كتاب الكتابة
ولها أركان وأحكام، فالأركان أربعة.
قوله: ذكر الأئمة أن الكتابة مأخوذة من الكتب وهو الضم والجمع، يقال: كتبت البغلة إذا ضممت بين شُفريها بحلقة أو سير.
ومنه الكتابة لما فيها من ضم بعض الحروف إلى بعض، والكتيبة لانضمام بعضهم إلى بعض فسمي هذا العقد كتابة لما ينضم فيه من النجم إلى النجم، وقيل: سميت كتابة لأنها توثق بالكتابة.
انتهى.
واعلم أن الكتابة والكتاب والكتب مصادر، كما صرح به النحاة، وكل واحد من المصادر المترادفة ليس مأخوذًا من غيره بلا خلاف، بل لا شيء من المصادر مفرع عن غيره على رأي البصريين.
قوله: وإذا قال كاتبتك وعين النجوم فإن قال مع ذلك فإذا أديت فأنت حر.
أو لم يقله، ولكن نواه صحت وإن لم يوجد التعليق ولا النية، لم يصح وفيه قول مخرج.
انتهى ملخصًا.
وهذا الخلاف قد ذكره النووي في "تصحيح التنبيه" حالة وجود النية، فقال عطفًا على الأصح وأنه إذا قال: كاتبتك ولم يقل فإذا أديت فأنت حر، ولكن نواه صحت هذا لفظه، وهو غلط فاعلمه.
قوله: ولو قال: إن أعطيتني ألفًا أو أديت إليّ ألفًا فأنت حر، فلا يمكن أن يعطي مال نفسه، فإنه لا يملك شيئًا فهو كما لو قال لزوجته: إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق، فأتت بألف مغصوب.
وقد ذكرنا في الخلع وجهين في وقوع الطلاق، والأظهر: أنه لا يقع.
الجزء: 9 - الصفحة: 474
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن دعواه أنه لا يمكن أن يعطي من مال نفسه وأنه لا يمكنه إلا إعطاء المغصوب حتى لا يعتق، ليس كذلك فإنه، قد ينتهي إلى حالة يكون فيها مالكًا مع كونه رقيقًا، وحينئذ فيحصل العتق بإعطائه، وذلك أن يكاتبه السيد وفي الرافعي في الكلام على تعجيل النجوم، نقلًا عن "الشامل" من غير اعتراض عليه أنه إذا قال لمكاتبه إن أعطيتني كذا فأنت حر فأعطاه عتق، ولكنه عوض فاسد لأن المكاتب لا يصح المعاوضة عليه، فيعتق بالصفة وعليه تمام قيمته، فيحتمل أيضًا التراجع في مسألتنا، والمتجه الفرق.
وأيضًا فقد ذكروا أنه إذا علق الطلاق على إعطاء السفيهة أو إبرائها أو التزامها وقع الطلاق رجعيًا، وفرقوا بينه وبين إعطاء المغصوب بأن السفيهة لا تقدر على بذل فصار ذلك قرينة دالة على إرادة مجرد التعلق بخلاف بذل المغصوب من الرشيدة وإذا تقرر هذا، فنقول بتقدير صحة ما قاله الرافعي من كون العبد لا يقدر على إعطاء شيء مملوك له، فلا يكون إعطاؤه كإعطاء المغصوب من الرشيدة، بل كإعطاء السفيهة للمعنى الذي قلناه، وحينئذ فيحصل العتق بإعطائه.
الأمر الثاني: أن الأصحاب اختلفوا في أن لفظ الأداء هل ينزل منزلة الإعطاء في أحكامه من التمليك والفورية أم هو تعليق محض؟ واختلف كلام الرافعي في هذه المسألة فكلامه هنا جازم بإلحاقه به، وخالف ذلك في مواضع.
أحدها: في الركن الثاني المعقود للعوض في الشرط الرابع من شروطه فقال: بخلاف ما إذا قال إن أديت إليّ هذا فأنت حر، فإنه إذا أداه عتق
الجزء: 9 - الصفحة: 475
وإن كان مستحقًا لأن ذلك محض تعليق.
هذه عبارته.
والموضع الثاني في أوائل الكلام على الكتابة الفاسدة، فقال ما نصه: قال الأصحاب: تعليق العتق بالصفة على أقسام: أحدها التعليق الحالي عن المعاوضة كقوله إن دخلت الدار أو كلمت فلانًا فأنت حر، فإن المال ليس مذكورًا على سبيل الأعواض فهذا لازم من الجانبين، فليس للعبد ولا للسيد ولا لهما دفعه بالقول ويبطل بموت السيد.
وإذا وجدت الصفة في حياته عتق وكسب العبد قبل وجود الصفة للسيد ولو أبرأه في صورة التعليق بأداء المال عن المال لم يعتق.
ولا تراجع بين السيد وبينه هذا لفظه.
والموضع الثالث في آخر الكلام على الكتابة الفاسدة, فقال نعم لو قال إن أديت إلي وارثي كذا فأنت حر عتق بالأداء إليهم، كما لو قال إن دخلت الدار بعد موتي.
انتهت.
وقد وقع هذا الاختلاف أيضًا في المسألة المذكورة بالنسبة إلى الخلع وسبق إيضاحه هناك.
وتبعه في "الروضة" على الاختلاف الواقع في المسألتين.
قوله في المسألة المذكورة: فإن فرعنا على أنه يعتق، فعن الشيخ أبي علي رواية وجهين في "شرح التلخيص" في أن سبيل هذه المعاملة سبيل الكتابة الفاسدة حتى يرد السيد ما أخذ، ويرجع على العبد بقيمة رقبته.
حتى تتبعه الأكساب والأولاد الحاصلة بعد التعليق.
والثاني: أنه ليس لها حكم الكتابة الفاسدة، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أنه يرجع على العبد بقيمة رقبته كما أنه إذا قال لزوجته: إن أعطيتني ألفًا، فأعطته ألفًا مغصوبًا، وقلنا بوقوع الطلاق فإنه يرجع عليها.
الجزء: 9 - الصفحة: 476
والثاني: أنه لا رجوع له، والذي جرى محض تعليق ويخالف الزوجة فإنها أهل الالتزام وقت المخاطبة، والعبد ليس أهلًا له.
قال في "الوسيط": والظاهر أنه لا رجوع للسيد بالقيمة، وأنه لا يتبعه الكسب والولد.
انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الترجيح الذي نقله عن الغزالي يعود إلى الوجهين المذكورين أولًا، فإن تبعية الكسب والولد، إنما تأتي عليه لا على الثاني، وفهم النووي أنها عائد إلى الوجهين المذكورين ثانيًا فحكى الخلاف الأول بلا ترجيح، ونقل الترجيح في الثاني، ثم إنه لم يعزه إلى الغزالي، بل أطلق التصحيح.
الأمر الثاني: أن ما رجحه الغزالي هو الصحيح فقد جزم به الرافعي بعد هذا الكلام على الكتابة الفاسدة، وقد سبق ذكر لفظه في آخر المسألة السابعة.
قوله: وعن القاضي الحسين ذكر وجهين في ما إذا أسلم إلى المكاتب عقب عقد الكتابة.
انتهى.
صورة هذه المسألة في السلم الحال.
أما المؤجل فيصح جزمًا، كذا صرح به إمام الحرمين هنا وهو واضح.
قوله: ولا يجوز أن يكتفي بخدمة شهرين مثلًا على أن تقدر خدمة كل شهر نجمًا، فلو شرطا صريحًا أن تكون خدمة شهر نجمًا وخدمة الشهر بعده نجم آخر فوجهان:
أصحهما: وهو المنصوص في "الأم": المنع، لأن منفعة الشهر الثاني متعينة والمنافع المتعلقة بالأعيان لا يجوز أن يشترط كآخرها.
والثاني: يجوز واتصال ابتداء الشهر الثاني بانتهاء الأول تخرجه عن أن
الجزء: 9 - الصفحة: 477
يكون عقدًا على المستقبل، وهذا كالخلاف في إجارة الدار السنة القابلة، أو هو هو فإن انقطع مبتدأ المدة الثانية عن منقرض الأول كما لو كاتبه على خدمة شهر آخر بعد ذلك الشهر بعشرة أيام مثلًا، لم يجز بلا خلاف.
انتهى كلامه.
وهو متدافع؛ لأن الصحيح في الإجارة هو الجواز والترجيح المذكور أولًا مع التعليل الذي ذكره يقتضي تصحيح المنع فيها.
نعم التجويز في الإجارة يقتضي جعله كالموجود في عقد واحد، ومقتضاه أن يكون هنا كنجم واحد فيمتنع، ومن منع فيها نظر إلى أن هذا عقد على زمن مستقبل فمقتضاه المنع هنا أيضًا.
فاتجه المنع هنا بكل حال، وبه يبطل أيضًا البناء.
قوله: في "الروضة" ولو كاتبه على خدمة شهر ودينار في أثناء الشهر، كقوله ودينار بعد العقد بيوم، صح على الأصح.
انتهى كلامه.
أهمل شيئين ذكرهما الرافعي:
أحدهما: طريقة قاطعة بالمنع، نقلها عن ابن القطان.
والثاني: أن المنصوص في "الأم" الجواز، وهذا الثاني ذكره الرافعي قبل هذا بأسطر.
قوله: وذكر في "التهذيب" أنه لابد من بيان العمل في الخدمة إذا كانت عليها، وقال ابن الصباغ: يكفي إطلاق الخدمة.
انتهى.
لم يرجح [في الروضة] 1 أيضًا شيئًا من هذا الخلاف، والصحيح: الاكتفاء بالإطلاق، وحمل الأمر فيه على العرف كما سبق إيضاحه في آخر الإجارة.
قوله: وإذا مرض العبد وفاتت الخدمة انفسخت الكتابة في قدر الخدمة.
الجزء: 9 - الصفحة: 478
وأما الباقى فقيل هو كما لو باع عبدين فتلف أحدهما قبل القبض، وقيل: يبطل فيه بلا خلاف لأن الكتابة لا تقع على بعض العبد هذا ما حكاه القاضي أبو الطيب.
انتهى كلامه.
والصحيح ما ذكره الرافعي بعد هذا بقليل في نظير المسألة: أنه يصح فقال في أوائل الركن الثالث المعقود للسيد: أنه إذا كاتب عبده في مرض الموت اعتبرت كتابته من الثلث، فإن خرج بعضه فالباقي قنٌ ثم قال: ولا يخرج على الخلاف في ما إذا كاتب أحد الشريكين نصيبه من العبد المشترك فإن ذلك ابتداء كتابة، وهاهنا وردت الكتابة على الجميع ثم دعت الحاجة إلى الإبطال في البعض، وحكى ابن كج عن بعضهم التخريج على ذلك الخلاف.
انتهى كلامه.
[ولكن نص في "الأم" على ما يوافق الطريقة الثانية وهي البطلان] 2 فقال إذا انتقضت الكتابة في البعض انتقضت في الكل، هذه عبارته على ما حكاه البندنيجي عنه.
واعلم أن القاضي أبا الطيب ممن قطع بالمنع وتعبير الرافعي يقتضي حكايته للطريقين ولو زاد واو العطف مع لفظ الإشارة لاستقام وحذف النووي النقل عن القاضي المذكور.
قوله في "الروضة": ولو كاتبه على دينار إلى شهر ودينارين إلى شهر على أنه إذا أدى الأول عتق ويؤدي الدينارين بعد العتق.
ففي صحة الكتابة القولان في ما إذا جمعت الصفقة عقدين مختلفين.
انتهى كلامه.
وحاصله تصحيح الصحة؛ لأنه الصحيح في الجمع بين العقدين،
الجزء: 9 - الصفحة: 479
وهذا الذي ذكره النووي غريب فإن الرافعي لم يقتصر عليه، بل ذكر ما يعارضه فإن قال: فعن ابن سريج أن في صحة الكتابة قولين، وهما عند بعضهم القولان في أن الصفقة إذا جمعت [بين عقدين مختلفين هل تحكم بصحتها؟ وعند بعضهم يتأصلان ويوجه] 3 البطلان بأنه شرط ما يخالف قضية الكتابة، لأن قضيتها أن لا يعتق بأداء البعض.
والصحة بأنه لو كاتبه مطلقًا، وأدى بعض المال، ثم أعتقه على أن يؤدي الباقي بعد العتق جاز، فكذلك إذا شرطه في الابتداء، هذا كلام الرافعي وليس فيه ترجيح الطريقة الأولى، فضلًا عن الجزم بها، بل التخريج ضعيف.
لأن صورة تلك أن يكون المعقود عليه متعددًا أو متحدًا ولكن يخص بعضه المعين بحكم والبعض الآخر بحكم آخر.
كما يعرف من كلامهم في البيع بل الظاهر أن هذا شرط يخالف مقتضاها وليس نظيره ما قاس عليه الذاهب إلى الصحة لأنه في تلك المسألة متبرع بتعجيل العتق وفي مسألتنا يصير مستحقًا واقعًا بغير اختياره، وذلك مناف لحقيقة الكتابة ثم إن النووي أيضًا قد أسقط هذه المسألة أعني المستشهد بها للصحة.
قوله: ولو كاتبه وباعه شيئًا بعوض واحد كقوله كاتبتك وبعتك هذا الثوب بمائة إلى شهرين تؤدى نصفها في آخر كل شهر فإذا أديت فأنت حر، فقال قبلت الكتابة والبيع أو البيع والكتابة أو قبلهما فطريقان:
أحدهما: على القولين في من جمع بين عقدين مختلفي الحكم ففي قول يصحان، وفي آخر يبطلان.
والثاني: وهو المذهب: يبطل البيع، وفي الكتابة قولا تفريق الصفقة.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 480
وما ذكره من أنه لا فرق في الجواز من تقدم البيع على الكتابة، وعكسه، وبين مقارنتهما قد ذكر في نظيره وهو مزج الرهن بالبيع ما يخالفه كما سبق في أوائل الرهن.
وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: الركن الثالث: السيد ويعتبر فيه أمران، والتكليف وأهلية التبرع.
انتهى كلامه.
أهمل أمرًا ثالثًا وهو الاختيار حتى لا يصح من المكره، وقد ذكره في أثناء الباب.
قوله: ولو كاتبه في الصحة بمثل قيمته ولم يكن له مال [سواه] 4، ثم أبرأه عن النجوم في المرض، فإن اختار العجز عتق [ثلثه] 5 ورق ثلثاه وإذا اختار بقاء الكتابة، فأظهر الوجهين أنه يعتق ثلثه، وتبقى الكتابة في الثلثين وقيل لا يعتق ثلثه ما لم يسلم الثلثان للورثة.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من عتق الثلث، قبل تسلط الورثة على الثلثين قد سبق في باب التدبير في نظائر كثيرة لهذا ما يخالفه، ذكر ذلك بعد الكلام على الرجوع، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
وقد ذكر الرافعي هنا عقب هذه المسألة [عملًا من الحساب حكى فيه خلافًا بين ابن الصباغ وغيره أسقطه] 6 من "الروضة"، وفي ظني أنه لم يتقدم له ذكر في الوصايا، فليعلم ذلك ولينظر.
قوله: وكتابة المرتد تبنى على أقوال ملكه، وقيل لا يأتي الوقف، ثم محل هذا الخلاف ما إذا لم يحجر الحاكم عليه [وقلنا أيضًا لا يحصل بنفس
الجزء: 9 - الصفحة: 481
الردة فإن كان في حال حجر لم يصح قطعًا وقيل] 7 محلها إذا حجر عليه الحاكم، فإن لم يحجر عليه صحت بلا خلاف، سواء قلنا يصير محجورًا عليه أم لا، وقيل: إنه مطرد مطلقًا.
ثم قال ما نصه: وتحصل من هذه الاختلافات في كتابة المرتد وجوه أو أقوال خمسة:
أحدها: أنها موقوفة.
والثاني: صحتها.
والثالث: صحتها قبل الحجر خاصة.
والرابع: بطلانها.
والخامس: بطلانها بعد الحجر خاصة والأشبه هو الرابع، انتهى كلامه.
والقول الثالث من هذه الأقوال متحد مع الخامس فهي في الحقيقة أربعة بل لا يجيء مما سبق غيرها، أعني غير الأربعة.
وقد تفطن النووي لإشكاله لكنه توهم صحة العدد فغيره باجتهاده، فقال:
أظهرها: البطلان.
والثاني: يصح.
والثالث: موقوفة على إسلامه.
والرابع: يصح قبل الحجر عليه، وإن قلنا يصير محجورًا عليه بنفس الردة.
والخامس: يصح قبل أن يصير عليه حجر إما بنفس الردة، وإما بحجر
الجزء: 9 - الصفحة: 482
القاضي هذا كلامه، وهو غير مستقيم أيضًا.
فإن حجر الحاكم لما كان متوقفًا على أشياء منه حصل من اعتباره قول فارق.
وأما كونه يصير محجورًا عليه أم لا فلا يجيء فيه قول، بل هو داخل في الأقوال الباقية، كغيره من الطرق ولوقوعه من غير فعل فتأمله.
قوله: ولو سمى المكاتب جاز للسيد الفسخ، وهل يفسخ بنفسه كما كان المكاتب حاضرًا، أو بدفع الأمر إلى الحاكم ليتفحص هل له مال بقي بالكتابة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: الأول، ثم إذا فسخت الكتابة وأقام البينة بعد الخلاص على أنه كان له من المال ما بقى بالكتابة بطل الفسخ وأدى المال وعتق.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره من أن وجود المال مانع من الفسخ، قد جزم بخلافه في أثناء الحكم الثاني في السبب الثاني من أسباب تعذر تحصيل النجوم، وسوف أذكر لفظه في موضعه فراجعه.
قوله: الركن الرابع: المكاتب وشرط التكليف.
انتهى.
أهمله قيد الاختيار ليتحرز عن المكره.
وقد ذكره في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده".
نعم ذكره الرافعي في أثناء الباب، وقد تقدم الاعتراض عليه بهذا في حق السيد أيضًا.
قوله في "الروضة": ولو كاتب عبده الصغير أو المجنون فوجدت الصفة عتق، ثم قيل: يعتق بحكم كتابة فاسدة، لأنه لم يرض بعتقه إلا بعوض فعلى هذا يثبت التراجع، والصحيح الذي عليه الجمهور: أنه يعتق بمجرد الصفة وليس كما جرى حكم الكتابة الفاسدة في التراجع ولا غيره.
انتهي.
حكى الرافعي عن الصيدلاني أنه فصل بين الصبي والمجنون وفرق بأن
الجزء: 9 - الصفحة: 483
الجنون عارض فهو كعارض شرط فاسد بخلاف الصبي.
وأهمل أيضًا طريقة قاطعة فيهما بالجواز وأخرى بالمنع.
قوله: ولو قبل الكتابة من السيد أجنبي على أن يؤدي عن العبد كذا في نجمين فإذا أداهما عتق العبد فهل يصح؟ وجهان:
أحدهما: نعم: كخلع الأجنبي.
والثاني: لا، لمخالفته موضوع الباب، فإن صححناها فهل يجوز حاله؟ وجهان: وإن لم نصححها وأدى عتق العبد بالصفة ويرجع المؤدى على السيد بما أدى والسيد عليه بقيمة العبد.
انتهى.
والأصح: عدم الصحة، كذا صححه في "الروضة" من "زوائده".
قوله: وإن كاتب أحد الشريكين نصيبه بإذن شريكه لم يصح في أصح القولين.
والثاني: قاله في "الإملاء" على مسائل محمد بن الحسن أنها تصح.
وعن ابن سلمة القطع بالقول الأول، فإن صححنا فدفع العبد من كسبه إلى الذي كاتبه حصته، أو جرت بينه وبين الذي لم يكاتبه مهاياة، فدفع ما كسبه في ثوبه نفسه إلى الذي كاتبه حتى تمت النجوم عتق، وقوم عليه نصيب الشريك إن كان موسرًا.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن العبد المشترك [إذا أعطى أحد الشريكين حصته من المال الذي اكتسبه] 8 لا يعتق نصيب الآخذ حتى يأخذ أيضًا شريكه، كذا ذكره الرافعي في الكلام على الحكم الثاني من أحكام الكتابة على خلاف ما دل عليه كلامه هنا فراجعه، فإنه بسط المسألة هناك، وترجم لها في "الروضة" بالمسألة الخامسة.
الجزء: 9 - الصفحة: 484
والثاني: أن النووي قد أهمل في "الروضة" الطريقة القاطعة التي قال بها ابن سلمة.
قوله: حكاية عن ابن كج: ولو كاتب نصيبه بإذن شريكه فجوزناه فأراد الشريك الآخر كتابة نصيبه، هل يحتاج إلى الإذن الأول؟ فيه وجهان.
انتهى.
جزم ابن الرفعة في "الكفاية" بالجواز، وعلله بأنه لم يبق له حق يخشى فواته، وما ذكره متجه.
قوله في "الروضة": فرع: إذا كاتب الشريكان العبد معًا أو وكلا من يكاتبه أو وكل أحدهما الآخر فكاتبه صحت الكتابة قطعًا إن اتفقت النجوم جنسًا وأجلًا وعددًا، وجعلا حصة كل واحد من النجوم بحسب اشتراكهم في العبد، أو أطلقا فإنها تقسم كذلك.
انتهى كلامه.
وما اقتضاه لفظه من عدم الخلاف ليس كذلك، ففي المسألة ثلاثة أوجه حكاها في "الكفاية".
أحدها: هذا.
والثاني: أنه إذا كان لأحد الشريكين زيادة على ما للآخر فلا يصح الكتابة أصلًا، وإنما تصح إن لو كان ملكهما على السواء.
والثالث: أنها لا تصح مطلقًا سواء تساويا فيه أو اختلفا لأن العقد إذا جرى عليه حكم العقدين وصار كأن كل واحد قد انفرد به.
ولم ينف الرافعي الخلاف في هذه المسألة.
قوله: والكتابة الباطلة هي التي اختل بعض أركانها، بأن كان السيد أو العبد صبيًا أو ذكر ما لا يقصد كالدم والحشرات بخلاف الكتابة على الخمر والخنزير، فإنها فاسدة ثم قال ما نصه: وعند الصيدلاني أن الكتابة على الميتة
الجزء: 9 - الصفحة: 485
والدم من صور الكتابة الفاسدة كالكتابة على الخمر والخنزير.
انتهى كلامه.
لم يذكر -رحمه الله- في الميتة غير ما نقله هنا عن الصيدلاني، وهو موهم، بل ظاهر في إلحاقها بالباطل لأنه ساق هذه المقالة مساق الأوجه الضعيفة.
ولقرينة عدها مع الدم ولكن الصحيح عدها مما يقصد، كذا صرح به الرافعي في كتاب الخلع فاعلمه.
وتابعه في "الروضة" هنا على هذا التعبير.
قوله: وإنما كان كذلك على خلاف البيع وسائر العقود، حيث لا يفرق فيها بين الباطل والفاسد لأن العتق هو المقصود، وتعليق العتق لا يفسد.
انتهى.
وما ذكره من أن باقي العقود لم يفرق فيها ليس كذلك، فقد فرقوا بينهما أيضًا في الخلع والعارية، وقد تقدم في موضعه.
قوله في "الروضة": ولو اعتاض عن المسمى في الكتابة الفاسدة لم يعتق أيضًا.
انتهى.
وهذا الكلام يوهم جواز الاعتياض عن نجوم الكتابة والصحيح فيه المنع، كما ذكره بعد ذلك في الحكم.
ولما ذكر الرافعي هذه المسألة نبه عليها على بيانه على الخلاف الآتي.
قوله أيضًا في "الروضة": وهل يتبع المكاتبة كتابة فاسدة ولدها؟ طريقان: المذهب: نعم كالكسب.
والثاني: قولان.
انتهى.
لم يصرح الرافعي بتصحيح شيء من الطريقين وإنما نقل الأولى عن تصحيح الإمام وغيره والثانية عن أبي زيد والغزالي.
الجزء: 9 - الصفحة: 486
نعم صحح الرافعي في "الشرح الصغير" ما صححه في "الروضة"، فقال: إنها أظهر الطريقين.
قوله: والمكاتب كتابة صحيحة، هل يسافر بغير إذن سيده فيه نصان وفيهما طريقان، وقيل قولان: أصحهما: الجواز.
والطريق الثاني: حمل الجواز على القصير والمنع على الطويل، وقيل: يحمل الجواز على ما قبل الحلول والمنع على ما بعده انتهى ملخصًا.
ذكره في "الشرح الصغير" و"الروضة" نحوه أيضًا وفيه أمران:
أحدهما: أنه لا يؤخذ من هذا الكلام تصحيح في المسألة، فإن التصحيح المذكور في الأول إنما هو تفريع على طريقة القولين، ولم يصححاها والصحيح من حيث الجملة هو الجواز، كذا جزم به الرافعي في أول الكلام على كفاية بعض العبد، وصححه النووي في "تصحيح التنبيه".
نعم يؤخذ من كلام الرافعي هنا، ومن "الروضة" تصحيح الجواز في السفر القصير قبل الحلول لأن الطرق كلها متفقة عليه.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلامهما [في هذا الباب من عدم المنع عند الحلول مناقض لما ذكراه] 9 في التفليس وفي السير من تصحيح المنع عند القدرة، والعجب من تمكنه من منع الحر بذلك، ومنعه من منع رقيقه بذلك السبب بعينه، وتعليل الرافعي يقتضي تخصيص الخلاف لسفر التجارة وتصوير المسألة، يقتضي تعميم كل سفر، وكلام "التنبيه" يقتضي جريان الخلاف مع الإذن أيضًا، ولم يصرح الرافعي بذلك وفيه نظر.
قوله: وكأنه قال: إن أديت فأنت حر ما لم أرجع، فالعتق معلق بالأداء.
وعدم الرجوع.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 487
واعلم أنه قد جعل هنا وفي أول الفصل أيضًا التعليق بالأداء، كسائر التعاليق الحالية عن العوض، وقد علم أن التعليق لا يرجع عنه بالقول لكن استفدنا من هاهنا جواز الرجوع عنه إذا شرطه في تعليقته، وفيه نظر، فإن الرجوع الذي شرطه لا يحصل باللفظ، إلا أن يقال حملناه على التلفظ بالرجوع، وقد أسقط النووي المسألة المذكورة.
قوله: ولو عجل النجوم في الكتابة الفاسدة فهل يعتق كالصحيحة أم لا لأن الصفة لم توجد على وجهها؟ وجهان.
انتهى.
والأصح هو الثاني، كذا صححه النووي من "زوائده" وابن الرفعة في "الكفاية" وهو المتجه.
قال -رحمه الله-: النظر الثاني في أحكام الكتابة وهي خمسة: أحدها فيما يحصل به العتق.
قوله: وأما الفاسدة فالأصح بطلانها بجنون السيد وإغمائه، وبالحجر عليه دون جنون العبد وإغمائه، لأن العبد لا يتمكن من فسخ الكتابة ورفعها صحيحة كانت أو فاسدة وإنما يعجز نفسه، ثم السيد يفسخ إن شاء، فإن قلنا أنها لا تبطل فلو أفاق فأدى المسمى عتق وثبت التراجع.
وبمثله أجابوا فيما إذا أخذ السيد في جنونه وقالو ينصب الحاكم من يرجع له، وينبغي أن يقال لا يعتق هاهنا، انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما جزم به، واقتضى كلام الاتفاق عليه، من كون العبد لا يتمكن من فسخ الكتابة غريب.
فقد ذكر بعد هذا في أثناء الحكم الثاني أن أظهر الوجهين، أنه يجوز له يفسخ كالمرتهن وعلل مقابله بأنه لا ضرر عليه في بقاء الكتابة، والصواب
الجزء: 9 - الصفحة: 488
المفتى عليه ما ذكره هناك وهو الجواز، فقد نص عليه الشافعي في "الأم"، فقال في باب الكتابة على البيع تعليلًا لمسألة ما نصه: لأن الكتابة لا تلزم العبد لزوم الدين الكتابة متى شاء العبد تركها.
وذكر بعده بنحو أربعة أوراق ما هو أصرح منه، فقال في باب الخيار في الكتابة ما نصه: ولو كاتب الرجل عبده على أن للسيد أن يفسخ الكتابة متى شاء ما لم يؤد العبد كانت الكتابة فاسدة، ولو شرط السيد للعبد أن بيد هذا العبد فسخ الكتابة متى شاء كانت الكتابة جائزة، لأن ذلك بيد العبد، وإن لم يشترطه العبد.
انتهى لفظ الشافعي بحروفه، ومن "الأم" نقلته.
وصرح به أيضًا في باب ميراث المكاتب، فقال من جملة كلام ما نصه: فمتى شاء المكاتب أبطل الكتابة.
الأمر الثاني: أن قول الرافعي وإنما يعجز نفسه ثم السيد يفسخ إن شاء صريح في أن الكتابة لا تبطل بتعجيز العبد نفسه، وهو خلاف نص الشافعي، فإنه قد قال في "الأم" في باب جماع أحكام المكاتب استدلالًا على بطلان الكتابة بالموت ما نصه: وإذا كان المكاتب، إذا قال في حياته قد عجزت فطلب الكتابة، لأنه اختار تركها كان إذا مات أولى أن تبطل، وذكر مثله في أواخر باب ميراث المكاتب، فقال ما نصه: وكذلك لو كان عبدان أو عبيد في كتابة واحدة فعجز أحدهم نفسه، أو رضي بترك الكتابة خرج منها.
هذا لفظه.
وقد حذف النووي من "الروضة" ما ذكره الرافعي هاهنا لكونه دليلًا على مسألة، فاتفق أن سلم من هذين الاستدراكين، ثم إن الرافعي قد ذكر بعد هذا في آخر المسألة الثالثة من الحكم الثاني ما يوافق المذكور هنا أيضًا وتابعه عليه في "الروضة" لكنه ذكر ما يخالفه في الحكم الثاني، في الكلام على تبرعات المكاتب مع السيد، فإنه صحح تخريجها على القولين
الجزء: 9 - الصفحة: 489
في الأجنبي مع الإذن وحكى طريقة قاطعة بالصحة، وعللها بقوله لأن للمكاتب أن يعجز نفسه، فيحمل جميع ما في يده لسيده.
وإذا تمكن من جعل الجميع للسيد، لم يبعد أن يجعل بعضه له بالهبة.
هذا لفظه.
وتبعه عليه في "الروضة".
الثالث: أن النووي في "الروضة" قد عبر عن قول الرافعي ينصب الحاكم بقوله ينصب السيد، كذا رأيته بخطه، وهو ذهول فاعلمه.
قوله: الثالثة إذا كاتب الشريكان معا ثم أعتق أحدهما نصيبه سرى إلى نصيب شريكه على المشهور وفي وقتها قولان:
أحدهما في الحال.
وأظهرهما لا بل يوقف إلى الأداء والعجز ثم قال وعن أبي الطيب ابن سلمة القطع بالقول الثاني.
انتهى.
أسقط النووي هذه الطريقة.
قوله: إذا كاتب عبدًا ومات عن اثنين فأعتق أحدهما نصيبه أو أبواه عن نصيبه من النجوم عتق نصيبه, هذا هو المشهور الذي أطلقه عامة الأصحاب.
وقال صاحب "التهذيب": قضية سياق المختصر حصول قولين في عتق نصيبه:
أحدهما: العتق، وأصحهما المنع.
بل يوقف، فإذا أدى نصيب الآخر عتق كله.
انتهى كلامه.
وذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وحاصله تصحيح العتق في نصيبه وقد خالف ذلك في "المحرر" فقال في آخر الباب فإن أعتق نصيبه
الجزء: 9 - الصفحة: 490
فالأصح أنه لا يعتق بل يوقف، هذا لفظه وهو غريب وكأنه والله أعلم حالة تصنيف "المحرر" نظر آخر كلام "الشرح" دون أوله.
وقد استدرك في "المنهاج" عليه، وصحح حصول العتق.
قوله: في المسألة: فإذا قلنا يعتق فكان موسرًا فهل يسري العتق إلى نصيب الشريك فيه قولان:
أحدهما: نعم كما لو كاتباه ثم أعتقه أحدهما وأصحهما لا لأن الكتابة الفاسدة تقتضي حصول العتق بها.
والميت لا يقوم عليه، والابن كالنائب عنه وبُني القولان على أن المكاتب، هل يورث أم لا؟ قلنا نعم سرى، وإن قلنا لا فالعتق بحكم كتابة الابن.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي قد وافقه في "الروضة" على تصحيح عدم السراية، ثم خالفه في "تصحيح التنبيه"، فإن صاحب "التنبيه" قد حكى في ما إذا [أبرأ] 10 أحد الشريكين، أو أحد الوارثين قولين من غير ترجيح، فجمعهما النووي وصحح فيهما أنه يسري.
فأما تصحيحه السراية في إبراء أحد الشريكين فمسلم، وأما في أحد الوارثين فمخالف، والصواب ما قاله في "الروضة" وهو الذي صححه الرافعي أيضًا.
ولا ذكر للمسألة في "المحرر" ولا في مختصره.
الأمر الثاني: أن النووي قد أسقط الخلاف في أن المكاتب هل يورث أم لا؟ وقد ذهب بعض الأصحاب كما حكاه ابن الصباغ في كتاب الأيمان إلى
الجزء: 9 - الصفحة: 491
أن المكاتب ملك نفسه بالعقد، وإنما لم يعتق لضعف الملك وهذا الخلاف هو الخلاف في الإرث وعدمه فإن القائل بخروجه عن ملك السيد يقول: لا يورث، وهذه المقالة مباينة، لما قاله القاضي الحسين والبغوي؛ من أن المكاتب لم يملك أكسابه ولا منفعته وإنما سلط بالكتابة على جمعها وإعطائها للسيد.
قوله: أيضًا في المسألة فإن قلنا بالسراية فهل ثبت في الحال أو عند العجز؟ فيه قولان كما ذكرنا في إعتاق أحد الشريكين.
والأظهر الثاني، ثم قال وهاهنا طريقتان أخريان إحداهما القطع بثبوت السراية في الحال.
والثانية القطع بتأخرها إلى العجز، لأن أحد الوارثين ليس بمعتق حقيقة، وأحد الشريكين معتق.
انتهى كلامه.
أسقط في "الروضة" هاتين الطريقتين، وسببه أنهما وقعتا في الكلام على ألفاظ الوجيز.
قوله: ولو تلف عند السيد ما قبضه ثم عرف أنه كان معيبًا، فقد قدم الإمام عليه أنه [إن أنفق] 11 ذلك في عين [فإن رضي] 12 كفى، ولا حاجة إلى إنشاء إبراء وإن طلب الأرش [تقرر, وإن لم يسقط إلا بإسقاطه وأما النجوم فإن رضي بالعتق فاقد وإن طلب الأرش] 13 تبين إن لم يحصل، فإذا أداه حصل وإن عجز فللسيد إرفاقه.
ويجيء الوجه الآخر وهو أنه يرتفع العقد بعد حصوله.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 492
فأما تعبيره أولًا بقوله في عين فمراده شراء الأعيان، وهو المعقود له كتاب البيع.
وأما تعبيره في آخر كلامه بقوله يرتفع العقد فتبعه عليه في "الروضة" وهو سهو بل صوابه العتق كما ذكره في "الشرح الصغير".
قوله: وأما الأرش ففيه وجهان:
أحدهما: ما ينتقص من قيمة رقبة العبد بحسب نقصان العيب من قيمة النجوم على ما هو قياس المعاوضات، وهو ما أورده أبو الفرج السرخسي.
والثاني: ما ينتقص من النجوم المقبوضة بسبب العيب، ووجهه أن المقبوض عن الملتزم في الذمة ليس ركنًا في العقد، وكذلك لا يزيد العقد برده، ولا يسترد في مقابلة نقصانه جزءًا من العوض.
كما لا يسترد المعوض إذا كان نافيا فيرد بالعيب، وهذا ما نقل القاضي الروياني رجحانه، وأجرى الوجهين في كل عقد ورد على موصوف في الذمة.
قال الإمام: وأمثل منهما أن يقال يغرم للسيد ما قبض، ويطالب بالمسمى بالصفات المشروطة.
انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا، والصحيح هو الوجه الثاني، فقد رجحه الرافعي في "الشرح الصغير"، فقال: إنه حسن الوجهين، ونص عليه أيضًا الشافعي في "الأم" في باب استحقاق الكتابة يعني النجوم.
الجزء: 9 - الصفحة: 493
الحكم الثاني: في الأداء والإتيان
قوله: في "الروضة" وأما المستحب في الإتيان فقدر الربع، وقيل الثلث، وإلا فالسبع.
انتهى.
السبع بسين ثم باء صرح به الرافعي في أثناء الاستدلال.
قوله: الثالثة إذا أتى المكاتب بالنجوم فقال السيد هذا حرام أو مغصوب نظر إن أقام على ما يقوله بينة لم يجبر على قبوله، ثم قال ما نصه: وإن لم يقم بينة على ما يقوله فالقول قول المكاتب بأنه لدفع يمينه لظاهر اليد، فإن نكل حلف السيد، وكان كما لو أقام البينة.
وعن ابن أبي هريرة وجه حكاه القاضي ابن كج أن المكاتب لا يحتاج إلى البينة، والمشهور الأول.
انتهى كلامه.
واعلم أن المكاتب في حكاية الوجه لا يمكن أن يكون بفتح التاء لأنه لا قائل باشتراط البينة حتى يحكي وجهًا يعدمه بل إنها يصح بالكسر.
وقد صرح به في "الروضة"، فقال: وفي وجه لا يحتاج السيد إلى بينة.
هذا لفظه.
إذا علمت ذلك فكيف يستقيم تصديق السيد في هذه الدعوى من غير بينة مع ما يكذب دعواه وهو اليد، وما يترتب عليه من إضرار المكاتب ضرر الإعانة له، لأنه لا يؤمن إذا بقى له درهم مثلًا أن يدعي ذلك في كل درهم يحضره له.
وبالجملة فهذا الوجه وقع في نسخ الرافعي في حكايته تحريف حيث عبر بقوله بالبينة، وإنما هو باليمين وقد أتى به على الصواب في "الشرح الصغير"، فقال: وإن لم يكن له أي للسيد بينة فيصدق المكاتب بيمينه
الجزء: 9 - الصفحة: 494
لظاهر اليد، وقيل: لا يحتاج إلى اليمين، والظاهر الأول هذا لفظه، وهو حسن صحيح.
وحينئذ فيكون المكاتب في عبارة الرافعي إنما هو بفتح التاء، كما هو المصطلح عليه في التعبير بهذا اللفظ عن العبد، وفي الآخر بالسيد، والحاصل أن الشيخ محيى الدين اجتهد في اختصار هذا المرضع فأخطأ إلا أنه معذور.
قوله: وإن عجل قبل المحل على أن يبرئه عن الباقي فأخذه وأبرأه، لم يصح القبض ولا الإبراء ولو قال السيد أبرأتك عن كذا شرط أن تعجل لي الباقي، أو إذا عجلت لي كذا فقد أبرأتك عن الباقي فعجل لم يصح القبض والإبراء أيضًا.
هذا ظاهر المذهب، وأشار المزني إلى تردد قول في صحتها، ولم يسلم له جمهور الأصحاب اختلاف القول في المسألة.
انتهى ملخصًا.
واعلم أن ما ذكره هاهنا فرد من أفراد قاعدة، وهي أنه إذا شرط عليه في شيء من العقود أمر لا يلزمه فأقدم على القيام به فهل يصح أم لا؟ وهذه القاعدة قد إختلف فيها كلامه وكذلك كلام "الروضة" اختلافًا عجيبًا، وقد تقدم ذكر ذلك واضحًا في كتاب البيع.
قوله: وإن كان له مال غائب فقد أطلق الإمام وصاحب الكتاب للسيد الفسخ، وليحمل على تفصيل ذكره ابن الصباغ وصاحب "المهذب" وغيرهما، وهو أنه إن كان على مسافة القصر لم يلزمه التأخير إلى أن يحضر لطول المدة، وإن كان على ما دون مسافة القصر لزمه التأخير إلى أن يحضر.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد نص عليها الشافعي في "الأم" في باب عجز المكاتب، فأجاب كما أجاب الإمام ومن تبعه، فقال ما نصه: فإن قال لي شيء
الجزء: 9 - الصفحة: 495
غائب أحضره، لم يكن للسلطان أن ينظره إلى قدوم الغائب، لأنه قد ينظره فيفوت العبد بنفسه، ولا يؤدي إليه ماله هذا لفظه، وتعليله بالفوات يدل على أنه لا فرق بين المسافتين.
واقتصار الرافعي على النقل عن هذه الطبقة المتأخرة دليل على أنه لم يظفر فيها شيء للمتقدمين فضلًا عن إمام المذهب.
قوله: وإذا حل النجم والمكاتب غائب أو غاب بعد طوله بغير إذن السيد فله الفسخ إن شاء بنفسه، وإن شاء بالحاكم، فإن رفع إلى الحاكم فلابد أن يثبت عنده حلول النجم وتعذر التحصيل، ويحلفه الحاكم مع ذلك لأنه قضاء على الغائب.
قال الصيدلاني: يحلفه أنه ما قبض منه النجوم ولا من وكيله، ولا يعلم له مالًا حاضرًا ثم قال عقبه ما نصه: ولو كان مال المكاتب الغائب حاضرًا، لم يرد الحاكم النجوم منه ويمكن السيد من الفسخ، لأنه ربما عجز نفسه ولا يؤدي المال لو كان أي المكاتب حاضرًا.
انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه من عدم الأداء من المال الحاضر مع قوله قبل ذلك أنه يحلفه على أنه لا يعرف له مالًا حاضرًا قد تابعه عليه في "الروضة" ومما لا يجتمعان فتأمله.
قوله: الرابع إذا جن العبد وحاول السيد الفسخ، فلابد وأن يأتي الحاكم فيثبت عنده الكتابة وحلول النجم، ويبدي المطالبة ويحلفه الحاكم على بقاء الاستحقاق، ثم يبحث فإن وجد للمكاتب مالًا أداه عن الواجب عليه، ويخالف ما إذا كان المكاتب غائبًا وله مال حاضر حيث قلنا: لا يؤديه عنه، وفرق بينهما بأن الغائب من أهل النظر فربما امتنع وعجز نفسه، وربما فسخ الكتابة في غيبته.
انتهى.
فيه أمران:
الجزء: 9 - الصفحة: 496
أحدهما: أنه لابد من الحلف من نفي القدرة على عدم التحصيل، والغريب أن الرافعي قد ذكره قبل ذلك في الغائب.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من عدم أداء القاضي عن الغائب، قد ذكر أيضًا مثله قبيل هذا بقليل، وخالف ذلك في الركن الثالث في الكلام على ما إذا سبي المكاتب، وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
قوله: وإذا ظهر له أى للمجنون بعد التعجيز مال، وحكمنا ببطلان التعجيز فكان السيد جاهلًا بحال المال فعلى المكاتب رد ما أنفق السيد عليه لأنه لم يتبرع، وإنما أنفق على أنه عبده، ولو أقام المكاتب بعدما أفاق بينة على أنه كان قد أدى النجوم حكم بعتقه، ولا رجوع للسيد عليه لأنه لبّس وأنفق على علم بحريته فيجعل متبرعًا، فلو قال نسيت الأداء، فهل يقبل ليرجع فيه وجهان.
انتهى كلامه.
وقد أسقط النووي المسألة الثانية وهي مسألة إقامة البينة على الأداء مع مسألة الوجهين المتفرعة عليها أيضًا، وسببه وقوع غلط في كثير من نسخ الرافعي هنا وكأن بعض تلك النسخ السقيمة وقعت له والصحيح من هذين الوجهين هو عدم الرجوع أيضًا.
قوله: وعن نصه - رضي الله عنه - في "الأم" أنه لو قال بعد التعجيز قد قررتك على الكتابة، لم يكن عليها حتى يجدد له كتابة، وقد مر في القراض ما يقتضي إثبات خلاف فيه.
انتهى.
اعترض عليه في "الروضة"، فقال: ليس هذا كالقراض، فإن معظم الاعتماد هنا في العتق على التعليق، وهذا اللفظ لا يصلح له.
قوله: ولو تطوع رجل بأداء بمال الكتابة فهل يجبر السيد على القبول أو يمكن من الفسخ.
حكى ابن كج فيه وجهين، والذي أورده الإمام منهما أنه لا يجبر.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 497
والصحيح في أداء دين الغير بغير إذنه أن القبول لا يجب، كذا جزم به الرافعي في باب الفلس في الكلام على الفسخ، وفي الباب الثالث من كتاب النفقات في الكلام على الإعسار بالنفقة، والذي تكلم فيه الرافعي هنا، وهو الأداء عن المكاتب بخصوصه تفريع على الإجبار في غيره من الديون، ووجه التفريق النظر في الكتابة إلى معنى التعليق.
قوله: في المسألة ولو قبل ففي وقوعه عن المكاتب إذا كان بغير إذنه وجهان عن رواية صاحب "التقريب" القياس القبول.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد جعل محل الوجهين في ما إذا كان بإذن المكاتب على عكس ما في الرافعي.
الثاني: أن تعبير الرافعي في آخر كلامه بالقبول سهو، وصوابه الوقوع وهو تعبير الإمام أيضًا وقد تفطن له في "الروضة" فأصلحه به، وتعليل الوقوع القياس على سائر المعاوضات، وتعليل الآخر النظر إلى التعليق.
وفائدة الوجهين براءة ذمة المكاتب وعتقه.
قوله: فرع إذا قهر السيد المكاتب واستعمله مدة فعليه أجرة مثله، ثم إذا جاء المحل فهل عليه إمهاله مثلا تلك المدة أو له الفسخ قولان: أصحهما الثاني، ثم قال ولو حبسه غير السيد، فقد حكى الإمام عن العراقيين إجراء الخلاف فيه.
وفيه طريقان سبقا في أسر المكاتب.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أن الإمام نقل عن العراقيين أن القولين يطردان أيضًا في غير السيد، وبه صرح في "الروضة" فقال: فالمذهب أنه لا إمهال وأجراه العراقيون على قولين، وهنا النقل ليس مطابقًا لكلام العراقيين، ولا لنقل
الجزء: 9 - الصفحة: 498
الإمام عنهم، فإن الذي نقله عنهم أنا إن قلنا في حبس السيد لا مهل فهنا أولى وإلا فوجهان، وصحح ابن الرفعة في الأجنبي طريقة القولين.
قوله: ولو كان على المكاتب ديون أخرى للسيد فدفع المكاتب ما في يده للسيد، ولم يتعرضا للجهة ثم قال المكاتب قصدت النجوم وأنكر السيد أو قال صدقت، ولكن قصدت أنا الدين لا النجوم قال القفال: يصدق المكاتب، وقال الصيدلاني يصدق السيد لأن الاختيار هنا إليه بخلاف سائر الديون.
انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" من "زوائده" هو قولة القفال، وهو مشكل بل القياس تصديق السيد، لأن التعيين في الابتداء إليه، فالقياس أنا نراعي من له التعيين ابتداء.
قوله: في "الروضة" وللمكاتب تعجيل النجوم قبل المحل ولا يجوز تعجيل الديون المؤجلة بغير إذن سيده، وفي جوازه بإذنه الخلاف في تبرعاته وفي معناه ما إذا عجل للسيد سائر الديون، ومنهم من طرد الخلاف في تعجيل النجوم ذكره الروياني.
انتهى.
وعبارته في النقل عن الروياني تقتضي أنه ناقل لوجه، وعبارة الرافعي مدلولها أنه قائل به وجازم فإنه قال ومنهم من أجرى الخلاف في تعجيل النجوم وكذلك أورده الروياني، وقال: هو بمنزلة الهبة بإذنه وفيه قولان.
قوله: في "الروضة" فإن عجز المكاتب نفسه سقطت النجوم وفي دين معاملة السيد وجهان أصحهما أنه يسقط من معاملة وأرش فإن لم يف بالنوعين، فهل تقدم المعاملة أم الأرش أم يسوي بينهما؟
أوجه: أصحها عند الشيخ أبي محمد والغزالي وغيرهما الثالث.
انتهى كلامه.
لم يصحح الرافعي هنا ولا في "الشرح الصغير" شيئًا من الوجهين
الجزء: 9 - الصفحة: 499
الأولين، بل قال الذي أورده الإمام منهما أنه يسقط هذا لفظه.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في مواضع واضطرب فيها كلامه، وقد سبق إيضاح ذلك بحمد الله تعالى، في الباب الثالث من أبواب الرهن.
وأما الخلاف الثاني فمقتضى كلام الرافعي أنه يرجح تقديم المعاملة، لأنه رجحه قبل ذلك بقليل في القسمة عند الحجر ثم قال هنا: إن مقتضى ترجيحه هناك ترجيحه هنا أيضًا.
قال وقد رجحه الإمام.
قوله: وإذا كاتبا عبدًا فدفع إلى أحدهما حصته من مال المكاتبة برضى الآخر ففي صحة القبض قولان أصحهما على ما قاله الروياني في "الحلية" [لا يصح لأن حقه ثابت في ذمة المكاتب وما في يده ملكه فلا أثر للإذن فيه انتهى] 14 وما رجحه الروياني في "الحلية" قد صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة"، لكن صحح الماوردي والروياني في "البحر" أنه يصح.
قوله: في "الروضة" في المسألة المذكورة فإن قلنا يصح القبض، وكان القابض موسرًا قوم عليه نصيب الشريك، وهل يقوم في الحال أم عند العجز عن نصيب الآخر؟ فيه القولان السابقان، فيما إذا أعتق أحدهما نصيبه ثم قال عقب ما قلناه ما نصه: فإن قلنا يقوم في الحال فجميع ما في يد المكاتب [يكون] 15 للشريك الآذن وما كسبه بعد ذلك يكون بين المكاتب والشريك الآذن لأن كسبه بنصفيه الحر والمكاتب انتهى.
وما ذكره تفريعًا على الضعيف وهو العتق في الحال، وأهمل التفريع على الصحيح وهو أنه لا يسري عليه إلا بعد العجز وانفساخ الكتابة.
الجزء: 9 - الصفحة: 500
وإذا علمت ذلك، فالذي ذكره النووي هنا غلط وقع كذلك في أكثر نسخ الرافعي وأما قوله فإن قلنا بالتقويم في الحال فجميع ما في يد العبد يكون للشريك الآذن فهذا غير صحيح، بل له النصف خاصة بلا شك لأنه لا يملك إلا النصف، وقد انفسخت الكتابة فيه لما حكمناه بالسراية على شريكه كما تقدم إيضاحه في أوائل الباب الثاني، المعقود لأحكام الكتابة.
وأما النصف الآخر فيعتق عن الكتابة فيفوز المكاتب بنصف [أكسابه لأجل ذلك.
ولو قيل بانفساخ الكتابة في النصف الآخر أيضًا] 16 لكان النصف الآخر من الأكساب يرجع إلى السيد المأذون له لا إلى الآذن.
وقد صرح صاحب "البحر" بما ذكرناه.
[وأما قوله] 17: وما اكتسبه بعد [ذلك يكون بين المكاتب والشريك الآذن فغلط أيضًا لأنه ليس بعد] 18 العتق في الحال إلا الحرية الكاملة، وما اكتسبه العبد بعد حريته الكاملة يكون له بلا شك.
وقد وقع في بعض نسخ الرافعي ذكر التفريع على القولين.
قوله: السادسة إذا كاتب عبيدًا وشرط أن يتكفل بعضهم عن بعض بالنجوم، فسدت الكتابة لأنه شرط فاسد، فإن ضمان النجوم غير صحيح.
انتهى كلامه.
وهذا التعليل يقتضي أن مثل هذا الشرط لو وقع فيما يصح ضمانه، كالبيع ونحوه كان صحيحًا وليس كذلك، فإن اشتراط كفالة غيره له صحيح، وأما كفالته لغيره فلا لأنه شرط لا يقتضيه العبد.
قوله: في "الروضة": ولو أدى بعض المكاتبين قبل العتق عن بعض،
الجزء: 9 - الصفحة: 501
فإن لم يعلم السيد أنه يؤدي عن غيره، فهو تبرع بغير إذن السيد، ثم قال: وإن علم الحال فهو كالتصريح بالإذن على الأصح.
انتهى.
واعلم أن في تبرع المكاتب على السيد ثلاث طرق أصحها: أنه على الخلاف في التبرع بإذنه.
والثاني: لا يصح قطعًا، وإنما يكون كالتبرع بالإذن إذا وجد التصريح بالإذن، وهذه الطريقة نقلها الرافعي هنا عن اختيار البغوي.
والثالث: القطع بالصحة، ذكرها الرافعي في الكلام على التبرعات، وصرح أيضًا في "الروضة" بها هناك.
إذا علمت ذلك فكلام "الروضة" هنا لا يعلم منه هل مقابل الصحيح القطع بالصحة أو بالبطلان، لاسيما أنه لم يصرح بالمقاطعة بالبطلان، بل بالصحة كما أوضحته لك.
قوله: في المسألة: فإن صححنا الأداء رجع على المكاتب إن أدى بإذنه فإنه كان قد عتق فذاك، وإلا فيأخذه مما في يده، ويقدم على النجوم لأنه لا بدل له.
انتهى.
وما ذكره من تقديم هذا الدين.
قد تابعه عليه في "الروضة" وإطلاقه عجيب فقد تقدم قبل هذا بنحو ثلاث أوراق أن المكاتب له أن يقدم ما شاء من الديون، وأنه إنما يجب الترتيب المذكور، إذا حجر عليه الحاكم فاعلمه.
قوله: أيضًا فيها فإن لم يصح الأداء فلا رجوع للمؤدي على المؤدي عنه، ولكنه يسترد من السيد ما دفعه إليه، والسيد يطالب المؤدى عنه بما عليه، فإن حل نجم على المؤدي وقع في التقاضى فإن لم يسترد من السيد حتى أدى النجوم وعتق فالنص أنه لا يسترد حينئذ، ونص فيما إذا جنى السيد على مكاتبه فعفي عن الأرش الثابت له على السيد، وأبطلنا العفو بناء على رد
الجزء: 9 - الصفحة: 502
تبرعاته ثم عتق، أن له أخذ الأرش فقال الأصحاب: فيها قولان:
أحدها: أنه لا يأخذ شيئًا لزوال المانع.
والثاني: يأخذ لأن أداءه وعفوه لم يصح وبنى الخلاف على القولين في تصرفات المفلس هل يبطلها أو يوقفها.
انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن أقوال التقاضى إنما تأتي على تقدير تلف المال عند السيد، لأن شرطها أن يكونا دينين، وكلام المصنف لا يقتضيه لاسيما تعبيره بالاسترداد.
الأمر الثاني: أن النووي قد أسقط المسألة مع كلام آخر قبلها من "الروضة" [وذلك لغلط وقع هنا في كثير من النسخ.
الثالث: أن هذا البناء يؤخذ من تصحيح القول الثاني.
وقد أسقطه من "الروضة"] 19 وإسقاطه غريب.
قوله: والإقراض بإذن السيد جائز بلا خلاف.
انتهى.
تبعه في "الروضة" على نفي الخلاف عنه، وليس كذلك فقد جزما بعد هذا في الحكم الثالث في الفصل المعقود للتبرعات بأن فيه القولين في سائر التبرعات.
[قوله: وإذا تحالفا] 20 فتنفسخ الكتابة أو يفسخها الحاكم إن لم يتراضيا على شيء؟ فيه ما سبق في البيع والظاهر الثاني.
واعلم أن الصحيح على ما سبق من كلامه في البيع وجه ثالث وهو أنه يفسخ أحد المتعاقدين أو الحاكم.
الجزء: 9 - الصفحة: 503
قوله: ولو قال السيد كاتبتك على نجم واحد فقال بل على نجمين فقال البغوي: صدق السيد بيمينه، لأنه يدعي فساد العقد.
انتهى.
واعلم أن البغوي يرى أن القول في العقود قول مدعي فسادها، كما صرح به الرافعي في غير هذا الموضع.
واقتضاه نقله هاهنا، ورأيته أيضًا في "فتاويه" في كتاب النكاح فلأجل ذلك أجاب به في هذه المسألة والصحيح تصديق مدعي الصحة، فيكون هنا كذلك أيضًا.
وقد أشار في "الروضة" إلى هذا التخريج.
قوله: الرابعة إذا كاتب عبدين في صفقتين أو في صفقة وجوزناها، ثم أقر أنه استوفى نجوم أحدهما أو أبرأه، ولم يتذكره قال الروياني حلف لهما إذا ادعياه، وحينئذ فقيل يبقيان على الكتابة، ولا يعتق واحد منهما إلا بأداء النجوم وقيل تتحول الدعوى إلى المكاتبين فإن حلفا على الأداء أو نكلا بقيا على الكتابة.
وإن حلف أحدهما ونكل الآخر حكم بعتق الحالف، وبقي الناكل على الكتابة.
انتهى.
والصحيح هو الوجه الأول، فقد نص عليه الشافعي في "الأم".
قوله في "الروضة": فإن قال الوارث لا أعلم من أدى منكما، وحلف لكل منهما على نفي العلم ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يستوفى من كل واحد منهما ما عليه كدين غير الكتابة.
والثاني: يقرع بينهما، وهو الأصح.
ولو ادعى أحد المكاتبين على الوارث الأداء أو الإبراء، فأنكر حصل بإنكاره الإقرار للأخر قاله الصيدلاني.
انتهى.
لم يصحح الرافعي في "الشرحين" شيئًا من الوجهين، وإنما نقله فيهما
الجزء: 9 - الصفحة: 504
عن تصحيح الروياني قال في "الروضة"، وما قاله الصيدلاني محله ما إذا قال في إنكاره لست المؤدي.
أما إذا قال لا أعلم ونحوه، فليس مقرًا للآخر بلا شك.
والذي قاله واضح.
قوله: في "الروضة" ولو كاتبه على ألف درهم ووضع عنده من الدراهم ما يقابل عشرة دنانير، وهو مجهول عندهما ففي صحته وجهان، بناء على الخلاف في ما لو أوصى بالزيادة على الثلث، وأجاز الوارث وهو جاهل بالزيادة.
ففي وجه لا يصح ويحمل على أقل ما يتيقن.
انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه غلط سببه نقص من بعض النسخ السقيمة، وصوابه ففي وجه لا يصح وفي وجه يصح ويحمل على [أقل] 21 ما يتيقن.
الجزء: 9 - الصفحة: 505
الحكم الثالث: في تصرفات السيد في المكاتب وفي تصرفات المكاتب
قوله: والجديد أنه لا يجوز بيع رقبة المكاتب، وأجابوا عن قضية بريرة بأنها عجزت نفسها ثم اشترتها.
انتهى.
وامتناع البيع محله إذا لم يرض المكاتب بالبيع فإن رضي جاز وكان رضاه فسخًا.
كذا نقله البيهقي في كتاب البيع من "السنن الكبير"، عن نص الشافعي وذكرها أيضًا القاضي الحسين في تعليقه، وهي مسألة حسنة.
قوله: أما الوصية بالمكاتب فهي جائزة على القول القديم الذي يجوز فيه البيع إلى آخر المسألة.
وهذه المسألة قد وقع فيها اضطراب عجيب سبق التنبيه عليه، وعلى ما عليه الفتوى واضحًا مفصلًا في كتاب الوصية فراجعه.
قوله: ولا يجوز للسيد أن يبيع نجوم الكتابة على المذهب، لأنه بيع للدين من غير من عليه ولا أن يستبدل بها في أظهر الوجهين.
انتهى.
وما ذكره من امتناع بيع الدين، فقد اختلف فيه كلامه وقد تقدم مبسوطًا في كتاب البيع، وأما منعه للاستدلال فقد خالفه في الباب الثاني من كتاب الشفعة، وقد تقدم ذكر لفظه هناك.
والصواب جوازه، فقد نص عليه الشافعي في "الأم" في باب [قطاعة] المكاتب.
فقال ما نصه: ولو حلت نجومه كلها وهي دنانير"، فأراد أن يأخذ بها منه دراهم أو عرضًا يتراضيان ويقبضه السيد قبل أن يتفرقا، كان جائزًا،
الجزء: 9 - الصفحة: 506
كما لو كانت له على رجل حُر دنانير حالة فأخذ بها منه عرضًا هذا لفظ الشافعي بحروفه ومن "الأم" نقلته.
ورأيت أيضًا في "البويطي" ما يدل عليه فإنه قال: ولو كاتب رجل عبده بعشرة دنانير وللعبد على السيد مائة درهم فأراد أن يسقط بعضه عن بعض لم يجز لأنه دين بدين.
ولأن حديث ابن عمر إنما كان أحدهما دينًا والآخر نقدًا.
انتهى.
فتعليله المنع بكونه دينًا بدين يدل على الجواز فيما عداه، ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "الروضة" على [كيفية هي أشد مما وقع هنا فإنه عبر في الكتابة بالصحيح فاقتضى] 22 أن الجواز وجه ضعيف.
قوله: وإذا ثبت لكل [واحد] 23 منهما على صاحبه دين فإن كانا نقدين واتفقا في الحلول وسائر الصفات ففيه أقوال:
أحدها: لا تقاض وإن رضيا به لأنه بيع دين بدين.
والثانى: يجوز برضى أحدهما.
والثالث: برضاهما.
والرابع: وهو المشهور كما قاله أبو الفرج الزاز أنه يحصل بمجرد ثبوت الدين.
فلو تراضيا على جعل الحال قصاصًا بالمؤجل لم يجز كما في الحوالة، وحكى أبو الفرج فيهما وجهًا آخر.
انتهى كلامه.
وهذا الذي حكاه وجهًا واقتضى كلامه غرابته، وتابعه عليه في "الروضة" هو مذهب الشافعي، فقد نص عليه في "الأم" في باب الجناية على المكاتب بعد ورقة من أوله في الكلام على جناية السيد عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 507
ولأجل ذلك قال البندنيجي: إن الأصحاب في ذلك مخالفون منصوص الشافعي لا عن قصد ولكن لقلة نظرهم في كتبه.
قوله: ولو كانا مؤجلين بأجل واحد فقد قيل هو كما لو كانا حالين، وهذا أوجه عند الإمام لكنه تردد في مجيء القول الرابع وقال في "التهذيب": والصحيح أنهما كالمؤجلين بأجلين مختلفين.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وما ذكره الإمام من التوقف في مجيء الرابع وهو السقوط بمجرد الثبوت، وتابعه الرافعي والنووي عليه، واقتضى كلامهما عدم الوقوف عليه قد صرح به القاضي الحسين في تعليقه فقال: لا خلاف أنه لا يقع التقاضي بنفس التواجب ولكن لو تراضيا على ذلك يجوز هذا لفظه بحروفه، وحاصله أنهما يسقطان بالتراضي لا بالثبوت بلا خلاف ثم علله بعد ذلك بأسطر، فقال: لأنه ربما يموت أحدهما فيحل الحق عليه دون الآخر.
قوله: وإن لم يكونا نقدين فعن صاحب "التقريب" أنا إن جوزناه في النقدين ففي ذوات الأمثال وجهان، فإن جوزناه فيها ففي غيرها وجهان، والذي أورده العراقيون وغيرهم أن التقاضي لا يجري في غير النقدين.
انتهى.
والمثليات قد نص عليها الشافعي - رضي الله عنه - وحكم فيها في التقاضي.
واعلم أن كلام الرافعي والنووي يقتضي جريان الخلاف في العروض المسلم فيها، مع أنه ليس كذلك بلا خلاف لامتناع الاعتياض عنها، كذا صرح به القاضي الحسين والماوردي ونص عليه الشافعي.
قوله: وهل للموصي له بالنجوم إبراؤه [عنها] 24 أبدى ابن كج فيه
الجزء: 9 - الصفحة: 508
احتمالين ويرويان عن القاضي الحسين.
أحدهما: نعم لأنه يملك الاستيفاء فيملك الإبراء.
والثاني: لا لأنه ملكه استيفاء النجوم ولم يملكه تفويت الرقبة على الورثة انتهى.
لم يرجح في "الروضة" شيئًا منهما أيضًا والراجح الصحة، فقد جزم به ابن الصباغ وصححه القاضي الحسين في تعليقه وعبر بلفظ الأصح.
قوله: ولو قال ضعوا عنه أكثر ما عليه أو أكثر ما بقى عليه وضع [عنه نصف ما عليه وزيادة وتقدير الزيادة إلى اختيار] 25 الوارث، ثم قال عقب هذا الكلام ما نصه: وذكر الصيدلاني أنه إذا كانت الزيادة فوق الأقل المجزيء فما زاد على ما يجزئ ابتداء عطية من قبل الوارث لأن اللفظ يتناول القليل والكثير.
قال الإمام: وهذا عندي مأخوذ عليه بل هو تفضل منهما، ألا ترى أنهم لو اقتصروا على الأقل المجزئ لم يجز أن يقال أنهم نقصوا من الوصية.
انتهى كلامه.
وهو غلط وقع في النسخ فإن حاصله اتحاد مقالة الإمام والصيدلاني وقد ذكر الإمام المسألة على الصواب، فنقل عن الصيدلاني أن الزائد يكون وصية لا ابتداء عطية من الورثة، ثم إنه خالفه بعد ذلك، فإنه قال: فقال الصيدلاني: كل ما يضعونه محمول على الوصية، ولا يكون ذلك منهم ابتداء تبرع، فإن اسم الأكثر كما يمكن تنزيله على النصف، وأدنى زيادة فهو محتمل لما يزيد ولهم أن يحملوا اللفظ على محتملاته والذي ذكره مأخوذ عليه، بل ما يزيد على الأقل تفضل منهم إذ لو اقتصروا عليه لقيل
الجزء: 9 - الصفحة: 509
إنهم لم ينقصوا من الوصية شيئًا، وهذا الذي ذكرناه يجري في كل وصية لا يتقدر بمقدار، فظهر بذلك إسقاط وقع في النسخ وكأن الأصل فما زاد على ما يجري مجرى على الوصية، وليس ابتداء عطية إلى آخره.
فسقط ذلك [ولما التبس ذلك على الشيخ محيي الدين أسقط المسألة بالكلية] 26 ولو راجع "النهاية" لظهر له الأمر، وكان أسهل، ولم يتقدم للمسألة ذكر في كلامه في الوصية أيضًا.
قوله: ولو قال ضعوا عنه أكثر ما عليه أو أكثر ما بقي عليه ومثل نصفه يوضع عنه ثلاثة أرباع ما عليه وزيادة شيء ولو قال أكثر مما عليه أو ما عليه وأكثر وضع عنه الكل، ولغي ذكر الزيادة.
انتهى كلامه.
واعلم أن لفظة أكثر الواقعة في المسألة الأولى، لم يقع بعدها "من" التي هي حرف جر بخلاف الواقعة في المسألة الثانية.
إذا علمت ذلك فقد سقطت المسألة الأولى من "الروضة" وسببه سقط وقع في كثير من نسخ الرافعي من لفظ أكثر إلى أكثر فوقعت للنووي نسخة من تلك النسخ السقيمة فاختصر منها، وهذه المسألة التى أسقطها نص عليها الشافعي فقال: يوضع عنه أكثر من النصف بما شاؤوا أو مثل نصفه، ومقتضاه أن يحط عنه النصف وشيء ويضعهما جميعًا، كذا قاله الماوردي والروياني فإذا كانت ألف درهم فاختار الوارث أن تكون الزيادة مثلًا درهمًا فوضع عنه خمسمائة درهم، ثم يوضع نصف ذلك وهو مائتان وخمسون ونصف، فالجملة سبعمائة وخمسون درهما ونصف، وقال جماعة: إن الضمير في قول الشافعي ونصفه راجع إلى النصف خاصة فلا يزاد نصف الدرهم المذكور بل لو اقتصر على سبعمائة وخمسين مع زيادة شيء يسير
الجزء: 9 - الصفحة: 510
كفى وهو الذي جزم به الرافعي.
قوله: وإن قال ضعوا عنه أوسط النجوم فتساوت النجوم في القدر والأجل حملت على العدد، فإن كان العدد [وترًا كالثلاثة والخمسة فالأوسط واحد وإن كان] 27 شفعًا، فالأوسط اثنان، كالثاني والثالث من أربعة فيعين الوارث أحدهما هكذا أطلق ابن الصباغ وغيره.
ويجوز أن يقال الأوسط كلاهما، فيوضعان وهذا مقتضى ما في "التهذيب".
انتهى.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا وفيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره ابن الصباغ هو مذهب الشافعي - رضي الله عنه - فقد نص عليه في "الأم" في باب الوصية للمكاتب في الكلام على الوصية له بأوسط النجوم.
الأمر الثاني: أنه قد تقدم من كلامه في أول العتق ما يخالف المذكور هنا وتقدم التنبيه عليه هناك فراجعه.
قوله: في "الروضة" ولو قال كاتبوا أحد عبيدى أو إحدى إمائى ففي مكاتبة الخنثى الذي ظهر حاله طريقان:
المذهب: نعم.
والثاني: قولان لبعده عن الفهم، ولو قال أحد رقيقي جاز العبد والأمة، وكذا الخنثى على المشهور.
انتهى.
وما جزم به في المسألة الأخيرة من كون المسألة ذات قولين خلاف ما صححه الرافعي فإنه حكى طريقين:
إحداهما: قولان.
الجزء: 9 - الصفحة: 511
والثانية: القطع بالإجزاء وصححها.
إلا أن تعبير الرافعي فيه قلق وغموض فلذلك حصل في "الروضة" ما حصل، ثم إن إجزاء الخنثى في الوصية بالرقيق أظهر منه في الوصية بالعبد أو الأمة يتصور الجزم بإثبات الخلاف في الرقيق وتصحيح الطريقة الثانية له في مسألة العبد والأمة.
واعلم أن الرافعي في أوائل الباب الثاني في أحكام الوصية قد جزم في المسألتين جميعًا بوجهين على خلاف ما صححه هنا من القطع، وخلاف ما جزم به من كون الخلاف عند مثبته قولين، وتبعه عليه في "الروضة".
قوله: الثالثة لا يشتري أحد من أصوله وفروعه ليضمنه العتق، وفوات المال.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على هذا التعليل أيضًا، وهو غير صحيح، فإن القريب إذا دخل في ملكه بلا عوض كما لو ورثه أو اتهبه فإنه لا يعتق عليه بل يوقف عتقه على عتقه، فلم يصر بملكه مقتضيًا لعتقه، والصواب في تعليله ما نقله عن الإمام بعد هذا بأوراق في آخر الحكم الرابع فقال في الكلام على امتناع فدائه: والفداء كالشراء وليس له صرف المال الذي يملك التصرف فيه إلى عرض ولده الذي لا يملك التصرف فيه، فإنه بمثابة التبرع.
قوله: ولا يبيع بالنسيئة سواء باع بمثل قيمته أو أكثر، وسواء استوثق بالرهن أو الكفيل أو لا، لأن الكفيل قد يفلس والرهن قد يتلف، ويحكم الحاكم المرفوع إليه بسقوط الدين، ولو اشترى نسيئة بثمن النقد يجوز، ولا يرهن فإنه قد يتلف، ثم قال: وفرقوا بين المكاتب والولي حيث يبيع مال الطفل نسيئة ويرهن ويرتهن للحاجة أو المصلحة الظاهرة.
بأن المرعي هناك مصلحة الطفل، والولي منصوب لينظر له.
وهاهنا المطلوب العتق والمرعي مصلحة السيد والمكاتب غير منصوب
الجزء: 9 - الصفحة: 512
لينظر له، وقد ذكرنا في كتاب الرهن أن بعضهم سوى بينه وبين الولي في البيع نسيئة وفي الرهن والارتهان، لكن الذي أطبق عليه عامة الأصحاب، وأورده هنا المنع ويشبه أن يتوسط فيقال: إن دعت ضرورة إلى البيع والرهن كما في وقت النهب فله ذلك حفظًا للمال، وإن كان يرى فيه مصلحة، لم يكن منه، لأنه ليس ناظرًا للسيد.
انتهى ملخصًا.
وما ذكره هنا من منع الرهن والارتهان ومنع البيع بالنسيئة، قد خالفه في كتاب الرهن.
وصحح الجواز في المسألتين، وأن حكمه كحكم الولي، وتبعه في "الروضة" على الموضعين وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.
قوله: وإذا باع أو اشترى لم يسلم ما في يده حتى يتسلم العوض لأن رفع اليد عن المال بلا عوض نوع غرر.
انتهى.
وهذا الذي أطلقه، قيده ابن الرفعة بما إذا كان العوض في غير المجلس، وجزم فيما إذا كان في المجلس بالجواز ثمنًا كان أو مثمنًا، وعلله بقوله لأن ذلك يعسر ضبطه.
قوله: في "الروضة": والجمهور على أن في خلع المكاتبة بالإذن قولين أظهرهما الصحة.
انتهى.
وما ذكره هنا من تصحيح الصحة، قد خالفه في كتاب الخلع وقد سبق ذكر لفظه هناك وأن الصواب ما ذكره في هذا الموضع.
قوله: وإعتاق المكاتب بإذن السيد غير نافذ في أصح القولين، لأن المكاتب ليس أهلًا للولاء.
ونص الشافعي والأصحاب على أن الكتابة كالإعتاق، وللإمام في ذلك احتمالان من غير ترجيح.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 513
ذكر في "الشرح الصغير" ما حاصله الجواز.
فقال:
وفي الإعتاق طريقان:
أظهرهما: أنه على القولين.
والثاني: القطع بالمنع، هذا لفظه ولم يذكر غيره.
وقد صحح النووي أيضًا في "الروضة" و"المنهاج" أنه لا يجوز، وصحح في "تصحيح التنبيه" الجواز فإن الشيخ حكى قولين في مسائل كثيرة منها العتق والكتابة فصحح -أعني النووي- في كلها أنه يجوز، فقال ما نصه: وصحة تبرعات المكاتب بإذن.
قوله: فإن قلنا بنفوذ العتق، ففي قول ولاؤه للسيد والأظهر: أنه موقوف، فإن عتق كان الولاء له، وإن مات رقيقًا كان للسيد، وإن عجز ورق فحكى الإمام أنه يبقى التوقف لأنه يرتقب عتقه من وجوه أخر.
واعترض عليه بأن الكتابة قد انقطعت والعتق من وجه آخر لا يتعلق بما سبق والذي اعترض به هو الذي يوجد لعامة الأصحاب لا غير.
انتهى.
وما نقله عن الأصحاب لا غير قد تابعه عليه في "الروضة" وعبر بقوله قطع به الأصحاب، لكن الذي ذكره الإمام، قد أبداه القاضي الحسين في تعليقه احتمالًا.
قوله: [فلو مات] 28 المعتق قبل موت المكاتب وعوده إلى الرق فالميراث موقوف أيضًا، وفي قول: إنه للسيد، لأن الولاء قد يثبت الشخص ثم ينتقل عنه، فلا يبعد فيه التوقف بخلاف الميراث، وفي قول ثالث: إنه لبيت المال: كما إذا كاتب الذمي عبدًا ولحق بدار الحرب فاسترق وعتق مكاتبه ومات، صرف ماله لبيت المال.
انتهى.
الجزء: 9 - الصفحة: 514
وتعبيره في أول الكلام بقوله قبل موت المكاتب وعوده إلى الرق، قد ذكره أيضًا في "الروضة" وهو تحريف، وصوابه قبل عتق المكاتب، فإن ذلك بيان لما أخبر عنه قبل ذلك، بقوله: فإن عتق المكاتب كان الولاء له، وإن مات رقيقًا كان للسيد، فذكر هنا الحكم فيما إذا مات قبل الأمرين.
ولهذا عبر في "المهذب" بقوله قبل عجز المكاتب أو عتقه.
قوله: وإذا أذن السيد للمكاتب في وطء الجارية وتسريها، فقد بني ذلك على أن العبد هل يملك بالتمليك؟ إن قلنا لا، لم يحل له الوطء ولا التسري وهو الأصح.
وإن قلنا: نعم فقيل يحل، وقيل ينبني على الخلاف في تبرعاته بالإذن.
وعن ابن أبي هريرة طريقة قاطعة بالمنع لضعف الملك.
انتهى كلامه.
وحاصله تصحيح المنع، ولهذا عبر عنه في "الروضة" بقوله المذهب منعه، وذكر قبيل كتاب الصداق بأوراق قلائل ما يخالفه فقال في الكلام على تزويج العبد: إن فيه قولين مبنيين على الخلاف في تبرعاته.
انتهى.
وعبر في "الروضة" عنه بقوله فيه القولان في تبرعاته، وهو أظهر في المخالفة وذكرها أيضًا في "زوائده"، في آخر باب معاملات العبد، وعبر بمثل ما عبر في النكاح.
والصواب المنع، فقد نص عليه الشافعي فقال في البويطي في باب الكتابة ولا يتسري المملوك ولا المكاتب وإن أذن له سيده، وقال في "الأم" في أول باب تسري المكاتب ما نصه: قال الشافعي وليس للمكاتب أن يتسرى بإذن سيده ولا بغير إذن سيده.
وذكر أيضًا مثله في باب ما اكتسب المكاتب فقال: وليس للمكاتب أن
الجزء: 9 - الصفحة: 515
يتسرى وإن أذن له سيده.
انتهى ومن "البويطي" و"الأم" نقلت.
وليس المنع في التسري لكون الشافعي يمنع المحاباة، بل منع ذلك مع التصريح بجواز غيره من التبرعات كما صرح به في "الأم" في مواضع من باب بيع المكاتب وشرائه فاعلمه.
وما ذكره الرافعي هنا من البناء على أن العبد هل يملك أم لا؟ قد ذكره أيضًا في مواضع ومقتضاه الخلاف في أن المكاتب هل يملك؟ وقد صرح به غيره، وحذف النووي البناء المذكور.
قوله: ولو أذن له في التكفير بالإطعام أو بالكسوة ففيه قولان.
انتهى.
لم يصحح شيئًا في "الروضة" أيضًا والصحيح هو الجواز.
ممن صححه النووي في "تصحيح التنبيه" فإن الشيخ حكى فيه وفي غيره قولين من غير ترجيح، فعبر النووي بلفظ جامع للكل، وحكم عليه بالصحة، وصرح بتصحيحه أيضًا ابن الرفعة في "الكفاية"، وعبر بالأصح.
قوله: ولو أذن في التكفير بالإعتاق [وصححنا إعتاقه بالإذن وتوقفنا في الولاء فنتوقف في الإجزاء أيضًا فإن عجز بان أنه لم يجزئه وعليه أن يكفر بالصوم والظاهر أنه لا يجوز تكفيره بالإعتاق] 29، وعن القفال أنه إذا عتق بإذن السيد، وجعلنا الولاء للسيد فينبغي أن يجزئ عن كفارته إذا نوى.
انتهى كلامه.
واعلم أنه قد سبق في آخر الباب الثاني من كتاب الأيمان ما يخالف المذكور هنا فنقل ما حاصله، أنا إذا صححنا العتق بإذنه أجزأ التكفير مطلقًا، سواء قلنا الولاء له أو للسيد أو موقوف.
الجزء: 9 - الصفحة: 516
واعلم أن حاصل ما ذكره الرافعي في تكفير المكاتب بالإعتاق ثلاثة أقوال:
الأول: عدم الإجزاء مطلقًا وهو الصحيح.
والثاني: الإجزاء.
والثالث: الوقف، وقد اختصره في "الروضة" بعبارة لا يعلم منها الثالث، فقال: لم يجزئه على المذهب، هذا لفظه من غير زيادة.
قوله: ولو اشترى المكاتب بعض من يعتق على سيده أو اتهبه وقبل الوصية، ثم رق عتق ذلك الشقص على السيد، وهل يسرى إلى الباقي؟ إن كان موسرًا ينظر إن عجز المكاتب نفسه بغير اختيار عجزه السيد فوجهان لأن المقصود فسخ الكتابة والملك يحصل قهرًا.
انتهى.
لم يصحح في "الشرح الصغير" ولا في "الروضة" أيضًا شيئًا من الوجهين، والصحيح أنه لا يسري كذا رجحه الرافعي في العتق في الكلام على الشرط الثاني من شروط السراية وهو الاختيار.
فقال: أشبههما لا، ويحكى عن ابن الحداد هذا لفظه، وقال في "الروضة" هناك: إنه الأصح.
قوله: ولو اتهب العبد القني بعض من يعتق على السيد بغير إذنه وقلنا بالصحيح أنه يصح اتهابه بغير إذن سيده.
ولم يتعلق به لزوم النفقة، ففي صحة القبول قولان:
أحدهما: لا يصح لأنه يعتق عليه ذلك البعض ويسري.
وفي التقويم على السيد إضرار به.
وأظهرهما: أنه يصح ولا يسرى لحصول الملك بغير اختياره كما لو ورث.
ثم قال: وفي "الوسيط" وجه آخر أنه يصح ويعتق ويسري ويجعل
الجزء: 9 - الصفحة: 517
اختيار العبد كاختياره، كما يجعل قوله كقبوله ولم أجد هذا الوجه في "النهاية".
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من تضعيف عدم السراية حتى أنه أنكره ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" بعبارة هي أبلغ في الإنكار مما ذكره هنا فقال: والذي حكاه الغزالي لا ذكر له في "الوسيط" ولا في غيره هذا لفظه، والذي قاله غريب جدًا، فقد جزم هو في كتاب العتق بما أنكره هنا، فقال في آخر الخاصة الثانية من خواصه: ولو وهب من العبد بعض من يعتق على سيده فقيل: وقلنا: لا يفتقر قبوله إلى إذن السيد، عتق الموهوب على السيد وسري لأن قبول العبد كقبوله شرعًا هذا لفظه بحروفه، ووقع هذا الاختلاف العجيب في "الروضة" أيضًا، غير أنه لما ذكر ما في العتق استشكله فقط، فقال: قلت هذا مشكل، وينبغي أن لا يسري لأنه قهري كالإرث والله أعلم.
واقتصر في "الشرح الصغير" على ذكر المسألة في هذا الباب.
قوله: في "الروضة": فرع: وهب للمكاتب بعض أبيه فقبله وصححنا قبوله فعتق المكاتب عتق عليه ذلك الشقص.
فهل يقوم عليه الباقي؟ إن كان موسرًا وجهان: أصحهما نعم قاله ابن الحداد، وصححه الشيخ أبو علي ومنع القفال.
انتهى.
لم يصحح الرافعي شيئًا وإنما نقله عن تصحيح الشيخ أبي علي.
قوله: أيضًا فيها: فرع: اشترى المكاتب ابن سيد.
ثم باعه بأبي السيد صح وملك الأب فإن رق المكاتب صار الأب ملكًا للسيد، وعتق عليه وإن وجد به عيبًا لم يكن له الرد، وله الأرش، وهو جزء من الثمن، فإن نقص العيب عشر قيمة الأب، رجع بعشر الابن الذي هو الثمن ويعتق ذلك العشر، ولا يقوم الباقي على السيد إن كان المكاتب عجز نفسه، وكذا إن عجزه
الجزء: 9 - الصفحة: 518
سيده على الأصح.
انتهى.
وهذا التصحيح إنما نقله الرافعي عن الشيخ أبي علي فقط كالمسألة قبلها ثم نقل بعده عن الإمام وجهين في أن الأرش هل ينقلب إليه قهرًا أم لا يملكه إلا بالاختيار؟ فإن قلنا بالأول ففيه وجهان، وإن قلنا بالثاني فالظاهر السراية هذا كلامه.
قوله فيها: فلو وطء المكاتب جاريته فولدت قبل عتقه، فالولد نسيب يتوقف عتقه، على عتق أبيه، ولا تصير الأمة مستولدة في الحال على المذهب، فإن عتق ففي مصيرها أم ولد قولان، ثم قال: وإن ولدته بعد عتقه فإن كان لدون ستة أشهر كان كما لو ولدته قبل العتق، وإن كان لستة أشهر فأكثر من يومئذ، فقد أطلق الشافعي -رحمه الله- أنها تصير مستولدة.
وللأصحاب طريقان أصحهما أن هذا إذا وطيء بعد الحرية، وولدت لستة أشهر فصاعدًا من حين الوطء لظهور العلوق بعد الحرية.
والولد والحالة هذه لا ولاء عليه إلا بالولاء على أبيه، ولا ينظر إلى احتمال العلوق في الرق تغليبًا للحرية، فأما إذا لم يطأها بعد الحرية فالاستيلاد على الخلاف.
والثاني: يثبت الاستيلاد وطء بعد الحرية أم لا لأنها كانت فراشًا قبل الحرية والفراش مستدام بعدها، وإمكان العلوق بعدها قائم فيكتفي به.
انتهى كلامه.
أما القولان المذكوران في الاستيلاد من غير ترجيح، فالصحيح منهما عدم الثبوت فإنه صحح ذلك في "المحرر" و"المنهاج" ولم يفصل بين ما قبل العتق وما بعده وهو مقتضى كلام الرافعي في "الشرحين" لمن تأمله، وأما التصحيح الذي ذكره في الطريقين المذكورين بعد ذلك فليس للرافعي، إنما نقله عن البغوي خاصة.
الجزء: 9 - الصفحة: 519
الحكم الرابع: في ولد المكاتبة
قوله: وولد المكاتبة من نكاح أو زنا يثبت له حكم الكتابة.
وفي قول لا.
فعلى الأول يكون الملك فيه للسيد في أظهر القولين لكن يوقف كسبه، وأرش الجناية عليه فإن عجزت الأم فأرادت أن تأخذ من كسب ولدها المرقوق، وتستعين به في أداء النجوم فهل تجاب؟ قولان أظهرهما المنع.
انتهى.
لم يصحح الرافعي شيئًا من القولين، وإنما نقله عن تصحيح الإمام.
قوله: وأما ولد المكاتب من جاريته فملك للمكاتب يتكاتب عليه، وإذا عتق وكان له كسب كان للمكاتب لا للولد، ولو جنى هذا الولد، وتعلق الأرش برقبته فقد حكى الإمام عن العراقيين أنه إن كان له كسب فله أن يفديه، وإن لم يكن له كسب وأراد أن يتبعه فله أن يتبع جميعه، وإن زاد على قدر الأرش ثم يصرف قدر الأرش إلى المجني عليه، ويأخذ الباقي ثم غلط من صار إليه، وقال: الصحيح أنه لا يفدي ولده وأن يفديه من كسبه لأن كسب الولد كسائر أموال الكتابة والفداء كالشراء، وليس له صرف المال الذي يملك التصرف فيه إلى عرض ولده.
الذي لا يملك فيه التصرف، فإنه بمثابة التبرع.
قال: والصحيح أنه إذا باع لا يتبع منه إلا قدر الأرش كالمرهون.
انتهى كلامه.
فأما فداء الولد فالصحيح فيه المنع كما قاله الإمام.
كذا جزم به الرافعي قبل هذا بأوراق في الفصل المعقود لتصرفات المكاتب في الكلام على شراء القريب.
الجزء: 9 - الصفحة: 520
وأما الذي قاله ثانيًا وهو أنه لا يتبع إلا قدر الأرش فإنه الصحيح أيضًا، نص عليه الشافعي في "الجامع الكبير" كذا نقله العمراني في "الزوائد" وحكى عن الشيخ أبي حامد وجهين:
أحدهما: هذا.
والثاني: أن الأرش لا يتعلق برقبته ولا يباع لأن الشرع قد منع من بيع الآباء والأبناء وجزم في "الشامل" أيضًا بأنا إنما نبيع الجميع عند تعذر بيع البعض.
وقد علمت بما ذكرناه أن إطلاق الإمام النقل عن العراقيين غير مستقيم، وقد تفطن له الرافعي بعد ذلك في أثناء الحكم الخامس فاستدرك على الإمام فقال: ولا يوجد هذا في كتبهم على هذا الإطلاق لكن قالوا يباع منه بقدر الأرش، فإن لم يتيسر بيع كله، وأدى من ثمنه الأرش والفاضل للسيد هذا كلامه.
واعلم أن قول الرافعي أنه يتكاتب عليه مع ما ذكره في الكسب من كونه للمكاتب لا للولد لا يستقيم.
قوله: في "الروضة" في المسألة: فإذا فداه لا ينفذ تصرفه بل يتكاتب عليه كما لا ينفذ إذا اشتراه.
انتهى كلامه.
وهو عجيب من وجوه، منها أنه قد سبق ذكره قبل هذا بأحرف.
ومنها أنه عقبه بكلام الإمام والإمام مانع للفداء، فتأمل كلام "الروضة" يظهر لك خلله واضحًا، فإنه يظهر بتذكر جملة كلامه، ولولا خشية الإطالة لذكرته لكن فيما ذكرته تنبيه عليه، والسبب في ما وقع فيه النووي أن الغزالي في "الوجيز" ذكره تعليلًا لمنع الفداء، وتوجيهًا في إلحاقه بالشراء فتكلم الرافعي عليه عقب فراغ المسألة على عادته في ألفاظ "الوجيز" فظن المصنف أنها مسألة لم تتقدم فنص عليها فوقع في الخلل.
الجزء: 9 - الصفحة: 521
قوله: وولد المكاتبة من عبدها يشبه أن يكون كولد المكاتب من جاريته وأولاد [أولاد] 30 المكاتبة كأولادها، انتهى كلامه.
والمسألة الأخيرة وهي الكلام على أولاد الأولاد، قد أسقطها النووي من "الروضة" وذلك لأن كثيرًا من نسخ الرافعي قد سقط منها لفظ أولاد من قوله أولاد أولاد فوقعت تلك النسخة للنووي فرأى الكلام غير منتظم فأسقطه.
قوله: والأمة المشتركة إذا كاتبها المالكان ثم وطئها أحدهما، وهو معسر فحبلت منه ومات الواطء بعد فسخ الكتابة عتق النصف والباقي قن، وفي الولد وجهان.
قال ابن أبي هريرة: ينعقد كله حرًا، وقال أبو إسحاق نصفه حر ونصفه رقيق، وفي "التهذيب" أن هذا أصح، انتهى.
وهذه المسألة قد اختلف فيها كلام الرافعي وكلام "الروضة" من وجهين أحدهما في أن الخلاف وجهان أو قولان، والثاني في الأصح من الخلاف، وقد أوضحت الأمرين في كتاب السير.
قوله: في المسألة في "الروضة" وإن كان موسرًا سرى الاستيلاد بعد عجز المكاتب نفسه وفي قول في الحال فعلى هذا يجب على الواطيء للشريك نصف مهرها، ونصف قيمتها، وأما قيمة نصف الولد ففي وجوبه قولان.
انتهى.
واعلم أن تعبيره في الأم بنصف القيمة وفي الولد بقيمة النصف غير مستقيم بل الصواب التسوية بينهما في التعبير، وقد عبر الرافعى فيهما بنصف القيمة فعدل المصنف عنه في أحدهما دون الآخر وهو غريب.
وقد تقدم ذكر المسألة أيضًا في العتق في آخر الكلام على السراية، وتقدم أيضًا هناك الفرق بين العبارتين.
الجزء: 9 - الصفحة: 522
قوله: أيضًا في المسألة فلو وطئاها معًا وأتت بولدين واتفقا على أن هذا من ذا وذاك من ذلك، واتفقا على السابق منهما نظر، إن كانا موسرين أو الأول فقط صارت مستولدة للأول.
ثم قال: وأما الثاني فإن وطئها بعدما صار جميعها مستولدًا للأول.
وهو عالم بالحال لزمه الحد وولده رقيق وإن كان جاهلًا، فالولد حر وعليه تمام قيمة الولد يوم الوضع، ويكون جميعها للأول إن ارتفعت الكتابة في نصيبه، وإن بقيت فنصف المهر له ونصفه للمكاتبة.
ونصف قيمة الولد ونصفها على الخلاف في ولد المكاتبة، انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره بالنسبة إلى قيمة الولد كلام ناقص، وكأنه سقط منه لفظة واحدة وهي له، ويكون أصله ونصف قيمة الولد له ونصفها على الخلاف.
وقد اشتبه ذلك على النووي فحذف النصف الثاني فقال: ونصف قيمة الولد على الخلاف، هذا لفظه وهو غريب حيث تكلم على نصف دون نصف.
الجزء: 9 - الصفحة: 523
الحكم الخامس: في جناية المكاتب والجناية عليه
قوله: أحدها إذا جنى المكاتب على أجنبي فطولب بالأرش فدى نفسه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية.
والقديم أنه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ فإن لم يكن في يده مال بيع في الجناية ولو أعتقه السيد، أو أبرأه من النجوم لزمه الفداء لأنه فوت متعلق حق المجني عليه، ثم قال: وبم يفديه السيد؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين.
والثاني: القطع بأنه يفديه بالأقل بخلاف حال بقاء الكتابة، فإن الرق باق ولو بيع فربما رغب فيه راغب بأكثر من قيمته.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على عدم الترجيح لشيء من الطريقين، والأصح هو طريقة القطع كذا صححه الرافعي في العبد القن إذا جنى فأعتقه سيده، مع أنه أقرب إلى البيع من المكاتب، ففي المكاتب بطريق الأولى.
كذا ذكره الرافعي في أواخر الجنايات قبيل الكلام على الغرة.
قوله: الثانية إذا جنى المكاتب على عبد سيده أو على طرفه فعفي المستحق على مال أو كانت الجناية موجبة للمال تعلق الواجب بما في يده لأن السيد مع المكاتب في المعاملات، كالأجنبي مع الأجنبي، فكذلك في الجناية، وما الذي يلزم المكاتب، أيلزم الأرش بالغًا ما بلغ أو الأقل؟ فيه القولان المذكوران في الجناية على الأجنبي.
فإن قلنا يلزم الأرش بالغًا ما بلغ، وكان أكثر من قيمته.
فعن الشيخ أبي حامد أن له أن يفدي نفسه به وعن القاضي أبي الطيب أن فيه الخلاف في هبته من سيده.
الجزء: 9 - الصفحة: 524
قال ابن الصباغ، وهذا يقتضي أن يقال للسيد أن يمتنع من القبول؛ لأنه لا يلزمه قبول الهبة، وعندي أنه يلزمه القبول إذا أمكنه أداؤه، وأداء مال الكتابة.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من اشتراط أداء مال الكتابة، مقتضاه أنه لا فرق فيه بين الحال والمؤجل، وليس كذلك بل العبرة بالحال خاصة.
كذا صرح به في غير هذا الموضع، ثم إن المصنف لم يستوف كلام ابن الصباغ على وجهه، فإنه قال: وعندي أنه يلزمه أي السيد قبول ذلك، لأن المكاتب لا يمكنه أن يفدي نفسه إلا بذلك فإذا أمكنه أن يؤدي ذلك ويؤدي ما عليه من الكتابة لم يكن للسيد الامتناع، وإن كان ما بيده لا يفي بما عليه، كان للسيد مطالبته وتعجيزه، فإذا عجزه وفسخ الكتابة سقط عنه مال الكتابة وأرش الجناية، لأنه عاد قنًا.
هذا كلامه، وما ذكره أيضًا من سقوط الأرش، قد حصل فيه اضطراب أوضحته في الباب الثالث من أبواب الرهن.
قوله: وإذا عجز بسبب الأرش أو النجوم ورق فهل يسقط الأرش أو يكون في ذمته إلى أن يعتق؟ فيه وجهان:
أظهرهما الأول، وهما كالوجهين في ما لو كان له على غيره دين فملكه هل يسقط؟ انتهى كلامه.
وقد ظهر لك مما ذكرناه في المسألة السابقة اختلاف كلام الرافعي في هذه المسألة.
قوله: ولو وجب للسيد على المكاتب مال بسبب جناية، ثم أعتقه أو أبرأه عن النجوم فإن لم يكن في يده شيء سقط الأرش، لأنه أزال الملك عن الرقبة، التي كانت متعلق الأرش وإن كان في يده مال فوجهان: أحدهما: لا يتعلق الأرش به، لأن الأرش كان متعلقًا بالرقبة [وقد
الجزء: 9 - الصفحة: 525
تلفت وأظهرهما المنع والتوجيه المذكور ممنوع.
بل الأرش متعلق بالرقبة] 31 وبما في يده.
انتهى كلامه ملخصًا.
وما ذكره هنا من أن هذا المال الذي للسيد متعلق برقبة المكاتب، قد ناقضه بعد هذا بنحو عشرة أسطر، فقال: ثم ظاهر ما رددوه في هذا الموضع ونص عليه الشافعي أنه يجب الأرش بالغًا ما بلغ، ثم قال ما نصه: وفرق بين ما نحن فيه وبين ما إذا جنى على أجنبي، ثم أدى النجوم حيث ذكرنا خلافًا في ما يجب عليه بأن الواجب في الجناية على السيد لا يتعلق برقبة المكاتب، وإنما هو في ذمته فيجب بكماله كما لو جنى حر على حر، وأرش الجناية على الأجنبي يتعلق بالرقبة، فجاز ألا يزاد عليها ومنهم من طرد القول الآخر، وهو وجوب أقل الأمرين، وقال: العتق لا يغير ما تقدم وجوبه، هذا كلامه وهو عجيب سلمت منه "الروضة"، فإنه لم يذكر الثاني.
قوله: الثالثة عبد المكاتب إذا جنى على أجنبي، وتعلق المال برقبته، يباع فيها إلا أن يفديه السيد، انتهى.
ويستثنى من إطلاق الفداء ما إذا كان العبد آبقًا، فإنه لا يجوز فداؤه، كذا نقله البندنيجي في التعليق عن نص الشافعي وهو ظاهر.
قوله: وإذا أفداه السيد فداه الأقل من الأرش ومن قيمته، وفي قول بالأرش ثم قال ثم ظاهر لفظ المختصر أنه تعتبر قيمة العبد يوم الجناية، لأنه يوم تعلق الأرش وعن ابن خيران أنه يجيء قول آخر، أنه تعتبر قيمة يوم الاندمال بناء على أنه وقت المطالبة بالمال.
وحكي عن القفال أنه تعتبر قيمة يوم الفداء لأن المكاتب إنما يمنع من بيعه، ويستديم الملك فيه يومئذ، وذكر القاضي ابن كج أن المذهب اعتبار
الجزء: 9 - الصفحة: 526
أقل القيمتين من قيمته يوم الجناية، وقيمته يوم الفداء احتياطيًا للمكاتب، وإبقاء للمال عليه، ونسب هذا إلى لفظه في "الأم".
انتهى كلامه.
[وظاهره رجحان أقل القيمتين.
فإن توقف متوقف في أخذه من هذا الكلام] 32 لم يؤخذ منه ترجيح غيره قطعًا.
إذا علمت ذلك فقد أغرب في "الروضة" فصلح الأول فقال ما نصه:
الأصح، وظاهر نصه في المختصر يوم الجناية، ثم ذكر ما في كلام الرافعي فاعلمه.
قوله: وإذا ثبت للمكاتب قصاص فعفي عنه مجانًا سقط القصاص، ثم إن قلنا موجب الحمد أحد الأمرين لم يسقط المال إن عفي بغير إذن السيد، وإن عفي بإذنه ففيه الخلاف في تبرعه بالإذن، وإن قلنا موجب العمد القصاص إلى آخره.
واعلم أن النووي في "الروضة" قد أسقط التفريع على القول الأول وهو الموجب لأحد الأمرين وكأنه سقط من نسخه من موجب العمد إلى موجب العمد، أو انتقل نظره منه إليه.
قوله: في "الروضة": وحيث يثبت المال للمكاتب بالجناية على طرفه، فهل يستحق أخذه في الحال أم يتوقف على الاندمال؟ قولان كالجناية على الحر، وقيل: يستحقه في الحال قطعًا، مبادرة إلى تحصيل العتق.
انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن جزمه في الحر بطريقة القولين مخالف لما ذكره في كتاب الجنايات، في آخر باب القصاص في الأطراف، فإنه حكى هناك طريقين وصحح طريقة القطع بأنه يتوقف على الاندمال وقد ذكرت لفظه فراجعه.
الجزء: 9 - الصفحة: 527
الأمر الثاني: إذا فرعنا على أن المكاتب يستحق الأخذ في الحال، فهل يختص ذلك بما إذا ترتب العتق على المأخوذ بأن كان وافيًا بالذي عليه، أو لا يختص به.
فيه وجهان من غير ترجيح، حكاهما الرافعي في الجنايات في الموضع المشار إليه عن النهاية وحذفهما النووي من هناك، ظنًا منه أنهما يذكران في هذا الموضع فلزم خلو "الروضة" عن هذه المسألة.
قوله: ولو جنى على طرف المكاتب عبده فله القصاص، وإن كانت الجناية خطأ أو عفي على مال، فلا يثبت له على عبده مال.
وهل له أن يبيع منه بقدر الأرش؟ فيه الوجهان المذكوران، في ما إذا جنى ابن المكاتب الذي يكاتب عليه على عبد آخر، انتهى كلامه.
وقد أسقط النووي من الروضة المسألة الأخيرة، وهي مسألة البيع.
الجزء: 9 - الصفحة: 528