث فعبر به الرافعي - رضي الله عنه -، لكن مذهب أهل السنة أنه أفضل المخلوقات على الإطلاق سواء فيه الإنس والجن والملائكة.

قوله من "زياداته" في التكنى بأبي القاسم: وهذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب: أحدها: مذهب الشافعي أنه لا يجوز لأحد أن يتكنى به مطلقًا سواء كان اسمه محمد أم لا.

الجزء: 7 - الصفحة: 15

ثم قال: الثاني مذهب مالك: أنه يجوز التكنى بأبي القاسم لمن اسمه محمد ولغيره.
والثالث: لمن اسمه محمد دون غيره [هذا لفظه] 21. والعبارة التي ذكرها في المذهب الثالث سهو فإن حاصلها أنه يجوز لمن اسمه محمد ولا يجوز لغيره وهذا لم يقل به أحد، والصواب أن يقول والثالث لمن ليس اسمه محمدًا دون غيره أي يجوز لمن لم يسم بمحمد دون من سمى به.
واعلم أن هذا المذهب الثالث هو الصواب الراجح دليلًا فقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من تسمى باسمى فلا يتكنى بكنيتي ومن تكنى بكنيتى فلا يتسمى باسمى" 22 رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث جابر وقال الترمذي: حسن غريب، وقال البيهقي في "شعب الإيمان": إسناده صحيح، وكذا صححه ابن حبان، وأخرجه أيضًا من حديث أبي هريرة، وصححه الترمذي من هذا الوجه.

قوله أيضًا من "زياداته": ومنها: أنه لا يجوز الجنون على الأنبياء بخلاف الإغماء.
انتهى.
والجواز في الإغماء مشروط بكونه في لحظة أو لحظتين كذا في حفظي قديمًا عن "تعليقه" القاضي الحسين عن الداركي من غير مخالفة.

الجزء: 7 - الصفحة: 16

قال -رحمه الله-:

المقدمة الثانية

قوله: الناس ضربان تائق إلى النكاح وغيره، فغير التائق إذا وجد الأهبة ولم يكن به علة فلا يكره له النكاح، ولكن التخلي للعبادة أفضل منه، وعكس أبو حنيفة، وحكى الشيخ ملكداد القزويني في "تعليقه" عن أبي سعيد الهروي وجهًا مثله، وإن لم يكن منشغلًا بالعبادة فالنكاح أفضل من تركه في أصح الوجهين؛ لئلا تفضى به البطالة والفراغ إلى الفواحش.
انتهي.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الوجه الذي أغرب الرافعي بحكايته قد حكاه الغزالي في "الوسيط".
الثاني: قال الشيخ عماد الدين إبراهيم بن عبد الوهاب الريحاني في "شرح الوجيز" المسمى "بالموجز": لم يتعرض الأصحاب للنساء.
قال: والذي يغلب على الظن أن النكاح في حقهن أولى مطلقًا لأنهن يحتجن إلى القيام بأمورهن والتستر عن الرجال، ولم يتحقق فيهن الضرر الناشئ من النفقة.
واعلم أن التائق: بالتاء المثناة هو المشتاق إلى الشيء المشتهى له.
والبطالة: بفتح الباء والماضي منه بطل بفتح الطاء أي تعطل.

قوله: وفي "شرح مختصر الجويني" أنه إن خاف الزنا وجب عليه النكاح.
انتهى.
واعلم أن هذا الوجه لا يقول بتحتم النكاح بل يخير بينه وبين التسري،

الجزء: 7 - الصفحة: 17

وقد نبه عليه في "الروضة".

قوله: والأولى في المرأة أن تكون بكرًا إذا لم يكن عذر وأن تكون ولودًا منظورًا إليها نسيبة لما روى أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "إياكم وخضراء الدمن، قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء" 23، والتي ليست قرابة أولى لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ولا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويًا" 24. أي: نحيفًا، وذلك لضعف الشهوة.
انتهى.
أشار بقوله إذا لم يكن له عذر إلى ما رواه البخاري في "صحيحه" 25 عن جابر قال: "قال لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هل تزوجت يا جابر؟ قلت: نعم، قال: ماذا أبكرًا أم ثيبًا؟ قلت: لا بل ثيبًا، قال: هلا جارية تلاعبك؟ قلت: يا رسول الله إن أبي قتل يوم أحد وترك سبع بنات فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن، ولكن امرأة تمشطهن وتقوم عليهن، قال: أصبت".
وخضراء الدِّمن: هي الشجرة الخضراء النابتة في مطارح البحر.
وهي الدِّمن بكسر الدال وفتح الميم جمع دمنة، شبه بها المرأة الحسناء ذات النسب الفاسد مثل أن تكون بنت الزنا، والحديث المذكور رواه الواقدي بإسناده عن أبي سعيد والواقدي ضعيف، وهذا معدود من

الجزء: 7 - الصفحة: 18

أفراده، كذا قاله ابن الصلاح في "مشكل الوسيط"، قال: وأما الضاوي فهو بتشديد الياء، قال الجوهري: غلام ضاوي وزنه فاعول إذا كان قليل الجسم وقد ضوي بالكسر يضوي ضوًا بفتح الضاد مقصور وهو الهزال قلت: وأصل الضاوى بالتشديد ضاووي فأجمع الواو والياء وسبق أحدهما بالسكون فقلبنا الواو ياء وادغمتا ثم قلبنا ضمة الواو كسرة ليسهل الانتقال إلى الياء، قال ابن الصلاح: ولم أجد الحديث في أصل يعتمد.
واعلم أن عبارة الرافعي لا يؤخذ فيها الأولى في الأجنبية مع القرابة غير القريبة، وقد صرح في "الروضة" من "زوائده" بأن القريبة أولى وهو مقتضى كلام جماعة، لكن ذكر صاحب "البحر" و"البيان" أن الشافعي نص على أنه يستحب له أن لا يتزوج من عشيرته، فإن الولد يجيء أحمق.
قال: وقد رأينا جماعة تزوجوا من عشائرهم فجاءت أولادهم حمقى، وقد أهمل الرافعي من المستحبات أن تكون عاقلة.
قال في "التتمة": وأن لا يكون معها ولد من غيره إلا لمصلحة، لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوج أم سلمة ومعها ولد أبي سلمة للمصلحة، وأن تكون بالغة كما نص عليه الشافعي، فهذه المواضع ذكرها في "الروضة" وضم إليها أن تكون جميلة.
وقد يقال: لا حاجة إليه، لأن المنظور إليها قد يغني عنه والعقل المذكور هنا يتجه أن يكون المراد به العقل العرفي وهو زيادة على مناط التكليف.
ويستحب أيضًا أن تكون خفيفة المهر حسنة الخلق قاله الغزالي في "الإحياء".

الجزء: 7 - الصفحة: 19

ويستحب العقد في المسجد، وأن يحضره جمع من أهل الخير والصلاح كما قاله ابن الصلاح.

قوله من "زوائده": والمستحب أن لا يزيد على امرأة من غير حاجة ظاهرة.
انتهى.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في أول كتاب النفقات فقال: ذكر الشافعي هاهنا استحباب الاقتصار على امرأة واحدة.
وقال الماوردي: هذا إذا كان يكفيه واحدة ومن لا يقنع بالواحدة لقوة شهوته فالأولى به الزيادة، هذا كلام الرافعي وحذفه النووي من "الروضة" هناك فلم يصر لها ذكر في ما يخصه من كلام الرافعي، وهذا الذي ذكره الماوردي قد ذكر مثله أيضًا الغزالي في "الإحياء".

قوله: ثم المنظور إليه الوجه والكفان ظهرًا وبطنًا ولا ينظر إلى ما سواهما لأنه عورة، وهي تعد أجنبية.
انتهى.
وهذا التعليل قد حذفه النووي من "الروضة" وهو يقتضي اختصاص هذا الحكم بالحرة فقد صحح الرافعي في الأمة أنه ينظر منها من غير حاجة لما ينظره الرجل من الرجل فمع حاجة النكاح أولى، وقد صرح به ابن الرفعة فقال: إنه مفهوم كلامهم فيتجه استحبابه على قولنا: إن النظر إلى وجه الحرة وكفيها مستحب لا مباح وهو الصحيح.

قوله: وأما وقت النظر فالأظهر أنه ينبغي أن يكون بعد العزم على نكاحها إن ارتضاها، وقيل: الخطبة لأنه لو كان بعد الخطبة وتركها شق عليها.
انتهى.
واعلم أن ما رجحه الرافعي معارض بالحديث والمعنى.
أما الحديث: فروى البيهقي عن جابر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إذا خطب

الجزء: 7 - الصفحة: 20

أحدكم المرأة فقدر على أن يرى منها ما يعجبه ويدعوه إليها فليفعل" 26، فدل على أن النظر بعد الخطبة.
وأما المعنى: فلأنه لو رآها قبل ذلك فقد تعجبه ولا تجيبه هي أولا يجيبه أهلها فيشق عليه بل يتضرر.

قوله في النظر لغير حاجة النكاح: وإن لم يخف من النظر إلى الوجه والكفن فوجهان: قال أكثر الأصحاب سيما المتقدمين: لا يحرم لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ 27 وهو مفسر بالوجه والكفين.
انتهى.
خالفه في "المحرر" فقال: أولى الوجهين المنع، والصواب هو الجواز لتصريحه في "الشرح" بأن الأكثرين عليه، وقد وقع هذا الاختلاف أيضًا بين "الروضة" و"المنهاج" على وجه غريب فإنه عبر في "المنهاج" بالصحيح، واصطلاحه فيه أن يكون مقابله وجهًا ضعيفًا، وإذا استحضرت مثل هذه المواضع علمت أن ما ادعاه في خطبة "المنهاج" من كون الرافعي قد التزم في "المحرر" أنه ينص على ما صححه معظم الأصحاب وأنه قد وفى بما التزمه ليس كذلك، ولم يصرح في "الشرح الصغير" في هذه المسألة بترجيح.

قوله: وإذا رددنا الكلام إلى أن المنظور إليها هل يلزمها الاحتجاب من الصبي.
. . . إلى آخره.
هذا الكلام يوهم أن جعل الصبي كالبالغ في النظر معناه أنه يلزم المرأة الاحتجاب عنه لا غيره من المعاني وليس محصورًا في ذلك، بل إذا قلنا

الجزء: 7 - الصفحة: 21

به فيلزم الولى أن يمنعه من النظر كما يلزمه أن يمنعه الزنا وسائر المحرمات، وقد نبه على ذلك في "الروضة".

قوله: والمخنث هو المشبه بالنساء إلى آخره.
اعلم أن المخنث بكسر النون وفتحها يقال: خنث الرجل بالتشديد إذا تشبه فهو مخنث، كما نقول حدث فهو محدث وخبر فهو مخبر لكن الفتح أشهر، وإن كان الكسر أفصح قاله النووي في "تهذيب الأسماء واللغات".
قال الجوهري: الانخناث هو التثني والتكسر، والاسم منه الخنث بضم الخاء والإسكان قال: وتقول: خنَّثت الشيء بالتشديد فتخنث أي عطفته فانعطف، والخنث بفتح الخاء وكسر النون هو المسترخي المتثني.

قوله: مملوك المرأة محرم لها عند الأكثرين.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن النووي قد صحح التحريم في نكت له على "المهذب" وكذلك ابن الرفعة في "المطلب".
الثاني: أن [القول] 28 بالجواز له شرطان: أحدهما: أن يكون العبد ثقة فإن كان فاسقًا فلا، كذا ذكره البغوي في تفسير سورة النور وهو ظاهر، وقياس المرأة كذلك وصرح به الهروي في تفسيره وهو معدود من الشافعية.
الثاني: ألا تكاتبه المرأة فإن كاتبته فليس بمحرم، فقد صرح الرافعي به في عكسه وهو ما إذا كاتبَ الرجل أمته فقال: لا يحل له النظر إليها، وصرح به في مسألتنا القاضي الحسين ونقله عنه في "الروضة" من

الجزء: 7 - الصفحة: 22

"زياداته"، ورأى ابن الرفعة في "المطلب" تخريج وجهين فيه، وقد ذهب إلى الجواز أبو نصر ولد الأستاذ أبى القاسم القشيرى.
[الأمر الثالث: أن المبعض هنا حكمه حكم الأجنبي، صرح به الماوردي في شروط الصلاة، وذكر الرافعي في الأمة المشتركة نحوه فإنه جزم بتحريم نظر الشريك لما بين السرة والركبة، وحكى فيما عداه وجهين، وصحح الجواز وتابعه عليه في "الروضة" وهو مخالف لتصحيحه أن الأمة كالحرة] 29. الأمر الرابع: أن إطلاق المحرمية غير مستقيم فإن مس كل واحد منهما للآخر ناقض بشرطه بلا نزاع فالصواب التعبير بجواز الخلوة والنظر ونحوهما لا بالمحرمية، أو يقال إنه كالمحرم في ذلك.

قوله: ولا يحرم النظر إلى الأمرد بغير شهوة إن لم يخف فتنة، وإن خافها حرم عند الأكثرين زاد في "الروضة" فقال: أطلق صاحب "المهذب" وغيره أنه يحرم النظر إلى الأمرد بغير حاجة، ونقله الداركي عن نص الشافعي - رضي الله عنه -. انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الذي قاله النووي ليس صريحًا في ذهابه إلى التحريم لكنه قد صرح بتصحيحه في "المنهاج" وفي مواضع من "شرح المهذب" فقال: الصحيح أنه يحرم النظر بغير شهوة، ونص عليه الشافعي، والذي ادعاه من تنصيص الشافعي عليه [غير] 30 صحيح، بل الصادر من الشافعي على ما بينه هو في "الروضة" إنما هو إطلاق يصح حمله على حالة الشهوة وأن هذا النوع أيضًا مما يوصف بتحريم النظر.

الجزء: 7 - الصفحة: 23

الثاني: أن الأمرد المذكور شرطه أن يكون حسنًا، كذا قيده النووي في "رياض الصالحين".

قوله: وفي نظر الذمية إلى المسلمة وجهان: أصحهما عند صاحب "الكتاب": أنه كنظر المسلمة إلى المسلمة.
وأصحهما: عند صاحب "التهذيب": المنع لقوله تعالى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ وليست الذميات من نسائهن.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصح ما صححه البغوي كذا صححه النووي في "فتاويه" و"زيادات الروضة" قال: وسائر الكافرات كالذمية في هذا كما ذكره صاحب "البيان".
الأمر الثاني: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في تفسيره: إن الفاسقة حكمها حكم الذمية في ذلك.

قوله: القسم الرابع: نظر المرأة إلى الرجل وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز لها أن تنظر إلى ما يبدو عند المهنة دون غيره.
والثاني: أنها لا ترى إلا ما يرى الرجل منها.
والثالث: وهو الأصح أنه كنظر الرجل إلى الرجل.
انتهى ملخصًا.
والذي صححه الرافعي هنا قد ناقضه في كتاب الصلاة في الكلام على شرائطها في مسألة وصل الشعر، فإنه جزم هناك بأن المرأة يحرم عليها النظر إلى شعر الرجل، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.

قوله: ولا يجوز أن يضاجع الرجل الرجل ولا المرأة المرأة، وإن كان كل واحد منهما في جانب الفراش لما روى عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "لا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في

الجزء: 7 - الصفحة: 24

الثوب" 31 انتهى كلامه.
وما ذكره من التحريم مشروط بما إذا كانا عاريين كما ذكره النووي في "شرح مسلم"، وصرح به أيضًا جماعة منهم القاضي الحسين في تعليقه، والخوارزمي في "الكافي" فقال: فإن كانا لابسين أو أحدهما فلا بأس هذه عبارته.

قوله: في أصل "الروضة": وقد يحرم المس [حيث لا يحرم] 32 النظر فيحرم مس وجه الأم، وإن جاز النظر إليه [ومس كل ما جاز النظر إليه] 33 من المحارم والإماء، بل لا يجوز للرجل مس بطن أمه ولا ظهرها ولا أن يغمز ساقها ولا رجلها ولا أن يقبل وجهها.
انتهى كلامه.
وتعبيره عطفًا على التحريم بقوله: "ومس كل ما جاز النظر إليه" حاصله أن جميع ما يجوز النظر إليه من المحارم يحرم مسه حتى يحرم مس وجه الأم ويدها ورجلها، وهو غلط عجيب مخالف لإجماع الأمة، وهذا الغلط حصل من سوء اختصاره لكلام الرافعي، فإن الرافعي عبر بقوله، وقد يحرم المس حيث لا يحرم النظر فلا يجوز للرجل مس وجه الأجنبية، وإن جوزنا النظر إليه، ولا مس كل ما يجوز النظر إليه من المحارم والإماء لا يجوز للرجل مس بطن أمه، هذه عبارة الرافعي -رحمه الله- وحاصلها أنه لا يجوز مس الكل بل البعض، وهو بمثابة قولنا لا يجوز للإنسان أن يتزوج كل امرأة وهو المسمى بسلب العموم المشروط بتقدم النفي، فعبر النووي عنه بالإثبات فقال: يحرم، وأسنده إلى كل فرد وهو المسمى بعموم السلب فوقع في الغلط وركاكة اللفظ حيث عبر بقوله: لا

الجزء: 7 - الصفحة: 25

بل لا يجوز كذا.

قوله: وتكره المعانقة والتقبيل إلا تقبيل الولد للشفقة.
انتهى.
وهذه العبارة ناقصة، والحصر باطل فإن معانقة القادم من السفر سنة أيضًا، أما التقبيل فسنة أيضًا في القادم، وكذلك تقبيل الصغار للشفقة سواء كان ولده أم ولد غيره، قد نبه على ذلك النووي في "الروضة".

قوله: ومنها: إذا عامل امرأة ببيع أو غيره، أو تحمل شهادة عليها جاز النظر إلى وجهها فقط ليعرفها.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الاقتصار على الوجه تابعه عليه في "الروضة" وهو غير مستقيم فقد تقدم أنه يجوز النظر إلى الكفين عند الأكثرين لا لحاجة فكيف ينفيه مع هذه الحاجة؟ . ولو خاف [الناظر] 34 لتحمل الشهادة من الفتنة، قال الرافعي في الباب الثاني من أبواب الشهادات: يشبه أن يقال: إن لم يتعين لم ينظر وإن تعين فينظر ويضبط نفسه.

الجزء: 7 - الصفحة: 26

المقدمة الثالثة في "الخطبة"

قوله في "الروضة": ثم إن المرأة إن كانت خلية عن النكاح والعدة جازت خطبتها وإن كانت معتدة.
. . . إلى آخره.
ثم قال ما نصه: ثم سواء كانت العدة في هذه الصورة بالأقراء أو بالأشهر؛ وقيل: إن كانت بالأقراء حرم.
انتهى.
ومراده أن الحكم في هذه الصور سواء لا يختلف، والتركيب المذكور غير مستقيم ولو عبر "بالكون" عوضًا عن "كان" لاستقام، فإنه حينئذ يكون مبتدأ وسواء خبر مقدم.

قوله: والتصريح في الخطبة [أن يقول] 35 أريد أن أنكحك وإذا حللت فلا تفوتي على نفسك، والتعريض ما يحتمل الرغبة في النكاح وغيرها كقوله: أنا راغب فيك.
. . . إلى آخره.
تابعه عليه في "الروضة" وهو يوهم أنه لو قال: إني راغب فيك لم يكن تعريضًا، وليس كذلك، بل حاصل ما في "الأم" للشافعي أنه تعويض فإنه روى بسنده إلى القاسم بن محمد في باب التعريض في النكاح أن التعريض كذا وكذا، وذكر من جملته: إني راغب فيك، ثم قال -أعني: الشافعي- بعد نقله: إنه كثير، وإن القاسم ذكر بعضه.

قوله: وأما صاحب العدة الذي يحل له نكاحها فيها فله التصريح بخطبتها.
انتهى.
والتقييد بحل النكاح في العدة للاحتراز عن من لا تحل كالمطلقة ثلاثًا ولم يتعرض هو ولا النووي في "الروضة" لبيان حكمه ولا يقال: إنه كغيره مطلقًا، فإن المطلق ثلاثًا لا يجوز له نكاحها بعد انقضاء العدة بل لابد من المحلل، والملاعن حرمته مؤبدة.

الجزء: 7 - الصفحة: 27

قوله: وتحرم الخطبة على خطبة غيره بعد تصريح الإجابة كقولها أجبتك إلى ذلك، فإن ذكرت ما يشعر بالرضا كقولها لا رغبة عنك، لم يحرم على الجديد، ولو لم يوجد إجابة ولا رد فقيل يجوز قطعًا، وقيل بالقولين.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن هذا كله في غير البكر، أم البكر فسكوتها كصريح إذن الثيب، كذا نص عليه الشافعي في كتبه الجديدة، فقال في "الأم" في باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ما نصه: فوجدنا الدلالة عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أن النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه إذا كانت المرأة راضية، قال: رضاها إذا كانت ثيبًا أن تأذن بالنكاح بنعم، وإن كانت بكرًا أن تسكت فيكون ذلك إذنًا.
هذا لفظ الشافعي بحروفه ومن "الأم" نقلته.
الأمر الثاني: حيث اشترطنا التصريح بالإجابة فلابد معه من الإذن للولى في زواجها له، فإن لم تأذن في ذلك فلا يحرم كذا نص عليه الشافعي في "الرسالة" في باب النهي عن معنى يدل عليه معنى في حديث غيره.
الأمر الثالث: أن شرط التحريم أن تكون الخطبة الأولى جائزة، فإن كانت محرمة كالواقعة في العدة لم تحرم الخطبة عليها، كذا ذكره الروياني في "البحر".
الرابع: نص في "الأم" على أن المرأة لو أذنت لوليها أن يزوجها ممن يشاء صح وحل لكل أحد أن يخطبها على خطبة الغير، كذا نقله عنه الروياني في "البحر"، واستفدنا منه أن شرط تأثير إذنها في التحريم أن يكون الإذن في شخص معين، وإلا فالإذن المعتبر قد وجد منها.

قوله: تحرم الخطبة على خطبة غيره بعد تصريح الإجابة إلا إذا أذن

الجزء: 7 - الصفحة: 28

الغير أو ترك، قال الأئمة: والمعتبر رد الولي وإجابته إن كانت بكرًا، والولي الأب والجد دون ردها وإجابتها، ورد المرأة وإجابتها إن كانت ثيبًا أو بكرًا، والولي غيرهما دون رد الولي وإجابته.
انتهي.
تابعه في "الروضة" على هذا الإطلاق وهو غير مستقيم فإنه إذا كان الخاطب غير كفء يكون النكاح متوقفًا على رضي الولي والمرأة معًا، وحينئذ فيعتبر في تحريم الخطبة إجابتهما معًا، وفي الجواز ردهما أو رد أحدهما، وأيضًا فينبغي في ما إذا كانت بكرًا أن يكون الاعتبار بالولى مخرجًا على الخلاف فيما إذا عينت كفؤًا وعين المجيز كفؤًا آخر، هل المجاب تعيينها أم تعيينه؟ . واعلم أن هذا التقسيم كله ماشٍ على الغالب في خطبة النساء للرجال، وقد نصوا على استحباب خطبة أهل الفضل من الرجال، فإذا وقع ذلك فلا شك أنه يأتي في التحريم ما سبق في المرأة.

قوله: فرع: يجوز الهجوم على خطبة التي لم يدر أنها خطبت أم لا، ولو خطبت ولم يدر أن الخاطب أجيب أم لا، وكذلك الجواب واحتج له بخبر فاطمة بنت قيس، وذلك أن زوجها طلقها فبَتَّ طلاقها فأمرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم وقال لها: إذا أنت حللت فآذنينى، فلما حلت أخبرته أن معاوية وأبا جهم قد خطباها فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه انكحى أسامة" 36. والاستدلال أنه خطبها لأسامة بعد خطبة غيره لما لم يعلم أنها أجابت أو ردت.
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 29

وهذا الذي قاله لا دلالة له فيه لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نصحها، ونهاية الحال أن يعلم -عليه الصلاة والسلام- أنها أجابت، ومع العلم بذلك لا يترك النصح الواجب وإرشادها إلى ما هو خير لها.

قوله: ولا فرق في تحريم الخطبة على الخطبة بين أن يكون الخاطب الأول مسلمًا أو ذميًا، ثم قال: وعن أبي عبيد بن حربويه: أنه يختص بالمسلم وطرده في السوم.
انتهى كلامه.
وما ذكره الرافعي من طرد هذا الوجه في السوم على السوم لم يذكره في "الروضة" لا هنا ولا في بابه فاعلمه.

قوله: الثانية: يجوز الصدق في ذكر مساوئ الخاطب لتحذر، لخبر فاطمة بنت قيس السابق، وكذا إذا أراد نصيحة غيره ليحترز عن مشاركة ونحوها.
انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أن جواز ذكر المساوئ ر محله إذا لم يحصل الغرض بدون التفصيل كقوله لا يصلح لك معاملته أو مصاهرته أو لا يفعل هذا أو نحو ذلك.
فإن حصل وجب الاقتصار عليه، ولا يجوز ذكر ما فيه من العيوب، صرح به النووي في "كتاب الأذكار".
الثاني: أن التعبير بالجواز مشعر بعدم وجوب الذكر، وسيأتي من كلام النووي ما يقوي ذلك أيضًا، وليس كذلك فقد جزم في "الأذكار" بأنه يجب على المستشار ذكر المساوئ ر، وصرح به أيضًا في "رياض الصالحين"، وفي "شرح مسلم" في باب المطلقة البائن لا نفقة لها فقال ما نصه: ولا يكون هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة، وذكر في "الروضة" في كتاب البيع من "زياداته" مثله، وكذلك الشيخ

الجزء: 7 - الصفحة: 30

عز الدين بن عبد السلام.
ولو استشير في أمر نفسه فهل يجب عليه الإخبار بعيوبها أم يستحب أم لا يجب ولا يستحب؟ فيه نظر، وعموم كلام الرافعي والنووي يقتضي الذكر.
واعلم أن مقتضى جواز تعاطي ما تقدم لأجل النصيحة جواز إصلاح الخطأ من الكتب المستعارة، لكن رأيت في "الزيادات" للعبادي أنه لا يصلحه، قال: إلا أن يكون قرآنًا فإنه يجب عليه ذلك.
الثالث: أن ما قاله الرافعي من جواز ذكر الشخص بما يسوءه عند الحاجة، وذكر مثله أيضًا في أول النفقات فقال: ويجوز لمن منع حقه أن يشكو ويتظلم، وذكر الغائب بما يسوءه عند الحاجة، هذا كلامه.
وذكر في "الروضة" وفي غيرها تفصيل ما دخل بطريق الإجمال في تعبير الرافعي فقال: الغيبة تباح بستة أسباب: أحدها: التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه فيقول: ظلمني فلان وفعل بي كذا.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل معي كذا فازجره عنه ونحو ذلك.
الثالث: الاستفتاء بأن يقول للمفتي: ظلمني فلان أو أبي أو أخي بكذا، فهل له ذلك أم لا؟ وما طريقي في الخلاص منه؟ . الرابع: تحذير المسلمين من الشر، وذلك من وجوه منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين، وذلك واجب.

الجزء: 7 - الصفحة: 31

ومنها: الإخبار بعيبه عند المشاورة في مواصلته.
ومنها: إذا رأيت من يشتري شيئًا معيبًا فتذكره له لا تقصد الإيذاء.
ومنها: إذا رأيت متفقهًا يتردد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علمًا وخفت عليه ضرره.
ومنها: أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو فسقه فتذكره لمن له عليه ولاية ليستدل به أو يعرف حاله.
الخامس: أن يكون مجاهرًا بفسقه أو بدعته فيجوز ذكره بما يجاهر به ولا يجوز بغيره إلا لسبب آخر.
السادس: التعريف كالمعروف بالأعمش والأعرج، ويحرم ذكره به تنقيصًا ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى.
انتهى ملخصًا.

الجزء: 7 - الصفحة: 32

قال -رحمه الله-: القسم الثاني في

الأركان

قوله: وإذا قال الولي: زوجتكها، فليقل الزوج: قبلت نكاحها.
. . . إلى آخره.
اعلم أن الزوج إذا اقتصر على هذا اللفظ فإنما يفيده ذلك صحة النكاح فقط، وأما المسمى فلا يلزمه إلا إذا صرح الزوج به في لفظه، فيقول: قبلت نكاحها على هذا الصداق.
. . . أو نحوه، فإن لم يقل ذلك وجب مهر المثل سواء كان زائدًا على المسمى أو ناقصًا، كذا صرح به الماوردي في "الحاوي"، وكذلك الروياني في "البحر" في كتاب البيع قبل باب الربا بصفحة وفي كتاب النكاح، وفي الخلع أيضًا، وصاحب "التعجيز" في شرحه له، والمعنى في ذلك أن النكاح يصح قبوله بلا صداق، بل مع نفيه، فإذا سكت عنه ولم يصرح بقبوله لم يمكنا إيجابه عليه لأنا لا نعلم أرضي به أم لا بخلاف البيع فإنه لا يصح إلا بالعوض، لكن أعادها الماوردي في الخلع، وحكى فيها وجهًا: أنه يلزمه المسمى، وذكر وجهًا آخر: أنه لا يصح النكاح عند نفيه ما سماه الولي.

قوله: فإن اقتصر على قوله: قبلت، فطرق أصحها: قولان: أظهرهما: البطلان إلى آخره.
اعلم أن تصحيح البطلان مشكل، وقد سبق إيضاح إشكاله في البيع فراجعه.

قوله: ولو قال: قبلت النكاح، ولم يضف النكاح إليها أو قال: قبلتها، ففيه خلاف مرتب على ما سبق وأولى بالصحة.
انتهى.
تبعه عليه في "الروضة"، والذي قاله لا يؤخذ منه تصحيح فإن

الجزء: 7 - الصفحة: 33

معناه أنا إن قلنا بالصحة عند اقتصاره على قبلت صح في مسألتنا، وإن قلنا هناك: لا يصح، فهاهنا خلاف، وقد نص الشافعي -رحمه الله- في "الأم" على المسألة فقال في باب كيف تثبت الرجعة؟ ما نصه: فإذا قال: راجعتها أو ارتجعتها، فهذا صريح الرجعة كما لا يكون النكاح إلا بصريح النكاح أن يقول قد تزوجتها أو نكحتها فهذا بصريح النكاح، ولا يكون نكاحًا بأن يقول قد قبلتها حتى يصرح بما وصفت، لأن النكاح تحليل بعد تحريم، وكذلك الرجعة تحليل بعد تحريم، والتحليل بالتحليل شبيه، انتهى لفظه بحروفه، ومن "الأم" نقلته.

قوله في أصل "الروضة": وكذا لو قال: بعتك كذا، فقال: قبلت، ينعقد على الصحيح.
انتهى.
هذه المسألة سبق ذكرها في البيع وادعى في أصل "الروضة" هناك نفى الخلاف فيها، وقد سبق ذكر لفظه فراجعه.

قوله: قال في "التهذيب": ولو خاطب غائبًا بلسانه فقال: زوجتك ابنتي، ثم كتب فبلغه الكتاب أو لم يبلغه وبلغه الخبر فقال: قبلت نكاحها، فيلغو: لتراخي القبول عن الإيجاب، أو يصح ويجعل كأنه خاطبه حين أتاه الكتاب أو الخبر؟ فيه وجهان ولو قال زوجت ابنتي من فلان وجب أن يكون على هذا الخلاف، وقد حكينا في نظيره في البيع الصحة.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن الأصح من هذا الخلاف المحكي في الصورة الأولى هو البطلان كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زياداته"، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
الأمر الثاني: أن النووي قد أسقط المسألة الثانية المخرجة على هذا

الجزء: 7 - الصفحة: 34

الخلاف فلم يذكرها في "الروضة".
الأمر الثالث: أن الذي أشار إليه الرافعي من حكاية الصحة في نظيره من البيع حكاه عن بعض المسودات وأقره، وإذا استحضرت ما قاله الرافعي من أن ذلك المحكي هو نظير ما إذا قال: زوجت ابنتي من فلان، وأن هذه -أعني: مسألة التزويج- يجب أن تكون على الخلاف السابق، وقد صحح النووي من ذلك الخلاف قول البطلان، استفدت من ذلك كله أن الراجح البطلان في المنقول عن بعض المسودات، وقد سبق منا في البيع الوعد بذكره هنا.

قوله: في التزويج من الغائب، ثم إذا قلنا بصحة النكاح إما بمجرد الكتابة أو عند اللفظ فالشرط أن يقبل في مجلس بلوغ الخبر.
انتهى.
وهذه المسألة -أعني وقت جواز القبول في المكتوب- قد ذكرها الرافعي في مواضع: أحدها ما ذكرناه الآن، وقد جوز فيه أن يكون القبول في مجلس بلوغ الخبر.
والموضع الثاني: في كتاب الطلاق في الباب الثاني منه في الطرف الثاني، فقال: وحيث حكمنا بانعقاد النكاح فيكتب: زوجت بنتي إلى آخره.
ثم قال ما نصه: ويشترط أن يكون القبول لفظًا أو كتابة على الفور، وفيه وجه ضعيف كما تقدم.
هذا لفظه.
واشتراطه للفور مناقض للمذكور هنا مناقضة عجيبة، والوجه الذي أشار إلى تقدمه قد ذكره قبله بأسطر لكن في البيع ونحوه.
فقال: وفي وجه لا يشترط، بل يراعى التواصل اللائق بين الكتابين، والموضع الثالث في كتاب البيع فصحح هناك ما يوافق المذكور في الطلاق، فقال: وإذا قلنا ينعقد البيع بالمكاتبة فالشرط أن يقبل المكتوب إليه كما اطلع على الكتاب على الأصح ليقترن القبول بالإيجاب بحسب الإمكان.

الجزء: 7 - الصفحة: 35

انتهى.
وإذا كان ذلك شرطًا عنده في البيع كان شرطًا في النكاح بطريق الأولى، وذكر المسألة في "الشرح الصغير" في كتاب الطلاق فقط كما ذكرها في "الكبير" هناك، فقد خالفه النووي في هذا الباب فذكر من "زياداته": أن الفور شرط، ولم يستحضر ما قاله في غيره حتى ينبه عليه.

قوله: ونختمه بصور: تعتبر الموالاة بين الإيجاب والقبول على ما مر في البيع.
انتهي.
وقال في البيع: يشترط أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول ولا يتخللها كلام أجنبي عن العقد، فإن طال أو تخلل لم ينعقد.
هذا لفظه، وذكر نحوه في أوائل الخلع وفيه أمران: أحدهما: أنه يدل على أن تخلل اللفظ اليسير يقدح إذا كان أجنبيًا وبه صرح قبل هذا في الكلام على خطبة العقد فقال: إن أظهر الوجهين البطلان، وقد ذكر ما يخالف ذلك كله في كتاب الطلاق في أول الباب الرابع المعقود للاستثناء فإنه ذكر عن الإمام كلامًا، ثم قال عقبه ما نصه: وكذلك لا ينقطع الاتصال بين الإيجاب والقبول بالكلام اليسير على الأصح، وفي الاستثناء ينقطع.
انتهى.
وذكر أيضًا مثله في آخر الباب الأول من أبواب الخلع نقلًا عن الإمام فقال: وقد مر في البيع وغيره أنه لا ينبغي أن يتخلل بين الإيجاب والقبول كلام لا يتعلق بهما، فإن تخلل بطل الارتباط بينهما، وذلك في الكلام الكثير، فأما الكلام اليسير فقد أطلق الإمام فيه حكاية وجهين، وقال: الصحيح أنه لا بأس به واحتج محتجون له بنص الشافعي.
انتهى.
ونقل النووي هذا الكلام من الموضع الذي ذكره الرافعي فيه إلى الكلام

الجزء: 7 - الصفحة: 36

على أركان الخلع، ومع نقله أطلق التصحيح بأنه لا يضر، ولم ينقله عن الإمام، هذا مع موافقته على المواضع المتقدمة فصار أبلغ في الاختلاف لاسيما وقد بالغ في كتاب البيع من "شرح المهذب" فقال ما نصه: ولو تخللت كلمة أجنبية بطل العقد، ولم يذكرها الرافعي في "الشرح الصغير" إلا في البيع، ونقل ابن الرفعة في البيع والنكاح من "الكفاية" أن الرافعي صحح في أول الاستثناء من الطلاق أن الفصل اليسير لا يقدح، وهو وهم فإن التصحيح لإمام الحرمين كما تقدم.
الأمر الثاني: حيث قلنا: إن الكلام الأجنبي يضر فمحله إذا كان من المخاطب المطلوب منه الجواب، فإن كان من المتكلم فوجهان حكاهما في آخر الباب الأول من أبواب الخلع واقتضي إيراده أن المشهور أنه لا يضر فإنه قال: ومن لم يحتمل الفصل قال كذا وكذا يعني أنه لا يضر ثم نقل عن صاحب "التهذيب" وحده التسوية، وقد حذف النووي هذه المسألة.

قوله: ولو طلق امرأته على أن يزوجه صاحبه بنته ويكون بضع امرأته صداقًا لها وزوجه صاحبه على ذلك، فهل يبطل النكاح أم يصح ويفسد الصداق؟ وجهان حكاهما ابن كج عن ابن القطان.
انتهى.
قال في "الروضة": أفقههما الثاني.

قوله: ولو قال: نكحتها متعة، ولم يزد على هذا حكى الحناطي في صحة النكاح وجهين.
انتهى.
والأصح البطلان كذا قاله في "الروضة" من "زياداته".

قوله في "الروضة": وفي الانعقاد بحضور الأخرس وذي الحرفة الدنية والصباغ والصائغ وجهان.
انتهى.
واعلم أن الرافعي بنى الخلاف في الأخرس على قبول شهادته، والأصح عدم قبولها فيكون الصحيح هنا عدم الانعقاد، فحذف النووي هذه الزيادة التي يؤخذ منها التصحيح، وشرط في "الحاوي الصغير" أن

الجزء: 7 - الصفحة: 37

يكون مقبول الشهادة فجمع هذا الشرط وغيره مما هو مذكور في الشهادات كالمروءة وسلامته من الحرف الدنية.

قوله: وهل ينعقد النكاح بشهادة المستورين؟ قال الإصطخري: لا بل لابد من معرفة العدالة باطنًا، والمذهب هو الإنعقاد بهما بخلاف حكم القاضي فإنه لابد فيه من ذلك لأنه يسهل على الحاكم مراجعة المزكين ومعرفة العدالة الباطنة، والنكاح يقع بين العامة وأوساط الناس فلو كلفوا بها لشق عليهم، ويعني بالمستور من يعرف بالعدالة ظاهرًا لا باطنًا، وذكر في "التهذيب" أنه لا ينعقد بشهادة من لا يعرف عدالته ظاهرًا، وهذا كأنه مصور لمن لا يعرف إسلامه وإلا فالظاهر من حال المسلم الإحتراز من أسباب الفسق.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن ما حاوله الرافعي في آخر كلامه من الحكم بالصحة فيمن علم إسلامه لكون الغالب على المسلم الاحتراز، ومن حمل كلام البغوي عليه حكمه صحيح، وحمل مقالة "التهذيب" عليه غلط كما قال الله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: 102]. أما الأول وهو صحة الحكم الذي ذكره تفقهًا فقد نقله صاحب "البحر" عن نص الشافعي فقال ما نصه: ولو حضر رجلان مسلمان العقد ولا يعرف حالهما من الفسق والعدالة انعقد النكاح بهما في الظاهر، نص عليه في "الأم" لأن الظاهر في المسألتين العدالة.
انتهى.
ثم نقل عن "الحاوي" نحوه.
وأما الثاني وهو فساد حمل كلام البغوي على هذا الحكم، فإن البغوي قد قال: وينعقد بشهادة المستورين والمستور من يكون عدلًا في الظاهر ولا يعرف عدالة باطنه، ثم قال بعد ذلك بأسطر: ولا ينعقد بشهادة من لا

الجزء: 7 - الصفحة: 38

يعرف عدالة ظاهره ولا من لا يعرف حاله في الإسلام والحرية ظاهرًا وباطنًا هذا لفظه فجمع بين من لا يعرف عدالة ظاهره ومن لا يعرف إسلامه، وحكم عليهما بعدم الصحة، وتلخص منه أنه يشترط عنده في العدالة معرفتها ظاهرًا فقط، وفي الإسلام المعرفة ظاهرًا وباطنًا، فاستحال تفسير أحدهما بالأخر فذهل الرافعي عن أخر كلام البغوي فوقع فيما وقع.
الأمر الثاني: أن النووي -رحمه الله- قد استدرك في "الروضة" على الرافعي فقال: قلت الحق: هو قول البغوي، وأن مراده من لا يعرف ظاهره بالعدالة وقد صرح البغوي بهذا، هذا كلامه، وقد ظهر لك خطأوه في ما قال: إنه الحق وسببه عدم اطلاعه على هذا النص الذي خفي على الرافعي أيضًا، وأيضًا فقوله إن مراد البغوي من لا يعرف ظاهره بالعدالة وإنه قد صرح بهذا عجيب أيضًا فإن هذا بعينه قد حكاه عنه الرافعي، وإنما توقف في فهم المراد منه، وقد تلخص من كلام البغوي أن المسلم الذي لم يعلم فسقه بالنسبة إلى العدالة أقسام: أحدها: أن تعرف عدالته ظاهرًا وباطنًا وذلك بأن يحكم الحاكم بها، وهذا القسم واضح.
الثاني: أن تعرف ظاهرًا فقط -أي بالمخالطة- من غير حكم حاكم فينعقد معها النكاح على المعروف.
الثالث: أن لا يعرف ظاهرًا ولا باطنًا كمن علمنا إسلامه، ولم نخالطه فنعلم حاله ولم يحكم الحاكم بعدالته فينعقد به على الصواب المنصوص الذي ذهب إليه الرافعي تفقها ولا ينعقد على ما قاله النووي ذهولًا عن المنقول.
واعلم أن في المسألة أمورًا أخرى مهمة يأتي الكلام عليها في أثناء

الجزء: 7 - الصفحة: 39

موانع الولاية في ضمن فصل طويل فراجع ذلك، وما جزم به الرافعي من عدم الانعقاد بمن لا يعرف إسلامه، وتبعه عليه في "الروضة" واقتضى كلامهما عدم الخلاف فيه، قد جزم القاضي أبو الطيب في أوائل كتاب القضاء من تعليقه بما يخالفه، فإنه نقل عن أبي حنيفة جواز الحكم في الأموال بشهادة مجهول العدالة، واستدلوا علينا بأنكم قلتم: إن النكاح ينعقد بشهادة شاهدين مجهولي الحال، ثم أجاب عنه بجواب ذكر في أثنائه ما نصه: ألا ترى أن النكاح ينعقد بشاهدين لا يعرف إيمانهما ولا يجب البحث عنه، ولا يجوز للحاكم أن يحكم بشهادة شاهدين بهذه الصفة، هذه عبارته ذكر ذلك قبل باب كتاب القاضي بنحو سبع أوراق، وقد سلك الشيخ في "التنبيه" مسلك شيخه في ذلك فقال: ولو عقد بشهادة مجهولين جاز على المنصوص فتفطن لذلك، ولم يقف ابن الرفعة على مستند كلام الشيخ فظن أن أحدًا لم يقل به فحمله على غير ما يقتضيه كلامه.

قوله: ولو أخبر عدل عن فسق المستور فهل يزيل إخباره الستر حتى لا ينعقد النكاح بحضوره؟ وإن زال فينحى بإخباره نحو الروايات، أو يقال هو شهادة فلا تعتبر فيه الأقوال من يخرج عند القاضي، تردد فيهما جميعًا الإمام.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حكاية التردد عن الإمام من غير ترجيح مع أن الإمام لما ذكر ذلك رجح الأول، والعجب من ترك الرافعي للترجيح الذي هو موضع الحاجة.

قوله: ولو اعترف الزوج بشيء من موانع الصحة كفسق الشاهدين فرق بينهما، وفي سبيل هذا التفريق وجهان: أحدهما: أنه طلاق بائن والثاني: فرقة فسخ إلى آخره.

الجزء: 7 - الصفحة: 40

ذكر مثله في "الشرح الصغير" والراجح: أنها فسخ ففي "زيادات الروضة" أنه الأصح أو الصحيح.

قوله: من "زوائده" ولو قالت عقدنا بفاسقين، فقال: بل بعدلين فأيهما يقبل؟ وجهان الأصح قوله فإن مات لم يرثه، وإن ماتت أو طلقها قبل الدخول فلا مهر لإنكارها وبعد الدخول لها أقل الأمرين من المسمى ومهر المثل.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أنه لا مهر لها قبل الدخول لإنكارها ليس على إطلاقه، بل ينبغي تقييده بما إذا لم يعطها الزوج ذلك فإن أعطاها فليس له استرداده، فقد ذكر الرافعي هذا التفصيل في آخر الرجعة في نظير المسألة، وتبعه عليه في "الروضة" فقال فيما إذا قال الزوج طلقتها بعد الدخول فقالت بل قبله ما نصه: ثم هو مقر لها بكمال المهر، وهي لا تدعي إلا نصفه، فإن كانت قبضت الجميع فليس له مطالبتها بشيء، وإن لم يقبضه فليس له إلا أخذ النصف هذا لفظه، والنصف الذي ينكره هناك هو نظير الجميع هنا.

قوله: ولو وكل بنته بأن توكل رجلًا بتزويجها فوكلت، نظر إن قال: وكلى عن نفسك لم يصح، وإن قال: وكلى عني أو أطلق فوجهان.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" والراجح الجواز كذا رجحه ابن الصباغ والمتولي.

قوله: واعلم أن ما روي عن يونس بن عبد الأعلى أن الشافعي - رضي الله عنه - قال: إذا جمعت الرفقة امرأة لا ولى لها فولت أمرها رجلًا حتى زوجها يجوز، ليس قولًا في تجويز النكاح بلا ولى لأن أبا عاصم العبادي لما حكي هذا النص في "طبقات الفقهاء" ذكر أن من أصحابنا من أنكر هذه الرواية

الجزء: 7 - الصفحة: 41

ومنهم من قبلها، وقال: إنه تحكيم، فإن لم يثبت فذاك، وإن ثبت فهذا نكاح بولى، وهو المحكم القائم مقام الحاكم.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصح جواز هذه المسألة لأن الأصح المذكور في كتاب القضاء جواز التحكيم في عقد النكاح مع وجود الحاكم ودونه، وقد صححه أيضًا هنا النووي من زياداته فقال: وهذا صحيح بناء على الأظهر في جوازه في النكاح، ولكن شرط المحكم أن يكون صالحًا للقضاء وهذا يعسر في مثل هذا الحال، فالذي نختاره صحة النكاح إذا ولت أمرها عدلًا وإن لم يكن مجتهدًا وهو ظاهر النص الذي نقله يونس وهو ثقة، هذا كلامه.
وإذا علمت جميع ما تقدم علمت أن الصحيح جواز هذه المسألة سفرًا وحضرًا مع وجود القاضي ودونه، لأنه الصحيح في التحكيم وسواء كان السفر طويلًا أم قصيرًا على ما اقتضاه الخلاف.
الأمر الثاني: أن كلامه يقتضي إنكار الخلاف في مباشرة المرأة ذلك بنفسها وليس كذلك، بل فيه وجهان مذكوران في "البحر" قال: سواء كان فقد الولى والحاكم في السفر أو في الحضر وحكاهما أيضًا في "زوائد الروضة" عن "الحاوي".

قوله: ولو رفع النكاح بلا ولي إلى قاض يصححه فحكم بصحته، ثم رفع إلينا لم ننقض قضاؤه.
وقال الإصطخري: ينقض ولو طلق في النكاح بلا ولى لم يقع طلاقه، فلو طلق ثلاثًا لم يفتقر إلى محلل.
وقال أبو إسحاق: يقع ويفتقر إلى المحلل احتياطًا للأبضاع.
انتهى.
فيه أمران:

الجزء: 7 - الصفحة: 42

أحدهما: أن ما صححه هاهنا من عدم النقض قد ذكر في كتاب القضاء ما يخالفه وسلم النووي من ذلك، فإن تعبيره يدل على خلاف تعبير الرافعي، وسوف نقف على ذلك هناك إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: أن تعبير "الروضة" يوهم أن عدم وقوع الطلاق من تفاريع الحكم بالصحة وليس كذلك فتفطن له واجتنبه.

قوله: والجديد قبول إقرار المرأة بالنكاح ثم قال ما نصه: فإن قلنا بالجديد فيكفي إطلاق الإقرار أم لابد وأن تفصل فتقول زوجني وليي منه بحضور شاهدين عدلين ورضائي إن كان ممن يعتبر رضاها؟ فيه وجهان بناء على الخلاف في أن دعوى النكاح تسمع مطلقة أو -يجب التفصيل والأصح الثاني.
انتهي كلامه.
وحاصله تصحيح وجوب التفصيل في الإقرار بالنكاح أيضًا، وقد خالف ذلك في أوائل كتاب الدعاوى في المسألة الخامسة فقال: أظهر الوجهين: أنه لا يجب وسوف أذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى، ووقع الموضعان كذلك في "الشرح الصغير" وقعا أيضًا في "الروضة" على كيفية هي أفحش في الاختلاف مما وقع في الرافعي، فإنه قال هنا: الأصح أنه لا يكفي إطلاق الإقرار ولم يتعرض للبناء، وقال في الدعاوى: المذهب أنه يكفي الإطلاق، وقيل في اشتراط التفصيل الخلاف في الدعوى والشهادة وهو ضعيف، هذا لفظه في الموضعين.

قوله: ولو قال الأب وهي بنت: كنت زوجتها في بكارتها لم يقبل، واعتبر وقت الإقرار كذا أطلقه الإمام وهو الظاهر، ويمكن جعله على الخلاف في ما لو أقر مريض لوارثه بهبة في الصحة.
انتهى.
تبعه أيضًا في "الروضة" على هذا التخريج والفرق ظاهر، فإن النكاح يشتهر أمره والإشهاد شرط فيه فلا يعسر على الأب إقامة البينة عليه

الجزء: 7 - الصفحة: 43

بخلاف الأموال خصوصًا اليسير منها.

قوله: أقرت لزوج وأقر وليها إقراره لآخر فهل المقبول إقراره أم إقرارها؟ وجهان.
انتهى.
أعاد هذه المسألة في باب اختلاف الزوجين وهو قبيل الصداق، وحكى مع هذين الوجهين احتمالين آخرين للإمام: أحدهما: يقدم السابق.
والثاني: يبطلان جميعًا، قال: فحصل في المسألة أربع احتمالات، ولم يرجح شيئًا منها، وتابعه في "الروضة" عليه.

الجزء: 7 - الصفحة: 44

الفصل الأول في أسباب الولاية

قوله: فلو كان بين الأب وبينها عداوة ظاهرة قال ابن كج: ليس له إخبارها وكذا نقله عن ابن المرزبان قال: ويحتمل جوازه.
انتهي.
ذكر في "الروضة" مثله وحاصل كلامهما أنه ليس في المسألة ما يخالف مقالة هذين الاحتمالين، لكن حاصل كلام الماوردي الجزم بخلافهما، فإن قال: فإن كان الولى عدوًا للزوج أو للزوجة فهو على ولايته.
ثم قال: فإن قيل فإذا كان عدوًا لها وضعها في غير كفء قبل رشده، وما يخافه من لحوق العار يمنع من هذا التوهم هذه عبارته، وذكر الروياني في "البحر" مثله أيضًا وهو صريح في فرضه في الولى المخير، وإلا لم يصح السؤال ولا الجواب، ونقل في "الكفاية" في المسألة وجهين عن الحناطي وهو غلط نشأ عن تحريف وإنما هو الجيلى شارح "التنبيه" وقد نبهت عليه في كتابي المسمى "بالهداية".

قوله: وإن حصلت الثيابة بالسقطة أو الأصبع أو حدة الطمث أو طول التعنيس فظاهر المذهب أنها كالأبكار.
انتهى.
أما الثيابة فقد عدل عنها في "الروضة" وعبر بالثيوبة وكلاهما ليس من كلام العرب كما ذكره المطرزى في كتاب "المعرب"، وأما الطمث بالثاء المثلثة فهو الحيض: يقال طمثت المرأة بفتح الميم فطمثت بضمها وطمثت بالكسر أيضًا في [لغة قاله] 37 الجوهري، وأما التعنيس فبعين وسين مهملتين بينهما نون يقال: عنست المرأة بالتخفيف وبالتشديد مع فتح العين وضمها فهي عانس ومعنسة إذا بقيت زمانًا بعد أن بلغت حد التزويج لا تتزوج، وأكثر ما يستعمل في النساء روي عن الشعبي والنخعي.
العذرة

الجزء: 7 - الصفحة: 45

يذهبها التعنيس والحيضة.

قوله: وإذا عضل من يلي أمرها بقرابة أو إعتاق واحدًا كان أو جماعة مستورين زوجها السلطان.
انتهي كلامه.
وصورة تزويج السلطان بالعضل إذا لم يتكرر، كذا ذكره في آخر الكلام على الفاسق فقال والعضل ليس من الكبائر، وإنما يفسق به إذا عضل مرات أقلها في ما حكى بعضهم ثلاث، وحينئذ فالولاية للأبعد هذا كلامه، والتفسيق بالثلاث مخالف لما ذكره الرافعي في كتاب الشهادات كما ستعرفه إن شاء الله تعالى مبسوطًا في موضعه فراجعه.
وهل المراد بالثلاث هنا هو الأنكحة أو بالنسبة إلى عرض الحاكم، وإن كان في نكاح واحد؟ فيه نظر.

قوله: ولفظ البالغة في قول الغزالي ولو التمست البكر البالغ التزويج هل هو للتقييد؟ ذكر بعضهم أن الصغيرة أيضًا إذا إلتمست وجبت الإجابة إذا كانت في أوان إمكان الشهوة، فعلى هذا ليس هو للتقييد.
انتهى كلامه.
وهذه المقالة ضعيفة كما قال في "الروضة" من زياداته.

قوله: من "زوائده" قال الصيمري: فإن قاربت البلوغ وأراد تزويجها استحب أن يرسل إليها ثقات ينظرن ما في نفسها، ولو ادعت البكارة أو الثيوبة فقطع الصيمري وصاحب "الحاوي" بأن القول قولها ولا يكشف حالها لأنها أعلم، قال صاحب "الحاوي": ولا تسأل عن الوطء، ولا يشترط أن يكون لها زوج.
قال الشاشي: وفي هذا نظر لأنها ربما ذهبت بكارتها بأصبعها فله أن يسألها، فإن اتهمها حلفها، والله أعلم.

الجزء: 7 - الصفحة: 46

هذا كلام "الروضة"، لكن الرجوع إليها في دعواها الثيابة محله إذا كان قبل العقد، كذا صرح به الماوردي فقال عقب كلامه المتقدم ما نصه.
فلو زوجها الأب بغير إذن لاعتقاده أنها بكر فادعت بعد عقده أنها ثيب لم يقبل قولها في إبطال النكاح بعد وقوعه على ظاهر الصحة، لأن الأصل فيها البكارة.
فإن أقامت أربع نسوة بأنهن شاهدنها قبل النكاح ثيبًا لم يبطل العقد أيضًا لجواز أن تكون عذرتها زالت بطفرة أو أصبع أو حلقة، هذا كلام الماوردي، وذكر الروياني في "البحر" مثله أيضًا وهو ظاهر، وخالف القاضي حسين في فتاويه، وقال: إذا شهدن بعد العقد أنها ثيب حكم بانفساخ النكاح، قال: فلو ادعى الزوج حدوث الثيابة بعد العقد فله تحليفها على أنها كانت ثيبًا.

قوله: الثاني: إذا قال أيجوز أن أزوجك؟ فقالت: لما لا يجوز، أو قال أتأذنين فقالت لم لا آذن؟ ، حكم بعضهم أنه ليس بإذن ولك أن تقول هذا اللفظ مشعر برضاها فهو أولى من سكوتها.
انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: المختار أنه إذن.
انتهى.
واعلم أن هذا القائل لم يفرض هذه المسألة في البكر حتى يقول الرافعي ما قال، بل يجوز أن يكون كلامه مفروضًا في الثيب، بل هو الظاهر، والبحث الذي ذكره الرافعي على هذا غير مستقيم.
نعم يتجه أن يكون مدرك المانع إتيانه بالمضارع ولهذا لو قال: أتبيعني؟ فقال: بعتك لم يصح، وما ذكروه في هذه المسألة قياسه أن يأتي في الوكالة ونحوها مثله.

قوله: الثالث: لو قالت: وكلتك بتزويجي فالذين لقيناهم من الأئمة لا يعتدون به إذنًا لأن توكيل المرأة في النكاح باطل لكن الفرع غير مسطور،

الجزء: 7 - الصفحة: 47

ويجوز أن يعتد به إذنًا لما ذكرنا في باب الوكالة أنها وإن فسدت فالأصح أنه ينفذ التصرف بحكم الإذن، انتهى كلامه.
وما ادعاه من كون المسألة غير مسطورة عجيب، فإنها مسطورة في هذا الموضع من كتابين هو كثير النقل عنهما خصوصًا في أبواب النكاح وأحدهما: قد نقلها عن نص الشافعي فأحد الكتابين "فتاوى البغوي"، فقال: إذا جاء رجل إلى القاضي، وقال: إن فلانة قد أذنت لك في تزويجها مني، واعتمد القاضي على قوله جاز له تزويجها منه، فإن اتهمه لم يجز، ولو قال وكلتك فلا يصح منها التوكيل، هذه عبارته، وهو جازم بالبطلان على وفق ما يقتضيه كلام الرافعي.
وثانيهما: "البيان" للعمراني، فقال: يجوز للمرأة أن تأذن لوليها غير المخبر بلفظ الإذن ويجوز بلفظ الوكالة نص عليه الشافعي - رضي الله عنه - لأن المعنى فيهما واحد هذا لفظه، وقد وقف في "الروضة" على كلام "البيان" خاصة فذكره ثم قال: إن هذا هو الصواب نقلًا ودليلًا، قلت والأمر كذلك، وما علل به المانع من أن توكيلها في النكاح باطل كلام عجيب لأنه إن أراد بذلك توكيلها لأجنبي فالبطلان لانتفاء الولى بخلاف مسألتنا، وإن أراد توكيلها لوليها، حيث اشترط إذنها فهو محل النزاع.
نعم المفهوم عرفًا من التوكيل هو الإذن فيما يجوز له تعاطيه، والتعاطي منتف فيكون ذلك من قاعدة بطلان الخصوص والأصح فيها بقاء العموم، وهو الإذن، لا جرم كان الجواز في مسألتنا أرجح.

قوله في "الروضة": فرع في "فتاوي البغوي": أن التي يعتبر إذنها في تزويجها إذا قالت لوليها وهي في نكاح أو عدة: أذنت لك في تزويجي إذا فارقني زوجي أو انقضت عدتي فينبغي أن يصح الإذن كما لو قال الولي

الجزء: 7 - الصفحة: 48

للوكيل زوج بنتي إذا فارقها زوجها أو انقضت عدتها، وفي هذا التوكيل وجه ضعيف أنه باطل، وقد سبق في الوكالة.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة -أعني قول الولى للوكيل ذلك- في حالة قيام المانع هي مذكورة في ثلاثة مواضع من الرافعي و"الروضة": أحدها: ما ذكرناه ومحله في الرافعي قبيل الصداق بقليل، ولكن نقله في "الروضة" إلى هذا الموضع.
والثاني: بعدها بأوراق في الكلام على الإحرام.
والثالث: في أوائل الوكالة وتناقض فيه كلامهما جميعًا لكن ما وقع للنووي فإنه أصرح [وأشبع] 38 وقد بسطت الكلام على المسألة في الوكالة فراجعه.

قوله: وحكى الإمام خلافًا في أن السلطان والحالة هذه أي حالة العضل يزوج بالولاية أم بالنيابة عن الولى وأجرى هذا الخلاف في جميع صور تزويج السلطان مع قيام الولى الخاص وأهليته.
انتهى كلامه.
ذكر ابن الرفعة في "الكفاية" كذلك فوائد فقال: وقد تظهر ثمرته عند العضل في أن المرأة لو كانت ببلد فأذنت لحاكم بلد الولي في تزويجها، فهل يجوز له ذلك؟ ، إن قلنا تزوجها بالولاية فلا كما لو لم يكن لها ولي خاص، وإن قلنا بالنيابة فلا شك أن سببها إنما هو وفاء ما عليه من حق كما لو كان عليه دين فامتنع من وفائه أو غاب، ووفاء الحقوق المتوجهة على الغائب أو الممتنع من أدائها لا يختص بحاكم بلد صاحب الحق فأشبه أن يكون التزويج هنا كذلك، وتظهر ثمرته عند الغيبة في أن الولاية هل تنتقل إلى الأبعد أم لا؟ وفيه وجهان حكاهما الرافعي.
فإن قلنا: إذا لم يكن لها إلا ولي.
الحاكم يزوج عند غيبته بطريق الولاية، فإذا غاب وكان لها ولى أبعد منه انتقلت إليه لأن ولاية الحاكم تكون بعد ولاية القريب، وإن قلنا في ما

الجزء: 7 - الصفحة: 49

إذا لم يكن لها إلا ولى واحد وغاب أن الحاكم يزوج بالنيابة فلا ينتقل [بلا] 39 غيبة القريب إلى الأبعد كما لو كان له وكيل، وهاتان الفائدتان ذكرهما في الأصل وكتب في الحاشية بخطه فقال: ويمكن أن تظهر فائدة أخرى في حال الغيبة، وهي ما إذا قامت بينة على أن الولي زوجها في الوقت الذي زوجها فيه الحاكم، فإن قلنا: إنه بطريق النيابة قدم تزويج الولى، وإن جعلناه بطريق الولاية فإما أن يبطلا معًا كما لو زوجها وليان في وقت واحد، وإما أن يقدم تزويج الحاكم لقوة ولايته وعمومها، ويدل عليه إذا زوج الحاكم في حال غيبة الولى [ثم قدم الولى] 40، وقال: كنت زوجتها في الغيبة فإن أصحابنا قالوا بعدم نكاح الحاكم، ثم قال -أعني ابن الرفعة-: ويمكن أن تظهر فائدة أخرى عند العضل، وهو ما إذا لم نشترط الحضور بين يدى القاضي بل اكتفينا بثوبته عنده فزوج القاضي في غيبته، ثم قامت بينة أنه كان قد رجع عن العضل قبل تزويج القاضي، فإن قلنا أنه بالنيابة فيخرج على عزل الوكيل، وإن قلنا بالولاية فيخرج على عزل القاضي هذا كلامه.

قوله: قال في "التهذيب": ولا يتحقق العضل حتى يمتنع بين يدى الحاكم، وذلك بأن يحضره الخاطب والمرأة والولي، ويأمره القاضي بالتزويج فيقول لا أفعل أو يسكت، وحينئذ فيزوجها القاضي، ثم قال: وكان هذا في ما إذا تيسر إحضاره عند القاضي أما إذا تعذر [بتغرير] 41 أو بتوار وجب أن يثبت بالبينة كما في سائر الحقوق وفي تعليق الشيخ أبى حامد ما يدل عليه.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره بحثًا بعد أن توقف فيه وحمل عليه كلام البغوي قد

الجزء: 7 - الصفحة: 50

تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غريب، فقد صرح به البغوي نفسه في "فتاويه"، والغريب أن الرافعي نقله عنه في آخر كتاب الإيلاء وجعله أصلًا، وقاس عليه حكمًا آخر، وجزم به أيضًا القاضي الحسين في "فتاويه" قبيل الصداق بنحو ورقة وشيء.

قوله: الثالثة: لا ولاية للابن بالبنوة خلافًا للأئمة الثلاثة، دليلنا أنه لا مشاركة بين الأم والابن في النسب فلا يعتني بدفع العار عن النسب.
انتهى.
زاده الإمام إيضاحًا فقال: فانتسابها إلى أبيها وانتساب الابن إلى أبيه.
وما ذكره من أنه لا مشاركة بين الأم والابن في النسب، قد خالفه في مواضع، فقال في أوائل كتاب الفرائض: والمناسبون قسمان من يدلي إلى الميت بغير واسطة وهم الأبوان والأولاد، وقال أيضًا في الكلام على الحجب الضرب الثاني: المنتسبون إلى الميت من جهة السفل إلى آخره.
وقال في كتاب الوقف: فإن قال: وقفت على من ينتسب إلى من أولادي وأولاد أولادي خرج أولاد البنات، وقيل يدخلون لحديث الحسن.
انتهي.
فجزم بأن الأولاد وأولاد الأولاد يدخلون في النسب سواء كان الواقف رجلًا أو امرأة.

قوله: فرع: لو كان المعتق خنثى مشكلًا فينبغي أن يزوجها أبوه بإذنه فيكون وليًا أو وكيلًا إن كان الخنثى ذكرًا.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وليس فيه تصريح بنقل في المسألة ولا بان ذلك على جهة الوجوب أو الاستحباب، لكن تعبيره مشعر بأنه مستحب وأنه أبداه تفقهًا، وقد ذكر البغوي المسألة في "فتاويه" فقال: فلو كان الأقرب خنثى مشكلًا زوج الأبعد، وحكم الخنثى كالمفقود، هذه عبارته

الجزء: 7 - الصفحة: 51

وهي شاملة لكل ولي سواء كان بالنسب أو الإعتاق وقياسه أن يكون التزويج في المال الذي ذكره الرافعي لولد المعتق لا لوالده وفيه بعد؛ لأنه لا يستقيم مع ذكورة المعتق ولا مع أنوثته والخنثى لا يخرج عنهما والمتجه إيجاب الطريق التي ذكرها الرافعي في القسمين جميعًا؛ لأنا قد شككنا في ولاية الخنثى وفي ولاية من بعده، والأصل عدم ولاية كل واحد على انفراده فوجب الاحتياط بما ذكره الرافعي وأن يكون كلام البغوي مختصًا بالأقارب.

الجزء: 7 - الصفحة: 52

فصل في موانع الولاء

قوله في أصل "الروضة": ويجوز أن يتوكل الرقيق لغيره في قبول النكاح بإذن سيده قطعًا.
انتهى.
ليس كما قال من دعوى القطع فقد ذكر هو من زياداته في الركن الثالث من كتاب الوكالة أن فيه وجهين محكيين في "الشامل" و"البيان" والغريب أن الموضعين جميعًا من زياداته، فإن الرافعي هنا لم يدع القطع بذلك.

قوله: وإذا كان الأقرب صبيًا زوجها الأب، ولا يخفى أن هذا لا يتصور في الأب والجد.
انتهى.
وما ذكره من عدم تصوره ليس كذلك بل يتصور كما أوضحته في "طراز المحافل في ألغاز المسائل"، ويتفرع هنا فنذكره أيضًا فنقول.
صورته فيما إذا زوج الأب ولده الصغير، ثم أتت زوجته بولد في زمن إمكان بلوغه وهو كمال التاسعة على الصحيح، فإن الولد يلحقه إذا مضى عليه بعد زمن الإمكان ستة أشهر ولحظة تسع الوطء، وإذا حكمنا بثبوت النسب لم يحكم بالبلوغ لأن النسب يثبت بالاحتمال بخلاف البلوغ، كذا جزم به الرافعي في آخر كتاب اللعان، وتبعه عليه في "الروضة"، نعم ذكر ذلك الرافعي في باب الحجر أنه إذا تزوج صغيرة وطلقها بعذر من إمكان بلوغها، ثم أتت بولد قبل مضي أربع سنين من الطلاق، فإن الولد يلحق الزوج ويحكم ببلوغ المرأة قبل الطلاق، وكان قياسه من مسألتنا أن لا يحكم ببلوغها من ذلك لأن البلوغ لا يثبت بالإمكان إلا أن الفارق تحقق المقتضي في المرأة وهو الولادة بخلاف إنزال الصبي.

قوله: وفي الجنون المتقطع وجهان: أحدهما: يزوجها الأبعد في يوم

الجزء: 7 - الصفحة: 53

جنونه لبطلان أهليته وزوال ولايته في نفسه وماله وهذا أصح عند القاضي ابن كج، والإمام وهو المذكور في الكتاب.
والثاني: أنه لا يزيل الولاية، لأنه يشبه الإغماء من حيث إنه يطرأ ويزول وهذا أصح عند صاحب "التهذيب" إلى آخره.
واعلم أن هذا الكلام ظاهره رجحان الأول لأن القائلين به أكثر عددًا، ولهذا صرح النووي بتصحيحه في أصل "الروضة"، لكن -أعني الرافعي- رجح في "الشرح الصغير" الوجه الثاني فقال فيه وجهان أشبههما عدم الانتقال والأول هو مقتضى كلام "المحرر" فإنه أطلق أن الجنون ينقل.

قوله: ونقل الإمام وجهين في ما إذا أفاق المجنون وبقيت آثار خبل يحتمل مثلها ممن لا يعتريه الجنون على حده في الخلق فهل تعود ولايته أم يستدام حكم الجنون إلى أن يصفو من الخلل؟ وجهان.
انتهى.
قال في "الروضة" من زياداته: لعل الثاني أصح.

قوله: وأما السفيه المحجور عليه فالمشهور أنه لا يلي، وحكى صاحب "المهذب" مع هذا وجهًا جيدًا أنه يلي لأنه كامل النظر في مصالح النكاح، وإنما حجر عليه لأن لا يضيع ماله، ثم قال: وإذا وجد التبذير المقتضي للحجر ولم يحجر عليه فما ينبغي أن تزول الولاية.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن النووي في اختصاره لكلام الرافعي قد عبر بقوله والحجر بالسفه يمنع الولاية على المذهب، وقيل وجهان فاقتضى كلامه أن الرافعي حكى طريقين وصحح طريقة القطع، وليس كذلك، بل حاصل كلامه حكاية وجه ضعيف في النقل قوي في المأخذ، ولهذا اقتصر في "الشرح الصغير" على حكاية وجهين، ولم أقف أيضًا على حكاية طريقين في

الجزء: 7 - الصفحة: 54

كلام غيره.
الأمر الثاني: أن التعليل الذي ذكره الرافعي لولاية السفيه المحجور عليه على وجه يؤخذ منه أن محل الخلاف إذا حجر عليه لأجل تضييع ماله، فإن كان الحجر لكونه لا يعرف الحظ لنفسه لم يلي جزمًا، وبه صرح الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" فتأمله، وقد أسقط النووي من "الروضة" التعليل المذكور.
الأمر الثالث: أن ما ذكره الرافعي بحثًا في غير المحجور عليه من كونه يلي واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه قد صرح به جماعة منهم الماوردي وصاحب "البحر" فحكيا فيه وجهين من غير ترجيح وحكاهما صاحب "الذخائر" لكنه صحح أنه لا يلي أيضًا، وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أوجه صرح بحكايتها في المطلب، ثالثها: التفصيل بين أن يحجر عليه أم لا، وقد حذف في "الروضة" المسألة بالكلية.

قوله: الرابعة: السكر إن حصل بسبب يفسق به وقع الكلام في أن الفاسق هل يلي؟ إن قلنا لا يلي فذاك، فإن قلنا يلي أو حصل بسبب لا يفسق به بأن كان مكرهًا أو غالطًا فإن لم ينفذ تصرف السكران فالسكر كالإغماء، وإن جعلنا تصرفه كتصرف الصاحي فمنهم من صحح تزويجه، ومنهم من منع لاختلال نظره، وبه قال الشيخ أبو محمد، والظاهر من ذلك كله أنه لا يزوج.
انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" وهو صريح في أن الخلاف الذي في تصرف السكران يجرى سواء كان متعديًا أو غير متعد وهو غلط، بل الصواب وهو الذي [في تصرف السكران] 42 ذكره في كتاب الطلاق أن الخلاف محله إذا كان متعديًا فيه فإن لم يكن فلا أثر له، ولم يتعرض في "الروضة" هنا لهذا الكلام، بل صحح أن السكران لا يلي واقتصر عليه.

الجزء: 7 - الصفحة: 55

قوله: ثم الخلاف في ما إذا بقي له تمييز نظر فأما الطافح الذي سقط تمييزه بالكلية فكلامه لغو.
انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من اختصاص الخلاف [بمن له تمييز قد خالفه في كتاب الطلاق فصحح جريان الخلاف] 43 مطلقًا وهو غريب وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه، والطافح بالفاء والحاء المهملة قال الجوهري هو الذي ملأه الشراب.

قوله: الخامس ذكر أبو الحسن العبادي وجهين في أنا هل نثبت الولاية لذوي الحرف الدنية إذا لم نثبتها للفاسق؟ . قال في "الروضة" من زياداته: المذهب القطع بثبوت ولايتهم قاله البغوي وغيره.

قوله: وهل يزوج اليهودي النصرانية؟ يمكن أن يلحق بالإرث فيزوج ويمكن أن يمنع لأن اختلاف الملل منشأ العداوة.
انتهى.
وهذه المسألة التي لم يقف الرافعي فيها على نقل وتوقف فيها، وتابعه على ذلك في "الروضة" والمسألة مشهورة في كتب المذهب فقد ذكرها الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" وجزما بالاحتمال الأول وعللاه بأن الكفر كله ملة واحدة فقال -أعني الماوردي- ولاية ولو كانت الكافرة نصرانية ولها أخ مسلم وأخ نصراني وأخ يهودي وأخ مجوسي فلا ولاية عليها للمسلم ويكون النصراني واليهودي والمجوسي في الولاية عليها سواء كما يتشاركون في ميراثها لأن الكفر كله ملة واحدة هذه عبارته، وعبارة الروياني مثله أيضًا ذكر ذلك في أثناء مسألة أولها ولي الكافرة لا يكون إلا كافرًا، وذكرها أيضًا كذلك إمام الحرمين، وكذلك المتولي في "التتمة"، وصرح بتخريجها على أن الكفر كله ملة واحدة أو ملل.
واعلم أن صورة هذه المسألة متوقف على مقدمة ذكرها الرافعي في هذا

الجزء: 7 - الصفحة: 56

الباب، وهو أنه إذا تزوج يهودي بنصرانية أو مجوسية فحصل بينهما ولد فإنه يخير بين دين أبيه ودين أمه، فإن قيل فكيف يكون الأخوة الثلاثة على السواء مع أن الشقيق مقدم على غيره؟ قلنا: تفرض المسألة في ما إذا كان الجميع إخوة لأب فقط.
واعلم أنه يحسن أن يفصل فيقال إن كان التزويج بالأخيار فلا تزوج بناء على أن شرط المخير أن لا يكون عدوًا للمخيرة كما نقله الرافعي عن ابن كج وغيره وإن لم يكن بالإخيار صح.

قوله: فرع في "فتاوى البغوي": أنه يجوز أن يوكل نصرانيًا أو مجوسيًا في قبول نكاح نصرانية ولا يجوز في قبول نكاح مسلمة، ويجوز توكيل النصراني مسلمًا في قبول نكاح مجوسية لأن المسلم لا يجوز له نكاحها بحال بخلاف توكيل المعسر موسرًا في تزويج أمة فإنه جائز لأنه يستبيحها في الجملة.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في أوائل الصداق فنقلها النووي في "الروضة" إلى هذا الموضع، وقد ذكر ما يخالفها في موضعين آخرين تقدم إيضاحهما في أوائل البيع في الكلام على شراء الكافر المسلم فراجعه.

قوله: قلت: لا يزوج مسلم كافرة إلا السلطان والسيد على الأصح.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في فصل ولاية السيد فلا حاجة إليها.

قوله من زياداته: ولا يزوج كافر مسلمة إلا أم ولده على وجه قاله الفوراني.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حصر هذا الوجه في أم الولد ليس بصحيح بل هو مطرد أيضًا في الأمة بناء على أنه يزوج بالملك، وقد نقله هو بعد ذلك عن ابن الحداد في الكلام على السبب الرابع.

الجزء: 7 - الصفحة: 57

قوله: ومن فاته الحج هل له أن ينكح قبل التحلل بعمل عمرة؟ وجهان حكاهما الحناطي.
انتهى.
والأصح المنع قاله في "الروضة" من زياداته.

قوله: ولو وكل رجل رجلًا بالتزويج، ثم أحرم أحدهما أو أحرمت المرأة ففي انعزال الوكيل وجهان والظاهر أنه لا ينعزل، ثم قال: وهل التزويج قبل تحلل الموكل؟ ، أثبت صاحب الكتاب يعني الغزالي فيه وجهين حيث قال: وإن كان الأظهر أن الوكيل لا يتعاطى في حالة إحرام الموكل بل بعده، ولم أر للخلاف ذكرًا في ما عثرت عليه من كتب الأصحاب، ولم يتعرض له في "الوسيط"، ولا ذكره الإمام.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على الإنكار على الغزالي وليس الأمر فيه كما قالا، بل الذي ذكره الغزالي مذكور في "تعليقة القاضي حسين"، فإنه قال: في باب نكاح المحرم: ظاهر المذهب أنه لا يزوج فأخذه الغزالي منه، وعبر بقريب من عبارته لكن ذكر القاضي أيضًا عند الكلام على الأولياء من التعليق المذكور أنه لا خلاف أنه لا يزوج، وعلى كل حال فلا إيراد على الغزالي لأن هذه الصيغة إن لم تقتض الخلاف فلا إشكال وإن اقتضته فقد سبقه إليه غيره من كبار أئمة المذهب، والرافعي -رحمه الله- لم يقع له التعليقة المذكورة فلذلك ذكر ما ذكر.

قوله: ولو وكله في حال إحرام الوكيل أو الموكل أو المرأة نظر إن وكله ليعقد في الإحرام لم يصح، وإن قال لتزوج بعد التحلل أو أطلق صح.
انتهى.
وهذه المسألة تقدم الكلام عليها وعلى نظائرها في أوائل كتاب الوكالة فراجعه.

قوله: فرع: عن نص الشافعي أن السلطان لا يزوج التي تدعي غيبة

الجزء: 7 - الصفحة: 58

وليها حتى يشهد شاهدان أنه ليس لها ولي حاضر وأنها خلية عن النكاح والعدة، واختلف الأصحاب فمن قائل إنه واجب احتياطًا، ومن قائل: إنه محبوب، فإن الرجوع في العقود إلى قول أربابها.
انتهى.
والأصح هو الاستحباب كذا صححه الروياني وغيره، وتبعهم عليه في "الروضة" وهذا التصحيح الذي ذكروه يقتضي أن التصرف الصادر من الحاكم لكونه حاكمًا لا يستلزم صدوره منه الحكم بصحته حتى إذا عقد نكاحًا مختلفًا فيه أو بيعًا أو غير ذلك، لا يجوز لأحد من الحكام نقضه، كما لو عقده غيره ثم حكم هو به، وإنما قلنا: إن كلامه هذا يقتضي ذلك لأنه لا يجوز له الحكم بالصحة في العقود والأملاك وغيرها بمجرد قول أربابها، بل لابد من البينة أو العلم به كما قرره وهذا الذي اقتضاه كلامه أصل عظيم وقاعدة مهمة فلنذكر ما حضرنا فيها فنقول: اختلفوا في هذه المسألة فجزم الماوردي في "الحاوي" في باب التفليس في الكلام على ما إذا قسم مال المفلس ثم ظهر غريم بأنه حكم، وذكر الرافعي في كتاب الفرائض نحوه فقال في الكلام على ميراث المفقود: الثالث لعلك تقول من الأصحاب من يقول لا يقسم ماله حتى تمضي مدة يعلم موته فيها ولا يتعرض لحكم الحاكم، كما نقلت عن ابن اللبان ومنهم من يعتبر الحكم على ما ذكره في الكتاب، فكيف الحال والذي ينبغي أن يقال في الجواب أن القسمة إن كانت بالقاضي فقسمته تتضمن الحكم بالموت، وإن اقتسموا بأنفسهم فيجوز أن يقدر فيه خلاف، هذا كلام الرافعي، وهو صريح في ما قلناه، ويؤيده أيضًا ما ذكره في كتاب القسمة أن جماعة إذا اعترفوا بالاشتراك الثاني ملك عند الحاكم واتفقوا على القسمة أو اختلفوا فيها أنه لا يقسم بينهم إلا ببينة تشهد بملكهم على الصحيح، وعلل بأمور منها ما قلناه، وذكر الشافعي في "الأم" نحوه فقال في باب ما يرد من القسمة ما نصه: وإن أردتم قسمتي فأتوا بالبينة على أصل حقوقكم فيها، وذلك

الجزء: 7 - الصفحة: 59

أني إن قسمت بلا بينة فجئتم بشهود يشهدون أني قسمت بينكم هذه الدار إلى حاكم غيري كان شبيهًا أن يجعلها حكمًا مني لكم، هذا لفظه بحروفه، وكذلك يؤيده أيضًا ما ذكره القاضي الحسين والماوردي وغيرهم أن المفلس إن تولى بيع أمواله فلا كلام وإن كان البائع هو الحاكم فلا يجوز حتى يشهد عنده بينة بملكه لها قالوا: ولا يكفي فيها يده ولا اعترافه وقياس الرهن كذلك أيضًا، وهذا الذي قالوا قياسه أن يتعدى إلى اليتيم إذا احتاط الحاكم لي الأموال التي بيد مورثه، فإنه يقتضي عدم جواز بيعها إلا ببينة إلا أن يفرق بأنه لا ضرورة إلى مباشرة الحاكم لبيع مال المفلس فإن المفلس قادر على بيعها بخلاف أموال اليتيم، إذا علمت هذا فقد جزم ابن الصباغ في "الشامل" بأنه ليس بحكم، ذكر ذلك في الموضع الذي جزم فيه الماوردي بأنه حكم، وهو في ما إذا قسم مال المفلس، ثم ظهر غريم، وذكر الرافعي في كتاب العدد في أوائل الباب الثالث من عدة الوفاة والمفقود نحوه أيضًا، فقال: وإذا قلنا بالقول القديم وهو أن المرأة تمكث أربع سنين، ثم يحكم الحاكم بوفاة زوجها، وتعتد عدة الوفاة، فالأصح عند كثير من الأئمة أن المدة تفتقر إلى ضرب القاضي، قيل يكفي مضيها من وقت انقطاع الخبر، ثم قال وإذا ضرب القاضي المدة فمضت، فهل يكون حكمًا بوفاته أم لابد من استئناف حكم؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني.
انتهى كلامه.
ولما ذكر الماوردي الأقوال في البداءة بالتسليم عند تنازع البائع والمشتري ذكر القول بأن الحاكم [يجبرها على تسليم ذلك إليه، والقول الآخر بأن الحاكم] 44 ينصب لهما أمينًا عدلًا ويامر كل واحد منهما بتسليم ما بيده، ثم قال: كان أبو إسحاق المروزي يجعلهما قولًا واحدًا، وامتنع سائر الأصحاب من ذلك، وقالوا: كل واحد منهما مخالف لصاحبه لأن الدفع

الجزء: 7 - الصفحة: 60

والتسليم في أحدهما إلى الحاكم فكان كحكمه، وفي الآخر الحكم منه في نصب الأمين والأمر بالتسليم فاختلفا، هذا كلام الماوردي، وهو يفيد أن تصرفه حكم بخلاف إذنه.
قال ابن الرفعة في حاشية كتبها في أوائل النكاح من "الكفاية": وهذا في العقود إنما يأتي إذا تقدم القبول على الإيجاب أما إذا تقدم الإيجاب من الحاكم فلا يمكن الحكم بصحته، إذ الحكم بها موقوف على وجود العقد فكيف يحكم به قبل صدوره والذي قاله حسن متعين.
واعلم أن ابن الصلاح قد ذكر في فتاويه أن الخلاف في جواز العقد بالمستورين محله إذا كان العاقد غير حاكم.
قال: أما إذا باشره الحاكم فإنه لا ينعقد بهما بلا خلاف، بل لابد من العدالة الباطنة، قلت وحكى في "التتمة" فيه طريقين: أصحهما إجراء الخلاف، ومدرك البطلان هذه القاعدة أن الحكم بالصحة لا يجوز بشاهدين مستورين، لكن ابن الصلاح لم يذكر هذه العلة بل علله بأن الحاكم لا يتيسر عليه الوقوف على العدالة الباطنة بخلاف الآحاد؛ والمراد من العدالة الباطنة هو أن تكون العدالة مستندة إلى التزكية، وصرح بذلك الرافعي في كتاب الصيام في الكلام على قبول الواحد، وليس المراد بالباطنة أن تكون حاصلة في نفس الأمر فإنه لا يمكن الاطلاع عليه، حتى يقال: إنه شرط للحكم بالصحة على وجه.
قال البغوي في "فتاويه": وإذا جاء رسول المرأة إلى القاضي وأخبره بأنها أذنت له في تزويجها وظن صدقه جاز له الاعتماد عليه والتزويج بقوله، وهذا الذي قاله يقتضي أن تصرفه ليس حكمًا بالصحة لأن الحاكم يعتمد قيام البينة أو العلم، لكن في الفتاوى الموصلية للشيخ عز الدين بن عبد السلام عكس ذلك فقال لو أخبر صدوق شخصًا بأن الولي أذن له في

الجزء: 7 - الصفحة: 61

تزويج موليته فلا يجوز له الاعتماد عليه، فإن زوج معتمدًا عليه، ثم بان صدقه لم يصح أيضًا.
فانظر كيف بالغ الشيخ عز الدين ومنع غير الحاكم، لكن في "طبقات الفقهاء" للعبادي في ترجمة أبي القاسم الكعبي قال: وليس هذا الكعبي المعتزلي أنه إذا قال شخص أنا وكيل فلان يتزويج ابنته جاز للغير قبول التزويج، فإن أنكر الولي فهل هو فرقة أو جحود؟ قال نقل فيه جوابان، وذكر الرافعي في آخر باب الوكالة أن شخصًا لو ادعى أنه وكيل في بيع أو نكاح وصدقه من يعامله صح العقد، وهذا يوافق كلام الكعبي لكنه شرط فيه الصدق، ولم يذكر التفريع الذي عليه، وهو إنكار المالك أو الولي.
واعلم أن الرافعي في باب الإقرار بالنسب قد ذكر كلامًا يؤخذ منه قاعدة نافعة متعلقة بما نحن فيه، فإنه ذكر أن الإمام إذا استلحق مجهولًا بمن لا وارث له يثبت نسبه في أصح الوجهين، ثم قال: هذا إذا ذكره الإمام لا على وجه الحكم، أما إذا ذكره على وجه الحكم فإن قلنا يقضي بعلمه ثبت النسب وإلا فلا، وقد طال الكلام على هذه المسألة ولولا زيادة طوله لاستوعبنا ما فيه من الكلام نقلًا ودليلًا لكن كتابنا هذا ليس معقودًا لذلك، بل للتنبيه على ما وقع في الرافعي و"الروضة" مختصرًا.

قوله في أصل "الروضة" في المسألة المذكورة: وعلى الاستحباب فلو ألحت في المطالبة فرأى السلطان التأخير ففيه وجهان.
انتهى.
هذا يقتضي أن الخلاف لأصحاب الشافعي وهو غلط وذلك أن الرافعي -رحمه الله- قال: فيه وجهان رواهما الإمام عن أهل الأصول، ورأيت في "النهاية" في باب اجتماع الولاة وتفريقهم بعد نحو ست ورقات منه في ما إذا سألت المرأة ذلك وألحت ما نصه: وهذا لا ينتهي إليه كلام الفقهاء وهو من محض أحكام الإمامة، وقد اختلف أرباب الأصول فيه فذهب قدوتنا

الجزء: 7 - الصفحة: 62

في الأصول إلى أنها تجاب، وأقصى ما يمكن السلطان منه أن يستمهلها، فإن أبت أجابها، وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى أن القاضي لا يجيبها إن رأى ذلك رأيًا، ويقول لا يجب على إجابتك ما لم أحيط، وهذا لا يتضح بهذا القول ولعلنا نجمع كلامًا شافيًا في أحكام الأئمة والولاة إن شاء الله تعالى، انتهى لفظ الإمام، وقد اتضح أن أحد القائلين هو القاضي أبو بكر وهو من المالكية، والظاهر أن الآخر هو الشيخ أبو الحسن الأشعري، وحينئذ فليست المسألة ذات وجهين.

الجزء: 7 - الصفحة: 63

الفصل الرابع في تولي طرفي العقد

قوله: إحداها هل يتولى الجد طرفي النكاح في تزويج بنت ابنه من ابن ابنه الآخر؟ فيه وجهان اختيار ابن الحداد والقفال، وصاحب "الشامل" أنه يجوز، واختار صاحب "التلخيص" وجماعة من المتأخرين المنع.
انتهى ملخصًا.
والراجح الجواز فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أقوي الوجهين، وقال في "المحرر": رجحه المعتبرون، ونقله في "الروضة" من زياداته عنه وسكت عليه.

قوله: الثالث: إذا قالت لابن العم والمعتق زوجني أو زوجني ممن شئت ليس للقاضي تزويجه بها بهذا الإذن لأن المفهوم منه التزويج بأجنبي، وإن قالت: زوجني نفسك حكى البغوي عن بعض الأصحاب أنه يجوز للقاضي تزويجه إياها.
قال: وعندي لا يجوز لأنها إنما أذنت له لا للقاضي.
انتهى.
قال في "الروضة": الصواب الجواز لأن معناه فوض إلى من يزوجك إياي.

الجزء: 7 - الصفحة: 64

الفصل الخامس في التوكيل

قوله: وفي البيع يجوز أن يقول البائع لوكيل المشتري: بعت منك ويقول الوكيل: اشتريت وينوي موكله ويقع له العقد وإن لم يسمه.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على التعبير بقوله يجوز أن يقول بعت منك وهو يوهم أن إضافته إلى الوكيل لا تجب حتى لو قال بعت موكلك صح كالنكاح وليس كذلك بل الإضافة إليه واجبة، كما صرح به في باب الوكالة فاعلمه.

قوله: ولو قال وكيل الزوج أولًا قبلت نكاح فلانة منك لفلان، فقال وكيل الولي: زوجتها فلانًا جاز.
انتهى كلامه.
وما ذكره من جواز تقديم القبول مع كونه بلفظ القبول قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وينبغي استحضاره، وقد تقدم في أول البيع الإشارة إليه.

قوله: ولا يشترط في توكيل الولي ذكر المهر لكن لو سمى قدرًا لم يصح التزويج بما دونه كما لو قال زوجها في يوم كذا وفي مكان كذا فخالف الوكيل لا يصح.
انتهى.
وصورة هذه المسألة أن لا ترضي المرأة بالأقل، فإن رضيت به صح، هكذا نقله في آخر الباب الثاني من أبواب الصداق فقال: ولو قال زوجها بألف فزوجها بخمسمائة برضاها، قال في "التتمة" "المذهب" أنه يصح النكاح، لأن الصداق محض حق المرأة وفيه وجه أنه لا يصح مثله لأن

الجزء: 7 - الصفحة: 65

النكاح الذي وكله فيه غير الذي باشره هذا كلامه، وذكر مثله في "الروضة" أيضًا، ولم يذكره في "الشرح الصغير".

قوله: ولو وكل رجلًا بقبول نكاح امرأة وسمى مهرًا لم يصح القبول بما زاد عليه.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على التعبير المذكور ولا يؤخذ منه صحة النكاح ولا بطلانه وفي ذلك وجهان: أصحهما في "البيان" صحة النكاح، وصحح في "النهاية" بطلانه وهو مراد الرافعي، فإنه حكى عقب ذلك وجهين في البطلان في ما إذا لم يعين المهر فقبل بأكثر من مهر المثل، وقال قبل ذلك في توكيل الولى بالتزويج أنه لا يشترط ذكر المهر، لكن لو سمى قدرًا لم يصح التزويج بما دونه ولا شك أن زيادة وكيل الزوج على ما سماه له موكله هو في المعنى نظير ما إذا نقص وكيل الولي عما عينته المرأة أو الولي له، وقد وافق النووي هنا الرافعي على البطلان في ذلك ولم يوافقه عليه في آخر الباب الثاني من أبواب الصداق بل يشعر كلامه بمخالفته، وسيأتي ذكره هناك.

قوله: وإن لم يسم فليقبل له نكاح امرأة تكافئه بمهر المثل، أو أقل، فإن قبل له من لا تكافئه لا يصح العقد كذا قاله البغوي، ولك أن تتوقف في موضعين: أحدهما: تصحيح إطلاق التوكيل في قبول نكاح امرأة لأنه لو وكله في شراء عبد اشترط بيان تفصيله ونوعه فالاشتراط هنا أولى.
الثاني: حكمه ببطلان قبول من لا تكافئه لأنا سنذكر أن للولي أن يزوج الصغير بامرأة لا تكافئه، فإذا جاز للولي فكذا للوكيل عند إطلاق التوكيل.
انتهى ملخصًا.
اعترض النووي فقال هذا الاعتراض الثاني: فاسد كما لو اشترى الوكيل معينًا بخلاف قوة ولاية الأب، وفي الاعتراض الأول أيضًا نظر،

الجزء: 7 - الصفحة: 66

والراجح المختار ما ذكره البغوي هذا لفظه.
فيه أمران: أحدهما: وهو متعلق بالاعتراض الثاني أنه سيأتي في الكلام على الكفاءة أنه إذا زوج الأب ولده الصغير بمن لا تكافئه، فإن زوجه أمة لم يصح لأنه لا يخاف العنت، وإن زوجه معيبة بعيب يثبت الخيار لم يصح النكاح على المذهب، وإن زوجه بمن لا تكافئه بجهة أخرى صح على الأصح لأنه لا عار على الرجل في استفراش من دونه.
إذا علمت ذلك علمت أن إطلاق كلام الرافعي جواز تزويج الصغير بمن لا تكافئه خطأ وكذلك إطلاق النووي يمنعه، بل يصح في حالة دون حالة، ثم إن الحالة التي لا يصح فيها على وجهين مشهودين كما تقدم فغاية ذلك أن يكون البغوي قد اختار أحد الوجهين ولا شك أن الرافعي توهم هنا أن الكفاءة لا تدخل فيها فقدان العيب، والنووي توهم أن المراد بها -أي بالكفاءة- هو السلامة من العيب فوقع كل منهما في ما وقع، وأما إلحاق النووي ذلك بشراء الوكيل فنقول: إذا سلمنا أنه عيب وأنه يلحق بالشراء فيلزم أنه لا يطلق البطلان لأن شراء الوكيل للمعيب يصح مع الجهل بعيبه وكذا مع العلم على وجه ويثبت الخيار، وأما جوابه على الأب بقوة ولايته فقوتها لا تقتضي جواز عقده له على معيب بدليل البيع وغيره، فإذا ثبت جواز ذلك في الأب هنا مع أنه لا يتأتى الخيار للمعقود له بفساد صيغته فللموكل مع ثبوت الخيار بطريق الأولى، ثم إن تعبيره بقوله فاسد كما لو اشترى إلى آخره كلام عجيب سقط منه شيء وكأنه أراد أن يقول بل الصواب البطلان كما لو إلى آخره.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في التوكيل من أن الراجح المختار ما ذكره البغوي وهو صحة إطلاقه واقتضى كلامه عدم الوقوف على خلاف فيه

الجزء: 7 - الصفحة: 67

غريب جدًا فإنه قد حكى فيه وجهين في كتاب الوكالة من "زوائده" وزاد على ذلك فصحح عكسه، وزاد عليه أيضًا فتردد في أن عدم الاشتراط ضعيف أم لا، قال في آخر الباب الثاني: الرابعة: وكله في أن يتزوج امرأة ففي اشتراط تعينها وجهان في "البيان" وغيره والأصح أو الصحيح الاشتراط هذا لفظه بحروفه وهو صريح في عكس ما رجحه رادًا به على الإمام الرافعي وهو غريب.

قوله في المسألة: وإن قبل بأكثر من مهر المثل أو بغير نقد البلد أو يعين من أعيان مال الموكل أو من مال نفسه فقيل يصح النكاح بمهر المثل، وقيل يبطل.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين هنا من غير ترجيح لكن كلام الرافعي في آخر الباب الثاني من أبواب الصداق يقتضي البطلان، وكلام النووي من "زوائده" يشعر بالصحة، وهو الأصوب كما ستعرفه هناك.

الجزء: 7 - الصفحة: 68

الفصل السادس في ما يجب على الولي

قوله: ويلزمه تزويج المجنون والمجنونة عند الحاجة بظهور أمارة التوقان أو بتوقع الشفاء عند إشارة الأطباء.
انتهى.
ذكر بعد ذلك في باب الولي عليه قسمًا ثالثًا من أقسام الحاجة التي يزوج لها المجنون وهي أن يحتاج إلى من يخدمه ويتعهده ولا يوجد من محارمه من يحصل هذا وتكون مؤنة النكاح أخف من ثمن جارية، ثم إن الرافعي هناك لم يجزم بلحاق الشفاء بهما كما جزم به هاهنا، بل قال: وربما يلحق بهما توقع الشفاء نعم جزم به في "الروضة".

قوله في أصل "الروضة": إذا قبل الأب للصغير أو المجنون نكاحًا بصداق على الابن، وكان الابن فقيرًا فهل يكون الأب ضامنًا للمهر بالعقد؟ فيه قولان: الجديد: أنه لا يكون ضامنًا إلا أن يضمن صريحًا كما لو اشتري لطفله شيئًا، فإن قلنا بالجديد فضمن بشرط براءة الأصيل قال القاضي حسين: إن لم يصح الضمان بشرط براءة الأصيل أي وهو الأصح فهذا ضمان فاسد شرط في الصداق وفي إفساده له قولان سبقا، وإن صححنا الضمان بشرط براءة الأصيل فالشرط هنا فاسد لأنه لا دين في ذمة المعقود له، وإذ فسد الشرط ففي فساد الضمان وجهان سبقا في الضمان.
انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله لأنه لا دين إلى آخره.
أراد أنه على هذا التقدير يلزم أن لا يجب دين على المعقود له، وهو خلاف القاعدة وقد أوضح الرافعي ذلك.

الجزء: 7 - الصفحة: 69

قوله: وإذا طلب متاع الطفل بأكثر من ثمنه لزمه بيعه، ولو كان شيء يباع بأقل من ثمنه وللطفل مال لزمه شراؤه له إذا لم يرغب فيه لنفسه، هكذا أطلقه الإمام والغزالي في الطرفين، ويجب أن يتقيد ذلك بشرط الغبطة، بل بالأموال المعدة للتجارة، أما ما يحتاج إلى عينه فلا سبيل إلى بيعه، وإن ظهر طالب بالزيادة، وكذا العادة الذي يحصل منه كفايته، وكذا في طرف الشراء قد يؤخذ الشيء رخيصًا لكنه عرضة للتلف، أو لا يتيسر بيعه لقلة الراغبين فيه فيصير كلًا على مالكه.
انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: هذا الذي قاله الرافعي هو الصواب ولا يعتبر بمن خالفه والله أعلم، وما ذكره هنا في بيع العقار مخالف لما سبق منهما في باب الحجر فتأمله، ثم إن الغزالي قد حكى وجهين في وجوب الشراء له إذا لم يرد شراءه لنفسه، وإذا أوجبنا الشراء للطفل فلم يفعل فتلف الثمن ضمنه قاله في "البحر" وقل من تعرض له، ثم إن كلامهما يقتضي أنهما لم يظفرا بنقل صريح يوافق الذي بحثه الرافعي، وقد صرح به الماوردي في "الحاوي" ونقله عنه أيضًا في "شرح الوسيط".

الجزء: 7 - الصفحة: 70

الفصل السابع في الكفاءة

قوله: التنقى من العيوب المثبتة للخيار واستثنى البغوي منها التعنين، وقال: إنه لا يتحقق فلا نظر إليه، وفي تعليق الشيخ أبي حامد التسوية بين التعيين وغيره، وإطلاق الجمهور يوافقه.
انتهى.
وما رجحوه من التسوية بين التعنين وغيره ذكر مثله في "الروضة" أيضًا لكن سيأتي في الكلام على التعنين أن الرجل قد يعن عن امرأة دون أخرى، وفي نكاح دون نكاح وإن كانت المرأة واحدة في أصح القولين حتى إذا أعلم امرأة بأنه عنين وتزوجها أو ثبتت عنته بطريقة ثم تزوج امرأة أخرى.
أو جدد نكاح الثانية ثبت أيضًا حق الفسخ للزوجة، وسيأتي أيضًا أن المرأة إذا زوجت بغير كفء بغير رضاها ورضى الأولياء لم يصح النكاح في أصح القولين، وإذا علمت ذلك كله علمت إن الصواب ما قاله البغوي، وأن الذي قاله الشيخ أبو حامد ومن نحا نحوه إنما هو تخريج على القول الآخر، وهو الاكتفاء بما يثبت من العنة ثم أن الكفاءة حق للمرأة وحق للأولياء، فإن كانت الكفاءة مطلوبة رعاية لحق المرأة بأن تكون مخيرة وأراد الولى تزويجها أو طلبت الإذن بغير المخير، وصححناه فالمعتبر التنقى من كل عيب يثبت الخيار لها، سواء ثبت لها وحدها كالجب والعنة، أو لها وللولى كالجنون وإن كانت مطلوبة رعاية لحق الأولياء بأن رغبت هي في الشخص، وامتنعوا فالمعتبر التنقي من العيب الذي يثبت لهم الخيار وهو الجنون دون ما عداه، فإطلاق التصحيح غير مستقيم.

قوله: ويشبه أن يكون جريان الرق في الأمهات مؤثرًا أيضًا وكذلك يعلق به الولاء.
انتهى كلامه.

الجزء: 7 - الصفحة: 71

فيه أمران: أحدهما: يقتضي أنه لم يقف في المسألة على نقل، وقد صرح صاحب "البيان" بالمسألة وجزم بأنه لا يؤثر فقال: من ولدته رقيقه كفؤ لمن ولدته عربية لأنه يتبع الأب في النسب، قال في "الروضة": وما قاله في "البيان" هو المفهوم من كلام الأصحاب.
الأمر الثاني: أن تعليل عدم كفاءة هذا الجزء الذي مس الرق أمهاته بأن الولاء يتعلق به قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس كذلك، بل الصحيح المذكور في باب الولاء من "الشرحين" و"الروضة": أنه لا ولاء عليه.

قوله: ويعتبر النسب في العجم أيضًا كما يعتبر في العرب على الظاهر، وقضية الاعتبار في من سوى قريش من العرب أيضًا، لكن ذكر ذاكرون أنهم أكفاء.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن كلام الرافعي يقتضي أنه لم يظفر بنقل صريح في ذلك، ولهذا تفقه فقال: ومقتضاه إلى آخره، وقد صرح بالمسألة جماعة منهم الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" فقالا: اختلف أصحابنا في غير قريش، فالبصريون يقولون بأنهم متكافئون، والبغداديون يقولون بالتفاضل فتفضل مضر على ربيعة، وتفضل عدنان على قحطان اعتبارًا بالقرب من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد وافقه في "الروضة" على ما يقتضي سكوتهم عن المسألة، إلا أنه نقل عن "تعليقة إبراهيم المروذي" أن غير كنانة ليسوا أكفاء لكنانة.
الأمر الثاني: أن اعتبار النسب في الكفاءة أضيق من اعتباره في الإمامة العظمي، ولهذا سووا بين قريش في الإمامة ولم يسووا بينها في الكفاءة،

الجزء: 7 - الصفحة: 72

وقد جزم الرافعي في الإمامة بأنه إذا لم يوجد قرشي مستجمع للشروط نصب كناني فإن لم يكن فرجل من ولد إسماعيل، فإن تعذر انتقلنا إلى العجم، وتابعه عليه في "الروضة"، وحينئذ فإذا قدموا الكناني على غيره ولم يكافئوا بينها هناك ففي النكاح بطريق الأولى.
الأمر الثالث: أن النووي في "الروضة" قد استدرك على الرافعي فقال: مقتضى كلام الأكثرين أن غير قريش من العرب متكافئون، كما صرح به هؤلاء الجماعة الذين نقل عنهم الرافعي، والذي ذكره في "الروضة" عجيب فإنه صحح اعتبار الكفاءة في نسب العجم فأقل مراتب غير قريش من العرب أن يكونوا كالعجم فلزم اعتباره فيهم أيضًا كما يقوله الرافعي بلا شك والذي اغتر به النووي إنما هو نقل الرافعي خلافه عن جماعة، والظاهر أن تلك الجماعة ممن تقول أن الكفاءة في غير العرب لا تعتبر.

قوله: والفاسق ليس بكفء للعفيفة وكذلك المبتاع مع السنية.
انتهى.
هذا الكلام موهم وناقص فإنه يشعر بأن الفاسق والفاسقة كفآن من حيث الجملة، والذي يتوجه عند زيادة الفسق أو اختلاف نوعه عدم الكفاءة ويؤيده أنه إذا كان بالمرأة عيب آخر، أو ذلك العيب بالرجل، لكن الذي به أفحش أو أكبر فليس بكفء، وكذلك إن تساويا، أو كان الذي بها أكثر على الصحيح كذا ذكره الرافعي هنا، وفي باب خيار النكاح وقريب منه أن الكامل الرق هل يكون كفءً للمبعضة؟ على وجهين أصحهما على ما حكاه في "الكفاية" عن صاحب "الذخائر" أنه لا يكون بكفء وينبغي أيضًا إثبات الخيار إذا تجدد الفسق أو الرق بأن يكونا كافرين، ويلتحق أحدهما بدار الحرب ويسترق، ثم إنه لا شك أن الفسق بالقتل أو بالسكر المفضي إلى زوال العقل والضرر على النفس ونحوها ليس في

الجزء: 7 - الصفحة: 73

تعدي المفسدة والنفرة منه كعقوق الوالدين وترك الصلاة والإصرار على الصغيرة ونحو ذلك.

قوله: والحرفة الدنية في الآثار والاشتهار بالفسق مما يعير به الولد فيشبه أن يكون حال من كان أبوه صاحب حرفة دنية أو مشهورًا بفسق مع من أبوها عدل كما ذكرنا في من أسلم بنفسه مع من أبوها مسلم.
انتهى.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه، قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا والمنقول خلافه فقد جزم الهروي في "الإشراف" بأن ذلك لا أثر له وجعل مثله ولد المعيب [كابن الأبرص ونحوه، ذكر ذلك في الورقة الأخيرة من كتابه] 45.

قوله: قال الإمام والغزالي لا اعتبار بالانتساب إلى عظماء الدنيا والظلمة المستولين على الرقاب، وإن كان الناس قد يتفاخرون بهم، وهذا الذى ذكراه من أن الانتساب إلى العظماء لا يعتبر لا يساعده عليه كلام النقلة هذا صاحب "التتمة" يقول: وللعجم عرف في الكفاءة فيعتبر عرفهم.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الذي نقله الرافعي هنا عن الغزالي وشيخه حاصله عدم اعتبار النسب إلى طائفتين: إحداهما: العظماء، والثانية: الظلمة فأما الظلمة فأمرهم واضح، وأما العظماء فإنه ممنوع كما ستعرفه من كلام الرافعي، وكيف لا يعتبر وأقل مراتب الأمره أن يكون كالحرفة، وأهل الحرفة الشريفة لا يكافئ أهل الحرفة الخسيسة.
الأمر الثاني: أن ما ذكره عن "التتمة" مقتصرًا عليه، ورد به على الإمام والغزالي، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس فيه رد بالكلية

الجزء: 7 - الصفحة: 74

فإن العرف الذي عزاه إلى العجم، وذكر أنه يعتبر لم يقع له تعريف في كلامه، وحينئذ فيقول القائل: هل من جملته الانتساب إلى العظماء أم لا؟ ، وقد بينه صاحب "التتمة" في الكلام الذي نقله عنه الرافعي فإنه قال: فرع العجم ما جرت عادتهم بحفظ الأنساب والتفاخر بها ولكن لهم في الكفاءة عرف وهو أنهم يقدمون الأمراء والرؤساء والقضاة والعلماء على السوقة فيعتبر عرفهم ولا يجعل السوقة أكفاء لها ولا الأصناف، هذا لفظه فترك الرافعي موضع الحاجة منه نسيانًا أو غلطًا، وأما كون النسب من حيث هو معتبر في العجم أم لا فليس هذا موضعه، وقد ذكره الرافعي قبل هذا بدون ورقة وصحح اعتباره، إنما الكلام في النسب إلى العظماء عربًا كانوا أو عجمًا هل يعتبر أم لا؟ ، وقد تلخص أنه معتبر كما تقدم في أولاد الأمراء والعلماء ونحوهم.

قوله: فلو كان يلي أمرها السلطان فهل له تزويجها بغير كفء إذا طلبته؟ قولان أو وجهان: أظهرهما المنع لأنه كالنائب عن أولياء النسب فلا يترك الحظ لهم وقطع الشيخ أبو محمد بالجواز.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الصحيح أن الخلاف وجهان كذا جزم به في "المحرر" و"الشرح الصغير" ولم يصحح في "الروضة" أيضًا شيئًا.
الثاني: أن النووي قد أسقط الطريقة القاطعة فلم يذكرها في "الروضة".

قوله في أصل "الروضة": فرع: إذا زوج الأب ابنه الصغير بمن لا تكافئه نظر فإن كانت معيبة بعيب يثبت الخيار فالمذهب أنه لا يصح وإن زوجه من لا تكافئه بجهة أخرى صح على الأصح إذ لا عار على الرجل في استفراش من دونه، ثم قال: وإن زوجه عمياء أو عجوزًا أو معقودة بعض الأطراف فوجهان، ويجب أن يكون في تزويج الصغيرة بالأعمى

الجزء: 7 - الصفحة: 75

والأقطع والشيخ الهرم الوجهان.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن كلام الرافعي في "الشرح الصغير" مقتضاه تصحيح الصحة في مسألة الأعمى ونظائره.
الثاني: أن ما ذكره في عكسه بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا عجيب فقد صرح بنقله قبل ذلك بدون ورقتين في الكلام على خصال الكفاءة فقال: وزاد الروياني على العيوب المثبتة للخيار العيوب المنفرة كالعمى والقطع وتشوه الصورة، وقال: هي تمنع الكفاءة عندي، وبه قال بعض الأصحاب واختاره الصيمري هذا كلامه.
وهذا الخلاف هو ذاك بعينه.

قوله: وإن زوج المجنون أمة جاز إن كان معسرًا وخشي عليه، العنت وفي وجه لا يجوز لأنه لا يخشى وطء يوجب حدًا ولا إثمًا وهو ضعيف وإن كان النقض بسبب آخر فعلى ما ذكرنا في الصغير.
انتهى.
وما ذكره من أن حكمه في ذلك حكم الصغير قد تابعه عليه في "الروضة" ومن جملة ما قدمه في الصغير أنه لو زوجه قرناء أو رتقاء أو أبق لم يصح ولكن من جملة الأسباب التي يزوج المجنون لأجلها أن يكون محتاجًا للخدمة والخدمة لا فرق فيها بين الرتقاء والقرناء لاسيما إذا كان [آيسًا] 46 من الاحتياج إلى النكاح لهرم وعنة وجب ونحوها.

قوله: ولو زوج بنته لخنثى قد بان رجلًا أو ابنة بخنثى قد بان امرأة فإن أثبتنا الخيار بهذا السبب فالخنثى كالمجنون والمجنونة حتى لا يصح النكاح على المذهب، وإلا فكالأعمى حتى يجيء الوجهان السابقان، زاد في "الروضة" على هذا فقال: والخصي كالخنثى في هذا.
قال البغوي: وكذا لو أذنت البالغة في التزويج مطلقًا فزوجها بخصي

الجزء: 7 - الصفحة: 76

أو خنثى والله اعلم.
وما نقله عن البغوي وأقره حاصله صحة النكاح، وقد خالف الماوردي فجزم بالمنع ورجحه ابن الرفعة في المطلب فقال: إنه الظاهر.

قوله: فرع: للسيد أن يزوج أمته من الرقيق ودني النسب.
انتهى.
هذا الفرع ذكره البغوي في "التهذيب" وعلله فقال: ولو زوج السيد أمته من عبد أو دني النسب دون رضاها يصح لأنهما متكافئان لأن نسب الحر وإن كان دنيًا لا يكون دون العبد هذا كلامه، فأخذ منه الرافعي دون تعليله، وتبعه عليه في "الروضة" وما ذكروه من التكافؤ بين العبد والأمة عجيب فإن العبد قد يكون عجميًا والأمة عربية، بل قرشية هاشمية، وذلك بأن يتزوج القرشي أو الهاشمي أمة بشروطها فأتت ببنت فإنها عربية، والكفاءة من جملتها المساواة في الحرية والنسب وحينئذ فقد اشتركا في الرق وامتازت الأمة بالنسب وهكذا القول في ذى النسب إذا كان حرًا لأن الخصال لا يجبر بعضها بعضًا على الصحيح فالصواب مراعاة ما ذكرته، وقد صرح به قبل هذا الموضع بدون ورقة.
فقال: والأمة العربية بالحر العجمي على هذا الخلاف أي الخلاف في الانجبار المذكور، وتبعه عليه في "الروضة" أيضًا، والصواب حمل هذا الموضع على أنه من تتمة كلام الإمام وهو مرجوح.

قوله: وله بيعها ممن به بعض تلك العيوب لأن الشراء لا يتعين للاستماع، ثم هل لها الامتناع من التمكين؟ فيه وجهان لأن الوطء في ملك اليمين بمثابة نفس النكاح.
انتهى.
والصحيح منهما أنه لا يلزمها التمكين ففي الرافعي و"الروضة" في باب الاستبراء ما يؤخذ منه ذلك، فإن الرافعي قال: إذا قال السيد للأمة قد أخبرتيني بتمام الاستبراء، وأنكرت الأمة هل لها تحليفه أم لا؟ فيه وجهان:

الجزء: 7 - الصفحة: 77

حقيقتهما: أنه هل للأمة المخاصمة، ثم قال ما نصه: والخلاف مأخوذ من الخلاف في أنه هل للأمة أن تمتنع من السيد الأبرص والمجذوم؟ فإن قلنا نعم فهي صاحبة حق فلها المخاصمة هذا لفظه، ثم إن النووي صحح من زياداته أن لها المخاصمة فلزم من مجموع كلامهما تصحيح جواز الامتناع، ونقل هنا في "الروضة" من زوائده عن "التتمة" أن الأصح لزوم التمكين، ولم يعترض عليه وصححه أيضًا الروياني في "البحر".

قوله من "زياداته": لو زوجها بعض الأولياء بكفء بدون مهر المثل برضاها دون رضا بقية الأولياء صح قطعًا إذ لا حق لهم في المهر.
انتهى.
هذه المسألة قد سبق ذكرها من الرافعي في الكلام على العضل.

الجزء: 7 - الصفحة: 78

الفصل الثامن في تزاحم الأولياء

قوله: ولو قالت [رضيت أن أزوج أو] 47 رضيت بفلان زوجًا فوجهان: أحدهما: أنه ليس لأحد من الأولياء تزويجها لأنها لم تأذن لجميعهم بلفظ عام ولا خاطبت واحدًا منهم على التعيين.
وأظهرهما: أنه يكفي، ثم قال فلو عينت بعد ذلك واحدًا هل ينعزل الآخرون؟ فيه وجهان لأن في التخصيص إشعارًا برفع الإطلاق، والمذكور من الوجهين في "الرقم" انعزال الآخرين، وفي "التهذيب" مقابله.
انتهى.
والأصح عدم الانعزال، كذا قاله في "الروضة" من زوائده.

قوله: الرابعة: إذا سبق واحد معين ثم التبس وأشكل الأمر فتوقف حتى يتبين الحال، ولا يجوز لواحد منهما غشيانها ولا لثالث نكاحها قبل أن يطلقاها أو يموتا أو يطلق أحدهما ويموت الثاني.
انتهى.
ولابد من إنقضاء عدتها بعد موت أحدهما حتي تحل بيقين فينبغي أن تتفطن له وقد نبه عليه في "الروضة".

قوله: وإذا تقرر البطلان عند احتمال السبق والمعية، وفي ما إذا سبق أحدهما ولم يعلم السابق فهل يبطل ظاهرًا وباطنًا حتى لا يؤثر تعيين السابق يومًا من الدهر أم باطنًا فقط؟ ، ذكروا فيه وجهين، ثم قال: ويشبه أن يقال: هذا الخلاف والخلاف المذكور في أنهما يبطلان ويرتفعان بنفسهما أو يحتاج إلى الرفع والفسخ شيء واحد والاختلاف في العبارة.
انتهى كلامه.

الجزء: 7 - الصفحة: 79

ومقتضى ما قاله الرافعي من كون الخلافين شيئًا واحدًا أنا إن قلنا لابد من إنشاء فسخ انفسخ باطنًا، وإن قلنا ينفسخ بنفسه انفسخ ظاهرًا فقط، هذا هو الذي يقتضيه تعليل الرافعي في الكلام على المسألة وهو المناسب أيضًا في المعنى فافهمه، فإن الرافعي لم يصرح به، وهو في محل النظر، وحينئذ فيكون الصحيح عدم الانفساخ باطنًا لأن الصحيح أنه لا يحتاج إلى إنشاء فسخ وهذا الذي ذكره الرافعي من كون الخلاف إنما هو في اللفظ أسقطه في "الروضة"، وحكى وجهين من غير ترجيح، وكأنه استشكل عليه تعيين البناء فأسقطه، ثم ذكر من زوائده ترجيحًا آخر فقال: ينبغي أن يقال الأصح أنه إن جرى فسخ من الحاكم انفسخ باطنًا وإلا فلا.

قوله: الثانية: إذا قلنا بالتوقف فهل يطالبان بالنفقة؟ فيه وجهان أظهرهما: عند الإمام لا، والثاني: نعم وبه قطع ابن كج، ثم قال ما نصه: وعلى هذا -أى على الثاني- فيوزع عليهما، وإذا ظهر السبق لأحدهما وتعين رجع الآخر بما أنفق.
قال الشيخ أبو عاصم: ويحتمل أن يقال إنما يرجع إذا كان قد أنفق بغير إذن الحاكم، وبهذا جزم القاضي ابن كج.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من الرجوع إذا كان بغير إذنه، تابعه عليه في "الروضة" وهو سهو وصوابه العكس فيرجع إذا كان بالإذن، ولا يرجع إذا كان بغير إذنه.

قوله: فرع: لو كانت خرساء أو خرست بعد التزويج فأقرت بالإشارة بسبق أحد الزوجين لزمهما الإقرار وإلا فلا يمين عليها، والحال حال الإشكال حكي هذا عن نصه.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم اليمين عليها إذا لم يقر بالإشارة تابعه عليه في

الجزء: 7 - الصفحة: 80

"الروضة" وهو غير مستقيم، فإن قاعدتنا المذكورة في كتاب اللعان وفي غيره أن الأخرس يحلف بالإشارة فليكن هنا كذلك، ولا يستقيم أيضًا أن يكون المراد بلا يمين عليهما أى بزيادة ميم على أنه مثنى عائد على المسارعين لأن تحليفهما أيضًا مشروع على ما أوضحه الرافعي في هذا الفصل.

الجزء: 7 - الصفحة: 81

الباب الخامس في المولى عليه

قوله: فإن كان المجنون كبيرًا زوج بالحاجة وهي إما حاجته إلى النكاح، وإما توقع شفائه باستفراغ الماء، وإما احتياجه إلى من يخدمه.
وتكون مؤنة النكاح أخف من ثمن جارية.
ثم قال: فإن كان المجنون صغيرًا لم يصح تزويجه على الصحيح، وقيل يزوجه الأب أو الجد.
انتهى.
والمنع في الصغير تابعه عليه في "الروضة" وهو ذهول عن العلة الأخيرة على أن الشافعي قد نص على المنع أيضًا.

قوله: ومتى جاز تزويج المجنون فلا يجوز إلا امرأة واحدة لأن الحاجة تندفع بها.
انتهى.
وقد تقدم في أوائل كتاب النكاح في الكلام على المقدمة أن الشخص قد لا تعفه المرأة الواحدة ومثله يستحب له الزيادة على الواحدة إلى أن ينتهي إلى المقدار الذي يحصل به الإعفاف، ويتجه مثله في المجنون أيضًا وتعليل الرافعي يشير إليه، وقد أشار إليه الرافعي أيضًا في الكلام على السفيه وقد تكون الواحدة كافية للمجنون في الاستمتاع لكنها لا تكفيه في الخدمة، وقد تخرج الواحدة من أهلية الاستمتاع لمرض أو كبر ونحو ذلك، ولا يتأتى فراقها منه، وذكر النووي في "الروضة" هذا الحكم بدون التعليل فصار الاعتراض عليه أبلغ.

قوله: ويجوز أن يتزوج الصغير أربعًا على الأصح، وقيل: لا يجوز أن يزيد على واحدة، زاد في "الروضة" على هذا فقال ما نصه: وفي

الجزء: 7 - الصفحة: 82

"الإبانة" وجه أنه لا يجوز تزويجه أصلًا ورغم أنه الأصح وهو غلط.
انتهى لفظه بحروفه.
وما ذكره من حكاية وجه في "الإبانة" للفوراني رغم أن الأصح أن تزويجه للصغير ممتنع ومن تغليطه له فيه هو الغلط العجيب، فإن الوجه المذكور ليس له ذكر في "الإبانة" بالكلية فضلًا عن تصحيحه بل فيها كما في الرافعي وغيره وهو الجزم بالجواز، وحكاية وجهين في الزيادة على المرأة الواحدة فقد قال فيها بعد أن ذكر قبول الواحدة للسفيه ما نصه: وهل يتزوج السفيه أكثر من امرأة؟ فعلى وجهين الأصح: أنه لا يجوز، وكذا لو أراد أب الصغير والمجنون قبول نكاح أكثر من واحدة؟ فيه وجهان هذه عبارته ذكر ذلك في الفصل الثاني المعقود للمحجور عليه في الكلام على السفيه، كذا رأيته في نسختين صحيحتين من "الإبانة"، ولم يذكر المسألة في غير هذا الموضع، ثم رأيت أيضًا نسختين من "العمد" له أى الفورانى فرأيته قد نص على المسألة في موضعين وهما الوصايا والنكاح فقال في النكاح: فأما الصبي العاقل فيجوز للأب أن يقبل عليه النكاح، وهل يقبل له نكاح أكثر من امرأة واحدة؟ وجهان: الأصح أنه لا يجوز هذه عبارته وذكر في الوصايا يجوز ذلك، ونقله عن نص الشافعي [فقال نص الشافعي] 48 على نحو الأربع للصغير، ونص في السفيه على أنه لا يجوز فجعلها بعضهم على قولين، والذي أوقع النووي في هذا الغلط هو صاحب "البيان" فإنه نقل ذلك عن الفورانى فقال في باب ما يصح به النكاح: يجوز للأب والجد أن يزوج ابنه الصغير، ثم قال ما نصه: وقال المسعودي.
هل يزوج الصغير؟ فيه وجهان: الأصح لا يزوجه لأنه لا حاجة به إليه انتهى لفظه، ومراد صاحب "البيان" بالمسعودي هو الفورانى كما تقدم إيضاحه وذكر سبب الغلط فيه في مقدمة كتابنا هذا فحصل له في هذه المسألة بخصوصها غلط من وجهين فقلده

الجزء: 7 - الصفحة: 83

النووي في هذا الموضع ظنًا صحة ما نقله فيه إلا أنه احترز عن أحد الموضعين، وصرح بالفورانى على الصواب فوقع في الخطأ بالنسبة إلى الموضع الآخر لاسيما وقد استظهرت أيضًا بمراجعة تصنيفه الأخر وهو "العمد" وإلا فالنووي لم يقف على "الإبانة" بالكلية، وأما "العمد" فإنه أعزب منه وأعز وجودًا، ثم تأملت فوجدت الغلط قد وقع لصاحب "البيان" من مسألة أخرى ذكرها في "الإبانة" فإنه قال فيها في الكلام على المجنون ما نصه: وإن كان صغيرًا فالأصح أنه لا يزوجه هذه عبارته، فتوهم أن المراد الصغير من حيث الجملة، وغفل عن كون الكلام في المجنون، فوقع في الغلط وأوقع فيه غيره، ووجه وقوع مثل هذا الموضع في "البيان" أن مصنفه -رحمه الله- جمع عليه حالة نحو أربعين شخصًا من طلبته واستعان بهم في إخراج المسائل وإملائها عليه ليضعها وهذا وإن أفاد في تيسير التصنيف فإنه يضر من جهة تقليد من ليس أهلًا للتصنيف.

قوله: وفي المجنونة أوجه الصحيح: أن الأب والجد عند عدمه يزوجانها، وقيل لا يستقلان بتزويج الكبيرة الثيب بل يشترط إذن السلطان بدلًا عن إذنها والثالث: لا يزوج الثيب الصغيرة كما لو كانت عاقلة، ثم قال: ولا فرق بين من بلغت مجنونة ومن بلغت عاقلة ثم جنت بناه على أن من بلغ عاقلًا ثم جن فولاية ماله لأبيه وهو الأصح، وإن قلنا أنها للسلطان فكذا التزويج.
انتهى.
وما ذكره من بناء التزويج على ولاية المال في طرآن الجنون يقتضي أن يكون كذلك أيضًا في طرآن السفه، وحينئذ فيكون الأصح أنه لا يزوجها إلا السلطان لأن الأصح أنه الذي يلي ماله -أى مال من طرأ سفهه-، وهذا الذي صرح به الرافعي وابتنى عليه ما نبهنا عليه خلاف المعروف في المذهب، فقد قال إمام الحرمين في "النهاية" في فصل أوله قال: ويزوج

الجزء: 7 - الصفحة: 84

الأب أو الجد بعد ذكر وجهين في ولاية المال ما نصه: ثم إن قلنا ولاية المال للسلطان فيظهر عندنا أن تقول الأب ينفرد بالتزويج لما نبهنا عليه من انفراده بتزويج البكر البالغة وإن كانت ولاية المال إليها، هذه عبارته ولم يذكر غير ذلك، وذكر في "البسيط" نحوه، وعبر بالظاهر، وقال في "الوسيط" إن قلنا بعودة ولاية المال للأب والجد زوج، وإن قلنا لا فوجهان: أحدهما لا تعود ولاية النكاح كولاية المال.
وأظهرهما: أنها تعود لأنهما كاملا الشفقة.
فكانا أولى من غيرهما، وذكر صاحب "الذخائر" مثله، وكذلك الغزالي شارح "المهذب"، وقال في "التتمة": إن تزويجها إلى الأب بلا خلاف، ولكن إذا قلنا بأن ولاية المال لا تعود إليه فيزوج بإذن السلطان هذا حاصل كلامه، وذكر ابن الرفعة في "الكفاية" بعض ما ذكرناه، ولم ينقل ما جزم به الرافعي بالكلية إلا أنه أعني ابن الرفعة قد وهم في حكاية كلام "التتمة" كما نبهت عليه في كتابنا المسمي "بالهداية" وفي إثبات الوجهين في كلام الغزالي ومن بعده نظر، والظاهر أنه نظر أول كلام الإمام فقط فرأى الوجهين فتوهم أن حكايتهما كمجيء مثلهما في التزويج.

قوله: وأما المجنونة التي لا أب لها ولا جد قال: فإن كانت صغيرة لم تزوج لعدم من يخيرها ولا حاجة لها في الحال وإن كانت بالغة فقيل يزوجها القريب ولكن بشرط إذن السلطان ليقوم مقام إذنها، والأصح أن السلطان هو الذي يزوجها كما يلي مالها لكن تراجع أقاربها لأنهم أعرف بمصالحها وتطييبًا لقلوبهم، وهذه المراجعة واجبة أو مستحبة؟ وجهان، صحح البغوي الوجوب وضعفه الإمام.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الوجهين هنا من غير ترجيح، والصحيح الاستحباب فقد جزم الماوردي بما يقتضيه وصرح بتصحيحه

الجزء: 7 - الصفحة: 85

الروياني في "البحر"، وقال في موضع آخر منه: إنه ظاهر النص، وجزم في الرافعي في الكلام على تحريم الخطبة بما حاصله ذلك، فإنه قال: والمعتبر رد الولى وإجابته إن كانت مجبرة، وإلا فردها وإجابتها، وفي الأمة [رد] 49 السيد وفي المجنونة رد السلطان وإجابته [إن كانت مجبرة وإلا فردها وإجابتها هذا كلامه فلو كان إذن الأقارب واجبًا لكان ردهم وإجابتهم] 50 معتبرة ولهذا جزم بذلك في "الحاوي الصغير".
واعلم أن الخلاف المذكور يجدي أيضًا في وجوب المراجعة إذا كان المجنون ذكرًا وزوجه السلطان، قاله البغوي في "التهذيب" ولم يتعرض له الرافعي.

قوله: فإن عين الولى للسفيه امرأة لم يجز له نكاح غيرها ولينكحها بمهر المثل أو بما دونه، ثم قال: فإن زاد فتسقط الزيادة التي لا يملك التصرف فيها ويجب مهر المثل، قال ابن الصباغ: القياس بطلان المسمى والرجوع إلى مهر المثل، والفرق أن على التقدير الأول تستحق الزوجة قدر مهر المثل من العين، وعلى الثاني يجب مهر المثل في الذمة, انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من ترجيح بطلان الزائد فقط قد خالفه في الباب الثاني من كتاب الصداق في السبب الخامس منه فذكر في ما إذا قبل لابنه الصغير أو المجنون ما قاله ابن الصباغ هنا في السفيه وسوف أبسط المسألة هناك إن شاء الله تعالي فراجعها.

قوله: وهل يشترط في صحة إذن الولى للسفيه تعيين امرأة أو نساء قبيلة أو تقدير المهر؟ ففيه وجهان: أحدهما وبه قطع بعضهم: أنه يشترط لأنا لا نأمن أن ينكح شريفة يستغرق مهرها ماله.

الجزء: 7 - الصفحة: 86

وأصحهما: لا بل يكفي الإطلاق.
انتهى.
أهمل في "الروضة" الطريقة القاطعة بالبطلان.

قوله في أصل "الروضة" في المسألة: نعم لو نكح الشريفة المذكورة فوجهان: اختيار الإمام وبه قطع الغزالي أنه لا يصح النكاح، بل يتقيد بموافقة المصلحة.
انتهى.
وما ادعاه من قطع الغزالي ليس كذلك، فقد توقف فيه في "البسيط" ثم مال إلى تفصيل فقال ما نصه: فبعد التصحيح فالوجه أن ينظر إلى المصلحة، فإن لم يوافقها حكم بالبطلان هذا لفظه ولا شك أن الاستغراق لا ينافي كونه مصلحة، فإنه قد يكون كسوبًا أو المهر مؤجلًا وفي اتصاله بأهل المرأة رفق، وعبارة الرافعي لا يرد عليها شيء، فإنه عبر بقوله اختيار الإمام منهما وهو المذكور في الكتاب المنع.

قوله: ولو قال له أي للسفيه انكح من شئت بما شئت ذكر بعضهم أن الإذن يبطل لأنه رفع الحجر بالكلية.
انتهى.
ذكر نحوه في "الروضة" أيضًا، وهذا الذي نقله عن بعضهم قد جزم به الروياني في "البحر" حكمًا وتعليلًا، وعبر بقوله لا يجوز ولا شك أن اللفظ الصادر من الولى عام في الزوجات وفي المهور، وحينئذ فيدخل فيه المرأة اللائقة به بمهر مثلها والإذن فيه جائز لأنه لا يشترط تعيين المرأة، وحينئذ فقد جمع بين ما يجوز وما لا يجوز، وحينئذ فيصح ما يجوز على الصحيح هذا قياس المسألة فاعلمه، وعبارة الرافعي والروياني لا تنافيه فلتحمل عليه.

قوله: إحداها: إذا نكح السفيه بغير إذن الولى بطل النكاح ويفرق بينهما فإن كان قد دخل بها فلا حد للشبهة، وفي المهر أوجه: أصحها: أنه لا يجب كما لو بيع منه شيء فأتلفه وهذا لأن معاقدته والتسليم إليه تسليط

الجزء: 7 - الصفحة: 87

على التصرف والإتلاف، وفي هذا إشكال من جهة أن المهر حق الزوجة وقد يزوج ولا شعور لها بحال الزوج فكيف يبطل حقها؟ ، ثم قال: والثاني يجب مهر المثل، والثالث: يجب أقل ما يتمول.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على تصحيح عدم الوجوب وليس على إطلاقه، بل صورته إذا كانت المرأة رشيدة، فإن كانت سفيهة وجب لها مهر المثل، كذا ذكره النووي في "فتاويه" وذكر الرافعي في ما إذا صدر منه شراء عين مثله أيضًا، وقد سبق إيضاحه في باب الحجر من هذا الكتاب.

قوله في المسألة من زوائده: وإذا لم نوجب شيئًا بعد الحجر فلا شيء عليه على المذهب كالصبي إذا وطيء ثم بلغ، وحكى الشاشي فيه وجهين.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة تؤخذ من كلام الرافعي في باب الحجر فإنه حكم على البيع بهذا الحكم بعينه، والنكاح مثله وهذا الحكم في ما لو كانت رشيدة لكن وطئها نائمة أو مجنونة أو مكرهة، وقد نبه عليه في "الكفاية" في نظير المسألة، وهو ما إذا تزوج العبد بغير إذن سيده ووطيء وحكى خلافًا في ما إذا كانت أمة لأن الحق لغيرها ويتجه جريانه هنا.

قوله: فإذا التمس السفيه النكاح مع ظهور أمارة الحاجة إن اعتبرناه أو دونه إن لم يعتبره فعلى الولي الإجابة فإن امتنع فتزوج السفيه بنفسه أطلق الأصحاب فيه وجهين: أصحهما عند المتولي: أنه لا يصح النكاح كما لو تزوج العبد بنفسه إذا لم يأذن السيد.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الذي صححه المتولي قد صححه في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح، ولم يصرح في "الروضة" أيضًا بتصحيحه بل نقله عن المتولي كما نقله الرافعي.
الأمر الثاني: أن هذا القياس الذي ذكره الرافعي وهو القياس على العبد

الجزء: 7 - الصفحة: 88

ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" وهو قياس فاسد لأنه إن لم يكن تفريعًا على إيجاب التزويج فبطلان القياس واضح لأن العبد تعاطى التزويج حيث لا يجب تزويجه والسفيه تعاطاه حيث يجب، وإن كان تفريعًا على الإيجاب كان حكمه حكم السفيه والحالة هذه كذا ذكره الرافعي بعد هذا بنحو ورقة، فقال نقلًا عن الإمام: ولو نكح بنفسه قال الإمام: هو كما لو طلب السفيه فامتنع الولي فنكح.
هذا لفظه، ولم يذكر ما يخالفه، وتابعه عليه في "الروضة" ولم يذكر أعني النووي القياس المذكور فسلم من هذا الاعتراض.

قوله في "الروضة": ويصح طلاق المحجور عليه فإن كان مطلاقًا سرى بجارية.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الكلام يقتضي أنه لا يسري في الابتداء، وينبغي جواز الأمرين كما في إعفاف الأب ويتعين هنا ما فيه المصلحة، وقد يقال إذا طلب السفيه التزويج بخصوصه تعين.
الأمر الثاني: أن تعبيره بقوله بجارية -أعني بباء الجر- قد ذكره أيضًا في باب الحجر لكنه قد نبه في "تحرير التنبيه"، على أنه خطأ فقال قول الشيخ: وإن كان يكثر الطلاق سرى جارية هكذا ضبطناه عن نسخة المصنف -أي بغير باء- وتقع في كثير من النسخ بالباء والصواب حذفها، هذا كلامه.

قوله في أوائل الكلام على السفيه والمحجور عليه بسفه: لا يستقل بالتزويج بل يراجع الولي ليأذن أو يزوجه، ثم قال هاهنا: والكلام في من يلى أمر السفيه سبق في الحجر، وذكر أبو الفرج الزاز إلى آخر ما قال.
ومجموعه يدل على أن نكاح السفيه يتعلق بالأب ثم الجد ثم الوصي

الجزء: 7 - الصفحة: 89

ثم الحاكم، وقد صرح -أعني الرافعي- في باب الوصايا بأن الوصي يلي التزويج، ولكن حذفه من "الروضة" هناك، ثم إن النووي ذكر هنا شيئًا من "زوائده"، وكأنه غير مستحضر لمجموع ما سبق فقال: قلت.
الأصح أنه إن كان له أب أو جد فإن التزويج إليه، وإلا فلا يجوز أن يزوجه إلا القاضي أو من فوض القاضي إليه تزويجه، وممن جزم بذلك الشيخ أبو حامد والله أعلم.

قوله: فرعان: أحدهما: قال في "التهذيب": إقرار السفيه على نفسه بالنكاح لا يصح لأنه ليس ممن يباشر بنفسه وهذا يشكل بإقرار المرأة.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن هذا الحكم الذي نقله عن "التهذيب" فقط ثم استشكله قد سبق منه الجزم به في أول كتاب الإقرار وعلله بقوله اعتبارًا للإقرار بالإنشاء، ثم ذكر بعد ذلك عن الإمام ما يقتضي أن العلة في ذلك ما فيه من إتلاف المال، وهذا التعليل صحيح فحينئذ يكون الحكم في نفسه صحيحًا، والإشكال في التعليل فقط.
الأمر الثاني: أن البغوي قد جزم في أول الإقرار بالصحة على عكس ما جزم به هاهنا، ولو اطلع عليه الرافعي لأعجبه لكونه أبلغ فيما يحاوله الرافعي في الرد على البغوي.
الأمر الثالث: أن هذا إنما يأتي إذا لم يأذن الولى للسفيه في النكاح فإن أذن له فيه لزم القول بصحته.

قوله: وهل للسيد إجبار العبد البالغ على النكاح؟ قولان: القديم: نعم، والجديد: لا وإن كان صغيرًا فالأصح أنه كالكبير وقيل: يخير قطعًا، واختاره ابن كج.
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 90

وما ذكره في الصغير من ترجيح عدم تزويجه مخالف لنص الشافعي والأصحاب والقياس الجلى، ولما جزم هو به في موضع آخر.
أما مخالفته لنص الشافعي والأصحاب فقد قال هو -أعني الرافعي- في كتاب الرضاع في الأصل الثاني من الباب الثالث: ولو زوج مستولدته من عبده الصغير فأرضعته بلبن السيد حرمت على السيد والصغير معًا وانفسخ نكاح الصغير.
أما حرمتها على السيد فلأنها زوجة أبيه، وأما على الصغير فلأنها موطوءة أبيه وحكي ابن الحداد أن المزني روي عن الشافعي - رضي الله عنه - في مسائله أنها لا تحرم على السيد، وأنه أنكر ذلك على الشافعي، وعلى ذلك جرى ابن الحداد والأصحاب وجعلوا الرواية غلطًا.
قال الشيخ أبو علي: لكن يمكن تخريج ما نقل على قول في أن العبد الصغير لا يجوز إجباره على النكاح، أو على قول في أن أم الولد لا يجوز تزويجها بحال، أو على وجه ذكر في أنه لا يجوز للسيد أن يزوج ابنته من عبده بحال إذا لم يصحح النكاح على أحد هذه الأوجه لم تكن هي زوجة الابن فلا تحرم على السيد، ومهما أمكن تخريج المنقول على تنزيلات صحيحة لم يجز الحمل على الغلط المطلق، هذا كلام الرافعي ومقتضاه بلا شك أن الراجح عنده وعند الأصحاب صحة تزويج العبد الصغير لأنه جزم به ثم نقل أن الأصحاب جروا عليه وأنهم جعلوا الرواية غلطًا، ثم نقل عن الشيخ أبي على أنه خرج له محامل ضعيفة يصح بها عدم الإجبار وأن ذلك أولى من الغلط المطلق وممن اختار تزويج العبد الصغير الماوردي في "الحاوي" والشيخ في "التنبيه" وجزما به وقال ابن يونس: إنه الصحيح.
وأما مخالفته للقياس الجلي فلأنه يجوز عندنا للأب والجد أن يزوج

الجزء: 7 - الصفحة: 91

ولده الصغير لأنه يلي أمره فإذا أجاز ذلك لكونه يتصرف جاز للسيد بطريق الأولى لأنه يملك التصرف والرقبة، وقد نقل الرافعي في الكلام على التحليل عن الأئمة ما يوافق الإجبار أيضًا فقال: قال الأئمة: أسلم طريق في الباب وأدفعه للعار والغيرة أن تُزوج بعبد طفلٍ للزوج أو غيره، وتستدخل حشفته ثم تملكه ببيع أو هبة فينفسخ النكاح ويحصل التحليل إذا اكتفينا بوطء الصغير هذه عبارته، فانظر كيف أسند صحته إلى الأئمة غير أنه قال عقبه ويتعلق بأصل آخر وهو إجبار العبد الصغير والذي قاله تصرف منه مناف لكلامهم ولا يسلم له ذلك، وحكى الدرمازى في "رفع التمويه عن مشكل التنبيه" طريقة ثالثة وهي القطع بالمنع لأن في تزويج الكبير غرضًا ظاهرا، وهو صيانة ملكه بخلاف الصغير.

قوله: وإذا فرعنا على جواز إجبار العبد فيجوز أن يزوج أمته من عبده الصغير أو البالغ، وحينئذ فلا مهر: وفي استحباب ذكره قولان: الجديد: استحبابه.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على نسبة الاستحباب إلى الجديد وهو غلط، بل الصواب الذي ذكره أئمة المذهب هو العكس وهو استحبابه في القديم وعدمه في الجديد بل إن شاء سمى وإن شاء فلا، كذا صرح به ابن الصباغ في "الشامل" والمتولي في "التتمة" في الباب الرابع من أبواب النكاح، والروياني في كتابيه "البحر" و"الحلية" والعمراني في "البيان" وابن الرفعة في "الكفاية"، ووقع في بعض نسخ الرافعي على الصواب وجزم في "التتمة" في الباب الرابع من أبواب الصداق بالاستحباب موافقًا للقديم ونقل البيهقي في "المبسوط" عن القديم ما حاصله وجوب التسمية، واعلم أن هذه المسألة قد ذكرها الرافعي في ثلاثة مواضع: أحدها: في هذا الموضع، والثاني: في الفصل المعقود لتزويج الرقيق

الجزء: 7 - الصفحة: 92

وهو قبيل كتاب الصداق.
والثالث: في الباب الثالث من كتاب الرضاع وحاصل ما حكى في الثلاث خلافًا في صحة النكاح وعلى الصحة خلافًا في أن المهر هل وجب وسقط أم لم يجب؟ ، وخلافًا في استحباب التسمية وذكرت في الكلام على نكاح الرقيق فوائد -وهو قبل الصداق- أخرى متعلقة بمسألتنا فراجعها.

قوله في "الروضة": له إجبار أمته على النكاح، ثم قال: والمدبرة والمعلق عتقها كالقنة وكذا أم الولد على الصحيح.
انتهى.
وتعبيره بالصحيح يدل على أن الخلاف وجهان وهو المذكور في "المنهاج" أيضًا لكن المذكور في أمهات الأولاد من "الروضة" والرافعي أن في المسألة ثلاثة أقوال وسنذكر إن شاء الله تعالى عبارته في موضعها، وقد سلم الرافعي من هذا الاختلاف فإنه عبر بقوله فيه خلاف وفي "المحرر" بلفظ الأصح، وقد سبق لك غير مرة أنه لا اصطلاح له فيه.

قوله: وإذا طلبت المكاتبة التزويج ففي وجوب الإجابة وجهان.
انتهى.
والأصح عدم الوجوب كذا صححه النووي من زياداته.

قوله: فرع: إذا كان لعبده المأذون في التجارة أمة، وكان عليه دين فزوجها السيد بإذن العبد والغرماء صح، وإن زوجها بإذن العبد دون الغرماء أو بالعكس لم يصح في أظهر الوجهين، وبيعه وهبته وطؤه كالتزويج.
انتهى.
وهذه المسالة فيها كلام يتعين الوقوف عليه سبق ذكره واضحًا في معاملة العبيد فلتراجع.
واعلم أن السيد إذا وطيء أمة المأذون ولا دين عليه كان وطؤها حجرًا

الجزء: 7 - الصفحة: 93

عليه فيها، وقيل يفصل بين أن يعزل أم لا، كذا رأيته في هذا الباب من "شرح المختصر" للصيدلاني، ويعبر عنه ابن الرفعة في "المطلب" تارة بالداوودى وتارة بابن داوود ثم ذكر عقبه أنه لا يحتاج إلى استبراء بعد قضاء الدين على الصحيح.

قوله: وإذا وطئ بغير إذن الغرماء فهل عليه المهر؟ فيه وجهان، زاد النووي على هذا فقال: قلت لعل أصحهما الوجوب لأن مهرها مما يتعلق به حق الغرماء بخلاف وطء المرهونة.
انتهى.
وما جزم به من تعلق حق الغرماء بالمهر وجعله دليلًا للترجيح المذكور قد تقدم منه في باب معاملة العبيد من "زوائده" أيضًا الجزم بعكسه فراجعه.

قوله: ولو أحبلها فالولد حر والجارية أم ولد إن كان موسرًا، فإن كان معسرًا لم تصر أم ولد وتباع في الدين، فإن ملكها بعد ذلك فالحكم كما مر في المرهونة.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، والذي تقدم في ملك المرهونة بعد الإحبال أنها تعتق على الراجح، وحينئذ فيقال لم جعلها كالمرهونة في ما إذا ملكها بعد الإحبال، ولم يجعلها كالمرهونة وقت الإحبال حتى يجيء في عتقها ثلاثة أقوال: الثالث التفصيل بين الموسر والمعسر، بل جزم بعتقها على الموسر وبعدمه على المعسر.

قوله: وكذا الحكم في استيلاد الجارية الجانية وفي استيلاد الوارث جارية التركة إذا كان على المورث دين وإن لم نحكم بثبوت الاستيلاد في الحال وجبت قيمة الولد في جارية العبد المأذون، وفي جارية التركة ولا يجب في الجانية والمرهونة لأن حق المجني عليه والمرتهن لا يتعلق بالولد.
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 94

تابعه عليه في "الروضة" والذي ذكره في ولد جارية التركة هنا قد خالفه في الباب الثالث من كتاب الرهن فذكر ما حاصله أن الصحيح أن حق الورثة لا يتعلق بالولد بالكلية حتى لا تجب قيمته على الوارث، وقد تقدم هناك ذكر عبارته.

قوله: ولو أعتق عبد المأذون وعلى المأذون دين، أو أعتق الوارث عبدًا من التركة، وعلى المورث دين قال البغوي: قيل في نفوذ العتق قولان كإعتاق المرهون والمذهب أنه إن كان معسرًا لم تنفذ وإن كان موسرًا نفذ كالاستيلاد وعليه أقل الأمرين من الدين وقيمة العبد كإعتاق العبد الجاني.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في المسألة الأولى ليس على إطلاقه، بل محله إذا لم يأذن العبد والغرماء، فإن أذنوا جاز كما سبق إيضاحه في باب معاملة العبيد، وقد سبق قريبًا في باقي التصرفات ما يؤخذ منه أيضًا.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في المسألة الثانية وهي إعتاق الوارث سبق الكلام عليه واضحًا في الباب الثالث من أبواب الرهن فراجعه.

قوله: وتزويج التي تعلق المال برقبتها دون إذن المجني عليه لا يجوز إن كان السيد معسرًا، فإن كان موسرًا فأحد الوجهين أنه يصح ويجعل اختيارًا للفداء.
انتهى كلامه.
قال في "الروضة" من زياداته: الأصح هو الجواز والذي ذكره يشكل على منع البيع في هذه الحالة وقد سووا في الرهن بين إزالة الملك وتنقيصه في الامتناع.

قوله: الثالثة: تزويج السيد أمته بالملك أو بالولاية فيه وجهان: أظهرهما أنه بالملك لأنه يملك الاستمتاع بها كما يملك تزويجها والتصرف [في ما يملك استيفاؤه ونقله إلى الغير يكون نحو الملك] 51، ويتفرع عليه

الجزء: 7 - الصفحة: 95

مسائل منها إذا كان لمسلم أمة كتابية فظاهر المذهب أنه له تزويجها بالملك، وإذا قلنا بهذا فهي لا تصلح للحر المسلم إنما يزوجها من الحر الكتابي أو من العبد المسلم إذا جوزنا لهما ذلك.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا التعليل الذي ذكره منقوض بما إذا كانت الأمة لا تحل له.
الأمر الثاني: أن حصره التزويج في الحر الكتابي والعبد المسلم غير صحيح، فإن العبد الكتابي يجوز له نكاح الأمة الكتابية على الصحيح، ولو حذف لفظ الحر لاستقام وقد تفطن في "الروضة" لهذا الاعتراض فحذف التقييد بالمسلم فقال: بعبد أو حر كتابي هذه عبارته، ولو سلك ما سلكناه لكان أولى لأن إطلاق العبد يدخل فيه الكتابي وغيره كالوثني والمجوسي وعابد القمر والشمس، فإن الصحيح أن العبد يبقي على هذا الدين ولا يقتل.

قوله في أصل "الروضة": فإن جوزنا أي تزويج أمة المحجور عليه.
فقال الإمام: يجوز تزويج أمته الثيب الصغيرة وإن لم تجز تزويجها، ولا يجوز للأب تزويج البكر البالغة قهرًا، وإن كان يقهرها وفي من يزوج أمة الصغير والمجنون وجهان أحدهما: ولي ماله نسيبًا كان أو وصيًا أو قيمًا كسائر التصرفات.
وأصحهما: أنه ولي النكاح الذي يلي المال، وعلى هذا غير الأب والجد لا يزوج أمة الصغير والصغيرة، والأب لا يزوج أمة البنت الصغيرة وإن كانت مجنونة زوج وإن كانت لسفيهة فلابد من إذنه.
انتهى.
وهذا الكلام المذكور في تزويج أمة البنت الصغيرة مضطرب فإنه نقل أولًا عن الإمام جوازه، ولم يذكر فيه خلافًا، بل ارتضاه وأقره وانتقل

الجزء: 7 - الصفحة: 96

إلى غيره، ثم ذكر في آخر الكلام أنه لا يجوز، وهذا الذي وقع فيها سببه سوء الاختصار، فإن الرافعي بعد ذكره لكلام الإمام، قال: وهذا يوافق وجهًا للأصحاب في أن ولي المال يزوج أمة الصغير والمجنون، ثم قال: والأظهر وجه آخر وهو أن الذي يزوجها هو ولي النكاح الذي يلي المال وعلى هذا غير الأب والجد لا يزوجها لأنه لا يزوج الصغيرة والصغير والأب لا يزوج أمة البنت الصغيرة هذا كلامه، فاختصره في "الروضة" على هذا النمط المتقدم وعجيب كونه لم يتفطن له مع قرب ما بين الكلامين.

الجزء: 7 - الصفحة: 97

قال -رحمه الله-:

القسم الثالث من الكتاب في

الموانع

وهي أربعة

الجنس الأول: المحرمية

قوله: وأربع نسوة يحرمن في النسب وفي الرضاع قد يحرمن وقد لا يحرمن إحداهن أم الأخ والأخت من النسب حرام لأنها إما أم أو زوجة أب، وفي الرضاع إن كان كذلك حرمت أيضًا، وإن لم يكن كما إذا أرضعت أجنبية أخاك أو أختك لم تحرم، ثم قال: الثانية أم نافلتك أي ولد ولدك تحرم في النسب لأنها إما بنتك أو زوجة ابنك.
الثالثة: جدة ولدك في النسب حرام لأنها إما أمك أو أم زوجتك.
الرابعة: أخت ولدك من النسب حرام لأنها إما بنتك أو ربيبتك بخلاف الرضاع في الكل.
انتهى ملخصًا.
وهذه الصور الأربع قد ذكر الرافعي في كتاب الرضاع أنه لا حاجة إلى استثنائها ونقل النووي هنا من زياداته عن المحققين مثله، ولهذا لم يستثنها الشافعي ولا الجمهور ولا استثنيت في الحديث الصحيح لأن أم الأخ لم تحرم لكونها أم أخ ولهذا لم تعد أم الأخ من المحرمات بل إنما حرمت لكونها أمًا أو زوجة أب، فأم الأخ والأخت من الرضاع إن كانت أمًا أو زوجة أب كانت حرامًا أيضًا وإن لم تكن أمًا ولا زوجة أب لم تكن حرامًا، ومثل هذا لم يحرم من النسب، فإنه لا يوجد في النسب أم أخ ولا أم أخت ليست أمًا ولا زوجة أب وإنما تحتاج إلى الاستثناء لو كان يوجد في النسب مثل أم الأخ والأخت الحلال في الرضاع، وذلك غير

الجزء: 7 - الصفحة: 98

موجود فإن أم الأخ والأخت الحلال في الرضاع هي التي ليست أمًا ولا زوجة أب [لا توجد في النسب أم أخ ليست أمًا ولا زوجة لأب] 52 وكذلك العمل في البواقي والجواب الجامع أن يقول الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، وهذه المسائل لم تدخل لأنا قلنا تحرم الأم والبنت ونحو ذلك ولا يوجد في الرضاع أم حلال ولا بنت حلال، ولم يقل في النسب تحرم أم الأخ وأم الأخت وأم الولد وجدة الولد وأخت الولد، والمسائل المستثناة إنما تدخل في هذا اللفظ لا في لفظ الأم والبنت ونحوهما فاللفظ المذكور في المحرمات لا يدخل فيه هذه المسائل، واللفظ الذي تدخل فيه هذه المسائل لم يذكر في المحرمات، وحذف في "التعجيز" أم الحاقد، وزاد ثلاث مسائل وهي أم العم وأم الخال وأخو الابن فقال الاستثناء أم أخ أو عم أو خال وجدة ابن وأخيه وأخوه وقوله وأخوه أي أخو أبيه وصورته في إمرأة لها ابن, ثم إن ابنها ارتضع من امرأة أجنبية لها ابن فذاك الابن أخو ابن المرأة المذكورة أولًا, ولا يحرم عليها أن تتزوج بهذا الذي هو أخو أبيها، والكلام في هذه المسائل كالكلام في ما سبق وقد جمع بعضهم الأربعة التي ذكرها الرافعي في بيتين فقال: أربع في الرضاع هن حلال ... وإذا ما ناسبتهن حرام أي جدة الابن وأخت الابن ... وأم الأخ وأم الحافد

قوله جدة ابن وأخته ثم أم لأخيه وحافد والسلام في أصل "الروضة": فأما النكاح الفاسد فلا يتعلق به حرمة المصاهرة إلى آخره.
وما جزم به من عدم التحريم قد جزم بعكسه في "دقائق المنهاج" فقال: وقول "المحرر" تحرم من جهة المصاهرة بالنكاح الصحيح الصواب حذف لفظ الصحيح كما حذفها "المنهاج" فإن حرمة المصاهرة تثبت بالنكاح الفاسد هذا كلامه, وهو غلط سببه اشتباه مسألة بمسألة وذلك أن

الجزء: 7 - الصفحة: 99

الرافعي.
قال في "المحرر" ويحرم من جهة المصاهرة بالنكاح الصحيح أمهات الزوجة إلى آخر ما قال ثم قال: ويحرم بالدخول في النكاح الصحيح بنات الزوجة إلى آخره.
وتقييده الأول بالصحيح مستقيم دون الثاني فأراد النووي أن ينبه على كلامه الثاني فانتقل نظره إلى المصاهرة المذكورة في الكلام الأول فتكلم عليها فغلط وكان صوابه أن يقول قول "المحرر" ويحرم بالدخول في النكاح الصحيح صوابه حذف لفظ الصحيح ثم يوضح الاحتراز.

قوله: وتثبت المصاهرة إذا استدخلت المرأة ماء زوجها أو ماء أجنبي بشبهة.
انتهى.
نقل صاحب "الحاوي" عن بعض الأصحاب ولم يخالفه أنه يشترط في التحريم باستدخال ماء الزوج أن تكون المرأة زوجة حالة الإنزال والاستدخال، وعلى هذا ففي ماء الأجنبي يشترط أن تكون الشبهة قائمة في الحالتين.

قوله في المسألة: وتجب به العدة أي [باستدخال الماء لكن لا يحصل به الإحصان والتحليل وفى تقدير] 53 المهر ووجوبه للمفوضة وثبوت الرجعة ووجوب الغسل ووجوب المهر في صورة الشبهة وجهان: أصحهما المنع.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره من عدم ثبوت الرجعة قد جزم بعكسه بعد ذلك في الكلام على الفسخ بالتعنين وستعرف لفظه هناك، ووقع الموضعان في "الروضة" كذلك وزاد عليهما موضعًا ثالثًا في الكلام على التحليل ذكر فيه أنها تثبت، واقتضى كلامه هناك أنه المعروف للشافعي وأصحابه وبذلك يظهر رجحان الفتوى بالثبوت على خلاف ما ذكره هنا، وسأذكر لفظه أيضًا هناك، واقتصر الرافعي في "الشرح الصغير" على الموضع الثاني، وهو أيضًا يؤيد ما قلناه.

الجزء: 7 - الصفحة: 100

قوله في "الروضة": وإذا اختلطت محرمة بعدد محصور فليجتنبهن، فلو خالف ونكح واحدة منهن لم يصح على الأصح، قال الإمام: المحصور: ما عسر عده على آحاد الناس.
وقال الغزالي: كل عدد لو اجتمعوا في صعيد يعسر على الناظر عددهم بمجرد النظر كالألف فهو غير محصور، وإن سهل كالعشرة والعشرين فمحصور وبين الطرفين أوساط يلحق بأحدهما بالظن وما وقع فيه الشك استفت فيه القلب.
انتهى كلامه.
وما نقله -رحمه الله- عن الإمام تفسيرًا للمحصور غلط، وإنما هو تفسير لعدم المحصور، وقد ذكره الرافعي على الصواب فاشتبه على النووي.

الجزء: 7 - الصفحة: 101

قال -رحمه الله-:

الجنس الثاني: ما لا يوجب حرمة مؤبدة

قوله: وضبط تحريم الجمع بين المرأتين بعبارات، ثم قال: الثالث يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما وصلة قرابة أو رضاع لو كانت تلك الوصلة بينك وبين امرأة لحرمت عليك وقصدوا بقيد القرابة والرضاع الاحتراز عن الجمع بين المرأة وأم زوجها، وإن شئت قلت بين المرأة وزوجة ابنها, [وعن الجمع بين المرأة وبنت زوجها، وإن شئت قلت بين المرأة وزوجة ابنها] 54 فإن هذا الجمع غير محرم، وإن كان يحرم النكاح بينهما لو كانت إحداهما ذكرًا لأنا لو قدرنا أم الزوج ذكرًا حرمت عليه زوجة الابن ولو قدرنا بنت الزوج ذكرًا حرمت عليه زوجة الابن لكن ليس بينهما قرابة ولا رضاع، وإنما ذلك التحريم بسبب المصاهرة، والمعني إن سبب تحريم الجمع ما فيه من قطيعة الرحم للوحشة والمنافسة القوية بين الضربين, روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه أشار إليه فقال: "فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامهن" 55 والرضاع في معنى القرابة لأنه ينبت اللحم وينشز العظم، وأما المصاهرة فليس فيها رحم حتى يفرض قطعه، وقد يستغنى عن قيد القرابة والرضاع بأن يقال يحرم الجمع بين كل امرأتين أيتهما قدرت ذكرًا حرمت عليه الأخرى فتخرج الصورتان المذكورتان بقولنا أيتهما لأن أم الزوج وإن كانت تحرم عليها زوجة الابن لو قدرت ذكرًا، لكن زوجة الابن لو قدرت ذكرًا لا تحرم عليه الأخرى بل تكون أجنبية عنه.
انتهى كلامه.
واعلم أن الأمة وسيدتها أيتهما قدرناها ذكرًا والأخرى أنثى لحرم

الجزء: 7 - الصفحة: 102

التناكح بينهما إذ يحرم على العبد نكاح سيدته وعلى السيد نكاح جاريته ومع ذلك يجوز الجمع بينهما للضابط والمعنى اللذين نقلهما الرافعي عن الأصحاب، ويتصور الجمع بين الحرة والأمة في العبد وكذلك في الحر إذا تزوج الأمة لإعساره، ثم أراد نكاح الحرة عليها وفي غير ذلك مما هو معروف في بابه.
إذا علمت ذلك فاعلم أن تقييد الأصحاب التحريم بالقرابة والرضاع كما أخرج الصورتين المذكورتين فقد أخرج هذه الثالثة، ولم يستحضر الرافعي هذه الصورة فظن أنه لا يخرج بها سوى الأوليين فذكر أنه يصح الاستغناء عن هذا القيد بقوله أيتهما فلزم خروج هذه الصورة، وأن يكون الضابط غير جامع ولم يذكر في "الروضة" ما ذكره الرافعي من هذا الكلام الأخير فسلم من الاعتراض وإن كان يظن أنه لا يخرج سوى الصورتين.

قوله: وإذا اشترى أختين فوطئ إحداهما حرمت عليه الأخرى حتى تحرم الأولى، ثم قال ولا يكفي استبراؤها لأنه لا يزيل الفراش، وعن القاضي الحسين أن القياس الاكتفاء لأنه يدل على البراءة.
انتهى.
وهذا النقل المذكور غلط على القاضي فإن الذي رأيته في "تعليقته" إنما هو الجزم بعدم الاكتفاء، وأورد عليه أمورًا وأجاب عنها، ثم إن التعليل الذي نقله عنه الرافعي واقتصر عليه عجيب فإنه لا مناسبة فيه وحده لما ذكره، وله تتمة ذكرها القاضي، والمراد لا يعلم إلا بها فقال: فإن قال قائل وجب أن يقولوا بالجواز عند الاستبراء كما يجوز له تزويجها هذا كلامه، ثم أجاب عنه والسبب في أمثال هذه الأمور أن الرافعي لم يقف على كلام القاضي نفسه وإنما ينقل عنه بوسائط يحصل معها التحريف.

قوله: ولو كان تحته صغيرة وكبيرة مدخول بها فارتدت الكبيرة

الجزء: 7 - الصفحة: 103

وأرضعت [أمها في عدتها الصغيرة] 56 وقف نكاح الصغيرة فإن أصرت الكبيرة حتي انقضت العدة بقي نكاح الصغيرة بحاله، وإن رجعت إلى الإسلام بطل نكاح الصغيرة لأنها صارت أختًا للكبيرة، واجتمعت معها في النكاح، وفي بطلان نكاح الكبيرة قولان يأتي ذكرهما في نظير المسألة في باب الرضاع أظهرهما عند الشيخ أبي علي: أنه لا يبطل، بل هو كما لو نكح أختًا على أخت.
انتهى.
واعلم أن المسألة الآتية في الرضاع صورتها كهذه إلا أن الردة لم تقع وسيأتي هناك أن الأصح من القولين في تلك الصورة أن نكاحهما ينفسخ، وما امتازت به هذه الصورة من الردة فلا يحسن فارقًا لأنا قد تبينا بقاء أحكام "الزوجية" كلها بعودها إلى الإسلام، وحينئذ يكون الصحيح في مسألتنا هو الانفساخ أيضًا على خلاف ما نقله عن الشيخ أبى علي وأقره عليه.

قوله: فرع لابن الحداد: نكح ست نسوة ثلاثًا في عقد وثنتين في عقد وواحدة في عقد ولم يعلم المُتقدم فنكاح الواحدة صحيح على كل تقدير لأنها لا تقع إلا أولى أو ثالثة أو رابعة فإنها لو تأخرت عن العقدين كان ثانيهما باطلًا فتقع هي صحيحة، وأما البواقي فقال ابن الحداد: لا يثبت نكاحهن لأن كل واحدة من عقديهما يحتمل كونه متأخرًا باطلًا والأصل عدم الصحة، قال الشيخ أبو على ما ذكره ابن الحداد غلط عند عامة الأصحاب بل يصح مع نكاح الواحدة، أما الثنتان وأما الثلاث، وهو الذي سبق الثنتين منهما ولا يعرف عينه فيوقف ويسأل الزوج فإن ادعى سبق الثنتين وصدقناه ثبت نكاحهما، وإن ادعى سبق الثلاث وصدقه فكذلك، وإن قال لا أدرى، أو لم يبين فلهن طلب الفسخ، وإن رضين بالضرر لم ينفسخ وعلى الزوج نفقة الجميع مدة التوقف، فإن مات قبل

الجزء: 7 - الصفحة: 104

البيان اعتدت من لم يدخل بها عدة وفاة، ومن دخل بها أقصى الأجلين من وفاة وأقراء.
ويدفع إلى الفردة ربع ميراث النسوة لاحتمال صحة نكاح ثلاث معها، ثم يحتمل أن يكون الصحيح معها، نكاح الثلاث فلا تستحق غير الربع المأخوذ، ويحتمل صحة نكاح الثنتين فتستحق الثلث فتوقف ما بين الثلث والربع وهو نصف سدس بين الواحدة والثلاث لا حق للثنتين فيه ويوقف الثلثان من نصيب النسوة بين الثنتين والثلاث لا حق للواحدة فيه فإن أردن الصلح قبل البيان فالصلح في نصف السدس بين الواحدة والثلاث وفي الثلثين بين الثلاث والثنتين، وأما المهر فللمهر وللفردة المسمي، وأما البواقي فإن دخل بهن قابلنا المسمى لإحدى الفرقتين ومهر المثل للأخرى ومهر مثل الأولى وأخذنا أكثر القدرين من التركة، ودفعنا إلى كل واحدة منهن الأقل من مسماها ومهر مثلها، ووقفنا الباقي، مثاله: سمى لكل واحدة مائة ومهر مثل لكل واحدة خمسون فمسمى الثلاث ومهر مثل الثنتين أربعمائة وهي أكثر من مسمى الثنتين ومهر مثل الثلاث فيأخذ من التركة أربعمائة ويدفع إلى كل واحدة خمسين ويقف الباقى وهو مائة وخمسون منها مائة بين النسوة الخمس وخمسون بين الثلاث والورثة، فإن بان صحة نكاح الثنتين فالمائة والخمسون للورثة وإن بان صحة الثلاث فالمائة والخمسون لهن، وإن لم يدخل بواحدة أخذنا من التركة أكثر المسميين ولا تعطى في الحال واحدة شيئًا، والأكثر من المثال المذكور ثلثمائة فيقف مائتين بين الثلاث والثنتين ومائة بين الثلاث والورثة، وإن دخل بإحدى الفرقتين أخذنا الأكثر من المسمى المدخول بهن فقط ومن مهر مثلهن مع مسمى الفرقة الأخرى، فأعطى الموطوءات الأقل من المسمى ومهر مثلهن، ثم قال ما نصه: ففي المثال المذكور إن دخل بالثنتين فمهر مثلهما مع مسمى الثلاث أربعمائة وذلك أكثر من مسمى الثنتين فيأخذ أربع مائة ويعطى كل واحدة

الجزء: 7 - الصفحة: 105

من الثنتين خمسين ويقف مائة بينهما وبين الثلاث ومائتين بين الثلاث والورثة فإن بان صحة نكاح الثنتين دفعنا المائة إليهما والباقي للورثة، وإن بان صحة نكاح الثلاث دفعناها مع المائتين إليهن وإن دخل بالثلاث فمهر مثلهن مع مسمى الثنتين ثلثمائة وخمسون وذلك أكثر من مسمى الثلاث فيأخذ ثلثمائة وخمسين يعطى كل واحدة من الثلاث خمسين منها ويقف الباقي وهو مائتان، منها مائة وخمسون بين الثنتين والثلاث والباقي بين الثنتين والورثة فإن بان صحة نكاح الثلاث أعطيناهن مائة وخمسين والباقي للورثة، وإن بان صحة الثنتين أعطيناهما المائتين.
قال الشيخ أبو على: فإن كانت المسألة بحالها ونكح أربعًا أخر في عقد رابع ولم يعرف الترتيب لم يحكم بصحة نكاح الواحدة لاحتمال وقوعه بعد الأربع، فإن مات قبل البيان وقفنا ميراث زوجاته ولا تعطى واحدة منه شيئًا، وأما المهر فإن دخل بهن أخذنا لكل واحدة الأكثر من مسماها ومهر مثلها وأعطيناها أقلهما ووقفنا الباقي بينهما وبين الورثة، فإن لم يدخل بواحدة منهن فيحتمل أن يكون الصحيح نكاح الأربع، ويحتمل أن تكون الواحدة مع الثلاث أو مع الثنتين فشطر مهر الأربع وحده ومهر الواحدة مع الثلاث مع الثنتين وتؤخذ أكثر المقادير الثلاثة ويوقف وإن دخل ببعضهن أخذت المدخول بها أكثر مهريها وتعطى منه أقلهما ويوقف الباقي بينها وبين الورثة وأخذ لغير المدخول بها مسماها فيوقف بينها وبين الورثة.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" فيه أمران: أحدهما: أن تغليطه لكلام ابن الحداد المذكور في أول المسألة عجيب فقد تقدم قبل ذلك بنحو كراس قبيل الباب الخامس المعقود للأسباب المقتضية لنصب الولي في الكلام على النكاحين إذا وقعا على المرأة أن

الجزء: 7 - الصفحة: 106

الصحيح البطلان كما قاله ابن الحداد فراجعه.
الأمر الثاني: أن تعبيره في أواخر المسألة بقوله وذلك أكثر من مسمى الثنتين فتأخذ أربعمائة إلى آخره تعبير ناقص بل ينبغي أن يقول من الثنتين مع مسمى الثلاث.
انتهى كلامه.
وفيما ذكره أمران: أحدهما: حيث قال: ففي المثال المذكور إن دخل بالثنتين فمهر مثلها مع مسمى الثلاث أربعمائة، وذكر أكثر من مسمى الثنتين فتأخذ أربعمائة إلى آخره، فإن هذا الكلام قد نقص منه شيء، وهو ما نصه مع مسمى الثلاث ومحل هذه الزيادة قبل التعبير بقوله فيأخذ وبعد لفظ الثنتين.
الأمر الثاني: حيث قال قبل آخر كلامه بنحو سطرين: فتأخذ أكثر المقادير الثلاثة ويوقف فنقول هنا إذا وطئهن فينبغي أن يوقف الأكثر من ذلك مع مهر مثل الموطوءة في المقدارين الآخرين ومن عكسه كما سبق لنا نظيره في العقود الثلاث.

قوله في الكلام على التحليل: الثالثة: لا فرق أن يكون الزوج مسلمًا أو ذميًا إذا كانت المطلقة ذمية.
انتهى.
واقتصاره في الذمية على المسلم والذمي يشعر بأن من عداهما كالوثني والحربي لا يحصل به التحليل وليس كذلك ألا ترى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجم اليهوديين مع أن الرجم متوقف على الإحصان وهو الوطء في نكاح صحيح بشروط أخرى معروفة، وقد نص على ذلك في "الأم" أيضًا فقال هنا بعد أن استدل برجم اليهوديين ما نصه: وأصل معرفة هذا أن ينظر إلى كل زوج إذا انعقد نكاحه لا ينفسخ لفساد العقد.
هذا لفظه.
والكفار أنكحتهم صحيحة لا محكوم بانفساخها وفسادها، وذكر

الجزء: 7 - الصفحة: 107

النووي في "الروضة" هذا الإعتراض فقال: قلت: لا يشترط في تحليل الذمية للمسلم وطء ذمي، بل المجوسي والوثني يحلانها أيضًا للمسلم كما يحصنانها صرح به إبراهيم المروذي هذا كلامه، وكأنه لم يظفر بها لغير إبراهيم المذكور وأيضًا فاستدراكه بالمجوسي لا يستقيم لأنه من أهل الذمة أيضًا.

قوله من "زياداته": ولو طلقها طلاقًا رجعيًا باستدخال الماء قبل الدخول، ثم وطئها في العدة لم تحل للأول، وإن راجعها نص عليه الشافعي والأصحاب.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من الجزم بثبوت الرجعة باستدخال الماء قد سبق منه في الكلام على التحريم بالمصاهرة أن الأصح خلافه وسبق ذكر لفظه هناك، لكنه سيذكر في الكلام على الفسخ بالعنة أن الرجعة تثبت على وفق المذكور هنا.

قوله: ولو نكحها على أن لا يطأها إلا مرة أو على أن لا يطأها نهارًا فللشافعي في صحته نصان فقيل هما قولان، ثم قال: وأصحهما وبه قال الربيع أنهما محمولان على حالين فحيث قال يبطل النكاح أراد ما إذا شرطت الزوجة أن لا يطأها وحيث قال يصح أراد ما إذا شرط الزوج ذلك والفرق أن الوطء حق له فله تركه والتمكين حق عليها فليس لها تركه، ولك أن تقول إذا شرط أحد المتعاقدين شرطًا فإن لم يساعده صاحبه لم يتم العقد، وإن ساعده فالزوج بالمساعدة تارك لحقه [فهلا كانت مساعدته] 57 كاشتراطه وهي بالمساعدة مانعه حقه فهلا كانت مساعدتها كاشتراطه.
انتهى كلامه.
فيه أمور:

الجزء: 7 - الصفحة: 108

أحدها: أن ما ذكرناه هنا من تصحيح [الطريقة الحاملة للنصين على حالين ومن تصحيح] 58 التفصيل قد خالفهما في "الشرح الصغير" فإنه صحيح طريقة القولين، وصحح منها البطلان فقال ما نصه: ولو نكحها على أن لا يطأها إلا مرة ففيه قولان، ويقال وجهان أحدهما: بطلان النكاح لإخلال هذا الشرط بمقصود العقد وهو الأشبه.
ووجه الثاني: القياس على ما إذا نكحها بشرط أن لا يتزوج عليها، وقيل لا خلاف في المسألة، ولكن إذا شرطت هي أن لا يطأها بطل النكاح، ولو شرط الزوج صح لأن الوطء حقه فله تركه، والتمكين حق عليها.
هذا كلامه.
وعبارة "المحرر" توافق ما في "الشرح الصغير" فإنه جزم بالبطلان، ولم يفصل بين أن يكون هو الشارط أم لا، وتبعه عليه النووي في "المنهاج" لكنه صحح في "تصحيح التنبيه" ما صححه في "الروضة" من التفصيل تبعًا للرافعي.
الأمر الثاني: أن قول الرافعي: فحيث قال: يبطل، أراد ما إذا شرطت الزوجة أن لا يطأها، فيه نظر لأن الشرط إنما يؤثر إذا كان مقارنًا للعقد والمرأة لا تعقد، لا جرم أن صاحب "التنبيه" عبر بقوله: أهل الزوجة، وعبر في "المهذب" بقوله من جهة المرأة.
الأمر الثالث: أن هذا الخلاف يجري أيضًا في ما إذا شرط أن لا يطأها مطلقًا، كذا نقله الرافعي بعد ذلك في باب مثبتات الخيار في السبب الرابع المعقود للعنة وحذفه من "الروضة" لتوهمه أنه قد سبق ذكره وليس كذلك، وقد ذكره أيضًا صاحب "التنبيه" وغيره، وذكر الرافعي في كتاب الصداق في الباب الثاني منه وهو المعقود للصداق الفاسد كلامًا

الجزء: 7 - الصفحة: 109

حاصله أن الخلاف في الإطلاق قد تقدم في الكلام على التحليل فقال: والضرب الثاني: ما يحل بمقصود النكاح كشرطه أن لا يطلقها أو لا يطأها، وقد سبق الكلام في الصورتين في فصل التحليل هذه عبارته وتبعه على ذلك في "الروضة" مع أن ذلك الخلاف لم يتقدم له ذكر هناك كما أوضحناه.
وقد سبق في البيع الكلام في أن هذا التفصيل الذي صححوه هنا هل يجرى هناك أم لا فراجعه.

قوله: ولو تزوج امرأة على أن لا تحل له ففي "النهاية" أنه يجب أن يلتحق ذلك بالخلاف في شرط الامتناع عن الوطء وقال في "الوسيط": ينبغي أن يفسد لما فيه من التناقض.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا والأصح قول الغزالي، كذا قاله في "الروضة" من "زياداته".

قوله: السادسة: إذا قالت المطلقة ثلاثًا نكحت زوجًا آخر ووطئ وفارقني وانقضت عدتي منه قيقبل قولها عند الاحتمال، وإن أنكر الزوج صدق في أنه لا يلزمه إلا نصف المهر وذلك لأنها مؤتمنة في انقضاء العدة والوطء مما يتعذر إقامة البينة عليه، ثم إن غلب على ظنه صدقها فله نكاحها من غير كراهة، وإن لم يغلب فالأولى أن لا ينكحها.
انتهى كلامه.
تابعه على هذا الإطلاق في "الروضة" مع أن محل قبول قولها إنما هو بالنسبة إلى ما بينها وبين الزوج المطلق خاصة أو إلى الحاكم أيضًا ولكن أقامت بينة على الطلاق من الثاني فأما إذا اعترفت بذلك بين يدي الحاكم، ولم تقم عليه بينة فإنه لا يزوجها هكذا صرح به الرافعي قبل باب دعوى النسب نقلًا عن "فتاوى البغوي" من غير اعتراض عليه فقال من جملة مسائل نقلها عنه ما نصه: فإنه إذا حضر عند القاضي رجل وامرأة

الجزء: 7 - الصفحة: 110

واستدعت تزويجها من الرجل وذكرت أنها كانت زوجة فلان فطلقها أو مات عنها لم يزوجها القاضي ما لم تقم حجة على الطلاق أو الموت لأنها أقرب بالنكاح لفلان هذا لفظه، وراجعت الفتاوى المذكورة فرأيته نقله عن القاضي الحسين أيضًا لكن ذكر القاضي في فتاويه ما يشكل على هذا فقال: إنها إذا ادعت علم الولى بوفاة زوجها أو طلاقه إياها فأنكر فإنها تحلف، ويأمره الحاكم بتزويجها أو يزوجها الحاكم.

قوله من "زوائده": جزم الفوراني بأنه إذا غلب على ظن المطلق ثلاثًا كذب المرأة في دعوى التحليل لم يحل له نكاحها، وتابعه الغزالي، وهو غلط عند الأصحاب، ولعل الرافعي لم يحك هذا الوجه لشدة ضعفه.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم حكاية الرافعي له ليس كذلك فقد حكاه في آخر الكتاب الثاني المعقود لأركان الطلاق عن الروياني إلا أنه عبر بقوله: يجب البحث، وهو معناه.

قوله أيضًا من "زوائده" في المسألة: قال إبراهيم المروذي: ولو كذبها الزوج والولي والشهود لم تحل على الأصح.
انتهى كلامه.
وقد سبق من كلام الرافعي بقليل أن الزوج إذا اعترف بكذبها لا يحل له نكاحها، ولم يحك فيه خلافًا وهذه الزيادة التي ذكرها النووي لا حاجة إليها، وتوهم اشتراط الاجتماع في التحريم ولا يتصور القول به.
نعم استفدنا منها الإشارة إلى خلاف في المسألة.

الجزء: 7 - الصفحة: 111

قال -رحمه الله-:

الجنس الثالث: من الموانع الرق

قوله: فإن كان تحته حرة لا يتيسر الاستماع بها كما إذا كانت صغيرة أو هرمة أو غائبة أو مجنونة أو مجذومة أو برصاء أو رتقاء أو مضناة لا تحتمل الجماع فوجهان: أحدهما: أنه يصح نكاح الأمة وهو الأصح عند صاحب "المهذب" وبه أجاب ابن الصباغ وطبقة من العراقيين، وأجازه القاضي الحسين.
والثاني: المنع وهو المذكور في الكتاب و"النهاية" و"التهذيب".
انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على عدم التصريح بالتصحيح وكذلك في "الشرح الصغير" أيضًا، وكلامه في "المحرر" يقتضي المنع فإنه قال: ولا ينكح الحر مملوكة الغير إلا بشروط أحدها: أن لا تكون تحته حرة، والأحوط المنع، وإن كانت لا تصلح للاستمتاع، هذا لفظه.
وصرح النووي في "المنهاج" بحكاية وجهين وبتصحيح الجواز، ولم يجعله من زوائده بل أدخله في كلام الرافعي وهو عجيب.

قوله: الثالثة: لو لم ترض الحرة التي يجدها إلا بأكثر من مهر مثلها وهو واجد له، فالمنقول في "التهذيب" أنه لا ينكح الأمة، وفي "التتمة" أنه ينكحها كما يباح التيمم إذا بيع الماء بأكثر من ثمن المثل وتوسط الإمام والغزالي فقالا: إن كانت المغالاة بقدر كبير يعد بذله إسرافًا فله نكاح الأمة، وإلا فلا وفرقوا بين مسألة التيمم، وبين ما يجئ فيه من وجهين:

الجزء: 7 - الصفحة: 112

أحدهما: أن الحاجة إلى الماء تتكرر.
والثاني: أن النكاح يتعلق به أعراض كلية لا يعد باذل المال في مثلها مغبونًا.
انتهى.
والذي ذكره البغوي قد نقله في "الإبانة" عن القفال والعمراني في "الزوائد" عن الطبري لكن صحح النووي من زوائده الجواز قال: وقطع به آخرون وبه أجاب صاحب "الحاوي الصغير"، ولم يصرح في "الكبير" بتصحيح، واعلم أن مسألة الغلو غير مسألة الزيادة على ثمن المثل كما أوضحته في باب السلم فراجعه.

قوله: ولو بيعت الرقبة بثمن غال، والمكفر واجد له فهل يعدل إلى الصوم؟ اختلف فيه كلام صاحب "التهذيب" فقال هاهنا: لا يعدل وقال في الكفارات: يعدل وذكر ما أورده هنا ذكر من ينقل وجهًا بعيدًا أو تخريجًا غريبًا.
انتهي كلامه.
وما نقله -رحمه الله- عن "التهذيب" من التناقض ليس كذلك فإنه قال فيه هنا ما نصه: وكذلك رقبة الكفارة إذا بيعت بثمن غال وهو واجد له لا ينتقل إلى الصوم بخلاف التيمم لأنه يتكرر، وقال الشيخ: وعندي فيه نظر، وقال في الكفارات وإن وجد الرقبة بثمن غال وهو واجد له لا ينتقل إلى الصوم بخلاف التيمم لأنه يتكرر، قال الشيخ: وعندى فيه نظر، وقال في الكفارات: وإن وجد الرقبة بثمن غال لا يجب الشراء كما لا يجب شراء الماء إذا بيع بثمن غال، بل يتيمم.
قال الشيخ: ورأيت أنه يجب أن يشتري بالثمن الغالي إذا كان واجدًا له هذه عبارته فعلمنا بقوله في النكاح وفيه نظر أنه يميل إلى عدم الوجوب على خلاف المنقول، ثم إنه في الكفارات أجاب أولًا بما يعتقده هو، ثم نقل بعد ذلك ما رآه لغيره منقولًا ووقف عليه فقال: ورأيت أنه يجب أي رأيت لغيري وهذا جواب واضح وذكر ابن الرفعة في "الكفاية" هنا أن

الجزء: 7 - الصفحة: 113

الرافعي قد حصل له غلط من وجوه وابن الرفعة هو الغالط في جميعها كما نبهت عليه في "الهداية إلى أوهام الكفاية" فاستحضره كيلا تظن صحته وإهمالي له.

قوله: فرع: ذكر القاضي ابن كج وجهين في أنه هل يجوز له نكاح الإماء مع ملك المسكن والخادم أم عليه بيعهما؟ . انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة": هو الجواز.

قوله: والمعسر الذي له ابن موسر يجوز له نكاح الأمة إن لم نوجب على الابن الإعفاف وإن أوجبناه فوجهان، لأنه مستغنٍ بمال الابن.
انتهى كلامه.
والأصح من الوجهين أنه لا يجوز له ذلك، كذا صححه الرافعي في الكلام على إعفاف الأب وعبر بالأصح وصححه أيضًا هنا النووي من "زوائده"، ولم يستحضر ما قاله الرافعي هناك.

قوله: ومن يحل له نكاح الأمة إذا قدر على مبعضة هل له نكاح الأمة المحضة؟ فيه تردد للإمام لأن إرقاق بعض الولد أهون من إرقاق كله.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وهو يقتضي الجزم بتبعيض الحرية وقد اختلف كلامهما في ذلك من وجهين: أوضحتهما في كتاب السير قبيل الكلام في الاغتنام فراجعه.

قوله في أصل "الروضة" عقب المسألة من غير فاصل: وحكي عن بعض الأصحاب أن من بعضه رقيق كالرقيق فينكح الأمة مع القدرة على الحرة.
انتهى كلامه.
واعلم أن إمام الحرمين قد جزم بهذه المسألة، وزاد على ذلك فحكى الاتفاق عليه فقال قبيل فصل أوله الحر إذا جمع.
. . . إلى آخره ما نصه:

الجزء: 7 - الصفحة: 114

ومن نصفه حر ونصفه عبد ينكح الأمة مع القدرة على نكاح حرة اتفق عليه الأصحاب لأن ما فيه من الرق حطه عن الكمال هذه عبارته، وجزم به أيضًا في "البسيط" و"الوجيز"، وكذلك ابن الرفعة في "الكفاية"، في آخر الفصل فاعلمه، وكلام ابن الرفعة و"الروضة" لا يؤخذ منه الحكم في المسألة، بل عبارة "الروضة" توهم أن الإمام هو الحاكي عن ذلك البعض وليس كذلك، وقد سلم الرافعي من ذلك فإنه لم يأت بصيغة "عن".

قوله فيها أيضًا: وإن جمع بين حرة وأمة في عقد واحد نظر إن كان ممن لا يحل له نكاح الأمة فنكاح الأمة باطل ونكاح الحرة صحيح على الأظهر، وإن كان ممن يحل له نكاح الأمه فإن وجد حرة تسمح بمهر مؤجل أو بلا مهر أو بدون مهر المثل أو حرة كتابية، وقلنا: إن هذه المعاني لا تمنع نكاح الأمة بطل نكاح الأمة قطعًا لاستغنائه عنه، وفي الحرة طريقان أظهرهما عند الإمام وبه قال صاحب "التلخيص": إنه على القولين، وقال ابن الحداد وأبو زيد وآخرون: يبطل قطعًا، لأنه جمع بين امرأتين يجوز إفراد كل منهما، ولا يجوز الجمع فأشبه الأختين.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من بطلان نكاح الأمة قطعًا ليس كذلك فقد جزم القاضي أبو الطيب في "المحرر" بصحة نكاحهما وعلله بأن المنع من نكاح الأمة معدوم ونقله عنه أيضًا الروياني في "البحر" وجزم به الجرجاني في "المعاياة" في وأنكره عليه ابن الصلاح وابن الرفعة في "الكفاية" وقالا: إن ذلك لا يعرف في شيء من كتب المذهب غير "المعاياة" وقد ظهر لك بطلان ما ادعياه.
الأمر الثاني: أن الأصح من الطريقتين هى الطريقة الأولى وهو

الجزء: 7 - الصفحة: 115

التخريج على القولين، كذا صححهما الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأظهر.

قوله: ولو جمع بين مسلمة ووثنية أو أجنبية ومحرمة أو خلية ومعتدة فهو كما لو جمع بين من لا يحل له نكاح الأمة بين حرة وأمة.
انتهى.
واعلم أن للأصحاب في هذه المسألة ونظائرها طريقين: إحداهما: تخريج من يصح نكاحها على القولين في تفريق الصفقة بناء على أن العلة فيها هو الجمع بين حلال وحرام.
والطريقة الثانية: القطع فيها بالصحة بناء على أن العلة [هي] 59 الجهل بالعوض وذلك في النكاح لا يقدح.
إذا علمت ذلك، فقد اختلف كلام النووي في الراجح منهما فجزم في "الروضة" هنا بطريقة القولين تبعًا لظاهر كلام الرافعي وصحح طريقة القطع في كتاب البيع من "شرح المهذب" فإنه هناك ذكرها إستطرادًا فقال في أوائل باب تفريق الصفقة ما نصه: فيه طريقان المذهب: الصحة، والثاني: فيه قولان.

الجزء: 7 - الصفحة: 116

قال -رحمه الله-:

الجنس الرابع: من الموانع الكفر

قوله: والصنف الثاني الذين لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب كعبدة الأوثان والشمس والنجوم والصور التي يستحسنونها والمعطلة والزنادقة والباطنية فلا تحل مناكحتهم.
أما المعطلة: فهم الذين يقولون بأن الأشياء وجدت بنفسها وينفون الخالق المدبر، وقد صرح الرافعي بتفسيره في آخر الباب الثاني من أبواب اللعان.
وأما الزنادقة: فاختلف فيه كلام الرافعي وتبعه عليه في "الروضة" وقد أوضحت ذلك في باب الردة وغيره.
وأما الباطنية: فقوم ينطقون بالشهادتين إلا أنهم يستحلون المحرمات التي نص الله على تحريمها حتى يطئ المحارم، ولهذا يقال لهم: الإباحية.

قوله: والصنف الثالث من لا كتاب له لكن لهم شبهة كتاب وهم المجوس وهل كان لهم كتاب؟ فيه قولان: أشبههما نعم، وعلى القولين لا يحمل مناكحتهم، وقال أبو إسحاق وابن خربويه: يحل إن قلنا لهم كتاب وهو ضعيف.
انتهى.
قد عبر الرافعي في كتاب الحرية بالأظهر عوضًا عن الأشبه، وقول "المحرر" و"المنهاج" أنهم لا كتاب لهم يريد به الآن، وما نقله عن أبي إسحاق وابن خربويه قد نقله القاضي الحسين عن القديم، ونقله أبو

الجزء: 7 - الصفحة: 117

إسحاق المروزي [في كتاب "التوسط" عن المزني قال الإمام: وحكاه من أثق به] 60 عن الشيخ أبي بكر الطوسى.

قوله: وإذا طهرت الكتابية عن الحيض أو النفاس ألزمها الزوج الاغتسال فإن امتنعت أجبرها عليه واستباحها، وإن لم ينو للضرورة كما تجبر المسلمة المجنونة.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" وحكى في باب الوضوء من "شرح المهذب" خلافًا في وجوب النية من الذمية وزوج المجنونة فقال: قال المتولي: ولا يحل لزوج الذمية إلا إذا اغتسلت بنية استباحة الاستمتاع كما لو ظاهر كافر وأراد التكفير بالإعتاق فإنه لا يحل له الاستمتاع حتي يعتق بنية الكفارة، وحكى الروياني فيه وجهين أحدهما: هذا، والثاني وهو الأقيس عنده: أنها لا تحل بلا نية منها للضرورة، وأما المجنونة فلا يحل لزوجها وطؤها حتي يغسلها، وهل يشترط نية الزوج؟ فيه وجهان، ولو امتنعت زوجة المسلم من الغسل فأوصل الماء إلى بدنها قهرًا حلت، وهل تفتقر إلى نية الزوج أم لا؟ الظاهر أنه على الوجهين في المجنونة انتهي كلام شرح "المهذب" ملخصًا، وصحح في التحقيق أنه لابد من نية الكافرة وزوج المجنونة فقال: ولو انقطع حيض كتابية أو مجنونة لم يحل الموطء حتي تغتسل الكتابية وتغسل المجنونة بنية، وقيل: لا يشترط النية فيها، ولو امتنعت منه مسلمة فغسلها قهرًا حلت هذا لفظ "التحقيق" بحروفه وهو مصحح في الكافرة والمجنونة بخلاف ما جزم به في "الروضة"، وحكى ابن الرفعة في باب الحيض من "الكفاية" عن القاضي الحسين أن الذمية لابد فيها من تغسيل الزوج ونيته فتحصلنا على ثلاثة أوجه، وفي المسألة إشكال ذكرته في كتاب الحيض من "المطالع" فليطلب منه.

قوله: واختلف كلام الشافعي - رضي الله عنه - في أنه هل يجبر زوجته الكتابية

الجزء: 7 - الصفحة: 118

على الغسل من الجنابة؟ ، فقال أكثر الأصحاب: هما قولان، ومنهم من يحمل الإجبار على ما إذا طالت المدة، وكان الزوج يعافها والمنع على غير هذه الحالة، وأما المسلمة فهي مجبرة على الغسل من الجنابة، هكذا أطلقه في "التهذيب".
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصح من القولين في الكتابية هو الإجبار فقد قال الرافعي في "المحرر": إنه أظهر القولين وتبعه النووي في "الروضة" و"المنهاج".
الأمر الثاني: أن ما نقله عن "التهذيب" وسكت عليه من كون الخلاف خاصًا بالكتابية فجزم به أيضًا في "المحرر" وهو مردود، فإن القولين جاريان في المسلمة أيضًا، قال في "الروضة" وإنما تجبر المسلمة جزمًا إذا حضر وقت الصلاة فإن لم تحضر صلاة ففي إجبارها القولان وهما مشهوران حتى في "التنبيه".

قوله: ومهما ينجس فمها أو عضو آخر فلا خلاف أنه يجبرها على غسله ليمكنه الاستمتاع.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفي الخلاف ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وتبعه النووي في "الروضة" وهو غريب فإن المسألة فيها قولان حكاهما الشيخ في "التنبيه".

قوله في "الروضة": والذي ذكره الأصحاب في طرقهم جواز نكاح الإسرائيلية على الإطلاق من غير نظر إلى آبائها أدخلوا في ذلك الدين قبل التحريف أو بعده وليس كذلك لأن كل إسرائيلية يلزم دخول آبائها قبل التحريف، وإن أشعر به كلام جماعة من الأئمة، وذلك لأن إسرائيل هو يعقوب - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبينه وبين نزول التوراة زمان طويل ولسنا نعلم أدخل كل بني

الجزء: 7 - الصفحة: 119

إسرائيل على كثرتهم في زمان موسى -عليه السلام- أم بعده قبل التحريف، بل في القصص ما يدل على استمرار بعضهم على عبادة الأوثان والأديان الفاسدة وبتقدير استمرار هذا في اليهود فلا يستمر في النصاري لأن بني إسرائيل بعد بعثة عيسي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منهم من آمن به ومنهم من صد عنه فأصر على دين موسى، ثم من المتنصرين من تنصر على تعاقب الزمان قبل التحريف وبعده، ولكن كأن الأصحاب اكتفوا بشرف النسب وجعلوه جائز النقض دخول الآباء في الدين بعد التحريف حتي فارق حكمهن حكم غير الإسرائيليات إذا دخل آباؤهن بعد التحريف.
انتهى كلامه.
وتعبيره في أول كلامه بقوله: "وليس كذلك" تحريف وصوابه حذف الكاف فنقول: "وليس ذلك" أي: ولم يقل ذلك لكذا بل لكذا فافهم ما ذكرته فإن المعنى يفسد بذكرها فتأمله معها ودونها، وهو في الرافعي على الصواب.

قوله: المسألة الثانية الصابئون طائفة تعد من النصارى، والسامرة طائفة تعد من اليهود، والمنصوص أنهم إن خالفوا اليهود والنصارى في أصل دينهم ولا يبالون بنص كتابهم فلا يناكحون، وإن خالفوهم في الفروع، وأولوا نصوص كتابهم جاز وأطلق بعضهم قولين، ثم قال بعده قال الإمام: ولا مجال للتردد في الذين يكفرهم النصاري واليهود ويخرجونهم من جملتهم، نعم يمكن التردد في الذين ينزلونهم منزلة المبتدع فينا، قال: وليس هذا تعريضًا بتحريم نكاح المبتدعة فينا.
انتهى كلامه.
وما ذكره الإمام من عدم الخلاف في هذه الصورة، ولم يصرح بموافقته ولا بمخالفته فالأمر فيه كما قاله -أعني الإمام- فقد صرح به الرافعي في كتاب عقد الذمة، ولم ينقله عن أحد وتابعه عليه في "الروضة".

الجزء: 7 - الصفحة: 120

قوله: ولو انتقل المشرك من دين نقر أهله عليه إلى مثله فقولان: أصحهما عند القاضي أبى حامد وصاحب "التهذيب": أنه يقر عليه، فإن قلنا: لا يقر عليه فقولان: أظهرهما عند الإمام أنه لا يقبل منه إلا الإسلام.
انتهى.
أما المسألة الأولى فقد اختلف فيها كلام الرافعي فصحح في "المحرر" أنه يقر عليه، وعبر بالأصح، وصحح في "الشرح الصغير" أنه لا يقر وعبر أيضًا بالأصح.
وأما الثانية فالأصح فيها في "الشرح الصغير" أنه لا يقبل منه غير الإسلام.
وقال في "المحرر": إنه المرجح من القولين وصحح النووي في كتبه أنه لا يقر وأنه يتعين الإسلام.

قوله: من أحد أبويه كتابي والآخر وثني نقر بالحرية على المذهب، وأما مناكحته ومناكحة من أحد أبويه مجوسي والآخر يهودي أو نصراني وذبيحته فإن كانت الأم هي الكتابية لم يحل، وكذا إن كان هو الأب على الأظهر هذا في حال صغر المتولد منهما، فأما إذا بلغ وتدين بدين الكتابي منهما فقال الشافعي: تحل مناكحته وذبيحته فمن الأصحاب من أثبت هذا قولًا، ومنهم من قال: لا أثر لبلوغه، وحمل النص على ما إذا كان أحد أبويه يهوديًا والآخر نصرانيًا.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الخلاف الأخير الذي حكاه هنا من غير ترجيح قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" والأصح منه عدم الحل، فقد صححه الرافعي في أول كتاب الصيد والذبائح وعبر بالأصح، وحذف النووي المسألة من "الروضة" هناك ظنًا منه أنه استوفاها في هذا الموضع فلزم خلو "الروضة" عن هذا الترجيح المهم.

الجزء: 7 - الصفحة: 121

الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر في باب الصيد والذبائح من "الروضة" تبعًا للرافعي ما نصه.
والمناكحة والذبيحة لا يفترقان إلا أن الأمة الكتابية تحل ذبيحتها دون مناكحتها ثم ذكر في أصل "الروضة" هاهنا أن الأم إذا كانت هى الكتابية فلا تحل مناكحتها قطعًا، وما ادعاه من القطع ليس كذلك، ولم يذكره الرافعي أيضًا فقد رأيت في "الكامل" للمعافى الموصلي خلافًا في ذلك فقال في باب الصيد والذبائح ما نصه: وعند أبي حنيفة أي الأبوين كان كتابيًا تحل ذبيحته وحكاه بعض الأصحاب قولًا لنا هذا لفظه، وقد تقرر أن الملتين سواء حتى يجيء في كل منهما ما يجيء في الآخر فيكون هذا القول جاريًا في النكاح أيضًا.

قوله: وحكي الإمام أن من الأصحاب من جعل الطلاق على قولي وقف العقود وأجراهما في ما إذا أعتق عبد أبيه على ظن أنه حي فبان ميتًا والمذهب الأول فإن الطلاق والعتاق يقبلان صريح التعليق فأولى أن يقبلا تقدير التعليق.
انتهى.
وهذه المسألة مذكورة في الرافعي و"الروضة" في مواضع واختلف كلامهما في الأصح من الطريقين، وقد أوضحت ذلك في البيع.

قوله: في الأنكحة الحادثة في الشرك ثلاثة أوجه وسماها الغزالي أقوالًا الصحيح أنها محكوم بصحتها، قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ 61 ولأنهم لو ترافعوا إلينا أو أسلموا أقررناهم.
والثاني: أنها فاسدة لعدم مراعاتهم الشروط.
والثالث: لا نحكم بصحة ولا فساد بل يتوقف إلى الإسلام فما قرر عليه بانت صحته وما لا بان فساده.
إذا تقرر هذا، فمقتضى كلام المتولي

الجزء: 7 - الصفحة: 122

وغيره أن الخلاف مخصوص بالعقود التي نحكم بفساد مثلها.
وقال الإمام: من يحكم بفسادها يلزمه أن لا يفرق بين ما عقدوه بشروطنا وغيره، والمصير إلى بطلان نكاح يعقد على وفق الشرائع مذهب لا يعتقده ذو حاصل.
انتهى.
زاد في "الروضة" فقال: الصواب التخصيص بل لم يصرح أحد بطرده في الجميع وليس في كلام الإمام إثبات نقل طرده.
انتهى.
وما ذكره النووي من عدم القول بذلك مردود فإن الماوردي في "الحاوي" قد حكى في المسألة طريقين: إحداهما: حاكية لثلاثة أقوال.
قال: والثانية: وهي طريقة الأكثرين إنكار الخلاف، وحمل قول الصحة على ما اجتمعت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع، وقول الفساد على حالة وجود الموانع وانتفاء الشروط، وقول الوقف على انتفاء الموانع، ولكن مع الإخلال بالشروط كفقد الولي أو الشهود أو اللفظ الخاص، ومعنى هذا القول أنهم إذا أسلموا عفونا عن الخلل وأقررناهم عليه.
انتهى ملخصًا.
وذكر الروياني في "البحر" مثله، ومقتضاه إثبات الخلاف مطلقًا عند القائل بالطريقة الأولى.

قوله: وإذا أصدق الكافر امرأة صداقًا فاسدًا كخمر وخنزير ثم أسلما بعد قبضه فلا شيء لها، وإن كان قبل القبض وجب لها مهر المثل، ولو أصدقها حرًا مسلمًا استرقوه ثم أسلما إما قبل القبض أو بعده فلا يقر في يده ويجب مهر المثل هكذا ذكروه، وقياس ما سبق أن يخرج من يدها، ولا ترجع بشيء كما تراق الخمر المقبوضة ولا تأخذ شيئًا.
انتهى ملخصًا.
تابعه عليه في "الروضة" وهو يوهم أن وجوب مهر المثل فيما إذا وقع

الجزء: 7 - الصفحة: 123

الإسلام بعد القبض خاص بما إذا أصدقها الحر المسلم لأنه ذكر أولًا قاعدة عامة، ومثل لها بالخمر والخنزير، ثم أخرج منها الحر المسلم فبقي ما عداه على الأصل لكنه ليس خاصًا به، فقد نص الشافعي في "الأم" على أن عبد المسلم ومكاتبه وأم ولده كالحر فاعلمه فإنه موضع مهم ذكر ذلك في كتاب "سير الواقدي" في باب الحربى يصدق امرأته، وأما إلحاق الرافعي الحر بالخمر فبينهما فرق وهو أنا نقرهم في حال الكفر على الخمر دون الأسير.

قوله: فرع: لو نكح الكافر على صورة التفويض وهم يعتقدون أن لا مهر للمفوضة بحال ثم أسلموا فلا مهر، وإن كان الإسلام قبل المسيس لأنه قد سبق استحقاق وطء بلا مهر.
انتهى كلامه.
وهذا الفرع قد ذكر ما يشكل عليه في الباب الثالث من أبواب الصداق وسأذكره هناك إن شاء الله تعالى مبسوطًا فراجعه.

قوله: الصورة الثانية أسلم وتحته أم وبنت، ثم قال في آخره وإن دخل بالبنت فقط ثبت نكاحها، وحرمت الأم أبدًا ولا مهر لها عند ابن الحداد ولها نصفه عند القفال إن صححنا أنكحتهم، وإن دخل بالأم فقط حرمت البنت أبدًا، وهل له إمساك الأم؟ يبنى على القولين إذا لم يدخل بواحدة إن أجبرناه أمسكها وإلا فلا ولها مهر المثل بالدخول.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلإمه من وجوب مهر المثل لها إنما يستقيم على القول الضعيف وهو بطلان أنكحة الكفار، فإن قلنا بالصحة وهو الصحيح وجب المسمى فافهم ذلك.

قوله: ولو أسلم العبد وتحته أربع حرائر فأسلمت منهن بنتان ثم عتق ثم أسلمت الباقيات فليس له إلا اختيار اثنتين، وإن أسلمت معه واحدة ثم عتق ثم أسلمت الباقيات فله اختيار أربع، وذكر الأصحاب عبارة جامعة

الجزء: 7 - الصفحة: 124

لهذه المسائل، فقالوا: الرق والحرية إذا تبدل أحدهما بالآخر فإن بقي من العدد المعلق بكل واحد من الزائل فالطارئ شيء أثر الطارئ وكان الثابت العدد المعلق به زائدًا كان أو ناقصًا، وإن لم يبق منهما جميعًا شيء لم يؤثر الطارئ، ولم يغير حكمًا، وإذا أسلم معه حرتان ثم عتق لم يبق من العدد المعلق بالزائل شيء، وبقي من العدد المعلق بالطارئ اثنتان فلم يثبت العدد المعلق بالطارئ وإذا أسلمت معه واحدة وبقي من العدد المعلق بالزائل شيء، ومن العدد المعلق بالطارئ شيء فأثر العتق وثبت حكمه، ثم قال بعد ذلك في أثناء التفاريع، ولو أسلمت معه واحدة من الإماء الأربع ثم عتق ثم أسلمت البواقي: فقال في "التتمة": لا يختار إلا واحدة على ظاهر المذهب، وهذا هو الجواب في "التهذيب" لكن قياس الأصل الذي سبق أن يجوز له اختيار اثنتين لأنه لم يستوف عدد العبيد قبل العتق.
انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول هذه الصورة لم يتناولها الضابط السابق وذلك لأنهم قيدوه بما إذا تعلق بكل من الحرية والرق عدد، ونكاح الإماء لا يتعلق بالحرية منه عدد بل الرق فقط، وإنما يدخل تحت الضابط الحرائر دون الإماء، وكأنهم نظروا إلى أنه لما صار حرًا قبل إسلام البواقي ثم أسلم كان حكمه حكم الحر إذا أراد أن يعقد على الأمة ابتداء، والفرض أن في نكاحه التي أسلمت معه قبل عتقه فلم يوجد شرط نكاح الأمة.

قوله الثانية: أسلم الزوج الرقيق ففي ثبوت الخيار لزوجته الكافرة وجهان: أظهرهما على ما ذكره الإمام والمتولي: المنع لأنها رضيت قبل ذلك برقه.
والثاني: يثبت وهو ظاهر النص لأن الرق نقض في الإسلام لكونه فيه لا يساوي الحر في الأحكام، وفي الشرك لا يتميز الحر عن الرقيق.

الجزء: 7 - الصفحة: 125

قال الداركي: وهذا الخلاف في حق أهل الحرب فأما الذمية مع الذمي فلا خيار لها لأنها رضيت بأحكامنا، ثم قال: وقيد الغزالي في "الوجيز" و"الوسيط" المسألة بما إذا أسلم على حرة وليست مختصة بها ولا بما إذا أسلمت أيضًا، بل الوجهان جاريان في الحرة والأمة إن سلمت أم لا إذا كانت كتابية كذلك ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره من إنكار التقييد بالحرة وكون الحكم في الأمة كذلك غلط عجيب فاحش لأنها إذا كانت أمة كانت مساوية له في الرق فلا فسخ لها، وإن امتاز بالإسلام فكيف يجيء الخيار؟ ، وحينئذ فلابد من تقييد المسألة بالحرة كما ذكره الغزالي، وقد صرح به هكذا حكمًا وتعليلًا جماعة منهم الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" ناقلًا له عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا: أما الأمة فلا خيار لها لأنها مساوية له هذه عبارته، وقيد المسألة بذلك أيضًا خلائق منهم الفوراني في "الإبانة"، والمتولي في "التتمة".
الأمر الثاني: أن ما ذكره من كونه لا فرق بين أن تسلم التي أسلم عليها أم لا غلط أيضًا فإنه يقتضي جواز نكاح الأمة الكتابية وهو ممتنع قطعًا كما أوضحوه في هذا الباب وغيره، وقد تابعه في "الروضة" على الأمرين وأكد ذلك بقوله: "فاعلم ذلك" فتأمل ذلك وتعجب له، وأسأل الله التوفيق والعصمة عن مثله، وكلام البغوي لا يقتضي ما ذكره بل فيه إيهام يوضحه اسحتضار القواعد المقررة.
الأمر الثالث: أن الراجح عند الأصحاب خلاف ظاهر النص فقد قال في "البحر": إن الأصح عدم الخيار، وجزم به أيضًا الغزالي في "الوجيز"، وقال في "البسيط"، والفوراني في "الإبانة": إنه القياس ولذلك عبر به المتولي، إلا أن الرافعي أبدله بالأظهر.

الجزء: 7 - الصفحة: 126

الأمر الرابع: أن تعليل الرافعي المنصوص تعليل ناقص تبعه عليه في "الروضة" وزاده خللًا، وقد أوضحه في "التتمة" فقال: لأن حكم حرمتها إنما يثبت بإسلام الزوج لأن زوجة المسلم لا تسترق فتكون حريتها بعد إسلامه كالحرية الطارئة، وكذا علل به الغزالي أيضًا إلا أنه لم يستدل على ذلك بمنع الاسترقاق فبقي ذلك دعوى بلا دليل، وعلله البغوي في "التهذيب" بأن الرق له نقائض في الإسلام ليست في الكفر وهو لم يرض بها.

قوله في الكلام على الاختيار: ثم فيه صور: إحداها: إذا طلق واحدة أو أربعًا منهن كان ذلك تعيينًا للنكاح، ثم قال: وفي "التتمة" وجه آخر أن الطلاق ليس تعيينًا لأنه روى في قصة فيروز الديلمي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: "طلق أيتهما شئت" 62 ولو كان الطلاق تعيينًا للنكاح لكان ذلك تفويتًا لنكاحهما عليه.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على نقل هذا الوجه عن "التتمة" لكنه عبر في "التتمة" بقوله: قيل فيه مذهب آخر أنه لا يكون تعيينًا واعلم أن فيروز بفاء مفتوحة، ثم ياء ساكنة بنقطتين من تحت بعدها راء مهملة وفي آخره زاي معجمة كان جده من الفرس الذين بعثهم كسرى مع سيف بن ذى يزن إلى اليمن فأخرجوا عنها الحبشة واستولوا عليها نزل في حمير فلذلك يقال لفيروز الديلمي والحميرى، وفد فيروز على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأسلم وهو قاتل الأسود العنسي الكذاب مدعي النبوة باليمن فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "قتله

الجزء: 7 - الصفحة: 127

الرجل الصالح فيروز" 63 وفي رواية: "قتله رجل مبارك" 64، وقيل: إنما كان قتله في خلافة أبي بكر، توفي فيروز في خلافة عثمان - رضي الله عنه -، ذكره النووي في تهذيبه وحديثه هذا أخرجه أبو داود في سننه بإسناد صحيح.

قوله: ولو قال لواحدة: فارقتك، فعن القاضي أبي الطيب أنه كقوله: طلقتك، لأن الفراق صريح في الطلاق، وقال الشيخ أبو حامد: يكون فسخًا، وهذا أظهر عند صاحب "الشامل" والمتولي وغيرهما، واحتجوا له بما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لغيلان: "اختر أربعًا منهن وفارق سائرهن" 65. انتهى.
وهذا الذي استدلوا به لا دلالة فيه بالكلية لأنه قد قال له: "اختر أربعًا" فإذا اختارهن استغنى في المفارقات عن لفظ فتعين أن يكون المراد الفراق بالفعل لا بالقول، والكلام إنما هو في ما إذا لم يتقدم اختيار المنكوحات، وإنما ابتداء بهذا اللفظ.

قوله: ونص في ما إذا قال راجعتك في العدة فقالت: بل بعدها أن القول قولها إلى آخرها.
واعلم أن كلامه هنا يوهم أن الأصح تصديق السابق إلى الدعوى مطلقًا أي سواء إتفقا على تعيين وقت أحدهما أم لا وليس كذلك فتفطن

الجزء: 7 - الصفحة: 128

له، واعتمد ما قالاه في باب الرجعة وسوف أذكر ذلك هناك للتنبيه على شيء وقع فيه.

قوله: فرع آخر: نكحت في الكفر زوجين ثم أسلموا، فإن ترتب النكاحان فهي زوجة الأول، فإن مات الأول، ثم أسلمت مع الثاني، وهم يعتقدون جواز التزويج بزوجين ففي جواز التقرير وجهان.
انتهى.
قال في "الروضة": ينبغي أن يكون أصحهما التقرير.

الجزء: 7 - الصفحة: 129

قال -رحمه الله-:

القسم الرابع في

موجبات الخيار

وهي أربعة:

السبب الأول: العيب

وهو ثلاثة أقسام: أحدها: يشترك فيه الرجال والنساء وهو البرص والجذام والجنون.
والثاني: مختص بالرجل وهو الجب والعنة.
والثالث: مختص بالمرأة وهو الرتق والقرن، فالرتق انسداد محل الجماع باللحم، والقرن عظم في الفرج يمنع الجماع، وقيل: لحم ينبت فيه.
انتهى.
وما ذكره من حصر المختص بالمرأة في شيئين تابعه عليه في "الروضة" لكنه -أعني الرافعي- في كتاب الديات قد ذكر ثالثًا فقال: إذا كانت المرأة لا تحتمل الوطء إلا بالإفضاء لم يجز للزوج وطؤها ثم الذي أورده صاحب الكتاب هنا، وفى "الوسيط" أنه إن كان سببه ضيق المنفذ بحيث يخالف العادة فله الخيار كما في الجَب، والمشهور من كلام الأصحاب، وقد تقدم ذكره في الصداق أنه لا فسخ بمثل ذلك، ثم قال: ويشبه أن يفصل فيقال: إن كانت المرأة تحتمل وطء نحيف مثلها فلا فسخ، وإن كان ضيق المنفذ بحيث يحصل به الإفضاء من كل واطئ فهذا كالرتق، وينزل ما قاله الأصحاب على الحالة الأولى، وما في الكتاب على الثانية.
هذا كلامه، وهذا التوسط الذي ذكره في المرأة لا شك في جريانه في الرجل أيضًا.

قوله: وليس للزوج إجبار الرتقاء على شق الموضع، ولو فعلت هي

الجزء: 7 - الصفحة: 130

وأمكن الوطء فلا خيار هكذا أطلقوه، ويمكن أن يجيء فيه الخلاف المذكور في ما إذا أطلع على عيب المبيع بعد زواله.
انتهى كلامه.
وهذا التخريج الذي ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقله وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا قد صرح به الماوردي في "الحاوي"، ونقله عنه أيضًا في "البحر" إلا أن محله إذا زال بعد علمه، قال: فإن زال قبل علمه فلا خيار جزمًا.

قوله: ودليلنا ما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه تزوج بامرأة فلما دخلت عليه رأى بكشحها وضحًا فردها إلى أهلها 66. انتهى.
الكشح بكاف مفتوحة ثم شين معجمة ساكنة ثم حاء مهملة هو الجنب.
وقال في الصحاح: هو ما بين الخاصرة إلى أقصر الأضلاع.
والوضح بالضاد المعجمة والحاء المهملة هو البرص.
قال في الصحاح: وأصله الضوء والبياض فكنوا به عن البرص: والحديث رواه البيهقى في "السنن الكبير" 67 من رواية ابن عمر، وقال: إن المرأة من غفار، وقال: وفي رواية: رأى بكشحها بياضًا فناء عنها، وناء بهمزة بعد الألف على وزن قال أي نهض قال في الصحاح: ناء ينأو إذا نهض بجهد ومشقة وهذا التفسير على تقدير أن يكون الحديث بالنون ويجوز أن يكون بالباء الموحدة، ومعناه رجع وقد سبق في أوائل النكاح بعض المذكور هنا.

قوله: والبخر، والضبان إذا لم يقبلا العلاج لا يثبتان الخيار في ظاهر

الجزء: 7 - الصفحة: 131

المذهب، ثم قال: ويجري الخلاف في ما إذا وجدها [عذيوطة] 68 أو وجدته [عذيوطًا] 69، [والعذيوط] 70 هو الذى يخرأ عند الجماع.
انتهى.
العذيوط بعين مهملة مكسورة وذال معجمة ساكنة وطاء مهملة هو الذى يتغوط عند الإنزال من الجماع، وعبر عنه الرافعي بقوله يخرأ وهو بالخاء المعجمة ومصدره عذيطة على وزن دحرجة.

قوله: ولا يثبت الخيار بكونها مفضاة الإفضاء رفع ما بين مخرج البول ومدخل الذكر.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن هذا إفضاء وقع فيه اختلاف في كلام الرافعي وتبعه عليه النووي ويأتي إيضاح ذلك في آخر أبواب الديات إن شاء الله تعالى فراجعه.

قوله: فرعان: أحدهما: إذا ظهر بكل واحد من الزوجين عيب من العيوب المثبتة للخيار، وكانا من جنس واحد فوجهان: أحدهما لا خيار لتساويهما وأصحهما: ثبوت الخيار لكل واحد منهما، ثم قال ما نصه: وهذا في غير الجنون أما إذا كانا مجنونين فلا يمكن إثبات الخيار لواحد منهما.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الإمكان في الجنون تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غريب فإنه يتصور بما إذا كان الجنون متقطعًا، فإنه يجوز لكل واحد منهما أن يختار الفسخ بذلك كما يختار في المطبق ولا شك أن الرافعى ذهل عن ثبوت الخيار بالمتقطع.

قوله: ثم ليكن الوجهان فيما إذا تساوى العيبان فإن كان أحدهما أكثر وأفحش وجب أن يثبت الخيار من غير خلاف.
انتهى.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه قد جزم به القاضي

الجزء: 7 - الصفحة: 132

الحسين ونقله عنه ابن الرفعة، ولم يذكره في "الروضة" على صورة البحث، بل جزم به وتعبير "التنبيه" و"المنهاج" وغيرهما بقولهم وبه مثله يشعر به أيضًا.

قوله: أما العنة فلابد فيها من الرفع إلى الحاكم وفي ما سواهما وجهان: أحدهما: يجوز لهما الإفراد بالفسخ، وأقربهما أنه لابد من الرفع.
انتهى.
ولم يتكلم بعد الرفع على أن المرأة هل تستقل أم لا؟ وإذا استقلت هل يشترط أن يقول الحاكم: ثبت عندي ذلك، أم لا؟ ، وقد ذكره في الكلام على التعيين، وسوف أذكره أنا أيضًا هناك إن شاء الله تعالى لأمر يتعلق بذكره فراجعه.

قوله: ثم إذا قلنا بالرجوع على الغار فإن كان التغرير منها رجع عليها، ومعنى الرجوع في حقها كما قاله الشيخ أبو حامد والإمام أنه لا يغرم لها شيئًا، وهل يجب لها أقل ما يصلح صداقًا؟ فيه وجهان ويقال قولان كيلا يخلو الوطء عن المهر.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا وقال في "الروضة" من زياداته: الأصح أنه لا يبقى لها شئ قال: ويكفي في حرمة النكاح أنه وجب لها ثم استرد بالتغرير.

قوله: وإن كان التغرير من الولى نظر إن كان عالمًا بالعيب غرم المهر وإن كان جاهلًا فوجهان وذكر الحناطي أنه لا رجوع على الحاكم عند الجهل، ثم قال: ولم يتعرضوا لما إذا كانت المرأة جاهلة بعينها ولا يبعد مجيء الخلاف فيه.
انتهى.
وهذا الوجه الذي حكاه الرافعى عن الحناطى.
قد أسقطه من "الروضة" وأما البحث الذي ذكره الرافعي فأجاب عنه في "الروضة" بأنه لا مجيء لتقصيرها الظاهر.

الجزء: 7 - الصفحة: 133

قوله: وإن وجد التغرير منها ومن الولى فيكون الرجوع عليها لأن جانبها أقوى من حيث إن العيب بها، أو يرجع على كل واحد منهما بالنصف فيه وجهان مذكوران في "التتمة".
انتهى.
واعلم أن الرافعي ذكر بعد هذا الكلام على التغرير بالحرية أن التغرير إذا وجد من الأمة ومن وكيل السيد، فإن الرجوع يكون عليهما، وفي كيفيته وجهان: أقربهما بالنصف على كل واحد منهما.
[والثاني: أن له أن يرجع بالكل على من شاء منهما] 71 هذا كلامه، ولم يذكر في مسألتنا مطالبة كل واحد منهما بالكل، ولا في التغرير بالحرية الوجه الذاهب إلى الرجوع على الأمة خاصة، وقد يفرق بينهما بأن جانبها في التغرير بالعيب أقوى لأن الصداق لها وهو هاهنا للسيد فهي والوكيل على حد سواء فلهذا سوينا بينهما على الوجهين معًا.

قوله: في أصل "الروضة": الرابعة: المفسوخ نكاحها بعد الدخول لا نفقة لها في العدة ولا سكنى إن كانت حائلًا بلا خلاف، وإن كانت حاملًا فإن قلنا نفقة المطلقة الحامل للحمل وجبت هنا، وإن قلنا بالأظهر أنها للحامل لم تجب، وأما السكنى فلا تجب على المذهب، وبه قطع الجمهور، وقيل يطرد القولان.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من سكنى الحامل من عدم الوجوب بلا خلاف باطل فإن فيه خلافًا مشهورًا وقد حكاه هو في كتاب العدد، حتى أنه لما حكاه هناك أشعر كلامه برجحان الوجوب، وسوف نذكر عبارته هناك إن شاء الله تعالى فراجعها.
وأغرب من ذلك كله أن الرافعي قد حكاه هنا، ولكن تحرف على النووى فغلط في اختصاره له، فإن الرافعي قد قال ما نصه: الرابعة: المفسوخ نكاحها بعد الدخول لا نفقة لها في العدة ولا

الجزء: 7 - الصفحة: 134

سكنى إن كانت حائلًا لانقطاع أثر النكاح بالفسخ، وإن كانت حاملًا فإن قلنا أن نفقة المطلقة الحامل للحمل وجب هاهنا أيضًا لحق القرابة، وإن قلنا: إنها للحامل وهو الأصح لم تجب، وإيراد الإمام وصاحب "التهذيب" يقتضى كون السكنى على هذا الخلاف، وصرح به الحناطي ثم حكى طريقة أخرى قاطعة بأنه لا تجب السكنى، هذا هو المشهور في المسألة، ومنهم من جعل استحقاق الحامل السكنى على قولين وقد نقل هذه الطريقة صاحب الكتاب في باب العدة هذا لفظه بحروفه، ثم حكى عن أبي الطيب ابن سلمة أنه إن فسخ بعيب حادث استحقت السكنى ثلاث طرق حاصلها ثلاثة أوجه، وكأنه اشتبه على النووي الحائل المذكور آخرًا في كلام الرافعي بالحائل بالميم ذاهلًا عن تقدم الخلاف المذكور في تلك.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من سكنى الحامل بالميم من تصحيح القطع بعدم الوجوب وأنه رأي الجمهور عكس ما في الرافعى، فإن حاصل ما فيه أن المعروف الوجوب فراجع عبارته التي ذكرتها لك وكأن النووي قد توهم أن قول الرافعي هذا هو المشهور عائد إلى الطريقة بعدم وجوب السكنى وهو توهم عجيب.

قوله: فروع: إذا رضي أحد الزوجين بعيب الآخر فازداد فلا خيار لأن رضاه بالأول رضي بما يحدث منه ويتولد، وفيه وجه آخر.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على إطلاق الخلاف ومحله إذا لم يكن الحادث أفحش كما إذا كان في اليد فحدث في الوجه، فإن الشافعي قد نص على ثبوت الخيار، كذا نقله الماوردي في "الحاوي"، وقال: إن محل الوجهين في ما عداه كما إذا كان في إحدى اليدين فانتقل إلى الأخرى ولقائل أن يقول قد قالوا في باب الرهن أنهما إذا شرطا وضع الرهن في يد فاسق فزاد فسقه كان لكل منهما الخيار في إزالة يده عنه فاعتبروا الزيادة هناك،

الجزء: 7 - الصفحة: 135

ولم يعتبروها في مسألتنا.

قوله: وحكى الحناطي وجهين في أنه إذا فسخ النكاح بالعيب، ثم بان أنه لم يكن هناك عيب، هل يحكم ببطلان الفسخ واستمرار النكاح؟ . انتهى.
[والصحيح] 72 بطلان الفسخ كذا ذكره في "الروضة" من زياداته.

الجزء: 7 - الصفحة: 136

السبب الثاني: الغرور

قوله: وإن شرطا في الزوج نسب شريف وبان خلافه نظر إن كان نسبه مثل نسبها أو فوقه إلا أنه دون المشروط ففيه قولان: أصحهما على ما ذكر في "التهذيب": أنه لا خيار لها لأنها لا تتعير به.
انتهى.
وهذا الذى صححه البغوي هو الصحيح كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح، وصححه النووي في أصل "الروضة" وعبر بالأظهر، وإطلاق "المحرر" و"المنهاج" يقتضى ثبوت الخيار.

قوله: فإن شرط العبد حرية امرأته فبانت أمة، وقلنا بثبوت الخيار لو كان حرًا فقولان، قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا خيار لتكافؤهما.
انتهى.
وهذا الذى صححه في "التهذيب" هو الأصح فقد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة".

قوله: وإن كان المشروط صفة أخرى -أي غير النسب- والحرية كاليسار والصغر وغيرهما فإن شرطت في الزوج فبان دون المشروط فلها الخيار، وإن شرطت فيها ففي ثبوت الخيار له قولان لتمكنه من الطلاق ذكره في "التتمة".
انتهى كلامه.
وهذا الخلاف حكاه في "الشرح الصغير" وجهين على عكس ما قاله هنا ولم يصحح فيه أيضًا شيئًا منهما وقال في "الروضة" من زياداته: الأظهر منهما ثبوت الخيار.

قوله: إحداهما إذا ظنت أن زيدًا كفء فأذنت في تزويجها منه، ثم بان أنه ليس بكفء فلا خيار لأنه لم يجز شرط والتقصير منها ومن الولي حيث لم يفحصا، وليس هذا كظن السلامة عن العيب، لأن الظن هناك يبنى على أن الغالب السلامة، وهاهنا لا يمكن أن يقال أن الغالب كفاءة

الجزء: 7 - الصفحة: 137

الخاطب، هكذا أطلق المسألة صاحب الكتاب، وينبغي أن يفصل فيقال إن كان فوات الكفاءة لدناءة نسبه أو حرفته أو لفسقه، فالجواب ما ذكرنا، وإن كان فواتها لعيب به ثبت الخيار، وإن كان لرقه فليكن الحكم كلما سنذكر على الأثر في ما إذا تكح امرأة على ظن أنها حرة فإذا هي رقيقة، بل كانت المرأة أولى بثبوت الخيار من جانب الرجل.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن كلامه يدل على أنه لم يقف في المسألة على نقل، ولهذا أبدى ما أبداه فيها على سبيل التفقه وهو غريب جدًا، فأما فوات الكفاءة للفسق فقد صرح به البغوى في "فتاويه"، وأجاب بالخيار على عكس ما تفقه فيه الرافعى، والغريب أن الرافعى نقله عنه قبيل كتاب الصداق وارتضاه ولم ينقل عن أحد ما يخالفه فقال نقلًا عن "فتاوى القاضي الحسين" ما نصه: وإذا استؤذنت المرأة في التزويج من رجل فأذنت ولم يعلم فسقه وكان فاسقًا يصح النكاح لوجود الإشارة إلى عينه، قال الشيخ البغوي: لكن لها حق الفسخ كما لو أذنت في التزويج من رجل ثم وجدت به عيبًا هذا لفظه هناك.
وأما فوات الكفاءة للعيب فقد صرح به البغوي أيضًا هناك على وفق ما تفقه فيه الرافعي، وهو من جملة الكلام الذي نقله هو عنه، كما ذكرناه، بل الأصحاب قائلون بثبوت الخيار بهذه العيوب وثبوت الخيار فرع عن صحة [النكاح.
وأما الفوات لأجل الرق فنقل في "الروضة" ثبوت] 73 الخيار فيه عن فتاوى صاحب "الشامل" وعن غيره أيضًا، وحكى ابن يونس شارح "التنبيه" فيها وجهين.
الأمر الثاني: أن إطلاق الغزالي إنما هو في "الوجيز" خاصة، وأما في

الجزء: 7 - الصفحة: 138

"البسيط" و"الوسيط" فإنه فصل التفصيل السابق.

قوله: قال الأصحاب التغرير المؤثر هو المقارن للعقد على سبيل الاشتراط، وأما السابق فلا يؤثر وفيه وجه، وهذا كله في تأثيره في فساد العقد أو في إثبات الخيار، فأما في الرجوع بالمهر على الغار فالسابق كالمقارن هكذا نقل الغزالى، وحققه الإمام فقال: لا يشترط في تصوير التغرير دخول الشرط بين الإيجاب والقبول، ولا صدوره من العاقد، ألا ترى أنا نضمن الأمة والمكاتبة إذا كان التغرير منهما وليستا بعاقدين، ولكن يشترط اتصاله بالعقد، فلو قال فلانة حرة في معرض الترغيب في النكاح ثم زوجها على الاتصال إما بالوكالة أو الولاية فهذا تغرير، ولو لم يقصد بما قاله تحريض السامع واتفق بعد أيام أنه زوجها ممن سمع كلامه فليس ما جرى بتغرير، وإن ذكره لا في معرض التحريض، ولكن جرى العقد بعد زمان فاصل ففي كونه تغريرًا تردد ويشبه أن لا يعتبر الاتصال بالعقد على ما يقتضيه إطلاق صاحب الكتاب، وكان سبب الفرق بين التأثير في [الفساد أو في إثبات الخيار وبين التأثير في] 74 الرجوع أن يعلق الضمان بالتغرير أوسع بابًا، وكذلك يثبت الرجوع على قول بمجرد السكوت عن عيب المنكوحة.
انتهى كلامه.
قال ابن الرفعة: وما قاله الرافعى نقلًا وفقها يحتاج إلى تأمل وذلك أن قول الرجوع بالمهر على الغار مفروض في ما إذا قلنا بفساد النكاح أو بصحته وثبوت الخيار فاختار الفسخ، وإلا فالواجب المسمى ولا رجوع به كما دل عليه كلام الشيخ في "المهذب" والبغوى والرافعى وغيرهم، وحينئذ متى كان سابقًا وقلنا بأنه لا يؤثر في النكاح والخيار وجب المسمى فلا رجوع فلا وجه للتفرقة بين الرجوع بالمهر وغيره، هذا كلامه.

قوله: الثالثة: لا يتصور الغرور بالحرية من السيد لأنه إذا قال هى حرة

الجزء: 7 - الصفحة: 139

وزوجها أو قال: زوجتكها على أنها حرة عتقت، وخرجت الصورة على أن يكون نكاح غرور، وإنما يتصور ذلك من وكيل السيد في التزويج أو من المنكوحة نفسها أو منهما ولا عبرة بقول من ليس بعاقد ولا معقود عليه: انتهى كلامه.
وهذا الذى قاله من كون التغرير بالحرية لا يتصور من السيد إلى آخره ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" و"المحرر" وتابعه النووى في "الروضة" و"المنهاج" وابن الرفعة في "الكفاية" وليس كما قالوا، بل يتصور التغرير من السيد في مسائل منها: ما لو كان اسمها حرة فناداها بذلك أو أخبر عنها كما لو قال هذه حرة، أو زوجتك هذه وهي حرة ونحو ذلك.
ومنها: ما لو رهنها وهو معسر فأذن له المرتهن في زواجها فزوجها وشرط حريتها فإنها لا تعتق كما لو صرح بعتقها.
ومنها: ما إذا كانت الأمة جانية ففيها ما قلناه في المرهونة.
ومنها: إذا أطلق عليها لفظ وأراد به المعنى المشهور في العرف وهو العفة عن الزنا فإنها لا تعتق بذلك لوجود الصارف عن معنى العتق إلى غيره.

قوله: ولو انفصل الولد ميتًا بجناية جان فله أحوال، الرابع: أن تصدر الجناية من سيد الأمة فعلى عاقلته الغرة، ثم إن اعتمدنا التفويت سلمت الغرة للورثة، وغرم المغرور للسيد عشر قيمة الأم.
قال الإمام: ويجوز أن يقال انفصاله بجناية السيد كانفصاله لا بجناية فلا يغرم المغرور له شيئًا، وإن قصرنا النظر عن الغرة، فإذا حصلت ينصرف منها العشر إلى السيد فإن فضل شيء فهو للورثة.
قال الإمام: إذا كانت الغرة قدر العشر أو أقل وصرفناها إلى السيد كان الحاصل إيجاب مال على عاقلة الجاني للجاني وهو مستبعد.
انتهى كلامه.

الجزء: 7 - الصفحة: 140

وما نقله الرافعى عن الإمام في آخر هذا الكلام وسكت عليه تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو عجيب لأن الغرة تجب للورثة على عاقلة الجاني وحق السيد يجب على المغرور متعلقًا بما يسلم له وليس هو نفس حقه لأن الغرة لا تجب له، بل إنما يجب له قيمة الولد وحق المغرور ثابت بمجرد الجناية يستحق المطالبة به، والسيد على هذا القول إنما يطالب المغرور بعد أن يتسلم ما يثبت له، وحينئذ يتعلق حق السيد.

الجزء: 7 - الصفحة: 141

السبب الثالث: [العتق]

75 قوله: وإن فسخت العتيقة بعد الدخول نظر إن تقدم الدخول على العتق وجب المسمى، وإن تأخر عن العتق وكانت هى جاهلة بالحال فيجب مهر المثل أو المسمى، جعله صاحب "التهذيب" على الخلاف المذكور في ما إذا حدث العيب ثم جرى الدخول ثم فرض الفسخ.
وقال: ظاهر المذهب وجوب مهر المثل لأن سبب الفسخ قد تقدم على الدخول فكأنه وجد يوم العقد وعلى هذا جرى أئمتنا العراقيون، ورجح جماعة قول وجوب المسمى، وزاد الإمام وصاحب "الكتاب" فقالا: يجب المسمى ولا يجرى فيه القول المنصوص في العيوب أنه يجب فيه مهر المثل ووجهاه بأن المهر للسيد لا لها وهو بالإعتاق فحسن فلا ينبغي أن يرد إلى مهر المثل، وقد تعرض الأولون عليه إلى آخره.
فيه أمور: أحدها: أن الصحيح المشهور هو وجوب مهر المثل وقد صححه الرافعى في "المحرر" والنووي في أصل "الروضة" و"المنهاج".
الأمر الثاني: أن الفسخ بالعيب بعد الدخول إن كان بعيب مقارن للعقد فالمنصوص للشافعى أنه يجب مهر المثل وفيه قول مخرج من الردة أنه يجب المسمى، وإن كان بسبب حادث قبله فثلاثة أوجه: أحدها: يجب المسمى.
والثانى: مهر المثل.
والثالث: وهو أصحها إن كان الوطء قبل العيب وجب المسمى، وإن

الجزء: 7 - الصفحة: 142

كان بعده فمهر المثل، إذا علمت ذلك فنظير مسألتنا التى وقع الخلاف فيها إنما هو الفسخ بعيب حادث بعد العقد وليس فيها نص ولا تخريج إنما فيها ثلاثة أوجه كما سبق، وحينئذ فالذى نقله الرافعي عن الإمام والغزالي من كونهم لم يجروا فيه القول المنصوص وبأنهما فرقا بإحسان السيد إلى آخره ذهول عجيب ولك أن تقول قد جزموا هنا بوجوب المسمى في ما إذا فسخت بعد الدخول بعتق قبله وحكوا في نظيره من العيب وجهين كما ذكرنا الآن فأى فرق بين الصورتين.
الأمر الثالث: أن الإمام قد عبر بما نقله عنه الرافعى من كونهم لم يطردوا القول المنصوص وهو تعبير مطابق، وأما الغزالى فإنه عبر بقوله ولم يطردوا القول المخرج، كذا ذكره في "الوسيط" و"البسيط" معًا على خلاف ما نقله عنه الرافعى، وكأن الرافعى ذهل عن ذلك وتوهم اتفاقهما وإلا فكان من حقه أن ينبه عليه ولا يضيفه إليه.
وذكر ابن الرفعة في "الكفاية" هاهنا بحثا أنه ينبغي وجوب المهر للعتيقة لا للسيد وهو بحث غير طائل فاعلمه.

قوله في "الروضة": وخيار العتق على الفور، وفي قول يمتد إلى ثلاثة أيام، وفى قول إلى أن يصرح بإسقاطه أو تمكن من الوطء طائعة، وذكر الإمام تفريعًا على سقوطه بالتمكين من الوطء أنها لو مكنت ولم يصبها الزوج لم يبطل حقها لأن التمكين من الواطء لا يتحقق إلا عند حصول الوطء وأنه لو أصابها الزوج قهرًا ففى سقوط الخيار تردد لتمكنها من الفسخ عند الوطء، فإن قبض على فمها بقى حقها قطعًا.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما قاله الإمام في التفريع على القول الثالث من كون المراد إنما هو الوطء خاصة قد خالفه فيه الصيدلاني في شرحه لـ"المختصر"

الجزء: 7 - الصفحة: 143

وهو الكتاب الذى يعزوه ابن الرفعة إلى الداوودي، فقال عقب ذكره لهذا القول ما نصه: وليس الحكم مقصورًا على الوطء بل متى وجد منها ما فيه دلالة الرضا بأن يباشرها أو ينقلها إلى موضع آخر أو يضاجعها وهي طائعة فذلك كله رضى منها هذه عبارته، وجزم في "الذخائر" بنحوه فقال: إنه يكتفى بالتمكين من الوطء.
الأمر الثاني: قد سبق في البيع أنه إذا حمل أحد المتعاقدين فأخرج من المجلس مكرهًا فإن منع الفسخ بأن سد فمه ففي انقطاع خياره خلاف، المذهب أنه لا ينقطع وإن لم يسده لم ينقطع في أصح الوجهين، وإذا علمت ذلك فلا شك أن المسألة هي نظير مسألتنا، وحينئذ فنستفيد بذلك أمرين: أحدهما: بطلان دعوى القطع عند القبض على الفم.
والثاني: تصحيح بقاء الخيار عند عدم القبض.

قوله في المسألة: ولو قال الزوج أصبتها وأنكرت فأيهما يصدق؟ فيه وجهان حكاهما ابن كج لأن الأصل بقاء النكاح وعدم الإصابة: انتهى.
وهذه المسألة نظير ما سبق نقله في أول السبب الثاني عن فتاوى البغوى وهو أنه لو تزوجها بشرط البكارة فوجدت ثيبًا فقالت كنت بكرًا فزالت البكارة عندك، وقال بل كنت ثيبًا فالقول قولها بيمينها لدفع الفسخ وقوله بيمينه لدفع كمال المهر هذا كلامه وأقره عليه فقياسه في مسألتنا تصديق الزوجة.

قوله: وإذا ادعت الجهل بأن العتق يثبت الخيار فقولان: أحدهما: أنها لا تصدق كما إذا قال المشتري: لم أعلم أن العيب يثبت الخيار، وأصحهما: التصديق لأنه خفي بخلاف الرد بالعيب، ولو ادعت الجهل بأن الخيار على الفور فقال الغزالى: لا تعذر ولم أر تعرضًا لهذه الصورة في

الجزء: 7 - الصفحة: 144

سائر كتب الأصحاب، نعم صورها العبادى في "الرقم"، وأجاب بأنها إن كانت قديمة العهد بالإسلام، وخالطت أهله لم تعذر، وإن كانت حديثة العهد أو لم تخالط أهله فقولان.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن هذه المسألة التى ذكر الرافعى أنه لم ير لها تعرضًا في الكتب، وأنه لم يذكرها إلا العبادي، قد رأيتها مذكورة في "الشامل" لابن الصباغ في اللعان في أول باب وقت نفي الولد، وحكى فيها قولين، ولم يفصل بين أن تكون هذه العتيقة قريبة العهد بالإسلام أم لا.
الأمر الثاني: أن الرافعى لما ذكر مسألة العيب في بابها فصل في دعوى الجهل بالخيار فقال: إن كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ في بادية بعيدة قبل وإلا فلا على خلاف ما أطلقه هاهنا، وأما دعوى الجهل بالفورية فأجاب بالقبول مطلقًا ولم يفصل، وعلله بأنه يخفى على العوام وإذا تأملت هذا الأخير، وهو ما أجاب به في دعوى الجهل بالفورية في العيب مع ما أجاب به في نظيره وهو دعوى ذلك في خيار العتق، علمت أنهما في غاية التباين لأن حكم العيب أشهر من حكم العتق بلا شك، وقد جزم في العيب بأنه يقبل دعوى الجهل بالفورية، وإن ولد بين المسلمين ونشأ بينهم، وجزم في العتق بأنه لا يقبل ممن ولد بين المسلمين ونشأ بينهم، وحكى قولين من غير ترجيح في من قرب عهده أو نشأ ببادية وقد استدرك النووى على ما قاله في العيب وقال: شرطه أن يكون مثله ممن يخفى عليه، قال: وكذلك الشفعة، ومن نظائر المسألة ما إذا قال الزوج: لم أعلم أنه يجوز لي نفي الولد، وقد قال الرافعى فيه: إنه إن كان فقيها لم يقبل وإن كان حديث عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة قبل، وإن

الجزء: 7 - الصفحة: 145

كان من العوام الناشئين في بلاد الإسلام فوجهان كالعتق، وهذا التفصيل لم يذكره في ما تقدم من النظائر وينبغي اطراده فيه، ولم يذكر الرافعى ما إذا قال: لم أعلم أن النفي على الفور، وقد ذكرها في "التنبيه" وسوى بينها وبين دعوى الجهل بأصل الخيار وأقره النووى فلم يستدركه في "التصحيح".

الجزء: 7 - الصفحة: 146

السبب الرابع: العنة

اعلم أن العنة في اللغة هى الحظيرة المعدة للإبل، وأما المعنى المراد في هذا الباب فهو المرض المعروف، فالصواب في التعبير عنه إنما هو التعنين، وقد عبر به في "الروضة" هنا وعدل عن عبارة الرافعي، وإن كان قد وافق في غيره على التعبير بالعنة.

قوله: وإذا وجدت المرأة زوجها خصيًا موجوء الخصيتين أو مشلولهما ففيه قولان أصحهما: وبه قطع بعضهم أنه لا خيار لها لبقاء آلة الجماع.
انتهى.
يقول وجأه وجاء بالكسر فهو موجوء أي: رضضته رضًا فهو مرضوض.

قوله: ثم في استقلال المرأة بالفسخ بعد ثبوت التعنين بين يدي القاضي وجهان: أقربهما الاستقلال كما يستقل بالفسخ إذا وجد بالمبيع عيبًا وأنكر البائع كونه عيبًا فأقام المشتري على ذلك بينة عند القاضي.
والثاني: أن الفسخ إلى الحاكم لأنه محل النظر والاجتهاد فيفسخ أو يأمرها بالفسخ.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من جواز الفسخ للمرأة قد ناقضه في باب اختلاف المتبايعين فإنه جزم هناك بأنه يتعين فيه القاضى وجعله دليلًا لأحد الوجهين في الفسخ بالتحالف وقد تقدم ذكر لفظه هناك، ولم يتعرض في "الروضة" هناك للمسألة فسلم من الاختلاف، واعلم أن الرافعي قد ذكر في كتاب النفقات في الكلام على الإعسار بالنفقة أن الأصح أن المرأة لا تستقل بذلك بعد الرفع والثبوت، بل لابد من فسخ الحاكم أو تفويضه إليها على عكس ما صححه هنا فيحتاج إلى الفرق، وقد ذكر هنا أنا إذا

الجزء: 7 - الصفحة: 147

فرعنا على استقلالها فهل يكفى فيه إقرار الزوج أم لابد من قول القاضي ثبتت العنة؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني، ولم يذكر هذا في النفقات وهو قياسه.

قوله: ولو قالت اخترت الفسخ ولم يقل القاضي نقدته، ثم رجعت هل يصح الرجوع ويبطل الفسخ؟ وجهان في "مجموع" ابن القطان أصحهما المنع، ويشبه أن يكون هذا الخلاف مفرعًا على استقلالها بالفسخ، أما إذا فسخت بإذنه، فإن الإذن السابق كالتنفيذ.
انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه يشير إلى أن تصرف الحاكم حكم وهي قاعدة نافعة سبق الكلام عليها مبسوطًا في الكلام على موانع الولاية.

قوله: فإن رضيت بعد المدة ثم طلقها طلاقًا رجعيًا ثم راجع لم يعد حق الفسخ لأنها رضيت بعنته في هذا النكاح، ويتصور الطلاق الرجعي بغير وطء يزيل العنة بأن تستدخل ماءه.
انتهى.
وما ذكر هنا من ثبوت الرجعة باستدخال الماء قد صححه خلافه قبل ذلك في محرمات النكاح في الكلام على التحريم بالمحرمية، لكن الأصح ما قاله هنا كما سبق إيضاحه فراجعه.

قوله: قال الأئمة: إذا اختلف الزوجان في الإصابة فالقول قول من ينفيها أخذًا بأصل العدم إلا في ثلاثة مواضع: أحدها: إذا ادعت عنته وقال الزوج قد أصبتها فالقول قوله بيمينه.
الثاني: إذا طالبته في الإيلاء بالعنة أو الطلاق فقال: قد أصبتها، فالقول قوله استدامة للنكاح فلو قالت في الموضعين أنا بكر وأقامت أربع نسوة بذلك فظاهر النص وهو قول جماعة من الأصحاب أنا نحكم بعدم الإصابة ولا حاجة إلى تحليفها، وتكفى البكارة دليلًا على تصديقها وقال أبو علي في "الإفصاح" وأبو الحسين في "المجموع"، والقاضي ابن كج

الجزء: 7 - الصفحة: 148

في "شرحه": تحلف الزوجة مع قيام البينة؛ لأن البكارة وإن ثبتت بالبينة فاحتمال الزوال والعود قائم، وبهذا أخذ الإمام وصاحب "الكتاب" وغيرهما.
الثالث: إذا قالت المرأة: طلقتني بعد المسيس فلي كمال المهر، وقال: بل قبله وأتت بولد لزمان محتمل فالقول قولها ولابد من يمينها على ما ذكره الإمام والعبادي لأن ثبوت النسب لا يورث تعين الإصابة، ويمكن أن يجيء فيه الخلاف المذكور فيما إذا ظهرت البكارة انتهى.
فيه أمور: أحدهما: أن ما ادعاه الرافعي من الحصر وتابعه عليه في "الروضة" ترد عليه مسائل.
الأولى: إذا تزوجها بشرط البكارة فوجدت ثيبًا فقالت كنت بكرًا فزالت البكارة عندك وقال: بل كنت ثيبًا فالقول قولها بيمينها لدفع الفسخ، ولو قالت كنت بكرًا فافتضضتني فالقول قولها بيمينها لدفع الفسخ وقوله بيمينه لدفع كمال المهر، وهذا الفرع ذكره الرافعي قبيل الصداق وعزاه إلى البغوى ونقله النووي إلى هذا الباب.
الثانية: إذا قال لها وهى طاهر: أنت طالق للسنة، ثم اختلفا فقال: جامعتك في هذا الطهر فلم يقع طلاق في الحال، وقالت لم تجامع وقد وقع، فقال إسماعيل البشنجي: مقتضى المذهب أن القول قوله لأن الأصل بقاء النكاح، وكما لو قال المولى والعنين وطئت، كذا نقله عنه الرافعي قبيل أركان الطلاق ولم يخالفه، وتابعه عليه في "الروضة" وذكر القاضي حسين في "فتاويه" مثله فإنه قال: إذا قال إن لم أنفق عليك اليوم فأنت طالق فادعى أنه أنفق عليها كان القول قوله بالنسبة إلى عدم وقوع الطلاق وقولها بالنسبة إلى عدم سقوط النفقة، لكن ذكر ابن الصلاح في

الجزء: 7 - الصفحة: 149

"فتاويه" أن الظاهر الوقوع في هذه المسألة عملًا بالأصل.
الثالثة: إذا تزوجت المطلقة ثلاثًا بزوج ثم ادعت أنه أصابها وأنكر الزوج قبلنا قولها حتى تحل للمطلق لأنها مؤتمنة في انقضاء العدة وتعسر إقامة البينة على الوطء لكن لا يلزمه إلا نصف المهر، كذا ذكره الرافعى في الكلام على التحليل.
الرابعة: إذا عتقت الأمة تحت عبد وقلنا يمتد خيارها إلى الوطء فادعاه وأنكرت المرأة ففى المصدق منهما وجهان حكاهما الرافعى من غير ترجيح، وعلل تصديق الزوج بأن الأصل بقاء النكاح، وعلل مقابله بأن الأصل عدم الوطء.
الأمر الثاني: أن الراجح من هذا الخلاف الذى حكاه الرافعى في ما إذا ادعت البكارة وأقامت البينة أنه لابد من يمينها، كذا رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالظاهر، ولم يرجح شيئًا في "الروضة" أيضًا.
الأمر الثالث: في الكلام على المسألة الثالثة وهى متضمنة لحكمين: أحدهما: تصديق المرأة وقد جزم به هاهنا وحكى فيه في آخر كتاب الإيلاء نصين ثم حكى في النصين ثلاث طرق وصحح تصديق المرأة كما جزم به هاهنا، وهذا الخلاف ذكره في "المهذب" و"التنبيه" وحكاه قولين.
والحكم الثاني: أنه لابد من يمينها على ما ذكر العبادي والإمام وقد بحث الرافعى فيه كما تقدم نقله عنه فقال يمكن أن يجئ في التحليف الخلاف السابق في المسألة الثانية وهى ما إذا ظهرت بكارتها.
إذا علمت ذلك فقد توهم النووي أن الحكم السابق الذي أشار الرافعي إلى مجئ الخلاف فيه هو التصديق فقال ما نصه: قلت عجب من قول

الجزء: 7 - الصفحة: 150

الإمام الرافعي في ما إذا أتت بولد لزمن محتمل أنها المصدقة، ويمكن أن يجيء فيه الخلاف والمسألة مشهورة ففي "المهذب" و"التنبيه" وغيرهما من الكتب المشهورة في المسألة قولان في أن القول قوله أم قولها؟ لأن النسب يثبت بالإمكان، ولأنه قد يولج بعض الحشفة أو يباشر في ما قارب الفرج فيدخل المني فيلحق النسب ولا وطء هذا لفظه، وهو اعتراض فاسد ظاهر الفساد، فإن الخلاف الذي أشار إليه الرافعي وهو الخلاف الذي قالوه في ما إذا ظهرت البكارة إنما هو في الاحتياج إلى تحليفها لا في تصديقها حتى يقول: إن صاحب "المهذب" و"التنبيه" قد حكاه، وعبارة الرافعي في ذلك واضحة جدًا فراجعها بل لم يقع هنا خلاف أصلًا في تصديقها عند ظهور البكارة حتى يتوهم أن الرافعى أراده فيكون عذرًا في التباس الأمر على النووي وقد ذكره في "الشرح الصغير" بعبارة أوضح من عبارة "الكبير" فقال ما نصه: وقد يجيء في يمينها الخلاف المذكور في ظهور البكارة.
هذا لفظه، فعبر بقوله في يمينها وذكر ابن الرفعة في "الكفاية" عن الرافعي ذلك بعينه، وهو لا ينقل إلا عن "الشرح الكبير" فقال: وقال الرافعي: يمكن أن يخرج يمينها على الخلاف في ما إذا قامت بينة على بكارتها هذه عبارته، والعجب من النووي حيث يعترض مثل هذه الاعتراضات ويعبر عنها بقوله قلت: عجب من الرافعي في كذا وكذا، ثم إن هذا الخلاف الذي نقله النووي عن "التنبيه" و"المهذب" قد ذكره الرافعي في آخر كتاب الإيلاء.
فلا حاجة إلى الرد عليه بكلام غيره، ونقله له إلا أنه لم يستحضر أن الرافعي ذكره هناك ولو استحضره لكان الرد به عليه أبلغ.
واعلم أن الفرق بين المسألتين متجه، وذلك أن دعواها عدم الوطء هناك موافقة للأصل وإذا قامت بينة على البكارة كان ذلك موافقًا للأصل الذي ادعته، فأمكن أن يستغنى عن اليمين لوجود مرجحين تظافرا على

الجزء: 7 - الصفحة: 151

محل واحد، وأما في مسألتنا فإن دعواها الإصابة مخالفة للأصل وظهور الحمل مرجح واحد عارضه الأصل مع احتمال حصول الحمل باستدخال الماء ولا يلزم من ترك اليمين عند وجود مرجحين لا معارض لها تركها عند وجود مرجح واحد له معارض.
نعم قد يتجه أن يكون في يمينها خلاف من وجهين: أحدهما: البناء على أن إستدخال الماء هل يقرر المهر أم لا؟ فإن قلنا: إنه لا يقرره فلابد من اليمين لاحتمال أن يكون الحمل منه وإن قلنا: إنه يقرره فلا فائدة في اليمين إذ لا حمل إلا من وطء أو استدخال ماء.
الثاني: أنه يحتمل أن يكون الحمل من غير الزوج، وإنما الشرع ألحق الولد بالزوج ولم يراع هذا الاحتمال لقيام الفراش فيحلف لقيام هذا الاحتمال.

الجزء: 7 - الصفحة: 152

القسم الخامس في

فصول متفرقة

الفصل الأول فيما يحل للزوج

قوله: إحداها: لا يمتنع شيء من الاستمتاعات إلا النظر إلى الفرج ففيه خلاف مذكور في كتاب النكاح، والإتيان في الدبر فإنه حرام لما روى أنه سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك فقال: "في أي الخربتين من دبرها في قبلها فنعم أو من دبرها في دبرها فلا؟ إن الله تعالى لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن" 76. والخربة: الثقبة.
انتهى كلامه.
الخربة بخاء معجمة مضمومة وراء ساكنة وباء موحدة كل ثقب مستدير قاله الجوهري، قال: والخربة أيضًا ثقب الورك والخرب مثله وكذلك الخرابة بالتخفيف وقد تشدد.

قوله: وهل يثبت النسب بالإتيان في الدبر فيه وجهان: أصحهما: نعم لأنه قد يسبق الماء.
انتهى.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعى في أربعة مواضع من هذا الكتاب أحدها: هذا.
وثانيها: في كتاب الطلاق في الكلام على السنة والبدعة.
وثالثها: في كتاب اللعان في أوائل الباب الثاني المعقود لقذف الزوج.

الجزء: 7 - الصفحة: 153

ورابعها: في آخر باب الاستبراء واختلف تصحيحه فيها اختلافًا عجيبًا جدًا، وكذلك تصحيح النووي أيضًا، وقد أوضحت المسألة وما يفتى به فيها في الاستبراء فراجعه.

قوله في أصل "الروضة": وإذا وطيء أمته أو زوجته في دبرها فلا حد على الصحيح.
انتهى.
وما ذكره من الجزم بثبوت الخلاف قد خالفه في باب حد الزنا، فإنه حكى فيه هناك طريقين أصحهما: القطع بعدم الوجوب، والثانية على قولين، وستعرف لفظه في موضعه فراجعه.

قوله من زياداته: قال أصحابنا: حكم الوطء في الدبر كالقبل إلا في سبعة أحكام التحليل والتحصين والخروج من العنة والتعنين وتغيير إذن البكر، والسادس أن الدبر لا يحل بحال، والقبل يحل في الزوجة والأمة المملوكة، والسابعة إذا جومعت الكبيرة في دبرها فاغتسلت ثم خرج منى الرجل من دبرها لم يجب غسل ثان بخلاف القبل، والله أعلم.
وهذا الحصر الذى ذكره يرد عليه مسائل: إحداها: النظر إلى دبر المرأة فإنه لا يجوز كما رأيته مجزومًا في كتاب "الاستذكار" للدارمي، نعم يجوز الاستمتاع بما بين إليتها.
الثانية: المفعول به إذا كان صائمًا في رمضان فلا يجب عليه الكفارة بلا خلاف رجلًا كان أو امرأة كما حكاه ابن الرفعة في كتاب الصيام عن القاضي أبي الطيب.
والبندنيجى، ولم يحك غيره بخلاف إتيان القبل فإن فيه قولين مشهورين.
نعم جزم الماوردى في كتاب النكاح من "الحاوي" بأن حكمه في ذلك حكم القبل.
الثالثة: أنه لا يجب الرجم على المفعول به بل يجلد وإن كان محصنًا

الجزء: 7 - الصفحة: 154

كما قاله في "الروضة" في حد الزنا.
الرابعة: إذا خرج الدم لا يكون حيضًا.
الخامسة: عدم لحاق النسب بالإتيان فيه على اضطراب فيه.

قوله: ولا يحرم العزل في السرية بلا خلاف صيانة للملك.
انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس كذلك ففيه وجه أنه لا يجوز لحق الولد، كذا حكاه الرويانى في "البحر" قبيل باب نكاح الشغار.

قوله: وأما العزل عن الحرة المنكوحة ففيه طريقان: إحداهما: إن لم تأذن لم يجز وإن أذنت فوجهان: وجه المنع ما روى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "إنه الوأد الخفى" 77. والطريقة الثانية: وهى الأظهر أنه يجوز إن رضيت لا محالة، وإلا فوجهان: أصحهما: عند الغزالي أنه يجوز.
انتهى ملخصًا.
والذي صححه الغزالي من الجواز عند عدم الرضى صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح، وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة" وعبر بالمذهب لكنه لا يعرف منه التصحيح من الطريقين كما تعرف من الرافعي، وإنما يؤخذ منه تصحيح المسألة من حيث الجملة، والوأد دفن البنات وهن أحياء كما كانت كندة تفعله ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَة سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ 78 وقد ذكره النبى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عقب ذكره للفظ السابق، والحديث رواه مسلم.

قوله: ونقل ابن كج عن أبي عبيد بن حربويه أنه تجتنب الحائض في جميع بدنها.

الجزء: 7 - الصفحة: 155

اعترض عليه في "الروضة" فقال في أثناء زيادة له ما نصه: وقد خالف قائله إجماع المسلمين هذا لفظه.
وما ادعاه من الإجماع على الجواز ليس كذلك، فقد خالفه فيه ابن عباس من الصحابة ومن التابعين عبيدة السلماني الإمام الجليل كذا نقله عنهما ابن عطية في "تفسيره"، ونقله الماوردي في "الحاوي" عن عبيدة فقط.

قوله: لا بأس أن يطوف على إمائه بغسل واحد، لكن يستحب أن يخلل بين كل وطأين وضوءًا وغسل الفرج، ولا يتصور ذلك في الزوجات إلا بإذنهن.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم تصوره في الزوجات بغير الإذن تابعه عليه أيضًا في "الروضة".
وليس كذلك، بل يتصور في مسائل: إحداها: أن يطأ واحدة في آخر نوبتها، ثم يطأ التي تليها في أول النوبة، ثم يطأ الثالثة بعد موت الثانية أو انفساخ نكاحها بسبب.
الصورة الثانية: أن يطأ واحدة في وسط نوبة الأخرى معتقدًا أنها صاحبة النوبة، ثم يطأ صاحبتها.
الثالثة: أن لا يوجد من الزوجات إذن ولا منع، بل يقمن عنده على العادة.
الرابعة: أن يتعدى فيطأ واحدة في نوبة كل ضرة من ضراتها فجاءت النوبة إليها فيلزمه أن يوفي الباقيات حقهن من نوبتها ويقيم عند كل واحدة منهن بقدر ما أقام عند تلك من نوبتها ولكن لا يكلف الوطء على الصحيح لأنه قد لا يقدر عليه وحينئذ فقد يطأ الجميع متواليات بأن يطأ صاحبة النوبة أولا ثم يدور على المظلومات فيطأهن أو بعكس بل يقول لا حاجة إلى هذا كله، بل لو خرج من المظلوم بها إلى المظلومة [في اليوم

الجزء: 7 - الصفحة: 156

الذي حصل الظلم فيه وأراد جماع المظلومة] 79 فلا إشكال في استحباب الغسل لأنه أنشط إلى القيام بحق الثانية وخبرها، بل لو أراد أن يطأ الزوجة عقب وطء حرام لا شبهة له فيه فالمتجه الجزم باستحبابه أيضًا لما ذكرناه ولوجوبه على الفور على الصحيح لكون سببه معصية ولأنه كالتبرى من الفعل الأول.

قوله: ويكره أن يتحدث بما جرى بينه وبين زوجته أو أمته.
انتهى.
وما ذكره من إطلاق الكراهة ذكر مثله في كتاب الشهادات أيضًا، وتابعه عليه في "الروضة" فيهما لكن جزم في "شرح مسلم" بأنه يحرم على الرجل أن يظهر ما جرى بينه وبينها من أمور الاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك وما جرى من المرأة من قول أو فعل، قال: وأما مجرد الجماع فيكره ذكره إلا لفائدة، وقد ذكرت هناك أيضًا كلامه ودليله.

قوله من زياداته: ويستحب أن لا يعطلها وأن لا يطيل عهدها بالجماع من غير عذر.
انتهى.
وما ذكر هاهنا من "زوائده" ذكره الرافعى في أول باب القسم، وبين ما أجمله هاهنا من المدة فقال: فمن له زوجة واحدة ينبغى أن لا يعطلها فيستحب أن يثبت عندها ويحضنها وأدنى الدرجات أن لا يخلى أربع ليال عن ليلة.
هذا كلامه.
واستأنسوا للأربع بأن نهاية الزوجات أربع وأقل القسم يوم.

الجزء: 7 - الصفحة: 157

الفصل الثاني في وطء الأب جارية الابن

قوله: وإذا وطيء الأب جارية الابن لم يجب الحد وفيه قول مخرج، وأما التعزير ففيه وجهان: أحدهما المنع لئلا يصير الابن وماله سببًا لعقوبة الأب.
وأصحهما: الوجوب كارتكاب سائر المحظورات، ثم قال: ويشبه أن يكون هذا في التعزير لحق الله تعالى لا لحق الابن.
انتهى كلامه.
ذكره نحوه في "الروضة" ولم يذكره على صورة البحث، بل جزم به وفي المراد بهذا التقييد نظر فإن أريد به أن الابن لا يثبت له على الأب تعزير قطعًا فباطل، ولهذا جزم الأصحاب بأنه إذا قذف ولده عزر، إلا أن ابن الرفعة ذكر في باب القذف من "الكفاية" أنه سمع بعض مشايخه يحكى وجهًا أنه لا يعزر ويؤيده أنه لا يحبس لوفاء دينه على الصحيح في "الشرح" و"الروضة" في كتاب الشهادات مع أن الحبس تعزير، وإن أريد به أن هذا الخلاف في التعزير لحق الله تعالى وأما لحق الابن فيثبت جزما فباطل أيضًا لأن تعليل الوجه الأول صريح في دفعه، وكذلك الخلاف الذي ذكرناه في الحبس.

قوله: الحالة الثانية إذا كانت الجارية موطوءة الابن ووطئها الأب وهو عالم بالحال فلا حد على الأصح، ثم قال: وخصص الروياني في "البحر" الخلاف بما لو كانت موطوءة الابن من غير استيلاد، فأما إذا كان قد استولدها فحكايته عن الأصحاب وجوب الحد قطعًا لأنه لا يتصور أن يملكها بحال.
انتهى.
وهذا الكلام ربما يشعر بأن الأمر على ما نقله الروياني من التقييد لا

الجزء: 7 - الصفحة: 158

سيما كلام "الروضة" فإنه أشد إشعارًا به، وليس كذلك، بل الخلاف جار مطلقًا، فقد ذكر بعد هذا في أثناء التفريع على القول الصحيح ما يدل عليه فقال: أما إذا قلنا: إنه لا حد عليه فهو كما لو كان جاهلًا فيلزمه المسمى، وتكون الجارية محرمة عليهما أبدًا، وإذا أولدها فإن كانت مستولدة للابن لم تصر مستولدة للأب لأن أم الولد لا تقبل النقل هذا كلامه فجعل قول عدم وجوب الحد جاريًا مع استيلاد الابن لها على خلاف ما نقله الروياني، وعبارة "الشرح الصغير" في أصل المسألة يدل عليه، فإنه قال: بعد حكاية الخلاف ما نصه: ومنهم من يخصص القولين بكذا إلى أخره، فلم يأت به في صورة التقييد ولا نقله عن الأصحاب، بل ساقه مساق حكايات الأوجه الضعيفة.

قوله: فإن قلنا بوجوب الحد فأولدها لم تصر أم ولد له وكان الولد رقيقًا غير نسيب، وعلى هذا القياس إذا وطئ جاريته المحرمة عليه برضاع أو غيره وأولدها لا تصير أم ولد له إذا أوجبنا الحد، قال الإمام: وارتاع بعض الأصحاب فلم يستجز أن يطأ الإنسان مملوكته فتحبل منه ولا تصير أم ولد له فحكم بثبوت النسب، والاستيلاد مع القول بوجوب الحد، وطرد هذا القائل كلامه في إيلاد جارية الابن والظاهر الأول.
انتهى.
وما صححه هنا من نفى النسب وأمية الولد في جاريته المحرمة عليه على القول بوجوب الحد ذكر مثله في باب حد الزنا في الكلام على وطء الشبهة وخالف الموضعين جميعًا في كتاب أمهات الأولاد فجزم بثبوته تفريعًا على هذا القول، وسوف أذكره في موضعه فراجعه، وتابعه في "الروضة" على ذلك.

قوله: وفي إيلاد أحد الشريكين الجارية المشتركة يثبت الاستيلاد والنسب وإن طرد القول القديم، وقيل بوجوب الحد لأن وطأه يصادف

الجزء: 7 - الصفحة: 159

ملكه وملك غيره حقيقة، وكانت الشبهة أقوى تمكنًا، وإنما [يجب] 80 الحد صيانة لملك الغير.
انتهى كلامه.
وما جزم به هاهنا من ثبوت النسب والاستيلاد، وإن فرعنا على وجوب الحد قد خالفه في باب حد الزنا في الكلام على وطء الشبهة فصحح عدم الثبوت وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه، وتابعه في "الروضة" على الموضعين.

قوله: وقطع الجمهور بأنه لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ولده سواء أوجبنا الإعفاف أم لا، ثم قال: ولو نكح الأب جارية أجنبى فملكها الابن، وكان الأب بحيث لا يجوز له نكاح الأمة، فهل ينفسخ نكاحه؟ وجهان أحدهما: نعم كما لو ملكها الأب.
وأصحهما: لا لأن الدوام له من القوة ما ليس للابتداء.
انتهى.
والتقييد بكون الأب لا يجوز له نكاح الأمة وقع أيضًا في "الشرح الصغير" و"المحرر" وتابع النووي عليه في "الروضة" و"المنهاج" وهذا القيد لا فائدة له.

قوله: ولو أيسر الأب بعد ما ملكه الولد جارية أو ثمنها لم يكن له الرجوع كما لو أعطاه نفقة فلم يأكلها حتى أيسر.
انتهى كلامه.
وما أطلقه من عدم الرجوع في النفقة وتابعه عليه في "الروضة" سبقهما إليه صاحب "المهذب" وغيره وهو مشكل لا يوافق القواعد فإن نفقة القريب إمتاع لا تمليك، قال الإمام: ومن ثمرة ذلك أنه لا يجب على الولد تسليمها إليه، بل لو قال: كل معي كفى، وقد نقل ابن الرفعة في كتابيه "الكفاية" و"المطلب" ذلك عن "المهذب"، ثم رده بما ذكرناه.

الجزء: 7 - الصفحة: 160

الفصل الرابع في تزويج الإماء

قوله: إحداها إذا زوج أمته لم يلزمه تسليمها إلى الزوج ليلًا ونهارًا، ولكن يستخدمها نهارًا ويسلمها ليلًا.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران: أحدهما: أنهما لم يبينا ابتداء وقت التسليم وهو يوهم أنه من الغروب، وليس كذلك بل وقته بمضي الثلث الأول من الليل، كذا نص عليه الشافعي في "البويطي" لكن سبق في باب الإجارة من "الروضة" أنه إذا استأجر شخصًا للخدمة يمكث عنده من الليل ما جرت به العادة، وقياس ذلك مراعاة العادة هنا أيضًا.
الثاني: أن الأمة المزوجة يحرم على سيدها النظر إليها والخلوة بها، وقد سبق في العارية أنه يحرم استعارة جارية الغير للخدمة على الأصح لأنه مظنة للخلوة والمدرك في الموضعين واحد.

قوله: وإن لم يسلمها السيد إلا بالليل ففي النفقة وجوه: أظهرها عند جمهور العراقيين والبغوي: أنه لا يجب شيء، وبه قال أبو إسحاق.
والثاني: يجب النصف.
والثالث: يجب الجميع، وأُجري الوجهان الأولان في ما إذا سلمت الحرة نفسها ليلًا واشتغلت عن الزوج نهارًا.
انتهى.
وفى كلام الرافعى إشعار بالتوقف في جريان الوجهين في امتناع الحرة في بعض الزمان، وقد جزم بجريانهما في كتاب النفقات واختلف كلام النووى فيه فصحح هنا أنهما لا يجريان فقال: قلت الصحيح الجزم في

الجزء: 7 - الصفحة: 161

الحرة بأنه لا يجب شيء، ثم جزم في كتاب النفقات بجريانهما على عكس ما صححه هنا، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.

قوله في المسألة: وأما المهر فعن الشيخ أبي حامد أنه لا يجب تسليمه كالنفقة وذكر القاضي أبو الطيب أنه يجب، قال ابن الصباغ: وهذا أصح لأن التسليم الذي يتمكن معه من الوطء قد حصل وليس كالنفقة فإنها لا تجب بتسليم واحد.
انتهى.
وهذا الذي صححه ابن الصباغ قد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" وعبر بالأصح أيضًا، وكذلك النووى من زياداته، ولم ينقل عن ابن الصباغ في أصل "الروضة" سوى التعليل.

قوله: وإذا قتل السيد أمته فالنص في "المختصر" أنه لا مهر، وعن نصه في "الأم" أن الحرة إذا قتلت نفسها لا يسقط شيء من المهر وللأصحاب فيهما طريقان أشهرهما: أن المسألتين على قولين بالنقل والتخريج أحدهما: يسقط فيهما.
والثاني: لا يسقط فيهما، والطريقة الثانية تقرير النصين، ثم قال: والظاهر في قتل السيد الأمة سقوط المهر وفي قتل الحرة نفسها عدمه، ولو قتلت الأمة نفسها كان كقتل السيد.
انتهى ملخصًا.
والتفصيل بين الأمة والحرة هو تقرير النصين بعينه، فكيف يستقيم مع تصحيحه أن يكون الصحيح طريقة التخريج؟ لأنه متى صحح التخريج والتخريج لا يزيد على قولين لزم أن يكون الأصح أحدهما وهو السقوط فيهما أو عدمه فيهما، وذكر في "الروضة" نحو ما ذكره الرافعي.

قوله: وإن كان قد زوج أمته على صورة التفويض ثم جرى الفرض أو الدخول قبل بيعها فالمفروض أو مهر المثل للبائع أيضًا، وكذلك إن أوجبنا

الجزء: 7 - الصفحة: 162

المهر في المفوضة بالعقد، وإن جرى الفرض أو الدخول بعد البيع فالمفروض أو مهر المثل للبائع أو للمشترى؟ فيه طريقان: أظهرهما: أنه على وجهين بناء على أن الوجوب بالفرض والدخول أو نتبين بالفرض والدخول وجوب [المفروض أو] 81 مهر المثل [بالعقد] 82 وفيه قولان: إذا قلنا بالأول فهو للمشترى، وإن قلنا بالثانى فهو للبائع، والطريق الثاني القطع بأنه للبائع لأن العقد هو السبب.
انتهى كلامه.
الأصح من هذين القولين المبني عليهما هو الأول، كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له، فإنه غريب، ولم يصحح شيئًا منهما في "الشرح الصغير" أيضًا، ولم يتعرض الرافعي في باب التفويض لهذين القولين.

قوله في ما إذا زوج أمته من عبده: وحكى الشيخ أبو على وجهين في أنه يجب المهر ثم يسقط أو لا يجب أصلًا، وجه الأول أن لا يعري النكاح عن المهر فالنكاح بلا مهر من خصائص رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ووجه الثاني: أن المعنى المسقط للمهر كونه مالكًا وأنه مقترن بالعقد.
فيدفع الوجوب.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصح من هذا الخلاف هو عدم الوجوب، كذا صححه الإمام في "النهاية" والماوردي في "الحاوي" وهو مقتضى كلام "الحاوي الصغير".
الأمر الثاني: في فائدة الخلاف فإنه لم يتعرض لها الرافعي ولا النووى ولا ابن الرفعة وفائدته ما حكاه شيخنا قاضي القضاة جمال الدين الوجيزي عن شيخه أقضى القضاة ظهير الدين في ما إذا زوجه بها وفوض بضعها

الجزء: 7 - الصفحة: 163

فقال: زوجتكها بلا مهر، ثم أعتقه السيد ثم وطئها وهو حر، فإن قلنا بعدم الوجوب فلا شئ للسيد على العبد، وإن قلنا يجب ويسقط فللسيد عليه مهر المثل، لأن المهر في نكاح التفويض لا يجب بالعقد، بل بالدخول وهو حالة الدخول حر فلا يسقط ما وجب عليه في تلك الحالة للسيد لأنا إنما أسقطناه وهو رقيق لأن السيد لا يثبت له على عبده شيء وقد انتفى ذلك المعنى، وهذه القاعدة أيضًا تأتي في ما إذا باعه بعد صدور هذا النكاح الواقع على التفويض، فإن قيل ينبغى أن لا يجب لأنه استحق وطنًا لا شئ في مقابلته فيكون كما لو نكح كافر كافرة بالتفويض واعتقدوا أن لا مهر فإنه لا يجب شئ، وإن وقع الوطء في الإسلام، وعلله الرافعي بما قلناه من كونه استحق وطءً لا شئ فيه، قلنا: الفرق أن العقد في هذه الحالة قد اقتضى وجوب شئ إذ التفريع عليه فوجد سبب الوجوب، ولم يوجد المسقط بخلاف العقد المذكور من الكافر فإنه لم يقتضي وجوب شيء.

قوله: ولو قال لغيره أعتق عبدك عني على أن أنكحك أمتى فأجاب، أو قالت له امرأة أعتقه على أن أنكحك ففعل عتق العبد، ولم يلزم الوفاء بالنكاح، وفي وجوب قيمة العبد وجهان بناء على القولين في ما إذا قال: أعتق عبدك عنك على ألف على أنه لا يلزمني الألف والأصح عند الشيخ أبي حامد وصاحب "التهذيب" وغيرهما أنه لا يلزم لأنه لا يعود إليه منفعة بعتقه، ولو قال لأمته أعتقتك على أن تنكحي زيدًا فقبلت ففي وجوب القيمة الوجهان أيضًا حكاهما الحناطي.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن الخلاف المذكور في مسألة العتق قد جعله في كفارة الظهار وجهين.

الجزء: 7 - الصفحة: 164

الثاني: أنه صحح هناك لزوم الألف على خلاف ما يقتضيه كلامه هنا، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه، ووقع الموضعان في "الروضة" كذلك.
الثالث: أن النووي في "الروضة" قد حذف المذكور في الوجهين الأخيرين المنقولين عن الحناطي ففات بحذفهما ما دل عليه كلام الرافعي من التصحيح فيها كما في المسألة قبلها.

قوله: كما لو قال طلقتك على أن لا تحتجبي عني فإن الطلاق يقع من غير قول لأنه ليس بعوض في الشرع، وإن كان قد يتفق قصده.
انتهى.
هذه المسألة حذفها النووي من "الروضة".

قوله: ولفظ الصحيح في قول الغزالي: إن يسر الله بيننا نكاحًا صحيحًا لا حاجة إليه، فإن لفظ النكاح والبيع وسائر العقود يختص بالصحيح منها على الظاهر كما سيأتى في باب الأيمان إن شاء الله تعالى.
انتهى كلامه.
وهذا الخلاف الذى ادعاه وزعم أنه يأتي في الأيمان قد ذكره أيضًا قبل ذلك بنحو كراسين في الكلام على الغرور، وفي غير ذلك أيضًا وهو وهم لا أصل له، وسيأتي إيضاحه في آخر كتاب الأيمان فراجعه.

الجزء: 7 - الصفحة: 165

الفصل الخامس في تزويج العبد

قوله: وإذا جرى نكاح العبد بإذن السيد لا يصير السيد ضامنًا للمهر والنفقة على الجديد فإن قلنا بالقديم فهل يجب على السيد إبتداء أم يلاقي العبد ثم يتحمل عنه السيد؟ وجهان حكاهما أبو الفرج الزاز، وصحح الثاني وقطع البغوي بالأول، وكلام الإمام يقرب منه فإنه قال: وهذا وإن سمي ضامنًا إلى آخره ثم قال: فعلى الأول لا تتوجه المطالبة إلا على السيد ولو أبرأت العبد فهو كفء، وعلى الثاني تتوجه المطالبة عليهما.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصح هو الثاني وهو التحمل كذا صححه الرافعى في "الشرح الصغير".
الأمر الثاني: أن كلام الرافعي يقتضى موافقة الإمام والبغوى مع أن [التعبير الذي نقله هو عنه لا يقتضي ذلك، بل قد صرح الإمام في] 83 الكلام على الأب هل يكون ضامنًا لمهر ولده الصغير بعكس ذلك، ولم يحك فيه خلافًا.

قوله: يجب على السيد تخلية العبد بالليل للاستمتاع وله أن يستخدمه نهارًا إذا تكفل بالمهر والنفقة وإلا فعليه أن يخليه ليكتسب، فإن استخدمه ولم يلتزم شيئًا لزمه الغرم، وفى ما يغرمه؟ وجهان أصحهما: أقل الأمرين من أجرة المثل وكمال المهر والنفقة.
والثاني: كمال المهر والنفقة [على الوجهين في المراد بالنفقة] 84 وجهان، الصحيح نفقه مدة الاستخدام، والثاني نفقة مدة النكاح ما امتدت

الجزء: 7 - الصفحة: 166

لأنه ربما كان يكتسب ما بقي لجميع ذلك.
انتهى ملخصًا.
ذكر مثله في "الروضة" ولا شك أن جريان الوجهين في المراد بالنفقة على الوجه الثاني واضح، وأما على الوجه الأول وهو القائل بالأقل فلا فائدة فيه إذا كان الأقل هو الأجرة لأنها إن كانت أقل من نفقة مدة الاستخدام فهى الواجبة، وإن كانت أقل من نفقة العمر فبطريق الأولى لأن نفقة مدة الاستخدام جزء من نفقة تلك المدة مع ما بعده، وأما إذا كان الأقل هو النفقة كما إذا فرضنا مثلا أن أجرته تساوى درهمين ونفقة تلك المدة تساوي درهمًا ونفقتها مع ما بعدها تزيد على درهمين فإن اعتبرنا الأقل بالنسبة إلى نفقة مدة الاستخدام أوجبنا الأقل وهو الدرهم، وإن اعتبرنا الأقل ولكن بالنسبة إلى العمر فيوجب درهمين فقد ظهرت فائدة الخلاف في قسم واحد من أربعة أقسام، ولأجل ما ذكرناه نعرف نقصان الأجرة عن نفقة العمر من زيادتها عليه، فإن الأجرة إن كانت بقدر النفقة في مدة الاستخدام أو أقل علمنا أن أجرة المثل أقل من المهر ونفقة العمر فإن كانت -أى الأجرة- أكثر كما لو كانت عشرة والنفقة خمسة فيأمن السيد بالنفقة تلك المدة ثم ينظر إن بقي النكاح حتى استغرقت النفقة تمام العشرة علمنا أن أجرة المثل أقل من نفقة مدة النكاح مع المهر فلا يزيد عن تمام العشرة، وإن زال النكاح بموت أو غيره قبل استكمال العشرة نظرنا بينها وبين الخمسة التى هى نفقة تلك المدة ونفقة بقية مدة النكاح، وعلمنا الأقل وطريقه لا يخفى.
واعلم أن الغزالي في "الوجيز" لما حكى الأوجه لم يذكر الأقل، بل ذكر عوضه أجرة المثل وليس ذلك مغايرًا له فإن الزوجة ليس لها إلا المؤنة فإن كانت الأجرة أكثر استحال إيجابها للمرأة ولا وجه لخروجها عن ملك السيد فلزم أن الأجرة بكمالها إنما تجب إذا كانت أقل، وحينئذ فينتظم أن

الجزء: 7 - الصفحة: 167

يقال الواجب إنما هو الأقل.

قوله: قال القاضي الحسين في "فتاويه": لو اختلف السيد والعبد في الإذن في النكاح فقال السيد ما أذنت، فالوجه أن تدعي المرأة على السيد أن كسب هذا العبد مستحق لي لمهري ونفقتي ليسمع القاضي البينة.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" لكن الصحيح في كتاب الدعوى أن مجرد دعوى الزوجية أي بدون مال مسموعة على الصحيح، وهذا التصوير المتكلف فيه توهم الذهول عنه وأنها لا تسمع.

قوله في مسائل الدور: المسألة الثانية: زوج أمته عبد غيره وقبض الصداق وأتلفه بإنفاق أو غيره، ثم أعتقها في مرض موته أو أوصى بعتقها فأعتقت وهى ثلث ماله، وكان ذلك قبل الدخول فليس لها خيار العتق لأنها لو فسخت النكاح لوجب رد المهر من تركة السيد، وحينئذ فلا تخرج بتمامها من الثلث، وإذا بقي الرق في البعض لا يثبت الخيار، فإثبات الخيار يجر إلى سقوطه، وكذا الحكم لو لم يتلف الصداق وكانت الأمة ثلث أمواله مع الصداق، ولو خرجت من الثلث دون الصداق أو أنفق ذلك بعد الدخول واستقرار المهر فلها الخيار، ولو كانت المسألة بحالها إلا أن الإعتاق وجد من وارثه بعد موته فينظر إن كان الوارث معسرًا فلا خيار لها لأنها لو فسخت النكاح لزم رد المهر من تركة الميت، وإذا كان على الميت دين لم ينفذ إعتاق الوارث المعسر على الصحيح.
انتهى كلامه.
وما ذكره يستقيم في صورة ثلث المهر، فأما في الصورة الثانية فلا لأنه بالفسخ تبقى العين التي هي المهر مستحقة لسيد العبد ولا دين على التركة.

قوله: والمكاتب لا يتسرى من غير إذن السيد وبإذنه قولان بناء على الخلاف في تبرعاته بإذن المولى.
انتهى كلامه.

الجزء: 7 - الصفحة: 168

وهذه المسألة مذكورة في الرافعي و"الروضة" في ثلاثة مواضع: أحدها: هذا، والثاني: في باب الوكالة، والثالث: في البيع في آخر معاملات العبيد، وهو من زيادات النووي، ومقتضى المذكور هنا وفي البيع تصحيح الجواز لأنه الأصح في التبرعات، ولكن الصحيح الذي عليه الفتوى خلافه، وسنوضحه إن شاء الله تعالى في الكتابة فراجعه.

الجزء: 7 - الصفحة: 169

الفصل السادس في النزاع

قوله: ويقبل إقرار المرأة بالنكاح قال الإمام: ويظهر في القياس أن لا يقبل إقرار البكر ومعها مجبر حذرًا من اختلاف الإقرارين، وإذا قبلنا إقرارها فاختلفت هى والولي فيجوز أن يقال: الحكم للسابق ويجوز أن يقال: يبطلان جميعًا، وقد ذكرنا وجهين في هذه المسألة في آخر الباب الثالث عن القفال الشاشي والأودني أن المقبول إقراره أم إقرارها فحصل أربعة احتمالات.
انتهى كلامه.
وما ذكره من حصول أربعة قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وكأنه أراد ما إذا فرعنا على قبول الإقرار وإلا فمقالة الإمام المذكورة أولًا المقتضية لعدم القبول مادام المخير موجودًا مقالة خامسة.

قوله: وإذا زوجت المرأة بغير رضاها لكونها مجبرة، ثم ادعت أن بينها وبين الزوج محرمية فيقبل قولها في أصح الوجهين، ثم قال واحتج الشيخ أبو علي بأن الشافعي نص على أنه لو باع الحاكم عبدًا أو عقارًا على مالكه الغائب بسبب اقتضاه ثم جاء المالك، وقال كنت أعتقت العبد أو العقار، أو بعته صدق بيمينه ونقض بيع القاضي ورد الثمن على المشتري بخلاف ما لو باعه بنفسه أو توكيله، ثم ادعى ذلك فإنه لا يقبل لأنه سبق منه ما يقتضيه، ومقتضى حكايته أنه لا خلاف في صورة بيع الحاكم لكن الإمام حكى فيها قولين.
انتهى كلامه.
وفيه أمران: أحدهما: أن التعليل بالمناقضة يوهم عدم سماع الدعوى والبينة وليس كذلك كما ستعرفه في آخر الدعاوى في الباب المعقود للمسائل المنثورة.

الجزء: 7 - الصفحة: 170

الأمر الثاني: أن القولين اللذين حكاهما الإمام قد حكاهما الربيع في "الأم"، والأصح منهما هو تصديق المالك، كذا صححه الرافعي في آخر الباب الأول من أبواب اللقطة وعبر بقوله أصح القولين، إلا أنه مثل بالعتق خاصة، وقد علمت بما ذكره هنا أنه لا فرق بين العتق وغيره.

قوله المسألة الثانية: إذا زوج أمته من إنسان، ثم قال: كنت مجنونًا أو محجورًا على وقت تزويجها، وأنكر الزوج وقال تزوجتها تزويجًا صحيحًا، فإن لم يعهد للسيد ما ادعاه ولا بينة فالقول قول الزوج بيمينه لأن الظاهر صحة النكاح، وكذا لو قال زوجتها وأنا محرم أو قال: لم تكن ملكى يومئذ ثم ملكتها، وكذا الحكم لو باع عبدًا ثم قال بعد البيع بعته وأنا محجور على أو لم يكن ملكى ثم ملكته، وعن نصه في "الإملاء" أنه لو زوج أخته ثم مات الزوج فادعى ورثته أن أخاها زوجها بغير إذنها، وقال: بل زوجنى بإذنى فالقول قولها، ولك أن تقول سبق ذكر وجهين في ما لو ادعى أحد المتعاقدين صحة البيع والآخر فساده فليجئ ذلك الخلاف في هذه الصورة.
انتهى.
اعترض عليه النووى فقال: لم يذكر الأصحاب في هذه الصور خلافًا، ولا يصح مجيئوه لأن الظاهر الغالب في الأنكحة الاحتياط وعقدها بشروطها وبحضرة الشهود وغيرهم بخلاف البيع فإن وقوعه فاسد كثيرًا.
انتهى كلامه وفى ما ذكره -أعني النووى- أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من عدم ذكر الأصحاب لهذا الخلاف هنا ليس كذلك، بل قد صرحوا بجريانه حتى جزم البغوى في فتاويه بتصديق مدعي الفساد، ولم يحك خلافه، وإنما ذهب إليه هنا لأنه ذهب إليه في البيع كما نقله عنه الرافعي هناك، والغريب أن النووي قد صرح قبل ذلك بالخلاف في النكاح، والأغرب فيه كونه من "زياداته" فقال في الكلام

الجزء: 7 - الصفحة: 171

على الشهادة في النكاح في أثناء زيادة ما نصه ولو قالت: عقدنا بفاسقين، فقال: بل بعدلين، فأيهما يقبل؟ وجهان: الأصح قول الزوج هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن هذا الفرق الذي ذكره النووي خاص بالنكاح ولا يشمل جميع الصور التي أشار الرافعي إلى التخريج فيها فإن من جملتها ما إذا باع عبدًا، ثم قال بعد البيع: بعته وأنا محجور علي أو لم يمكن ملكي ثم ملكته.

قوله: ولو ادعت المنكوحة أنها زوجت بغير إذنها وهى معتبرة الإذن ففي "فتاوى البغوي" أنه لا يقبل قولها بعدما دخلت عليه وأقامت معه، فكأنه جعل الدخول بمنزلة الرضى.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد أعادها الرافعى في آخر كتاب الرجعة، وجزم بالقبول مطلقًا من غير تفصيل ولا إعزاء إلى ناقل، وفرع عليها بأنها لو رجعت وقالت: كنت رضيت، ففي قبول رجوعها وجهان المنصوص أنه لا يقبل.

قوله نقلًا عن "فتاوى البغوي": إذا قالت لوليها وهى في نكاح أو عدة: أذنت لك في تزويجي إذا فارقني زوجي أو انقضت عدتي.
إلى آخره.
اعلم أن هذا الفرع نقله النووي من هنا إلى الكلام على الأولياء وفيه اضطراب أشرت إليه هناك وصرحت به في الوكالة فراجعه.

قوله: عن الفتاوى المذكورة: ولو كان له إخوة فزوجها أحدهم وحضر الآخران شاهدين ففي صحة النكاح جوابان وجه المنع أن الشرع جعل المباشر نائبًا عن الباقين في أداء ما توجه عليهم، انتهى كلامه.
وهذه المسألة لم ينقلها الرافعى عن الفتاوى الذكورة على وجهها، فإن البغوي أجاب بعدم الصحة فقال: عندي أنه لا يصح لأنهم جميعًا أولياء،

الجزء: 7 - الصفحة: 172

وإن صح العقد من واحد منهم، ثم قال بعد ذلك ويحتمل غيره، ثم أردفه بأنه لو زوجها واحد منهم برضاها من غير كفء برضى الباقين وحضر الباقون شهودًا فالمنع فيه أظهر مما قبله، ونقل النووي هذه المسألة من هنا إلى ركن الشهود، ورجح من زياداته الصحة فقال: إنه الأرجح.

قوله: ولو زوج أمته ثم قال: كنت صبيًا لم يصدق في أظهر القولين ولو زوج أخته برضاها ثم ادعت أنها كانت صغيرة يومئذ ففي -فتاوى القفال- والقاضي الحسين والبغوي أن القول قولها بيمينها، وإن اعترفت يومئذ ببلوغها، وهذا يمكن أن يكون تفريعًا على أحد القولين، ويمكن أن يفرق بأن العقود الجارية بين المسلمين وإن كان الغالب صحتها إلا أن هذه لم تعقل.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن الفتوى على الثاني فإنه قياس ما سبق بدون ورقة في ما إذا ادعت أن بينهما محرمية ولم يقع التزويج برضاها أن قولها يقبل في أصح الوجهين الذي نقله الإمام عن المعظم لأنها لم تعترف بنقيضه.
الأمر الثاني: أنها لو ادعت أنها زوجت بغير إذنها وهى معتبرة الإذن فلا يقبل قولها بعد ما دخلت عليه وأقامت معه كذا نقله الرافعي قبل هذا الموضع بقليل عن البغوي وأقره وعلله بقوله -كأنه يعني البغوي- جعل الدخول بمنزلة الرضى، وإذا علمت ذلك اتجه أن تكون صورة المسألة في ما إذا ادعت ذلك عقب البلوغ فإن مكنته بعد ذلك، ثم ادعت لم يقبل قولها.

الجزء: 7 - الصفحة: 173

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل