المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب الرهن
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[وفيه أربعة أبواب] (1)

الباب الأول: في أركانه

قوله: ورهن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - درعه من يهودي فتوفي وهى مرهونة عنده 2. انتهى.
قال الماوردي: اختلف الناس في فكاك الدرع، فقال قوم: افتكه قبل موته، لأنه -عليه الصلاة والسلام- يقول: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى" 3. وهذه صفة تنتفى عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقال آخرون -وهو الصحيح-: "أنه مات قبل فكاكه، فقال: فعلى هذا يكون قوله: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي" محمولًا على من مات ولم يترك وفاءًا.

قوله: أما الدين ففي جواز رهنه وجهان: أصحهما: المنع.
لأن الدين غير مقدور على تسليمه.
انتهى.
والقول بالجواز شرطه أن يكون على ملي، كذا نقله النووي فى "نكت الوسيط" عن "الانتصار" لابن عصرون وأقره.

قوله: ولو رهن نصيبه من بيت معين من الدار المشتركة بغير إذن1

الجزء: 5 - الصفحة: 320

شريكه فوجهان: أصحهما عند الإمام: أنه يصح.
وأرجحهما عند البغوي: أنه لا يصح.
انتهى ملخصًا.
والراجح علي ما يقتضيه كلام "الروضة": هو الصحة، فإنه قال من "زياداته": قد وافق الإمام على تصحيح صحته الغزالى في "البسيط" وصاحب "التتمة" وغيرهما.
وكلام الرافعي أيضًا في "الشرح الصغير" يشعر به، فإنه نقل تصحيح الإمام واقتصر عليه.

قوله: والظاهر جواز رهن المسلم من الكافر، ورهن المصحف منه يترتب على رهن العبد، ورهن السلاح من الحربي يترتب على بيعه منه.
انتهى كلامه.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا وفيه أمور: أحدها: أنه لم يبين كيفية الترتيب هنا، والمراد أنا إن أبطلنا رهن العبد فرهن المصحف أولى، وإن صححنا فوجهان.
فيكون المصحف أولى بالبطلان من العبد لا العكس، وقد صرحوا في البيع بذلك.
وأما ترتيب رهن السلاح من الحربى على بيعه منه فواضح، يعلم مما تقدم.
الثاني: أنه ليس فيه بيان الصحيح في رهن المصحف، والصحيح جوازه كما صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه علي أنه من "زياداته"، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له.
الثالث: أن هذا الكلام جميعه إنما هو فى الصحة، كما تقدم التعبير به.

الجزء: 5 - الصفحة: 321

وأما الجواز فقال النووي في "زيادات الروضة" إن المذكور في "تهذيب المقدسي" وغيره: أنه حرام.
قال: وفي كتاب الجزية من "تهذيب البغوي": أنه مكروه.

قوله فى الكلام علي ألفاظ "الوجيز"، وفي العبارة المذكورة لترجمة هذا الشرط -يعني الشرط الثاني- نظر.
انتهى.
لم يبين وجه النظر، وقد أوضحه في "الشرح الصغير" فقال: وقول الغزالي في ترجمة الشرط الثاني أنه لا يمتنع إثبات يد المرتهن عليه ليكن المراد منه في الدوام.
وأما في الابتداء بقدر ما يلزم الراهن فامتناعه علي الخلاف.

قوله: والتفريق بين الأم وولدها الصغير ممنوع، فلو رهن أحدهما دون الآخر جاز، ويباعان معًا، ويوزع الثمن علي قيمتهما، وكيفية التوزيع مبنية على مقدمة، وهى ما إذا رهن أرضًا بيضاء ثم نبت فيها نخل فللأرض حالان: أحدهما: أن يرهنها ثم يدفن النوى.
والثاني: أن يكون مدفونًا في الأرض يوم الرهن، فإذا بيعت الأرض مع النخيل وزع الثمن عليهما، والمعتبر في الحال الأول قيمة الأرض فارغة, وفي الحال الثاني قيمة أرض مشغولة.
وفي كيفية اعتبار قيمة الأشجار وجهان نقلهما الإمام في الحالين: أظهرهما: أن الأرض تقوم وحدها، فإذا قيل: هى مائة قومت مع الأشجار.
فإذا قيل: هى مائة وعشرون فالزيادة بسبب الأشجار عشرون وهى سدس المائة والعشرين، فيراعي في ثمنها نسبة الأسداس.
والثاني: أنا كما قومنا الأرض وحدها، نقوم الأشجار وحدها نابتة.

الجزء: 5 - الصفحة: 322

فإذا قيل: هي خمسون عرفنا أن النسبة بالأثلاث، ثم قال: عدنا إلى مسألة الأم والولد، فإذا بيعا معًا وأردنا التوزيع قال الإمام: فيه طريقان: أحدهما: أن التوزيع عليهما كالتوزيع على الأرض والأشجار، فتعتبر قيمة الأم وحدها، وفى الولد الوجهان.
والثانى: أن الأم لا تقوم وحدها، بل تقوم مع الولد خاصة، لأنها رهنت وهى ذات ولد، والأرض رهنت بلا أشجار، وهذا ما أورده الأكثرون.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن المراد بالطريق الثاني التي نقلها عن الأكثرين، وهى أن الأم لا تقوم وحدها، بل مع الولد إنما هو تقويمها موصوفة، بأنها ذات ولد، وليس المراد تقويم المجموع قطعًا، لأنا نريد أن نعرف قيمة الأم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة قيمتها دون ولدها، ثم يجيء بعد ذلك الوجهان فى أنا هل نقوم المجموع أم الولد وحده؟ وقد أوضحه في "المحرر" فقال: والأظهر فى كيفية التوزيع أن تقوم الأم وحدها ثم مع الولد، هذا كلامه، إلا أنه أراد بالوحدة خلاف المجموع، وأراد به في [الشرع] 4 الخلو عن الحضانة فاعلمه.
وعلى هذا فمراده بقوله في الطريق الأول: فتعتبر قيمة الأم وحدها أي خلية عن الحضانة أيضًا، هذا كله متعين لا شك فيه، لكنه قد ذكر في الطريق الأول أن التوزيع عليهما كالتوزيع علي الأرض والشجر، وقد تقدم في الأرض أن المعتبر قيمتها مشغولة، فكيف يفرع على هذا اعتبار خلو الأم عن الولد، لاسيما وقد عبر في الأرض المشغولة بقوله: أظهرهما: تقوم الأرض وحدها -أعنى بصيغة وحدها- وهو يقتضى عوده فى التفريع، وهو فاسد بلا شك إلا أن يلتزم أن مراده بصيغة وحدها

الجزء: 5 - الصفحة: 323

المذكورة فى الأرض مقابل المجموع، وبالموضعين المذكورين فى الولد والأم الخلو عن الحضانة، وأن المراد بشغل الأرض إنما هو الشغل بالنوى.
فحينئذ يصح أن تعتبر قيمة الأم خلية عن الأولاد، وإن فرعنا على أن التوزيع كالتوزيع على الأرض والشجر، لكنه خلاف المنقول، فإن الماوردي والمحاملي وغيرهما قد صرحوا بأن الأرض إذا رهنت وفيها نوى ثم أخرجت نخلًا، أنها تقوم ذات نخل، وبالجملة فلا شك في اشتمال هذا الكلام على خلل.
الأمر الثانى: أن هذا الحكم الذي ذكره الرافعي، وهو تقويم الأم وحدها إنما يأتى إذا كان المرهون هو الأم، حتى لو رهن الولد انعكس الأمر، والمسألة قد فرضها هو فى رهن أحدهما كما تقدم فراجع لفظه.
وهذا الاعتراض وارد على "الروضة" أيضًا و"المحرر" و"المنهاج"، وكذلك على "الحاوي الصغير"، فإنه قال: وإن رهن واحد وزع بقيمتها وقيمتهما أي إذا رهن واحد من الأم أو الولد وزع بقيمة الأم وبقيمتهما.
والسبب فى وقوع هذا الاعتراض الفاحش فى هذه الكتب، أن الغزالى في "الوجيز" مثل برهن الأم، فلما شرحه الرافعي التفت إليه ومشى على حكم المثال بعد أن ذكر هو لفظًا عامًا، ولم يمثل به فلزم وقوع ذلك فيه، وفي فروعه المتقدم ذكرها.
الأمر الثالث: أنا إذا فرعنا على أنه يقوم الولد أيضًا، فقال الغزالى: إنه يقوم منفردًا.
قال الرافعي: والوجه ما نقله الإمام أنه يقوم الولد محضونًا مكفولًا، كما قومنا في نظيره من الأشجار أنها تقوم ثابتة لا مقلوعة، ثم إن النووي في "الروضة" لما حكي الوجه الثاني في الأشجار لم يقيدها بكونها ثابتة، ثم أحال رهن الأم على ما تقدم في رهن الشجر، فلزم أن يقوم الولد

الجزء: 5 - الصفحة: 324

منفردًا إذا فرعنا على ذلك الوجه، وهو خلاف ما رجحه الرافعي، والعجب من حذف النووى ذلك.

قوله: إذا رهن ما يسارع إليه الفاسد بدين حال، فإن بيع في الدين أو قضي من موضع آخر فذاك، وإلا بيع وجعل الثمن رهنًا.
فلو تركه المرتهن حتى فسد، قال في "التهذيب": إن كان الراهن أذن له فى بيعه ضمن، وإلا فلا.
ويجوز أن يقال: عليه الرفع إلى القاضي ليبيعه.
انتهى.
قال في "الروضة": هذا الاحتمال الذي قاله الرافعي قوى أو متعين.
انتهى.
وفيما قاله أمران: أحدهما: أن إذن الراهن للمرتهن في بيع السلعة لا يصح على الصحيح إلا إذا باع والمالك حاضر فينبغى حمل هذا عليه.
الثانى: أن هذا الاحتمال الذى ذكره الرافعي وقواه النووي، راجع إلى قول صاحب "التهذيب": أنه إذا لم يأذن الراهن في البيع لا يضمن، وهو الذي فهمه النووي أيضًا، فإنه قال في "الروضة" عقب ذكره أنه قوي أو متعين ما نصه: وقد قال صاحب "التتمة" في هذه الصورة إن سكتا حتى فسد، [أو طلب المرتهن بيعه فامتنع الراهن، فهو من ضمان الراهن] 5. وإن طلب الراهن بيعه فامتنع المرتهن، فهو من ضمان المرتهن.
هذا كلامه.
وهو صريح في إرادة المسألة الثانية غير أنه مخصوص بما إذا لم تكن

الجزء: 5 - الصفحة: 325

مراجعة الرهن؛ فإن أمكنت مراجعته لم يكن للقاضى أن يبيع، وفهم ابن الرفعة أنه عائد إلى قول البغوي: أنه إذا أذن له ضمن وعلى هذا فمعناه أنه إذا أذن له في بيعه فلم يفعله فعليه أن يرفع الأمر إلى القاضي.
ثم قال: ويجوز أن يقال: لا يضمن، لأن البيع لا يجب عليه.
قال: بل الولى مع كونه يجب عليه عمارة عقار الطفل، فى وجوب الضمان عليه وجهان إذا أهمله.

قوله في المسألة: وإن لم يشترط هذا ولا ذاك -يعنى بيع ما يتسارع إليه الفساد- ولا عدم بيعه، فقولان أصحهما عند أصحابنا العراقيين: أنه لا يصح، وميل من سواهم إلى الصحة، وهو الموافق لنصه في "المختصر" انتهى ملخصًا.
وهذا الكلام ليس فيه تصريح بتصحيح واحد من القولين، وقد اختلف كلامه فى الأصح منهما، فقال في "الشرح الصغير" ما نصه: أظهرهما عند الأكثرين، وبه قال أبو حنيفة وأحمد: يصح الرهن ويباع عند الإشراف على الفساد.
انتهى لفظه بحروفه.
وقال في "المحرر" ما نصه: وإن لم يشترط لا هذا ولا ذاك لم يصح الرهن في أصح القولين انتهي كلامه.
والفتوى على الصحة على خلاف ما في "المحرر" لنقل الرافعي إياه في "الشرح الصغير" عن الأكثرين.
ولم يصرح النووي في "الروضة" بتصحيح، غير أنه نقل من "زياداته" أن الرافعي في "المحرر" صحح البطلان واقتصر عليه، وأقر الشيخ في "التنبيه" على تصحيح البطلان، ولم يستدركه في تصحيحه، وهو يشعر برجحان المنع عنده، وقد تقدم أن الأمر على خلافه فاعلمه.

الجزء: 5 - الصفحة: 326

قوله: ولو طرأ قبل القبض ما عرضه للفساد، ففى الانفساخ وجهان كما في حدوث الموت والجنون.
انتهى.
والصحيح: عدم الانفساخ، فقد جزم في "المحرر" بما يقتضينه، وقال النووي في "زيادات الروضة": إنه الأرجح، والمراد بحدوث الموت والجنون أي فى العاقد فاعلمه فإن فيه خلافًا يأتى في الباب الثاني.

قوله: الثانية: رهن العبد الجانى مرتب على بيعه، إن لم يصح بيعه فرهنه أولى، وإلا فقولان.
. . . إلى آخره.
وهذا الكلام يؤخذ منه رجحان امتناع رهنه إذا كانت الجناية خطأ لأن الراجح امتناع بيعه.
وأما حيث يجوز بيعه، وهو ما إذا كانت الجناية عمدًا، فلم يرجح هو ولا النووي في "الروضة" شيئًا.
والصحيح الجواز، كذا ذكره في "المحرر" فقال: ورهن العبد المرتد والجاني كبيعهما، هذا لفظه.
والصحيح: جواز البيع، فيكون الرهن كذلك.

قوله: فإن صححنا رهنه، فقال المسعودى والإمام: يكون مختارًا للفداء كما لو باعه.
وقال ابن الصباغ: لا يلزمه الفداء بخلاف البيع، لأن محل الجناية باقى هنا، والجناية لا تنافي الرهن.
انتهي.
فيه أمران: أحدهما: أن الراجح عدم الوجوب، بل يكون مخيرًا بينه وبين التسليم ليباع، كذا نقله النووي من "زياداته" عن الأكثرين.

الجزء: 5 - الصفحة: 327

الثاني: أن الرافعي ذكر في كتاب النكاح وجهين في جواز تزويج الجارية الجانية، وصحح النووي من زياداته الجواز، وجزم هو والرافعي بأنا إذا صححنا يكون ملتزمًا للفداء، وهو مشكل على هذه المسألة والقياس التسوية.

قوله: ولو رهن الثمرة قبل بدو الصلاح بدين مؤجل [يحل] 6 قبل الإدراك فقولان: أصحهما: البطلان، لأن العادة في الثمار الإبقاء إلى الإدراك، فصار كما لو رهن شيئًا على أن لا يبيعه عند المحل.
وإن شرط القطع عند المحل فقيل: يصح قطعًا، وإليه أشار الشيخ أبو حامد وصاحب "التهذيب"، وقيل: على القولين: انتهى ملخصًا.
والصحيح طريقة القطع، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: والأظهر القطع بالجواز.
هذا لفظه.
وصحح النووي في "زيادات الروضة" الجواز فقال: إنه المذهب، ولم يصرح بالأصح من الطريقين.

قوله: وإن استعار شيئًا ليرهنه فتلف في يده، فأطلق الغزالي أنه يضمن لأنه مستعير.
وقال الشيخ أبو حامد: إذا قلنا: إنه ضمان فلا شيء عليه.
انتهى ملخصًا.
لم يصح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، والمذهب الضمان، كذا قاله النووي من "زياداته"، ولا ذكر للمسألة في "المحرر" ولا في "المنهاج"، وظاهر سياق الرافعي أن محل القولين في ما بعد الرهن.
وحينئذ فما سلكنا به مسلك الضمان مطلقًا، ولا مسلك العارية مطلقًا.

الجزء: 5 - الصفحة: 328

وأيضًا فلو تلف في يد المستعير قبل الرهن أو بعده وقبل القبض هل يضمن أم يتخرج على القولين؟ .

قوله: ومنها إذا قلنا: إنه ضمان وجب بيان جنس الدين.
. . . إلى آخره.
سكت عن التفريع على القول بأنه عارية، قال في "الروضة": وإذا قلنا به فله أن يرهن عند الإطلاق بأي جنس شاء وبالحال والمؤجل.
قال في "التتمة": لكن لا يرهنه بأكثر من قيمته لأن فيه ضررًا.
قال: ولو أذن في حال فرهن بمؤجل لم يصح كعكسه، لأنه قد لا يرضى أن يحال بينه وبين عبده إلى أجل، ولو استعار ليرهن عند واحد فرهن عند اثنين أو بالعكس لم يجز على الأصح، كذا نقله الرافعي في آخر الباب الثالث، وعلله فاعلمه.

قوله: الركن الثاني: المرهون به، وله ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون دينًا ثابتًا لازمًا.
. . . إلى آخره.
تابعه على ذلك في "الروضة" وقد أهمل شرطًا رابعًا، وهو أن يكون معلومًا لكل منهما، كذا رأيته في "شرائط الأحكام" لابن عبدان، وجزم به ابن الرفعة في "الكفاية" ناقلًا له عن "الاستقصاء"، ورأيت في "المعين على مقتضي الدين" لأبي خلف الطبري أحد أصحاب القفال نحوه أيضًا فقال: الخامس: أن يكون الحق الذي يرهن فيه الرهن يكون معلوم المقدار.
ثم قال: والسابع: يجب أن تكون مدة حبس الرهن معلومة، وغاية فكه محدودة، لأنه إذا كانت مجهولة لا يصح الرهن.
هذا لفظه بحروفه.
وكأنه أراد بالسابع أن يكون الأجل معلومًا.

قوله: ولو امتزج الرهن وسبب ثبوت الدين، بأن قال: بعتك هذا

الجزء: 5 - الصفحة: 329

بألف وارتهنت بها عندك، فقال: اشتريت ورهنت، أو قال: أقرضتك هذه الدراهم وارتهنت بها عبدك، فقال: استقرضت ورهنت صح الرهن على الأصح، وهو ظاهر النص ولو قال البائع: ارتهنت وبعت وقال المشترى: اشتريت ورهنت لم يصح، لتقدم أحد شقي الرهن على شقي البيع.
وكذا لو قال: رهنت وبعت.
وقال المشترى: رهنت واشتريت لتقدم شقى الرهن معًا على أحد شقي البيع فالشرط أن يقع أحد شقي الرهن بين شقي البيع، والآخر بعد الشقين معًا.
انتهى.
وهذا الضابط الذي ذكره في آخر كلامه، واقتضاه كلامه قبل ذلك أيضًا قد تابعه عليه في "الروضة"، وهو مخالف لما ذكراه في نظير المسألة، وهو مزج البيع بالكتابة، فإن حاصله تجويز المقارنة وغيرها وسيأتيك ذلك واضحًا في أوائل باب الكتابة فراجعه.

قوله: ولو قال البائع: بعتك بكذا على أن ترهنى دارك به, فقال المشترى: اشتريت ورهنت، فوجهان: قال بعضهم: يتم العقد بما جرى.
وذكر في "التتمة" أنه ظاهر النص، وقال القاضي لا يتم بل يشترط أن يقول بعده: ارتهنت أو قبلت، لأن الذي وجد منه إنما هو شرط إيجاب الرهن لا استحبابه، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب".
. . . إلى آخره.
ذكر في "الروضة" مثله أيضًا، والراجح هو الاكتفاء فإنه المشهور عند الأصحاب، كذا ذكره الإمام في "النهاية" في أول كتاب الرهن مع أنه ذكر هنا أن المحققين على أنه لا يكفي.

قوله: قال الإمام: وجواز الرهن بالثمن في مدة الخيار مفرع على أن الخيار لا يمنع نقل الملك في الثمن إلى البائع، فإن منعه فالظاهر منع الرهن لوقوعه قبل ثبوت الدين.
انتهى كلامه.
وتعبير الإمام بالظاهر في هذه الحالة يشعر بخلاف [في المسألة وهو

الجزء: 5 - الصفحة: 330

صحيح، وسببه: اختلافهم فيما لم يجب ولكن جري سبب] 7 وجوبه.

قوله: وإن كان الأصل فى وضع الدين هو الجواز كالجعل في الجعالة فوجهان: أصحهما: لا يصح الرهن، وموضع الوجهين ما بعد الشروع في العمل وقبل تمامه، أما قبل الشروع فلأنه لا ثبوت للجعل بحال، وأما بعد الفراغ فلأنه لازم.
ثم قال ما نصه: [ثم لبان أن يبنى] 8 الوجهين على الوجهين في جواز رجوع المالك بعد الشروع في العمل، ويقول: إن لم نجوز الرجوع فقد لزم الجعل من قبله فيصح الرهن به، وإن جوزناه لم يصح الرهن به.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ظاهر كلام كثير من الأصحاب أو أكثرهم أن الخلاف بعد العمل، هكذا قاله في "الروضة"، وإجراء الخلاف في هذه الحالة صحيح، وسببه اختلافهم فى ما لم يجب، ولكن جرى سبب وجوبه، وادعي في "الروضة" أن الصواب [ما قاله الرافعي ذهولًا عن هذا التوجيه، وليس كذلك بل الصواب طريقة إجراء الخلاف مطلقًا.
وأما تقييد الخلاف] 9، فذكره القاضي حسين ثم البغوي ثم الرافعي، وتحصل من مجموع ذلك ثلاثة أوجه.
الأمر الثاني: وقد نبه عليه بعضهم: أنه لو صح ما قاله الرافعي من البناء لكان الأصح جواز الرهن، وليس كذلك.
وأيضًا فلا خلاف في جواز الرجوع، وإنما الخلاف في أثر الرجوع، فقيل: لا يستحق شيئًا.

الجزء: 5 - الصفحة: 331

وحينئذ فلا يصح الرهن، وقيل: يستحق القسط من المسمى، وحينئذ فإن علم صح.
وقيل: يستحق أجرة مثل ما عمل، وهو الصحيح، وعلى هذا قد يقال: إن هذا إنما يجب بعد الرجوع أما قبله فالأمر ينتهى إلى استحقاق المسمى فلا يصح.
ويحتمل أن يقال: استحق بدل عمله إما من المسمى بقسطه وإما أجرة مثله.
وعلى كلا الاحتمالين يبعد تصحيح الرهن أما على الأول فلأنه لم يستحق.
وأما على الثاني فلأن المستحق لم يتعين، وأيضًا بتقدير هذا كله فلا يصح ضمان الجميع على مقتضى ما قاله من البناء، مع أن كلامه فيه -أعني في الجميع- قال ابن الرفعة: وصور البندنيجى المسألة بما إذا قال: من جاء بعبدى الآبق فله دينار، فقال له رجل: أعطني به رهنًا وأنا آتيك به، ولو قال: إن رددت عبدي الفلاني فلك كذا، وهذا رهن به فهو بمعناه بلا شك.
أما لو قال: من جاء بعبدي الفلاني فله دينار وهذا رهن به، فهل يقال: لا يصح الرهن لكون المرتهن غير معين، أو يصح ويسقط القبول في الرهن تبعًا لمال الجعالة؟ فيه نظر، والأقرب الأول.

قوله: فرع: لا يجوز رهن الملاك بالزكاة، والعاقلة بالدية قبل تمام الحول لفوات الشرط الثاني.
انتهي لفظه بحروفه.
ومقتضي هذا الكلام صحة الرهن بالزكاة بعد تمام الحول، وكيف يصح مع أن الزكاة تجب في العين بحيث يكون الفقراء شركاء رب المال.
ولا شيء في ذمة المالك، وشرط الرهن أن يكون على دين، وقد يأول

الجزء: 5 - الصفحة: 332

بأن التقييد بما قبل الحول راجع إلى المسألة الثانية، وهي مسألة العاقلة، وقد ذكروا في الضمان ما يقتضي الصحة أيضًا كما سأذكره هناك، وهو ضعيف التأويل.

قوله: فما جاز الرهن به جاز ضمانه، وكذا عكسه إلا ضمان العهدة فإنه جائز، ولا يجوز الرهن به على الصحيح.
انتهى.
تستثنى أيضًا الأعيان المغصوبة، فإن ضمانها يصح دون الرهن على الصحيح.
وقد استثناه في "الروضة"، واعلم أن النووي في "الروضة" هنا قد جعل الخلاف في ضمان العهدة وجهين، وصرح في كتاب الضمان تبعًا للرافعي بقولين، وعنده أن عدم الصحة يتخرج على أن الرافعي هنا لم يبين هل هو قولان أو وجهان؟ .

قوله: رهن شيئًا بعشرة، ثم استقرض عشرة ليكون رهنًا بهما، وأشهد شاهدين أنه مرهون بالعشرين، فإن لم يعلم الشاهدان الحال شهدا بما يسمعا، وحكم الحاكم بأنه مرهون بالعشرين.
نعم لو قال عند الإشهاد: كان مرهونًا بعشرة فجعلته رهنًا بعشرين، ونقل الشاهدان ما سمعا، فهل يحكم بكونه رهنًا بالعشرين إذا كان الحاكم ممن يذهب إلى القول الجديد؟ حكى الإمام عن صاحب "التقريب" فيه وجهين، وإن عرفا الحال فإن كانا يعتقدان جواز الإلحاق، فهل لهما أن يشهدا بأنه رهن بالعشرين أم عليهما بيان الحال؟ وجهان.
وإن كانا يعتقدان منع الإلحاق لم يشهدا إلا بما جرى باطنًا، وفيه شيء بعيد.

الجزء: 5 - الصفحة: 333

وهذا التفصيل فيما إذا شهدا بنفس الرهن، وفيه صور الجمهور، فإن شهدا على إقرار الراهن فالوجه تجويزه مطلقًا.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد اختصر أوائل هذا الكلام اختصارًا فاسدًا سببه إسقاط شيء منه، فإنه قال: فرع: رهن بعشرة، ثم استقرض عشرة ليكون رهنًا بهما، وأشهد شاهدين أنه مرهون بالعشرين، فإن لم يعلم الشاهدان الحال ونقلا ما سمعا، فهل يحكم بكونه رهنًا بالعشرين إذا كان الحاكم يعتقد القول الجديد؟ وجهان.
هذا لفظه.
فأسقط ما وقع بعد لفظ الحال إلى قوله: ونقلا، فاجمع بينه وبين كلام الرافعي.
وتأمله.
الأمر الثاني: أن الأصح من الخلاف الثاني منع الشاهدين من الشهادة بذلك، كذا صححه النووي من "زياداته"، وعلله بأن الاجتهاد إلى الحاكم لا إليهما.
وقول الرافعي: (وفيه شيء بعيد) أراد أن فيه خلافًا بعيدًا.
وقد صرح به في "الروضة"، وسوف تكون لنا عودة إلى الكلام على هذه المسألة في الباب الثاني من كتاب القضاء إن شاء الله تعالى.

قوله من "زياداته": ولو مات وعليه دين مستغرق فرهن الوارث التركة عند صاحب الدين على شيء آخر، ففي صحته وجهان بناء على القولين.
انتهى.
وتقييد المسألة بالدين المستغرق موهم، ولا فرق بين المستغرق وغيره فاعلمه.

قوله: وإن كان الرهن مشروطًا في بيع نظر إن لم يجز الشرط جهالة

الجزء: 5 - الصفحة: 334

كما إذا شرط في البيع رهنًا على أن يبقي محبوسًا عنده بعد أداء الثمن شهرًا، ففي فساد الرهن قولان: أصحهما: الفساد.
فإن فسد ففي فساد البيع القولان في أن الرهن وسائر العقود المستقلة إذا شرطت في البيع على نعت الفساد هل يفسد البيع؟ وقد ذكرناهما في باب البياعات.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن كلامه هنا وهناك يوهم أن القولين جاريان في ما إذا شرط بيعًا أو إجارة أو غيرهما في بيع وليس كذلك، بل اشتراط صحيحه باطل مبطل فاشتراط فاسده أولى.
وإنما القولان اللذان أشار إليهما الرافعي في البابين في ما كان كالصفة في البيع في جواز شرطه معه، ويجوز إفراده، وذلك هو الراهن والكفيل والضمين فقط، وتعليلهما مذكور في كلامه.
الأمر الثاني: أن الشرط متى بطل جر جهالة مطلقًا، لأن الرهن يترك لأجله جزء من الثمن، فإذا بطل وجب أن يضم ذلك الجزء المجهول إلى الثمن فيصير مجهولًا، وهذا هو مقتضى كلام الأصحاب، والمعنى يقتضيه أيضًا.
نعم إن كان الشرط لا غرض فيه فمسلم، وليس الكلام فيه.

قوله في أصل "الروضة": فلو رهن شجرة أو شاة بشرط أن يحدث الثمرة أو الولد مرهونًا لم يصح الشرط على الأظهر، وقيل: يصح قطعًا لأنه مجهول معدوم.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من الصحة قطعًا غلط، بل صوابه عدم الصحة، ولذلك

الجزء: 5 - الصفحة: 335

ذكره الرافعي.

قوله في المسألة: لا يصح أيضًا الرهن على الصحيح، ثم قال: فإن كان الرهن بهذا الشرط مشروطا في بيع، فإن صححنا الشرط أو أفسدناه، وصححنا الرهن صح البيع، وللبائع الخيار.
انتهى كلامه.
وهو صريح في إثبات الخيار مع صحة الشرط، وهو سهو وكأنه نقص منه شيء، ويكون الأصل، وللبائع الخيار في المسألة الثانية.

قوله: المسألة الثانية: لو قال: أقرضتك هذه الألف بشرط أن ترهن به وبالألف الذي لي عليك كذا.
فرهن بالألف القديم ظانًا صحة ذلك.
فعن القاضي أنه لا يصح الرهن.
إلى آخره.
هذه المسألة سبق الكلام عليها في أول الباب الثالث من أبواب البيع.

قوله: فرع: لو قال: رهنتك هذا الحُق بما فيه، أو هذه الخريطة بما فيها، وما فيهما معلوم مرئي صح الرهن في الظرف والمظروف، وإلا لم يصح الرهن في المظروف، وفي الحق والخريطة قولا تفريق الصفقة.
انتهى كلامه.
وجزمه هنا بطريقة القولين يقتضي أن العلة في جريان القولين في تفريق الصفقة هو تبعيض الصفقة إذ لو كانت العلة هي الجهل بالعوض لزم الصحة هنا قطعًا.
وقد تقدم الوعد في باب تفريق الصفقة بذكر هذه المسألة.

قوله عقب ما تقدم: وما نص عليه في "المختصر" من الصحة في الحق، وعدمها في الخريطة فسببه أنه وضع المسألة في حق له قيمة يقصد لها بالرهن، وفي خريطة ليست لها قيمة تقصد لها بالرهن.
وحينئذ يكون المقصود ما فيها، ولو كان اللفظ مضافًا إليهما جميعًا،

الجزء: 5 - الصفحة: 336

وما فيهما بحيث لا يصح الرهن فيه فيبطل [ما فيها.
ولو كان اللفظ مضافًا إليهما جميعًا، وما فيها بحيث لا يصح الرهن فيه فيبطل] 10 فيهما جميعًا.
وفي وجه يصح الرهن فيها، وإن كانت قليلة القيمة اعتبارًا باللفظ.
انتهى كلامه.
اعلم أن المسألة لها أربعة أحوال: أحدها: أن يرهنهما جميعًا، وهو المراد من هذا الكلام الذي ذكرته.
والثاني: أن يرهن الظرف دون ما فيه.
الثالث: أن ينص على الظرف ولا يتعرض لغيره.
والرابع: أن ينص على المظروف وحده.
وحكم هذا القسم [أنه إن كان المظروف معلومًا صح فيه دون الظرف، وهذا القسم] 11 لم يذكره الرافعي، وذكر الثلاثة الأولى، وكلامه في ما إذا رهن الظرف وحده أو رهنه وأطلق واضح.
وأما الأول وهو رهنهما فالذي تقدم من أول الفرع إلى آخره مفروض فيه، لكنه عبر في آخره بعبارة مشكلة فلنوضحه فنقول: قوله: (فإن كان اللفظ مضافًا إليهما جميعًا) ليس هو استئناف قسم آخر، بل من تتمة تأويل النص الوارد في الخريطة لا تنتهي قيمتها إلى حيث يقصد بالرهن فافهمه.
وقوله: (إليهما) أي إلى الخريطة المذكورة وما فيها.
وقوله: (وما فيها) أي وما في الخريطة.

الجزء: 5 - الصفحة: 337

وقوله: (فيبطل فيهما) أي في الخريطة وما فيها.
والحاصل أنه أعاد صورة المسألة إيضاحًا وتوطئة للوجه الذي ذكره من بعد، وهو أنه لا يبطل الرهن بانتفاء القيمة التي [يقصد] 12 لمثلها الرهن، بل يصح فيهما، وإن كانت قليلة القيمة، وهو وجه متجه جدًا.
وظن النووي أن قول الرافعي: (ولو كان اللفظ.
. . . إلى آخره) هو القسم الرابع، وهو رهن المظروف وحده، فقال: ولو كان اللفظ مضافًا إلى ما فيهما جميعًا وكان ما فيهما بحيث لا يصح الرهن فيه بطل فيهما جميعًا، وفي وجه يصح فيها، وإن كانت قليلة القيمة اعتبارًا باللفظ.
هذا لفظه.
وهو غلط فإنه مع مخالفته لتعبير الرافعي لا يتصور مجيء خلاف في الظروف، ولا يصح معه التعليل الذي ذكره، بل الخلاف راجع إلى رهن الظرف والمظروف.
وقد صرح به كذلك الغزالي في "البسيط"، غير أنه لم يذكر رهن المظروف وحده ولا الظرف وحده وكأنه تركهما لوضوحهما، وذكر الإمام نحوه أيضًا.

قوله من "زياداته": قال إمام الحرمين والغزالي في "البسيط": كل ما ذكرناه في الرهن يجرى مثله في البيع حرفًا حرفًا في ما إذا قال: بعتك الخريطة بما فيها أو وحدها، أو الخريطة لأن مأخذه اللفظ والله أعلم.
وهذا الذي ذكره في "زياداته" يقتضي أنه إذا لم يكن للخريطة وغيرها من الظروف قيمة لا يصح البيع في المظروف، ويأتي في الظرف

الجزء: 5 - الصفحة: 338

قولا تفريق الصفقة، وهو مخالف لما ذكره قبل باب الربا من "زياداته" أيضًا، فإنه جزم هناك بالصحة فيهما من غير تفصيل بين أن يكون له قيمة أم لا.
ثم ذكر بعده هذا التفصيل فيما إذا باع المظروف والظرف كل رطل بدرهم.
فكان ذلك صريحًا في تعميم الأول، وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.

قوله: ومنها -أي من صور الارتهان على مال الطفل- أن يكون دينه مؤجلًا، إما بأن ورثه كذلك، أو بأن باع الولي حالًا ماله نسيئة بالغبطة، ولا يجوز الاكتفاء بيسار المشتري، بل لابد من الارتهان بالثمن.
وفي "النهاية" رمز إلى خلاف ذلك أخذًا من جواز إيضاع ماله.
انتهي كلامه.
وما نقله عن "النهاية" من الرمز إلى خلاف ذلك تابعه عليه في "الروضة"، وقد صرح الإمام في المسألة بوجهين، وصحح الجواز، ونقله عنه الرافعي كذلك في كتاب الحجر فقال: وروي الإمام وجهين في صحة البيع إذا لم يرتهن وكان المشتري مليًا، وقال: الأصح الصحة، هذا كلام الرافعي؛ لكن المذكور في "النهاية" هاهنا هو ما قاله الرافعي.

الجزء: 5 - الصفحة: 339

قوله: الفصل الثاني رهن المكاتب وارتهانه جائز إن شرط النظر والمصلحة كما ذكرنا في حق الطفل.
ومنهم من قال: لا يجوز استقلالًا، وبإذن السيد قولان بناء على أن الرهن تبرع؛ وتفصيل صور الارتهان كما في الفصل الأول.
وفيه وجه: أنه لا يجوز له الاستقلال بالبيع نسيئة بحال.
انتهي كلامه.
وما صححه الرافعي هنا من إلحاق المكاتب بالطفل، قد صحح خلافه في أثناء كتاب الكتابة في الحكم الثالث من أحكام الكتابة، ونقله عن إطباق عامة الأصحاب عليه.
وكذلك ما صححه من جواز البيع نسيئة قد خالفه هناك فقال: ولا يجوز الرهن 13 [ولا الإرتهان ولا البيع نسيئة وتابعة في "الروضة" على الموضعين، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى فاستحضره، واعلم أن الفتوى على خلافه.
قال الرافعي: ورهن المأذون أولى بالمنع من جهة أن الرهن ليس من عقود التجارات وشبهه الإمام بإجارة الرقاب.
قال في "الروضة": وهذا الترتيب الذي قاله الرافعي ترتيب الإمام، قال: وقطع الشيخ أبو حامد وصاحب "الشامل" و"التهذيب" بأنه كالمكاتب.

الجزء: 5 - الصفحة: 340

الباب الثاني: في القبض والطوارئ قبله

قوله: صفة القبض هنا في العقار والمنقول كما سبق في البيع، ويطرد الخلاف في كون التخلية في المنقول قبضًا، وعن القاضي: القطع بأنها لا تكفي هنا، لأن القبض مستحق هناك.
انتهى.
واعلم أن ما ذكره في تعليل عدم الاكتفاء في [الهبة] 14 موجود بعينه في الموهوب، فيكون الحكم فيهما سواء بلا شك.
لكنه اقتصر في باب الهبة علي عدم جريان ذلك القول، ناقلا له عن المتولي وهو تلميذ القاضي الحسين.
وستعرف لفظه هناك.

قوله: وإذا رهن شيئًا عنده فلابد من الإذن في قبضه، وكذا مضي الزمان إليه.
وقال حرملة: لا يحتاج إلى مضيه، وفي اشتراط مصيره إليه ومشاهدته أوجه: أصحها: لا.
وثالثها: إن شك في بقائه كالحيوان اشترط، لأنه معرض للآفات، وإن تيقن بقاءه فلا.
انتهى.
ذكره مثله في "الروضة" وفيه أمران: أحدهما: أن اشتراط عدم الذهاب إليه صححه البغوي فتبعه عليه الرافعي ثم النووي.
والأكثرون على الإشتراط، ونقله ابن الرفعة عن ظاهر نص الشافعي.

الجزء: 5 - الصفحة: 341

الثاني: نبه عليه النووي من زياداته فقال: المراد أن حرملة قاله مذهبًا لنفسه لا نقلًا عن الشافعي، كذا صرح به الشيخ أبو حامد وآخرون.
فاعلمه.
فإن عبارة "المهذب" تقتضي أنه نقله عن الشافعي.
قال: فحصل أن المسألة ذات وجهين لا قولين.

قوله: المسألة الثانية: إذا باع المالك الوديعة أو العارية ممن هى في يده، فهل يعتبر زمان إمكان القبض بجواز التصرف وانتقال الضمان؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم.
وعلى هذا فهل يحتاج إلى الإذن في القبض؟ نظر: إن كان الثمن حالًا ولم يوفيه، لم يحصل القبض إلا إذا أذن البائع فيه، فإن وفاه أو كان مؤجلًا فعن الشيخ أبى علي رواية طريق أنه كالرهن.
والمشهور أنه لا يحتاج إليه.
والفرق أن البيع يوجب القبض، فدوام اليد يقع عن القبض المستحق.
ولا استحقاق في الرهن.
انتهى كلامه.
وما ذكره من [الجزم باشتراط] 15 الإذن في القبض عند ثبوت حق الحبس وأن التردد محله عند عدم ثبوته، كيف يتصور القول به مع أن المبيع لو كان في يد البائع ولم يكن له حق الحبس لكان للمشتري انتزاعه منه قهرًا بلا خلاف، كما أوضحوه في باب القبض، فكيف يترددون مع ذلك في اشتراط الإذن إذا كان في يد المشتري، فإنا قد نحكم بالقبض لأجل اليد وإن لم نجوز الإنتزاع، ولهذا لا يجوز للمرهون عنده والمرهون منه أن ينتزع العين بلا خلاف، وفي افتقارهما إلى الإذن حالة كونها في

الجزء: 5 - الصفحة: 342

يدهما ثلاثة أوجه مشهورة.
وقد اتضح الأمر وانكشف الحال عن انعكاس هذا الخلاف، وأنه إن لم يكن للبائع حق الحبس فلا يفتقر المشتري إلى إذنه.
وإن كان له حق الحبس فهو محل خلاف الشيخ أبى علي، كذا صرح به الغزالي في "البسيط" فقال: وذكر الشيخ أبو علي وجهًا أنه ينزل منزلة الرهن في افتقاره إلى إذن جديد حتي إذا لم يأذن لم يبطل حقه من الحبس ولم يخرج من ضمانه.
ولا شك أنه لو وفي الثمن حصل تمام القبض.
هذا لفظ الغزالي.
وذكر في "النهاية" نحوه فقال: وذكر أبو علي وجهًا أن القبض لا يحصل ولا يبطل حق البائع من الحبس إذا أثبتناه، ما لم ياذن له أو يتوفر عليه الثمن، وهذا غريب.
هذا كلامه.
وجزم ابن الرفعة بما قلناه من الجزم عند عدم الحبس، وحكاية الخلاف عند ثبوته وصحح حصول القبض كما صححه الإمام والغزالي وغيرهما.

قوله في أصل "الروضة": فكل مزيل للملك كالبيع والإعتاق والإصداق وجعله أجرة والرهن والهبة مع القبض، والكتابة والوطء مع الإحبال، يكون رجوعًا.
انتهى كلامه.
وعده الوطء وما بعده سهو، فإنه لا يزيل الملك، ولم يعبر الرافعي بذلك بل بعبارة مستقيمة.

قوله: قال الإمام: وإباق [العبد] 16 المرهون قبل القبض مخرج على وجهين.
انتهى.

الجزء: 5 - الصفحة: 343

والأصح منهما أن الرهن] 17 لا يبطل، كذا صححه في "المحرر" وعبر بالأصح، وصححه أيضًا في "الروضة" من "زياداته".

قوله: والخمر نوعان: أحدهما: المحترمة وهي التي اتخذ عصيرها ليصير خلًا.
انتهي.
وهذا الذي ذكره في تفسير المحترمة، قد خالفه في كتاب الغصب في أثناء الباب الثاني في الكلام علي ما إذا غصب عصيرًا فتخمر فقال: إن المحترمة هي التي عصرت لغير قصد الخمرية.
ويتخرج علي الجوابين ما إذا عصرت لا بقصد، وتبعه النووي في "الروضة" علي الموضعين.

قوله: أما إذا طرح في العصير بصلًا أو ملحًا بقصد التخليل فتخمر، ثم تخلل فوجهان.
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا يطهر.
انتهى.
والصحيح ما صححه صاحب "التهذيب"، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".

قوله: وحكى الإمام عن بعض الخلافيين أنه لا يجوز إمساك الخمر المحترمة، بل يضرب عن العصير إلى أن يصير خلًا.
فإن اتفقت منا اطلاعة وهو خمر أرقناه.
انتهى.
وإسناده ذلك لبعض الخلافيين وسكوته عليه، قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، وهو يشعر بعدم وجوده لأئمة المذهب، وهو غريب.
فهذا هو المعروف عن العراقيين، قد نقله عنهم ابن الرفعة في "الكفاية" في باب النجاسات، وفي الغصب.

الجزء: 5 - الصفحة: 344

قوله: ويطهر ما فوق الخل مما أصابه الخمر في حال الغليان، قاله الفاضي حسين وأبو الربيع الإيلافي.
انتهى.
وما قالاه من الطهارة قد خالفهما فيه غيرهما من الأصحاب، فقال: إنه نجس معفو عنه.
وقال البغوي في "فتاويه" بعد نقله: إنه الصحيح عندي، بل رأيت في كتاب "الحيل" لأبي حاتم القزويني الجزم بأنه نجس غير معفو عنه، إلا أن الصحيح هو الأول، ولهذا جزم به النووي في "فتاويه" ونقله عن الأصحاب.

الجزء: 5 - الصفحة: 345

الباب الثالث: في حكم المرهون بعد القبض

قوله: ولو [أخر] 18 المرهون مدة تزيد علي محل الدين بطل على المشهور.
ثم قال ما نصه، ثم القائلون بالمنع لم يفصل الجمهور منهم، وقال في "التتمة": يبطل قدر الأجل [وفي] 19 الزائد عليه قولا تفريق الصفقة.
انتهى لفظه بحروفه.
وتبعه عليه في "الروضة" وهو غلط في التعبير والصواب وهو المذكور في "التتمة" أن يقول: بطل الزائد علي الأجل، وفي قدره قولان.
ثم إن هذه الطريقة هي قياس ما قالوه في تفريق الصفقة، وإلا فما الفرق؟ . وجزم بها أيضًا الماوردي في "الحاوي" و [في] 20 نظير المسألة إجازة الطفل.

قوله: وإن أعتقه فأقوال.
انتهى.
قال القاضي حسين في "فتاويه": محل ذلك إذا لم يعتقه عن كفارة غيره.
فإن أعتقه عنها لم يصح، ونقله في "الروضة" عنه وأقره.

قوله: التفريع إن قلنا: لا ينفذ إعتاق المرهون فانفك بإبراء أو غيره فقولان أو وجهان: أظهرهما: أنه لا يحكم بنفوذه أيضًا.
انتهى.

الجزء: 5 - الصفحة: 346

ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وكذلك النووي في "الروضة".
والصحيح: أن الخلاف وجهان، كذا جزم به الرافعي في "المحرر"، والنووي في "المنهاج".

قوله: ومتي كان الراهن موسرًا وقلنا: ينفذ عتقه مطلقًا، أو من الموسر فقط، ففي وقت نفوذه طريقان.
. . . إلى آخره.
فيه إشارة إلى أنا إذا نفذنا إعتاق المعسر فيعتق في الحال بلا خلاف.
قال النووي في "زياداته": وقد صرح به الشيخ أبو حامد، وصاحب "الشامل" وغيرهما.

قوله من "زوائده": إذا أعتق المرهون عن كفارته أجزأه، إن قلنا: ينفذ إعتاقه.
وإن أعتقه عن كفارة غيره فلا يعتق لأنه بيع، قاله القاضي حسين في "الفتاوي".
انتهى.
والمسألة [الأولي] 21: قد ذكرها الرافعى في كتاب الظهار أبسط من المذكور هنا، فلا حاجة إلى زيادته إياها.
وأما الثانية: وهي التكفير عن الغير فيرد عليه ما إذا مات الراهن فانتقلت العين إلى وارثه فأعتقها عن مورثه، وكذا إذا لم يرهنه، ولكن مات وعليه دين، فإنه ينتقل إلى الوارث مرهونًا.
ومع ذلك يجوز إعتاقه عن مورثه، كما هو حاصل كلام الرافعي في باب الوصية، وعلله بأن إعتاقه كإعتاقه.
ولو أعتق عنه الوارث عبدًا قد رهنه هو -أي الوارث- وهو موسر ففي [نفوذه] 22 نظر يحتمل الجواز، كما لو أعتقه عن نفسه، ويحتمل المنع،

الجزء: 5 - الصفحة: 347

لأن فيه [انتقال] 23 المرهون إلى غيره.
فإن نفذناه بطل الحكم الذي ادعاه، وإن لم ننفذه بطلت العلة بكونه بيعًا، لقصورها إذ لا عوض هنا بالكلية، ومع ذلك لا يصح.
واعلم أن المنقول في باب الوصية أنه يجوز للوارث والأجنبي التبرع بها على الميت على الأصح إن كانت الكفارة مرتبة، وفي المتخيرة خلاف.

قوله أيضًا من زوائده: وفي وجه يحرم وطء الحامل من الزنا.
انتهى.
هذا الوجه ذكره الرافعي في باب العدد وغيره، ونقله عن ابن الحداد.

قوله: وهل تصير الجارية المرهونة أم ولد بالإحبال؟ ، فيه الأقوال المذكورة في الإعتاق.
ثم منهم من امتنع من الترتيب وسوى بينهما لتعارض المعنيين، وبه قال الشيخ أبو حامد، والأكثرون قالوا بالترتيب، وجعلوا الاستيلاد أولى بالنفوذ، ومنهم من عكس.
انتهى ملخصًا.
ذكر نحوه في "الروضة" أيضًا، وحاصله تصحيح عدم التسوية، وخالف ذلك في "الشرح الصغير"، ورجح التسوية فقال ما نصه: وفي مصيرها أم ولد الأقوال المذكورة في الإعتاق، وقيل: الاستيلاد أولي بالنفوذ لأنه فعل، والفعل أقوى.
وقيل: الاستيلاد أولي بأن لا ينفذ.
هذا كلامه، وهو صريح فيما قلناه، وكلام "المحرر" يشعر به أيضًا.
ووقع الموضعان في "الروضة" و"المنهاج" كما وقعا في الأصل.

قوله: ولو انفك الرهن ولم يتفق بيعها نقد الاستيلاد، ومنهم من خرجه على الخلاف فيما إذا بيعت.
انتهى.

الجزء: 5 - الصفحة: 348

وحاصله تصحيح طريقة القطع، وقد صرح بها في "الروضة" أيضًا، لكن وقع في "المحرر" و"المنهاج" الجزم بطريقة الخلاف.

قوله: إذا ماتت الجارية التي أولدها الراهن بالولادة والتفريع على أن الاستيلاء عندنا نافذ، فعليه قيمتها لتكون رهنًا، وعن أبي علي الطبري وغيره وجه أنه لا شيء عليه.
انتهى.
وما نقله عن أبي علي الطبري قد رأيت في كتابه المعروف وهو "الإفصاح" الجزم بعكسه.

قوله: ولو أولد أمة الغير بشبهة وماتت بالولادة، وجبت قيمتها على المذهب بخلاف الحرة على الأصح، لأن الوطء سبب ضعيف، وإنما أوجبنا الضمان في الأمة لأن الوطء استيلاء عليها والعلوق من آثاره، والحرة لا تدخل تحت الاستيلاء، ثم قال: ولو أولد امرأة بالزنا مكرهة فماتت بالولادة حرة كانت أو أمة فقولان: أصحهما: أنه لا يجب الضمان، لأن الولادة غير مضافة إليه لقطع النسب.
انتهى.
وما ذكره في آخر كلامه من تصحيح عدم الوجوب تابعه عليه في "الروضة"، ثم ذكر -أعني النووي- في أواخر الغصب في الكلام على وطء الغاصب والمشتري منه ما يشكل على هذا التصحيح، وسوف أذكر لفظه هناك فراجعه.
ويؤخذ من تعليل الرافعي في هذا الباب أنه لا فرق في عدم الضمان بين كونها مكرهة أو طائعة [لأن النسب منتف عنه لكنه نص على المكرهة ليؤخذ منه الطائعة] 24 إما بطريقة الأولى [وإما لأنه] 25 لا فرق.

الجزء: 5 - الصفحة: 349

وقد علل الرافعي الوجوب في الغصب بمأخذين موجودين في هذه الصورة.

قوله: ولو خالف ما ذكرناه فغرس أو زرع حيث منعناه، فلا يقلع قبل حلول الأجل، وبعد حلول الدين ومساس الحاجة إلى البيع يقلع إن كانت قيمة الأرض لا تفي بدينه، وتزداد قيمتها بالقلع.
انتهى كلامه.
ومحل ما قاله من القلع إذا لم يأذن [الراهن] 26 في بيع الغراس والزرع.
فإن أذن فيه لم يقلع، بل يباعان ويوزع [الثمن] 27. كذا نبه عليه الرافعي في الكلام على رهن الأم دون الولد، وهو واضح فتنبه له.

قوله: لا يخرج من يده ولا يوهن.
الوهن بالواو وهو الضعف، أي لا يضعف بالإخراج من يده.

قوله: وإن أراد الراهن استيفاء المنافع بنفسه، قال في "الأم": له ذلك، ويمنع منه في القديم فحمل حاملون الأول على الثقة المأمون جحوده، والثاني على غيره، وأجراهما مجرون قولين مطلقًا، ووجهوا الثاني بما يخاف من جحوده وخباثته لو سلم إليه.
والأول بأن ما له استيفاؤه بغيره له استيفاؤه بنفسه ويشبه أن يكون هذا أظهر، ويتفرع عليه.
. . . إلى آخره.
ذكر نحوه في "الشرح الصغير" أيضًا، وأطلق الأظهر ولم يتوقف فيه، وقد ظهر من تعبيره أن الإشارة بقوله: (هذا أظهر) إلى جواز الاستيفاء بنفسه مطلقًا، وحينئذ فليس في كلامه تصحيح واحد من الطريقين.

الجزء: 5 - الصفحة: 350

إذا علمت ذلك فقد اختصر النووي في "الروضة" هذا الكلام على غير وجهه فقال ما نصه: فحمل حاملون الأول على الثقة المأمون جحوده، والثاني على غيره.
وقال آخرون: هما قولان مطلقًا، وهذا أصح.
قلت: المذهب جوازه مطلقًا والله أعلم.
هذا لفظه، فتوهم أن الترجيح الذي ذكره الرافعي في القولين عائد إلى الطريقين، وإنما هو العكس.
وجزم في "المحرر" بالجواز، ولم يحكِ خلافًا بالكلية.

قوله: ويتفرع عليه ما نقله إمام الحرمين وصاحب الكتاب، وهو أنه إن وثق المرتهن بالتسليم فذاك، وإلا أشهد عليه شاهدين أنه يأخذه للإنتفاع.
فإن كان مشهورًا بالعدالة موثوقًا به عند الناس فوجهان: أشبههما: أنه يكتفي بظهور حاله، ولا يكلف الإشهاد في كل [أخذة] 28 لما فيه من المشقة.
اعلم أن المراد مما نقله عن الإمام والغزالي وهو أنا إذا أوجبنا الاشهاد أوجبناه في كل أخذة، كذا هو مصرح به في "النهاية" و"الوسيط" وإليه أشار الرافعي في آخر كلامه.
فكأنه قال: لا يجب في الموثوق به ما أوجبناه في غيره وكلام "الروضة" يوهم أن ما ذكره الرافعي في آخر كلامه ليس إشارة لذلك، وأن الإشهاد يجب أيضًا في حقه، ولكن الخلاف إنما هو في تعدد الإشهاد لتعدد الأخذ.

قوله: ثم إن كان إخراج المرهون من يد المرتهن لمنفعة [يدام استيفاؤها فذاك .. وإن كان لمنفعة] 29 تستوفى في بعض الأوقات كالاستخدام أو الركوب فيستوفي نهارًا ويرد إلى المرتهن ليلًا.
انتهى كلامه.

الجزء: 5 - الصفحة: 351

تبعه في "الروضة" على إطلاق الرد في جميع الليل، والصواب ما نبه عليه ابن الرفعة في "شرح الوسيط" أنه لا يرد في جميع الليل، بل في الوقت الذي جرت العادة بالراحة فيه.
قال: لأن الشافعي نص في "البويطي" في الأمة المزوجة: على أنها تترك بعد ثلث الليل.

قوله: والعبد المحبوس بالثمن، هل يستكسب في يد البائع للمشتري أم تعطل منافعه؟ فيه اختلاف للأصحاب.
انتهى.
قال في "الروضة" من "زياداته": الراجح استكسابه.

قوله: الديون التي على الميت تتعلق بتركته كتعلق المرهون وفى قول: كتعلق الأرش برقبة الجاني.
وقد سبق في [الزكاة] 30 أن هذا التعلق لا يمنع الإرث على الأصح من الخلاف.
انتهي ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن هذا الخلاف في كونه تعلق رهن أو جناية، قد جعله في كتاب العتق وجهين، ذكر ذلك قبيل الولاء بنحو ستة أوراق من جملة فصل مشتمل على مسائل متعلقة بما نحن فيه.
وسلمت "الروضة" من هذا الاختلاف، فإنه لم يتعرض هناك للخلاف، والمذكور هنا هو المذكور في "المحرر" وغيره.
الثاني: إذا قلنا: إنه يمنع الإرث، فهل يمنع في قدر الدين أم في الجميع؟ فيه وجهان ذكرهما الرافعي في آخر كتاب الشفعة، ولم يصحح منهما شيئًا، وقال: إنهما مذكوران في موضعهما، وموضعهما هو هذا الباب

الجزء: 5 - الصفحة: 352

والعتق وآخر زكاة الفطر، وهو المشار إليه بقوله: وقد سبق في الزكاة.
وليس للوجهين ذكر في المواضع الثلاثة.
الأمر الثالث: أن هذا الخلاف المذكور في منع الإرث، لم يبين هنا هل هو وجهان أو قولان؟ وقد حكاهما الرافعي في زكاة الفطر وجهين، وحكاه في زكاة المعشرات نقلًا عن الشيخ أبي علي أنه [قولان] 31 وهو الصواب، فإنه قد نقل في زكاة الفطر أن الشافعي نص على أنه لا يمنع.
ونقل الإمام في كتاب الشفعة عن القديم أنه يمنع وأشار الرافعي أيضًا في الفطرة إلى إثباته قولًا فثبت القولان.
ورأيت في "الأم" ما حاصله أنه يمنع أيضًا، فقال في الكتابة في باب ميراث سيد المكاتب: فإن كان الورثة محجورين فدفع المكاتب ما عليه إلى وصيهم، وعلى الميت ديون أو لا دين عليه، أوله وصايا أو لا وصايا له، فالمكاتب حر، وإن هلك في يد الوصي لأن الوصي يقوم مقام الميت إذا كان قد أوصي إليه بدينه ووصاياه وتركته.
ثم قال: وإن كان الميت مات عن ورثة كبار، وليس فيهم صبي، وعليه دين، وله وصايا لم يبرأ المكاتب بالدفع إلى الورثة حتى [يصل إلى أهل الدين دينهم لأن الميراث لا يكون للورثة حتى] 32 يقضي الدين.
وإن قضي الدين حتى يصل إلى أهل الوصايا وصاياهم لأن أهل الوصايا شركاء بالثلث.
انتهى.
ويؤخذ من هذا النص أمران: أحدهما: ما أشرنا إليه.
والثاني: أن الوارث ليس له ولاية قبض هذا الدين، لأن الشافعي

الجزء: 5 - الصفحة: 353

حكم بانتفاء العتق بهذا القبض.
فلو ثبت له ولاية القبض لعتق بهذا القبض، فلو ثبت له ولاية العتق لعتق كما تقدم في الوصي وهي مسألة حسنة، وقد ذكرها الرافعي في آخر الكتابة نقلًا عن البغوي فقال: وإن قضى الديون والوصايا عتق، وإلا وجب الضمان على المكاتب، ولم يعتق.
ثم نقل عن القاضي أبي الطيب مسألة أخري وهي الدفع إلى الغريم فقال: إنه يبرأ بذلك إن كان الدين مستغرقًا للتركة.

قوله في "الروضة": فلو أعتق الوارث، أو باع وهو معسر لم يصح قطعًا، سواء جعلناه كالجاني أو كالمرهون ويجيء في الإعتاق خلاف.
انتهى.
وما ذكره هنا من نفي الخلاف في بيع الوارث المعسر لم يتعرض له الرافعي، وهو غير صحيح أيضًا، فقد حكى هو في كتاب العتق عن الإمام قولًا أنه يصح إذا جعلناه كالجناية.
وحكي عنه أيضًا الرافعي فرقًا يتقوي به ما جزم به الرافعي، وصرح النووي بنفي الخلاف فيه فقال: الوارث يلغي الملك بالخلافة، وهي مشروطة بتقديم حق الميت بخلاف الجاني والمرهون.

قوله: فإن كان موسرًا نفذ في وجه بناء على تعلق الأرش، ولا ينفذ في وجه بناء على تعلق حق المرهون، وفي وجه هما موقوفان.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة"، وهذا الكلام يوهم أن الصحيح بطلان العتق، لكونه أشار إلى أن الإبطال مبني على جعله كالمرهون، وهو الصحيح، وليس ذلك مراده.
إنما المراد أنه لما ذهب بعضهم إلى أنه كالجاني، وبعضهم إلى أنه كالمرهون لزم أن يجيب بعضهم بالجواز كما قد قيل به في الجاني،

الجزء: 5 - الصفحة: 354

وبعضهم بالمنع كما قيل به في المرهون.
ويدل على أنه لم يرد استيعاب الوجوه المفرعة على كل قول، أن الصحيح في الموسر صحة اعتاقه للمرهون، وبالجملة فقد صرح في كتاب النكاح بما يدفع الوهم، فقال قبيل الباب السادس: المذهب أنه ينفذ من الوارث الموسر إعتاق عبيد التركة، وكذلك في كتاب العتق، فقال: الأظهر في الإعتاق النفوذ وفي البيع المنع.
ونقل الرافعي هناك خلافًا من غير ترجيح في مسائل متعلقة [بما نحن فيه] 33. إحدها: إذا نفذنا العتق هل ينتقل الدين إلى ذمة الوارث أم لا ينقله بل يلزمه القيام بالأقل؟ . الثانية: إذا فرعنا على صحة البيع فتلف الثمن في يد الوارث هل للغرماء تغريم المشتري ثانيًا؟ . الثالثة: إذا صححنا البيع هل يقع [لازمًا] 34 أم لا كبيع الجاني؟ والإمام هو القائل بالنفي في المسائل الثلاث.

قوله: وفي تعلق حقوق الغرماء بزوائد التركة كالكسب والنتاج خلاف يتفرع على ما مر من أن الدين هل يمنع الميراث؟ إن منعه ثبت التعلق، وإلا فلا.
انتهى كلامه.
وحاصله أن الصحيح عدم التعلق، لأن الصحيح أنه لا يمنع كما مر.
إذا علمت ما قلناه فقد ذكر ما يخالف ذلك في كتاب النكاح في الباب الخامس في المولى عليه في السبب الخامس منه في الكلام على إجبار العبد

الجزء: 5 - الصفحة: 355

على النكاح، وسأذكره هناك إن شاء الله تعالى.
واقتصر الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" على ذكرها في هذا الباب.

قوله: وقول "الوجيز": ولو ظهر دين بعد تصرف الورثة في التركة ففي تتبعه [بالنقص] 35 خلاف، أراد بالتتبع تبيين الفساد على ما هو مبين في "الوسيط" [انتهى.
ودعواه أن ذلك مبين في "الوسيط"] 36 ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" وليس كذلك، بل إنما بينه في "البسيط".

قوله: ولو شرطا وضعه عند اثنين، فإن نصا على أن لكل منهما الانفراد بالحفظ أو على أن يحفظاه معًا في حرز اتبع الشرط، وإن أطلقا فوجهان لابن سريج.
أصحهما: أنه ليس لأحدهما أن ينفرد بالحفظ كما لو أوصي إلى رجلن أو وكل وكيلين لا يستقل أحدهما، فعلى هذا يجعلانه في حرز لهما.
والثاني: يجوز الانفراد لئلا يشق عليهما.
فعلى هذا إن اتفقا على كونه عند أحدهما فذاك، فإن تنازعا والرهن مما ينقسم قسم، وإلا حفظ هذا مدة وهذا مدة، انتهى كلامه.
وهو موهم، بل ظاهر في أنه لا يجوز لهما أن يقتسماه، لكنه ذكر في نظيره من الوصية ما يخالفه فقال في الشرحين: وإن اختلفا في الحفظ، ولم يكونا مستقلين فوجهان: أحدهما: أنه لا ينفرد واحد منهما بحفظ شيء.

الجزء: 5 - الصفحة: 356

والثاني: -وبه أجاب الأكثرون-: أنه ينقسم أيضًا، لأنه إذا كان المال في يدهما كان نصفه في يد كل واحد منهما فجاز أن يعين ذلك النصف.

قوله: فإن فرعنا على الجواز فقسماه بالتراضي ثم أراد أحدهما أن يرد ما في يده على صاحبه ففي جوازه وجهان لابن سريج، وجه المنع، أن المشقة قد اندفعت بما جرى.
انتهى ملخصًا.
قال في "الروضة" من "زياداته": قطع البغوي بأنه لا يجوز.

قوله: الثانية: إذا وضعا الرهن عند عدل وشرطا أن يبيعه عند المحل جاز، ولا تشترط مراجعة الراهن في الأصح، لأن الأصل دوام الإذن.
ثم قال: وأما المرتهن فجواب العراقيين أنه لابد من مراجعته، ولم يجروا فيه الخلاف.
ووجهوه بأن المرهون إنما يباع لإيصال حقه إليه [وذلك] 37 يستدعي مطالبته بالحق فليراجع لتعرف أنه يطالب أو يمهل أو يبرء.
وقال الإمام: لا خلاف أن المرتهن لا يراجع، لأن غرضه توفية الحق بخلاف الراهن، فإنه قد يستبقي العين لنفسه، فتأمل في بعد إحدى الطريقتين عن الأخرى.
انتهى كلامه.
واعلم أن الإمام صور مسألة الوجهين بما إذا كان الراهن والمرتهن أذنا للعدل، وعلى هذا التصوير لا يحتاج إلى مراجعة المرتهن بلا نزاع، فلذلك ادعى الإمام نفي الخلاف فيه.
وصور العراقيون ذلك بما إذا شرط في الرهن أن العدل يبيع، أو حصل توكيل من الراهن فقط، ولم يأذن المرتهن.
وعلى هذا الفرض لابد من إذن المرتهن لأنه لم يأذن قبل ذلك، فلذلك قالوا: لابد من مراجعته، فالحاصل أنهما مسألتان، ذكر العراقيون

الجزء: 5 - الصفحة: 357

مسألة، [والإمام أخرى] 38 فلا تنافي بين المقالتين ولا بعد.
فإن قيل: إذا اشترطا ذلك في العقد، فهل يشترط أيضًا إذن المرتهن؟ قلنا: نعم، لأن إذنه إنما يكون بعد ثبوت حقه، وذلك متوقف على القبض بخلاف الراهن.

قوله: ولو عزل الراهن العدل انعزل، ولو عزله المرتهن لم ينعزل في أظهر الوجهين، لأنه وكيل عن الراهن، وإذن المرتهن شرط.
ثم قال ما نصه: وإذا قلنا: لا ينعزل بعزل المرتهن، فلو عاد إلى الإذن جاز البيع، ولم يشترط تجديد توكيل من الراهن.
قال في "الوسيط": ومساق هذا أنه لو عزله الراهن، ثم عاد ووكل افتقر إلى تجديد إذن للمرتهن، ويلزم عليه أن يقال: لا يعتد بإذن المرتهن قبل توكيل [الراهن، ولا بإذن المرأة للوكيل قبل توكيل] 39 الولى إياه، والكل محتمل.
انتهى كلامه.
واعلم أن كلام "الوسيط" هنا قد حصل فيه أوهام كثيرة، فإن جميعه مبني على أن رجوع المرتهن عزل كرجوع الراهن.
ولم يذكره الغزالي، ومع كونه مبنيًا على شيء لم يذكر قد حصل فيه أيضًا تبديل لفظ بلفظ يعلم من "النهاية"، والعجب من سكوت الرافعي عليه، وقد نبه ابن الرفعة على ذلك في "المطلب"، وآخر الرهن من "الكفاية" ناقلًا له عن [شيخه الشريف مدرس المدرسة الشريفية بمصر وبه سميت الشريفية] 40 فقال: وكان شيخى السيد الشريف عماد الدين العباسي -رحمه الله- يستشكل كلام الغزالي -رحمه الله- في هذا،

الجزء: 5 - الصفحة: 358

وكتب له ورقة بخطه فيما وقع له فيه، وسأذكر صورة المكتوب فيها، ثم أبدى ما ظهر لي عليه، وصورته التي زعم الشيخ أنه مساق كلام الأصحاب، ليس مساقًا لكلامهم ووقع الغلط في هذا الفرع في ثلاث عشرة كلمة منه، وها أنا أرسمها بالحمرة [بين الأسطر ليتنبه الناظر وأكتب بالحمرة] 41 المسألة التي ذكرها الإمام -أعني الوجه الذي نقله الإمام عن الأصحاب، إذ كان الشيخ أراد أن يفرع عليه، لكن كأن الأمر اشتبه عليه فعكس الصواب في تفريعه عليه، ونقل حكم إذن المرتهن إلى توكيل الراهن بالعكس، فأقول بعد أن أعلمك أن المكتتب بالسواد هو نفس كلام الشيخ، والمكتتب بالحمرة فوق الكلمات بعد مسألة الأصحاب هو صوابه، قال: فروع أربعة: الأول: أنه لو رجع أحدهما عن الإذن امتنع البيع، ورجوع الراهن عزل، فإنه الموكل، وإذن المرتهن شرط، وليس بتوكيل، وكذلك لو عاد المرتهن وأذن بعد رجوعه جاز، ولم يجب تجديد التوكيل من الراهن.
وذهب بعض الأصحاب إلى رجوع المرتهن يوجب رفع الوكالة، ومساق هذا الكلام من الأصحاب بأنه لو عزل الراهن [المرتهن] 42 ثم عاد ووكل [وأذن] 43 افتقر المرتهن [الراهن] 44 إلى تجديد الإذن [التوكيل] 45 وعليه، يلزمه لو قيل به أن لا يعتد بإذنه [بتوكيله] 46 للعدل قبل توكيل [إذن] 47 الراهن [المرتهن] 48، فليؤخر

الجزء: 5 - الصفحة: 359

عنه، ويلزم عليه الحكم ببطلان رضى [توكيل] 49 المرأة [الولي] 50 بالتوكيل في النكاح قبل توكيل الولي [إذن المرأة] 51 وكل ذلك محتمل.
ووجه المساهلة إقامة دوام الإذن [التوكيل] 52 مقام الإبتداء تعلقًا بعمومه، وأنه إن لم يعمل في الحال فليقدر مضافًا إلى وقت التوكيل [الإذن] 53، هذا آخر ترتيبه.
والذي وقع لي عليه أن هذا الوجه الذي بني الشيخ عليه هذا الكلام نسبه الإمام إلي بعض الضعفة، فكيف يمكن التزام الأصحاب بمقتضاه، ثم لو صححناه لم يكن مساقه مشعرًا بما ذكره، بل مصرحًا به، لأن الوكالة إذا ارتفعت علم بالقطع أنها لا تعود إلا بتوكيل جديد.
وإذا كان كذلك لم يحسن حمل كلام الغزالي على ذلك.
نعم ما ذكره صحيح بناء على اختيار هذا الوجه، هذا آخر كلام ابن الرفعة.
وما ذكره من أن الغزالي عبر بقوله: ومساق كلام الأصحاب إذا جعلناه مفرعًا علي ذلك الوجه الضعيف، يكون أخذه منه بالتصريح لا بالإشعار، ومن كلام بعضهم لا كلام جميعهم.
فحاصله اعتراض أخر على الغزالي، فإن كلامه لا ينتظم على صورته قطعًا، ولما ذكره الإمام فرعه على ما قلناه فعلمنا أنه مراده.

الجزء: 5 - الصفحة: 360

قوله: ولو باع بثمن المثل فزاد راغب قبل التفرق فليفسخ البيع.
انتهى.
والتعبير بقوله: (قبل التفرق) ذكره في "المحرر" و"الشرح الصغير" أيضًا وهو تعبير ناقص، وكان ينبغي أن يقول: قبل انقضاء الخيار ليعم خياري المجلس والشرط، فإن حكمهما في هذا سواء كما نقله النووي عن صاحب "الشامل" وغيره.
[قوله: ] 54 فعلى هذا لو بدا للراغب نَظر، نُظر إن كان قبل التمكن من البيع منه: فالأول بحاله، وإن كان بعده فقد ارتفع ذلك البيع، فلابد من [بيع جديد، ثم قال بعده من غير فاصل: وفي طريقة الصيدلاني أنه] 55 إذا بدا له بأن البيع الأول بحاله كما لو بذل الابن الطاعة لأبيه في الحج وجعلناه مستطيعًا، ثم رجع عن الطاعة قبل أن يحج أهل بلده فإنا نتبين عدم الوجوب.
انتهى كلامه.
وهذا المنقول عن الصيدلاني محله إذا كان قبل التمكن من البيع، وإلا لم يصح التعليل المذكور.
وحينئذ فيصير مكررًا لا وجهًا آخر، فإنه قد جزم أولًا بأنه لا ينفسخ.
وحذف في "الروضة" التعليل وأثبت المقالة، فأوهم الواقف عليه أنه وجه آخر فيما إذا تمكن، وليس كذلك.

قوله: وأشار الإمام في المسألة إلى شيء آخر، وهو أن الوكيل في البيع لو باع ثم فسخ البيع هل يمكنه من البيع مرة أخرى؟ فيه اختلاف.
انتهى.
واعلم أن في هذه المسألة -وهي فسخ البيع الصادر من الوكيل- تفصيلًا اذكره في آخر الباب الثاني من أبواب الوكالة، يتعين الوقوف عليه،

الجزء: 5 - الصفحة: 361

حاصله أن الصحيح في مسألتنا، وهي فسخ البيع قبل انقضاء الخيار جواز البيع ثانيًا فافهمه، فإنه مهم.

قوله: وأصح الوجهين، أن مؤنة الرهن على الراهن، يقوم بها من خالص ماله.
ثم قال ما نصه، وإذا قلنا بالأصح فلو لم يكن للراهن شيء، أو لم يكن حاضرًا، باع الحاكم جزءًا من المرهون.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على التعبير بذلك أيضًا، والمراد بقوله: أو لم يكن حاضرًا، إنما هو المال فافهمه.
ولا يصح عوده على الراهن، وإن كان هو مقتضى الكلام، لأنه يقتضي أنه إذا لم يكن حاضرًا، وكان له مال أن الحاكم لا يقوم بالمؤنة من ماله، بل من المرهون، وهو خلاف القواعد.
ولعل أحدًا لا يقول بذلك، ولا يمكن حمل كلامه على ما إذا لم يكن حاضرًا مع كونه لا مال له، لأنه لا أثر مع فقدان المال لحضوره ولا لغيبته، وأيضًا فيكون تكرارًا لا قسمًا آخر.

قوله: ولو ذبح الدابة وبزغها.
اعلم أن التوديج: فتح الودجين حتي يسيل الدم وهو في الدابة بمنزلة الفصد في الآدميين.
والبزغ أصله الشق، ولهذا يقال: بزغت الشمس إذا طلعت، والمراد هنا فتح الماء إذا نزل في الحافر يقال: بزغ البيطار بالتشديد.

قوله: وإن كان يخاف من المداواة، فعن أبى إسحاق أن للمرتهن المنع.
وقال أبو على الطبري: لا يمنع، واختاره القاضي أبو الطيب.
انتهى.
والأصح هو الثاني، كذا قاله في "الروضة".

الجزء: 5 - الصفحة: 362

قوله: وله ختان العبد والأمة.
قال في "الروضة": كذا أطلق أكثر الأصحاب أو كثيرون، منهم جواز الختان من غير فرق بين الصغير والكبير.
وصرح المتولي والشيخ نصر بأنه لا فرق، فقال صاحب "المهذب" ومن تابعه: يمنع من ختان الكبير دون الصغير لخوف التلف.
وهذا ظاهر نصه في "الأم" و"المختصر"، ويؤيده أنهم عدوا عدم الختان عيبًا في الكبير دون الصغير، كما سبق هذا كلام "الروضة".

قوله: في طلب النجعة.
. . . إلى آخره.
النُّجعة -بضم النون- هو الذهاب للانتفاع بالكلأ ونحوه.

قوله: [الثاني] 56: إن كل عقد يقتضي صحيحه الضمان، فكذلك فاسده، وما لا يقتضي صحيحه الضمان فكذلك فاسده.
. . . إلى آخره.
اعلم أن المراد بهذه القاعدة أن كل ما لا يقتضي صحيحه الضمان بعد التسليم كالرهن والعين المستأجرة والهبة لا يقتضيه أيضًا فاسده، لأنه لا جائز أن يكون الموجب له هو العقد، لأنه لا يقتضيه ولا اليد، لأنها إنما حصلت بإذن المالك، وما يقتضي صحيحه الضمان بعد التسليم كالبيع والقرض والعمل في القراض والإجارة، فيقتضي فاسده أيضًا الضمان، لأنه أولى بذلك.
إذا علمت ذلك ففيه أمور: أحدها: أنه يستثني من الطرد مسائل.
الأولى: إذا قال: قارضتك على أن الربح كله لي، فالصحيح أنه قراض فاسد، ومع ذلك لا يستحق العامل أجرة على الصحيح فيه.

الجزء: 5 - الصفحة: 363

الثانية: إذا صدر عقد الذمة من غير الإمام فإنه لا يصح على الصحيح، ولا جزية فيه على الذمي في أشبه الوجهين.
وعلله الرافعي بأن القبول ممن لا يقبل الإيجاب لغو، وكأنه لم يقبل شيئًا، وهذه العلة [نافعة] 57 في مواضع فاستحضرها، ولهذا إذا وهب الغاصب العين المغصوبة لشخص لا يعلم الحال فتلفت، فإن القرار على المتهب في أصح القولين، لأنه أخذه للتملك.
والثاني: على الغاصب، لأن يد المتهب ليست يد ضمان، كذا ذكره الرافعي في باب الغصب، بخلاف ما إذا أجر أو رهن، ونحو ذلك، فإن القرار على المؤجر في الأصح لتغريره كما ذكره في الباب الثالث من الرهن.
وقد علم بما ذكرناه أن المراد بما ذكره إنما هو عند صدور التصرف الفاسد من المالك.
وقيل: لكل سنة دينار كما لو فسد عقد الإمام.
الثالثة: إذا استأجر أبو الطفل أمة لإرضاعه وقلنا: لا يجوز، فهل تستحق أجرة المثل؟ فيه وجهان، الأصح في "الروضة": أنها لا تستحق.
ذكره قبيل باب الجنايات.
الرابعة: إذا ساقاه على أن الثمرة جميعها لرب المال، فإنه كالقراض على ما قاله الرافعي، [وحينئذ] 58 فتكون فاسدة ولا يستحق أجرة.
الخامسة: إذا ساقاه علي وَدِي 59 ليغرسه، ويكون الشجر بينهما أو

الجزء: 5 - الصفحة: 364

ليغرسه ويبيعهما مدة والثمرة بينهما، فالصحيح فسادها.
ثم إن كانت الثمرة لا تتوقع في هذه المدة، ففي استحقاق أجرة المثل الوجهان في اشتراط الثمرة كلها للمالك، كما قاله الرافعي.
قال: وهكذا إذا ساقاه علي ودى مغروس وقدر مدة لا يثمر فيها في العادة.
السادسة: إذا قال الإمام لمسلم: إن دللتني على القلعة الفلانية فلك منها جارية، ولم يعين الجارية فالصحيح الصحة، كما لو جرى مع كافر.
فإن قلنا: لا تصح هذه الجعالة، لم يستحق أجرة، ويستثني من العكس الشركة، فإنها إذا كانت صحيحة لا يكون عمل كل واحد منهما في مال صاحبه مضمونا عليه.
وإذا كانت فاسدة يكون مضمونًا كما ذكره الرافعي في بابه.
وأيضًا فلو غصب سلعة ورهنها أو أجرها فتلفت في يد الآخذ، كان للمالك مطالبته على الصحيح، وإن كان إقرار الضمان على الغاصب.
الثاني: أن ما لا يقتضي صحيحه الضمان إذا صدر من السفيه والصبي، يكون مضمونًا أيضًا مع فساده.
الثالث: أن [المراد من هذه القاعدة التسوية بين الصحيح والفاسد في أصل الضمان لا في الضامن ولا في المقدار، فإنهما قد لا يتساويان.
أما الضامن فلأن الولي إذا استأجر للصبي على عمل استئجارًا فاسدًا ففعله الأجير للصبي، فتكون الأجرة على الولي لا على الصبى، كما صرح به البغوي في "فتاويه" بخلاف الصحيحة.
وأما المقدار فلأن صحيح البيع مضمون بالثمن، وفاسده بالقيمة أو المثل، وصحيح القرض مضمون بالمثل مطلقًا، وفاسده بالمثل أو القيمة.

الجزء: 5 - الصفحة: 365

وصحيح القراض والمساقاة والإجارة والمسابقة ونحوها مضمون بالمسمى وفاسدها بأجرة المثل.

قوله: ولو رهنه أيضًا وأذن له في الغراس بعد شهر فهي بعد الشهر عارية، وقيل: أمانة، ثم قال: وقوله في "الكتاب": فهو بعد الغراس عارية، يجب تأويله لأنه بعد الشهر عارية غرس أم لم يغرس.
انتهى كلامه.
واعلم أن اليد في الرهن للمرتهن، والقبض فيها لا يقتضي الضمان وحينئذ فمجرد إذن المالك في الإنتفاع لا يقتضي كونه مستعيرًا فلا اعتراض إذًا على الغزالي.
ولا يصح مع ذلك أيضًا حكمه بالضمان مطلقًا بعد الشهر.
ولهذا قال ابن أبى الدم: منقول الأصحاب أنه لا ضمان مطلقًا، ثم حكى احتمالًا أنه إذا قبضه على هذا القصد يكون ضامنًا بعد الشهر مطلقًا.
ثم قال: وهذا [خيال] 60 باطل.
نعم: جزم ابن الرفعة في "المطلب" بهذا التفصيل.

قوله في "الروضة": فرع: إذا ادعى المرتهن تلف الرهن في يده، قبل قوله مع يمينه.
انتهى كلامه.
وإطلاقه دعوى التلف محله إذا لم يذكر للهلاك سببًا، أو ذكر سببًا خفيًا.
فإن ذكر سببًا ظاهرًا، فلابد فيه من تفصيل مذكور في الوديعة، كذا قاله الرافعي في آخر الكلام وأهمله المصنف.

قوله: وما دام الدين في ذمة الجاني، هل يقال بأنه مرهون؟ فيه خلاف.

الجزء: 5 - الصفحة: 366

قال في "الروضة": الأرجح أنه مرهون.

قوله: كما لو جني على العبد المستأجر والمودع يكون الخصم فيه المالك.
انتهى.
وما ذكره في المودع من أن المخاصم المالك دون المودع عنده، قد جزم به أيضًا في أثناء الباب الثالث من أبواب الإجارة، وفي كتاب السرقة، لكنه خالفهما في كتاب الحج في باب محظورات الإحرام في الكلام على الحلف فجزم هناك بأن له المخاصمة، وقد سبق لفظه هناك فراجعه.

قوله: فلو قعد الراهن عن الخصومة فقولان في أن المرتهن هل يخاصم؟ قال في "التهذيب": أصحهما [عن الأصحاب] 61 وبه قال القفال -رحمه الله- أنه لا يخاصم.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره هنا من حكاية الخلاف قولين، ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" لكن حكاه في "المحرر" وجهين، فقال: في أصح الوجهين.
هذا لفظه.
وكذلك في هذا "الكتاب" -أعنى "الشرح الكبير"- في أثناء الباب الثالث من أبواب الإجارة وستعرف لفظه هناك وتقف فيه أيضًا على فائدة أخرى فراجع ذلك.
ووقعت هذه المواضع للشيخ محيى الدين كما وقعت للرافعي.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد جزم في آخر الدعاوى بأن للمرتهن أن يخاصم، علي عكس ما دل عليه كلامه هنا وفي باب الإجارة، ذكر ذلك في الباب الأول المعقود لمسائل منثورة، وسوف أذكر لفظه في موضعه إن شاء الله تعالى.

الجزء: 5 - الصفحة: 367

فتلخص أنه اختلف كلامه في هذه المسألة من ثلاثة أوجه.
واعلم أن غرماء المفلس هل يدعون؟ وإذا ادعى المفلس وامتنع عن اليمين هل يحلفون؟ فيه طريقان: أصحهما: القطع بالمنع.
والثاني: فيه قولان، فيسأل عن الفرق بينهم وبين المرتهن.

قوله: وإذا ثبتت الجناية، فإن كانت عمدًا فللراهن أن يقبض ويبطل حق المرتهن، وإن عفى عن القصاص ثبت المال، إن قلنا: مطلق العفو يقتضي المال وإلا لم يجب وهو الأصح.
كذا قاله في "التهذيب".
وإن عفى علي أن لا مال، فإن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين لم يصح عفوه عن المال، وإن قلنا: موجبه القود، فإن قلنا: ] 62 العفو المطلق لا يوجب المال لم يجب شيء.
وإن قلنا: يوجبه فالأصح: أنه لا يجب أيضًا لأن الفعل لم يوجبه وإنما يجب بعفوه وذلك نوع اكتساب، ولا يجب عليه الإكتساب للمرتهن.
ثم قال بعده: وإن لم يقبض ولم يعف فقيل: يجبر على أحدهما، وقيل: إن قلنا: موجبه أحد الأمرين وإلا فلا، لأنه يملك إسقاطه فتأخيره أولى بأن يملكه.
انتهى.
قال في "الروضة" ينبغي أن يقال: إن قلنا: إذا عفى على أن لا مال، لا يصح أجبر، وإلا فلا.

قوله: فأما إذا أحبلت بعد الرهن فإن قلنا: الحمل لا يعلم بيعت حاملا وهو كالسمن.
وإن قلنا: يعلم.
فلا يكون مرهونًا، ويتعذر بيعها لأن [استثناء] 63 الحمل متعذر، ولا سبيل إلى] 64 بيعها حاملًا، وتوزيع الثمن، لأن الحمل

الجزء: 5 - الصفحة: 368

لا تعرف قيمته.
انتهى.
وما ذكره من تعذر البيع لأجل عدم دخول الحمل، وتبعه على إطلاقه في "الروضة" عجيب، فإن المديون إذا امتنع من الوفاء من جهة أخرى أجبره الحاكم على بيعها، إن لم يكن له مال غيرها، أو بيع ما شاء من أمواله إما هي أو غيرها، إن كان له ذلك: لأن الحاكم يجبره عليه عند عدم الرهن فمع وجوده أولى، ثم إن تساوى الثمن والدين فلا كلام.
وإن فضل من الثمن شئ أخذه المالك، وإن نقص طولب بالباقي، فكيف يجيء إطلاق التعذر؟ ، وقد نص الشافعي في "الأم" على أن الراهن لو سأل بيعها وتسليم الثمن كله إلى المرتهن كان له ذلك.
إذا علمت ذلك فنقول: صورة المسألة إذا تعلق بالحمل حق ثالث بفلس أو موت أو وصية به، أو تعلق الدين برقبة الأم دون ذمة مالكها كالجانية والمعارة للرهن ونحوه.

قوله: الثانية: لو جنى المرهون خطأ على طرف من يرثه السيد [كأبيه] 65 وعمه ثبت المال، فإن مات قبل الاستيفاء وورثه السيد فوجهان: أصحهما عند الصيدلاني والإمام: أنه كما لو انتقل إليه سقط، ولا يجوز أن يثبت له على عبده استدامة الدين كما لا يجوز ابتداؤه.
والثاني: -وهو الذي أورده العراقيون-: أنه لا يسقط، وله بيعه فيه كما كان للمورث، ويحتمل في الاستدامة ما لا يحتمل في الابتداء.
وشبه الأصحاب الوجهين بالوجهين في ما إذا ثبت له دين على غيره، ثم ملكه هل يسقط؟ انتهي ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن ظاهره يشعر برجحان الثاني من جهة النقل في مسألة الجناية، لكنه صرح بتصحيح الأول في "الشرح الصغير" فقال:

الجزء: 5 - الصفحة: 369

أصحهما: أنه يسقط كما انتقل إليه.
الأمر الثاني: أن الراجح في المسألة الثانية -وهي ملك المديون- أنه لا يسقط كذا صححه الرافعي في الطرف الخامس من كتاب النكاح في الفصل الخامس منه المعقود لنكاح العبد والأمة.
وترجمه في "الروضة" بالباب الحادي عشر، فقال ما نصه: وأصحهما: أنه يبقي كما كان، لأن للدوام من القوة ما ليس للابتداء.
هذا لفظه.
وذكر في "الشرح الصغير" أيضًا هناك مثله، وفي الفرق بينهما نظر.
وقد نص الشافعي - رضي الله عنه - في "البويطي" على ما يوافق كلام الرافعي -أعني في "الكبير"- فقال في باب الرهن الأول ما نصه: قال -يعني الشافعي-: فإن جنى على مكاتبه فقتله، إن كان نفيسًا فسبيله سبيل عبد السيد، وهو رهن بحاله، وإن كان جرحًا فللمكاتب [القود] 66 والعفو عن المال، وهو في ذلك كالأجنبي إلا أن يمضي الحكم فيه حتى يعجز المكاتب أو يموت، فيكون للسيد من ذلك ما كان للمكاتب، لأنه إنما ملكت بملك المكاتب.
هذا لفظه بحروفه.

قوله: ولو قتل المرهون عبدًا للسيد مرهونًا عند آخر وقلنا: موجبه القود، فعفى بغير مال، فإن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال، لم يثبت شيء، وكذا إن قلنا: يوجبه في أصح الوجهين في "التهذيب" لأن القتل غير موجب، فعفوه المطلق أو على مال نوع اكتساب للمرتهن، وليس عليه ذلك.
انتهى.
والصحيح ما قاله البغوي، كذا صححه النووي في أصل "الروضة".

قوله: ولو استعار عبدًا من مالكين فرهنه، ثم إذا نصف الدين عن نصيب أحدهما بعينه، ففي انفكاكه ثلاثة أقوال: ثالثها: إن علم المرتهن أن

الجزء: 5 - الصفحة: 370

العبد لمالكين انفك، وإلا فلا.
وفي "عيون المسائل" ما يدل على أن الأظهر الانفكاك.
انتهى.
قال في "الروضة": صرح أيضًا صاحب "الحاوي" وغيره بأن الانفكاك أظهر.

قوله: ولو رهن عبدًا بمائة، ثم مات عن اثنين فقضى أحدهما حصته، ففي انفكاك نصيبه قولان: أصحهما: لا ينفك، لأن الرهن صدر أولًا من واحد، ولو مات من عليه دين وتعلق الدين بتركته فقضى بعض الورثة نصيبه.
قال الإمام: لا يبعد أن يخرج إنفكاك نصيبه من التركة على قولين، بناء على أن أحد الورثة لو أقر بالدين، وأنكر الباقون هل على المقر أداء جميع الدين من حصته من التركة؟ . وعلى هذا البناء فالأصح الانفكاك، فإن الجديد: أنه لا يلزمه أداء جميع الدين مما في يده من التركة، وأيضًا فإن تعلق الدين بالتركة إذا مات الراهن، إما أن يكون كتعلق الرهن أو كتعلق الأرش بالجاني، إن كان الأول فهو كما لو تعدد الراهن.
وإن كان الثاني، فهو كما لو جنى العبد فأدى أحد الشريكين نصيبه ينقطع التعلق عنه.
واعلم أن الحكم بانفكاك نصيبه إنما يظهره إذا كان ابتداء التعلق مع ابتداء تعدد الملاك.
ولو كان الموت مسبوقًا بالمرض فيكون التعلق سابقًا على ملك الورثة، فإن للدين أثرًا بينًا في الحجر على المريض، فيشبه أن يكون القول بانفكاك نصيبه كما في الصورة السابقة.
انتهى كلامه.

الجزء: 5 - الصفحة: 371

وما ذكره من كون الدين يقتضى الحجر على المريض إنما هو في التبرعات لا في مطلق التصرفات، ولهذا يجوز للمريض توفية بعض الديون، وإن أدى إلى حرمان الباقين، وستعرف ذلك مبسوطًا من كلام الرافعي في باب الوصية قبل الكلام على المسائل الحسابية بقليل.
واعلم أن النووي قد اعترض في "الروضة" على ما بحثه الرافعي هنا من أن هذا إنما يظهر إذا كان ابتداء التعلق مع ابتداء الأملاك.
. . . إلى آخره.
فقال: الظاهر أن المسألة على إطلاقها، ثم قرره بتقرير عجيب حاصله: أنه فرق بين مسألتين بصورتهما.

قوله: ولو قال الراهن للمرتهن: بع المرهون لى واستوفِ الثمن، ثم أمسكه لنفسك، وقلنا بصحة قبضه لنفسه مما في يده بإذنه بعد قبضه للراهن، فهل يشترط إحداث فعل جديد من كيل أو وزن، كما لو عبرنا بالاستيفاء بدلًا عن الإمساك، فقال: ثم استوفه لنفسك أم لا يشترط ذلك، بل يكفى امساكه لنفسه؟ فيه وجهان: قال الإمام: أظهرهما: أنه لا يصح.
انتهى.
والصحيح ما صححه الإمام.
كذا صححه النووي في أصل "الروضة".

قوله: الرابعة: لو أطلق وقال: بعه، ولم يقل: لي، ولا لنفسك فوجهان: أصحهما: صحة الإذن والبيع ووقوعه للراهن، كما لو قال لأجنبي: بعه.
والثاني: المنع، وعللوه بمعنيين: أحدهما: أن البيع مستحق للمرتهن بعد حلول الحق، والكلام مفروض فيه، وإذا كان كذلك [يقيد] 67 الإذن به، وصار كأنه قال: بعه

الجزء: 5 - الصفحة: 372

لنفسك.
الثاني: أنه يتهم في ترك النظر استعمالًا للوصول إلى الدين.
وعلى التعليلين لو كان الدين مؤجلًا فقال: بعه، صح الإذن لعدم الاستحقاق والتهمة.
فإن قال: مع ذلك واستوف حقك من ثمنه، جاءت التهمة ولو قدر له الثمن لم يصح على التعليل الأول، ويصح على الثاني.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمران: أحدهما: أن الحكم بمجيء التهمة فيما إذا أذن في استيفاء حقه من الثمن، كيف يستقيم مع أن غايته أنه وعد لا يجب الوفاء به، كما لو قال لغير المرتهن: خذ هذه العين فبعها واستوفِ دينك من ثمنها، فإن البيع والإذن صحيحان اتفاقًا.
فهذا مثله، بل أولى، لأن التهمة فيه أقوى لاستحقاقه المطالبة في هذه الحالة.
الأمر الثاني: أن الحكم بالصحة على التعليل بالتهمة، فيما إذا قيد الثمن إنما يستقيم إذا منعه من الزيادة أو كان المشتري معينًا.
أما إذا قال مثلًا: بعه بمائة ولم يمنعه من الزيادة، ولم يعين المشتري فوجد راغبًا بأكثر منها فإنه يجب عليه البيع في أصح الوجهين كما رجحه في الوكالة من "الشرح الصغير"، وصححه في "الروضة" هناك من "زياداته" ولم يصحح في "الكبير" شيئًا.

قوله: ولو رهن عبدين عند شخص واحد بدينين، فجني أحدهما على الآخر، فإن اختلف الدينان في الحلول أو التأجيل، فله نقل الوثيقة من المقتول إلى القاتل، وكذا إن اتفقا، ولكن اختلفا في القدر، وكان القتيل

الجزء: 5 - الصفحة: 373

مرهونًا بأكثرهما.
. . . إلى آخره.
ثم قال: وقول الغزالي في "الوسيط": إن اختلاف جنس الدينين كاختلاف القدر، فهو وإن كان متجهًا في المعنى فمخالف لنص الشافعي والأصحاب كلهم، لأنه لا أثر لاختلاف الجنس.
انتهى كلامه.
واعلم أن الغزالي قد ذكر في "البسيط" ما يقتضي أنه لم يخالف المعروف فقال: وليس من الأعراض اختلاف الجنس مع الاستواء في مقدار المالية.
هذا لفظه.
وكذا قال في "النهاية" أيضًا، فدل على أن مراده في "الوسيط" إنما هو الغالب، وهو اختلاف القيمة عند اختلاف الجنس.
وقد أشار في "الروضة" إلى ذلك من غير أن يقف على كلام "البسيط" فيه، وكلام "الوسيط"، فقال: قلت: المراد باختلاف الجنس أن يكون أحدهما دنانير والآخر دراهم، واستويا في المالية بحيث لو [قوم] 68 أحدهما بالآخر لم يزد ولم ينقص، هذا لفظه.
وهو يقتضي حمل كلام "الوسيط" على ما إذا اتحدت القيمة، وهو خلاف ما ذكرناه من الجمع بين كلامه.

الجزء: 5 - الصفحة: 374

الباب الرابع: في النزاع بين المتعاقدين

قوله: ولو ادعى على اثنين أنهما رهنا، فزعم كل واحد منهما أنه ما رهن، وأن شريكه رهن وشهد عليه، فوجهان: أحدهما: لا تقبل شهادة واحد منهما، لأن المدعي يزعم أن كل واحد منهما كاذب.
وقال الأكثرون: تقبل، لأنهما ربما نسيا، وإن تعمدا فالكذبة الواحدة [لا توجب الفسق.
انتهى.
وما ادعاه من أن الكذبة الواحدة] 69 لا تقدح، إنما هو عند عدم انضمام غيرها إليها.
وأما هنا فعلى تقدير كذبه عمدمًا يكون جاحدًا لحق وجب عليه، فيفسق لذلك.

قوله في أصل "الروضة": فرع منصوص عليه في "المختصر": ادعى رجلان على رجل فقال كل واحد: رهنتنى عبدك هذا وأقبضتنيه، فكذب أحدهما وصدق الآخر، قضي بالرهن للمصدق، وفي تحليفه للمكذب قولان: أظهرهما: لا.
انتهي كلامه.
وما قاله من تصحيح عدم الحلف، قد عداه هنا -أعني في هذا الفصل- إلى مسائل كثيرة وهو سهو أو غلط، فإن الصحيح المذكور في الإقرار والدعاوى أنه يحلف للمكذب لأنه لو أقر له كان يغرم على الأصح فشرعنا تحليفه لاحتمال أن يرجع فيقر أو ينكل فيحلف المدعي، وحينئذ يغرمه.

الجزء: 5 - الصفحة: 375

وسبب الوهم الواقع في "الروضة": أن الرافعي قال: أصحهما: لا.
قاله في "التهذيب".
فأطلق النووي التصحيح على كثير من عادته في ذلك، غير باحث عن المسألة ولا ممعن فيها، فوقع في ذلك.
ولما نقل الرافعي عن صاحب "التهذيب" ما نقل، عقبه بما يرشد إلى أن الصحيح خلافه فقال: وهما مبنيان على أنه لو أقر بمال لزيد، ثم أقربه لعمرو هل يغرم قيمته لعمرو؟ فيه قولان.
هذا لفظ الرافعي.

قوله في المسألة: وإن صدقهما جميعًا، نظر إن لم يدعيا السبق، أو ادعاه كل واحد منهما، وقال المدعى عليه: لا أعرف السابق منكما فصدقاه فوجهان: أحدهما: أنه يقسم الرهن بينهما.
وأصحهما: أنه يحكم ببطلان العقد، كما إذا زوج وليان من شخصين ولم يعرف السابق منهما.
انتهى كلامه.
وما ذكره في النكاح [ليس] 70 على إطلاقه، [بل] 71 إن لم يعرف السابق منهما بالكلية، فالأمر على الصحيح كما قاله من البطلان، وإن عرف ونسي فالصحيح التوقف، وينبغي إتيان هذا التفصيل أيضًا في الرهن.

قوله من "زوائده": ولو قال المدعى عليه: رهنته عند أحدكم ونسيت.
حلف على نفى العلم.
فإن نكل ردت عليهما، فإن حلفا، أو نكلا يفسخ العقد على المذهب الذي قطع به الجماهير في الطرق، ونقله الإمام وغيره عن الأصحاب، وخرج وجه: أنه لا ينفسخ، بل يفسخه الحاكم، وبهذا الوجه قطع صاحب

الجزء: 5 - الصفحة: 376

"الوسيط"، وهو شاذ ضعيف.
وإن حلف الراهن على نفي العلم، تحالفا على الصحيح كما لو نكل، وفي وجه: أنهيت الخصومة.
والله أعلم.
وما نقله النووي -رحمه الله- هنا عن الإمام سهو، فإن الإمام لم يذكر ذلك إلا فيما إذا صدقهما جميعًا في الرهن، وادعى نسيان السابق، وتعبيره بقوله: تحالفا موهم، وليس [المراد التحالف المصطلح عليه، بل] 72 المراد أن كلًا منهما يحلف.

قوله أيضًا في أصل "الروضة": ويجري مثل هذا التفصيل فيما إذا اختلف البائع [والمشتري] 73، حيث كان للبائع حق الحبس وصادفنا المبيع في يد المشتري، وادعى البائع أنه أعاره أو أودعه، لكن الأصح هنا: حصول القبض لقوة يده بالملك.
وهذا تفريع على أنه لا يبطل حق الحبس بالإعارة والإيداع، وفيه خلاف سبق.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من بطلان حق الحبس في المبيع بإعارته صحيح، وقد سبق في البيع كما أشار إليه.
وأما دعواه أن الخلاف قد سبق أيضًا في الإيداع فغلط، لم يتقدم له ذكر لا في البيع، ولا في غيره.
بل المجزوم به هناك: أنه لا يبطل.
وعبارة الرافعي لا يرد عليها شيء، فإنه قال: وهذا تفريع على أن حق الحبس لا يبطل بالإعارة والإيداع عند المشتري، وفيه وجهان.
هذا

الجزء: 5 - الصفحة: 377

لفظه، ولم يعبر بقوله: (سبق).
والخلاف الذي ذكره هنا ثابت، صرح به إمام الحرمين في باب الرهن والحميل، فقال: إن في بطلانه وجهين مرتبين على الوجهين في العارية، فمنهم من يقول: الإيداع أولى بالبطلان، من جهة أنه يبعد أن يحفظ المالك ملكه لغيره.
ومنهم من جعل الإيداع أولى بأن لا يبطل، فإنه ليس فيه تسليط أصلًا، وفي الإعارة تسليط.

قوله: ولو أقر الراهن بالقبض، ثم قال: لم يكن إقراري عن حقيقة، وطلب يمين المرتهن، فله تحليفه إن ذكر تأويلًا، وإن لم يذكر، ففي تحليفه خلاف.
. . . إلى آخره.
والصحيح: أن له ذلك، كذا صححه الرافعي في "المحرر"، وقال في "الروضة": إنه أفقه وأصح.

قوله: أحدهما: إقرار الراهن بأن العبد المرهون كان قد أتلف مالًا أو جني على نفس جناية توجب المال، إذا صدقه المجني عليه وادعاه، لا يقبل على المرتهن في أصح القولين.
ثم قال: ويجري القولان فيما لو قال: كنت غصبته أو اشتريته شراءً فاسدًا، أو بعته قبل أن رهنته أو وهبته وأقبضته.
وفيما لو قال: كنت أعتقته، قال الشيخ أبو حامد: ولا حاجة في هذه الصورة إلى تصديق العبد، ودعواه بخلاف سائر الصور.
انتهى كلامه.
وليس المراد بهذا الكلام الأخير، أن العبد يشترط تصديقه فيما عدا العتق من الدعاوى المتقدمة، فإن ذلك لا يشترط قطعًا، بل المراد أن صاحب الحق لابد من تصديقه إلا في العتق، لما يتعلق بالحرية من حقوق الله تعالى فافهمه.

الجزء: 5 - الصفحة: 378

وقد أحسن في "الروضة" حيث بيّن ذلك، فقال: بخلاف المقر له في سائر الصور.

قوله في المسألة: وإذا حلف المرتهن على نفي ذلك، فهل يغرم الراهن للمجني عليه؟ فيه قولان: أصحهما: أنه يغرم.
انتهى ملخصًا.
تابعه في "الروضة" على أن الخلاف المذكور في الغرامة قولان.
وخالف في "المنهاج"، فجعله وجهين، ولم يبين في "المحرر" هل ذلك قولان أو وجهان، غير أنه عبر بالأصح، ولا اصطلاح له فيه كما علمته، فقلده فيه النووي، فوقع في هذا الاختلاف، والصواب المذكور.

قوله أيضًا في المسألة: فإن نكل -أى المرتهن- فعلى من يرد اليمين؟ فيه قولان، ويقال: وجهان: أحدهما: على الراهن لأنه المالك.
وأصحهما: على المجنى عليه.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على تصحيح أن الخلاف قولان، وجزم في "المنهاج" بكونه وجهين تقليدًا لتعبير "المحرر" بالأصح أيضًا.

قوله: وإذا رهن جارية موطوءة فأتت بولد يمكن أن يكون منه، فقال الراهن: هذا الولد منى، وكنت وطئتها قبل لزوم الرهن، نظر إن صدقه المرتهن فواضح، وإن كذبه ولا بينة، ففي قبول إقراره لثبوت الاستيلاد قولان كما لو أقر بالعتق.
ونظائره.
وعلى كل حال فالولد حر ثابت النسب عند الإمكان.
انتهى كلامه.
وما قاله الرافعي من حرية الولد على كل حال -أى على القولين- تبعه عليه في "الروضة"، وهو إنما يستقيم إذا قلنا: إن الحمل لا يدخل

الجزء: 5 - الصفحة: 379

في رهن الحامل.
والصحيح خلافه على ما سبق، أما إذا قلنا: يدخل.
وكان الوضع لدون ستة أشهر من حين الرهن، فيكون على الخلاف في أمه، والصحيح أنها مرهونة كما سبق.

قوله في "الروضة": [فصل] 74: عليه دينان أحدهما حال، أو به رهن أو كفيل، أو هو ثمن مبيع محبوس به فسلم إليه ألفًا وقال: أعطيتك عنه.
وقال القابض: بل عن الدين الآخر، فالقول قول الدافع، سواء اختلفا في نيته أو لفظه.
انتهى كلامه.
سكت عن تحليف الدافع، وحكمه: أنهما لو اختلفا في اللفظ فيحلف بلا نزاع.
وإن اختلفا في النية فوجهان حكاهما في "الاستقصاء"، والصحيح: التحليف.
وقيل: يقبل بلا يمين.
وجزم الرافعي بالتحليف في المسألتين، ولكن حذفه النووي من "الروضة".
واعلم أنهما لو تنازعا عند الدفع في المؤدى عنه فالاختيار إلى الدافع.
كذا صرح به الرافعي في باب الكتابة، وهو يؤخذ من قوة كلام الرافعي هنا، ولكن تستثنى مسألة واحدة وهي المكاتب.
فإن الاختيار إلى سيده لا له، ومع هذا فلو لم يتعرضا للجهة، ثم قال المكاتب: قصدت النجوم.

الجزء: 5 - الصفحة: 380

وأنكر السيد أو قال: صدقت، ولكن قصدت أنا الدين فوجهان: أصحهما في "زوائد الروضة": تصديق الكاتب، وهو مشكل، لأنه قد جزم بأن الاختيار هنا إلى السيد.

قوله من "زياداته": قال أصحابنا: لو كان بالمرهون عيب، ولم يعلم به المرتهن حتى مات، أو حدث به عيب في يده، لم يكن له فسخ البيع المشروط فيه، كما لو جرى ذلك في يد المشتري، وليس له أن يطالب بالأرش ليكون مرهونًا، صرح به القاضي أبو الطيب [وغيره] 75. انتهى.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي في كتاب البيع في الكلام على شروط الرهن.

الجزء: 5 - الصفحة: 381

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل