المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب الشهادات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وفيه ستة أبواب:

الباب الأول: في الصفات المعتبرة في الشاهد

اعلم أن الرافعي قد ذكر في الباب ألفاظًا.
منها: يوم بعاث: هو يوم مشهور كان فيه حرب بين الأوس والخزرج في الجاهلية، وبعاث: اسم خص للأوس، وهو بباء موحدة مضمومة وعين مهملة وثاء مثلثة.
ومنها: المعازف بعين مهملة وزاي معجمة وبالفاء في آخره، هي: الملاهي، والعازف هو الضارب بها، تقول منه: عزف يعزف عزفًا.
ومنها: الحُداء، وهو الشِّعر الذي تساق به الإبل، هو بضم الحاء المهملة وبالمد وكسر الحاء لغة.
ومنها: الصنج، بصاد مهملة مفتوحة ونون ساكنة وبالجيم، وهو معروف.
ومنها: الزفن، اسم للرقص، وهو بزاي معجمة مفتوحة وفاء ساكنة وبالنون.
ومنها: الشبب بالشيء -أي التعرض- به هو بشين معجمة وباءين موحدتين.
ومنها: الرِّبقة، بكسر الراء وبالباء الموحدة وبالقاف، تقدم إيضاحه في أول قتال البغاة.
ومنها: في الحديث: "لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة ولا ظنين في

الجزء: 9 - الصفحة: 319

قرابة" 1 أي: منهم، وروي: "ولا ذي غِمر على أخيه".
أما الظنين: فإنه بالظاء المعجمة المشالة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ (24)﴾ 2 وقرئ بالضاد غير المشالة، وهو [البخيل].
والغِمر: بكسر الغين المعجمة، هو: الحقد والغل، يقال: غِمر صدره عليَّ -بالكسر يَغمر- بالفتح -غمرًا- بفتح الغين وكسرها.

قوله: وعدّ صاحب "العدة" من الكبائر تقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها، ثم قال في آخر الكلام: إن في "التهذيب" حكاية وجه أن ترك الصلاة الواحدة ليس كبيرة، وإنما يفسق به إذا اعتاده.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن عدّه تقديم الصلاة على وقتها من ذلك لا تحقيق له؛ لأنه إن كان يعتقد الجواز فلا كلام فيه، وإن كان عالمًا بالمنع فالصلاة فاسدة، وحينئذ فإن صلاها في وقتها فالتحريم وقع لكونه أتى بصلاة فاسدة،

الجزء: 9 - الصفحة: 320

فينبغي التعبير به ولا يقتصر على هذه الصورة الشاذة النادرة، وإن لم يصلها في وقتها فالعصيان بالتأخير وبالصلاة الفاسدة أيضًا.
الأمر الثاني: أن الصحيح في ترك الصلاة الواحدة أنه كبيرة، كذا جزم به الرافعي وغيره في الكلام على قتل تارك الصلاة، وكلامه وكلام "الروضة" هنا لا يؤخذ منهما تصحيح، ولم ينص عليها في "المحرر" ولا في "الشرح الصغير".

قوله في "الروضة": ومنها -أي: من الكبائر- الدياثة والقيادة.
انتهى.
الدياثة بالثاء المثلثة بعد الألف هي أن يكون له جارية تغني فيجمع الناس عليها لسماع غنائها إما بإحضار الناس إليها أو بإحضارها إلى الناس، كذا فسره به الشافعي، واسم الفاعل منه دَيّوث.
وفي الرافعي ذكر القيادة وتفسيرها بالتفسير المعروف، وهو الجمع بين الرجال والنساء، وقد فسر هذه الألفاظ في أواخر تعليق الطلاق بما لا يطابق المذكور هنا، فقال: قال في "التتمة": القواد من يحمل الرجال إلى أهله ويخلي بينهم، ويشبه أن لا يختص بالأهل، قال: وفيها أن القرطبان هو الذي يعرف من يزني بزوجته ويسكت عليه.
وفيها أيضًا: أن الدَّيوث من لا يمنع الناس الدخول على زوجته، وقال في "الرقم": هو الذي يشتري جارية تغني للناس.
هذا كلامه.

قوله: ومن الصغائر -كما قاله صاحب "العدة"- السكوت على الغيبة، والبيع والشراء في المسجد، وإدخال الصبيان والمجانين والنجاسات إليه، وإمامة قوم يكرهونه لعيب فيه، والعبث في الصلاة، والضحك فيها والتغوط مستقبل القبلة أو في طريق المسلمين.
انتهى موضع الحاجة من كلامه.
فأما ما ذكره في السكوت على الغيبة فمناقض لما ذكره في تعداد الكبائر

الجزء: 9 - الصفحة: 321

فإنه جعل منها ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو مناقض لما نقله هاهنا من كونه من الصغائر، وإن كان هو الصواب؛ ولهذا توقف فيه الرافعي، وأما باقي المسائل فإن الرافعي قد نقل معها عن صاحب "العدة" مسائل أخرى، فاعترض عليه في بعضها وارتضى الباقى، وهذه المسائل من جملة ما ارتضاه وليس كذلك.
فأما البيع والشراء في المسجد، فقد قال في كتاب الاعتكاف: إنه إن كثر فيكره ولا يحرم، وإن لم يكثر فلا يكره، وهذا مع ما قاله هناك في غاية التباين، إلا أن النووي قد خالفه هناك في ما إذا لم يكثر، وقال بالكراهة، ونقله عن نصه في "البويطي"، وأما إدخال الصبيان والمجانين فيه فعجيب، فقد جزم هو وغيره بإدخالهم في أشرف المساجد وهو المسجد الحرام، وقالوا: إنه يجوز أن يحرم عنه وليه ويطوف به، وأغرب منه تجويزه إدخال البهيمة فيه للطواف عليها من غير كراهة، وإن لم يكن لعذر، وأما الإمامة بمن يكره والعبث في الصلاة والتغوط في الطرق فمكروه على ما سبق في أبوابها، وكذا التغوط مستقبل القبلة، إن كان في البنيان، ولم يستدرك النووي عليه في إمامة من يكرهه، واستدرك عليه باقيها وقيد جواز إدخال الصبيان المساجد بما إذا لم يغلب تنجيسهم له.

قوله من "زوائده": المختار أن تخطي الرقاب حرام للأحاديث فيه.
انتهى.
وما ذكره هنا من ترجيح التحريم مخالف لما سبق في باب صلاة الجمعة من "الروضة، و"شرح المهذب" وغيرهما، فإنه جزم فيها بالكراهة، وقد تقدم بسطه هناك فراجعه.

قوله أيضًا من "زوائده": ومن الصغائر استعمال النجاسة في البدن لغير حاجة.
انتهى.
وتقييده بالبدن يشعر بالجواز في الثوب، وقد اختلف فيه كلامه كما

الجزء: 9 - الصفحة: 322

تقدم إيضاحه قُبيل صلاة العيد في باب ما يجوز للمحارب لبسه.

قوله: وما هو الإضرار السالب للعدالة؟ أهو المداومة على نوع من الصغائر أم الإكثار منها سواء كانت من نوع واحد أو من أنواع مختلفة؟ يوافق الثاني قول الجمهور من تغلب طاعاته معاصيه كان عدلًا، وعكسه مردود الشهادة ولفظ الشافعي قريب منه، وإذا قلنا به لم تضر المداومة على نوع واحد من الصغائر إذا غلبت الطاعات، وعلى الاحتمال الأول تضر.
انتهى.
هذا الكلام ظاهر الخلل، فإن مقتضى الاحتمالين: أن المداومة على نوع واحد مؤثر.
وأما على الاحتمال الأول: فلأن السالب للعدالة شيء واحد وهو المداومة على النوع الواحد وقد وجد.
وأما على الثاني: فلأن السالب أحد شيئين: أحدهما: الإكثار من النوع فإذا داوم عليه فقد وجد المقتضى لسلب العدالة أيضًا وهو أحد السببين، بل وجد ما هو أعم منه، فإن المداومة على الشيء أبلغ من الإكثار منه قطعًا، والذي يظهر أن ثمرة العبارتين إنما هى في المداومة على الصغيرة من أنواع إذا غلبت على الطاعات، فعلى الثاني يضر دون الأول، ووجه كونه لا يسلب أن الشخص يسبق عليه غالبًا إمساك نفسه عن المرة الواحدة من النوع، فلو سلبنا بها لانضمامها إلى مثلها من نوع ومثلها من نوع آخر لأدى إلى المشقة والحرج وندور من يتصف بالعدالة، بخلاف المداومة على النوع الواحد، فإن كف النفس عنه سهل، والإقدام عليه لا يعد فرطة وغفلة، ويدل على ما ذكرناه أنه قد خالف ما ذكره هنا، وجزم في مواضع بأن المداومة على النوع الواحد تصير كبيرة، منها في كتاب النكاح في الكلام على الأولياء، وفي كتاب الرضاع، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه، وفي "أدب القضاء" للدبيلي وجه: أن

الجزء: 9 - الصفحة: 323

الصغيرة لا تصير كبيرة بالإصرار عليها.

قوله: ولو شغله اللعب بالشطرنج حتى خرج الوقت وهو غافل، فإن لم يتكرر منه ذلك لم ترد شهادته، فإن كثر وتكرر فسق وردت شهادته، ثم قال: هكذا ذكروه وفيه إشكال لما فيه من تعصية الغافل الساهي، ثم قياسه الطرد في شغل النفس بسائر المباحات.
انتهى كلامه.
وهذا الإشكال الذي ذكره الرافعي ولم يجب عنه وتابعه عليه في "الروضة" قد ذكره الشافعي في "الأم" وأجاب عنه، وقال في شهادة أهل اللعب ما نصه: فإن قيل فهو لا يترك وقتها للعب إلا وهو ناس.
قيل فلا يعود للعب الذي يورث النسيان فإن عاد له وقد جربه يورثه ذلك، فذلك استخفاف هذا لفظه بحروفه.

قوله: وفي "المهذب" اشتراط التكرار في إخراج الصلاة عن الوقت وإن كان مع العلم وهذا خلاف ما قدمنا أن إخراج الفريضة عمدًا عن الوقت من الكبائر.
انتهى كلامه.
تبعه عليه في "الروضة" وهو يقتضي أنه لم يتقدم له هناك ذكر هذا الوجه وليس كذلك بل قد صرح به فقال: وفي "التهذيب" حكاية وجه أن ترك الصلاة الواحدة إلى أن يخرج وقتها ليس بكبيرة وإنما ترد الشهادة به إذا اعتاده، هذا لفظه.
وعذر الرافعي في عدم استحضاره هنا أنه لم يذكره هناك عند ذكره للصلاة، وإنما ذكره في آخر الكلام على الكبائر.
واعلم أن في "مهذب الشيخ أبي إسحاق" الجزم بأنه صغيرة وفي "تهذيب البغوي" حكايته وجهًا فاعلمه واحذر من التحريف.

قوله: وأما النرد فهو حرام في أصح الوجهين لقوله -عليه الصلاة والسلام-:

الجزء: 9 - الصفحة: 324

"من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير" 3، قال: وعلى هذا فقد حكى الإمام عن الشيخ أبي محمد أنه من الصغائر، قال: والصحيح: أنه من الكبائر.
انتهى كلامه.
والصحيح ما قاله الشيخ أبو محمد، كذا رجحه الرافعي في آخر الفصل قبيل الكلام على شرب الحنفى النبيذ فقال: ما حكمنا بتحريمه في هذه المسائل كالنرد وسماع الأوتار واستعمال الحرير هل هو كبيرة أو صغيرة؟ فيه وجهان: ثم قال: يميل كلام الإمام إلى ترجيح أولهما، والأشبه الثاني، وهو المذكور في "التهذيب" وغيره.
هذا لفظه.
ورجحه أيضًا في "الشرح الصغير".
والحديث المذكور رواه مسلم في صحيحه، والدال من النردشير مفتوحة كما اقتضاه كلام القاضي عياض في "مشارق الأنوار" على الكلام على النون مع الرواشين بالشين المعجمة المكسورة، هو أول ملوك الفرس، وكان قد وضع له النرد فنسب إليه.

قوله: فروع: قال في "الأم": وأكره اللعب بالحزة والقرق، فالحزة قطعة من الخشب يحفر فيها حفر في ثلاثة أسطر ويجعل في الحفر حصى صغار يلعب بها، وقد تسمى الأربعة عشرة، [والقرق] أن يخط على الأرض مربع ويجعل في وسطه خطان كالصليب ويجعل على رؤوس الخط حصى صغار يلعب بها.
واللفظ فيما رأيت بخط القاضي الروياني بفتح القاف والراء، وبعضهم قيد بكسر القاف وإسكان الراء، ولم أجدها في كتب اللغة بهذا المعنى.
نعم في "الصحاح" أن القرق بكسر الراء، هو المكان المستوى ومعلوم أن

الجزء: 9 - الصفحة: 325

الخط للعب يقع غالبًا في المكان المستوي، فيمكن أن يكون ما نحن فيه من هذا وأن يكون اللفظ كما ذكره.
وأما الحكم: ففي "الشامل": أن اللعب بهما كاللعب بالنرد، وفي "تعليق أبي حامد": أنه كالشطرنج، ويشبه أن يقال ما يعتمد فيه على إخراج الكعبين أي الحصا ونحوه فهو كالنرد، وما يعتمد فيه على الفكر فهو كالشطرنج.
انتهى كلامه.
وهذا التخريج الذي ذكره -رحمه الله- في آخر كلامه يؤخذ منه ترجيح الجواز فيهما معًا، لأن الحزة بالحاء المهملة هي المسماة في إقليم مصر بالمنقلة، والقرق يسمى بشطرنج المغاربة، وكلاهما يعتمد فيه على الفكر لا على شيء يرمى، وقد أسقط النووي من "الروضة" هذا الترجيح، وكأنه سقط من قوله: كالشطرنج.
. . . إلى قوله: كالشطرنج.

قوله: وأما القسم الأول -أي: الغناء بمجرد الصوت- فهو مكروه وسماعه مكروه والسماع من الأجنبية أشد كراهة، وحكى القاضي أبو الطيب تحريمه، وهذا هو الخلاف الذي سبق في أن صوتها هل هو عورة؟ هذا هو المذهب المشهور في الغناء وسماعه، وحكى الزاز ووراؤه وجهين: أحدهما: أنه يحرم كثيره دون قليله.
وثانيهما: أنه حرام على الإطلاق.
انتهى.
واعلم أن هذين الوجهين اللذين أشار إليهما بقوله ووراؤه وجهين، ليسا خاصين بالمرأة، وإلا لزم أن يكون الوجه الثاني منهما مكررًا.
[وليسا أيضًا خاصين بالغناء، فإن مقتضى عبارة الرافعي المتقدمة جريانهما] 4 في السماع أيضًا.
إذا علمت ذلك ففيه أمور: أحدها: أن ما ذكره من البناء على أن صورة المرأة هل هي عورة أم لا؟

الجزء: 9 - الصفحة: 326

يقتضي اختصاص الخلاف في الغناء بالحرة، فإن صوت الأمة ليس بعورة بلا خلاف، والخلاف لا يختص بها، بل يجري في الأمة أيضًا وممن جزم بالتحريم في الأمة الغزالي.
الثاني: أن ما صححه هنا في غناء المرأة من عدم التحريم، قد ذكر ما يخالفه في ثلاثة مواضع من هذا الكتاب: أحدها: في البيع.
وثانيها: في الغصب.
وثالثها: في الصداق، وقد سبق إيضاح ذلك في أوائل البيع فراجعه.
الثالث: أن القاضي أبا الطيب قد نص في باب المصراة من تعليقته على الإباحة، وهو لا ينافي ما نقله عنه الرافعي، فإن مدلوله الحكاية عن غيره وهو كذلك فإن القاضي المذكور نقل عن الأصحاب تحريمه من المرأة مطلقًا، قال: سواء كانت حرة أو أمة، كذا رأيته في مصنف له في الغناء.
وأما في هذا الباب من تعليقته فإنه صرح بسماعه من أمته، وقال: إنه لا يكره وسكت عن الأجنبية.
ولا شك أن الزوجة في معنى الأمة، وكذا المحرم على ما ذكره في "الحاوي"، كذا ذكره في الكتاب الثاني من الكتابين المعقودين للشهادات.

قوله: القسم الثاني: أن يتغنى ببعض آلات الغناء مما هو من شعار شاربي الخمر وهو مطرب، كالطنبور والعود والصبح وسائر المعازف والأرقام يحرم استعماله واستماعه.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه لم يصرح بالحكم في الغناء في هذه الحالة مع أن الكلام إنما سيق له وهو مراده بلا شك؛ ولهذا عبر في "المنهاج" بقوله: ويكره الغناء بلا آلة وسماعه.

الجزء: 9 - الصفحة: 327

الأمر الثاني: أن القياس في الغناء المضموم إلى الآلة المحرمة، تحريم الآلة فقط وبقاء الغناء على كراهته، ولكن وقع فيه تعارض عجيب تقدم إيضاحه في أواخر باب تعليق الطلاق فراجعه.
وقد ذكر الإمام في الكلام على الشطرنج إذا انضم إليه بهتان أو ترك صلاة ونحو ذلك هذا الاعتراض بعينه وهو واضح.

قوله: وفي اليراع وجهان صحح البغوي التحريم والغزالي الجواز وهو الأقرب.
انتهى.
قال في "الروضة": الأصح أو الصحيح تحريم اليراع وهي التي يقال لها: الشبابة، ممن صححه البغوي وغيره، وقد صنف الدولعى كتابًا في تحريمه مشتملًا على نفائس والله أعلم.
وفيما قاله في "الروضة" أمران: أحدهما: أن اليراع بفتح الياء المثناة من تحت وتخفيف الراء وبالعين المهملة جمع يراعة أو اسم جنس واحده يراعة، قاله النووي في "تهذيبه"، وقال الجوهري: اليراع القصب واليراعة القصبة.
وإذا علمت ذلك علمت أن اليراع متعدد وحينئذ فلا يصح تفسيره بالمفرد وهي الشبابة بالباء.
الثاني: أن نقل المنع من زوائده عن البغوي عجيب فقد ذكره الرافعي وليس ببعيد بل قبل ذلك بنحو سطر ثم إن المقام يقتضي أن النووي لو استحضر قائلًا بالتحريم غير من ذكره لصرح به.
واعلم أن المنع قد رجحه الشيخ أبو حامد فقال: إنه القياس، وصححه الخوارزمي في "الكافي" وجزم به ابن عصرون، وأما الجواز فقال به الماوردي والخطابي والروياني ومحمد بن يحيى في "المحيط".

الجزء: 9 - الصفحة: 328

قوله: وأما القراءة بالألحان فقد قال في "المختصر": لا بأس بها وعن رواية الربيع بن سليمان الجيزي: أنها مكروهة، وليس في هذا اختلاف قول عند عامة الأصحاب، ولكن موضع الكراهة أن يفرط في المد وفي إشباع الحركات حتى يتولد من الفتحة ألف ومن الضمة واو ومن الكسرة ياء، أو يدغم في غير موضع الإدغام، فإن لم ينته إلى هذا الحد فلا كراهة، وفي "أمالي أبي الفرج" وجه: أنه لا كراهة وإن أفرط.
انتهى كلامه.
وقد تلخص منه أن المعروف في المذهب إنما هو الكراهة؛ ولهذا لم ينقل التحريم عن أحد بالكلية، ويؤيده أيضًا ما نقله الربيع المرادي في "الأم" عن الشافعي، فقال في باب شهادة القاذف الذي هو قبل كتاب القاضي ما نصه: قال الشافعي: ولا بأس بالقراءة بالألحان.
هذا لفظه بحروفه، وقد ذكر الشافعي بعد هذا بكراريس بابًا آخر في شهادة القاذف، فلأجل هذا احترزت بالتقييد السابق.
إذا علمت ذلك فقد قال في "الروضة" من "زوائده": والصحيح التحريم إذا أفرط على الوجه المذكور، صرح به صاحب "الحاوي" فقال: هو حرام يفسق به القارئ، ويأثم المستمع لأنه عدل به عن نهجه القويم، وهذا مراد الشافعي بالكراهة والله أعلم.
وإذا تأملت ما تقدم علمت أن تصحيح النووي في هذه المسألة ضعيف مخالف لكلام الشافعي والأصحاب فلا معول عليه، ثم إن القول بالتفسيق بتقدير التحريم مشكل لا دليل عليه بل الصواب على هذا التقدير أن يكون صغيرة.
واعلم أن الربيع الجيزي لم يقع له ذكر في الرافعي إلا في هذا الموضع، والمتكرر إنما هو الربيع المرادي راوي "الأم"، والجيزي بجيم مكسورة منسوب إلى البلد المقابلة لمدينة مصر كما أوضحته في مقدمة الكتاب والطبقات.

الجزء: 9 - الصفحة: 329

قوله: بل المزمار العراقي وما يضرب به الأوتار حرام بلا خلاف.
انتهى.
وإطلاق عدم الخلاف في الأوتار تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وليس كذلك، فقد حكى الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" وجهًا: أن العود بخصوصه حلال لما يقال: إنه ينفع من بعض الأمراض، بل رأيت في كتاب "السماع" لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي ممن كان يبيع ذلك [ويحضره] 5، إن كان لم يذكر ذلك في تصانيفه الفقهية لكونها مصنفة على المذهب المعروف.

قوله: وأما الدف فضربه مباح في الأملاك والختان سواء كان فيه جلاجل أم لا، ففي الحديث "اعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال" 6 يعني: الدف، وأما غيرهما ففي "المهذب" و"التهذيب" وغيرهما، تحريمه، ومنهم من أطلق حله وعلى ذلك جرى الإمام وصاحب الكتاب.
انتهى.
لم يرجح شيئًا في "الروضة" أيضًا والراجح الحل، فقد قال الرافعي في "المحرر": إنه أقرب الوجهين، وفي "الشرح الصغير": إنه أشبههما، وقال النووي في "المنهاج": إنه الأصح، والغربال بكسرة الغين المعجمة.

قوله: ولا يحرم من الطبول إلا الطبل الذي يسمى "الكوبة"، فإنه حرام

الجزء: 9 - الصفحة: 330

لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إن الله حرّم على أمتي الخمر والميسر والكوبة" 7 في أشياء عددها، والكوبة: الطبل الطويل المتسع الطرفين الضيق الوسط.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن إباحة غير الكوبة من الطبول ذكره الغزالي فتابعه عليه الرافعي، والموجود لأئمة المذهب وهو التحريم في ما عدا الدف، فقد ذهب إليه القاضي الحسين والبندنيجي في تعليقهما، والحليمي في "المنهاج" والماوردي في "الحاوي" والشيخ أبو إسحاق في "المهذب" وأبو عبد الله الحسين الطبري في "العدة" والروياني في "البحر" والبغوي في "التهذيب" والخوارزمي في "الكافي" والعمراني في "البيان" والشهروذوري في "الذخيرة" وابن أبي عصرون في "التنبيه" وفي "الانتصار" و"المرشد" ومجلي في "الذخائر" ونقله في "الاستقصاء" عن الشيخ أبي حامد.
الأمر الثاني: أن تفسير الكوبة بالطبل خلاف المشهور في كتب اللغة، قال الخطابي: غلط من قال الكوبة الطبل، بل هي النرد، وذكر مثله ابن الأعرابي والزمخشري، وصححه ابن الأثير في "النهاية".

قوله في "الروضة": أو الطبول التي تهيأ لملاعب الصبيان إن لم تلحق بالطبول الكبار فهي كالدف وليست كالكوبة بحال.
انتهى.
وهذا الكلام على هذه الكيفية نقله الرافعي عن الإمام، ولا يؤخذ منه الحكم فيها.

الجزء: 9 - الصفحة: 331

قوله: والرقص ليس بحرام، وقف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعائشة ليسترها حتى تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون ويزفنون.
والزفن: هو الرقص، قال الحليمي: الرقص الذي فيه تكسر وتثن يشبه أفعال المخنثين، حرام على الرجال والنساء.
انتهى.
ذكر في "الروضة" نحوه أيضًا.
وفيه أمور: أحدها: أن الذي نقله الرافعي عن الحليمي هو الصحيح عنده وعند النووي، فقد جزم به في "الشرح الصغير" و"المحرر" وتابعه عليه النووي في "المنهاج".
الثاني: أن الذي قاله الحليمي في "المنهاج" أنه إن لم يكن فيه تثن وتكسر فلا بأس به، ولم يزد عليه ولا يلزم منه تحريمه، فقد يكون مكروها عند التثني والتكسر، مباحًا عند فقدهما.
وبتقدير ثبوت التحريم عنه فمعارض بالشيخ أبي علي، فإنه قال كما نقله عنه ابن أبي الدم في "شرح الوسيط": إن كان فيه تثن وتكسر فمكروه وإلا فلا بأس به.
الثالث: لم يبين الرافعي -رحمه الله- حكم الرقص الذي ليس فيه تثن ولا تكسر هل هو مكروه أو مباح؟ فإنه عبر بقوله لا يحرم كما تقدم.
والمسألة مختلف فيها، فذهب القفال كما حكاه عنه في "البحر" إلى الكراهة، وقال الأستاذ أبو منصور: إن تكلف الرقص على الإيقاع مكروه، قال الفوراني في "العمد": الرقص مباح، وكذلك الغزالي في "الوسيط" وهو مقتضى كلام الشيخ أبي علي والحليمي كما تقدم نقله عنهما، وأشار القاضي حسين في "تعليقته" والغزالي في "الإحياء" إلى

الجزء: 9 - الصفحة: 332

أنه إن كان من أهل الأحوال الذين يقومون بوجد فيباح لهم ويكره لغيرهم، وصرح به الأستاذ أبو منصور، وجزم أبو الفضل الحاجري بالتحريم إذا كان كثيرًا.
ذكره في كتابه المسمى "بالكفاية".
واعلم أن الزفن الذي فسره الرافعي بالرقص هو بالزاي المعجمة والفاء وبالنون كما تقدم إيضاحه قريبًا.
والحديث أخرجه البخاري ومسلم.

قوله: وقال الشافعي - رضي الله عنه -: الشِّعر كلام حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه.
انتهى.
وهذا المنقول عن الشافعي قد رواه البيهقي حديثًا مرفوعًا إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 8، ونقله عنه النووي في كتاب الحج من "شرح المهذب".

قوله: وإذا هجا الشاعر في شعره بما هو صادق فيه أو كاذب ردت شهادته كذلك قال القاضي الروياني.
انتهى.
ويستثني من ذلك هجو الكفار فإنه يجوز كما قاله الروياني وغيره، لأنه -عليه الصلاة والسلام- أمر حسان بهجاء الكفار، ومقتضى إطلاقه أن لا فرق فيهم بين الجماعة والواحد معينًا كان أو غير معين، والقياس في الفاسق المتظاهر كذلك.

قوله: فإن كانت التي يسب بها جاريته أو زوجته، فمن الأصحاب من قال: إنه يجوز ولا ترد شهادته، [وهذا القائل يقول لو لم تكن المرأة معينة لا ترد شهادته] 9 لجواز أن يريد من تحل له، ومنهم من قال: ترد شهادته إذا

الجزء: 9 - الصفحة: 333

كان يذكر جاريته أو زوجته بما حقه الإخفاء، لأنه مسقط للمروءة، وهذا هو الحق.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره بحثًا من ترجيح هذا الوجه وتابعه عليه في "الروضة" قد نص الشافعي على خلافه نصًا صريحًا فقال في "الأم" في باب شهادة الشعراء ما نصه: ومن سب فلم يسم أحدًا لم ترد شهادته، لأنه يمكن أن يسب بامرأته وجاريته، هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلته، ونقل في "البحر" عدم الرد عن جمهور [الأصحاب] 10.

قوله في أصل "الروضة": ومنه -أي مما يخل [بالمروءة- أن يقبل امرأته أو جاريته بحضرة الناس، أو يحكي ما جرى بينهما] 11 في الخلوة أو يكثر من الحكايات المضحكة.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره من كراهة حكاية ما يجري له معهما، ذكر مثله أيضًا في آخر الباب التاسع من أبواب النكاح، فقال: ويكره أن يحدث بما جرى بينه وبين زوجته أو أمته، لكن جزم في "شرح مسلم" بما يخالف ذلك، فقال في كتاب النكاح في باب تحريم إفشاء سر المرأة: ويحرم على الرجل أن يظهر ما جرى بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك وما يجري من المرأة من قول أو فعل لما رواه مسلم "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها" 12 قال: وأما مجرد ذكر الجماع فمكروه إلا لفائدة.

قوله: وفي أهل الحرف الدنيئة وجهان: أصحهما: قبول شهادتهم، ثم قال بعده قال الغزالي: والوجهان هما في من تليق به وكانت بصنعة آبائه، فأما غيره فتسقط مروءته بها، وهذا

الجزء: 9 - الصفحة: 334

حسن.
انتهى.
جزم الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر" بما قاله الغزالي وتبعه النووي في "المنهاج"، وقال في "الروضة" من "زوائده": لم يتعرض الجمهور لهذا القيد، وينبغي أن لا تقيد بصنعة آبائه، بل ينظر هل تليق به هو أم لا؟

قوله: وإن اعتاد ترك السنن الرواتب أو تسبيحات الركوع والسجود ردت شهادته، كذا ذكره في "التهذيب"، وحكى أبو الفرج الزاز في غير الوتر وركعتي [الفجر] 13 من الرواتب وجهًا: أن الشهادة لا ترد.
انتهى: وحاصله حكاية الخلاف من غير ترجيح في ما عدا الوتر وركعتي الفجر، وصحح في "الروضة" فيهما الرد أيضًا، ولم ينبه على أنه من "زوائده" بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له، وسببه أنه حذف النقل عن صاحب "التهذيب" فلزم منه ما ذكرناه.

قوله: ولو شهد أن زيدًا جرح مورثه لم تقبل للتهمة، ولو شهد بمال آخر لوريثه المجروح أو المريض، إن شهدوا بعد الاندمال: قبلت، وكذا قبله على الأصح.
انتهى كلامه.
وهو يوهم أن الشهادة بجرح مورثه لا يأتي فيها التفصيل بين الاندمال وعدمه وليس كذلك، بل التفصيل يجري فيه أيضًا، كذا ذكره في آخر الجنايات في باب الشهادة على الدم، وذكر هناك خلافًا في أن الاعتبار بالإرث هل هو بحالة الشهادة أم لا؟ قال ابن عصرون في كتابيه "المرشد" و"الانتصار": لو كان على المجروح دين يستغرق أرش الجراحة: قبلت شهادة وارثه بها لانتفاء التهمة، وفيما قاله نظر لأن الدين لا يمنع الإرث.

الجزء: 9 - الصفحة: 335

قوله: ولا تقبل شهادة الوكيل للموكل في ما هو وكيل فيه.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وهو يقتضي اختصاص المنع [بحالة] 14 بقاء الوكالة، حتى لو عزل نفسه ثم شهد قبلت شهادته، وليس الأمر في ما دل عليه كلامه بعد العزل على إطلاقه، بل فيه تفصيل ذكره المصنف في الباب الثاني من أبواب الوكالة، وهو أنه إن كان قد خاصم: لم تقبل للتهمة: وإن لم يخاصم، قبلت، وقيل: لا تقبل مطلقًا، وقيل بقبولها مطلقًا، وهذا الثالث قال الإمام: إنه قياس قول المراوزة، ثم قال -أعني: الإمام: إن هذا كله إذا جرى الأمر على تواصل، فإن طال الفصل فالوجه القطع بقبول الشهادة مع احتمال فيه، هذا معنى كلام الرافعي هناك، وقد ذكر صاحب "البيان" في كتاب الوكالة مسائل لها تعلق بما يجيء فيه أحببت ذكرها فقال: فرع: وإذا ادعى الوكالة وشهد له بها شاهدان أحدهما ابن الآخر: قبلت شهادتهما، لأن القرابة تمنع إذا كانت بين الشاهد والمشهود له، فأما إذا كانت بين الشاهدين فلا تؤثر وإن شهد بالوكالة ابنا الوكيل أو أبواه [أو أبوه] 15 وابنه لم نحكم بشهادتهما، لأنهما يثبتان له التصرف فلم يقبلا كما لو شهدا له بمال، وإن شهد له بالوكالة أبو الموكل أو ابناه، فذكر الشيخ أبو حامد -رحمه الله- أنهما لا يقبلان؛ لأنهما يثبتان بذلك التصرف عن الموكل ويستحق الوكيل بذلك المطالبة بالحق، وما يثبت بقوله يثبت بشهادة قرابته عليه كالإقرار، فأما إذا ادعى الوكالة فأنكر الموكل فشهد عليه أبواه أو ابناه فتثبت الوكالة ويمضي تصرفه؛ لأن ذلك شهادة عليه وهكذا إذا أنكر من عليه الحق وكالة الوكيل فشهد ابنا من عليه الحق أو أبواه قبلت شهادتهما، [لأنهما يشهدان عليه.

الجزء: 9 - الصفحة: 336

قوله: جل الفقهاء من أصحابنا وغيرهم يمتنعون] 16 من تكفير أهل القبلة.
نعم اشتهر عن الشافعي -رحمه الله- تكفير الذين ينفون علم الله تعالى بالمعدوم ويقولون ما يعلم الأشياء حتى يخلقها.
ونقل العراقيون عنه: تكفير النافين للرؤية والقائلين بخلق القرآن، وتأوله الإمام فقال: وظني أنه ناظر بعضهم فألزمه الكفر في الحجاج، فقيل: إنه كفرهم.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه قد تقدم منه في أوائل الردة عن المتولي كلام ظاهره مخالف لهذا فينبغي أن يعلم، وظاهر كلام الرافعي، يوهم عد تكفير الفريق الأول وليس كذلك، لا جرم أن النووي استدركه في "الروضة" فقال: أما تكفير منكري العلم بالمعدوم أو بالحرثان فلا شك فيه، وأما من نفى الرؤية وقال بخلق القرآن فالمختار: تأويله، ونص في "الأم" على ما يؤيده، ولهذا لم يلحقوهم بالكفار في الإرث والأنكحة ووجوب قتلهم وقتالهم وغير ذلك.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه عموم كلامه من عدم تكفير المجسمة قد تابعه أيضًا في "الروضة"، لكن جزم في باب صفة الأئمة من "شرح المهذب" بكفرهم، ذكر ذلك قبيل الكلام على امتناع اقتداء الرجل بالمرأة فاعلمه.

قوله: والأكثرون على قبول شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية وهم قوم يرون جواز شهادة أحدهم لصاحبه إذا سمعه يقول لي على فلان كذا فيصدقه بيمين أو غيرها ويشهد له اعتمادًا على أنه لا يكذب، وقالت طائفة: لا تقبل مطلقًا، ثم قال: ورد الشيخ أبو محمد شهادة الذين يسبون

الجزء: 9 - الصفحة: 337

الصحابة ويقذفون عائشة -رضي الله عنها- 17 وعلى هذا جرى الإمام وصاحب "التهذيب" وصاحب "الكتاب"، وخير الأمور أوسطها.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن الذين يسبون الصحابة فيهم كلام تقدم في أوائل القضاء، في الكلام على الاستفتاء فراجعه.
الأمر الثاني: أن كلامه يشعر بأن قذفة عائشة -رضي الله عنها- تقبل شهادتهم عند الأكثرين وأنا لا نحكم بكفرهم، وليس كذلك بل هم كفار مردودة شهادتهم؛ إذ هي مبرأة بنص القرآن، وقد نبه في "الروضة" عليه.
الأمر الثالث: أنا إنما [لم] 18 نحكم برد شهادة الخطابية ورد قضائهم إذا كانت الشهادة أو الحكم لخطابي مثله، كذا صرح به الرافعي في باب قتال البغاة، ولا يؤخذ ذلك من كلامه هنا فإنه إنما تعرض لذلك في تفسير مذهبهم فتأمله.
[قوله] 19: إن كلامهم يقتضي أنه لا فرق في قبول الشهادة بين من يستحل الدم والمال أم لا؟ وقد صرح به هنا في "الروضة" من "زوائده" نقلًا عن الشافعي فقال: الصواب في غير قاذف عائشة قبول الشهادة، وقد قال في "الأم": ولم نعلم أحدًا من سلف الأمة يقتدى به ولا من بعدهم من التابعين رد شهادة أحد بتأويل وإن خطأه وضلله ورآه استحل ما حرم الله تعالى عليه، فلا نرد شهادة أحد بشيء من التأويل كان له وجه يحتمله، وإن بلغ فيه استحلال المال والدم هذا نص الشافعي.
انتهى كلام النووي.
وقد ذكر الرافعي في باب قتال البغاة أن المعتبرين قالوا: إن الحاكم أو

الجزء: 9 - الصفحة: 338

الشاهد من أهل البغي يستحل دماء أهل العدل أو أموالهم لم ينفذ حكمه ولم تقبل شهادته، لأنه فاسق وهذا يخالف المذكور هنا، وقد سبق ذكر ذلك في موضعه فراجعه.
وفي كتاب القضاء أيضًا كلام آخر يتعلق بذلك فراجعه أيضًا.

قوله: وهل يصغى القاضي إلى شهادته مع ظهور فسقه؟ فيه وجهان.
الذي ذكره الشيخ أبو محمد واستحسنه الإمام: أنه لا يصغى إليهما كشهادة العبد والصبي.
انتهى.
قال الرافعي في "الشرح الصغير" أظهر الوجهين.
أنه لا يصغى لذلك، وصححه أيضًا النووي في أصل "الروضة".

قوله: فالمبادر في حقوق [الأميين] 20 منهم لا تقبل شهادته والمبادرة أن يشهد من غير تقدم دعوى، فإن شهد بعد دعوى قبل أن يستشهد ردت شهادته أيضًا على الأصح، وإذا رددناها ففي مصيره مجروحًا وجهان: أشبههما: لا، ويحكى القطع به عن أبي عاصم العبادي إن كانت المبادرة عن جهل منه، وظاهر هذا: أن الخلاف في سقوط عدالته مطلقًا.
. . . إلى آخر كلامه.
وما ذكره الرافعي من تقييد قطع العبادي بحالة الجهل قد حذفه النووي من "الروضة" فوقع في غلط فاحش، وهو قطعه بذلك في حالة العلم، والذي توقف فيه في آخر كلامه قد ذكره في كتاب الدعاوى قبيل الطرف الثاني.
وفي "كتاب الإقرار"، فنقل ما حاصله: أن البغوي قائل بالجرح مطلقًا، والإمام قائل به في الزيادة فقط، ذكر ذلك في ما إذا ادعى ألفًا فشهد له شاهدان بألفين.

الجزء: 9 - الصفحة: 339

قوله في المسألة: وظاهر هذا أن الخلاف في سقوط عدالته مطلقًا، ويؤيده أن الهروي قال: إن الوجهين مبنيان على أن المبادرة من الصغائر أو الكبائر؟ لكن منهم من يفهم من كلامه اختصاص الخلاف برد تلك الشهادة وحدها إذا أعادها ومنهم البغوي.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من عدم الوقوف في هذه المسألة إلا على ما أشعر به كلام الهروي ونحوه من المتأخرين المعدودين في المصنفين لا في أصحاب الوجوه، قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو غريب، فقد صرح الإمام بأن الخلاف يجري في سقوط عدالته في تلك الشهادة وغيرها، ذكر ذلك في أوائل كتاب الدعوى، وذكر القاضي الحسين في باب الإقرار من "تعليقته" عكسه، فقال: لا خلاف أنه لا يصير مجروحًا في غير تلك القضية، هذه عبارته وذكر الإمام هناك نحوه أيضًا.

قوله أيضًا في المسألة: قال في "الوسيط" في باب دعوى الدم: في وجه لا تقبل تلك الشهادة منه إذا أعادها كالشهادة المردودة بعلة الفسق، وعلى وجه: تقبل، وعلى وجه: إن تاب عن المبادرة فتقبل.
انتهى.
وهذا الوجه المفصل بين التوبة وغيرها أسقطه من "الروضة".

قوله: وهل تقبل شهادة الحسبة في الخلع؟ أطلق في "التهذيب" المنع، وقال الإمام: تقبل في الفراق ولا تثبت في المال، قال: ولا أبعد ثبوته بيعًا.
ولا أن يثبت الفراق دون البينونة.
انتهى.
تابعه في "الشرح الصغير" و"الروضة" على حكاية الخلاف من غير ترجيح، وجزم الخوارزمي أيضًا بمقالة البغوي إلا أن الراجح ما قاله الإمام، فقد سبقه إليه القاضي الحسين كما نقله عنه الإمام وغيره واختاره أيضًا الغزالي في "الوسيط" وغيره، وتبعهم صاحب "الحاوي الصغير"، وإن

الجزء: 9 - الصفحة: 340

كان في كلامه إيهام إثبات المال.

قوله في أصل "الروضة": ومنه -أي مما تقبل فيه شهادة الحسبة- تحريم الرضاع والنسب، وفي النسب وجه.
انتهى.
النسب هنا مرفوع عطفًا على التحريم -أي ومنه النسب على الصحيح- وهكذا ذكره الرافعي.

قوله: وما تقبل فيه شهادة الحسبة -بقاء العدة وانقضاؤها، ثم قال ما نصه: [والحدود] 21 التي هي حقوق الله تعالى كحد الزنا وقطع الطريق والسرقة، لكن الأولى فيها الستر.
انتهى كلامه.
وهذا الذي جزم به هاهنا من استحباب الستر للشهود قد اختلف فيه كلامه، وكلام "الروضة" أيضًا، وقد سبق إيضاح ذلك في باب حد الزنا فراجعه.

قوله: وأما ما هو حق آدمي كالقصاص وحد القذف والبيوع والأقادير فلا تقبل فيه شهادة الحسبة، فإن لم يعلم صاحب الحق أعلمه الشاهد حتى يدعي، ويستشهده فيشهد.
انتهى.
وهل هذا الإعلام على جهة الوجوب أو الاستحباب؟ فيه كلام سبق في أواخر الباب الثاني من أبواب الوكالة فراجعه.

قوله: فرع: ما تقبل فيه شهادة الحسبة هل تسمع فيه دعوى الحسبة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لأن الثبوت بالبينة وهي غنية عن الدعوى، وهذا هو الجواب في فتاوى "القفال".

الجزء: 9 - الصفحة: 341

والثاني: عن القاضي الحسين أنها تسمع، لأن البينة قد لا تساعد ويراد استخراج الحق بإقرار المدعى عليه.
انتهى كلامه.
والراجح: عدم سماع الدعوى، كذا جزم به في كتاب الدعوى والبينات في الكلام على الطرف الثالث المعقود للحالف، فقال: الثانية حدود الله تعالى لا تسمع فيها الدعوى، ولا يطلب الجواب لأنها ليست حقًا للمدعى ومن له الحق لم يأذن في الطلب، هذا كلامه.
نعم قد ذكر الرافعي ما يقتضي خلافه في موضعين: أحدهما: في الباب الثاني من كتاب السرقة فقال: ومن رفع إلى مجلس القاضي واتهم بما يوجب عقوبة فللقاضي أن يعرض له بالإنكار ويحمله عليه ولو أقر بذلك ابتداء أو بعد دعوى فكذلك على الصحيح.
انتهى.
فقوله أو بعد دعوى صريح في سماعها.
وثانيهما: في الكلام على المخدرة، وهو في آخر باب القضاء على الغائب فإنه صحح أنها لا تخرج للدعوى عليها، ثم استدل على ذلك بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" 22 وهذا يدل على سماع الدعوى، إلا أنهما ليسا في الصراحة كالأول ووقع الاختلاف المذكور في "الروضة" كما وقع في الرافعي، إلا أنه لم يذكر الاستدلال بقصة أنيس وفي أدب القضاء لابن أبي الدم: أن المشهور عدم سماعها، ثم قال: ولست أرى لسماعها فائدة، فإن فائدة الدعوى طلب اليمين منه إن أنكر، وقد قال ابن القاص: اتفق الشافعي وأبو حنيفة على أنه لا يمين في حد الزنا وشرب الخمر إلا إذا أقر بما يوجب الحد كأن أقر بوطء امرأة أجنبية، ثم ادعى الشبهة، قال الشافعي في اختلاف العراقيين: يحلف بالله ما وطئها إلا وهو يراها حلالًا ويسقط الحد إذا كان

الجزء: 9 - الصفحة: 342

يمكن أن يجهله، وقال أبو حنيفة: يسقط الحد بلا يمين.
انتهت خلاصة كلامه.
وما ادعاه من أنه لا فائدة للدعوى ليس كذلك، بل له فائدة وهو أنه قد يتورع عن اليمين فيقر، وقد تعرض له في الكلام على شهادة الحسبة.

قوله: وفي "الفتاوى": أنه لو جاء رجلان وشهدا بأن فلانًا أخو فلانة من الرضاع لم يكف حتى يقولا وهو يريد أن ينكحها، فإنه لو شهد اثنان بالطلاق وقضى القاضي بشهادتهما، ثم جاء آخران يشهدان بأخوة الرضاع بين المتناكحين لم تقبل هذه الشهادة؛ إذ لا فائدة في الحال لقبولها ولا عبرة بأنهما قد يتناكحان من بعد، وأن الشهادة على أنه أعتق إنما تسمع إذا كان المشهود عليه يسترق من أعتقه، وهذه الصور تفهم أن شهادة الحسبة إنما تسمع عند الحاجة.
انتهى كلامه.
وظاهر كلام الغزالي وآخرين كما قاله ابن الرفعة في "المطلب".
يشعر بخلاف ما في الفتاوى المذكورة.

قوله: وذكر أبو القاسم الصيمري في مختصر جمعه في أحكام الشهادات: أنه لا تجوز شهادة المحجور عليه بالسفه، فإن كان كذلك زادت صفة أخرى.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على ذلك وهو يقتضي توقفه في المنع، وأنه لم يقف على خلاف ما قاله الصيمري ولا على ما يوافقه، وقد صرح الرافعي بالمسألة في باب الوصاية، وذكر ما حاصله، عدم قبول شهادته، فإنه عد شروط الوصي سبعة، من جملتها الكفاءة إلى التصرف، قال: فلا يجوز الوصاية إلى من يعجز عن التصرف ولا يهتدي إليه لسفه أو هرم أو غيرهما، هذا هو الظاهر، ثم قال ما نصه: وحصروا الشروط جميعها بلفظ مختصر فقالوا: ينبغي أن يكون الوصي بحيث تقبل شهادته على الطفل هذا لفظه.

الجزء: 9 - الصفحة: 343

قوله: أما التوبة من المعاصي التي بينه وبين الله تعالى فهي أن يندم على ما مضى ويترك فعله في الحال ويعزم على أنه لا يعود.
انتهى كلامه.
وقد أهمل شرطًا رابعًا: وهو أن يكون ذلك كله لله تعالى حتى لو عوقب على جريمة فندم أو عزم على عدم العود لأجل ما حل به وخوفًا من وقوع مثله لم يكف، كذا ذكره أصحابنا الأصوليون ولابد منه كما أوضحته في "شرح منهاج الأصول" ومثلوه بما إذا قتل ولده وندم لكونه ولده، وبما إذا بذل الشحيح مالًا في معصية وندم لأجل غرامة المال.

قوله: وإن تعلق بها حق مالي كالغصب فيجب مع ذلك تبرئة الذمة عنه بأن يؤدي إليه، فإن مات فإلى وارثه، فإن لم يكن له وارث أو غاب وانقطع خبره دفع إلى قاض يعرف سيرته وديانته، فإن تعذر تصدق على الفقراء بنية الغرامة له.
ذكره العبادي في "الرقم" وصاحب الكتاب في غير الكتب الفقهية، وإن كان معسرًا نوى الغرامة إذا قدر، فإن مات قبل أن يقدر فالمرجو من فضل الله تعالى المغفرة.
انتهى كلامه.
وما ذكره في ما إذا لم يكن له وارث من الصدقة بماله ليس الأمر فيه على ما يوهمه ظاهر كلامه من التخصيص بالصدقة، بل هو مخير بين وجوه المصالح كلها، كذا ذكره في كتاب الفرائض، وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
وأما من انقطع خبره فقد تقدم في آخر القضاء على الغائب ما يشبهه وما أفهمه كلامه في المعسر من العفو قد خالفه فيه في "الروضة" فقال: ظواهر السنة الصحيحة تقتضي ثبوت المطالبة بالظلامة، وإن مات معسرًا عاجزًا إذا كان عاصيًا بالتزامه.
فأما إذا استدان في موضع يباح له الاستدانة واستمر عجزه عن الوفاء حتى مات، أو أتلف شيئًا خطأ وعجز عن غرامته حتى مات، فالظاهر:

الجزء: 9 - الصفحة: 344

أن هذا لا مطالبة في حقه في الآخرة؛ إذ لا معصية منه والمرجو من الله تعالى أن يعوض صاحب الحق، وقد أشار إلى هذا إمام الحرمين في أول كتاب النكاح، وتباح الاستدانة لحاجة في غير معصية ولا سرف إذا كان يرجو [الوفاء من جهة] 23 أو سبب ظاهر.
انتهى كلامه -رحمه الله-.
وهو يقتضي أن الاستدانة للسرف حرام فتفطن له.

قوله في "الروضة": وإن كان حقًا للعباد كالقصاص وحد القذف فيأتي المستحق ويمكنه من الاستيفاء، فإن لم يعلم المستحق وجب في القصاص أن يعلمه فيقول: أنا الذي قتلت أباك ولزمني القصاص فإن شئت فاقتص وإن شئت فاعفو، وفي حد القذف سبق في كتاب اللعان خلاف في وجوب إعلامه، وقطع العبادي وغيره هنا بأنه يجب إعلامه كالقصاص.
انتهى كلامه.
واعلم أنه قد حكى في كتاب اللعان عن الأصحاب: أن الإعلام واجب ولم ينقل مقابله إلا احتمالًا فقط، وقد سبق ذكر لفظه في أول باب اللعان فراجعه وعبارة الرافعي هنا أن الغزالي حكى هناك ترددًا وهو تعبير صحيح، وأما الخلاف فلم يصرح به.
نعم حكى الخلاف [في باب حد الزنا وما اقتضاه كلامه من الجزم بالوجوب في القصاص وعدم إجراء الخلاف] 24 ليس كذلك، فإن فيه خلافًا حكاه في باب حد الزنا أيضًا.

قوله أيضًا في "الروضة": فرع: لو قصر في ما عليه من دين ومظلمة ومات المستحق واستحقه وارث بعد وارث، ثم مات ولم يوفهم، لمن تستحق المطالبة به في الآخرة؟ فيه أوجه:

الجزء: 9 - الصفحة: 345

أرجحها وبه أفتى الحناطي: أنه صاحب الحق أولًا.
والثاني: أنه أخر من مات من ورثته أو ورثة وريثه وإن نزلوا.
والثالث ذكره العبادي في "الرقم": أنه يكتب الأجر لكل وارث مدة حياته ثم من بعده لمن بعده.
انتهى كلامه.
وهذا الترجيح الذي ذكره لم يذكره الرافعي بالكلية وإنما حكاه عن الحناطي فقط فقال: قال القاضي: يرثه الله تعالى بعد موت الكل ويرد إليه في القيامة.
هذا لفظه من غير زيادة عليه، ولفظ "الروضة" لا يعطي هذه الكيفية المذكورة في الانتقال.

قوله: وأما التوبة في الظاهر فالمعاصي تنقسم إلى: فعلية، وقولية.
أما الفعلية كالزنا والسرقة: فإظهار التوبة عنها لا يكفي في قبول الشهادة وعود الولاية، لأنه لا يؤمن أن يكون له في الإظهار غاية وغرض فاسد فيختبر مدة يغلب على الظن فيها أنه قد أصلح وصدق في توبته، وهل تتقدر هذه المدة؟ قال قائلون: لا إنما المعتبر حصول غلبة الظن بصدقة، ويختلف الأمر فيه بالأشخاص وأمارات الصدق، وذهب آخرون إلى تقديرها، وفيه وجهان: قال أكثرهم: يستبرأ بسنة فإن لمضي الفصول الأربعة أثرًا بينًا في تهييج النفوس وانبعاثها لمشتهياتها، وقال جماعة: يكتفي بستة أشهر ونسبوه إلى النص.
انتهى كلامه.
وذكر في "الشرح الصغير" نحوه أيضًا.
فيه أمران: أحدهما: أنه ليس فيه تصحيح بالنسبة إلى التقدير وعدمه، وأما كلام الأكثرين فنقله تفريعًا على القول بالتقدير، وقد اختصر في "الروضة" هذا الكلام على غير وجهه فقال: وفي تقدير هذه المدة أوجه: الأكثرون أنها

الجزء: 9 - الصفحة: 346

سنة.
والثاني: ستة أشهر ونسبوه إلى النص.
والثالث: لا تتقدر بمدة.
هذا لفظه.
نعم ذكر في "المحرر" كما في "الروضة".
الأمر الثاني: أن وجوب الاستبراء محله إذا كان الشخص ظاهر الفسق فلو كان يخفيه فأقر به ليقام عليه الحد قبلت شهادته بعد ثبوته من غير استبراء، كذا ذكره الروياني وغيره وهو ظاهر.

قوله في "الروضة": ثم إذا تاب بالقول هل تشترط المدة المذكورة؟ إذا كان عدلًا قبل القذف ينظر: إن كان القذف على صورة الشهادة لم يشترط على المذهب، وإن كان قذف سب وإيذاء اشترط على المذهب.
انتهى كلامه.
ولا يعلم منه أن الأصح طريقة القطع أو الخلاف، ولا أن ذلك الخلاف بتقدير إثباته قولان أو وجهان، وقد بين الرافعي ذلك فصحح في المسألة الأولى طريقة القطع وحكى أخرى على قولين وعكس في الثانية.

قوله: ثم قضية ما قالوه في القذف أن تشترط التوبة بالقول في سائر المعاصي القولية كشهادة الزور والغيبة والنميمة، وقد صرح صاحب "المهذب" بذلك في شهادة الزور، فقال: التوبة عنها أن يقول: كذبت في ما قلت ولا أعود إلى مثله.
انتهى.
ومقتضى هذا الكلام أنه لم يقف على ذلك إلا في شهادة الزور، وقد نقله الغزالي في المبادرة بالشهادة أيضًا عن بعض الأصحاب، ونقله عنه الرافعي هناك، ولكن أسقطه من "الروضة".

الجزء: 9 - الصفحة: 347

الباب الثاني: في العدد والذكورة

قوله: واعلم أن قول الشاهد الواحد لا يكفي الحكم به ولا يستثنى إلا هلال رمضان على الأصح.
انتهى.
تستثنى أيضًا مسألة أخرى ذكرها المتولي في "التتمة" في كتاب الصيام ونقلها عنه النووي في "شرح المهذب" في الصيام وفي آخر الصلاة على الميت، فقال: فرع: ذكره المتولي في كتاب الصيام أنه إذا مات كافر فشهد واحد بأنه أسلم فلا يحكم بأنه مسلم في الإرث فيرثه الكافر لا المسلم، وهل يحكم به في جواز الصلاة عليه؟ قولان في ثبوت هلال رمضان، وقد وقع في هذا الباب من "نكت المنهاج" للشيخ برهان الدين ابن الفركاح استثناء مسألة أخرى نقلها عن الماوردي واستثناؤها غلط، فإن الماوردي عبر بقوله: شاهدا عدل -بألف التثنية- فخفيت الألف عليه أو سقطت من النسخة التي وقف عليها فاعلمه.

قوله: وفي الإقرار بالزنا قولان: أحدهما: أنه لا يثبت إلا بأربعة، لأنه يتعلق به إقامة الحد فأشبه نفس الزنا.
والثاني: يثبت بشاهدين كسائر الأقارير، قال الرويانى: وهذا أصح.
انتهى.
والراجح: ما ذهب إليه الروياني، كذا صححه الرافعي في "المحرر" والنووي في أصل "الروضة" و"تصحيح التنبيه".

قوله في "الروضة": ولا يثبت اللواط وإتيان البهيمة إلا بأربعة على المذهب.
اعلم أن الأصح في اللواط: طريقة القطع، وقيل: على وجهين،

الجزء: 9 - الصفحة: 348

والأصح في إتيان البهيمة: طريقة الوجهين، وقيل: يجب الأربعة قطعًا، هذا حاصل ما في الرافعي، والمذكور في "الروضة" لا يعلم منه أن الأصح طريقة القطع أو الخلاف، ولا أن ذلك الخلاف وجهان أو قولان، ويوهم أيضًا التسوية بين المسألتين في ذلك.

قوله: سبق في السرقة أنه يشترط في الشهادة على الزنا أن يذكروا التي زنا بها، وأن يذكروا الزنا مفسرًا فيقولون رأيناه أدخل فرجه في فرجها، وأما قولهم كالمزود في المكحلة فإنه زيادة بيان وليس بشرط، كذا ذكره الهروي.
انتهى.
أهمل من الشروط ذكر موضع الزنا، وقد صرح باشتراطه صاحب "التنبيه".

قوله: والشركة والقراض معدودان في "التهذيب" مما لا يثبت إلا برجلين، وأدرج في "الوسيط" الشركة في ما يثبت برجل وامرأتين، والأول أظهر.
انتهى.
تبعه عليه في "الروضة"، واعلم أن القاضي الحسين قد سبق البغوي إلى ما قاله في الشركة والقراض، [وقال في "الشامل": إن القراض] 25 مما يثبت بالشاهد واليمين، وكذلك القاضي أبو الطيب في "تعليقته" في باب الشهادة على الجناية، . وكلام الرافعي يوهم نفي الخلاف عن القراض، قال ابن الرفعة في "المطلب": وينبغي أن ينزل كلام الفريقين على تفصيل فيقال: إن كان مدعيهما يروم إثبات [التصرف كالوكيل فلابد فيه من شاهدين، وإن كان يروم إثبات] 26 حصته من الربح فيثبت بالرجل والمرأتين إذ المقصود المال، ويقرب منه: إذا ادعت المرأة النكاح لإثبات المهر وأقامت

الجزء: 9 - الصفحة: 349

به شاهدًا وامرأتين فإنه يثبت المهر على الصحيح، وإن لم يثبت النكاح، وكذا لو ادعى خالد أن زيدًا أوصى إلى عمرو بأن يعطيه من ماله كذا وأقام شاهدًا وامرأتين تثبت الوصية بالمال وإن لم تثبت الوصاية.

قوله: النوع الثاني ما لا يطلع عليه الرجال وتختص النساء بمعرفته غالبًا فتقبل فيه شهادتهن منفردات، وذلك كالولادة والبكارة والثيابة والرتق والقرن والحيض والرضاع.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره في الحيض من إمكان إقامة البينة عليه قد خالفه في أربعة مواضع: أحدها: في كتاب الطلاق في الكلام على تعليقه بالحيض، وقد سبق ذكر لفظه في موضعه.
والثلاثة الباقية في كتاب الديات وبه أجاب العماد ابن يونس في "فتاويه" أيضًا، والمذكور في "المنهاج" وفي "فتاوى" النووي في باب الحيض: أنه يمكن، وما ذكره أيضًا الرافعي في الرضاع قد خصه المتولي بما إذا كان من الثدي، فإن كان من إناء حلب فيه لم تقبل شهادتهن على أن هذا اللبن من هذه المرأة.

قوله: قال البغوي: والعيب في وجه الحرة وكفها لا يثبت إلا برجلين بناء على أنهما ليسا من العورة، وفي وجه الأمة وما يبدو منها عند المهنة يثبت برجل وامرأتين لأن المقصود منه المال، والجراحة التي تصيب فرج المرأة لا تلتحق بالعيب لأن جنس الجراحة مما يطلع عليه الرجال غالبًا، إنما الذين لا يطلعون عليه العيب الخاص.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في الأمة يقتضي أنه لا يكفي قول الواحد في العيوب، وهو مخالف لما نقله عنه الرافعي في البيع في أواخر الرد بالعيب

الجزء: 9 - الصفحة: 350

قبيل الكلام على الإقالة فقال: قال في "التهذيب": إن قال واحد من أهل المعرفة: إنه عيب ثبت الرد، واعتبر في "التتمة" شهادة اثنين.
واعلم أيضًا أن مقتضى تعليل البغوي بكون المقصود هو المال اختصاص ذلك بما إذا كان الإثبات لردها في البيع، فإن كان لفسخ النكاح به لم يقبل.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في الجراحة قد سبقه إليه القاضي الحسين في "تعليقه"، وكلام "الروضة" يشعر بانفراد البغوي به فإنه قال: الصواب إلحاق الجراحة على فرجها بالعيوب تحت الثياب، وعجب من البغوي كونه ذكر خلاف هذا وتعلق بمجرد الاسم.

قوله: ومما يثبت برجل وامرأتين الشفعة والمسابقة وحصول السبق.
انتهى.
واعلم أن الحصول بالحاء والصاد المهملتين، ومعناه تقدم أحدهما على رفيقه، فأراد بالأول العقد، وبالثاني التقدم، وذكر في "الشرح الصغير" كما في "الكبير" أيضًا فقال: والمسابقة وحصول السبق منها، وقد تحرفت هذه اللفظة على الشيخ محيى الدين في "الروضة" بالخيول جمع خيل بالخاء المعجمة وبالياء بنقطتين من تحت، ولما تحرفت لزم منها تغيير السبق بالمسابقة أيضًا لتنظيم الكلام، فقال: والمسابقة وخيول المسابقة.
هذا لفظه فأتى بمسألة أخرى.

قوله: نعم في النجم الأخير وجهان: أحدهما: أنه لا يثبت إلا برجل لتعلق العتق.
وأصحهما على ما ذكره صاحب "التهذيب": أنه كسائر النجوم.
انتهى.
والأصح ما قاله البغوي، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في "أصل الروضة".

قوله: ولو علق طلاق امرأته أو عتق عبده على الغصب أو الإتلاف فشهد

الجزء: 9 - الصفحة: 351

بهما رجل وامرأتان يثبت الغصب والإتلاف ولم يحكم بوقوع الطلاق ولا بحصول العتق، نص عليه، وهو كما مر في الصوم أنا إذا أثبتنا هلال رمضان بشاهد واحد لم يحكم بوقوع الطلاق والعتق المعلقين برمضان ولا بحلول الدين المؤجل به، هذا إذا سبق التعليق، وذكر ابن سريج ووافقه عامة الأصحاب: أنه لو ثبت الغصب أولا برجل وامرأتين وحكم الحاكم به، ثم جرى التعليق فقال لزوجته: إن كنت غصبت فأنت طالق وقد ثبت عليها الغصب كما وصفنا وقع الطلاق بخلاف ما لو تقدم التعليق، وقياسه أن يكون الحكم كذلك في التعليق برمضان، وحكى الإمام أن شيخه حكى وجهًا آخر: أنه لا يقع كما لو تقدم التعليق.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن جزمه بعدم الوقوع في ما [إذا] 27 تقدم التعليق، وحكاية الخلاف فيما إذا أخر قد عكسه في أوائل كتاب الجنايات في الكلام على الجناية على الخنثى وقد ذكرت لفظه هناك.
الأمر الثاني: أن هذا البحث الذي ذكره في تعديه إلى رمضان واقتضى كلامه وكلام "الروضة" عدم الوقوف عليه، قد صرح به القاضي الحسين في "تعليقته"، ونقله عن ابن سريج بخصوصه وهو أول القائلين به في الغصب والإتلاف، ثم تبعه عليه من بعده كما سبق في كلام الرافعي وموافقة النقل للتفقه دليل علو المقدار لا على خلافه، وذكر الرافعي هنا ضابطًا حسنًا في ما يثبت بطريق التبع عند شهادة الرجل والمرأتين وما لا يثبت وحذفه من "الروضة"، فقال: وفي هذه الصور انتشار وربما أمكن لمّ بعض الشعث بأن يقال: ما شهد به رجل وامرأتان فله حالان: أحدهما: أن يكون مما لا يثبت، بشهادتهم كالسرقة والقتل، فينظر:

الجزء: 9 - الصفحة: 352

إن كان له موجب يثبت بشهادتهم كالمال الذي هو أحد موجبي السرقة ثبت، وإن لم يكن له موجب يثبت لم يجب شيء كالقصاص.
الثاني: أن يكون المشهود به يثبت بشهادتهم فالمرتب عليه: إن كان شرعيًا ثبت كالنسب والميراث المرتبين على الولادة والإفطار بعد الثلاثين، وذلك لأن الترتيب الشرعي يشعر بعموم الحاجة وتعذر الانفكاك.
وإن كان وضعيًا كترتيب الطلاق والعتق والحلول على التعليق برمضان فلا ضرورة في ثبوته.

قوله: وقول صاحب "الكتاب" إذا شهد على السرقة أو العمد رجل وامرأتان ثبت المال، وإن لم نثبت العقوبة فيه تسوية بين أن يشهدوا على السرقة [وبين أن يشهدوا على القتل العمد في أن يثبت المال ولا يثبت العتق، وهذا الحكم صحيح في السرقة وقد ذكره مرة في بابها.
وأما القتل العمد: فهو خلاف ما نص عليه الأصحاب هاهنا وليس له في "الوسيط" ذكر بل فرق في باب السرقة بين شهادتهم على السرقة وشهادتهم] 28 على القتل كما فرق غيره، ولا محمل لما جرى هاهنا إلا السهو.
انتهى كلامه.
وهذا الإنكار الفاحش قد ذكره أيضًا في "الشرح الصغير" وتوهم النووي أن الإنكار حق فأسقط مقالة الغزالي [بالكلية من "الروضة" وذلك كله غريب فإن الذي قاله الغزالي] 29 قد حكاه الإمام في "النهاية" قولًا وصرح به في الشاهد والمرأتين، وفي الشاهد مع اليمين، لكنه جعله تفريعًا على أن الواجب أحد الأمرين لا القصاص بعينه، ذكر ذلك في باب الشهادة على الجناية، وحكاه أيضًا الفوراني في الباب المذكور، لكن صرح به في الشاهد واليمين فقط، ويلزم منه القول به في الشاهد والمرأتين بالضرورة.

الجزء: 9 - الصفحة: 353

قوله: وفي دعوى النكاح إذا أقام شاهدين ولم يعدلا نجعل المرأة عند امرأة ثقة وتمنع من الخروج، وفيه وجه ضعيف، قال القاضي أبو سعد: فإن كانت المرأة متزوجة لم يمنع منها الزوج قبل التعديل، لأنه ليس بمدعى عليه وليس البضع في يده فلا معنى لإيقاع الحجر عليه.
انتهى كلامه.
والذي قاله أبو سعد الهروي من تمكين الزوج منها مشكل، وقد ذكر الرافعي بعد هذا بأسطر ما يؤخذ منه المنع هنا، فقال: وفي الأمة تتحتم الحيلولة احتياطيًا للبضع، وكذا لو ادعت المرأة الطلاق وأقامت شاهدين يفرق الحاكم بينهما قبل التزكية هذا لفظه.
واعلم أن مقتضى التعليل المذكور: أن الأمة لو كانت محرمًا له أنها تكون كالعبد حتى يحيل بينه وبين سيده إن رأى الحاكم ذلك، وإلا فلا إلا أن يطلب.

قوله: ولو أقام شاهدًا واحدًا وطلب الانتزاع قبل أن يأتي بآخر، ففيه قولان: أحدهما: يجب كما لو تم العدد وبقيت التزكية.
وأصحهما: عند عامة الأصحاب [لا] 30، لأن الشاهد الواحد ليس بحجة، ثم قال: وعن أبي إسحاق أنه قطع بالأول، لأن المال يثبت بشاهد ويمين وله أن يحلف معه متى شاء، فكانت الحجة تامة وحكى أبو الفرج طريقة بقطع الثاني، لأنه متمكن من إتمام حجته بالحلف فإذا لم يفعل كان مقصرًا.
انتهى كلامه.
وهاتان الطريقتان أسقطهما النووي من "الروضة".

قوله: ثم ذكر العراقيون والروياني أن الحيلولة والحبس قبل التعديل يثبتان

الجزء: 9 - الصفحة: 354

إلى ظهور الأمر للقاضي بالتزكية أو الجرح، ولا تقدر له مدة، والحيلولة والحبس لشاهد واحد إذا قلنا به لا يزادان على ثلاثة أيام، بل عن أبي إسحاق: أن قول تأثير الشاهد الواحد موضعه ما إذا أقام شاهدًا فقال: إن الشاهد الآخر قريب، وإن قال: إنه غائب لا يحضر إلى ثلاثة أيام فلا حيلولة ولا حبس بحال، وعلى هذا ينزل قول الكتاب، وإذا قلنا فلا يزيد على ثلاثة أيام.
انتهى كلامه.
وليس فيه ما يدل على رد مقالة أبي إسحاق، بل هي مقررة لما سبق عن العراقيين والروياني بزيادة عليه، وجعلها في "الروضة" وجهًا ضعيفًا، فقال بعد حكايتها: والمذهب ما سبق هذا لفظه.

الجزء: 9 - الصفحة: 355

الباب الثالث: في مستند علم الشاهد

قوله: . وقسم الشافعي - رضي الله عنه - والأصحاب المشهود به على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يكفي فيه السماع ولا يحتاج إلى الإبصار.
والثاني: ما يكفي فيه الإبصار، وهو الأفعال كالزنا والشرب والغصب والإتلاف والولادة والرضاع والاصطياد والإحياء وكون المال في يد شخص فيشترط فيها الرؤية المتعلقة بها وبقاء علتها، ولا يجوز بناء الشهادة فيها على السماع من الغير.
والثالث: ما يحتاج فيه إلى السمع والبصر معًا كالأقوال، فلابد من سماعها ومشاهدة قائلها كالعقود والفسوخ والإقرار بها.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا التقسيم ليس بحاصر، فإن الشهادة تجوز بما علم بباقي الحواس [الخمس] 31 وهي الذوق والشم واللمس، كما لو اختلفا في مرارة المبيع أو حموضته أو في تغير رائحته أو في حرارته وبرودته ونحو ذلك.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من امتناع الشهادة على اليد بمجرد الاستفاضة قد نقل في أثناء الباب خلافه، وأبدى ما جزم به هاهنا بحثًا وسأذكر لفظه في موضعه فراجعه.

قوله: فإن كان يعرف المشهود عليه باسمه واسم أبيه دون جده، قال في "الوسيط": يقتصر عليه فإن عرفه القاضي بذلك جاز، وكان يحتمل أن

الجزء: 9 - الصفحة: 356

يقال: هذه شهادة على مجهول فلا يعتد بها كما ذكرنا في باب القضاء على الغائب أن القاضي لو لم يكتب إلا أني حكمت على محمد بن أحمد فالحكم باطل.
انتهى كلامه.
واعلم أنه لا منافاة بين مقالة الغزالي وبين ما سبق في القضاء على الغائب، فإن كان كلام الغزالي مفروض في ما إذا حصلت المعرفة بذلك ولم يقع التصوير في الغائب بهذا، بل تصويرهم بمجرد محمد بن أحمد يدل على خلافه، وقد ذكر الرافعي هناك قبل هذا التصوير بنحو ورقة ما يدل لمقالة الغزالي فإنه نص على ذكر اسمه واسم أبيه وجده وحليته وصنعته، ثم قال: وإذا حصل الإعلام ببعض ما ذكرناه اكتفى بهذه، وهذا يدخل فيه المعرفة بذكر الأب والجد.

قوله: وإن كان يعرف المشهور عليه بعينه دون اسمه ونسبه فمات ودفن فعن القاضي الحسين: أنه لا ينبش، واستثنى منه في "الوسيط" ما إذا اشتدت الحاجة ولم يطل العهد بحيث يتغير المنظر، وهذا ما أورده الإمام على سبيل الاحتمال، وقال: الأظهر ما ذكره القاضي.
انتهى.
وحاصله أن القاضى لم يتعرض لمسألة "الوسيط" بخصوصها، وأن الإمام والغزالي قد اختلفا فيها وتبعه عليه في "الروضة".
والراجح: عدم النبش فقد رجحه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: فإن دفن فعن القاضي الحسين: أنه لا ينبش وهو الأظهر الذي أورده في "الكتاب" وقيل: إن لم يطل العهد بحيث يتغير المنظور فيجوز أن ينبش، هذا كلامه.
وقد تقدم في أواخر تعليق الطلاق مسألة هي نظير هذه، حكى الرافعي فيها احتمالين عن أبي العباس الروياني وصحح فيها النووي من "زوائده" عدم النبش فراجعها.

قوله: ولك أن تقول: ينبغي أن لا يتوقف جواز التحمل على كشف

الجزء: 9 - الصفحة: 357

القناع ولا على المعرف، لأن حضور امرأة أو شخص تحت النقاب وإقرار ذلك الحاضر متيقن، فإذا رفعت المرأة إلى القاضي والمحتمل تلازمها تتمكن من الشهادة على عينها بأن أقرت بكذا، وهذا نظير صورة الضبط في شهادة الأعمى، وقد يحضر قوم يكتفي بإخبارهم في التسامع قبل أن تغيب المرأة إذا لم يعتبر في التسامع طول المدة كما سيأتي فيخبرون عن اسمها ونسبها فيتمكن من الشهادة على اسمها ونسبها، بل ينبغي أن يقال: لو شهد اثنان تحملا الشهادة على امرأة لا يعرفانها أن امرأة حضرت يوم كذا مجلس كذا فأقرت لفلان بكذا، وشهد عدلان أن المرأة المحضرة يومئذ في ذلك المكان كانت هذه ثبت الحق بالبينتين اللتين لو قامت بينة على أن فلان ابن فلان الفلاني أقر بكذا، وقامت أخرى على أن الحاضر هو فلان ابن فلان ثبت الحق، فما الفرق بين تعريف الشهود عليه المطلق باسم ونسب، وبين تعريفه بزمان ومكان؟ وإذا اشتمل التحمل على هذه الفوائد وجب أن يجوز مطلقًا، وإن لم يعرض ما يفيد جواز الشهادة على العين أو على الاسم والنسب فذاك شيء آخر.
انتهى كلامه.
وهذا التصوير الذي ذكره الرافعي كل الخلاف واستشكله، قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" مع أنه ليس محل الخلاف، بل يجوز التحمل فيه قطعًا، وقد صرح بجوازه الروياني وغيره مع حكايتهم الخلاف في أصل المسألة، وقد استدرك ابن الرفعة هذا الموضع عليه ونبه على ما ذكرناه.

قوله: وإذا خاف الفتنة فيشبه، أن يقال: لا ينظر المتحمل، لأن في غيره غنية عنه، فإن تعين فينظر ويحترز.
انتهى.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه وتابعه عليه في "الروضة"، قد جزم به الماوردي والروياني في "البحر"، وعبرا بقولهما إذا خاف من النظر إثارة الشهوة.

الجزء: 9 - الصفحة: 358

قوله: وتجوز هذه الحيلة كما أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عامل خيبر بمنع الجمع بالدراهم وشرى الخبيث 32. انتهى.
هذا الحديث تقدم الكلام عليه في باب الربا.

قوله: وفي النسب من الأم وجهان: أحدهما: أنه لا تجوز الشهادة عليه بالسماع لإمكان رؤية الولادة.
والثاني: يجوز كما في جانب الرجل، وهذا أصح عند صاحب الكتاب، وحكى في "الوسيط" القطع به عن بعضهم.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، والصحيح، ما صححه الغزالي: فقد قال الرافعي في "المحرر": إنه أصح الوجهين، وصححه النووي أيضًا في "المنهاج" وفي أصل "الروضة".

قوله.: وهل يثبت الولاء والوقف والعتق والزوجية بالاستفاضة؟ فيه وجهان إلى آخره.
لم يصرح بترجيح، وقال في "الشرح الصغير": رجح كثيرون المنع، وقال في "المحرر": فيه وجهان رجح منهما المنع هذا لفظه.
وقال في "الروضة" من "زوائده": الجواز أقوى وأصح وهو المختار.
وقال في "المنهاج": إنه الأصح عند المحققين والأكثرين.
واعلم أن الصواب الذي عليه الفتوى إنما هو المنع، فقد نص عليه الشافعي، ونقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية"، وإذا قلنا بالثبوت فقال النووي في "فتاويه": ولا تثبت بها شروط الوقف وتفاصيله بل إن كان وقفًا على جماعة معينين أو جهات متعددة قسمت الغلة [بين الجميع

الجزء: 9 - الصفحة: 359

بالسوية، وإن كان على مدرسة مثلًا وتعذرت معرفة الشروط صرف الناظر الغلة] 33 في ما يراه من مصالحها، هذا كلامه.
وما أطلقه من عدم ثبوت الشروط ليس بجيد، بل الأرجح فيه ما ذكره ابن الصلاح في "فتاويه"، فإنه قال: يثبت بالاستفاضة أن هذا وقف ولا يثبت بها أن فلانًا وقفه، قال: وأما الشروط فإن شهدا بها منفردة فلا تثبت بالاستفاضة، وإن شهد بها ذاكرًا لها في شهادته فأصل الوقف في معرض بيان شرط الواقف سمعت؛ لأنه يرجح حاصله إلى بيان كيفية الوقف هذا كلامه.
ولا شك أن النووي لم يطلع عليه.
واعلم أن هاهنا مسألة كثيرة الوقوع وهي أن جماعة شهدوا بأن النظر في الوقف الفلاني لزيد، ولم يزيدوا على ذلك ولم يكونوا شهدوا على الواقف ولا قالوا: إن مستندنا الاستفاضة، وسئلوا عن مستندهم فلم يبدوه بل صمموا على الشهادة.
وأجاب ابن الصلاح بأن هذا محمول على استنادهم إلى الاستفاضة والشروط لا تثبت بمثل ذلك كما تقدم، قال: وأيضًا فإن إهمال السبب مقتضى لرد الشهادة [كما لو شهدا] 34 بالإرث، كذا نقلت هذه المسألة من خط ابن الصلاح كما قاله الشيخ برهان الدين في "تعليقه".

قوله: أحدهما: فيما تحصل به الاستفاضة أوجه: أشبههما لكلام الشافعي واختاره الماوردي: لابد من جمع كثير يقع العلم أو الظن القوي بخبرهم ويؤمن تواطؤهم على الكذب.

الجزء: 9 - الصفحة: 360

والثاني: يكفي عدلان.
والثالث: يكفي واحد إذا سكن القلب إليه، وإذا قلنا بالأول فينبغي أن لا تعتبر العدالة ولا الحرية ولا الذكورة انتهى ملخصًا.
فيه أمران تابعه عليهما في "الروضة": أحدهما: أن الماوردي لم يكتف بالظن، بل اشترط العلم على خلاف المذكور هنا، فقال في أوائل باب التحفظ في الشهادة: وأقل هذا العدد أن يبلغوا عدد التواتر، وقال أبو حامد الإسفرايني: أقله عدلان، وهذا وهم؛ لأن قول الاثنين من أخبار الآحاد، فوجب أن يعتبر فيه العدد المقطوع بصدق مخبره وهو عدد التواتر المنتفى عنه المواطأة والغلط، هذا كلامه.
وقد نقله عنه الشيخ في "المهذب" على الصواب، وهو أحد الموضعين اللذين نقل فيهما عن الماوردي كما تقدم في "الطبقات".
الأمر الثاني: أن ما ذكره في آخر كلامه بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقله، قد جزم به الماوردي بالنسبة إلى العدالة، فإنه فرق بين الاستفاضة والتواتر من وجوه: منها: أن عدالة المخبرين شرط في التواتر دون الاستفاضة، وجزم به الروياني بالنسبة إلى الحرية والذكورة، وحكى وجهين في انفراد الصبيان به مع شواهد الحال بانتفاء المواطأة.

قوله: الثانية إذا سمع رجلًا يقول لآخر هذا ابني وصدقه الآخر، أو أنا ابن فلان وصدقه فلان، قال كثير من الأصحاب.
يجوز أن يشهد به على النسب، وكذا لو استحلف صبيان أو بالغًا وسكت، لأن السكوت في النسب كالإقرار، ألا ترى أنه لو بشر بولد فسكت عليه لحقه بخلاف ما إذا أنكر المستلحق، [فإن النسب] 35 لا يثبت حينئذ، وفي "المهذب" وجه: أنه

الجزء: 9 - الصفحة: 361

لا يشهد عند السكوت إلا إذا تكرر عنده الإقرار والسكوت، والذي أجاب به الإمام وصاحب الكتاب: أنه لا تجوز الشهادة على النسب بذلك، وهذا قياس ظاهر المذهب انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من الاكتفاء بسكوت البالغ المستلحق مخالف للمذكور في الإقرار من "الشرح الكبير" وهنا من "الشرح الصغير"، فإنه قد صحح فيهما: أنه لابد من التصديق، وقد تقدم لفظه في الإقرار في موضعه لكنه موافق للمذكور في باب دعوى النسب وهو قبل كتاب العتق، وسوف أذكره أيضًا هناك فراجعه.
واعلم أن الغزالي قد ذكر أنه يثبت بالسكوت ومع ذلك قال: لا يشهد بالنسب، والرافعي مع ذهابه إلى أنه لا يثبت بذلك جوز الشهادة به.

قوله: فإن اجتمع اليد والتصرف، نظر: إن قصرت المدة فالحكم كما في اليد المجردة، وإن طالت فوجهان: أحدهما: لا تجوز الشهادة له بالملك حتى ينضم إليها نسبة الناس الملك إليه.
والثاني: تجوز، وصححه البغوي وحكاه الإمام عن الجمهور انتهى.
وقد ذكر النووي في الباب الثاني من اللقيط في الحكم الرابع منه ما حاصله: استثناء الرقيق، وأنه لا تجوز الشهادة فيه بالملك إذا سمع من المشهود له أو من غيره أنه له، وقد تقدم ذكر لفظه هناك وكان الفرق وقوع الاستخدام في الأحرار كثيرًا مع الاحتياط في الحرية.

قوله: ونقل القاضي ابن كج وجهين في أنه هل يشترط أن يقع في قلب السامع صدق المخبر؟ ويشبه أن يكون هذا غير الخلاف المذكور في أنه هل يعتبر خبر عدد يؤمن منهم التواطؤ؟ انتهى كلامه.

الجزء: 9 - الصفحة: 362

ومراده أن هذا الخلاف ليس هو ذلك الخلاف بل مغايرًا له، وحينئذ فيكون مفرعًا على قولنا: أنه لا يشترط العدد الذي يؤمن فيهم التواطؤ فاعلمه فإنه وقع في كثير من نسخ الرافعى التعبير بلفظة عين بالعين المهملة والنون، وجزم الإمام وابن الصباغ بالاشتراط تفريعًا على هذا القول، وهو يقوي ما ذكرناه، ولم يتعرض في "الروضة" لهذا البحث، وقد سلك ابن الرفعة في "الكفاية" ما أشار إليه الرافعي من كون الصدق في القلب مفرعًا على أنه لا يشترط العدد الذي يؤمن معه التواطؤ، إلا أنه نقل عن العراقيين الجزم باشتراطه -أعني وقوع الصدق في القلب-، وبذلك يعلم أن الصحيح فيه الاشتراط.

قوله: وذكروا أنه تجوز الشهادة على اليد بمجرد الاستفاضة، وقد ينازع فيه لإمكان مشاهدة اليد.
انتهى.
وما ذكره بحثًا يقتضي أنه لم يقف على قائل بالمنع، وقد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غريب، فقد جزم هو في أول الباب بمنع الشهادة على اليد بمجرد الاستفاضة، وقد تقدم ذكر لفظه لغرض آخر فراجعه.
وقد نقل في "الروضة" هذا الفرع عن ابن كج خاصة، وسببه أنه قد يقع في بعض النسخ، وذكر على جعل الفاعل ضميرًا مستترًا عائدًا على ابن كج فإنه قد سبق ذكره قبله بقليل وهو أول المسألة السابقة على هذه كما ذكرناه.

قوله: ولا يكفي أن يقول الشاهد سمعت الناس يقولون: إنه لفلان وكذلك في النسب وإن كانت الشهادة مبنية عليه، بل يشترط أن يقول: أشهد بأنه له وبأنه ابنه، لأنه قد يعلم خلاف ما يسمعه من الناس، لكن عن الشيخ أبي عاصم: أنه لو شهد بالملك والآخر بأنه في يده مدة طويلة يتصرف فيه بلا منازع تثبت الشهادة، وهذا ما ذكره الشارح لكلامه مصيرًا إلى

الجزء: 9 - الصفحة: 363

الاكتفاء بذكر السبب، والظاهر الأول.
انتهى كلامه.
واعلم أن الامتناع في هذه المسألة ليس هو لأجل التصريح في شهادته بالاستفاضة، بل لأجل أنه لم يشهد بالمقصود وإنما شهد على جريان النسب، ثم نقل عن أبي عاصم ما نقل إشارة إلى أنه اكتفى فيه بالشهادة على النسب، وحينئذ فتكون الشهادة على الاستفاضة أيضًا كافية تفريعًا على تلك المقالة، وهذا كله غير خاف من كلامه، وأما التصريح بالاستفاضة عند الإتيان بالصيغة المعتبرة وهي لفظ الشهادة فليس في كلام الرافعي هنا تعرض له، وقد صرح بجوازه في الكلام على البحث عن حال الشهود وهو قبيل الباب الثالث من أبواب القضاء وهو الباب المعقود للغائب فقال: وهل يشترط التعرض لذكر السبب كرؤية الجرح أو سماعه؟ قال قائلون: نعم، فلابد أن يقول: رأيته يزني، وسمعته يقذف، وعلى هذا القياس يقول في الاستفاضة: استفاض عندي.
وفي "الشامل": أنه لا حاجة إليه، وليس للحاكم ذلك كما في سائر الشهادات، وهذا أقيس انتهى.
وحاصله جواز الإتيان بذلك وحكاية الخلاف في اشتراطه، فلو كان ذكره قادحًا لقدح في كل شهادة، ونقل ابن الرفعة عن ابن أبي الدم: أن الشاهد إذا صرح في شهادته بالاستفاضة لا تقبل شهادته في أصح الوجهين، فكأن سببه أنه بمنزلة شهود الفرع مع شهود الأصل، وقد ذكر الرافعي في الركن الخامس من كتاب الدعاوى في أثناء المدرك الثالث من مدارك ترجيح البينة فرعًا قريبًا منه، فقال: ولو شهد بملك ماض ولم يتعرض للحال لم يسمع في أصح القولين، ثم قال: ويجوز أن يشهد بالملك في الحال اعتمادًا على الاستصحاب، فلو صرح في شهادته بأنه يعتمد الاستصحاب فوجهان، قال الغزالي والأصحاب: لا تقبل كما لا تقبل

الجزء: 9 - الصفحة: 364

شهادة الرضاع على امتصاص الثدي وحركة الحلقوم، وقال القاضى: تسمع لأنا نعلم أنه لا مستند له سواه هذا كلامه.
وهو يقوي ما قاله ابن أبي الدم في الاستفاضة ولعله ذكر قياسًا عليه.

قوله: وذكر ابن كج: أنه لو دعي لأداء الشهادة عند أمير أو وزير، فعند ابن القطان لا يجب أداء الشهادة عندهما، قال: وعندي يجب إذا علم أنه يصل به إلى الحق، وحكى أبو الفرج وجهين في أنه هل يجب الحضور عند القاضي الجائر والمتعنت في أداء الشهادة؟ فعلى عدم الوجوب تكون عدالة القاضي وجمعه للشروط المعتبرة شرطًا.
انتهى.
أما الأولى: فقد جزم بالوجوب فيها أيضًا الماوردي والروياني، وقال في "الروضة" من "زوائده": إنه الأصح، لكن ذكر ابن سراقة في تصنيفه في "أدب الشهود": أن الأصح عدم الوجوب.
ذكر ذلك في باب بيان العلل المانعة من أداء الشهادة، وجزم بنحوه أيضًا في "الروضة" في القضاء على الغائب في ضمن فرع من الطرف الثالث، فقال: إن منصب سماع البينة يختص بالقضاة.
ونقله الرافعي عن "الوسيط".
وأما الثانية: ففي "الروضة" من "زوائده" أن الأرجح هو الوجوب.
قلت: ونقله في "البحر" عن أصحابنا مطلقًا ذكره قبيل الكتاب الأول من الكتابين المعقودين للشهادات.

قوله: ويوافق هذا ما قيل أن المدعي لو قال للقاضي: لي عند فلان شهادة وهو ممتنع من أدائها فأحضره ليشهد، لم يجبه القاضي لأنه فاسق بالامتناع بزعمه، فلا ينتفع بشهادته.
انتهى.
ينبغي أن تكون صورة المسألة ما إذا قال هو ممتنع بغير عذر، وقد نبه

الجزء: 9 - الصفحة: 365

على ذلك في "الروضة".

قوله: وحكى -أي البغوي- وجهين في ما إذا دفع شيئًا ليصرفه إلى نفقة الطريق والمركوب، فهل له أن يصرفه إلى عرض آخر ويمشي راجلًا؟ وهما كالوجهين في ما إذا دفع إلى فقير شيئًا فقال: اشتر به لنفسك ثوبًا، هل له صرفه إلى غير الثوب؟ والأشهر: الجواز انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" أيضًا على ذلك فصرح بأن الأصح في المسألتين جميعًا جوازه كما هو مقتضى كلام الرافعي، لكن في مسألة الفقير تفصيل قد مر في كتاب الهبة فراجعه.
وقياسه أن يأتي في مسألة الشاهد أيضًا، ثم إن مشى الشاهد من بلد إلى بلد مع قدرته على الركوب قد يكون خارمًا للمروءة قادحًا في قبول الشهادة، فيظهر حينئذ امتناعه في حق من هذا شأنه.

قوله: ولو طلب الشاهد أجرة ليتحمل، فإن لم يتعين: فله الأخذ، وإن تعين: فوجهان: أظهرهما: الجواز انتهى كلامه.
وأخذ الأجرة له شرط، ذكره الشيخ عز الدين في "القواعد الكبرى" فقال: ولا يجوز أخذ الأجرة على تحمل شهادة يبعد تذكرها ومعرفة الخصمين فيها، لأن باذل الأجرة إنما يبذلها على تقدير الانتفاع بها عند الحاجة إليها فيصير هاهنا آخذ الأجرة على شهادة لا يحل له أداؤها، ذكر ذلك في الفصل المعقود لما يثاب عليه الشهود وهو نحو ثلث الكتاب.

قوله: ومقتضى قولنا أنه يطلب الأجرة إذا دعى للتحمل أن يطلب الأجرة إذا دعى للأداء سواء كان القاضي معه في البلد أم لا، كما لا فرق في التحمل، وأن يكون النظر إلى الأجرة مطلقًا لا إلى أجرة المركوب ونفقة الطريق خاصة، ثم هو يصرف المأخوذ إلى ما يشاء، ولا يمنع من ذلك كون الأداء فرضًا عليه كما ذكرنا في التحمل مع تعينه على الأصح انتهى كلامه.

الجزء: 9 - الصفحة: 366

والبحث الذي ذكره الرافعي في تجويز أخذ الأجرة على الأداء قياسًا على التحمل ضعيف، فقد فرق الماوردي وغيره بينهما بأن أخذ الأجرة في الأداء يوجب ريبة، على أن الماوردي حكى وجهين فيما إذا كان ممتنعًا عن كسبه بالتحمل، وجعل في أخذ الأجرة عليها ثلاثة أوجه: ثالثها: يجوز على التحمل دون الأداء، وقد ضعف في "الروضة" أيضًا مقالة الرافعي فقال: إنه ضعيف مخالف لكلام الأصحاب، قال: فإن فرض من يحتاج إلى الركوب في البلد فهو محتمل، والوجوب ظاهر.

الجزء: 9 - الصفحة: 367

قال -رحمه الله-:

فصل في آداب التحمل والأداء منقولة من مختصر الصيمري

قوله: وإن أتى بكتاب أنشئ على مختلف فيه عند العلماء وهو لا يعتقده، فهل يعرض عنه أو يشهد ليؤدي ويحكم الحاكم باجتهاده؟ وجهان سبقا انتهى.
وأشار إلى وجهين مذكورين قبل هذا بنحو ورقة وهو قبيل القيد الخامس وليسا مطابقين لما هاهنا فتأمله.

قوله: وإذا قرأ الكتاب على المتبايعين مثلًا فقال: عرفتما ما فيه أشهد عليكما بما فيه؟ فقالا: نعم.
كفى للتحمل انتهى.
وما نقله عن الصيمري من جواز الشهادة عليه بقوله أشهد وأقره عليه، قد تابعه عليه أيضًا النووي، وفي صحة التحمل بذلك اضطراب سبق إيضاحه في الباب الثاني من أبواب الإقرار وفي باب أركان الطلاق فراجعه.

قوله: ويستحب الاستعانة بما يفيد التذكير كما ذكرنا في الباب الثاني من أدب القضاء.
انتهى.
والتعبير بقوله: ويستحب أعني بالسين والحاء هو الصواب، وقد رأيته بخط النووي في "الروضة" كذلك فاعلمه، فإن كثيرًا من النسخ يقع فيها التعبير بقولنا يجب من الوجوب وهو تحريف.

الجزء: 9 - الصفحة: 368

الباب الرابع: في الشاهد واليمين

قوله في أصل "الروضة": يجوز القضاء بشاهد ويمين، ولا يقضى بشهادة امرأتين ويمين في الأموال قطعًا.
انتهى.
وليس كما قال من دعوى القطع، بل فيه خلاف ذكره في كتاب الشفعة في أوائل الباب الثالث المعقود لما يسقط به حق الشفيع، فقال: فصل: إذا أخر الطلب، ثم قال: أخرت لأني لم أصدق، فإن أخبره عدلان أو عدل وامرأتان بطل حقه وفي النسوة وجهان بناء على أن المدعي هل يقضى له بيمينه مع امرأتين؟ إن قلنا: لا، فهو كالمرأة وإلا كالعدل الواحد، ولم يدع الرافعي هنا أن الجواز مقطوع به.

قوله أيضًا في "الروضة": ولو كان في يد رجل شخص يدعي أنه رقيقه فادعى آخر أنه كان له وأنه أعتقه وأقام شاهدًا وحلف، أو رجلًا وامرأتين، نص الشافعي -رحمه الله- أنه ينزع منه ويحكم بأنه عتق على المدعي بإقراره، فمن الأصحاب من قال: في قبول هذه البينة والانتزاع قولان لأنهما شهادة تملك [متقدم] 36، والمذهب: القطع بالقبول والانتزاع كما نص عليه.
انتهى كلامه.
والرافعي -رحمه الله- في "الشرحين" معًا لم يصرح بتصحيح شيء من الطريقين، وإن كان قد صحح ما ذكره النووي من حيث الجملة.

قوله: ولو ادعى ورثة ميت دينًا أو عينًا لمورثهم وأقاموا شاهدًا واحدًا، وامتنعوا من الحلف، وعلى الميت دين فهل للغريم أن يحلف؟ فيه قولان:

الجزء: 9 - الصفحة: 369

الجديد: المنع.
انتهى.
ومحل هذا الخلاف كما قال الفوراني: ما إذا لم يكن في التركة وفاء غير هذا الدين، فإن كان لم يحلف قطعًا.

قوله: والقولان في هذه المسألة جاريان في ما إذا قد أوصي لإنسان ولم يحلف الورثة، هل يحلف الموصى له؟ فإن كانت الوصية بعين وادعاها في يد الغير، فلا ينبغي أن يكون هذا موضع الخلاف، بل يجوز لا محالة.
انتهى.
وأشار بقوله في ما إذا قد أوصى لإنسان إلى الوصية بما ليس بعين كقوله: أوصيت له بمائة درهم، فإنه حينئذ يكون نظير الدين المختلف فيه، وما ذكره بعد وهي مسألة الوصية بالعين إذا أقام عليها شاهدًا واحدًا ولم يطلع فيها على نقل وقال: ينبغي أن يجوز للوارث فيها الحلف بلا خلاف، قد اختلف فيها الأصحاب كما حكاه الماوردي والروياني فبعضهم قال: يحلف قطعًا، وبعضهم خرجها على القولين، وقد ذكر الرافعي في كتاب القسامة فرعًا آخر له تعلق بهذا، وهو ما إذا أوصى بعين في يد نفسه فادعاها شخص بعد موت الموصي، ولم يقم على دعواه بينة، فهل يحلف الوارث لتنفيذ الوصية؟ قال: فيها احتمالان للإمام، وقد تقدم الكلام عليه هناك.

قوله: فلو حلف بعضهم لم يشاركه في نصيبه من لم يحلف على المنصوص، وما حكمه؟ -يعني من لم يحلف- ينظر: إن كان حاضرًا كامل الحال ونكل ذكر الإمام: أن حقه يبطل بالنكول، ولو مات لم يكن لوارثه أن يحلف، وفي كتاب ابن كج ما ينازع فيه وقد يوجه بأنه حقه فله تأخيره.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، والصحيح: أن حقه لا يبطل حتى يحلف هو ووارثه، فقد قاله أيضًا القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وحكى

الجزء: 9 - الصفحة: 370

الإمام في موضع آخر فيه وجهين، وكذلك الغزالي وجوزوا له على ذلك الوجه أن يدعي به ثانيًا ويحلف إذا ردت اليمين عليه، وقد حكى ذلك جميعه ابن الرفعة في "المطلب".

قوله: قال الإمام: ولو أقام الورثة شاهدًا وحلف معه بعضهم ومات بعضهم قبل أن يحلف ونكل كان لوارثه أن يحلف، لكن هل يحتاج إلى إعادة الدعوى، والشاهد؟ فيه احتمالان، والأشبه: أنه لا يحتاج.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا ومقتضاه: أنهما لم يقفا في المسألة على نقل، وقد صرح الماوردي بالمسألة وجزم بما رجحه الرافعي، وقال الغزالي في "البسيط": إنه الظاهر.

قوله: ولو أقام بعضهم شاهدين على دين أو عين للمورث فإنه يثبت الجميع ثم ينتزع القاضي نصيب الصبي والمجنون، وأما نصيب الغائب: فإن كان عينًا انتزعها، وكلام الأصحاب يقتضي: أن هذا الانتزاع واجب وهو الظاهر، لكن سبق في باب الوديعة أن الغاصب لو حمل المغصوب إلى القاضي والمالك غائب ففي وجوب قبوله وجهان، فيجوز أن يعود ذلك الخلاف هنا مع قيام البينة.
انتهى.
وهذه الصورة التي تكلم عليها هاهنا وهي ما إذا مات صاحب العين ووارثه غائب، فقد ذكرها في أوائل باب استيفاء القصاص، وجزم بأن القاضي ينتزعها، وعلله بأنه حفظ لحق الميت، ثم جعل محل الخلاف المحكي في انتزاع الحاكم في ما عدا هذه الصورة.
وإذا علمت ما قاله هناك من التفرقة بين المسألتين في الحكم والمعنى علمت أن البحث الذي ذكره هنا ذهول عما قرره هناك.

قوله في "الروضة": وهل يثبت الوقف بشاهد ويمين؟ إذا قلنا الملك فيه لله تعالى: فيه وجهان أو قولان:

الجزء: 9 - الصفحة: 371

أحدهما: لا، وبه قال المزني وأبو إسحاق [كالعتق] 37 ومال العراقيون إليه ونسبوه إلى عامة الأصحاب.
والثاني: نعم، وهو المنصوص وصححه الإمام والبغوي، وجزم به الغزالي وهو أقوى في المعنى.
انتهى.
وما ذكره من جزم الغزالي به ليس كذلك، فقد حكى في "البسيط" فيه وجهين؛ ولهذا لم يذكره الرافعي، وقد صرح الرافعي في "الشرح الصغير" بتصحيح الثبوت بالشاهد واليمين، وعبر بالأظهر.

قوله: ولو مات عن بنين، فادعى ثلاثة منهم: أن أباهم وقف عليهم هذه الدار ومن بعدهم على كذا، وأنكر سائر الورثة، وأقاموا شاهدًا وحلفوا معه.
إذا قلنا به ثم ماتوا أخذه البطن الثاني وقفا بلا يمين عند الجمهور، فإن قلنا لابد من اليمين فكان الحق بعد البنين الثلاثة للفقراء [وكانوا] 38 غير محصورين، فهل يبطل الوقف وتعود الدار إرثًا أم تصرف إليهم بلا يمين، أم تصرف إلى أقرب الناس [للواقف بناء] 39 على أنه تعذر مصرفه كالوقف المنقطع؟ فيه ثلاثة أوجه.
انتهى.
قال في "الروضة": الأصح: يأخذون بلا يمين وتسقط هنا لتعذرها، ولا يبطل الوقف بعد صحته ووجود المصرف بخلاف المنقطع.

الجزء: 9 - الصفحة: 372

الباب الخامس: في الشهادة على الشهادة

قوله: وإنما يجوز التحمل إذا علم أن عند الأصل شهادة جازمة بحق ثابت ولمعرفته أسباب ثلاثة.
. . . إلى آخره.
اعلم أن الأصل إذا استدعى شاهدًا جاز لمن سمعه أن يشهد على شهادته، كذا قال ابن القاص، وصححه في "الشامل"، فهو إذن سبب رابع لم يذكره الرافعي ولا النووي.

قوله: وإن عرض بالأصل فسق أو عداوة أو ردة ثم زالت فهل للفرع أن يشهد بالتحمل الأول أم يحتاج إلى تحمل جديد؟ عن ابن سريج أنه يحتاج وصححه الإمام، وروى وجهًا آخر: أنه لا حاجة إليه، وهذا قضية إيراد "التهذيب" انتهى.
والصحيح: هو الأول، كذا صححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من "زوائده"، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له، ولم يصرح بالمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".

قوله: ولو طرأ على الأصل جنون فقيل تبطل شهادة الفروع كالفسق، والجمهور على أنه لا أثر له كالموت، لأنه لا يوقع دينه في ما مضى، ويجري الوجهان فيما لو عمي وأولى بأن لا يؤثر فيه، لأنه لا يبطل أهلية الشهادة بالكلية، ولو أغمى عليه قال الإمام: إن كان غائبًا: لم يؤثر، وإن كان حاضرًا: لم يشهد الفرع بل ينتظروا لزواله؛ لأنه قريب الزوال ومقتضى هذا أن يكون الجواب كذلك في كل مرض يتوقع زواله لتوقع زوال الإغماء انتهى كلامه.

الجزء: 9 - الصفحة: 373

اعترض النووي -رحمه الله- على هذا البحث الذي ذكره الرافعي، فقال: قلت: ليس كما قال الرافعي -رحمه الله- بل الصواب: أن المرض لا يلحق بالإغماء وإن توقع زواله قريبًا، لأن المريض أهل للشهادة بخلاف المغمى عليه والله أعلم.
وهذا الاعتراض الذي ذكره -رحمه الله- غلط ظاهر ليس فيه ملائمة لبطلان ما يقوله الرافعي، بل يعضد ما يقوله ويقويه، لأن وجود الأصل وهو بصفة الشهادة لا شك أنه أقرب إلى عدم قبول الفرع من الحالة التي يخرج فيها الأصل عن الأهلية بسبب لا تقصير فيه، والمجنون الحاضر تقبل شهادة فرعه ولا شك أن إلحاق الإغماء [بالجنون أقرب من إلحاق المرض الذي لا يزيل العقل، فإذا كنا ننتظر زوال الإغماء] 40 لقربه فانتظار المريض القريب أولى ولا شك أنه يوهم أن مراد الرافعي بإلحاق المرض بالإغماء إنما هو في بطلان شهادة فرعهما لتقدم الكلام فيه.

قوله: فإن شهد اثنان على شهادة أصل وآخران على شهادة الثاني: جاز، ولو شهد فرع على أصل وفرع آخر على شهادة الأصل الثاني: لم يصح، ولم يذكروا فيه خلافًا، ولو شهد فرعان على شهادة الأصلين معًا ففي قبوله وجهان: أصحهما: الجواز.
انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف قد تبعه عليه في "الروضة" وعبر بقوله لم يصح قطعًا وليس الأمر كذلك، فقد رأيت في "السلسلة" للشيخ أبي محمد الجويني في هذه المسألة قولين، ونقلهما ابن أبي الدم في "أدب القضاء" عن الكتاب المذكور، ونقلهما أيضًا ابن الرفعة عن ابن أبي الدم.

قوله: وإذا قلنا بأنه لا تجوز شهادة الفرعين على شهادة [الأصلين معًا فشهد أربعة على شهادة] 41 الأصلين، فوجهان: أحدهما: المنع أيضًا لأنهم

الجزء: 9 - الصفحة: 374

جميعًا إذا قاموا مقام شاهد واحد لا يقومون مقام الثاني.
والثاني: يجوز، لأنه قد شهد اثنان منهم على شهادة زيد واثنان على شهادة عمرو، فلا يضر تعرض شهادة زيد لشهادة عمرو، وبالعكس قال الإمام: وهذا هو الذي لا يجوز غيره.
انتهى.
والصحيح: هو الجواز، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير": وعبر بالأصح، والنووي في أصل "الروضة": وعبر بالصحيح.

قوله: ومنها -أي ومن الأعذار المقتضية لسماع الفرع- الغيبة إلى مسافة القصر، فإن كانت دون مسافة القصر فمنهم من أطلق وجهين منهم ابن القطان، والأشبه: أنه إن كانت المسافة بحيث لو خرج الأصل بكرة لأداء الشهادة أمكنه الرجوع إلى أهله ليلًا لم تسمع شهادة الفرع، وتسمى هذه مسافة العدوى، وإن كانت بحيث لا يمكنه الرجوع فهو موضع الوجهين.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره هاهنا من كون مسافة العدوى هي التي يرجع فيها المبكر إلى أهله بالليل سواء كان في أوله أو وسطه أو آخره، قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وليس كذلك، بل الضابط أن يرجع قبل الليل، كذا ذكره الأصحاب، وذكره هو أيضًا في كتاب النكاح في الكلام على سوالب الولاية، ولم يحك فيه خلافًا وتبعه عليه في "الروضة".
الأمر الثاني: أن ما ذكره النووي هنا تبعًا للرافعي من تصحيح القبول في ما فوق مسافة العدوى مسلم، وأما المنع في مسافة العدوى فقد خالفه في "المنهاج": فقال: وشرط قبولها تعذر أو تعسر الأصل بموت أو إغماء يسبق حضوره أو غيبة لمسافة عدوى، وقيل: قصر.
هذا لفظه، وهو اختلاف عجيب.

الجزء: 9 - الصفحة: 375

وكلام الرافعي سالم منه، فإنه صحح في "المحرر" أيضًا: أنها لا تسمع كما صحح في الشرحين فقال: والأظهر أن الغيبة إلى ما فوق مسافة العدوى كالغيبة إلى مسافة القصر، هذه عبارة "المحرر"، فسها -رحمه الله- في "اختصاره".
وما ذكره النووي في "المنهاج" مشكل على مسائل: منها: إذا دعي لأداء الشهادة في بلد أخرى ففي "الروضة" و"المنهاج" وأصلهما: أنه إن دعي إلى مسافة العدوى فهي قريبة يجب عليه الأداء، وإن دعي إلى مسافة القصر فلا، وكذا إن كان بين المسافتين على الأصح.
ومنها: أن الغائب إذا قلنا تسمع الدعوى عليه فشرطه أن يكون في مسافة بعيدة، وضابط البعد على ما ذكره في الذهاب لأداء الشهادة قاله في "المنهاج" وغيره.
ومنها: إذا طلب من الحاكم إحضار غائب، ففي "المنهاج": أنه على هذا التفصيل، فيقال للشيخ محيي الدين لم جعلت مسافة العدوى بعيدة في المسألة الأولى فقط وهي قبول شهادة الفرع وجعلتها قريبة في باقي المسائل؟ ولو غاب الولي فوق مسافة العدوى ودون مسافة القصر، فالأصح: أنها كمسافة العدوى حتى لا يجوز للحاكم التزويج إلا بإذن، وفرق "الرافعي" بوجهين: أحدهما: أن الولي إذا زوج لم يحتج إلى الحضور بل يوكل بخلاف الشاهد.
الثاني: أن الخصم قد يهرب فيفوت الحق، والنكاح لا يفوت غالبًا بهذا القدر من التأخير.

قوله في المسألة: وعبارة جماعة من الأصحاب: إن كان يلحقه مشقة

الجزء: 9 - الصفحة: 376

غليظة في المجيء إلى مجلس الحكم لم يكلف وسمعت شهادة الفرع، وهذا يجوز أن يحمل على المشقة اللاحقة بالمجيء فيما فوق مسافة العدوى، ويجوز أن يجعل أعم من ذلك، وإلى الحمل الأول ميل ابن الصباغ.
انتهى كلامه.
اعترض في "الكفاية" فقال: لم يمل ابن الصباغ إلى الأول، بل نقل عن الشيخ أبي حامد كلامًا يقتضي أنه -أي أبا حامد- يميل إليه، ثم إن الأول قد صرح به البندنيجي والشيخ في "المهذب" وغيرهما، وكلام الماوردي يميل للمحمل الثاني.

قوله: ويلحق خوف الغريم وسائر ما تترك به الجمعة بالمرض، هكذا أطلق الإمام الغزالي وليكن ذلك في الأعذار الخاصة دون ما يعم الأصل والفرع كالمطر والوحل الشديد.
انتهى كلامه.
وما استدركه من إخراج العذر العام للأصل والفرع من تجويز سماع شهادة الفرع بسببه، قد تابعه عليه في "الروضة"، ونقله أيضًا ابن الرفعة عنه خاصة وسكت عليه، وهو تقييد باطل ووهم عجيب، فإن مشاركة غيره له لا تخرجه عن كونه عذرًا في حق الفرع إلا إذا اشتركا في سبب يستحيل الحضور معه لا في ما يمكن مع المشقة، فإن وجد المدعي من يتكلف ويؤدي الشهادة على الأصل في تلك الحالة سمعت، ووجوده كبير خصوصًا عند إعطاء ما يرضى الشخص به، وإن لم يجد ذلك كان المانع عدم وجود الفرع.

الجزء: 9 - الصفحة: 377

الباب السادس: في الرجوع عن الشهادة

قوله: وكذا الحكم لو شهدوا بالردة فقتل، أو بزنا المحصن فرجم، أو على بكر فجلد ومات منه ثم رجعوا، وذكر أبو الحسين العبادي احتمالين في أنهم يرجمون أو يقتلون بالسيف؟ ، والأظهر: الأول.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن في هذين الاحتمالين وجهين للأصحاب ونقلهما من هو أقدم من العبادي المذكور وهو القاضي الحسين ونقلهما عنه ابن الرفعة في "الكفاية" و"المطلب"، وقد سبق ذكرهما أيضًا من كلام الرافعي في باب استيفاء القصاص لكن في مثال آخر.
الأمر الثاني: أن الاحتمال الذي صححه الرافعي وهو كونه يرجم، قد جزم به البغوي في "فتاويه"، وهو لا يوافق القواعد المقررة في كتاب القصاص لأن شرط الاقتصاص بالحجر معرفة موضع الجناية وقدر الحجر وعدده كما أوضحوه في موضعه، والمرجوم في الزنا لا تنضبط [هذه الأمور في حقه قطعًا، ولو فرضنا أنها انضبطت فهي لا تنضبط] 42 أيضًا في حق الشاهد حتى يرجم فيتعذر القصاص بما فعل، وتعين أن يكون الصواب هو الانتقال إلى السيف، وقد سبق في باب استيفاء القصاص تعرض للمسألة، وهذه المسألة ذكرها الرافعي في آخر الباب فنقلها النووي إلى هنا فتابعته عليه.

قوله: ولو رجع الولي مع الشهود فوجهان:

الجزء: 9 - الصفحة: 378

أحدهما: أن القصاص أو الدية بكمالها على الولي، لأنه المباشر وهم معه كالممسك، وهذا أظهر: عند الإمام.
والثاني: وهو الأصح عند صاحب "التهذيب": أنهم معه كالشريك انتهى كلامه.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا ولا في "المحرر"، فإنه قال -فيه أعني في "المحرر"-: رجح كلام كلًا منهما مرجحون.
والأصح: هو الأول، كذا جزم به الرافعي في أوائل الجنايات في الكلام على القتل بشهادة الزور، وقال في "الروضة" من "زوائده" هنا: إنه الأصح نقلًا ودليلًا.

قوله: ولو رجع الشهود بعد القتل وقالوا: أخطأنا، وكان الجانى أو الزاني غيره، فلا قصاص وتجب الدية.
قال الإمام: وقد يرى القاضي والحالة هذه تعزير الشهود لتركهم التحفظ.
انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلام الإمام من جواز التعزير، وتابعه عليه الرافعي والنووي قد ذكره أيضًا الغزالي في "البسيط" و"الوسيط" وعبر بالعبارة المنقولة عن الإمام، والمعروف: عدم التعزير على خلاف ما قالاه، فقد جزم به القفال والقاضي أبو الطيب في آخر الباب من "تعليقته" والبندنيجي في "تعليقته" أيضًا، وابن الصباغ في "الشامل" والبغوي في "التهذيب" والروياني في "البحر" وأبو نصر البندنيجي في "المعتمد" والقاضي مجلي في "الذخائر".
نعم ذكر الرافعي في أول الباب: أن شهود الزنا إذا رجعوا وقالوا: أخطأنا يحدون على الصحيح لما فيه من التعبير وكان حقهم أن يثبتوا، قال: وعلى هذا فترد شهادتهم، والفرق ما أشار إليه الرافعي من التعبير بالرمي من

الجزء: 9 - الصفحة: 379

الزنا ولهذا وجب فيه الحد بخلاف نسبته إلى القتل ونحوه من الكبائر.

قوله: وقول "الوجيز": ولو قال: تعمدت ولكن ما علمت أنه يقتل بقولي هذا يدخل فيه ما إذا قال: لم أعلم أنه يقتل بما شهدت عليه بل ظننت أنه يحبس أو يؤخذ منه المال، وهي الصورة التي ذكرناها وفرقنا بين أن يكون قريب العهد بالإسلام أو بعيدًا، أو يدخل في ما إذا قال: لم أعلم أنه يقتل بقولي؛ لأنني ظننت أنني أجرح بأسباب تقتضي الجرح، ويمكن أن يجعل هذا خطأ.
انتهى كلامه.
واعلم أن الصورة الأولى: وهي ما إذا ظن الحبس ونحوه، قد صرح بها قبل ذلك، وصحح أن القصاص لا يجب فيها، بل الواجب فيها دية شبه العمد.
وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا ظن الجرح فقد اقتضى كلامه أنها أولى بعدم وجوب القصاص مما قبلها فإنه أدرجها في كلام الغزالي، ومال إلى أنها من صور الخطأ لا من شبه العمد، وهذه الصورة قد حذفها من "الروضة" فلم يذكرها بالكلية، والحكم الذي ذكره فيها الرافعي مشكل، وذكر في "الشرح الصغير" قريبًا مما ذكره في "الكبير".

قوله: فرع: قال أبو الحسين ابن القطان: لو رجع الشهود وقالوا: أخطأنا [وادعوا أن العاقلة تعرف أنهم أخطأوا و] 43 عليهم الدية، فقالت العاقلة: لا نعلم، ليس للشهود تحليفهم وإنما تطالب العاقلة إذا قامت البينة.
قال ابن كج: [ويحتمل] 44 أن يقال: لهم تحليفهم لأنهم لو أقروا غرموا.
انتهى كلامه.
واعلم أن الجاني إذا اعترف بالخطأ أو شبه العمد وكذبته العاقلة فله

الجزء: 9 - الصفحة: 380

تحليفهم على نفي العلم كذا جزم به الرافعي في باب العاقلة فيكون الصحيح خلاف ما قاله ابن القطان، فإن الشاهد فرد من أفراد ما دخل هناك في كلامه فاعلمه.

قوله: أما إذا شهدوا بطلاق رجعي، ثم رجعا، نظر: إن راجعها: فلا غرم إذا لم يعنت عليه بشهادتهما شيء، وإن لم يراجعها حتى انقضت العدة: التحق بالطلاق البائن ووجب الغرم، هكذا ذكره صاحب "التهذيب"، وحكى أبو الفرج السرخسي عن القاضي الحسين وجهًا: أنه لا غرم إذا لم يراجع لتقصيره بترك التدارك، وأطلق "ابن كج" وجهين في أن الشهادة على الطلاق الرجعي والمرجوع عنها هل تقتضي غرمًا؟ ، ومال إلى المنع؟ وحكاه عن ابن أبي هريرة، فإن أوجبنا فغرموا ثم راجعها الزوج، فهل عليه رد ما أخذ؟ فيه احتمالان ذكرهما أبو الحسن العبادي، زاد النووي فقال: الصواب: الجزم بالرد والله أعلم.
فيه أمور: أحدها: أن الغرم له ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون بعد الرجعة.
والثاني: قبلها وبعد انقضاء العدة.
والثالث: أن يكون قبل الرجعة وقبل انقضاء العدة أيضًا.
والذي دل عليه كلام الرافعي فإن البغوي ساكت عن هذا القسم الثالث وهو كذلك، فإنه قال: ولو شهدا على طلاق رجعي ثم رجعا بعد الحكم، فإن لم يراجعها الزوج حتى انقضت العدة: يجب المهر على الشهود، فإن راجعها: فلا غرم، هذه عبارته.
وإذا علمت ذلك فقد ذكر القاضي الحسين في "تعليقته" هذا القسم،

الجزء: 9 - الصفحة: 381

وأجاب فيه بالغرم، فقال ما نصه: فإن شهدوا بالطلقة الرجعية ثم رجعوا يحتمل أن يقال: لا يغرمون شيئًا راجعها أم لم يراجعها، لأنهم ما أزالوا الملك بل الزوج أزاله بترك المراجعة، والظاهر: وجوب الغرامة لقول الشافعي في "المختصر" لأنهم حرموه عليه ثم ينظر: إن راجعها: فيستردون الغرم من الزوج، وإن لم يراجعها: استقر الغرم على الشهود.
هذا كلامه.
ذكره في أثناء فرع أوله: قد ذكرنا أن الشهود، وقد أعلمتك في أول الكتاب أن "التهذيب" ملخص من هذه التعليقة التي هي لشيخه وخلاصتها فلما لخص البغوي هذه المسألة عبر بعبارة قاصرة.
ثم على ما قاله القاضي إذا غرمهم في العدة، ثم قبل انقضائها مات الزوج أو ماتت المرأة أو طلقها طلاقًا بائنًا فلا استرداد، وكلامه يشير إليه أيضًا.
الأمر الثاني: أن تعبير الرافعي بقوله: وحكى السرخسي عن القاضي الحسين وجهًا أنه لا غرم، لا يعلم منه هل هو ناقل له أو قائل به؟ وقد ظهر لك انتفاء كل منهما، وإنما نسبت إليه كنسبة قولين للشافعي ذكرهما في وقت واحد، ورجح أحدهما على الآخر.
الأمر الثالث: أن النووي -رحمه الله- قد اختصر كلام الرافعي بقوله: ولو شهدا بطلاق رجعي، ثم رجعا فلا غرم إذا لم يفوتا شيئًا، فإن لم يراجع حتى انقضت العدة التحق بالبائن ووجب الغرم هذه عبارته، فأوجب الرجوع في القسم الثالث مع أن الرافعي لم يذكره وزاد على ذلك فصححه، ووقع في "الكفاية" لابن الرفعة هذا الغلط أيضًا وقد نبهت عليه في "الهداية إلى أوهام الكفاية" ولم يصحح الرافعي أيضًا شيئًا في هذه المسألة من "الشرح الصغير"، ولم يذكرها في "المحرر"، وحكى الروياني في "البحر" في المسألة طريقين: حاكية لوجهين، وقاطعة بعدم الرجوع،

الجزء: 9 - الصفحة: 382

وصحح الطريقة القاطعة، وجزم أيضًا أبو نصر البندنيجي في "المعتمد": بأنه لا يرجع، وأما غير من ذكرناه فقل من تعرض في المسألة لتصحيح.
فائدة: يتلخص مما حكاه الرافعي في الرجعية أربعة أوجه، وإن كان بعضها احتمالات فإن احتمالات أصحاب الوجوه وجوه، ويؤخذ تعليل جميعها من كلامه: أحدها: يغرمهم الزوج من حين الرجوع، وتستقر الغرامة لأنه إن لم يراجع فقد حصل التفويت، وترك السعي فيه غير مانع كترك المداواة في الجراحة، وإن راجع فقد حصل نقصان العدد فأشبه الطلاق البائن إذا حصل بعد التجديد، وهذا الوجه قد ضعفه النووي.
والثاني: لا يغرمون أصلًا، لأنه إن راجع: فلم يفت عليه شيء بخلاف تجديد النكاح فإنه لابد فيه من الرضى وبذل المال، ومجرد تبعيض العدد لا يقابل بالعوض، وإن لم يراجع: فهو المفوت على نفسه، وليس كترك المداواة فإن حصول أثرها مظنون بخلاف رجعة الزوج.
والثالث: لا يغرمهم إلا إذا انقضت العدة، ولم يراجع وهو ما صححه النووي.
والرابع: يغرمهم من حين الرجوع، ولكن إن راجع فيستردون ويعرف تعليل هذين مما سبق.
وإذا اختصرت فقل: أحدهما: يغرمهم وتستقر الغرامة.
والثاني: يغرمهم ولكن إذا راجع فيستردون منه.
والثالث: يغرمهم ولكن عند انقضاء العدة بدون رجعة.
والرابع: لا يغرمهم مطلقًا.

قوله: وإن زادوا عن الحد المعتبر بأن شهدا بالحد أو القتل ثلاثة أو بالزنا

الجزء: 9 - الصفحة: 383

خمسة، فإن راجع الكل فالغرم يوزع عليهم بالتسوية وإن رجع البعض فإن ثبت العدد المعتبر فوجهان، ويقال قولان، أصحهما وبه قال الإصطخري وابن الحداد: أنه لا غرم على الراجع، لأنه نفى من تقوم به الحجة، قال في "التهذيب": ولا خلاف أن القصاص لا يجب والحالة هذه، لكن في "الفروق" عن القفال وجوبه [انتهى ملخصًا.
وما نسبه هنا إلى ابن الحداد من عدم التغريم خلاف مذهبه] 45 فإن الذي قاله إنما هو الوجه الثاني، كذا رأيته في فروعه [في مسألة ما إذا شهد بالقتل ثلاثة فرجع واحد، وصرح أيضًا في فروعه] 46 بوجوب القصاص كما نقل عن القفال.

قوله: وهل يتعلق الغرم بشهود الإحصان مع شهود الزنا، وبشهود الصفة مع شهود تعليق الطلاق والعتق؟ فيه وجهان في رواية جماعة منهم: المحاملي، وصاحب "التهذيب"، وقولان في رواية آخرين منهم: الإمام وصاحب "الكتاب" والروياني، والصحيح على ما ذكره صاحب "التهذيب": أنه لا غرم عليهم انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة" قد رجحا أن الخلاف وجهان.
الثاني: أن الرافعي لما لم يقف على ترجيح إلا للبغوي، تابعه عليه في "المحرر": وعبر بالأظهر، وصرح أيضًا بموافقة أتباعه لصاحب "الحاوي" والنووي في أصل "الروضة" وغيرها، والمعروف، هو الغرم، فقد صححه الماوردي في "الحاوي" والجرجاني في "الشافي" وأبو نصر

الجزء: 9 - الصفحة: 384

البندنيجي في "المعتمد".

قوله في المسألة: وإذا قلنا يتعلق الغرم برجوعهم فيعتبر نصاب الشهادتين حتى يكون ثلثا الغرم على شهود الزنا وثلثه على شهود الإحصان، وقيل: يجب عليهما نصفين، ثم قال ما نصه: ولا يجيء في شهود الصفة إذا علقنا الغرم برجوعهم إلا التنصيف.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من أنه لا يتصور فيه إلا التنصيف تابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وليس [كذلك فقد تكون الصفة لا تثبت إلا بأربعة كالزنا فينعكس الحكم فيكون الثلثان] 47 على شهود الصفة والثلث على شهود التعليق.

الجزء: 9 - الصفحة: 385

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل