المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب الطلاق
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وفيه أبواب:

الباب الأول في "السنة والبدعة"

قوله: فلتحريم الطلاق سببان أحدهما: وقوعه في حال الحيض، والثاني: وقوعه بعد جماع من تحبل بشروط تأتي فيهما.
انتهى.
وما ذكره هنا من حصر التحريم في هذين السببين تابعه عليه في "الروضة" وأهمل سببًا ثالثًا ذكره في باب القسم فقال: قال المتولي: لو قسم لواحدة فلما جاءت نوبة الأخرى طلقها قبل توفية حقها عصى وهذا سبب آخر لكون الطلاق بدعيًا هذا كلام الرافعي، والنقل المذكور ليس مختصًا بالمتولي فهو مشهور حتى في "التنبيه".

قوله: المسألة الثانية: إذا طلق في الحيض طلاقًا بدعيًا استحب له أن يراجعها فإذا رجع فهل له أن يطلقها في الطهر الثاني لتلك الحيضة؟ فيه وجهان: أحدهما نعم لأن الإضرار قد ارتفع، وأظهرهما لا لأنه إن وطئها بعد ما طهرت كان الطلاق بدعيًا وإن لم يطأها أشبه أن يكون المقصد من المراجعة مجرد الطلاق، وكما ينهي عن النكاح الذي بقصد الطلاق فنهى عن الرجعة التي يقصد بها الطلاق، ثم قال: والوجهان كأنهما في أنه هل يتأدى به الاستحباب بتمامه؟ ، فأما أصل الإباحة فما ينبغي أن لا يكون في حصوله خلاف وكذا أصل الاستحباب لأنه يندفع بذلك إضرار التطويل.
انتهى كلامه.
وما دل عليه كلامه من عدم وقوعه في هذه المسألة على نقل حتى توقف فيه وذكر ما ذكره بحثًا غريب فإن الإمام في "النهاية" قد صرح ببيانه وكذلك الغزالي في "البسيط" و"الوسيط" والقاضي مجلي في "الذخائر" واختلفوا فجزم الإمام بما قاله الرافعي فقال: قال الجمهور يستحب

الجزء: 7 - الصفحة: 289

أن لا يطلقها فيه، وقال بعضهم: لا بأس به، وأما الغزالي فجعل الخلاف في الجواز، وعبر في "الوسيط" بقوله: هل يجوز؟ وفي "الذخائر" بقوله: هل يحرم؟

قوله: وذكر الإمام أن المراجعة وإن كانت مستحبة فلا ينتهي الأمر فيه إلى أن يقول: ترك المراجعة مكروه.
انتهى.
وفي عدم الكراهة نظر قال في "الروضة": وينبغي أن يقال بالكراهة للحديث الصحيح الوارد فيها ولدفع الإيذاء.

قوله: واعلم أن الطلاق في النفاس بدعى كالطلاق في الحيض لأن المعنى المحرم شامل.
انتهى.
وما ذكره هاهنا من التحريم قد خالفه في أوائل الحيض وسبق التنبيه عليه هناك وذكر لفظه فراجعه.

قوله: وتعليق الطلاق في الحيض ليس ببدعي لكن إن وجدت الصفة في الحيض نفذ بدعيًا.
انتهى.
ومعنى كونه بدعيًا أنه يترتب عليه أحكام البدعي لا التحريم فاعلمه وكلام الرافعي بعد هذا يدل عليه وجزم به في "الروضة" من "زوائده".

قوله: ولو أتاها في غير المأتى فالأصح أنه يوجب تحريم الطلاق كما يثبت به النسب.
انتهى.
وهذه المسألة -أعني ثبوت النسب بالإتيان في الدبر- مذكورة في الرافعي في مواضع في الفصل المعقود لما يملك الزوج من الاستمتاع وهو أخر أبواب النكاح وفي هذا الموضع وفي كتاب اللعان وفي آخر الإستبراء واختلف كلامه وكلام "الروضة" فيها، وسيأتي الكلام عليها في أواخر الاستبراء فلتراجع منه.

الجزء: 7 - الصفحة: 290

قوله: وإذا وصف الطلاق بصفة من صفات الذم كقوله: أقبح الطلاق وأسمجه وأفضحه وأفظعه إلى آخره.
أما أسمجه: فمعناه أيضًا أقبحه، تقول سمج الشئ بالضم سماجة فهو سمج بالإسكان مثل ضخم فهو ضخم وسمج بالكسر مثل خشر بالخاء والشين المعجمتين فهو خشر، وسميج بالياء كقبح فهو قبيح.
وأما أفضحه: فمأخوذ من قولهم فضحه فافتضح إذا كشف مساوئه، وأما الأفظع فهو بالفاء والظاء المعجمة فمعناه أشنعه، تقول: فظع الأمر بالضم فظاع فهو فظيع أي شديد شنيع وكذلك أفظع الأمر فهو مفظع.

قوله: فيما إذا قال أنت طالق افتح الطلاق فإن قال أردت أن طلاق مثل هذه في حال السنة أفتح فقصدت بقولى أفتح أن يطلق في حال السنة لم يقبل في الظاهر ويدين.
انتهى.
وما جزم به من عدم القبول ظاهرًا قد تابعه عليه وحكى الماوردي في قبوله ظاهرًا وجهين.

قوله: ولو جمع بين صفتي المدح والذم فقال: أنت طالق طلقة حسنة قبيحًا وجميلة فاحشة، والمخاطبة من ذوات الأقراء وقعت في الحال، وحكى في توجيهه اختلاف والأظهر أن وجهه أنه وصف الطلاق بصفتين متضادتين فيلغو ويبقى أصل الطلاق، وعن أبى إسحاق أن الطلاق إنما يقع لأن إحدى الحالتين حاصلة لا محالة والصفة التي هي موجب تلك الحالة واقعة موقعها فيقع الطلاق موصوفًا بتلك الصفة، وتلغو الصفة الأخرى ويجوز أن يقال لو لم تكن المرأة متعرضة للسنة والبدعة فقضية التعليل الأول وقوع الطلاق، وقضية التعليل الثاني أن لا يقع لأن واحدة من الحالتين غير حاصلة.
انتهى.
وما ذكره من عدم الوقوع في غير المتصفة بالأمرين بناء على المعنى

الجزء: 7 - الصفحة: 291

الثاني مردود لأنا نجعل ذلك بمنزلة ما لو قال للسنة أو للبدعة، ولو قال ذلك وقعت في الحال فكذلك إذا وصفها بالأمرين معًا لا لأجل أنها متصفة بإحدى الحالتين في الحال، بل لأن ذلك يجري مجرى التعليل، وهذا الاعتراض قد اعترضه ابن الرفعة.

قوله الرابعة: إذا قال لها أنت طالق في كل قرء طلقة فلها أحوال: أحدها: أن تكون حائلًا فإن كانت حائضًا لم يقع الطلاق على المشهور لأن الأقراء عندنا هي الأطهار.
انتهى.
وتعليله عدم الوقوع بكون الأقراء هي الأطهار عجيب، فقد قال في أوائل العدد بعد أن ذكر أن القرء يطلق على الطهر والحيض ما يخالف ذلك فقال: ثم في كيفية وقوع الاسم وجهان للأصحاب أحدهما: أنه حقيقة في الطهر مجاز في الحيض.
وأصحهما: أنه حقيقة فيهما هذا لفظه.
نعم المراد بالأقراء في العدة هو الأطهار لمعنى دل عليه كما حملناها على الحيض في قوله -عليه الصلاة والسلام-: "دعى الصلاة أيام أقرائك" لدليل ولا يلزم من حمل المشترك في موضع على معنى لقيام دليل يدل عليه أن يكون محمولًا على ذلك المعنى في كل موضع يأتي، بل إما أن يحمل على الجميع على قاعدة الشافعي وحينئذ فيقع في الحيض كما يقع في الطهر وإما أن يدعى [وجود] 1 قرينة تدل على اختصاصه بواحد معين، وحينئذ فيلزمه أن يبدي في مسألتنا معنى يخص الطهر، ويكون إذ ذاك عدم الوقوع في الحيض مستندًا إليها لا إلى المعنى الذي ذكره ولا شك أنا وجدنا هنا قرينة تدل على اختصاصه بالطهر وهي أن الطلاق في الحيض لما كان حرامًا كان الظاهر من حال المسلم عدم إرادته بهذا اللفظ المشترك وإرادة المعنى الآخر ولهذا المعنى يقع النظر في أنه إذا وكل شخصًا في

الجزء: 7 - الصفحة: 292

طلاق زوجته فطلقها في الحيض، هل ينفذ الطلاق للإذن أم لا للمعنى المتقدم؟ ولأنه لما كان محرمًا صار كالمستثنى شرعًا [والمستثنى شرعًا] 2 كالمستثنى شرطًا، بل لو صرح بالتوكيل في حالة الحيض لكان يتجه عدم نفوذه لأن التوكيل في المعاصي ممتنع.

قوله: الحالة الثالثة: أن تكون حاملًا فإن كانت لا ترى الدم على الحمل وقعت في الحال طلقة.
قال في "التتمة": إذا لم تحض وبلغت بالحمل مثلًا فيكون وقوع الطلاق على وجهين أو قولين بناء على أن القرء عبارة عن الطهر بين الدمين أو عن الانتقال من الطهر إلى الدم، إن قلنا بالأول لم يقع حتى تضع وتطهر من النفاس، وإن قلنا بالثاني يقع لأنه طهر ينتقل منه إلى دم النفاس وهذا أظهر.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن هذا الذي صححه المتولي صححه الرافعي في "الشرح الصغير" فقال: فإن كانت حاملًا نظر إن كانت لا ترى الدم وقع في الحال طلقة، وقيل إن قلنا: إن القرء عبارة عن الطهر بين الدمين ولم تحض قط فلا يقع الطلاق حتى تحض وتطهر من النفاس هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن هذا البناء الذي ذكره صاحب "التتمة" ليس بمرضي عند الرافعي وإن سكت عليه هاهنا وقد تبين لك ذلك من كلامه في "الشرح الصغير" فإنه حكم بوقوع الطلاق في الحال سواء قلنا القرء هو الانتقال أو الطهر المحتوش ولم يجزم بوقوع الطلاق بناء على أن القرء هو المحتوش بل جعله وجهًا ضعيفًا، فقال: وقيل إن قلنا إلى آخره، وهو صريح في ما قلناه.

الجزء: 7 - الصفحة: 293

الأمر الثالث: أن هذا الخلاف الذي تردد الرافعي في أنه وجهان أو قولان قد اختلف فيه كلامه وستعرفه في كتاب العدد.
الأمر الرابع: أن النووي في "الروضة" عبر عن قول الرافعي وإن قلنا بالثاني وقع وهو الظاهر بقوله وإن قلنا بالثاني وهو الأظهر وقع فقدم صيغة الترجيح وهو صريح في تصحيح كون الطهر هو الانتقال، وحينئذ فيكون مناقضًا لما صححه في أوائل العدد فإنه قال هناك: الأظهر أنه الطهر المحتوش بدمين لا مجرد الانتقال، والرافعي -رحمه الله- لا يرد عليه شيء فإنه قال هناك: وقد ذكر صاحب "التهذيب" والقاضي الروياني وغيرهما أن هذا الثاني أصح لكنه يخالف ما حكينا في الطلاق أن أكثرهم حكموا بوقوع الطلاق في الحال إذا قال للتي لم تحض أنت طالق في كل قرء طلقة مع تعلق الصور بهذا الأصل ويجوز أن يجعل ترجيحهم لوقوع الطلاق لمعنى يختص بتلك الصورة لا لرجحان القول بأن القرء هو الإنتقال من الطهر إلى الحيض هذا لفظه، فلما قدم النووي صيغة الترجيح وجعلها عائدة إلى قول الانتقال اندفع التأويل الذي ذكره الرافعي بعد أن كان محتملًا.

قوله المسألة الخامسة: قال أنت طالق ثلاثًا للسنة، ثم قال نويت تفريقها على الأقراء لم يقبل في الظاهر على المنصوص والمشهور، لأنه لا سنة في التفريق عندنا كما تقدم ومقتضى اللفظ وقوع الكل في الحال إن كانت طاهرًا، والوقوع عند طهرها إن كانت حائضًا.
قال في "التتمة": إلا أن يكون الرجل ممن يعتقد تحريم الجمع بين الثلاث في قرء واحد كالحنفي فإنه يقبل قوله في الظاهر، ولو قال أنت طالق ثلاثًا ولم يقل للسنة، ثم فسر بالتفريق على الأقراء لم يقبل ظاهرًا، وهل يدين في الصورتين؟ على وجهين: أصحهما وهو المنصوص: أنه

الجزء: 7 - الصفحة: 294

يدين لأنه لو وصل باللفظ ما يدعيه لانتظم ومعنى التديين مع نفي القبول ظاهرًا أن يقال للمرأة أنت بائن بثلاث في ظاهر الحكم وليس لك مطاوعته إلا إذا علمت صدقه أو غلب على ظنك بقرينة وأمارة، ويقال للرجل لا تمكنك منها ولك الطلب في ما بينك وبين الله تعالى، وتحل لك إذا راجعتها وهذا هو معنى قول الشافعي له الطلب وعليها الهرب، انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من عدم القبول ظاهرًا فيما إذا قال ثلاثًا ولم يقل للسنة قد خالفه في "المحرر" وتبعه النووي عليه في "المنهاج" فجزم بالقبول ظاهرًا في الصورتين أعني في قوله ثلاثًا وثلاثًا للسنة.
[واعلم أنه] 3 إنما ذكر الحل بالرجعة مع أنه قد تقدم من كلامه أنها بائن بثلاث؛ لأن الكلام في حلها للزوج باطنًا والزوج معترف بوقوع طلقة الآن فيتوقف الحل على الرجعة، ولذلك إذا جاء القرء الثاني فإنها تطلق على ما يدعيه طلقة ثانية فيتوقف حلها على الرجعة أيضًا.
نعم هذا إنما يستقيم إذا كانت الآن في زمن السنة فإن كانت في زمن البدعة بأن كانت حائضًا أو في طهر قد [جامعها] 4 فيه، ونحو ذلك فلا يتوقف الحل على رجعة بالكلية، فلا يستقيم هذا الحكم مع تقدم ذكر القسمين.

الجزء: 7 - الصفحة: 295

[القسم الأول] (1) في أركان الطلاق

الركن الأول: المطلق

قوله: وشرط [المطلق] 6 التكليف اعترض عليه في "الروضة" فقال: قلت: هكذا اقتصر الغزالي وغيره في شرط [المطلق] 7 على كونه مكلفًا وقد يورد عليه السكران فإنه يقع طلاقه على المذهب وليس مكلفًا كما قاله أصحابنا وغيرهم في كتب الأصول، ولكن مراد أهل الأصول أنه غير مخاطب حال السكر ومرادنا هنا أنه مكلف بقضاء العبادات بأمر جديد، والله أعلم.
هذا لفظه.
فأما ما ذكره من هذا الإيراد فقد تقدم في البيع أنه إيراد باطل مخالف للمنقول والمعقول ويتعين على الناظر هنا أن يراجعه، وأما الاعتذار الذي ذكره آخرًا وهو أن مراد أهل الأصول إلى آخره فاعتذار عجيب لا ارتباط له بالسؤال فإنه قد نقل عن أصحابنا وغيرهم أن السكران غير مكلف وسؤاله إنما يتم على هذا التقدير إذ لو قالوا: إنه مكلف لكان السؤال منتفيًا، وحينئذ فكيف يجيء الحمل الذي ذكره؟ وكأنه انتقل ذهنه من قول الفقهاء يقع طلاقه إلى كونه مكلفًا فتوهم أن البحث في تكليفهم له فشرع يجمع بينه وبين قولهم إنه ليس مكلفًا فوقع في ما وقع، فلو أمسك عن ذلك من أصله لكان الإمساك أجمل ولو أضرب عن الخوض فيه لكان الإضراب عنه أمثل إلا أنه أدخل نفسه في ما لا يعنيه وكلف حاله فوق ما يقتضيه.5

الجزء: 7 - الصفحة: 296

الركن الثاني: اللفظ وما يقوم مقامه

قوله: ولو قال أنت طالق ثم قال [أردت عن وثاق، أو إن دخلت الدار، أو إن شاء زيد فإنه يدين على الصحيح، ثم قال: ] 8 وألحق الغزالي بهذه الصور ما إذا قال أنت طالق إن شاء الله، والمشهور في كتب كبراء المذهب أنه لا يدين وفرقوا بأن التعليق بمشيئة الله تعالى يرفع حكم الطلاق جملة فلابد فيه من اللفظ , والتعليق بالدخول لا يرفعه ولكنه يخصصه فأثرت فيه النية.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من أنه لا يدين في مشيئة الله تعالى قد خالفه في الباب الذي بعد هذا في الكلام على طلاق المكره وستعرف هناك لفظه إن شاء الله تعالى، وتبعه في "الروضة" على الموضعين.

قوله.
وفي بعض التعاليق أن القاضي الحسين قال إذا قال نسائى طوالق ثم قال: كنت عزلت ثلاثًا لم يقبل لأن اسم النساء لا يقع على الواحدة ولو قال: عزلت واحدة، يقبل، وذكر تفريعًا على هذا وجهين في ما لو عزل اثنتين.
انتهى.
وما نقله عنه الرافعي من كونه إذا عزل ثلاثًا لا يقبل قد أسقطه النووي من "الروضة".

قوله: ولو قال: إن كلمت زيدًا فأنت طالق، ثم قال أردت التكليم شهرًا فيقبل كذا حكي عن نص الشافعي - رضي الله عنه - والمراد على ما نقل في "البسيط" و"الوسيط" القبول في الباطن حتى لا يقع في الباطن إذا كان التكليم بعد شهر.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن الغزالي ولم يصرح بمخالفته ولا موافقته جزم به في "الشرح الصغير" هنا وجزم به في "الكبير" في مواضع فقال في الإيلاء قبيل الركن الرابع فقال: والله لا أجامعك ثم قال أردت شهرًا دين

الجزء: 7 - الصفحة: 297

ولم يقبل ظاهرًا، وذكر نحوه في آخر كتاب الأيمان في أوائل الفصل المعقود للأصول فقال ما نصه: حلف لا يدخل الدار ثم قال أردت شهرًا أو يومًا فإن كانت اليمين بالطلاق أو العتاق لم يقبل في الحكم ويدين فيما بينه وبين الله تعالى ويلحق بهما الإيلاء لتعلقه بحق الآدمى، وإن كانت اليمن بالله تعالى ولم يتعلق بحق الآدمى قبل ظاهرًا وباطنًا.
هذا لفظه، وذكر بعده بنحو ورقتين ما يوافقه فقال نقلًا عق "المبتدأ" للروياني إذا قيل له كلم زيدًا اليوم فقال: والله لا كلمته فاليمين على الأبد إلا أن ينوي اليوم فإن كان ذلك في الطلاق، وقال أردت اليوم لم يقبل في الحكم وذكر بعد هذا بنحو ورقة مثله فقال: ولو حلف لا يدخل دار زيد ثم قال أردت ما يسكنه دون ما يملكه فيقبل في اليمين بالله تعالى ولا يقبل [في الحكم إذا حلف بالطلاق والعتاق ذكره ابن الصباغ وغيره، ويؤيده أيضًا ما نقله في أواخر الشرط في الطلاق عن البغوي أنه لو قصد ضرب غيرها فوقع الضرب عليها طلقت ولا يقبل] 9 قوله لأن الضرب مؤثر.
واعلم أن النووي قد وافق في هذه المواضع على عدم القبول في الظاهر ثم خالف في الموضع الذي نقلناه عن "المبتدأ" للروياني فقال: قلت: الصواب قبوله كما سبق في نظائره في الطلاق والله أعلم.

قوله: قال الشافعي في "المختصر": ولو قالت له طلقني فقال: كل امرأة لي طالق طلقت إمرأته التي سألته إلا أن يكون عزلها بثنية، وتكلموا في النص من وجهين أظهرهما: الحمل على أنها لا تطلق بينه وبين الله تعالى، والثاني: قيل: إن لفظ النص أن لا يكون عزلها بثنية وهو الاستثناء.
انتهى كلامه.
واعلم أن الثنية بضم الثاء المثلثة وسكون النون وبالياء بنقطتين من تحت هو الاستثناء، وكذلك الثنوي بالفتح وبالواو وحينئذ فيقرأ لفظ الرافعي

الجزء: 7 - الصفحة: 298

بأحد الوجهين والأقرب هو الوجه الأول والياء فيه للمرة.

قوله في "الروضة": وضبط الأصحاب ما يدين فيه بضبط آخر فقالوا: ينظر في التفسير خلاف ظاهر اللفظ إن كان لو وصل باللفظ لا ينتظم لم يقبل ولم يدين وإلا فلا يقبل ظاهرًا ويدين، مثال الأول: قال أردت طلاقًا لا يقع ومثال الثاني أردت طلاقًا عن وثاق أو إن دخلت الدار، واستثنوا من هذا نية التعليق بمشيئة الله تعالى فقالوا لا يدين فيه على المذهب.
فرع قال: أنت طالق ثلاثًا ثم قال: ما أردت إلا واحدة، أو قال: أربعتكن طوالق، ثم قال: نويت بقلبي إلا فلانة لم يدين على الأصح لأنه نص في العدد.
انتهى كلامه.
والمسألة الأولى من الفرع الذي ذكره ناقضة لهذه القاعدة التي ذكرها فإن العدد يصح الاستثناء منه هنا، وأما المسألة الثانية وهي العدد المخاطب فلم يتعرض الرافعي هنا لصحة الاستثناء منه لكنه ذكرها في أواخر تعليق الطلاق ونقل عن القاضي الحسين [والمتولي أنه لا يصح ولم ينفذ غيره ونقل عن القاضي] 10 المذكور أنه استثني ما إذا قدم المستثنى على لفظ الطلاق فقال: أربعتكن إلا فلانة طوالق فإنه يجوز ثم بحث معه الرافعي فيه واقتضى كلامه الجواز مطلقًا.

قوله أيضًا في أصل "الروضة": ولو قال فلانة وفلانة وفلانة طوالق، ثم قال إستثنيت بقلبي فلانة لم يدين قطعًا لأنه رفع لما نص عليه لا تخصيص عموما.
ذكره القاضي أبو الطيب.
انتهى.
ودعوى القطع بعدم التديين مردودة ولذلك لم يذكرها الرافعي وسببه أن لنا خلافًا شهيرًا في جمع المفرق في الاستثناء كما إذا قال أنت طالق وطالق وطالق إلا واحدة فإن جمعناه صار كقوله أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة فيصح الاستثناء، وإن لم يجمعه وهو الصحيح لم يصح لكونه مستغرقًا

الجزء: 7 - الصفحة: 299

وهذا مثله.

قوله في أصل "الروضة": وفي قوله أنت طالق أو الطلاق أو طلقة وجهان: أصحهما: أنه كناية، ولو قال أنت نصف طلقة فكناية، ثم قال عقبه من غير فاصل ما نصه: قال البغوي ولو قال أنت كل طلقة أو نصف طالق فصريح كقوله نصفك طالق.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن هذا الذي نقله عن البغوي وأقره من أن قول القائل أنت طالق كل طلقة صريح كيف يستقيم مع أنه قد تقدم من كلامه أنه لو وصفها بالمصدر بدون فاصل وقال أنت طلقة كان كناية وكذلك إذا فصل ببعض فقال أنت بعض طلقة وهو نظير المسألة؟ . الأمر الثاني: أن قياسه كل طلقة على نصفك طالق قياس باطل لا جامع بينهما.
نعم قياس نصف طالق عليه قياس صحيح، وبالجملة فكلام البغوي في "التهذيب" على الصواب وقد نقله عنه الرافعي على وجهه فقال ما نصه: وفي قوله أنت طالق أو الطلقة أو طلقة وجهان: أصحهما: أنه كناية لأنه مصدر والمصادر غير موضوعة للأعيان ويستعمل فيها على سبيل التوسع ولو قال أنت نصف طلقة فكناية أيضًا وذكر في "التهذيب" أن قوله للطلقة صريح وأن قوله أنت نصف طالق كقوله نصف طالق.
هذا لفظه فتحرف على الشيخ محيي الدين لك طلقة بقوله كل طلقة فوقع في الغلط الذي نبهنا عليه أولًا ثم ضمها إلى نصف طالق وقاسهما جميعًا على نصف طالق فوقع في الغلط الثاني، وقد راجعت النسخة التي بخط النووي فرأيته فيها كما هو مذكور في باقي النسخ على أن الرافعي صرح بقوله لك طلقة بعد هذا بأسطر وحكى فيها

الجزء: 7 - الصفحة: 300

وجهين من غير ترجيح وتابعه في "الروضة" عليه وسأذكرها عقب هذه المسألة.

قوله: فحصل تردد في ما إذا وقع عليه الطلاق وكانت له امرأتان هل يقع عليهما معًا أو على إحداهما وتعين؟ انتهى ملخصًا.
والمرجح أنه لا يقع إلا على واحدة كذا ذكره ابن الصلاح في "فتاويه" وتبعه النووي في "الفتاوى" أيضًا وقال في "الروضة": إنه الظاهر المختار الجاري على القواعد لأن الاسم يصدق عليه فلا يلزمه زيادة من غير نية.

قوله: في الكنايات لا أنده سربك -أى لا أزجر إبلك ومعناه لا أهتم بشأنك.
انتهى.
النده بالنون والدال المهملة هو الزجر والسرب بفتح السين المهملة وسكون الراء والباء الموحدة هو الإبل، وما رعى من المال قاله الجوهري في الكلام على سرب قال ومنه قولهم اذهب فلا أنده سربك أى لا أرد إبلك تذهب حيث شاءت أى لا حاجة لي فيك وكان ذلك طلاقًا في الجاهلية.

قوله: ولو قال لأمته اعتدي أو اشترى رحمك ونوى العتق أو قاله لزوجته قبل الدخول ونوى الطلاق فوجهان: أظهرهما: الوقوع لأن لهما محلية العدة واستبراء الرحم في الجملة وذلك كافٍ في صحة الكناية.
انتهى.
المحلية بالحاء المهملة وبياء النسبة في آخره كون الشيء محلًا أي ما تقتضيه العدة والاستبراء من المحل مستقر لهذين الشخصين من حيث الجملة.

قوله: الثانية: الطلاق ليس كناية في الظهار ولا الظهار في الطلاق وإن كان كل واحد منهما محتملًا للآخر لما يشتركان فيه من إفادة التحريم وذلك

الجزء: 7 - الصفحة: 301

أنه أمكن تنفيذ كل واحد منهما في موضوعه الذي هو أصل فيه فلا يعدل عنه إلى ما هو فرع ولا سبيل إلى الجمع بينهما لأن المعنيين الذين يصلح اللفظ لهما لا يجمع بينهما كما في الأسماء المشتركة، بل تارة يستعمل لهذا وتارة يستعمل لذاك وإنما الذي يتناول الآحاد ويجمع بينهما هو اللفظ العام.
انتهى كلامه.
وما ذكره في تقرير امتناع الجمع غير صحيح بل يجوز استعمال اللفظ في المعنيين معًا على مذهب الشافعي سواء كان اللفظ حقيقة فيهما كالمشترك أو حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، وقد صرح الرافعي في كتاب الأيمان بأن الجمع بين الحقيقة والمجاز ليس بممتنع لكنه بعيد عند أهل الأصول ورد عليه النووي هناك ولم يتعرض في "الروضة" في هذا الباب للتقرير المذكور بل ذكر الحكم فقط.

قوله: وإن أراد بقوله أنت على حرام تحريم عينها أو ذاتها ووطئها لزمه كفارة يمين في الحال فعلى هذا لو قال أردت به الحلف على الامتناع من الوطء لم يقبل في أظهر الوجهين، ثم قال: فإن قبلناه فقد ترددوا في أن التحريم هل يصير يمينًا بالنية في غير الزوجات والإماء كالمطاعم والملابس أو يختص ذلك بالأبضاع.
انتهى كلامه.
والأصح هو الاختصاص كذا ذكره في "الروضة" من زوائده.

قوله الرابع: إذا قال متى قلت لامرأتي أنت على حرام فإنني أريد به الطلاق ثم قال لها بعد مدة أنت حرام فعن أبى العباس الروياني أنه يحصل وجهان.
أحدهما: الحمل على الطلاق لكلامه السابق.
والثاني: المنع لاحتمال أن نيته قد تغيرت.
انتهى.
قال في "الروضة" من "زوائده": أصحهما الثاني ويقرب من هذه

الجزء: 7 - الصفحة: 302

المسألة ما ذكره في كتاب الإقرار أنه إذا قال أريد أن أقر بما ليس على لفلان على ألف له أو قال ما طلقت امرأتي وأريد أن أقر بطلاقها قد طلقت امرأتي ثلاثا، قال العبادي: لا يصح إقراره وقال صاحب "التتمة": الصحيح أنه يصح كما لو قال على ألف لا يلزمني.

قوله: ولو اقترنت النية بأول اللفظ وعزبت قبل تمامه بأن قصد إيقاع الطلاق عند قوله: أنت، ولم يبق هذا القصد عند الانتهاء إلى طالق فوجهان ولو كان بالعكس فوجهان أيضًا وأظهر الوجهين عند الإمام والغزالي في الأولى أنه يقع، وكلامهما يشعر برجحان عدم الوقوع في الثانية.
انتهى ملخصًا.
وذكر نحوه في "الشرح الصغير" إلا أنه أطلق الترجيح في المسألة الأولى فقال: وأظهرهما الوقوع لأن النية إذا اقترنت بأول اللفظ عرف قصده من اللفظ، إذا علمت ذلك ففيه أمور: أحدها: أنه قد ذكر في "المحرر" ما يشعر بمخالفة المذكور هاهنا فقال: وهل يكفي اقترانها بأول اللفظ أو يشترط بقاؤها إلى آخره؟ فيه وجهان رجح منهما الثاني هذا لفظه وهو يخالفه من وجهين: أحدهما: في ترجيحه اشتراط البقاء.
وثانيهما: ما أوهمه كلامه من الجزم بعدم الاكتفاء بمقارنة الأخير، وكلام "المنهاج" صريح في الثانية، ووقع هذا الاختلاف أيضًا بين "الروضة" و"المنهاج" فقال في "المنهاج" وشرط نية الكناية اقترانها بكل اللفظ، وقيل: يكفي أوله وقال في "الروضة" ولو اقترنت النية بأول اللفظ [وقيل ما] 11 دون أخره أو عكسه طلقت في الأصح هذا لفظه، وفيهما مع ما ذكرناه من المخالفتين أمر ثالث: وهو أن الرافعي لم يصحح

الجزء: 7 - الصفحة: 303

شيئًا في الاقتران بالأخر دون الأول، وأما في العكس فصرح بتصحيحه نقلًا عن الإمام والغزالي والفتوى على التفصيل بين الأول والأخير كما أشعر به كلام الشرحين فقد قال الماوردي في "الحاوي" بعد تصحيحه له أنه أشبه بمذهب الشافعي.
الأمر الثاني: أن اللفظ الذي تردد الأصحاب فيه أن النية هل يشترط إقترانها بجميعه أم يكفي اقترانها ببعضه إنما هو لفظ الكناية فقط لأن المقصود من النية تفسير إرادة الطلاق باللفظ الذي يحتمله ويحتمل غيره والمفتقر إلى التفسير لما فيه من الاحتمال إنما هو صيغة الكناية دون ما معها فتقدم النية عليها لا يعتد قطعًا، وإن كان متصلًا بأنت أو غيرها مما قبله، وقد صرح بهذا الذي ذكرته البندنيجي والماوردي وصاحب "الشامل"، وإذا علمت هذا علمت أن تمسك الرافعي بالنية عند أنت غير مستقيم إلا أن ابن الرفعة في "المطلب" قد أثبت وجهين في المسألة وأيد الإكتفاء [عند أنت] 12 بما إذا وقع أنت في زمن الطهر وطالق في زمن الحيض، فإن ابن سريج قال يكون الطلاق سنيًا ويحصل لها قرء واحد.
الأمر الثالث: أن تعبيره بطالق غلط سرى أيضًا منه إلى الكفاية لابن الرفعة، بل الصواب التعبير ببائن ونحوه فإن الكلام في الكنايات.
الأمر الرابع: أن تمثيل الاكتفاء بقوله أنت قد حذفه النووي من "الروضة" ففاته مسألة مهمة وهو يظن أن لا فائدة فيها.

قوله: لكن صاحب "التتمة" قرب الوجهين في ما إذا اقترنت النية بأول دون أخره والوجهين فيما إذا اقترنت بآخره دون أوله من القولين في ما إذا نوى المسافر الجمع في أثناء الصلاة ولم ينو في أولها وقضية هذا التشبيه والتقريب أن يقال إذا كان الوقوع فيما إذا اقترنت بأوله أظهر فأولى أن يكون فيما إذا اقترنت بآخره أظهر لأن الأظهر من الخلاف في ما إذا

الجزء: 7 - الصفحة: 304

اقترنت النية بأول التكبير دون آخره والانعقاد، والأظهر فيما إذا نوى الجمع في أثناء الصلاة صحة الجمع.
انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من كون الأظهر في مسألة التكبير هو الانعقاد وهو كذلك في نسخ الرافعي، وفيه أمران: أحدهما: أنه مخالف للمذكور في صفة الصلاة، وقد تقدم ذكر لفظه هناك.
الأمر الثاني: أن ترجيح الانعقاد المذكور لا يستقيم معه ما ذكره الرافعي من الأولوية، فإن تقرير كلامه أن جواز الشيء في مسألة مع تشبيهها بما يقتضي المنع منها أضعف من جوازه عند تشبيهه بما لا يقتضي المنع لأن الشيء يضعف بمعانده، وحينئذ فإذا صححوا الجواز في حالة قيام الشبه المانع كتصحيحه في الحالة الأخرى أظهر وأما إذا استوى الشبهان في الجواز أو استويا في المنع فلا يكون تصحيحه في أحدهما يقتضي أولوية التصحيح في الآخر بلا شك.
إذا علمت هذا فطبقه على كلام الرافعي تجده لا يستقيم إلا مع دعوى تصحيح عدم الانعقاد في التكبير فتأمله فعلمنا بهذا أنه سقط من كلام الرافعي صيغة عدم فإن أصله عدم الانعقاد، وهذا لا شك فيه.

قوله: وفي زيادات الشيخ أبى عاصم العبادي أنه إذا قال بعت منك طلاقك فقالت إشتريت ولم يذكر عوضًا لا تحصل الفرقة إذا لم تكن نية، وقيل يقع طلاقه بمهر المثل.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" وهو يشعر بكونه صريحًا عند العبادي إذا اقترن بالعوض، والأمر كذلك لكن الصحيح أنه كناية فافهمه فقد صرح بهذا كله الرافعي في أوائل الخلع فقال وبيع الطلاق بالمهر من جهة الزوج وبيع المهر بالطلاق من جهتها يعبر بهما عن الخلع وليكونا كنايتين، وفي

الجزء: 7 - الصفحة: 305

"الزيادات" لأبي عاصم العبادي أن يقع الطلاق مع ذكر العوض صريح هذا كلامه.

قوله: وفيها أيضًا -يعني: الزيادات- أنه لو قال: لم يبق بيني وبينك شيء ونوى الطلاق لم يطلق وفي هذا توقف.
انتهى.
قال في "الروضة" من "زوائده": الصواب الجزم بالطلاق، لأنه لفظ صالح ومعه نية.

قوله نقلا عن العبادي أيضًا: وأنه إذا قال الطلاق لازم لي أو واجب على، طلقت للعرف، بخلاف فرض على، ورأى البوشنجي أن الجميع كناية وحكى صاحب "العدة" عن الأكثرين أن الطلاق لازم صريح.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وما دل عليه كلامه من رجحان الصراحة قد جزم به في كتاب النذر ولم يحك فيه خلافًا كذا ذكره في أصل "الروضة" هناك.

قوله نقلًا عن فتاوى القفال: وأنه لو قال: كل امرأة لي طالق إلا عمرة ولا امرأة له سواها طلقت لأن الاستثناء مستغرق فبطل، ولو قال: النساء طوالق إلا عمرة ولا زوجة له سواها لم تطلق.
انتهى.
واعلم أن المسألة الأولى التي نقل فيها الوقوع عن القفال حكمها متجه وشرطها أن يكون الإخراج بـ"إلا" كما صوره الرافعي، أما إذا عبر بسوى كغير فإن الموجود نقلًا والمتجه معنى أن لا يقع فافهمه فإنه قد يلتبس على من لا اطلاع له به ولا تحقيق.
أما النقل: فقد صرح به الخوارزمي في "الكافي" في كتاب الأيمان ومثل بسوى.
وأما المعنى فلأن إلا أصلها الاستثناء وسوى وغير ونحوهما أصلهما الصفة فإذا أورد ذلك حملنا كل لفظ على أصله فلزم الاستغراق في إلا إذ

الجزء: 7 - الصفحة: 306

هو إخراج بعد إدخال فأبطلناه بخلاف سوى وشبهها فإن مدلوله إيقاع الطلاق على المغاير للمخاطبة فقط، وسكوته عن المخاطبة، ويدل عليه ما ذكره الرافعي بعد هذا بدون الورقة أنه لو قال: امرأتي التي في هذه الدار طالق ولم تكن امرأته فيها لا يقع الطلاق، وأما المسألة الثانية ففيها كلام يأتي بعد هذا بقليل.

قوله نقلًا عن الفتاوى المذكورة أيضًا: وأنه لو قال لامرأته: يا بنتي، وقعت الفرقة بينهما عند احتمال السن، كما لو قاله لعبده أو أمته، وأنه لو كانت زوجته تنسب إلى زوج أمها فقال: بنت فلان طالق لم تطلق لأنها ليست بنته حقيقة ولغيره في هذا احتمال، وأنه لو قال: نساء المسلمين طوالق لم تطلق امرأته، وعن غيره أنها تطلق وبنى الخلاف على أن المخاطب هل يدخل في الخطاب.
انتهى.
وقد تكلم النووي في "الروضة" على هذه المسائل فقال في الأولى: المختار أنه لا يقع به فرقة إذا لم يكن له نية لأنه إنما يستعمل في العادة للملاطفة وحسن المعاشرة وهذا التعليل يأتي بعينه في العبد والأمة والذي اقتضاه كلامه من العتق فيهما ممنوع.
وأما الثانية: وهي بنت الزوجة فينبغي أن يقال: إن نواها طلقت ولا يضر الغلط في نسبها كنظيره من النكاح، وإلا فلا، ومراد القفال بقوله لم تطلق أي في الظاهر ويتعين في الباطن ما ذكرته.
وأما الثالثة: فالأصح عند أصحابنا في الأصول أن المتكلم لا يدخل، وكذا هنا الأصح أنها لا تطلق هذا كله كلام النووي، وما ذكره في آخر كلامه من تصحيح عدم الوقوع وأن الأصح عند أصحابنا الأصوليين عدم الدخول كلاهما مردود، فإن المعروف في كتب الأصول إنما هو الدخول فقد قال إمام الحرمين في "البرهان" الرأى الحق عندي دخولهم.
وقال الغزالي في "المستصفى": إن القول بعدم الدخول فاسد، وقال

الجزء: 7 - الصفحة: 307

الإمام فخر الدين: الأكثرون على الدخول.
وقال الآمدي: إنه المختار الذي عليه الأكثرون، وذكر نحوه ابن الحاجب وصاحب "الحاصل والتحصيل" وغيرهم ممن لا يحصى.
والعجب من النووي حيث قال ما قال مع شهرة هذه الكتب، والظاهر أن ذلك صدر منه من غير مراجعة.
وإذا علمت ما ذكرناه ظهر أن الأصح هو وقوع الطلاق، ويؤيده ما حكاه في كتاب الوقف أنه لو وقف كتابًا على المسلمين أو مرجلًا أو بئرًا كان له أن ينتفع، وكذا صححوه في ما لو وقف على الفقراء وافتقر مع أن الدخول هنا أولى منه هناك لأن الوقوف على نفسه باطل من حيث الجملة وإن كان إدخال نفسه في العموم جائزًا في ما أصله الإباحة [كماء البئر ومنافع المسجد دون ثمار النخلة ونحوها] 13 كما قاله الماوردي هناك.

قوله: وأنه لو قالت له زوجته واسمها فاطمة: طلقني، فقال: طلقت فاطمة، ثم قال: نويت فاطمة أخرى، طلقت ولا يقبل قوله لدلالة الحال بخلاف ما لو قال ابتداء: طلقت فاطمة، ثم قال: نويت أخرى وقد يشكل هذا بما سبق أن السؤال لا يلحق الكناية بالصرائح.
انتهى كلامه.
وقد اشتمل على مسألتين الأولى ما إذا كان ذلك جوابًا لقولها: طلقني وقد جزم فيه بأنه لا يقبل قوله ثم بحث فيه البحث المتأخر المقتضي لعدم الإيقاع عليه، ثم ذكر بعده بنحو الصفحة ما حاصله رجحان عدم الوقوع فقال نقلًا عن شريح الروياني فإنه لو قيل لرجل اسمه زيد [يا زيد] 14 فقال: امرأة زيد طالق، قال جدى: تطلق امرأته، وقيل لا تطلق حتى يريد نفسه لجواز إرادة زيدًا آخر.
وليجيء هذا الوجه في ما إذا قال: فاطمة طالق واسم زوجته فاطمة ويشبه أن يكون هو الأصح ليكون قاصدًا تطليق زوجته.
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 308

ولا نزاع في أن هذا كله في الظاهر أما الباطن فيقبل جزمًا، وما ذكره آخرًا من رجحان عدم الوقوع راجع إلى ما إذا كان ذلك جوابًا، فأما إذا قاله ابتداء فلا يتصور عود البحث إليه لأنه جزم فيه بقبول قوله على وفق البحث.
المسألة الثانية: أن يذكر ذلك في غير الجواب وقد جزم فيه بالقبول كما أشرنا إليه الأن، والصحيح خلافه، فقد ذكر المسألة بعد ذلك في أوائل الباب الخامس المعقود للشك في الطلاق ومثل بزينب فقال: إن الصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا يقبل.
والثاني: قاله القاضي أبو الطيب وغيره أنه يقبل.
والثالث: قاله إسماعيل المقري، إن قال: زينب طالق لم يقبل، وإن قال: طلقت زينب، قُبِل.

قوله نقلًا عن القفال أيضًا: وأنه لو قال لولي امرأته: زوجها، كان إقرارًا بالفراق، ولو قال لها: انكحي لم يكن إقرارًا لأنها لا تقدر أن تنكح، ولكن المفهوم ما يفهم من قول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 15. قال في "الروضة" الصواب أنه كناية إذا خاطبها بخلاف الولي فإنه صريح فيه.
هذا كلامه.

قوله: ومما نقل عن معلقات القاضي شريح الروياني من أصحابنا المتأخرين ما حكاه عن جده أبى العباس الروياني وغيره أنه لو قال أحللتك ونوى طلاقها هل هو كناية؟ وجهان: وأنه لو قال: امرأته طالق وعنى نفسه.
قال جدي: يحتمل وقوع الطلاق ويحتمل عدمه.
انتهى.
الأصح في الأولى: أنها كناية، والأرجح في الثانية، الوقوع.
قاله

الجزء: 7 - الصفحة: 309

في "الروضة".

قوله نقلًا عن المعلقات المذكورة: وأنه لو قال لابنه: قل لأمك أنت طالق قال جدى: إن أراد التوكيل فإذا قاله لها الابن طلقت ويحتمل أن يقع ويكون الابن مخبرًا لها بالحال.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" ومعناه أنه إذا لم يرد التوكيل لا يقع، ويحتمل وقوعه، ومدرك التردد في هذه المسألة أن الأمر بالأمر بالشيء إن جعلناه كصدور الأمر من الأول كان الأمر بالإخبار بمنزلة بالإخبار من الأب فيقع، وإن قلنا [ليس كصدوره منه لم يقع شيء.

قوله أيضًا نقلًا عنها: وإنه لو قال: ] 16 امرأة كل من في السكة طالق وهو في السكة، حكى جدى عن بعض الأصحاب أنه لا يقع طلاقه قال: والصحيح أنه يقع.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة عبر عنها في "الروضة" بقوله: وأنه لو قال: كل امرأة في السكة طالق وزوجته في السكة طلقت على الأصح هذا لفظه، وهو عكس ما صور به الرافعي، وأما الصورة التي تكلم فيها الرافعي فقد تقدم في نظائرها أنها مبنية على أن المتكلم هل يدخل في عموم كلامه أم لا وتقدم أن النووي صحح أنه لا يدخل وأن الطلاق لا يقع فيكون هنا كذلك فإنها نظائرها أو هي هي، ووقع في بعض نسخ الرافعي وهي في المسألة بضمير المؤنث وهو تحريف ولعله السبب في انقلاب المسألة على النووي.

قوله: نقلًا عنها أيضًا وأنه لو وكل في طلاقها فقال الوكيل: طلقت من يقع الطلاق عليها بلفظي، هل تطلق التي وكله في طلاقها؟ أو طلقها ولم ينو عند الطلاق أنه يطلق لموكله ففي الوقوع وجهان.
انتهى.
والصحيح في الثانية هو: الوقوع، كذا نقله الرافعي في أواخر تعليق الطلاق عن أبي العباس المذكور، وقد ذكرت المسألة هناك لغرض يتعين

الجزء: 7 - الصفحة: 310

الوقوف عليه فراجعها.
ونقل الرافعي قبيل كتاب الديات بأسطر عن فتاوى البغوي فرعًا آخر متعلقًا بما نحن فيه فقال: وأن الوكيل في استيفاء القصاص إذا قال: قتلته بشهوة نفسي لا عن جهة الموكل لزمه القصاص، هذه عبارته وحاصلها إشتراط عدم الصارف ولا يلزم منه اشتراط القصد على ما تقدم عن بعضهم، ولا شك أن هذا كله في ما لا يصح فيه الوقوع لنفسه، أما ما يصلح فيه الوقوع له فلا شك في اشتراط القصد كما سبق في الوكالة.

قوله: وفي "فتاوي الغزالي" أنه إذا كتب الشروطي إقرار رجل بالطلاق فقال له الشهود: نشهد عليك بما في هذا الكتاب، فقال: اشهدوا لا يقع الطلاق بينه وبين الله تعالى، بل لو قال: اشهدوا على أني طلقتها من أمس وهو كاذب، لم يقع في الباطن.
انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلامه من الوقوع في الظاهر في مسألة الشروطي أي الشاهد قد ذكر من "زوائده" في آخر الباب الأول من أبواب الإقرار ما يخالفه وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
وقد ذكر الغزالي في باب الوقف من "فتاويه" أيضًا هذه المسألة، وأوهم كلامه النفوذ باطنًا فقال: إذا قال للشهود: اشهدوا على أني وقفت جميع أملاكي، وذكر مصارفها ولم يذكر شيئًا منها صارت الجميع وقفًا ولا يضر جهل الشهود بالحدود ولا سكوته عن ذكر الحدود، والصواب في ذلك وأشباهه أنه لا يكون إقرارًا كما أوضحه ابن الصلاح في "فتاويه".
فقال: وصرح به الطبري في "العدة" والهروى في "الإشراف"، والعمراني في "البيان" اللهم إلا أن يصدر ذلك ممن عرف منه استعماله في الإقرار فينبغي أن يكون إقرارًا.
قال: وهذا كله إذا لم يسند ذلك إلى نفسه كما تقدم التمثيل به، فإن

الجزء: 7 - الصفحة: 311

أسنده إليها بأن قال: أشهدكم على بكذا أو بما في هذه الورقة فإنه يصح.

قوله: وفي "التتمة" أنه لو قال لواحدة من نسائه: أنت طالق مائة طلقة فقالت: يكفيني ثلاث، فقال: الباقي على صواحبك، لا يقع على صواحبها طلاق؛ لأنه لم يخاطبهن وإنما رد عليها شيئًا لاغيًا، فإن نوى به الطلاق كان طلاقًا وكان التقدير: أنت طالق بثلاث وهن طوالق بالباقي.
انتهى كلامه.
وما نقله هنا من الوقوع في مسألة الزائد على العدد الشرعي إذا نوى وأقره عليه، قد نقل عن البغوي في آخر الباب الذي بعد هذا عكسه وأقره عليه، وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى.

قوله: ولو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق وأنت يا أم أولادي، قال أبو عاصم العبادي: لا تطلق، وهو كما قال غيره أو قال لزوجته: نساء العالمين طوالق وأنت يا فاطمة؛ لا تطلق؛ لأنه عطف على نسوة لم يطلقن.
انتهى كلامه.
وما تلخص من كون العطف على الباطل باطل سيأتي في الكلام على الإكراه ما يخالفه وتبعه في "الروضة" على الموضعين.

قوله: ولو قال: وله امرأتان: امرأتي طالق، وأشار إلى إحداهما، ثم قال: أردت الأخرى، فوجهان عن أبى العباس الروياني: أحدهما يقبل ولا تلزمه الإشارة، والثاني: أنهما تطلقان.
انتهى.
والأرجح الأول، كذا ذكره في "الروضة" من "زوائد" في آخر باب الشك في الطلاق.

قوله: والأشبه انعقاد البيع بالمكاتبة وأنه يشترط اتصال القبول بورود الكتاب ثم قال: وقد أشرنا إلى ذلك كله في أول البيع وحكينا عن بعض المسودات أن المشتري لو أجاب بالقول كان ذلك أقوى من أن يكتب،

الجزء: 7 - الصفحة: 312

وهكذا ذكره الإمام.
انتهى كلامه.
والذي قاله هنا من النقل عن بعض المسودات في ما إذا أوجب بالكتابة تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غلط، ليس هو في هذه المسألة، فإن الذي قاله في البيع ما نصه: وفي مسودات بعض أئمة طبرستان تفريعًا على انعقاد البيع بالمكاتبة أنه لو قال: بعت دارى من فلان وهو غائب فلما بلغه الخبر قال: قبلت، ينعقد، لأن النطق أقوى من الكتابة.
وقال أبو حنيفة: لا ينعقد، هذا لفظه فثبت أن هذا النقل إنما هو في ما إذا أوجب باللفظ لا بالكتابة.
نعم: صح القبول لفظًا إذا أوجب بالكتابة كذا ذكره الرافعي بعد هذا في ما إذا وقع ذلك في النكاح، والبيع أولى بالصحة منه.

قوله: وإن كتب إذا قرأت كتابي فأنت طالق فقرأته طلقت، قال الإمام: ولم يختلف علماؤنا، أنها إذا طالعته وفهمت ما فيه يقع الطلاق، وإن لم يتلفظ بشيء فإن قرأ غيرها عليها فوجهان أحدهما: يقع الطلاق لأنها اطلعت على المقصود.
وأصحهما: المنع لأنها أهل للقراءة ولم تقرأ فإن كانت لا تحسن القراءة فقرأ عليها طلقت وفيه وجه ضعيف، وقائله جعله من التعليق بالمستحيلات، ولو كان الزوج لا يعرف هل هي قارئة أم لا فيجوز أن يقال ينعقد التعليق على قراءتها بنفسها نظرًا إلى حقيقة اللفظ، ويجوز أن يتعلق على الفهم والإطلاع لأن الأصل في النساء عدم المعرفة بذلك، والأول أقرب.
انتهى ملخصًا.
وهذه المسائل كلها يفرض مثلها في تعليق عزل القاضي، ولم يصرحوا هناك إلا ببعضها لكن صحح الرافعي في ما إذا قرأ عليه وهو قارئ أنه ينعزل وستعرف لفظه هناك، والصواب التسوية وعدم العزل والطلاق،

الجزء: 7 - الصفحة: 313

وما صححوه أيضًا هنا من الطلاق إذا لم تحسن القراءة مشكل؛ لأن الصحيح في التعليق بالمستحيل أنه لا يقع، وهذا أولى منه؛ لأنه ممكن في نفسه، وقد علق عليه ولم يخرجه عن مدلوله فإن فرض أنه أراد الاطلاع على المقصود فمسلم وليس الكلام فيه.

قوله: أما إذا كتب: إذا أتاك أو بلغك أو وصل إليك كتابي فأنت طالق فوصلها بعض الكتاب دون بعض، فإن انمحى موضع الطلاق فأوجه: أصحها: لا يقع، وثالثها: إن قال: كتابي وقع، وإن قال: كتابي هذا لم يقع.
وإن بقي موضع الطلاق ولكن انمحت المقاصد كلها كسبب ذكر الطلاق ونحوه ففيه الأوجه، والوقوع هنا أولى.
وإن بقيت المقاصد كلها ولكن انمحت السوابق واللواحق كالتسمية، وصدر الكتاب والحمد والصلاة ففيه الأوجه، والأظهر عند الإمام هو الوقوع.
انتهى ملخصًا.
والأصح في القسم الأخير هو ما صححه الإمام كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير" والنووي في أصل "الروضة".

قوله: قال الإمام: وكنت أحب أن يفرق في هذه الصور الثلاث بين أن يبقى معظم الكتاب أو يختل -فإن للمعظم أثرًا في بقاء الاسم وعدمه.
انتهى كلامه.
وهذا الذي رده الإمام قد صرح بنقله الشاشي في "الحلية" فقال: وقيل: إن وجد أكثر الكتاب طلقت.
هذا لفظه، لكنه لم يطرده في ما إذا انمحى موضع الطلاق.

قوله: ولو كتب: إذا بلغك نصف كتابي هذا فأنت طالق فبلغها كله فهل يقع لاشتمال الكل على النصف أم لا؛ لأن النصف في مثل هذا يراد منه المنفرد؟ وجهان عن صاحب "التقريب".
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 314

والأصح في نظائر المسألة هو: الوقوع، فقد جزم الرافعي قبيل كتاب "التدبير" نقلًا عن زيادات أبى عاصم العبادي أنه إذا قال: إن اشتريت عبدان في صفقة فلله على إعتاقهما فاشترى ثلاثة صفقة فيلزمه إعتاق اثنين لوجود الصفة، وقال أيضًا في تعليق الطلاق في أوائل الفصل السابع منه: لو قال: إن أكلت رمانة فأنت طالق وإن أكلت نصف رمانة فأنت طالق فأكلت رمانة طلقت طلقتين فلو كان التعليق بصيغة كلما طلقت ثلاثًا؛ لأنها أكلت رمانة ونصف رمانة مرتين، وقد صحح النووي من "زوائده" الوقوع في مسألتنا أيضًا إلا أنه لم يستحضر شيئًا من هذه المسائل المستند إليها وقوع الطلاق.

قوله: فرع: حرك لسانه بكلمة الطلاق ولم يرفع صوته قدرًا يسمع نفسه.
قال المتولي: حكى الزجاجي أن المزني نقل فيه قولين: أحدهما: تطلق؛ لأنه أقوى من الكتب مع النية.
والثاني: لا؛ لأنه ليس بكلام؛ ولهذا يشترط في قراءة الصلاة أن يسمع نفسه.
انتهى.
قال في "الروضة" الأظهر: الثاني؛ لأنه في حكم النية المجردة بخلاف الكتب فإن المعتمد في حصول الطلاق به حصول الإفهام ولم يحصل.

قوله في "الروضة": ولو فوض الطلاق فلا يشترط إتفاق اللفظين على الصحيح، ثم قال: ولو قال: طلقي نفسك فقالت للزوج: طلقتك، ففيه هذا الخلاف.
انتهى كلامه.
ومقتضاه أن الصحيح الوقوع بمجئ هذا وليس كذلك، فإن الصحيح أن هذا اللفظ كناية كما صرح به المصنف بعد ذلك في آخر الركن الرابع،

الجزء: 7 - الصفحة: 315

وإذا كان كناية فلا يكون مما يجئ فيه إلا بالنية، وقد صرح به الرافعي هنا ولكن أهمله النووي وكأنه نظر إلى لفظ الطلاق وذهل عما ذكروه هناك فتركه.

قوله: ولو قال: طلقي نفسك، فقالت: سرحت نفسى، طلقت بلا خلاف لاشتراكهما في الصراحة.
انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف باطل فقد سبق قول الشافعي أن الفراق والسراح كنايتان.

قوله أيضًا في "الروضة": فرع: قال المتولي: لو قال ثلاث مرات اختاري، وقال: أردت واحدة لم تقع إلا واحدة.
انتهى كلامه.
لم يزد النووي على هذا، وذكر الرافعي بعد هذا ما نصه: خلافًا لأبي حنيفة وذكر إسماعيل البوشنجي إذا قال: اختاري اختاري اختاري فقالت: اخترت الأولى أو الوسطي فالقياس أنه يقع واحدة، وقال أبو حنيفة: تقع الثلاث.
انتهى.
ثم ذكر الرافعي بعده فروعًا ذكرها النووي وأسقط ما ذكرته فاعلمه.

قوله: ولو قال: طلقي نفسك ثلاثًا فطلقت واحدة أو اثنتين وقع ما أوقعته، ثم إن أوقعت واحدة فراجعها في الحال قال البغوي في "الفتاوى": لها أن تطلق ثانية أو ثالثة؛ لأنه لا فرق بين أن يطلق الثلاث دفعة وبين قولها طلقت نفسي واحدة وواحدة فلا يقدح تخلل الرجعة بين الطلقتين.
انتهى كلامه.
والصواب تقييد الجواب أيضًا بالحال فنقول: لها أن تطلق في الحال ثانية وثالثة ; لأن الصحيح أن هذا تمليك لا توكيل وحينئذ فلابد من القبول على الفور فتفطن لذلك.

الجزء: 7 - الصفحة: 316

قال -رحمه الله-:

الركن الثالث: القصد إلى الطلاق

فيشترط أن يكون قاصدًا لحروف الطلاق لمعنى الطلاق ولا يكفي القصد إلى حروف الطلاق من غير قصد معناه.
ثم قال بعد ذلك: ولو لقن الطلاق بلغة لا يعرفها فقالها وهو لا يعرفها لم يقع طلاقه، فلو قال: أردت بهذا اللفظة معناها بالعربية لم يقع على الأصح، ولو قال: لم أعلم أن معناها قطع النكاح ولكن نويت بها الطلاق، وقصدت قطع النكاح لم يقع الطلاق كما لو خاطبها بكلمة لا معنى لها، وقال: أردت الطلاق.
انتهى كلامه.
ولقائل أن يقول إذا كان الأمر على ما ذكره فما الفرق بين الصريح والكناية؟ حيث قالوا: إن الصريح لا يحتاج إلى النية بخلاف الكناية، وقد جمع بينهما بعض فضلاء العصريين بأن.
الصريح: يشترط فيه قصد اللفظ والمعنى.
وأما الكناية فيشترط فيها أيضًا أن يكون الإيقاع بذلك اللفظ.
وقد ذكر الرافعي في الكناية ما يؤيد مقالة هذا القائل فيها، فقال: قال إسماعيل البوشنجي: إنما يقع الطلاق بقوله: أنت حرام على إذا نوى حقيقة الطلاق وقصد إيقاعه بهذا اللفظ.
هذا كلامه.
وقول الرافعي في أول الكلام بمعني الطلاق هو بلام الجر لا بالباء وقد تقرر مما سبق من كلام الرافعي أنه لابد أيضًا من العلم بمدلول اللفظ وحينئذ فلا يكفي قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق.

قوله: ولو كانت زوجته تسمى طالقًا وعبده يسمى حرًا فقال لها: يا طالق، وله: يا حر، فإن قصد النداء فلا طلاق ولا عتق، وإن قصد الطلاق والعتق حصلا، وإن أطلق ولم ينو شيئًا فعلى أيهما يحمل؟ وجهان: أصحهما على النداء وبه قطع البغوي.
انتهى كلامه.

الجزء: 7 - الصفحة: 317

وصورة المسألة ما إذا كانت التسمية بطالق وحر ونحوه كعتيق مستمرة إلى حال النداء، فإن كان اسم العبد قبل جريان الرق عليه حرًا فناداه به فإن قصد العتق أو لم يقصد شيئًا عتق، وإن قصد نداءه بالاسم العتيق لم يعتق في الأصح، وقيل: يعتق؛ لأنه صريح كذا ذكره الرافعي في أول كتاب العتق إلا أنه لم يذكر النداء بطالق، بل اقتصر على النداء بالعتق ولما ذكر صور المسألة بما إذا كان اسمه حرًا قبل جريان الرق، والمتجه اعتبار التسمية بذلك في حال النداء سواء كان قبل جريان الرق أو بعده وسواء كان في ملكه أو ملك غيره فتفطن له.

قوله: وحكى الغزالي في "البسيط" أن بعض الوعاظ طلب من الحاضرين شيئًا فلم يعطوه، فقال [متضجرًا] 17 منهم: طلقتكم ثلاثًا، وكلانت زوجته فيهم وهو لا يعلم فأفتى إمام الحرمين بوقوع الطلاق قال: وفي القلب منه شيء، ولك أن تقول: ينبغي أن لا تطلق؛ لأن قوله: طلقتكم لفظ عام وهو يقبل الاستثناء بالنية كما لو حلف لا يسلم على زيد فسلم على قوم هو فيهم واستثناه بقلبه لم يحنث وإذا لم يعلم أن زوجته في القوم كان مقصوده غيرها.
انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي -رحمه الله- ذكر مقدمتين يستنتج منهما عدم الوقوع.
الأولى: أن طلقتكم عام قابل للاستثناء قياسًا على ما ذكره الأصحاب فيما إذا قال السلام عليكم.
والمقدمة الثانية أنه إذا لم يعلم أن زوجته في القوم يكون مقصوده بالطلاق غيرها، لأن قصدها يستدعى العلم بها وقصد غيرها تخصيص للفظ.
إذا علمت ذلك، ففيه أمران:

الجزء: 7 - الصفحة: 318

أحدهما: أن المقدمة الأولى واضحة الصحة، وقد توهم النووي أن مراد الرافعي بها إثبات عدم الطلاق بالقياس على السلام فشرع يفرق بينهما فقال ما نصه: قلت: هذا الذي قاله إمام الحرمين والرافعي كلامهما عجب منهما.
أما العجب من الرافعي: فلأن هذه المسألة ليست كمسألة السلام على زيد؛ لأنه هنا علم به واستثناه وهناك لم يعلم بها ولم يستثنها، واللفظ يقتضي الجميع إلا ما أخرجه.
هذا لفظه وهو إعتراض فاسد، وقد تبين لك وجه فساده.
الأمر الثاني: أن المقدمة الثانية ليست صحيحة لأن الواعظ المذكور قصد خطاب الحاضرين جميعهم بالطلاق غير أنه لم يعلم أن زوجته فيهم وعدم العلم عند قصد الخطاب باللفظ الصالح للإيقاع لا يمنع الإيقاع، ولهذا إذا خاطب زوجته بالطلاق وهو يعتقدها أجنبية وقع فهاهنا كذلك بل أولى؛ لأنه في هذا وأمثاله لا تخطر له زوجته لا نفيًا ولا إثباتًا وحينئذ فلا يلزم من عدم علمه بكونها فيهم أن يكون مقصوده غيرها فقط لا هي لأنه قد لا يستحضرها بالكلية، بل قد يقصد المخاطبين ذاهلًا عن حكم الزوجة.
وأما دعواهم أن قصد بعض الأفراد يخصص فاعلم أن هذه المسألة كثيرة الوقوع في الفتاوي تلتبس على من لا اطلاع لديه ولا تحقيق وإيضاح الحق فيها أن نقول: إذا قال الشخص مثلًا: والله لا كلمت أولاد زيد فله أحوال: أحدها: أن لا يقصد شيئًا معينًا فلا إشكال في حنثه بالجميع؛ لأن اللفظ يدل على الجميع بالوضع فلم يحتج إلى قصده.
الثاني: أن يقصد إخراج بعضهم ويقصد مع ذلك إثبات الباقي أو لا يقصد شيئًا فلا إشكال في عدم الحنث بالمخرج لأنه خصص يمينه بالقصد.
الثالث: أن يقصد بعض الأفراد وسكت عما عداه فهذا هو محل

الجزء: 7 - الصفحة: 319

الالتباس والحق فيه أن الحنث بالجميع أيضًا؛ لأن دلالة اللفظ عليه موجوده غير أنه أكد بعض الأفراد بقصده فاجتمع على البعض المنوى قصده ودلالة اللفظ ووجد في غير المنوى دلالة اللفظ فقط وهي كافية لما ذكرناه.
وهذا الذي ذكرته قد أجاب به القرافي بعينه وحقيقته الفرق بين القصد إلى البعض وبين تخصيص البعض، فإن الثاني يستدعى إخراج غيره فإن التخصيص هو الإخراج.
نعم: إن قصد إخراج اللفظ عن ما وضع له واستعماله في بعضه مجازًا فمعناه التخصيص ولا يحنث بغير المقصود.

قوله: في المسألة من "زياداته" وأما العجب من الإمام فلأنه تقدم في أول الركن أنه يشترط قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق ولا يكفي قصد لفظه من غير قصد معناه ومعلوم أن هذا الواعظ لم يقصد معنى الطلاق وأيضًا فقد علم أن مذهب أصحابنا أو جمهورهم أن النساء لا يدخلن في خطاب الرجال إلا بدليل، وقوله: طلقتكم خطاب رجال فلا تدخل امرأته فيه بغير دليل فينبغي أن لا تطلق لما ذكرناه، لا لما ذكره الرافعي فهذا ما تقتضيه الأدلة.
انتهى كلامه.
وما اعترض به أولًا على الإمام لا يرد عليه؛ لأن الشرط قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق لا قصد إيقاع الطلاق ولا شك أن هذا الواعظ لم يقصد الإيقاع إما أنه لم يقصد معناه فممنوع، واعتقاد عدم الوقوع لا يمنع قصد المعنى بدليل ما قلناه في من طلق زوجه ظانًا أنها أجنبية وأما ما ذكره ثانيًا من أنه قد علم من مذهب أصحابنا إلى أخره.
فيقال: دل الدليل على دخول امرأته؛ لأن الفرض أنه خاطب الحاضرين وامرأته منهم ولا نزاع في جواز التعبير بلفظ المذكر عند اجتماع المذكر والمؤنث.
واعلم أن في "فتاوي الغزالي" أنه لو زاحمته امرأة في طريق فقال

الجزء: 7 - الصفحة: 320

تأخرى يا حرة فبانت أمته لا تعتق كذا نقله الرافعي عنه في أوائل العتق ولم يخالفه هو ولا النووي وهي نظير مسألتنا فإنه قد نص هنا على أن النداء بالصريح صريح كقوله: يا طالق.

قوله: واحتجوا على أن طلاق المكره لا يقع بما روى أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "لا طلاق في إغلاق" 18. والإغلاق: هو الإكراه 19. وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" 20، وروى أن رجلًا تدلى من جبل بحبل ليشتار عسلًا فجاءته امرأته وقالت طلقني ثلاثًا أو لأقطعن الحبل فطلقها ثلاثًا ثم أتى عمر - رضي الله عنه - فقال: ارجع إلى أهلك فليس هذا بطلاق 21. انتهى.
أما الإغلاق فهو بالغين المعجمة والقاف.
وأما الشتار فإنه بالشين المعجمة والراء المهملة، يقال: شرت أشور

الجزء: 7 - الصفحة: 321

على وزن قلت أقول واشترت على وزن اخترت واجتلت إذا جنيته من مكان النحل في الجبال أو غيرها، وأشوت لغه فيه كذا ذكره الجوهري في الكلام على شور.
وحديث: "رفع عن أمتي" حسن، وقد نبه عليه في "الروضة" من "زوائده" في آخر تعليق الطلاق وأما الطلاق في إغلاق [. .] 22.

قوله: الثانية: إن ورى المكره بأن قال: أردت بقولى طلقت فاطمة غير زوجتي أو نوى الطلاق من الوثاق، أو قال في نفسه: إن شاء الله لم يقع الطلاق، وإذا ادعى التورية صدق ظاهرًا في كل ما كان يدين فيه عند الطواعية.
انتهى كلامه.
وهذا الذي جزم به من عدم الوقوع في ما إذا قال في نفسه: إن شاء الله تبعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو وجه ضعيف، والمشهور أن التعليق بمشيئه الله تعالى لا يؤثر إلا إذا تلفظ به ولا أثر لنيته بل يحكم عليه والحالة هذه بالوقوع في ما بينه وبين الله تعالى ولابد من ذكره كذا ذكره الرافعي في آخر الباب السابق وقد ذكرت لفظه هناك فراجعه.

قوله: وإن ترك التورية مع إمكانها فوجهان: أحدهما وهو المذكور في الكتاب واختيار القفال: أنه يقع طلاقه.
وأصحهما: على ما ذكره صاحب "التهذيب" والروياني: المنع؛ لأنه مجبر على اللفظ ولا نية له.
انتهى.
والأصح هو الثاني فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه الأصح وفي "المحرر": إنه الأظهر وصححه النووي في "الروضة" ولم ينبه على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له فإنه غريب.

الجزء: 7 - الصفحة: 322

قوله في الإكراه: وتخويف ذى المروءة بالصفع في الملأ.
اعلم أن الملأ بالميم هو الجمع كما قاله الجوهرى وقال: غيره: إنه يطلق أيضًا على الأشراف.

قوله: ولو قال: طلقت وأنا صبي أو أنا نائم قال أبو العباس الروياني: يصدق بيمينه.
انتهى.
أقره الرافعي في النائم على ما قاله ولم يزد في "الروضة" على قوله: إن فيه نظرًا، وهو عجيب منهما فقد جزما في أول كتاب الأيمان بأن من ادعى عدم القصد في الطلاق والعتاق لا يصدق في الظاهر، لتعلق حق الغير به، هذا لفظهما.

قوله: لا يقع طلاق المجنون والمغمى عليه وكل من زال عقله بسبب هو غير متعد فيه كما لو أوجر الخمر، ثم قال ما نصه: وعد من هذا القبيل ما إذا شرب دواء يزيل العقل على قصد التداوى، ولك أن تقول في التداوي بالخمر خلاف يذكر في موضعه فإن جرى ذلك الخلاف في الدواء المزيل للعقل وقد اطرد في القليل والكثير فالمذكور هاهنا جواب على جواز التداوى ويمكن أن يقدر تخصيص الخلاف بالقدر الذي يزيل العقل [وتصوير] 23 هذه الصورة [في ما] 24 إذا ظن أن القدر الذي تناوله لا يزيل العقل، وكذلك صوره أكثرهم، وإن لم يجر ذلك الخلاف في الدواء المزيل للعقل فكان السبب فيه أن الطبع يدعو إلى شرب الخمر فيحتاج فيه إلى المبالغة في المنع والزجر بخلاف الأدوية.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" أيضًا، وحاصله التردد من غير ترجيح في أنه هل يتخرج عليه أم لا؟ وإذا خرج فهل يخرج القليل والكثير أم الكبير فقط ويجزم في القليل بالجواز؟ وقد أعاد الرافعي المسألة في باب حد الخمر وجزم بالتخريج ولم ينقل خلافه فقال: ولو احتيج في قطع اليد

الجزء: 7 - الصفحة: 323

المتآكلة -نعوذ بالله- إلى ما يزيل عقله من غير الأشربة كالبنج خرج ذلك على الخلاف في التداوي بالخمر هذه عبارته، فإذا كان يمتنع هذا عند من يمنع التداوي بالمسكر مع كونه مقطوعًا بحصول المطلوب منه وهو زوال العقل المخفف للألم فلأن يمتنع في ما عداه من المظنونات بطريق الأولى، وقد نص الشافعي -رحمه الله- في "الأم" على الجواز ولم يلحقه بالتداوي بالخمر فقال في باب طلاق السكران ما نصه: ولو شرب بنجًا أو حريفًا أو مرقدًا ليعالج به من مرض فأذهب عقله فطلق لم يلزمه الطلاق من قبل أنه ليس في شيء من هذا أن يضربهم على شربه في كتاب ولا سنة ولا إجماع، فإذا كان هذا هكذا كان جائزًا أن يؤخذ الشيء منه للمنفعة هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلته، ويتضح به بطلان ما ذكره الرافعي هناك، ولم يتعرض في "الروضة" هنا لما ذكره الرافعي من الترديد في التخريج واقتصر على عدم وقوع الطلاق، وذكر هناك ما ذكره الرافعي ثم اعترض عليه فقال: الأصح هنا الجواز، وقد سبق في مسائل طلاق السكران ومن زال عقله ما يقتضي الجزم به، ولو احتاج إلى دواء يزيل العقل لغرض صحيح جاز تناوله قطعًا كما سبق هناك والله أعلم.
هذه عبارته، وهو عجيب من وجهين: أحدهما: أنه يناقض بعضه بعضًا فإنه أثبت الخلاف أولًا ونفاه آخرًا.
الثاني: في دعواه الجزم به هناك، وسببه أنه يختصر فيتصرف ثم ينسى فيستدرك.

قوله: فإذا تعدى بشرب الخمر فسكر فقولان.
أصحهما: يقع طلاقه.
والأظهر على ما ذكره الحليمي وغيره: أن القولين جاريان في الأقوال والأفعال، قال الإمام: لكن شارب الخمر يعتريه ثلاثة أحوال: أحدها: هزة ونشاط يأخذه إذا ذيب الخمر فيه ولم يستول عليه بعد ولا يزول العقل

الجزء: 7 - الصفحة: 324

في هذه الحالة وربما احتد.
والثانية: نهاية السكر وهو أن يصير طافحًا ويسقط كالمغشي عليه لا يتكلم ولا يكاد يتحرك.
والثالثة: حالة متوسطة بينهما، وهو أن تختلط أحواله ولا تنتظم أقواله وأفعاله ويبقي تمييز وفهم [كلام] 25، فهذه الثالثة سكر وفي نفوذ الطلاق فيها الخلاف المذكور، وأما الحالة الأولى فينفذ طلاقه فيها بلا خلاف لبقاء العقل وانتظام القصد [والكلام] 26. وأما الحالة الثانية: فالأصح عند الإمام والغزالي أنه لا ينفذ طلاقه؛ إذ لا قصد له، ولفظه كلفظ النائم، ومن الأصحاب من جعله على الخلاف لتعديه بالسبب إلى هذه الحالة، وهذا أوفق لإطلاق الأكثرين.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن تنفيذ تصرفه على القول بصحته محله إذا لم يتوقف على نظر فأما إذا توقف عليه بأن كان نائبًا فيه من غيره كتصرف الوكيل والولى والإمام وكذا الوصى إن قلنا: لا ينعزل بالفسق، ففي نفوذه وجهان حكاهما الرافعي في النكاح في الفصل المعقود لسوالب الولاية في الكلام على ولاية السكران وتقدم ذكر لفظه هناك، وأسقطه النووي من "الروضة".
الأمر الثاني: أن ما ذكره في القسم الثاني من ترجيح جريان الخلاف قد جزم بعكسه في النكاح في الموضع المذكور وهو غريب، وقد أسلفنا هناك لفظه فراجعه ووقع الموضعان في "الروضة" على هذا التناقض.
والطافح بالفاء والحاء المهملة، قال الجوهرى هو الذي ملأه الشراب.

الجزء: 7 - الصفحة: 325

الركن الرابع: المحل

قوله: وحكى الحناطي قولًا ضعيفًا في الشعر أنه لا يقع به الطلاق كما لا ينقض الوضوء، ولا شك في اطراده في السِّن والظفر.
انتهى.
وبين المسألتين فرق ظاهر ذكره في "الروضة" وهو أن اتصال السن آكد من الشعر، قال: وأما اشتراكهما في نقض الوضوء وعدمه فلعدم الإحساس أو لأنهما جزءان فأشبها اليد.

قوله: وفي الشحم تردد للإمام -رحمه الله- وميله إلى أنه لا يقع الطلاق، والأقرب وقوعه لأنه جزء من البدن وبه قوامه، ولأن الشحم كالسمن ولو قال: سمنك طالق يقع الطلاق.
انتهى كلامه.
واعلم أن السمن معنى من المعاني كالحسن والملاحة وإذا أضاف الطلاق إلى المعاني لا يقع الطلاق، وحينئذ فما ذكره الرافعي هنا غير مستقيم ولأجل ما ذكرناه اختلفت نسخ الرافعي اختلافًا كبيرًا ففي كثير منها ما ذكرناه وهو الموجود في "الشرح الصغير" أيضًا، وفي بعضها سمين بزيادة الياء وهو جيد، وفي بعضها لم يقع بزيادة لم وهو عكس مقصود الرافعي؛ فإنه يعلل الوقوع لا عدمه، وصرح في بعضها بجعله علة لعدم الوقوع فقال: ووجه المنع أن الشحم كالسمن ولو قال: سمنك طالق لم يقع.
هذه عبارته، وقد ذكر المسألة في "الروضة" على الصواب فجزم بعدم الوقوع فقال: ولو أضاف إلى الشحم طلقت على الأصح وإلى معنى قائم بالذات كالسمن والحسن إلى أن قال: لم تطلق، غير أن الرافعي لم يحك في الشحم إلا ترددًا للإمام، ولم يصرح بما صرح به في "الروضة" من حكاية الوجهين.

قوله في أصل "الروضة": ولو أضاف إلى الدم طلقت على المذهب.
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 326

هذا الكلام يؤخذ منه حكاية طريقين في المسألة، وأما كون الأصح طريقة الوجهين أو القطع فلا؛ إذ لا اصطلاح له فيه مع أن الرافعي قد ذكره وصحح طريقة الوجهين.

قوله: [ولأن] 27 لو قال: أنت طالق نصف طلقة تقع طلقة ويجعل النصف عبارة عن الكل، ولا يمكن أن يقال: يقع النصف ثم يسرى عليه، فكذلك هاهنا أي في طلاق العضو.
انتهى كلامه.
وهذا الذي ادعاه من عدم إمكان السراية غريب، بل هو ممكن ومذهوب إليه، وقد صرح هو به في الباب الذي بعد هذا في أول القسم الثاني من الفصل الثالث فقال: وذكر الإمام -رحمه الله- أن وقوع الطلاق ببعض الطلقة على سبيل التعبير بالبعض عن الكل، ولا يتخيل هنا مجئ السراية في قوله: نصفك طالق ولكن لا يظهر بينهما فرق محقق، وفي كلام الشيخ أبي حامد وغيره أنه يجوز أن يكون ذلك بطريق السراية ويجوز أن يلغى قوله: نصف طلقة، ويعمل قوله: أنت طالق.
هذا كلامه ومقتضاه رجحان كونه بطريق السراية، ووقع الموضعان في "الروضة" كذلك ولا ذكر للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر" وقد استفدنا من المذكور هناك ثلاث تنزيلات: أما السراية أو التعبير بالبعض عن الكل، أو إيقاع طلقة كاملة بلفظ حقيقي وللخلاف فائدتان: إحداهما: إذا قال: أنت طالق ثلاث طلقات إلا نصف طلقة، فإن جعلناه من باب السراية أوقعنا هاهنا ثلاثًا؛ لأن السراية في الإيقاع لا في الرفع، وإلا لم يكن بعض الطلقة موقعًا للطلاق.
الفائدة الثانية: إذا قالت المرأة: طلقني طلقة على ألف فطلقها نصف طلقة، وقد تقدمت المسألة في الخلع لأمر مهم فراجعها.

الجزء: 7 - الصفحة: 327

قوله: ومنها قال المتولي: إن القول بعدم الطلاق في ما إذا قال القائل: حسنك أو بياضك طالق، مبني على القول بالسراية؛ لأنه لا يمكن وقوع الطلاق على الصفات، أما إذا جعلنا البعض عبارة عن الجملة فتجعل الصفة عبارة عن الموصوف.
انتهى.
قال في "الروضة": هذا الذي قاله المتولى ضعيف مخالف للدليل ولإطلاق الأصحاب.

قوله: لو أضاف العتق إلى يد عبده أو رأسه ففيه الوجهان المتقدمان في أنه من باب السراية أو من باب التعبير بالبعض عن الكل، فإن أضافه إلى جزء شائع قال الإمام: المذهب تقدير السراية؛ لأن العبد يمكن تبعيض العتق فيه ووقوعه عليه بخلاف الطلاق، وقيل: فيه الوجهان؛ لأن إعتاقه بعض عبده غير متصور.
انتهى.
قد أعاد المسألتين في أوائل العتق، فأما المسألة الأولى فحاصل ما ذكره فيها طريقان: أحدهما: القطع بأنه من باب التعبير بالبعض عن الكل حتى يقع دفعة واحدة.
والثاني: على وجهين [وأما المسألة الثانية فحكى فيها وجهين] 28 ولم يذكر الطريق التي نقل عن الإمام تصحيحها، ولم يخالفه فيها، وأما ما ادعاه من عدم التصور وأقره عليه فليس كذلك، بل يتصور فيما إذا أعتق عبده المرهون وهو موسر بقيمة بعضه، وقلنا بالأظهر: أنه ينفذ عتق الموسر، وكذلك إذا رهن بعض عبد وكان موسرًا بقيمة الباقي الذي ليس بمرهون، ثم أعتق ذلك البعض وهو غير المرهون.

قوله: ولو فصلت أذنها ثم ألصقت فالتحمت أو سقطت شعرة ثم نبتت في موضع آخر ونمت فأضاف الطلاق إليها لم تطلق المرأة على الأصح.
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 328

وقوله في موضع آخر تبع فيه الغزالي: وليس هو شرطًا فلو نبتت في موضعها كان كذلك، ثم إن مسألة الشعرة قل أن توجد في غير "الوسيط" بخلاف مسألة الأذن فإنها مشهورة بالوجهين، لكن أنكر إمام الحرمين تصورها في العادة ولا امتناع في ذلك، وقد نبه عليه في "الروضة".

قوله: ولو قال لزوجته: أنا منك طالق ونوى إيقاع الطلاق عليها طلقت، وإن لم ينو إيقاعه عليها فالصحيح وبه أجاب الجمهور: أنها لا تطلق، وقيل: تطلق، فعلى هذا لابد من نية أصل الطلاق؛ لأن اللفظ كناية لكونه أضيف إلى غير محله، وعلى الأول فمتى نوى إيقاعه عليها كان ناويًا أصل الطلاق، ولو جرد اللفظ إلى تطليق نفسه، ولم يقتصر على نية أصل الطلاق لم يقع طلاقه، وقيل: على الوجهين.
انتهى كلامه.
واعلم أن هذا العمل جميعه ينتظم بدون تقييد المسألة بقوله منك، وحينئذ فلا يكون ذلك شرطًا في المسألة على خلاف ما يوهمه كلام الرافعي و"الروضة" ولأجل ما ذكرناه حذف الدارمي في "الاستذكار" هذا القيد وحينئذ فإذا كانت له زوجة واحدة وقصد طلاقه منها فلا كلام، وإن كانت له زوجات وقصد طلاق واحدة منهن وقع على واحدة وتعين.

الركن الخامس: الولاية على المحل

قوله: وإن علق بفعلها فإن لم يكن لها منه بد كالنوم والقيام والقعود والأكل والشرب والطهارة ففار.
انتهى.
قال في "الروضة": وهذا في الأكل الذي تحتاج إليه فإن أكلت متلذذة أكلًا يضرها فليس بفار قاله الإمام.
انتهى كلامه.
وقد ذكر الإمام أقسامًا أخرى أهمل النووي التصريح ببعضها فقال: أما الضرورة فلا يرعاها، وإذا أكلت أكلًا عدمه يضرها فليست مختارة، وإن تلذذت بالطعام وهو يضرها فيجعلها كالمختارة، وإن تلذذت والأكل ينفعها فيجوز أن يلحق بجنس الطعام فإن الفصل بين هذه المراتب عسر

الجزء: 7 - الصفحة: 329

ويجوز أن تجعل كالمختارة، والذي أراه التعويل في هذا على ظنها وإن كان في نفس الأمر خلاف ذلك فإن ظنت أن ذلك لا يضر فليست مختارة وإن ظنت أنه يضر فهى مختارة.

قوله: ولو فسخ النكاح بعينها أولًا عنها، وكان القذف في المرض فليس بفار على الصحيح.
انتهى.
وما ذكره من تخصيص الخلاف فيما إذا كان القذف في المرض ليس كذلك، بل نقل ابن الرفعة فيما إذا كان القذف في الصحة أيضًا وجهين وفيما إذا كان في المرض ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان هناك ولد أو لم يكن، ولكن طلبت فلا إرث، وإن لم تطلب ولا نسب فترث، وحكى الماوردي في اللعان أوجهًا، ثالثها: إن كان القذف في الصحة لم ترث وإلا ورثت.

قوله في "الروضة": قلت: المبتوتة إنما ترث المبتوتة زوجها على القديم ثم إذا أنشأ بتحرير طلاق لزوجته الوارثة بغير رضاها في مرض مخوف واتصل به الموت ومات بسببه في ذلك المرض.
انتهى.
وتقييده بالإنشاء يرد عليه ما ذكره قبل ذلك أنه إذا علق طلاقها بشئ لابد لها منه كالأكل والشرب ففعلت فإنه يكون فارًا.
مع أنه ليس بتنجيز.
وقوله: زوجته الوارثة بغير رضاها لابد فيه من زيادة قيد العلم وإلا يخرج عنه من طلق زوجته الأمة بعد عتقها وقبل علمه فإنه لا يكون فارًا مع صدق الحد عليه، وكذلك طلاق الذمية قبل العلم بإسلامها بعد إسلامها كطلاق الأمة بعد عتقها.

قوله: ولو أبان المسلمة في المرض فارتدت وعادت إلى الإسلام في العدة ورثت؛ لأنها بصفة الوارثين يوم الطلاق ويوم الموت وكذا لو عادت بعد انقضاء العدة إن قلنا: إن المبتوتة ترث بعد انقضاء العدة.
انتهى كلامه.

الجزء: 7 - الصفحة: 330

وهذا الذي جزم به من كونها ترث تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو خلاف ما نص عليه الشافعي في "الأم" فإنه قال في باب طلاق المريض تفريعًا على أن الفار يورث منه ما نصه: ولو طلقها ثلاثًا وهو مريض ثم ارتدت عن الإسلام ثم عادت إليه، ثم مات ولم يصح لم [ترثه] 29 لأنها أخرجت نفسها من الميراث.
هذا لفظه، فجزم بأنها لا ترث وإن عادت قبل الموت وبينه وبين كلام الرافعي تباين فاحش.

قوله: ولو طلق الأمة في المرض وعتقت واختلفا فقالت: طلقني بعد العتق فأرث وقال الوارث: بل قبله فلا إرث فالقول قول الوارث بيمينه لأن الأصل بقاء الرق.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصل بقاء الزوجية كما أن الأصل بقاء الرق، وحينئذ فيتعارض أصلان، وقد نقله الدارمي في "الاستذكار" عن ابن المرزبان بأن المرأة تحلف وعلى الورثة البينة.
الثاني: أنه لم يتعرض لهما إذا اختلفا في تقدم الإسلام وتأخره عن الطلاق، وقد ذكرها الدارمي أيضًا وقال: إن المرأه تحلف، وحكى عن الربيع قولًا آخر أن القول قول الورثة.

قوله: ولو أقر في المرض بأنه أبانها في الصحة فلا يجعل فارًا ويصدق في ما يقوله [وتحسب] 30 العدة يومئذ، وفيه وجه للتهمة.
انتهى.
وتعبيره بيومئذ تبعه عليه في "الروضة" والمراد به يوم الحكم بالوقوع لا يوم الإقرار كذا صرح به الرافعي في [أوائل] 31 باب تعليق الطلاق في الكلام على ما إذا قال: أنت طالق أمس فتفطن له فإن المسألة قل من نقلها في بابها.

الجزء: 7 - الصفحة: 331

الباب الثالث في تعدد الطلاق

قوله: روى أن ركانة بن عبد يزيد أتى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إني طلقت امرأتي سهيمة البتة والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "آلله ما أردت إلا واحدة؟ " [فقال: والله ما أردت إلا واحدة] 32 فردها إليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 33. انتهى.
ورُكانة براء مهملة مضمومة وبالنون بعد الألف وهو مأخوذ من الوقار بمعنى السكينة، يقال منه: ركن بالضم ركانة فهو ركين، وهذا الحديث رواه الشافعي وأبو داود والدارقطني، وقال أبو داوود: إنه حديث صحيح إلا أنهم إنما رووه بواو القسم مع لفظ الله في المرات الثلاث.
نعم رواه البيهقي بتكراره مرتين فقط بلا واو ولفظه: "فأتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبره فقال: "ما نويت بذلك؟ " فقال واحدة، قال: "آلله؟ " فقال: آلله، قال: "فهو ما أردت" 34. وقد ذكر الرافعي الحديث في كتاب الأيمان عاريًا عن الواو.

الجزء: 7 - الصفحة: 332

قوله: ولو قال: أنت طالق واحدة بالنصب ونوى طلقتين أو ثلاثًا ففيه وجوه: أصحها عند الغزالي: وقوع واحدة؛ لأن الملفوظ مناقض للمنوى والنية وحدها لا تعمل.
وأصحها عند صاحب "التهذيب" وغيره: وقوع المنوي ويكون المراد بقوله واحدة أنك تتوحدين مني بالعدد الذي أوقعته.
والثالث: ويحكى عن اختيار القفال أنه إن بسط نية الثلاث على جميع اللفظ لم تقع الثلاث، وإن نوى الثلاث بقوله: أنت طالق وقع الثلاث ولغى ذكر الواحدة.
انتهى ملخصًا.
ذكر في "الشرح الصغير" نحوه أيضًا وحاصله رجحان وقوع المنوى، وصرح بتصحيحه في "الروضة" وكلامه في "المحرر" يشعر برجحان وقوع الواحدة، فإنه قال: فيه وجهان رجح منهما الثاني يعني الواحدة وصرح النووي في "المنهاج" بتصحيحه فوقع في صريح التناقض.

قوله: ولو قال أنت طالق واحدة بالرفع فهذا إتباع الصفة للصفة وهو على ما ذكر في "النهاية" مبني على ما إذا قال: أنت واحدة بخلاف الطلاق ونوى الثلاث وفيه وجهان: أصحهما: وقوع ما نواه حملًا للتوحيد على التوحيد والتفرد عن الزوج.
والثاني: المنع لأن السابق إلى الفهم من قوله: أنت واحدة أنك طالق بواحدة ولفظ الواحدة ينافي الثلاث.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن مقتضى التعليل المذكور للوجهين أنه لا فرق في واحدة بين الرفع والنصب والجر والسكون، ويكون التقدير في الجر أنت ذات واحدة أو متصفة بواحدة أو يكون المتكلم لاحنًا واللحن لا يمنع الحكم

الجزء: 7 - الصفحة: 333

عندنا.
الأمر الثاني: أنه ليس المراد من الصفة والإيقاع في كلام الرافعي هو المعنى المعروف عند النحاة، وإنما المراد ذكر الخبر بعد الخبر؛ لأن الخبر في المعنى صفة وكل شيء أتى عقب شيء كان تابعًا له.
واعلم أن ما نقله الرافعي عن الإمام فقط، قد جزم به في "الشرح الصغير" وكذلك النووي في "الروضة".

قوله: ولو قال أنت طالق عدد التراب قال الإمام: تقع واحدة، وقال البغوي: عندي تقع الثلاث كما لو قال عدد أنواع التراب.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على حكاية الخلاف من غير ترجيح ولا شك أن المسألة متوفقة على أن التراب جمع أم لا؟ وفيها خلاف مشهور قد حكاه النووي في "تهذيب الأسماء" وفي غيره، ونقل عن المبرد أنه جمع واحده ترابة ومنه قول الشاعر 35: ثم قالوا تحبها قلت بهرًا ... عدد الرمل والحصا والتراب وبهرًا بباء موحدة مفتوحة ثم هاء ساكنة أي عجبًا قاله الجوهري.
فعلى هذا يقع الثلاث، ونقل عن الجمهور أنه اسم جنس فعلى هذا يتجه وقوع واحدة وهو قريب مما إذا قال: أنت طالق بعدد شعر إبليس والمرجح كما قاله النووي في باب الشك في الطلاق وقوع واحدة.

قوله: ولو قال: أنت طالق إن لم أو أنت طالق إن، قال إسماعيل البوشنجي: ينظر إن قصد الاستثناء أو التعليق فلم يتمه فلا أرى أن يقع طلاقه ويصدق إذا فسر به للقرينة الظاهرة، وإن لم يقصد الاستثناء ولا التعليق وقع، لأنه لو أتى بالاستثناء بلا نية لم ينفع فهاهنا أولى.
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 334

فيه أمران: أحدهما: ما ذكره نقلًا عن البوشنجي وأقره من عدم وقوع الطلاق عند قصد الاستثناء أو التعليق قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" لكنهما ذكرا في أوائل الشرط في الطلاق ما حاصله وقوع الطلاق إلا إذا كان معه قرينة أخرى بأن قام إلى شخص وسد ومنعه من الكلام، وستعرف لفظه هناك إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: أنه سكت عما إذا تعذر مراجعته بموت أو غيره والقياس فيه عدم وقوع الطلاق؛ لأن الصيغة بوضعها للتعليق وكانت مرجحة لإرادته بل لو استوى الأمران لترجح أيضًا عدم الوقوع مراعاة للأصل.
واعلم أن الرافعي قد ذكر هذه المسألة أيضًا في أوائل القضاء في الكلام على المفتي والمستفتي في ضمن حكاية ولم يذكر لها جوابًا وسأشير إليها في موضعها إن شاء الله تعالى.

قوله: ولو قال لمدخول بها [أنت طالق] 36 أنت طالق أي بالتكرار فإن قصد التأكيد قبل ولم يقع إلا واحدة وإن قصد الاستئناف وقع طلقتان، وكذا إن أطلق في أظهر القولين، ولو كرر طالقًا فقط فقال: أنت طالق طالق فقال القاضي حسين: يقع عند الإطلاق طلقة قطعًا، وقال الجمهور: لا فرق بين اللفظين.
انتهى كلامه.
وما نقله عن الجمهور من أنه لا فرق بين الأمرين حتى يقع عليه طلقتان عند الإطلاق قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وفيه أمران: أحدهما: أنه قد خالف ذلك في باب تعديد الطلاق في آخر النوع الثاني من الطرف الثالث فجزم بأنه لا يقع عند تكرار طالق فقط إلا واحدة.

الجزء: 7 - الصفحة: 335

الثاني: أن محله ما إذا أتى باللفظ المكرر وهو طالق مرفوعًا سواء ذكر بعده شيئًا آخر كقوله مثلًا: أنت طالق طالق فاخرجي أم لم يذكره، وإن كان لحنًا، لكونه وقفًا على متحرك، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه قد ذكر في باب تعليق الطلاق قبيل الفصل الثالث المعقود للحمل والولادة فرعًا حاصله ما ذكرناه فقال: إذا قال: أنت طالق طالقًا أى بالنصب قال أبو عاصم العبادي: لا يقع في الحال شيء لكنه إذا طلقها وقع طلقتان والتقدير إذا صرت مطلقة فأنت طالق وهذا في المدخول بها هذا كلامه، وهو واضح وإن كان فيه شيء آخر يأتي ذكره في موضعه، فإذا تقرر أن المنصوب لا يقع به إلا واحدة وجب حمل الساكن عليه لاحتمال أن يكون عن نصب وأن يكون على رفع فنأخذ بالمتيقن.
واعلم أنه لا فرق في ما ذكره الرافعي هناك بين أن يكون المنصوب هو الأول أو الثاني.
نعم إن نصبهما معًا أو جرهما أو جر أحدهما مع نصب الأخر أو رفعه فالقياس في الجميع إلحاقه بالساكن أيضًا فتأمله.

قوله: قال لها قبل الدخول: أنت طالق وطالق أو فطالق، أو أنت طالق أنت طالق وقعت واحدة؛ لأنها تبين بالأولى، وحكى وجه وقول قديم أنه كما لو قال ذلك لمدخول بها لأنه كلام واحد فأشبه قوله لها: أنت طالق ثلاثًا، والمذهب الأول؛ لأن قوله ثلاثًا بيان للأول بخلاف هذه الألفاظ.
انتهى.
وما جزم به هاهنا من وقوع الثلاث باللفظ الأول والثلاث مبينة له قد تقدم في أول الباب ما يوافقه فقال: لو أراد أن يقول لها: أنت طالق ثلاثًا فماتت بعد تمام قوله: أنت طالق وقبل قوله ثلاثًا فهل تقع الثلاث أم واحدة أم لا يقع شيء؟ ثلاثة أوجه قال البغوي أصحها: الأول: وهو اختيار المزني.

الجزء: 7 - الصفحة: 336

وقال البوشنجي: الذي تقتضيه الفتوى أنه إن نوى الثلاث بقوله: أنت طالق فكان قصده أن تحققه باللفظ وقع الثلاث وإلا فواحدة، وهكذا ذكر المتولى في تعبيره عن الوجه الأول.
انتهى.
ثم صحح بعد ذلك ما يخالف الموضعين معًا فقال بعد الموضع الأول بنحو ورقة: ولو قال: أنت طالق ثلاثًا، فالصحيح وقوع ثلاث عند فراغه من قوله ثلاثًا وقيل: نتبين بالفراغ وقوع الثلاث بقوله: أنت طالق هذا كلامه.

قوله في المسألة: قال الإمام: وقياس من قال: تقع طلقة إذا أراد أن يقول: أنت طالق ثلاثًا فماتت المرأة قبل قوله ثلاثًا أن تقع هنا طلقة بقوله أنت طالق وتتم الثلاث بقوله ثلاثًا لكنه ضعيف، لأنه لا خلاف أنه لو قال لغير المدخول بها أنت طالق ثلاثًا وقع الثلاث، وذلك يدل على أنها لا تقع مرتبة.
انتهى كلامه.
وهذا الاستدلال تبعه عليه في "الروضة" وهو ذهول فقد سبق في ما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق أنه تقع طلقتان في وجه للأصحاب وقول الشافعي وعللوه بأنه كلام واحد وهذا بعينه موجود في مسألتنا بل أولى.

قوله: قال لمدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق أو قال: أنت طالق فطالق فطالق إن دخلت فدخلت وقع الثلاث.
انتهى.
وما ذكره في القسم الثاني وهو تأخير الشرط قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو يقتضي عود الشرط إلى الجمل المتقدمة عليه وصرح به أيضًا في باب تعليق الطلاق قبيل الفصل الثالث المعقود للتعليق بالحمل والولادة.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في بابنا هذا، وهو تعدد الطلاق بعد الوضع الأول بنحو ورقة ما يخالفه فقال: ولو قال للمدخول بها: أنت طالق

الجزء: 7 - الصفحة: 337

واحدة بل ثلاثًا إن دخلت، فوجهان أصحهما وبه قال ابن الحداد: تقع واحدة بقوله: أنت طالق، وتتعلق طلقتان بدخول الدار.
والثاني: تتعلق الثلاث بالدخول، هذا كلامه، والأصحاب لم يفصلوا في حروف العطف بين بل وبين غيرها.
نعم للإمام طريقة في ثم وحدها سبق إيضاحها في الوقف.

قوله في غير المدخول بها: ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق فوجهان: أحدهما: لا تقع إلا واحدة كما لو قال في التخيير: أنت طالق وطالق وطالق لا تقع إلا واحدة.
وأقر بهما: وقوع الطلاق وإن قدم الجزاء فقال: أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار فطريقان أحدهما أنه على الوجهين المذكورين فيما لو أخر الجزاء.
والثاني: وهو الذي أورده في "التهذيب" القطع بوقوع الثلاث، لأنها جميعًا تعلقت بالدخول وفيما إذا تقدم الشرط أمكن أن يقال: إن المعلق بالدخول الطلقة الأولى وحدها والأخريان معطوفتان.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أنه مخالف لما ذكره في الاستثناء فإنه [قال: ] 37 لو قال: أنت طالق واحدة وثلاثًا إن شاء الله رجع الاستثناء إلى الأخيرة وتقع الواحدة، وقياسه هنا أن تقع واحدة منجزة فيما إذا قدم أنت طالق ولم يقولوا به هاهنا.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من التعليل المذكور أن يمشي في هذه الصورة فلا يمشي في قوله: أنت طالق وأنت طالق إن دخلت الدار.

قوله: ولو كرر فقال: إن دخلت الدار فأنت طالق إن دخلت الدار فأنت

الجزء: 7 - الصفحة: 338

طالق إن دخلت الدار فأنت طالق، إن قصد التأكيد لم يقع بالدخول إلا طلقة وإن قصد الاستئناف وقع الثلاث، وإن أطلق ففي "التتمة" أنه يحمل على التأكيد إذا لم يقع فصل أو وقع ولكن اتحد المجلس، وإن اختلف فيحمل على التأكيد أو الاستئناف؟ فيه وجهان وإذا حمل على التأكيد فتقع عند الدخول طلقة أو طلقتان؟ فيه وجهان بناء على ما إذا حنث بفعل واحد في يمينين تلزمه الكفارة أو كفارتان؟ انتهى كلامه.
وفيه غلط من وجهين تابعه عليهما في "الروضة": أحدهما: ما ذكره آخرًا من أن الوجهين في ما يقع عند الدخول هل هو طلقة أو طلقتان مفرعان على قولنا بالتأكيد، بل الصواب تفريعهما على قولنا بالاستئناف، فإن المجزوم به في المذهب، وقد ذكره هو -أعني الرافعي- في باب الإيلاء أن الإيمان إذا تكررت فإن حكمنا باتحادها وجبت كفارة واحدة، وإن حكمنا بالتعدد كما إذا قصد الاستئناف فقولان: أظهرهما عند الجمهور: كفارة واحدة أيضًا فتفطن له واستحضره، وقد ذكره أيضًا في "التتمة" هنا على الصواب، فقال: إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق طالق، إن دخلت الدار فأنت طالق، موصولًا بالكلمة فإن أراد بالثانية يمينًا أخرى لزمه أو التأكيد قبل، وإن أطلق حمل على التوكيد وكذا لو فصل بين الكلمتين واتحد المجلس فإن للمجلس تأثيرًا في ضم الكلام بعضه إلى بعض وتكرير اليمين معتاد، وإن اختلف المجلس فوجهان أحدهما: يحمل إطلاقه على التأكيد والثاني: يجعل يمينًا أخرى وكل موضع قلنا بتعدد اليمين، فهل يقع بالدخول طلقة أو طلقتان؟ فيه وجهان مبنيان على ما لو حنث بفعل واحد في يمينين هذا كلام المتولى، وقد حكى الرافعي في باب الإيلاء وجهًا أنه لا تقبل إرادة التأكيد إذا طال الفصل، قال: ويجئ مثله في تكرير تعليق الطلاق وقد وقع هذا الموضع في بعض نسخ الرافعي على الصواب.

الجزء: 7 - الصفحة: 339

الأمر الثاني: في تعبيره بقوله طلقة أو طلقتان، وصوابه أن يقول أو ثلاث لأنه فرض الكلام مع التعليق ثلاث مرات، وسبب غلطه في هذا أن المتولى فرضه في التعليق مرتين فلما صور هو المسألة في الثلاثة ثم انتهى إلى ما حكاه عن "التتمة" حكاه عنه على ما وجده فيها وهو التعليق مرتين، وغفل عن ما فرضه هو من التصوير فلزم الخطأ في التعبير.
الأمر الثالث: أنه إذا حصل الفصل كيف يستقيم حمله على التأكيد؟ سيما إذا تعدد المجلس وقد تقرر أن الفصل اليسير لا يفتقر في ألفاظ التأكيد واعلم أن في كلام الرافعي أيضًا إشكالًا من وجهين آخرين: أحدهما: في تفرقته بين تعدد يمين الطلاق ويمين الكفارة فيقال له: لم جزمت في يمين الطلاق بتعدده عند إرادة الاستئناف وصححت في الأيمان والحالة هذه اتحاد الكفارة مع أن التعليق المذكور أيضًا يمين؟ ولهذا قالوا اليمين إما حنث أو منع أو تصديق.
ثانيهما: إذا حملنا الإطلاق على الاستئناف فقد سوى بينهما في الأيمان ولم يسو بينهما هاهنا، فإنه جزم بالتعدد عند الاستئناف، وحكى خلافًا في التعدد عند حمل الإطلاق عليه، هذا مع أن المتولى قد سوى بينهما في الكلام الذي نقله عنه فراجعه، ومن العجب إهمال الرافعي له مع نقله لبعض كلامه.

قوله: ولو قال لغير المدخول بها: أنت طالق خمسًا، أو قال: إحدى عشر وقع الثلاث، ولو قال لها: واحدة ومائة لم تقع إلا واحدة، ولو قال: إحدى وعشرين فهل تقع الثلاث أم واحدة؟ وجهان لترددهما بين الصورتين.
انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" أنه تقع واحدة لأنه معطوف كقوله: واحدة ومائة.

الجزء: 7 - الصفحة: 340

قال: وبخلاف إحدى عشرة فإنه مركب فهو بمعني المفرد، والمسألة مشبهة بالإقرار والأصح فيه أن إحدى وعشرين درهمًا ونحوها كخمسة وعشرين تلحق بإحدى عشر حتي يكون الكل دراهم لا بألف وثوب ونحو ذلك كثوب وألف، وذلك لأن المعلوم أن الطلاق جنس واحد فلا حاجة إلى الجمع في الإيقاع بخلاف الإقرار فإنا محتاجون فيه إلى التفسير فجعلنا تفسير المعطوف تفسيرًا للمعطوف عليه.

قوله: ولو قال: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث فقيل ثلاث، وصححه صاحب "التهذيب"، وقيل طلقتان، وقيل طلقة.
انتهى.
هذه المسائل لها نظائر اختلف فيها كلامهم، وقد سبق الكلام عليها واضحًا في باب الضمان فراجعه.

قوله: ثم فيه صور أخرى إحداها: لو زاد في الأجزاء فقال أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقة أو أربعة أثلاث طلقة وقع طلقتان على الأصح، وقيل طلقة وقيل ثلاث طلقات حكاه الحناطي -وعلى هذا القياس قوله خمسة أرباع طلقة أو نصف وثلثي طلقة.
انتهى.
وهذا الخلاف في ما إذا زادت الأجزاء على طلقة ولم تجاوز طلقتين فإن جاوزت كقوله خمسة أنصاف وأشباهه كان الخلاف في أنه تقع طلقة أو ثلاث؟ كذا ذكره الإمام وغيره وذكره أيضًا النووي من زوائده وهو واضح.

قوله: ولو قال أنت طالق نصفي طلقة أو ربعي طلقة [أو ثلثي طلقة] 38 لم تقع إلا واحدة إلا أن يزيد نصفًا من طلقة ونصفًا من أخرى، وأشار في "الوسيط" إلى خلاف فقال: الصحيح أنه تقع طلقة والكتب ساكتة عن حكاية الخلاف، لكنه جار على قياس ما نقله الحناطي في المسألة السابقة.
انتهى.
فيه أمران:

الجزء: 7 - الصفحة: 341

أحدهما: أن هذه المسألة ليست نظير تلك فإن الطلقة الواحدة يستحيل أن تكون لها ثلاثة أنصاف فكان ذلك قرينة على إرادة نصف من كل طلقة بخلاف ما يجيء فيه.
الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر في "الروضة" أن هذا الوجه منقول عن شرح "المفتاح".

قوله: ولو قال أنت طالق نصف طلقة [في نصف طلقة] 39 فطلقة واحدة سواء أراد الطرف أو الحساب أو المعية، أو لم يقصد شيئًا.
انتهى.
والقياس وقوع طلقتين فيما إذا قصد المعية لأن التقدير أن طالق نصف طلقة مع نصف طلقة، وهو لو صرح بهذا كان كما لو قال نصف طلقة ونصف طلقة.

قوله: ولو لم يدخل الواو فيها فقال أنت طالق ثلث طلقة ربع طلقة سدس طلقة لم تقع إلا واحدة، لأنه إذا لم يدخل الواو تصير كالجملة الواحدة، ثم قال ما نصه: ولهذا لو قال أنت طالق طالق لم تقع إلا واحدة، ولو قال أنت طالق وطالق وقعت طلقتان.
انتهى كلامه.
وهذا الاستشهاد الذي ذكره وهو وقوع الطلقة الواحدة عند التكرار بدون الواو هو وجه ضعيف والصحيح التعدد كذا صرح به قبل ذلك في أوائل الفصل الثاني فقال ولو قال أنت طالق أنت طالق وقصد التأكيد فواحدة، وإن قصد الاستئناف فطلقتان، وكذا إن أطلق في أصح القولين، ثم قال وإن قال أنت طالق طالق فعن القاضي الحسين القطع بأنه لا تقع عند الإطلاق إلا طلقة بخلاف قوله أنت طالق، أنت طالق والجمهور أنه لا فرق بين اللفظين.
هذا كلامه.

قوله: وفي "فتاوي القفال" أنه لو قال: طلقتك واحدة أو اثنتين على سبيل الإنشاء فيختار ما شاء من واحدة أو اثنتين كما لو قال أعتقت هذا أو هذين.
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 342

وما ذكره من التخيير ذكر نحوه أيضًا في أوائل تعليق الطلاق قبيل الكلام على التعليق بالتطليق ونفيه فقال لو قال: أنت طالق غدًا أو عبدي حر بعد غد، قال البوشنجي: يؤمر بالتعيين فإذا عين الطلاق أو العتق تعين في اليوم الذي ذكره، وذكر قريبًا منه في آخر تعليق الطلاق عن البوشنجي أيضًا فقال: لو قال: إن دخلت الدار فعبدي حر أو كلمت فلانًا فأنت طالق سألناه لنتبين أي اليمينين أراد.
انتهى.
والحاصل أنه يجوز أن يأتي بصيغة تقتضي التخيير في المنجز والمعلق سواء كان المعلق من نوع واحدًا أو من نوعين وإن أتى أيضًا بما يقتضي التخيير بين تعليقين مستقلين مختلفي الشرط.
إذا علمت ذلك فقد ذكر في أوائل تعليق الطلاق في الكلام على التعليق على الأوقات أنه إذا قال: أنت طالق اليوم أو غدًا، فقيل يقع في الحال تغليبًا للإيقاع والصحيح أنه لا يقع إلا في الغد لأنه اليقين، قال ومثله إذا قال: غدًا أو بعد غد أو قال: إذا جاء الغد أو بعد الغد.
انتهى.
والصواب وهو قياس ما سبق أن يتخير أيضًا في هذه المسألة، وذكر أيضًا ما يوافق هذا الموضع في آخر الباب الأول من أبواب الطلاق وهو المعقود للأركان فقال: ولو قال أنت طالق للسنة أو للبدعة لا تطلق حتى ينتقل من الحالة التي هي فيها إلى الحالة الأخرى، لأن اليقين حينئذ كما لو قال: أنت طالق اليوم أو غدًا لا تطلق حتي يجيء الغد هذا كلامه.

قوله: فرع: قال: أنت طالق عشرًا فقالت: يكفيني ثلاث فقال: البواقي لضرتك فلا يقع على الضرة شيء، لأن الزيادة على الثلاث لغو ولو قالت: يكفيني واحدة فقال: البواقي لضرتك وقع عليها ثلاث وعلى الضرة طلقتان إذا نوى ذكره البغوي.
انتهى.
وهذا الذي ذكره هنا عن البغوي وأقره قد نقل عن صاحبه وهو المتولى في الباب الذي قبله قبيل الفصل الثاني ما يخالفه وأقره عليه أيضًا وقد سبق ذكر لفظه هناك.

الجزء: 7 - الصفحة: 343

الباب الرابع في الاستثناء

قوله: وسكتة التنفس والعى لا تمنع الاتصال، ثم قال: ولذلك لا ينقطع الاتصال بين الإيجاب والقبول بالكلام اليسير على الأصح.
انتهى.
وهذه المسألة -أعني الفصل بين الإيجاب والقبول بالكلام اليسير- ذكرها الرافعي في مواضع واختلف كلامه فيها وقد أوضحت ذلك كله في أوائل النكاح فراجعه.

قوله في "الروضة": وهل يشترط قرن نية الاستثناء بأول اللفظ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا بل لو بدا له الاستثناء بعد تمام المستثنى منه فاستثنى حكم بصحة الاستثناء.
وأصحهما وادعى أبو بكر الفارسي الإجماع عليه: أنه لا يعمل بالاستثناء حتى يتصل بأول الكلام.
قلت: الأصح وجه ثالث وهو صحة الاستثناء بشرط وجود النية قبل فراغ اليمين، وإن لم يقارن أولها، والله أعلم.
وهذا الذي ذكره -رحمه الله- أصلًا وزيادة صريح في أن الرافعي نقل عن الفارسي أنه يذهب إلى وجوب اقتران النية بأول اليمين حتى لا يكفي اقترانها في أثنائه وأنه حكى الإجماع على ذلك وليس الأمر فيه كما فهمه النووي، بل الذي نقل عنه الرافعي وأنه نقل فيه الإجماع إنما هو عدم الاكتفاء بوجودها بعد فراغ اليمين متصلة بأول الاستثناء، وعلله بقوله؛ لأن الاستثناء بعد الفصل ينشأ بعد لحوق الطلاق فيلغوا، بل المفهوم من كلام

الجزء: 7 - الصفحة: 344

الرافعي إنما هو حكاية الوجهين في ما بعد الفراغ من اليمين خاصة كما يدل عليه تعليله إلا أن في ابتداء تعبيره إيهامًا يندفع بالتأمل فإنه قال: وهل يشترط أن يكون قصد الاستثناء مقرونًا بأول الكلام؟ فيه وجهان: أحدهما: لا ولو بدا له الإستثناء بعد تمام المستثنى منه فاستثنى حكم بموجبه.
وأصحهما وادعى أبو بكر الفارسي الإجماع عليه: أنه لا يعمل بالاستثناء ويقع الطلاق؛ لأن الاستثناء بعد الفصل ينشأ بعد لحوق الطلاق فيلغوا، هذه عبارته، وهي كما قلناه إلا أنه عبر بأول الكلام عن المستثنى منه ويكون المستثنى هو الأخير، وهو تعبير صحيح يدل عليه التعليل إلا أنه موهم ووقع التعبير به أيضًا في كتب جماعة من أصحابنا، ثم إن النووي أبدل ألفاظًا من ألفاظ الرافعي بألفاظ مطابقة لما فهمه هو فوقع في صريح الغلط، وكلام الغزالي يبين المراد ويعين غلط النووي في فهمه هنا وكذلك إمام الحرمين فإنه قال: فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ولم يخطر له الاستثناء إلى استتمام لفظ الطلاق ثم لما تم اللفظ خطر له أن يقول على الإتصال إن شاء الله تعالى، فقال ذلك بعد، قال أبو بكر الفارسي في كتابه المترجم "بمسائل الإجماع": يقع الطلاق في هذه المسألة إجماعًا، ووافقه معظم الأصحاب في دعوى الإجماع، ومن أصحابنا من قال: لا يقدح.
هذا لفظه، ذكر ذلك في باب ما يقع به الطلاق من الكلام.
في فصل أوله، قال: ولو جعل لها أن تطلق نفسها، وذكر الرافعي في أوائل الباب الثالث نحوه أيضًا.
نعم لو نوى في أثناء اليمين ففيه وجهان مشهوران في "التنبيه" و"المهذب" وغيرهما، أصحهما: أنه يكفي كما أشعر به كلام الرافعي وصححه النووي من زوائده، وقد حكى الرافعي هذين الوجهين في أول كتاب الأيمان فقال: لو حلف ثم بدا له أن يستثني فأتى بلفظ الاستثناء لم يعتد به وإن كان موصولًا باليمين، وإن قصد الاستثناء في خلال اليمين

الجزء: 7 - الصفحة: 345

واستثني على الاتصال ففيه وجهان ذكرناهما في كتاب الطلاق، وممن صحح هذا الاستثناء الداركي والقاضيان أبو الطيب والروياني، وممن لم يصححه أبو الحسن ابن المرزبان والقاضي ابن كج هذه عبارته وهو يشعر بأن المصححين أكثر وذلك ينفي إرادة الوجهين المذكورين في الحضور بعد تمام اليمين لأن الخلاف هناك ضعيف حتى ادعى أكثر الأصحاب الإجماع فيها على البطلان كما تقدم، نقله عن الإمام، وحينئذ فيتحصل من الموضعين ثلاثة أوجه، وإذا علمت ذلك كله علمت أن ما قاله الرافعي في الأيمان أن الوجهين سبقا في الطلاق غلط، فإن الوجهين غير الوجهين فسبحان من لا يتطرق إليه سهو ولا خلل.

قوله: ولو قال: أنت طالق طلقتين وواحدة إلا واحدة، فعلى الأول -أي الوجه الذاهب إلى جمع المفرق- يجمع بينهما فتكون الواحدة مستثناة من الثلاث فتقع طلقتان، وعلى الثاني -أى الذي لا يجمع وهو الأصح- تكون الواحدة مستثناة من الواحدة فتقع الثلاث.
انتهى.
وما ذكره تفريعًا على الوجه الأول واضح، وأما الثاني فينبغي بناؤه على أن الاستثناء عقب الجمل هل يعود إليها أم إلى الأخيرة؟ فإن أعدناه إليها وقعت طلقتان وإلا ثلاثًا، ويؤيد ما قلناه أنه لو قال ثلاثًا وثلاثًا إن شاء الله كان مخرجًا عليه عند الرافعي كما سيأتي بعد هذه المسألة.

قوله قال: أنت بائن إلا بائنًا ونوى بقوله أنت بائن الثلاث، قال إسماعيل البوشنجي يبني على أنه لو قال: أنت واحدة ونوى الثلاث هل تقع الثلاث اعتبارًا بالنية أم واحدة اعتبارًا باللفظ؟ فإن غلبنا اللفظ بطل الاستثناء كما لو قال: أنت طالق واحدة إلا واحدة، وإن غلبنا النية صح الاستثناء ووقع طلقتان وهذا هو الذي رجحه ونصره.
انتهى كلامه.
وهذا البناء الذي قاله البوشنجي ظاهر، فأما إذا غلبنا اللفظ في ما إذا

الجزء: 7 - الصفحة: 346

تلفظ بالواحدة ونوى الثلاث فلا تصح في مسألتنا؛ لأنه تلفظ ببائن واستثني منها بائنًا فلا يصح كاستثناء الواحدة من الواحدة، وإن غلبنا النية صح هاهنا، وقد اعترض في "الروضة" على البوشنجي اعتراضًا فاسدًا سببه أنه فهم كلامه على غير وجهه فقال: قلت: الأول غلط ظاهر فإنه لا خلاف أنه إذا قال: أنت بائن ونوى الثلاث وقع الثلاث فكيف يبنى على الخلاف في قوله: أنت واحدة هذا كلامه، وقد ظهر لك بطلانه.

قوله: ولو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا طلاقًا صح الاستثناء كقوله ثلاثًا إلا طلقة، وكذا لو قال: طالق وطالق وطالق إلا طالقًا ونوى التكرار وفيه إحتمال.
انتهى كلامه.
والقياس في هذه المسألة وقوع ثلاث: لأن القاعدة أنه لا يجمع المفرق على الصحيح فيكون استثناء مستغرقًا كما لو قال: أنت طالق إلا طالقًا من غير تكرار، فإن قلنا أنا لا نجمع المفرق فيأتي الذي قاله الرافعي.

قوله: فرع: لو قدم المستثني على المستثنى منه فقال: أنت إلا واحدة طالق ثلاثًا، حكى صاحب "المهذب" عن بعض الأصحاب أنه لا يصح الاستثناء وتقع الثلاث، لأن الاستثناء لاستدراك ما تقدم من الكلام، قال: ويحتمل عندى أنه يصح ولا تقع إلا طلقتان، واستشهد بقول الفرزدق.
وما مثله في الناس إلا ملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه الملك الذي ملك الشيء يقال ملكته المال والملك وتقدير البيت وما مثله في الناس حي يقاربه إلا ملك أبو أم ذلك الملك أبو الممدوح.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على حكاية ذلك من غير ترجيح وزاد فعبر بقوله قال: وعندي ولم يذكره احتمالًا فأوهم أن الشيخ جازم به على خلاف ما في الرافعي وما في "المهذب" أيضًا، وقد ظهر لك من الاستدلال ومن المعني أنه لا فرق في تقديمه بين أن يكون في طلاق أو إقرار أو غيرهما،

الجزء: 7 - الصفحة: 347

وهو الأصح.
إذا علمت ذلك فقد صحح الرافعي في أوائل الباب الأول من أبواب الأيمان أنه يصح التقديم فقال: ولا فرق بين التقديم والتأخير، وكذا لو قال لفلان على إلا عشرة دراهم مائة درهم، وفي هذه الصورة وجه آخر في كتاب القاضي ابن كج.
هذا لفظه، وبالغ في "الروضة" فعبر بقوله وجه ضعيف، والوجهان قد رأيتهما في كتاب ابن كج في أول كتاب الأيمان ولم يرجح منهما شيئًا، وجزم الدارمي في كتاب الأيمان من "الاستذكار" بالصحة ولم يتعرض الرافعي للمسألة في كتاب الإقرار أيضًا والبعض الذي أشار إليه في "المهذب" هو الماوردي.
واعلم أن الرافعي إذ تكلم على البيت لم يوضح حاله وقد أوضحه الجوهري فقال: إن الفرزدق مدح بذلك حال هشام بن عبد الملك، قال: والمعنى وما مثله في الناس حي يقارنه إلا ملك أي شخص قد ملكه الناس عليهم أبو أم ذلك الملك هو أبوه.

الجزء: 7 - الصفحة: 348

الفصل الثاني في التعليق [بالمشيئة] 40

قوله: وإذا قال: أنت طالق إن شاء الله نظر إن سبقت الكلمة إلى لسانه لتعوده بها، أو قصد التبرك بذكر الله تعالى، أو الإشارة إلى أن الأمور كلها بمشيئة الله تعالى ولم يقصد تعليقًا محققًا لم يؤثر ذلك، وإن قصد التعليق حقيقة لم تطلق.
انتهى.
أهمل قسمًا ثالثًا وهو ما إذا أطلق، وحكمه أن الطلاق لا يقع كما سبق إيضاحه في نية الوضوء.

قوله: وفي قول آخر أنه لا يؤثر الاستثناء عند قصد حقيقة التعليق، وأخذ بعضهم هذا القول من نص روى في الظهار أنه لو قال: أنت على كظهر أمي إن شاء الله يكون مظاهرًا ويلغو الاستثناء، وفرق بعضهم بأن الظهار إخبار، والإخبار عن الواقع لا يتعلق بالصفات بخلاف الإنشاء، ثم قال: وكذا يمنع الاستثناء انعقاد التعليق والعتق واليمين والنذر، وصحة العفو عن القصاص والبيع وسائر التصرفات.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن الرافعي لم يتكلم على تعليق الظهار بالمشيئة في بابه واقتصر على ما ذكره فيه هاهنا، وليس فيه تصريح بحكمه إلا أن عموم الكلام الأخير قد يؤخذ منه أنه لا يصح عند التعليق كغيره من التصرفات، وقد صرح الغزالي هنا في "الوجيز" بحكم المسألة فقال: فإذا قال: أنت طالق إن شاء الله لم يقع، ونص أنه لو قال: أنت على كظهر أمى إن شاء الله يكون مظاهرًا، وقد قيل ويطرد هذا القول في سائر التصرفات، هذا كلامه.
وحاصله تسليم النص والعمل به، والعجب من الرافعي في عدم

الجزء: 7 - الصفحة: 349

شرحه لهذه المسألة وكأنه توهم أنها تأتي في بابها فأهملها هنا وذكر في "الوسيط" نحوه إلا أنه قال في آخر كلامه: إن التفريع على الصحة في الجميع والصحيح أن الظهار كغيره في صحة الاستثناء، صرح به إمام الحرمين فقال: نقلوا أيضًا للشافعي أن الاستثناء فيه لا يؤثر وطرد المحققون هذا القول في جميع العقود والحلول، ثم قال ما نصه: ورام بعض الأصحاب أن يفرق بين الظهار وغيره، ولست أرى لذكر ما لا أفهمه وجهًا، والصحيح أن التعليق بالمشيئة يفسد جميع ما تقدم من [إقرار] 41 وإنشاء وحَلّ وعقد وطلاق وظهار.
هذا لفظ الإمام بحروفه، وعجب من الغزالي في نقل كلام إمامه على غير وجهه.
الأمر الثاني: أن النووي قد حذف هذه المسألة من "الروضة" لتوهمه أن الرافعي يأتي بها في بابها فلزم خلو "الروضة" عنها.
الأمر الثالث: أن ما نقله الرافعي من كون الظهار إخبارًا وأقره ليس كذلك فاعرفه فقد رجح في كتاب الظهار في الكلام على ما إذا قال لأربع نسوة: أنتن على كظهر أمى أنه إنشاء وعبر بقوله الظاهر.
الأمر الرابع: أن الذي نقله أيضًا وأقره من أن الإخبار لا يعلق بالمشيئة يتعلق بها مسألة مهمة نفيسة وقل من نقلها وقد ذكرها المتولى في كتاب الأيمان وصرح بأن تعليقها بالمشيئة صحيح، ويأتيك إن شاء الله تعالى في كتاب الدعاوى.

قوله: قال ابن الصباغ: وكذا لو قال: إن شاء الله أنت طالق أي بحذف الفاء لم يقع، وفي هذه الصيغة وجه حكاه الحناطي.
انتهى.
وما نقله عن ابن الصباغ قد جزم به في أول تعليق الطلاق نقلًا عن جماعة، وفي أول الأيمان نقلًا عن القاضي أبي الطيب.

الجزء: 7 - الصفحة: 350

قوله في "الروضة": ولو قال: أنت طالق إن شاء الله [أو أن شاء الله] 42 بفتح الهمزة وقع الطلاق في الحال، وكذا لو قال [إن شاء زيد أو أن] 43 شاء زيد، ونقل الحناطي وجهًا في أن شاء الله أنه لا يقع، وثالثًا أنه يفرق بين عارف النحو وغيره، واختار الروياني هذا.
انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلامه من أن الثالث هو في التعليق بمشيئة الله تعالى صرح به الرافعي، وحاصل هذا الكلام الجزم بالوقوع في غير مشيئة الله وتصحيحه معها -أي مع المشيئة المذكورة- سواء كان المتكلم خبيرًا باللغة أم لا وقد خالف ذلك في باب تعليق الطلاق قبيل الفصل الثالث المعقود للتعليق بالحمل والولادة وصحح من زوائده أن الطلاق مع فتح أن لا يقع عند صدوره من الجاهل وسوف أذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله: ولو قال: أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا إن شاء الله، قال ابن الصباغ: الذي يقتضيه المذهب أنه لا يقع شيء، وتابعه المتولى عليه والوجه بناؤه على الخلاف السابق في أن الاستثناء بعد الجملتين ينصرف إليهما أو إلى الأخيرة، ولذلك أورده الإمام، وقد ذكرنا أن الظاهر الانصراف إلى الأخيرة [وحدها.
انتهى كلامه.
وما رجحه في الاستثناء عقب الجمل من عوده إلى الأخير] 44 فقط قد ذكر في الوقف ما يخالفه، وتبعه في "الروضة" على الموضعين وزاد فصحح في أول كتاب الأيمان أنه يعود إليهما كما في الوقف، ولفظ كل من الموضعين مذكور في بابه.
واعلم أن محل هذا الخلاف ما إذا لم ينو المتكلم عود الاستثناء إلى الجملتين، فإن نوى ذلك عاد إليهما جزمًا، كذا ذكره الرافعي في أول كتاب الأيمان فتفطن له.

الجزء: 7 - الصفحة: 351

قوله في المسألة: ويوافق هذا البناء ما ذكره في "التهذيب" أنه لو قال: حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله فيرجع الاستثناء إلى عمرة وحدها أو إليهما جميعًا؟ وجهان والأصح الأول.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن "التهذيب" غلط تبعه عليه في "الروضة" سببه انتقال نظره أو نظر الكاتب للنسخة التي وقف عليها، فإن البغوي قد قال ما نصه: ولو قال: حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله، لا تطلق واحدة منهما، ولو قال: حفصة طالق وعمرة طالق إن شاء الله، تطلق حفصة ولا تطلق عمرة، لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه، وقيل: يرجع إليهما والأول أصح.
هذا لفظه في "التهذيب"، فسقط المتوسط كله كما قلنا وقد سلم ابن الرفعة من هذا الغلط من وجه دون وجه.

قوله: ولو قال: أنت طالق إلا أن يشاء الله فعن القفال أنه حكى عن النصر أنه لا يقع واختاره؛ لأن هذه الصيغة أيضًا تعليق بعدم المشيئة؛ لأنها توجب حصر الوقوع في حال عدم المشيئة، وعن ابن سريج أنه يقع الطلاق لأنه أوقعه وجعل الخلاص والمخرج عنه المشيئة وأنها غير معلومة فلا يحصل الخلاف وصار كما لو قال: أنت طالق إلا أن يشاء زيد ولم يعلم مشيئته فإنه يقع الطلاق، والأقوى الأول.
انتهى كلامه.
وفيه إشكال يظهر بذكر شيء استدركه الرافعي في آخر المسألة فقال: ولتعلم أن قول القائل: أنت طالق إلا أن يشاء الله معناه إلا أن يشاء وقوع الطلاق، [وحينئذ فالطلاق معلق بعدم مشيئة الطلاق] 45 لا بمشيئة عدم الطلاق، وعدم مشيئة الطلاق تحصل بأن يشاء عدم الطلاق وبأن لا يشاء شيئًا أصلًا، وإنما لا يقع إذا شاء زيد أن يقع، وذكر بعضهم أن معناه أنت طالق إلا أن يشاء زيد أن لا تطلقي، والصحيح الأول.
انتهى كلامه.
وإذا علمت ذلك علمت أن اختلافهم في الحكم نشأ من اختلافهم في

الجزء: 7 - الصفحة: 352

تنزيل التعليق على أي شيء، وإذا كان كذلك فكيف يستقيم كما قاله الرافعي من جعل واحد من المعنيين دليلًا لقائله على القائل الآخر؟ وكان ينبغي أن يقدم ما أخره ويستدل على ما ذكره كل منهم من الخلاف المتأخر ثم يبني عليه الخلاف في الوقوع وعدمه.

قوله: ولو قال: أنت طالق إن لم يشأ زيد، أو إن لم يدخل الدار، أو إن لم يفعل كذا، فإن وجدت المشيئة أو غيرها مما علق عليه لم يقع الطلاق، وإن لم توجد وقع، وإن شككنا فوجهان سواء عبر بقوله إن لم يدخل كما ذكرناه أو بقوله إلا أن يدخل، أجاب الأكثرون بالوقوع حيث شككنا في الفعل المعلق عليه، واختار الإمام عدم الوقوع في الصورتين وهو أوجه وأقوى , انتهى.
وهذه المسألة -أعني مسألة الشك- قد اختلف فيها تصحيح النووي في "الروضة" فصحح هنا من زياداته عدم الوقوع وذكر مثله في آخر تعليق الطلاق، وصحح في أوائل كتاب الأيمان وفي أواخره عكسه وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى، والفتوى في ذلك على الوقوع فقد نص عليه الشافعي في "الأم" في السدس الأخير منها في باب الاستثناء في اليمين إلا أنه خص ذلك باليمين على الإثبات وأجاب في النافية بالعكس فقال ما نصه: قال الشافعي كذا وكذا إلا أن يشاء فلان لم يحنث إن شاء فلان، فإن مات فلان أو خرس أو غاب عنا معنى فلان حتي يمضي وقت يمينه حنث؛ لأنه إنما يخرجه من الحنث مشيئة فلان، ولو كانت المسألة بحالها وقال: والله لا أفعل كذا وكذا إلا أن يشاء فلان لم يفعل حتى يشاء فلان، وإن غاب عنا معنى فلان فلم يعرف شيئًا أو لم يشأ لم يفعل حتي يشاء فلان، وإن غاب فإن فعله لم أحنثه من قبل أن يمكن أن يكون قد شاء، هذا لفظه بحروفه ومن "الأم" نقلته وفي الفرق بين المسألتين نظر.

الجزء: 7 - الصفحة: 353

الباب الخامس في الشك في الطلاق

قوله: ولو قال: إن كان هذا الطائر غرابًا فعبدى حر، وقال الآخر: إن لم يكن كذلك فعبدى حر، واجتمع لأحدهما العبدان منع التصرف فيهما وأمر بتعيين العتق في أحدهما، وقيل يمتنع في الذي كان للآخر خاصة فلو باع أحدهما عبده ثم اشتر عبد صاحبه قال في "البسيط": لم أره مسطورًا، والقياس أنه ينفذ تصرفه في الثاني؛ لأن بيع الأول كواقعة انقضت وتصرفه في الثاني واقعة أخرى كما لو صلى إلى جهتين باجتهادين.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقل احتماله عن "البسيط" من جواز التصرف قد جزم به الماوردي فقال في "الحاوي": لو ابتاع كل منهما عبد الآخر ولم يتكاذبا جاز لكل منهما أن يتصرف في الذي اشتراه وجهًا واحدًا -أي وإن كان لا يجوز على وجه لو اجتمعا في ملكه-، وقال في "الروضة": أما على الوجه الثاني فيعتق عليه الثاني بلا شك، وأما على الطريقة الأخرى فيحتمل ما قاله في "البسيط" ويحتمل بقاء الحجر في الثاني قال: وهو الأقيس احتياطًا للعتق، قال: وقد ذكر في "الوسيط" احتمالين: أحدهما ما ذكره في "البسيط"، والثاني: عدم النفوذ فيه.
الأمر الثاني: أن القول بمنع التصرف في الثاني مخالف لما ذكره [الأصحاب في] 46 العتق فيما إذا كان عبد بين معسرين فقال أحدهما: إن كان هذا الطائر غرابًا فنصيبى حر، وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فنصيبي حر ولم يعلم الطائر ثم تبادلا إحدى الحصتين بالأخرى وصححنا مثل هذا

الجزء: 7 - الصفحة: 354

التبادل أن كلا منهما يتصرف فيما انتقل إليه كما كان يتصرف فيما نقله عنه، وهذا الاستشهاد ذكره ابن الرفعة، واستشكل جواز التبادل قال: لأنا نقطع بفساد أحد العوضين.

قوله: فرع: قال البوشنجي: ولو قال: أنت طالق بعدد كل شعرة على جسد إبليس فقياس مذهبنا أنه لا يقع شيء؛ لأنا لا ندرى عليه شعر أم لا؟ والأصل العدم، وعن بعض أصحاب أبي حنيفة وقوع طلقة.
انتهى.
والصواب هو الوقوع فقد جزم الرافعي في أوائل باب عدد الطلاق بأنه إذا قال: أنت طالق وزن درهم أو وزن ثلاثة أو عشرة ونحو ذلك وقعت عليه طلقة ومسألتنا أولى من تلك بالوقوع؛ لأن ربط الطلاق بالعدد ممكن من حيث الجملة بخلاف ربطه بالوزن، وقد رجح النووي أيضًا ما ذكرناه إلا أنه لم يستحضر هذا النقل الذي ذكرناه فقال: القياس المختار وقوع طلقة وليس هذا تعليقًا على صفة فيقال: شككنا فيها، بل هو يتخير طلاق وربط تعدده بشيء شككنا فيه فيوقع أصل الطلاق ويلغى العدد فإن الواحدة ليست، بعدد لأن أقل العدد إثنان.
هذا كلامه، والمتجه في مسألتنا إيقاع طلقتين؛ لأنه واقع عددًا والمتيقن منه اثنان وشككنا في الزائد.

قوله: ولو قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق وقال: نويت الأجنبية قبل قوله بيمينه على الصحيح، فلو قال: لم أنو واحدة منهما طلقت زوجته: قاله البغوي في فتاويه.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن البغوي يتجه أن يكون محله في ما إذا لم يصدر على الأجنبية طلاق منه أو من غيره، فإن كان قد وقع عليها ذلك لم يحكم بطلاق زوجته بما وقع منه، لأن الكلام الذي صدر منه صادق عليهما صدقًا واحدًا، والأصل بقاء الزوجية، وقد ذكر في العتق قبيل

الجزء: 7 - الصفحة: 355

الكلام على الولاء ما يقوى ما قلناه فقال: إذا عتق عبدًا ثم قال له ولعبد آخر له: أحدكما حر لم يقبض ذلك عتق الآخر.
هذا كلامه، فاقتضى أن لا يقع عليه به شيء عند الإطلاق.
الأمر الثاني: أن الماوردي أيضًا قد جزم بما نقل عن البغوي فإنه قال ولو قال: إحداكما طالق فكان قد نكح إحداهما نكاحًا صحيحًا والأخرى فاسدًا فإن كان الطلاق مرسلًا غير معين وقع على المنكوحة نكاحًا صحيحًا، وإذا كان الطلاق ينصرف هنا إلى الزوجة مع صحة إرادة من لها شبهة نكاح ففي الأجنبية أولى، لكن قال ابن الرفعة أن كلام الغزالي يقتضي أنه لو لم يرد شيئًا لم ينصرف إلى الزوجة بل تراجع.

قوله: ولو نكح امرأة نكاحًا فاسدًا وأخرى نكاحًا صحيحًا فقال لهما: إحداكما طالق، وقال: أردت فاسدة النكاح فيمكن أن يقال: إن قبلنا التفسير بالأجنبية فهذه أولى وإلا فوجهان.
انتهى.
وما ذكره من احتمال قبول إرادة الأجنبية قد جزم به الماوردي في "الحاوي" فقال: إذا قال: إحداكما طالق وكان قد نكح إحداهما فاسدًا والأخرى صحيحًا فإن كان الطلاق مرسلًا غير معين وقع على المنكوحة نكاحًا صحيحًا، وإن تبين أنه أراد التي نكحها نكاحًا فاسدًا قبل منه.
انتهى.

قوله: فيما إذا طلق إحداهما بعينها ثم نسيها أولا بعينها بأن أبهم الطلاق فيجب عليه التعيين أو التبيين على الفور فإن أخر عصى.
انتهى.
وظاهره أنه لو استمهل لا يمهل لكن قال ابن الرفعة: إنه لو استمهل أمهل فإن الروياني قال في المسلم على أكثر من أربع يمهل إذا استمهل ثلاثة أيام، وما قاله ابن الرفعة ينبغي أن يكون محله إذا طلق ثم نسى أو أبهم، أما إذا عين ولم يدع النسيان فلا وجه للإمهال.

الجزء: 7 - الصفحة: 356

قوله: فإن امتنع حبس وعزر، ظاهره أنه يجمع بين نوعي تعزير من الحبس وغيره وهو مخالف لما سيأتي في كتاب التعازير في آخر المسألة، ولو أبهم طلقة رجعية فهل يلزمه أن يبين أو يعين في الحال؟ وجهان حكاهما الإمام: أحدهما، نعم لحصول التحريم، وأصحهما: لا لأن الرجعية زوجة.
انتهى.
وما ذكره من عدم وجوب التعيين أو التبيين ينبغي أن يكون محله إذا كانت العدة قائمة، أما إذا انقضت العدة فإنه يطالب بحصول البينونة وانتفاء الزوجية.

قوله: وإذا طلق واحدة لا بعينها فهل يقع الطلاق من حين التلفظ أو من حين التعيين؟ فيه وجهان: رجح مرجحون الثاني، منهم الشيخ أبو علي وقال: إنه ظاهر المذهب، وذهب الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والروياني وغيرهم إلى ترجيح الأول والنفس إلى قبوله أسرع، انتهى ملخصًا.
والراجح الأول فقد قال في "المحرر": إنه أقرب الوجهين، وفي "الروضة": إنه الصواب.

قوله: ولو ماتتا أو ماتت إحداهما بقيت المطالبة بالتعيين لبيان حكم الميراث، وحينئذ فإن أوقعنا الطلاق باللفظ فذاك وإن أوقعناه بالتعيين فلا سبيل إلى إيقاع طلاق بعد الموت ولابد من استناده للضرورة، وإلى ما يسند؟ وجهان: أصحهما عند الإمام: إلى وقت اللفظ فيرتفع الخلاف.
وأرجحهما عند الغزالي: إلى قُبيل الموت.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الجزم بالوقوع على القول بإيقاعه بالتعيين أيضًا قد خالفه في نظيره من العتق فجزم بأنه لا يقع، وسوف أذكر لفظه في موضعه وهو

الجزء: 7 - الصفحة: 357

في أثناء الخاصة الرابعة من خواص العتق فراجعه، ووقع الموضعان في "الروضة" كذلك.

قوله: وإن لم ينو واحدة بعينها فهل يكون الوطء تعيينًا؟ فيه وجهان وقيل قولان: أحدهما: أنه يكون تعيينا وبه قال المزني وأبو إسحاق وأبو الحسن الماسرجسي، ورجحه ابن كج.
والثاني: لا يكون وبه قال ابن أبى هريرة، قال في "الشامل" و"التتمة": إنه ظاهر المذهب.
انتهى ملخصًا.
لم يصحح شيئًا في "الشرح الصغير" أيضًا، ورجح في "المحرر" أنه لا يكون تعيينًا وعبر بالأظهر، وقال في "الروضة" من "زوائده": إنه المختار، وفي "الشامل": إنه ظاهر نص الشافعي.

قوله في آخر المسألة: ولما أطلق الجمهور بالمنع منهما جميعًا أشعر ذلك بأن الأصح عندهم أنه ليس بتعيين.
انتهى.
وما ذكره قد نازع فيه ابن الرفعة وقال: لا يلزم من كونه تعيينًا أن يكون حلالًا؛ لأن ابتداء الوطء من المقدمات، وقد منعوه منها، قال: ويحتمل أن يقال: إذا حصل التغييب بجميع الحشفة تبينا أن ابتداء الإيلاج كان جائزًا بطريق الانعطاف على ما مضى.

قوله: ولو قال: أردت هذه ثم هذه أو هذه فهذه، قال القاضي الحسين وصاحباه المتولى والبغوي: تطلق الأولى دون الثانية لاقتضاء الحرفين الترتيب، وحكى الإمام هذا عن القاضي واعترض بأنه اعترف بطلاق الثانية أيضًا فليكن كقوله هذه وهذه, والحق هو الاعتراض.
انتهى.
والمتجه من جهة البحث هو المنقول لا الاعتراض، وقد رجحه أيضًا في "الروضة" فقال: إنه الأظهر.

الجزء: 7 - الصفحة: 358

قوله: ولو قال: وهن ثلاث أردت أو طلقت هذه بل هذه أو هذه، طلقت الأولى وإحدى الأخريين ويؤمر بالبيان، وإن قال هذه أو هذه، بل هذه طلقت الأخيرة وإحدى الأوليين ويؤمر بالبيان، ثم قال عقبه من غير فاصل ما نصه: ولو قال هذه وهذه أو هذه نظر إن فصل الثالثة عن الأوليين بوقفة أو بنغمة أو أداء فالطلاق مردد بين الأوليين وبين الثالثة وحدها وعليه البيان، فإن بين في الثالثة طلقت وحدها، فإن بين في الأوليين أو إحداهما طلقتا -لأنه جمع بينهما بالواو العاطفة فلا يفترقان، وإن فصل الثانية عن الأولى طلقت وحدها وإن بين في الأخيرتين أو إحداهما طلقتا جميعًا وإن سرد الكلام ولم يفصل احتمل كون الثالثة مفصولة عنهما واحتمل كونها مضمومة إلى الثانية مفصولة عن الأولى فيسأل ويعمل بما أظهر إرادته.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن جميع ما ذكره في ما إذا فصل الثانية عن الأولى غلط عجيب تبعه عليه في "الروضة"، فأما قوله تردد الطلاق بين الأولى وإحدى الأخريين فصوابه أن يقول: طلقت الأولى وتردد الطلاق بين الأخرتين، لأن كلامه فيما إذا عطف الثانية بالواو والثالثة بأو، وقد ذكر بعده في ما إذا عكس فقدم لفظه أو نظير ما ذكرته فقال: طلقت الأخرى وتردد الطلاق بين إحدى الأولتين.
وأما قوله فإن بين في الأولى طلقت وحدها فالغلط فيه من وجهين: أحدهما: أن الأولى لا تحتاج إلى بيان.
والثاني: أن الطلاق لا يقع عليها وحدها، بل لابد معها من إحدى الأخريين.
وأما قوله فإن بين في الأخريين أو إحداهما طلقتا، فإن الذي ذكره في

الجزء: 7 - الصفحة: 359

إحداهما غلط، بل إذا بين فيها اقتصر الطلاق عليها مع الأولى، واعلم أن هذه الأغاليط المذكورة كما أنها لا تستقيم في القسم الذي يتكلم فيه لا يستقيم أيضًا مجموعها في شيء من الأقسام.
الأمر الثاني: أنه قد وقع في نسخ "الروضة" إسقاط الثالثة المعطوفة "بأو"، فقال: ولو قال هذه وهذه نظر.
. . . إلى آخره.
وكذلك في كثير من نسخ الرافعي وهو غلط فإن كلامه فيما إذا كن ثلاثًا.

قوله: ولو طلق إحداهما ثم مات الزوج قبل البيان أو ماتتا ثم مات الزوج فهل يقوم الوارث مقامه؟ فيه أقوال: أظهرها: أنه يقوم في الطلاق المعين دون المبهم وإذا لم يقم مقامه فإن مات الزوج قبلهما وقف ميراث زوجة بينهما حتي يصطلحا أو يصطلح ورثتهما بعد موتهما، وإن ماتتا قبل موت الزوج وقف من تركتهما ميراث زوج، وإن توسط موته بينهما وقف من تركة لأولى ميراث زوج ومن تركة الزوج ميراث زوجة حتى يحصل الاصطلاح.
انتهى ملخصًا.
وحكم الوقف للزوجتين ما إذا تحققنا أن كل واحدة منهما، فإن لم نتحقق بأن كانت إحداهما كتابية ففي الوقف وجهان: أصحهما وهو المنصوص: لا يوقف شيء للزوجات، بل يقسم كل التركة بين باقي الورثة لأن استحقاق الزوجين غير معلوم لاحتمال أنها الكتابية.
والثاني: يوقف لأن استحقاق باقي الورثة قدر نصيب الزوجات غير معلوم، هكذا صرح الرافعي بالمسألة في نكاح المشركات ومثل بهذا المثال ومثله ما لو كانت إحداهما أمة أو غيرها ممن قام به مانع، وكذلك يأتي أيضًا هذا الخلاف في وقف نصيب إحداهما للزوج.
واعلم أن الاصطلاح لابد فيه من التصريح بالتواهب كما سبق إيضاحه في كتاب الفرائض في الكلام في ميراث الخنثى وإذا كان في الزوجات محجور عليها فلا ينقض ولها في المصالحة عن ما في يدها ظاهرًا، ففي

الجزء: 7 - الصفحة: 360

الزوجين لا ينقص عن النصف، وفي الثلاث لا ينقص عن الثلث كما أوضحه الرافعي في نظيره من نكاح المشركات فاستحضر ذلك هنا والله أعلم.

قوله: ولو قال: إن كان هذا الطائر غرابًا فعبدى حر، فإن لم يكن فزوجتي طالق، وأشكل الحال ومات الزوج قبل البيان فلا يقوم الوارث مقامه على المذهب فإنه قد يخبر بالحنث في الطلاق ليرق العبد ويسقط إرث الزوجة، قال السرخسي في "الأمالي": هذا الخلاف إذا قال الوارث حنث مورثي في الزوجة فإن عكس فيقبل قطعًا لإضراره نفسه وهذا حسن.
انتهى.
زاد في "الروضة" فقال: قد قال به أيضًا غير السرخسي وهو متعين.
هذا كلامه، وما ذكره السرخسي من الاتفاق على القبول وتصريح الرافعي والروياني بموافقته باطل نقلًا ومعنى، وأما النقل فلأن مقتضى كلام الأصحاب يخالفه، ولهذا نقله ابن يونس شارح "التنبيه" عن بعض المتأخرين، وقال ابن الرفعة في "الكفاية": إن هذه المقالة تلائم كلامًا ذكره الشيخ أبو حامد في نظير المسألة وطريقة الإطلاق تلائم كلامًا ذكره القاضي أبو الطيب.
وأما بطلانه من جهة المعنى فيتضح بالكلام على القسمين فنقول: أما القسم الأول: وهو ما إذا أقر بالطلاق فلا شك أن العبد لا يعتق، ولكن قد يرث الزوج منها كما تقدم وهو واضح، وقد ترث المرأة من الزوج بأن يكون الطلاق الواقع رجعيًا وبموت الزوج في العدة، وقد لا يرث أحدهما من الآخر كما إذا كانت المرأة رقيقة أو كافرة أو كان الطلاق بائنًا أو رجعيًا ولكن مات الزوج بعد انقضاء العدة، ثم إن الإرث قد يزيد على قيمة العبد.
القسم الثاني: أن يقر بالحنث في العتق وأن الطلاق لم يقع فقد ترث المرأة من الزوج وهو واضح ويحصل للوارث الضرر من جهة إرث المرأة

الجزء: 7 - الصفحة: 361

وفوات الرقبة ولكن لو كان قد قتله قاتل فإنه يأخذ منه دية الأحرار مع أنها قد تزيد على القيمة وعلى حصتها من الإرث فيكون منهما في ذلك، وقد لا ترث المرأة من الزوج كما إذا طلقها بعد ذلك طلاقًا بائنًا، لاسيما وقد يقتل العبد كما سبق فيأخذ الوارث بهذا الاعتراف دية الأحرار، وقد لا يرث أحدهما من الآخر وهو معلوم مما سبق، وإذا استحضرت جميع ما قلناه علمت أن كل واحد من هذه الأقسام قد يكون فيه تهمة وقد لا يكون فبطل ما وقع في الرافعي و"الروضة" من دعوى الاتفاق على قبول العكس استنادًا إلى عدم التهمة ويبقى النظر في أنا هل نقبله مطلقًا كما أطلقه الأصحاب أو نرده في كل صورة تحصل فيها تهمة دون ما عداها؟ يتجه تخريجه على إقرار الخنثى بالذكورة أو الأنوثة في محل التهمة وفيه اضطراب نبهت عليه، وعلى ما عليه الفتوى في موضعه وهو باب الأحداث فراجعه.

قوله في المسألة: فإن لم يعتبر قول الوارث، أو قال: لا أعلم أقرعنا بين العبد والمرأة فإن خرجت القرعة على العبد عتق، وإن خرجت على المرأة لم تطلق، وهل يرق العبد؟ وجهان: أصحهما: لا لأن القرعة لم تؤثر في ما خرجت عليه فغيره كذلك فعلى هذا يبقي الإبهام كما كان، وقيل لا نزال نعيد القرعة حتى تخرج على العبد.
قال الإمام: وعندي يجب إخرج القائل به من أحزاب الفقهاء ومن قال به فليقطع بعتق العبد وليترك تضييع الزمان في إخرج القرعة، وهذا قويم، لكن الحناطي حكى الوجه عن ابن أبي هريرة، وهو في الفقهاء، زعيم عظيم فلا يتأتى إخراجه عن أحزابهم.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ابن أبي هريرة قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وليس كذلك، فقد رأيته في تعليقه الذي علقه عنه أبو على الطبري الجزم بمقالة غيره، ولم يذكر هذه بالكلية لا عنه ولا عن غيره.

الجزء: 7 - الصفحة: 362

قوله نقلًا عن أبى العباس الروياني: لو كانت له امرأتان فقال مشيرًا إلى إحداهما: امرأتى طالق وقال: أردت الأخرى فهل تطلق الأخرى وتبطل الإشارة أم تطلقان معًا؟ وجهان.
انتهى.
قال في "الروضة" الأرجح الأول.

قوله نقلًا عن البوشنجي: وأنه لو جلست نسوته الأربع صفًا فقال: الوسطى منكن طالق، فوجهان: أحدهما: لا يقع شيء، إذ لا وسطى.
والثاني: يقع على الوسطيين؛ لأن الاتحاد ليس شرط في وقوع اسم الوسطى.
انتهى كلامه.
والصواب في هذه المسألة خلاف الوجهين جميعًا بل يقع الطلاق على واحدة من الوسطيين ويعينها الزوج، فقد نص الشافعي على أن هذا هو مدلول الوسط فقال في "الأم" في باب من أبواب الكتابة في باب الوصية للمكاتب في الكلام على الوصية له بأوسط النجوم ما نصه: ولو كانت عليه أربعة أنجم فأرادوا وضع الأوسط من النجوم المؤجلة وضعوا عنه أى النجمين شاؤوا الثاني أو الثالث؛ لأن ليس منهما واحد أولى باسم الأوسط من الآخر، وذكر أيضًا بعده فيما إذا قال: ضعوا عنه أوسط نجومه عددًا مثله أيضًا، وقد حكى الرافعي في مسألة النجوم عن ابن الصباغ التخيير وعن "التهذيب" أنه كلاهما وحاول ترجيحه ولم يطلع على نص الشافعي في المسألة وقد تفقه النووي هنا تفقهًا جيدًا وافق النص فقال: قلت: كلا الوجهين ضعيف والمختار وجه ثالث وهو أنه يطلق واحدة من الوسطيين ويعينها الزوج: لأن موضوع الوسطى لواحدة فلا يزاد.
والله أعلم.

الجزء: 7 - الصفحة: 363

قال -رحمه الله-:

الشرط الثاني من الكتاب في التعليقات

وفيه فصول:

الفصل الأول في التعليق بالأوقات

قوله: ولو علق طلاقها بصفة ثم قال: عجلت تلك الطلقة المعلقة لم تتعجل لتعلقها بذلك الوقت المستقبل، وفيه وجه آخر عن رواية الشيخ أبى على وغيره، وإذا قلنا: لا تتعجل فأطلق ثم قال: عجلت لك الطلاق سألناه فإن قال: أردت تلك الطلقة صدقناه بيمينه، ولم يتعجل شيء، وإن أراد طلاقًا مبتدأ وقع في الحال طلقة، انتهى كلامه.
تبعه عليه في "الروضة" وزاد عليه فقال في أواخر الكلام: فإن لم يكن له نية لم تقع في الحال شيء، والله أعلم.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الخلاف الذي ذكره يقتضي أن محله في أصل وقوع الطلاق حتى لا يقع شيء بالكلية على الصحيح، ويدل على ذلك أيضًا ما ذكره في آخر كلامه خصوصًا ما ذكره النووي من "زوائده" وليس الأمر كما اقتضاه كلامهما، بل تقع في الحال طلقة جزمًا، وإنما محل الخلاف في أنه هل يقع مع ذلك طلقة أخرى عند وجود الصفة أم لا؟ وقد ذكره الإمام في موضعين: أحدهما: قبل كتاب الرجعة بنحو ثلاثة أوراق ونقله عن الشيخ أبى على، كما نقله الرافعي ولا شك أن الرافعي إنما نقله عن الإمام.

الجزء: 7 - الصفحة: 364

والموضع الثاني: في كتاب الخلع بعد أوله [بدون] 47 كراس واحد فقال: وإذا علق طلقة واحدة وهو يملك الثلاث، ثم قال: نجزت تلك الطلقة التي علقتها ينجز الطلاق لا محالة.
هذا لفظه، وصرح به أيضًا القاضي الحسين في "تعليقه" فيما إذا كان التعليق على دخول الدار ونحوه فقال: فأما إذا قال إذا دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال: عجلت ذلك الطلاق الآن وقع الطلاق، فإذا دخلت الدار وقعت طلقة أخرى، قال بخلاف ما إذا قال إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، ثم قال: عجلت تلك الصفة الآن فإنه يقع الآن ولا يقع في آخره عند مجئ أول الشهر.
انتهى.
وقال في فتاويه أيضًا: مسألة: إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: عجلت تلك الطلقة لا يتعجل، لأن كلمة إن للشرط ولم يوجد، فأما إذا قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: عجلت تلك الطلقة تتعجل الآن؛ لأن إذا للوقت وقد انتظم من مجموع ذلك خلاف في بقاء التعليق وانحلاله ووقوع الطلاق مع بقائه وعدم وقوعه فحيث قلنا بانحلال اليمين وقعت طلقة لا محالة وحيث قلنا ببقائه، فقال الفورانى في "الإبانة": تقع طلقة عند وجود التعليق وطلقة في الحال وذهب إليه أيضًا القاضي كما سبق نقله عن التعليق والفتاوي وابن خلف وابن الصباغ، وحمل عليه نص الشافعي - رضي الله عنه - حيث قال في "الإملاء": لو قال لامرأته: أنت طالق إلى شهر، ثم قال: أنت طالق تلك الطلقة الساعة لم يلزمه إلا واحدة إن كان أراد أني عجلتها الآن قبل الشهر، وإن لم يكن أراد به طلقات الآن طلقة وطلقت في الشهر.
انتهى.
ثِم قال: وهل يَنْحَلّ التعليق بشيء على أنه إذا علق الثلاث ثم نجزها فهل ينحَلّ تعليقه حتى لا يقع الثلاث في نكاح آخر أم لا؟ فإن قلنا: لا ينحل فلا معنى لحله بالجهة التي ذكرها، وإن قلنا: ينحل عند استيفاء الثلاث فإذا علق واحدة ثم نجز واحدة وزعم أنها التى علقها ففي انحلال

الجزء: 7 - الصفحة: 365

التعليق وجهان، ووجه الانحلال بين، ووجه مقابله أنه ليس متعلقًا بطلقة معينة، ولا خلاف أنه لو علق طلقة ثم نجز طلقة مطلقة فإن التعليق لا ينحل؛ لأن فك التعليق ليس إليه.
انتهى كلامه ملخصًا.
وفيه فوائد.

قوله: ولو عقب لفظ الطلاق بحرف شرط فقال: أنت طالق إن فمنعه غيره من الكلام بأن وضع يده على فيه، ثم قال: أردت أن أعلق على شرط كذا صدق بيمينه وإنما حلفناه لاحتمال أنه أراد التعليق على شيء حاصل كقوله: إن كانت فعلت كذا وقد فعله، ولو قطع الكلام مختارًا حكم بوقوع الطلاق.
انتهى كلامه.
وما ذكره من الوقوع عند القطع مختارًا قد سبق منه في أوائل باب تعدد الطلاق ما يخالفه وسبق ذكر لفظه هناك وتبعه النووي على الموضعين فراجعه.

قوله: ولو حذف الفاء فقال: إن دخلت الدار أنت طالق قد أطلق البغوي وغيره أنه تعليق، وقال البوشنجي: يسأل فإن قال: أردت التخيير حكم به، وإن قال: أردت التعليق أو تعذرت المراجعة حمل على التعليق.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا والصواب أنه إن كان عارفًا بالعربية وقع الآن على جعل إن نافية كما سيأتي إيضاحه، ويدل عليه كلامهم في ما إذا فتح أن التي ظاهرها الشرط وإن كان جاهلًا لم يقع شيء.

قوله: ولو قال: إن دخلت الدار وأنت طالق بالواو، قال البغوي: إذا قال: أردت التعليق قبل أو التنجيز وقع، وإن قال: أردت جعل الدخول وطلاقها شرطين لعتق أو طلاق قبل.
قال البوشنجي: فإن لم يقصد شيئًا طلقت في الحال وألغيت الواو، كما لو قال ابتداء: وأنت طالق.
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 366

قال في "الروضة": المختار أنه عند الإطلاق تعليق بدخول الدار إن كان قائله لا يعرف العربية، وإن عرفها فلا يكون تعليقًا ولا عبرة إلا بالنية لأنه غير مفيد عنده، وأما العامي فيطلقه للتعليق ويفهم منه التعليق، قال: وما قاله البوشنجي فاسد حكمًا ودليلًا وليس كالمقيس عليه.
انتهى.
وما ذكره النووي من أن مقالة البوشنجي فاسدة فمسلم، وأما قوله في عارف العربية أنه غير مقيد عنده فعجيب بل هو صحيح على جعل إن نافية وهو كثير في القرآن، وحينئذ فيحتمل أن تكون الواو هاهنا بعدها واو الحال فلا يقع أو واو العطف فيقع فيسأل فإن أراد الأول فلا شيء، وإن أراد الثاني وقع الطلاق نواه أم لا اكتفاء بنية العطف، فإن تعذرت مراجعته بموت أو غيره لم يقع شيء لجواز إرادة الحال، ثم إنه أهمل قسمًا آخر وهو ما إذا جهلنا حاله فلم ندر أنه ممن يحسن العربية أم لا؟ والمتجه عدم الوقوع فيه عند تعذر المراجعة، وقد أوضحت ذلك كله في كتابنا المسمى "بالكواكب" فراجعه.

قوله: ثم الكلام في صورتين إحداهما: لو قال: أنت طالق في آخر شهر كذا فوجهان: أحدهما: يقع في آخر جزء من الشهر فإنه الآخر المطلق.
والثاني: يقع في أول جزء من ليلة السادس عشر؛ لأن النصف الثاني كله آخر الشهر، وفي "التهذيب" وجه ثالث: وهو أنه يقع في أول اليوم الأخير حملًا للآخر على اليوم الآخر، وإيراده يقتضي ترجيحه.
انتهى.
والأصح هو الوجه الأول فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير" و"المحرر": إنه أظهر الوجهين، وصححه النووي في "الروضة" ولم ينبه فيها على أنه من زياداته، بل أدخله في كلام الرافعي فتفطن له فإنه غريب.

الجزء: 7 - الصفحة: 367

قوله: الثانية: إذا قال: أنت طالق في سلخ الشهر، ففيه وجوه: أحدها: أنه يقع في آخر جزء من الشهر؛ لأن الانسلاخ يحصل به وهو ما أجاب به الشيخ أبو حامد ورجحه الغزالي.
والثاني: يقع في أول اليوم الأخير وهو المذكور في "التتمة" و"التهذيب" وعن رواية صاحب "التقريب" وجه أنه يقع بمضى أول جزء من الشهر فإنه يأخذ في الانسلاخ من حينئذ، قال الإمام: اسم السلخ يقع على الثلاثة الأخيرة كما تقع الغرة على الثلاثة الأول فيحتمل أن يقع في أول جزء من الأيام الثلاثة.
انتهى.
والصحيح هو الأول فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه الأظهر، والنووي من "زوائده": إنه الصواب، ولم يذكر المسألة في "المحرر".

قوله: ولو قال بالنهار: إذا مضى يوم فأنت طالق طلقت إذا جاء مثل ذلك الوقت من اليوم الثاني هكذا أطلقوه، ولكن فيه تلفيق اليوم من البعضين المفرقين، وقد سبق في الاعتكاف أنه لو نذر أن يعتكف يومًا لم يجز تفريق الساعات في أصح الوجهين.
انتهى كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- من محاولة جريان الوجهين غلط حصل من ذهول عما قرره في الاعتكاف، وذلك أن الزمان المنذور ليس محمولًا على الزمان المتصل بالنذر، بل يجوز للناذر تأخيره عنه وفعله في أى وقت أراد ما لم يلتزم زمنًا معينًا كقوله من هذا الوقت وشبهه، وأما التعليق فلا خلاف أنه محمول عند الإطلاق على أول الأزمنة المتصلة به فنظير مسألتنا من النذر أن يقول يومًا من هذا الوقت، ولو قال ذلك لجاز فيه التفريق بلا خلاف، وقد توهم النووي أيضًا صحة هذا البحث فأشار إليه بقوله هكذا أطلقوه ولم يذكر المستند.

الجزء: 7 - الصفحة: 368

قوله: ولو قال: إذا مضى شهر فأنت طالق، لم يقع حتى يمضى شهر كامل، فإن اتفق قوله في ابتداء الهلال طلقت بمضيه تامًا أو ناقصًا، وإلا فإن قاله ليلًا طلقت إذا مضى ثلاثون يومًا ومن ليلة الحادي والثلاثين بقدر ما كان سبق من ليلة التعليق، [وإن قاله نهارًا كمل من اليوم الحادي والثلاثين بعد التعليق] 48. انتهى كلامه.
وما أطلقه من تتميم الثلاثين عند الانكسار تبعه عليه في "الروضة" أيضًا ومحله إذا كان ذلك في غير اليوم الأخير، فإن عقد فيه وحصل بعده شهر هلالي فالصواب الذي قاله صاحب "التتمة" وغيره: أنه يكفي، كذا ذكره الرافعي في كتاب السلم.

قوله: ولو قال: إذا مضت سنة فأنت طالق وانكسر الشهر الأول كملناه بعد مضي أحد عشر شهرًا وأشار الإمام إلى أن تصوير عدم الانكسار عسير، لكن يظهر تقريبه بما إذا قال: إذا مضت من أول رمضان سنة فأنت طالق، ثم قال: فلو شك في ما كان قد مضى من الأول لم يقع الطلاق إلا باليقين، وذكر الحناطي في حِلّ الوطء في حال التردد وجهين.
انتهى.
والأصح كما قاله في "الروضة" من "زوائده" هو الحِلّ.

قوله: وإذا علق الطلاق بصفة مستحيلة عرفًا كقوله: إن طرت أو صعدت السماء أو حملت الجبل فأنت طالق، أو عقلًا كقوله: إن أحييت ميتًا، أو إن اجتمع السواد والبياض، أو شرعًا كقوله: إن نسخ صوم رمضان لم يقع الطلاق في الأصح.
والثاني: يقع مطلقًا.
والثالث: يقع في العقلى والشرعى دون العرفي.
انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي قد ذكر في كتاب الأيمان أنه إذا حلف لا يصعد السماء فإن يمينه لا ينعقد في أصح الوجهين، وذكر نحوه في ما إذا حلف

الجزء: 7 - الصفحة: 369

لا يشرب ماء النهر فشرب فإنه صحح أنه لا يحنث، ثم نقل عن القاضي أبى الطيب أنه قال: ينبغي على هذا أن يقال: لا ينعقد يمينه، كما لو حلف لا يصعد السماء، وإذا علمت ذلك فقياس ما يجيء فيه أن يقال: لا ينعقد اليمين في الأشياء التي ذكرها أيضًا حتى لا حنث بها الحالف على الحلف، ويكون قول الأصحاب اليمين إما حنث أو منع أو تصديق محمولًا على ما إذا كان الحلف على الأشياء الممكنة، وقد ذكر الرافعي هذه القاعدة في أول هذا الفصل وأطلقها فتفطن لذلك.

قوله: الثانية: إذا قال: أنت طالق أمس، وقال: أردت أنى طلقتها في الشهر الماضي وبانت [مني ثم جددت النكاح، أو أن زوجًا آخر طلقها في نكاح سابق وبانت] 49 منه فنكحتها، قال الأصحاب: ينظر إن عرف نكاح سابق وطلاق سابق، وأقام على ذلك بينة وصدقته في إرادته فذاك، وإن كذبته وقالت: لم ترد ذلك وإنما أردت إنشاء الطلاق الآن فيحلف، قالوا: ويحالف هذا ما إذا [قال] 50 طلقها في هذا النكاح حيث يصدق ولا يطالب بالبينة؛ لأنه معترف هناك بطلاق في هذا النكاح وهاهنا يريد صرف الطلاق عن هذا النكاح، وإن لم يُعرف نكاح سابق وطلاق في ذلك النكاح، فإن كان محتملًا فينبغي أن يقبل التفسير به، وإن لم يقم بينة وأن لا يقع الطلاق وإن كان كاذبًا ألا ترى أنه لو ابتدأ فقال: طلقك في الشهر الماضي زوج غيرى لا يحكم بوقوع طلاقه وإن كذب.
انتهى كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- في القسم الثاني وهو ما إذا لم يعرف ما ادعاه من كونه ينبغي القبول تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو يقتضي أن المسألة ليست مصرحًا بها للأصحاب وأن الحكم فيها ما ذكره بحثًا، وليس كذلك بل الأصحاب مصرحون بالمسألة وقائلون بعدم القبول، والمذكور هنا

الجزء: 7 - الصفحة: 370

إنما هو بحث للإمام فاعلمه، والمسألة مذكورة في "النهاية" على الصواب فنقلها الرافعي منها فأسقط موضع الحاجة، فإن الإمام قد قال ما نصه: إن أقام بينة قبل يمينه فإن اتهم حلف، وإن لم يمكنه أن يثبت ذلك لم يقبل منه ويحكم بانتجاز الطلاق، هكذا قال الأصحاب، وفي القلب من هذا شيء فإن اللفظ إذا كان محتملًا، وهو صاحب اللفظ والإرادة فإذا فسر لفظه بممكن لم يبعد قبوله ثم يكذب في إخباره، وإن كنا نجعل المسألة على وجهين في ما لو فسر لفظه بمحال وهو إسناد الوقوع إلى ما مضى حتى نقول في وجه: لا يقع فلا يبعد أن ينزل لفظه إذا فسره بالإقرار منزلة ما لو ابتدأ فقال: طلقك في الشهر الماضي زوج غيري، وهذا لا يوجب وقوع الطلاق منه وإن كان كاذبًا هذا كلام الإمام، وأسقط الرافعي منه منقول الأصحاب وأبقى منه ما يوهم أن الحكم ما ذكره، وقد ذكره في "الشرح الصغير" على الصواب فقال: وإن لم يُعرف نكاح سابق وطلاق ولم يقم عليه بينة حكم بوقوع الطلاق في الحال.
وقال الإمام: ينبغي أن يقبل التفسير به هذه عبارته وجزم في "المحرر" بأنه لا يقبل ولم يذكر فيه توقفًا وقد صرح أيضًا بما نقله الإمام جماعة منهم البغوي في "تهذيبه"، وقد تبين لك أن الحكم بخلاف المذكور هنا وفي "الروضة" فاعلمه واحمد الله على تيسيره وتيسير أمثاله.

قوله: ولو قال: أنت طالق للشهر الماضي، ففي "المجرد" للقاضي أبى الطيب أنه يقع الطلاق في الحال بلا خلاف كما لو قال لرضى فلان، لكن الكلام في مثل ذلك يستعمل للتاريخ، واللفظ محتمل للمعاني المذكورة في قوله في الشهر الماضي.
انتهى.
والذي بحثه الرافعي قد جزم به ابن داوود في شرحه "للمختصر" وزاد عليه قسمًا أخر فقال: إن أراد باللام الوقت فكما لو قال في الشهر

الجزء: 7 - الصفحة: 371

الماضى وإن أراد التعليل وقع ولم يتعرض لحالة الإطلاق.

قوله في أصل "الروضة": التاسعة: قال: إذا مات فلان أو إذا قدم فلان فأنت طالق قبله بشهر، أو قال: أنت طالق قبل أن أضربك بشهر، نظر إن مات فلان أو قدم أو ضربها قبل مضى شهر من وقت التعليق لم يقع الطلاق، وقيل: يقع عند الضرب، والصحيح الأول وبه قطع الجمهور.
انتهى كلامه.
وما ذكره من اختصاص الوجه بالضرب غلط عجيب، فإن الرافعي حكاه في الجميع إلا أنه حكاه عن الشيخ في "المهذب" والشيخ إنما حكاه في القدوم، وأما في التعليق على الموت فجزم بمقالة الجمهور وسكت عن التعليق على الضرب فلم يذكره بالكلية فحصل للرافعي غلط فيما نقله عن "المهذب"، ثم حصل للنووي غلط آخر فيما نقله [عن الرافعى وهو أفحش من غلط الرافعى إلا أن الرافعى بعد نقله] 51 في الجميع في أثناء الاستدلال مثل بالقدوم على وفق ما حكاه الشيخ.

قوله في المسالة: فإن مات أو قدم أو ضرب بعد مضى شهر من وقت التعليق تبينا وقوع الطلاق قبله بشهر.
انتهى.
وما جزم به من الاكتفاء بالشهر في الوقوع تبعه عليه في "الروضة"، لكن جزم في "المهذب" في التعليق على الموت بأنه لابد من زيادة لحظة على الشهر ليقع الطلاق فيها إلا أنه صور ذلك في التعليق على موت نفسه، ولم يذكره في التعليق على القدوم ولا فرق بينهما، وقد جزم به في القدوم أيضًا ابن الصباغ أيضًا في "الشامل" والمحاملي في "المجموع" والبندنيجي في "تعليقه" وغيرهم.

قوله: ولو قال: أنت طالق اليوم أو غدًا، فوجهان: الصحيح: لا يقع إلا في الغد؛ لأنه اليقين.

الجزء: 7 - الصفحة: 372

والثاني: يقع في الحال تغليبًا للإيقاع.
انتهى.
وقد وقع في الرافعي مسائل متشابهة في المدرك وبعضها كالمعارض لبعض فقال في آخر هذا الفصل: قال: أنت طالق غدًا أو عبدى حر بعد غد، قال البوشنجي: يؤمر بالتعيين، وقال في أخر عدد الطلاق في فتاوي القفال: لو قال: طلقتك واحدة أو اثنتين على سبيل الإنشاء فيختار ما شاء من واحدة أو اثنتين وقال في آخر تعليق الطلاق نقلًا عن البوشنجي: وأنه لو قال إن دخلت الدار فعبدى حر أو كلمت فلانًا فامرأتي طالق سألناه لنتبين أي اليمينين أراد فما أراد تقرر.
وقال في آخر الباب الثالث من أبواب الأيمان: وفي "الإقناع" للماوردي أنه لو قال: لا أكلت خبزًا أو لحمًا فرجع إلى مراده منهما فيتعلق به اليمين.

قوله: ولو قال: أنت طالق اليوم إذا جاء الغد فوجهان: أحدهما عن ابن سريج وصاحب "التقريب": لا تطلق.
والثاني: تطلق.
انتهى.
والأصح هو الأول، كذا جزم به صاحب "التنبيه" وصححه في "الروضة" من زوائده.

قوله: ولو قال أنت طالق ثلاثًا في ثلاثة أيام، أو في كل يوم طلقة نظر إن قاله بالنهار وقعت في الحال طلقة وبطلوع الفجر في اليوم الثاني أخرى وبطلوعه في الثالث أخرى، ولو قال: أردت أن يكون بين كل طلقتين يوم فيدين.
وهل يقبل ظاهرًا؟ فيه وجهان أحدهما: نعم كالسنة، والثاني: لا لأن النوم عبارة عن هذا الزمان المحصور لا يدخل بعضه في بعض بخلاف السنة والوجهان ينطبقان على الوجهين في أن من نذر اعتكاف يوم، هل يجوز له أن يعتكف ساعات متفرقة بقدر يوم؟ وقياس ما أجابوا به في ما

الجزء: 7 - الصفحة: 373

إذا قال: إذا مضى يوم فأنت طالق، أنه يقبل.
انتهى كلامه.
والقياس على مسألة النوم قياس عجيب لا أدرى كيف وقع للرافعي فقد تقدم أنه قال ذلك في أثناء يوم أنها لا تطلق إلا بنظيره من اليوم الثاني وإن أطلق، وأما في مسألتنا فإنها تطلق في اليوم الذي قاله فيه عند الإطلاق، فكيف يقيس القبول في ما يخالف الظاهر والأصل على القبول في ما يوافقهما، وقد تبعه النووي في "الروضة" على دعوى القياس فقال: أقيسهما: القبول، ولم يذكر مستنده فاستتر وقد ظهر لك أن الترجيح المذكور في هذه المسألة من الكتابين كلا ترجيح فتفطن له.

قوله: ولو قال: أنت طالق اليوم إن لم أطلقك اليوم فمضى اليوم ولم يطلقها فعن ابن سريج: أنه لا طلاق؛ لأن الشرط إنما يوجد بمضى اليوم وإذا مضى اليوم تعذر الطلاق اليوم، وقال الشيخ أبو حامد: يقع في آخر لحظة من اليوم وهذا إذا بقى من اليوم زمن لا يسع التطليق؛ لأن الشرط قد تحقق حينئذ.
انتهى.
قال في "الروضة": الأفقه المختار هو الثاني، والله أعلم.
فيه أمران: أحدهما: أن في المسألة اعتبارًا آخر هو أظهر مما ذكره وهو آخر لحظة من اليوم، لكن لا بالتفسير الذي ذكره، وذلك لأن زمن التطليق أوسع من زمن وقوع الطلاق، فإنه إذا مضى مثلًا زمن الطلاق فقد بقي من اليوم زمن لا يسع التطليق واليوم باق وبقاؤه يمنع الطلاق، وإذا حصل اليأس من التطليق، وقد صرح الرافعي بحكاية ذلك وجهًا في نظير المسألة وأشعر إيراده برجحانه، ذكر ذلك في الباب الثاني من كتاب الأيمان في أول النوع السادس منه.
الأمر الثاني: أن الأصوب ما قاله ابن سريج لا للمعني الذي ذكره،

الجزء: 7 - الصفحة: 374

بل لأنه لو وقع الطلاق المعلق لوجد التطليق اليوم؛ لأن التعليق مع وجود الصفة تطليق فإذا وجد التطليق لم يقع المعلق لانتفاء شرطه وهو عدم التطليق.

قوله: وفي فتاوى القفال أنه لو قال: أنت طالق في أفضل الأوقات طلقت في ليلة القدر، وإن قال: أفضل الأيام طلقت يوم عرفة وفي وجه يوم الجمعة عند الغروب.
انتهى كلامه.
وحاصله أن في التعليق على أفضل الأيام خلافًا من غير ترجيح؛ لأنه نقل عن فتاوى القفال أنه يوم عرفة ونقل وجهًا آخر أنه يوم الجمعة، وقد اختصر في "الروضة" هذا الكلام على وجه يقتضي أن يكون الأول هو الصحيح وأن المذكور في فتاوي القفال إنما هو الوجه خاصة، فقال: قال: أنت طالق في أفضل الأوقات طلقت ليلة القدر، ولو قال: أفضل الأيام طلقت يوم عرفة وفي وجه يوم الجمعة عند غروب الشمس، ذكره القفال في فتاويه.
هذا لفظه، فإن كان الكلام جميعه من كلام القفال وهو الظاهر، ورد عليه أن التصحيح الذي أدخله في كلام الرافعي ليس للرافعي، بل لا تصحيح في كلامه بالكلية، وإن كان صدره خاصة للقفال، والمسألة الثانية نجملها من كلام الرافعي فيرد عليه نسبة الوجه الأخير إلى القفال، وقد استدرك في "الروضة" على الوجه القائل بالوقوع عند الغروب استدراكًا صحيحًا فقال: تخصيصه بوقت الغروب ضعيف أو غلط لأن اليوم يتحقق بطلوع الفجر فإن تخيل متخيل أن ساعة الإجابة قد قيل؛ إنها آخر النهار فهو وهم ظاهر لوجهين: أحدهما: أن الصواب أن ساعة الإجابة من حيث يجلس الإمام على المنبر إلى أن يقضي الصلاة، كذا صرح به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في "صحيح مسلم" 52.

الجزء: 7 - الصفحة: 375

والثاني: أنه لم يعلق بأفضل أوقات اليوم بل اليوم الأفضل واسم اليوم الأفضل يحصل بالفجر.
هذا كلامه، وقد راجعت فتاوى القفال فرأيته قد جزم بالأول وحكى الثاني وجهًا ضعيفًا وعلله بقوله لأن تلك الساعة أفضل.

قوله: وقد سكت جمهورهم عن التعليق بأفضل الشهور والمنقول فيه أنه رمضان لا الأشهر الحرم، كذا جزم به الشيخ عز الدين في أوائل القواعد في الفصل المعقود لتفاوت أجور الأعمال لاختلاف الأزمان، وروى الحليمي في "شعب الإيمان" أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "سيد الشهور رمضان" 53.

قوله: نقلًا عن "فتاوى القفال": ولو قال: أنت طالق بين الليل والنهار، لا تطلق ما لم تغرب الشمس.
انتهى.
محل هذا إذا كان بالنهار فإن كان ليلًا لم تطلق حتى يطلع الفجر، وقد نبه عليه في "الروضة".

قوله في "الروضة" نقلًا عن الفتاوي المذكورة: ولو قال: أنت طالق قبل موتى طلقت في الحال، وإن قال قبل بضم القاف وفتح الباء أو قبيل بزيادة ياء لا تطلق إلا في آخر جزء من أجزاء حياته.
انتهى كلامه.
وما ذكره في ضبط قبل من فتح الباء غلط لم يذكره أحد بل فيه لغتان إسكان الباء وضمها كنقيضه وهو الدبر كذا ذكره الجوهري وغيره، ولم يتعرض الرافعي وابن الرفعة إلا لضم القاف فقط وما ذكره في صدر المسألة

الجزء: 7 - الصفحة: 376

تبعًا للرافعي من نقله عن القفال فقط مشهور ذكره القاضي حسين في تعليقه والمتولى في "التتمة"، والقاضي أبو الطيب في آخر تعليقه ونقله في "الشامل" عن ابن الحداد.

قوله: ولو قال: أنت طالق قبل أن تدخلى الدار وقبل أن أضربك ونحو ذلك مما لا يقطع بوجوده.
قال إسماعيل البوشنجي: يحتمل وجهين: أحدهما: وقوع الطلاق في الحال لقوله قبل موتى أو قبل موت فلان.
وأصحهما: لا يقع حتى يوجد ذلك الفعل فحينئذ يقع الطلاق مستندًا إلى حال اللفظ لأن قولنا هذا قبل هذا يستدعى وجودهما وربما لا يوجد.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد ذكرها الرافعي أيضًا بعد ذلك في الطرف السادس المعقود للمسائل الدورية إلا أنه مثل بمثال آخر فذكر ما حاصله أنهما ماداما حيين.
لا يقع الطلاق قبل الصفة وأنه إذا مات أحدهما حكم بوقوعه قبيل الموت وهذه المقالة مخالفة لكل من الاحتمالين [المذكورين في هذا الباب، أما على الإحتمال] 54 الأول فواضح، وأما على الثاني الذي صححه فقد خالفه هناك من وجهين: أحدهما: إيقاع الطلاق بالموت مع أن المعلق عليه لم يوجد.
والثاني: كونه واقعًا قبيل الموت لا مستندًا إلى حال اللفظ وسأذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه، وقد تبعه في "الروضة" على الموضعين.
واعلم أنه إذا قال لنسوته أول من تدخل منكن الدار طالق فدخلت واحدة طلقت وإن لم يدخل غيرها ولفظ الأول لا يستدعى ثانيًا فأى فرق بينه وبين قبل.

الجزء: 7 - الصفحة: 377

قوله: ولو قال: أنت طالق تطليقة قبلها يوم الأضحى سألناه فإن أراد الأضحى الذي بين يديه لم تطلق حتي يجئ ذلك الأضحى وينقرض ليكون قبل التطليقة، وإن أراد الأضحى الماضي طلقت في الحال كما لو قال يوم السبت: أنت طالق طلقة قبلها يوم الجمعة.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن كلامه في الوصف بقبلية يوم الجمعة يوهم الوقوع في الحال وليس كذلك، بل الوصف كالوصف بقبلية يوم الأضحى سواء ولا فرق بينهما.
الأمر الثاني: أن كلامه ساكت عما إذا لم يكن له نية وحكمه أنه لا يقع حتي ينقضي الأضحي الذي بين يديه؛ لأنه المتيقن وقد نبه عليه في "الروضة" وهو واضح، ومثله ما إذا تعذرت مراجعته بسبب من الأسباب كالموت والجنون ونحوهما، ويستدل بهذه المسألة ونحوها على أنه لا يقع إلا واحدة إذا قال: أنت طالق وكرره ولم يعلم هل أراد التأكيد أو الإستئناف، ولم يصرح به الرافعي هناك، وذكر الرافعي في باب استثناء الطلاق نحوه أيضًا فقال نقلا عن البوشنجي من غير اعتراض عليه: إذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا نصفًا فإنه يراجع، فإن أراد إلا نصفها فطلقتان، وإن أراد إلا نصف طلقة طلقت ثلاثًا، وإن لم تكن نية فطلقتان وقد تقدم أيضًا في كتاب الإقرار في الباب الأول منه ما يوضح ما ذكرناه وهو لزوم الأقل فراجعه.

قوله: ولو قال: أنت طالق قبل موت فلان وفلان بشهر فمات أحدهما قبل شهر لم تطلق، وإن مات أحدهما بعد مضي شهر فوجهان: أحدهما: تطلق قبل موته بشهر؛ لأنه وإن تأخرت بموت الآخر فيصدق عليه أنه وقع قبل موتهما بشهر.
والثاني: لا تطلق أصلًا لأنه في العرف لا يقال: طلقت قبل موته بشهر إلا إذا لم يزد ولم ينقص وهذا الوجه خرجه البوشنجي، ونظير المسألة

الجزء: 7 - الصفحة: 378

قوله: أنت طالق قبل عيدى الفطر والأضحى بشهر، فعلى الأول تطلق أول رمضان، وعلى الثاني لا تطلق.
انتهى.
قال في "الروضة" الصواب الأول، والثاني غلط.

قوله: وحكى أبو العباس الروياني وجهين في ما لو قال: أنت طالق كل يوم فوجهان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- أنها لا تطلق كل يوم حتى يكتمل الثلاث.
والثاني: لا تطلق إلا واحدة، والمعنى أنت طالق أبدًا.
انتهى.
والأصح هو الأول لأنه السابق إلى الفهم، كذا قاله في "الروضة" من زوائده.

قوله: ولو قال: أنت طالق غدًا أو عبدي حر بعد غد، قال البوشنجي: يؤمر بالتعيين فإذا عين الطلاق أو العتق تعين في اليوم الذي ذكره.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه أمران: أحدهما: أن الرافعي قد نقل عن فتاوى القفال في بعض نظائر المسألة ما يخالف المذكور هنا، وأقره هو والنووي عليه وقد تقدم إيضاحه في الباب الثالث المعقود لتعدد الطلاق فراجعه.
الأمر الثاني: أن هذه المسألة قد ذكرها أيضًا ابن الصباغ في "شامله" وكلامه يشعر بأن التعيين إنما يكون بعد الغد لا قبله، فإنه عبر بقوله: فإذا جاء بعد الغد كان الخيار إليه في تعيين الطلاق أو العتق هذا لفظه، والذي أشعر به كلامه.

الجزء: 7 - الصفحة: 379

الفصل الثاني في التعليق بالتطليق

قوله: من له أربع نسوة وعبيد فقال: إن طلقت واحدة من نسائي فعبد من عبيدي حر، وإن طلقت اثنتين فعبدان حران، وإن طلقت ثلاثة فثلاثة أعبد أحرار، وإن طلقت أربعًا فأربعة أعبد أحرار، ثم طلقهن معًا أو على الترتيب عتق عشرة أعبد؛ لأنه طلق واحدة واثنتين وثلاثًا وأربعًا، وهذه الأعداد إذا جمعت بلغت عشرة، وكذا الحكم لو علق بإذا أو متى أو مهما أو ما يقتضي التكرار.
انتهى كلامه.
وهذه الواو المذكورة في تصوير المسألة حيث قال: وإن طلقت كذا وكذا هي على سبيل الشرط فإن أتى بثم فقال: ثم إن طلقت إلى آخره فلا يضم المأخوذ أولًا إلى التعليق الثاني لتمام اسم الاثنين والثلاث والأربع، فقد ذكر الرافعي بعد ذلك في نظير المسألة مثله فقال في أول الطرف الرابع المعقود للتعليق بالحيض أنه لو قال: إن حضت حيضة فأنت طالق وإن حضت حيضتين فأنت طالق فإذا حاضت حيضة وقعت طلقة فإذا حاضت أخرى وقعت ثانية، وإن قال إن حضت حيضة فأنت طالق، ثم إن حضت حيضتين فأنت طالق، فإنما تقع الثانية إذا حاضت بعد الأولى حيضتين.
هذا كلامه، فعلى هذا إذا عطف بـ"ثم" في مسألتنا وطلق الأولى فيعتق عبدًا، وإذا طلق الثانية فلا يعتق بها شيء إلا بوصف الواحدة لأنه لم يعلق بحرف يقتضي التكرار ككلما، بل علق بأن، ولا يوصف المرأتين لأن الأولى قد عددناها فإذا طلق الثالثة صدق هذا الوصف -أعني: وصف الاثنين- ولا يصدق بعد ذلك وصف الثلاثة ولا وصف الأربعة، وحينئذ فلا يعتق إلا ثلاثة أعبد ويتجه أن تكون الفاء في ذلك كثم.

الجزء: 7 - الصفحة: 380

قوله: أما إذا علق هذه التعليقات بكلمة كلما ثم طلقهن معًا أو على الترتيب فظاهر المذهب وهو المذكور في الكتاب أنه يعتق خمسة عشر عبدًا؛ لأن كلمة كلما تقتضي التكرار، وإذا طلق واحدة حصلت صفة وهي تطليق واحدة فيعتق عبد، وإذا طلق أخرى حصلت صفتان تطليق واحدة مرة أخرى وتطليق اثنتين فيعتق ثلاثة أعبد، فإذا طلق ثالثة حصلت صفتان طلاق واحدة مرة أخرى فطلاق ثلاث فيعتق أربعة أعبد، فإذا طلق الرابعة حصل ثلاث صفات طلاق واحدة مرة أخرى فطلاق الاثنتين غير الأوليين وطلاق أربع فيعتق سبعة، المجموع خمسة عشر ووراء هذه وجوه.
أحدها عن ابن القطان: أنه يعتق عشرة.
والثاني: أنه يعتق سبعة عشر عبدًا لأن في طلاق الثالثة وراء الصفتين المذكورتين صفة أخرى وهى طلاق اثنتين بعد الأولى فيعتق عبدان آخران.
والثالث: يعتق عشرون عبدًا سبعة عشر عبدًا لما ذكرناه وثلاثة لأن في إطلاق الرابعة صفة أخرى وراء الصفات الثلاث وهو طلاق ثلاث بعد الأولى، وهذه الوجوه ضعيفة باتفاق الأئمة، أما الأول فلأنه إسقاط لمقتضي كلما، وأما الآخران فلأن الثانية معدودة مع التي قبلها في يمين الاثنتين والثالثة معدودة مع اللتين قبلها في يمين الثلاث فلا يعدان مع من بعدهما في اليمين فإن ما عُد في عدد مرة لا يعد فيه مرة أخرى، واستشهد على ذلك بأنه لو قال كلما أكلت نصف رمانة فعبد من عبيدي حر، ثم أكل رمانة فيعتق عبدان لأنه أكل نصفي رمانة ولا يقال يعتق ثلاثة أعبد لأنه الربع الثاني مع الثالث نصف رمانة لأن الربع عد مرة مع الأول فلا يعده مرة أخرى، وبأنه لو قال: كلما دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة وطلقت ثم دخلت مرة أخرى تطلق طلقة ثانية، ولا يقال تطلق طلقتين طلقة بهذه الدخلة وأخرى بالدخلة الأولى؛ لأن الأولى قد حسبت مرة فلا تحسب مرة

الجزء: 7 - الصفحة: 381

أخرى، والشيخ أبو حامد والإمام وجماعة نفوا وجه العشرين وألزموا من قال: سبعة عشر أن يقول بعتق عشرين تبعًا لما صار إليه، ووجه إعتاق سبعة عشر أولى بالنفي، لأن من لم يقل بالعشرين ومن قال به يلزمه أن لا يقتصر عليه ويقول بالعشرين، وفي "المجرد" للقاضي أبي الطيب وجه آخر أنه يعتق ثلاثة عشر عبدًا.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره من اشتراط كلما في التعليقات الأربع حيث قال: أما إذا علق هذه التعليقات بكلمة كلما إلى آخره سبقه إليه الأصحاب فتابعهم عليه هنا وفي "الشرح الصغير" و"الروضة" وتصحيح "التنبيه" وهو غلط والصواب اشتراطه في التعليق الأول والثاني خاصة؛ لأن الثلاثة والأربعة لا يتصور فيهما التكرار.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من الاستشهاد للصحيح بصورة الدخول ذهول، فإن الاقتصار على كلما دخلت هو نظير الاقتصار على كلما طلقت امرأة فعبد حر وليس كلامنا فيه إنما كلامنا فيما إذا قال: وكلما طلقت امرأتين إلى آخره فنظيره أن يقول: كلما دخلت مرتين، وحينئذ فتصير مسألتنا بعينها فثبت أنه لا فرق في الحكم بين الدخول والعتق.
الأمر الثالث: أن ما ذكره آخرًا في البحث مع الإمام وغيره من نفاة وجه العشرين عجيب فإن المذكور في "النهاية" أنهم نفوه من جهة النقل ففهم الرافعي أن المراد نفي توجيهه فذكر ما ذكر.
الأمر الرابع: أنه أهمل قسمًا ثالثًا ذكره في "التنبيه" وإن كان قد غلط في حكمه، وهو ما إذا صرح بكلما في الأول خاصة وحكمه أنه يعتق ثلاثة عشر عبدًا وقد نبه عليه النووي في تصحيحه وهو واضح.

قوله: ولو قال: إن تركت طلاقك فأنت طالق، فإذا مضى زمان يمكنه

الجزء: 7 - الصفحة: 382

أن يطلق فلم يطلق طلقت، وإن طلقها في الحال واحدة ثم سكت لا تقع أخرى؛ لأنه لم يترك طلاقها، قال في "التهذيب": ويمكنه لو قال: إن سكت عن طلاقك فأنت طالق فلم يطلقها في الحال طلقت بحصول الصفة، وإن طلقها في الحال ثم سكت طلقت أخرى بالسكوت ولا تطلق بعد ذلك لانحلال اليمين.
انتهى كلامه.
وتفريقه بين أن يقول إن سكت أو تركت بالنسبة إلى الوقوع ثانيًا تابعه عليه في "الروضة" ولا أدري ما وجهه فالصواب التسوية وأن يجعل هذا من الأجوبة المختلفة، ولم يتعرض للمسألة في "الشرح الصغير" ولا في "المحرر".

قوله: فإذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق لم يقع الطلاق حتى يحصل اليأس ولليأس ثلاثة أسباب: أحدها: موت أحد الزوجين.
الثاني: الجنون، فإذا جن أحدهما لم يوجب ذلك يأسًا؛ لأن الإفاقة والتطليق بعدها متوقعان، فإن اتصل الموت به تبين حصول اليأس من وقت الجنون فيطلق قبيل الجنون.
الثالث: الفسخ، فإذا انفسخ النكاح بسبب أو انفسخ بردة أو غيرها فلا يحصل اليأس؛ لأنه قد يجدد نكاحًا وينشأ فيه طلاقًا ولا يختص ما به البر والحنث بحال فإذا ماتا أو أحدهما ولم يوجد تجديد أو تطليق فقد تحقق الفوات، ولا يمكن القول بوقوع الطلاق هاهنا قبيل الموت فتعين الاستناد إلى ما قبل الانفساخ كما استندنا إلى ما قبل الجنون، كذا ذكره الإمام على تلوم وتردد فيه وتابعه عليه المصنف وغيره قالوا: وهذا إذا كان [الطلاق رجعيًا] 55 فإن كان بائنًا لم يقع إذ لو وقع؛ لما حصل الفسخ، ولو لم

الجزء: 7 - الصفحة: 383

يحصل الفسخ لم [يحصل اليأس وإذا لم يحصل اليأس لم] 56 يقع الطلاق.
انتهى كلامه.
وهذا الذي نقلته من كلام الرافعي كالمقدمة والمقصود سيأتي فمراده بقوله، ولا يختص ما به البر والحنث بحال النكاح إنما هو النكاح الأول لا نفي الاختصاص عن النكاح مطلقًا لأن الصفة المعلق عليها هاهنا هو الطلاق والطلاق أيضًا يتوقف على النكاح فتعين أن يكون المراد ما قلناه، وقد صرح به الغزالي في "الوسيط" وذكره لابد منه، ثم قال -أعني الرافعي-: ولو جدد نكاحها بعد الانفساخ فإن طلقها في النكاح الثاني لم يفت التطليق ولا يقع الطلاق، وإن لم يطلقها حتى مات أحدهما في النكاح المجدد فيبني على قولى عود الحنث إن قلنا: يعود الحنث طلقت في النكاح الثاني قبل الموت وبنينا النكاح على النكاح، وإن قلنا: لا يعود الحنث فلا يمكن إيقاع الطلاق قبيل الموت فيستند إلى ما قبل الانفساخ كما سبق.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة قد ذكر ما يخالفها في أواخر الباب: وسأذكر لفظه هناك فراجعه.
ثم قال: واعلم أن هذه الطرق الثلاثة في ما إذا كان التعليق بنفي التطليق، أما إذا علق بنفي الضرب وسائر الأفعال فالجنون لا يوجب اليأس وإن اتصل به الموت.
قال في "الوسيط": لأن ضرب المجنون في تحقيق الصفة ونحوه كضرب العاقل على الصحيح.
انتهى.
ومراده بهذا أن الطلاق في هذه الحالة إنما يقع قبيل الموت لا قبيل الجنون فاعلمه.

الجزء: 7 - الصفحة: 384

ثم قال: ولو أبانها ودامت البينونة إلى الموت ولم يتفق الضرب فلا يقع الطلاق ولا يحكم بالوقوع قبل البينونة، بخلاف ما في قوله إن لم أطلقك؛ لأن الضرب بعد البينونة ممكن والطلاق بعد البينونة غير ممكن.
انتهى كلامه.
ومراده بقوله ولو أبانها إنما هو البينونة بالفسخ أو الانفساخ لا البينونة بالطلاق؛ لأنه إذا أبانها بالطلاق لم يقع بالتطليق المعلق على نفيه شيء آخر، لأنه لم ينتف الطلاق، بل وجدوا الرافعي قد ذكر بأنه يقع قبل هذه البينونة طلقة أخرى فقال، بخلاف ما في قوله: إن لم أطلقك إلى آخره كما تقدم وإذا علمت صورة المسألة فاعلم أن الحكم الذي ذكره في الضرب من عدم وقوع الطلاق في هذه الحالة غلط، بل الصواب وقوعه وذلك لأنه قد سبق تعليق صحيح ووجد المعلق عليه وهو انتفاء الضرب فيوجد المعلق وهو وقع الطلاق، غير أنه لما لم يكن وقوعه قبيل الموت أوقعناه قبيل الانفساخ، وقد ذكر الرافعي مثل هذا في ما إذا جن أو انفسخ النكاح ولم يجدد وتقدم نقله عنه في أول الكلام، وأما قوله؛ لأن الضرب بعد البينونة ممكن فمسلم لم يقع وإذا لم يقع فقد وجد المعلق عليه.
وأما قوله: والطلاق بعد البينونة غير ممكن فليس كذلك، بل هو ممكن بتجديد نكاح آخر، وقد صرح هو به قبل ذلك وتقدم نقله عنه أيضًا ثم نقول للرافعي: لولا أنه ممكن لكان يلزم أن يقع الطلاق بمجرد البينونة وليس كذلك، ويدل أيضًا على ما ذكرناه من كون الحكم المذكور غلطًا أن الرافعي ذكر بعده عكسه فقال عقبه من غير فصل: وإذا كان التعليق بنفي الضرب ونحوه من الأفعال كعروض الطلاق كعروض الفسخ والانفساخ، لكن ينبغي أن يبقى من الطلاق عدد يمكن فرضه مستندًا إلى ما قبل الطلاق، فأما في التعليق بنفى التطليق فإنما تفرض البينونة بالانفساخ؛ لأنه

الجزء: 7 - الصفحة: 385

لو طلقها بطلت الصفة المعلق عليها، ويمكن أن يفرض في طلاق الوكيل فإنه لا يفوت الصفة هذا كلامه، وأراد بقوله فعروض الطلاق أى البائن، وأما الرجعي فلا يأس معه، وأشار بقوله: لكن ينبغي إلى آخره إلى أن الطلاق؛ وإن كان كالفسخ لكن الفسخ لا شرط له، وأما الطلاق أي المنجز فيشترط فيه أن يكون ناقصًا عن الثلاث حتي يمكن إيقاع طلاق آخر قبيله، وحينئذ فيقع الطلاق المعلق بالضرب لكنه يشترط أن يكون المعلق رجعيًا كما تقدم فاستحضره، أما إذا أوقع الثلاث فلا يمكن إيقاع شيء آخر قبله وحينئذ فلا يقع المعلق وهذا الذي قاله الرافعي كله صريح في أنه إذا أبانها بالطلاق واستمرت البينونة إلى الموت يقع الطلاق المعلق بالضرب قبيل هذا الطلاق ولهذا شرط فيه أن يكون المنجز ناقصًا عن الثلاث، فإنه لو لم يقع شيء والحالة هذه لكان الحال لا يفترق بين أن يكون ثلاثًا أو أقل وأشار بقوله فأما في التعليق يبقي التطليق إلا أن التعليق بنفى الضرب يحصل اليأس فيه بالفسخ والطلاق فلهذا قلنا: إن عروض الطلاق كعروض الفسخ بخلاف التعليق بنفي التطليق فإن الطلاق ليس كالفسخ فإنه إذا طلق لا يقع شيء آخر، لأنه لم يوجد المعلق عليه وهو انتفاء الطلاق هذا معني كلامه وحاصله أنه إذا علق بنفي الضرب ثم طلقها ولم يجدد إلى الموت ارتفع المعلق، وحينئذ فيلزم بالضرورة أن تكون البينونة بالفسخ مثله أيضًا وأن يكون الرافعي ساق هذا الكلام لذلك فإنه سوى بين الطلاق والفسخ، وبالجملة فقد صرح الغزالي بالمسألة التي ذكرها الرافعي، وهي مسألة الانفساخ وأتى بها على الصواب وجزم بالوقوع فقال في "البسيط": الصورة الثالثة: طرءان الانفساخ على النكاح، أو طرءان الفسخ وذلك لا يحصل اليأس من تطليقها فإنه يتصور أن ينكحها وينشأ طلاقًا والذي يرى أن الصفة لا يختص وجودها بالنكاح، ولذلك قلنا: ينحل اليمين بوجود الصفة في حالة البينونة خلافًا للإصطخري، ثم قال ما نصه: ولنفرض

الجزء: 7 - الصفحة: 386

الكلام في ما إذا قال إن لم أضربك ليكون أظهر، فالضرب غير ميئوس عنه فيتوقف فإن ضربها بعد ذلك فهو المُنى، وإن مات أحدهما قبل الضرب، فقد تحقق الحلف ولكن صادف وقت اليأس حالة لا يمكن الإيقاع قبلها فعند هذا يتعين الاستناد إلى ما قبل الإنفساخ [ويكون الانفساخ] 57 مع الموت عليه.
هذا لفظه بحروفه.
واعلم أن ما قاله من أن التعليق بنفى التطليق إنما تفرض البينونة فيه بالإنفساخ أو بطلاق الوكيل، ليس كما ادعاه من أنه لا يتصور إلا بما ذكره، بل يتصور في صورة أخرى وهي ما إذا قال للرجعية: إن لم أطلقك فأنت طالق ثم لم يطلقها حتى إنقضت العدة، فإن البينونة قد عرضت بغير الفسخ أيضًا.
وقوله في أصل المسألة: الطلاق يقع عند اليأس قبيل الموت والجنون غير محرر، بل الصواب أن يقال يقع الطلاق عند العجز، وقد نبه الماوردي في "الحاوي" على هذا فقال: يقع الطلاق إذا ضاق عمره عن قوله: أنت طالق، وذكر الروياني نحوه في "البحر" فقال: يقع في أخر جزء من حياة الميت وهو الزمن الذي لا يسع إيقاع حروف الطلاق.

قوله في "الروضة": إِنْ الشرطية هي بكسر الهمزة فإن فتحت صارت للتعليل، فإذا قال أنت طالق أن لم أطلقك بفتح الهمزة طلقت في الحال، ثم الذي قاله الشيخ أبو حامد والإمام والغزالي والبغوي أن هذا في حق من يعرف اللغة ويفرق بين إن وأن فإن لم يعرف فهو للتعليق.
وقال القاضي أبو الطيب: يحكم بوقوع الطلاق في الحال إلا أن يكون الرجل ممن لا يعرف اللغة ولا يميز وقال: قصدت التعليق فيصدق، وهذا أشبه وإلى ترجيحه ذهب ابن الصباغ، وبه قطع المتولى، قلت: الأول أصح وبه قطع الأكثرون، والله أعلم.

الجزء: 7 - الصفحة: 387

فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره هاهنا من زوائده والخبير قد خالفه قبل ذلك في آخر الباب الرابع فذكر أن الطلاق يقع من الجاهل والخبير فقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من قطع صاحب "التتمة" به غلط لم يذكره الرافعي، بل عبر بقوله وهو المذكور في "التتمة"، وقد صرح صاحب "التتمة" والخبير -لخلاف، فإنه عبر أولًا بقوله: قال عامة أصحابنا: تطلق في الحال إلا أنه لو لم يكن من أهل العلم بالإعراب وادعى أني أردت الشرط فيقبل قوله، ثم قال ما نصه: ومن أصحابنا من قال: هذا حكمه في حق من يعرف اللغة فأما إن كان لا يعرف اللغة فيكون تعليقًا؛ لأن ظاهر حاله يدل على أنه أراد الشرط هذه عبارته.
واعلم أن الروياني في "البحر" قد رجح ما قاله القاضي أبو الطيب فقال: إنه الأولى، ونقل عن القفال ما يقتضيه واستدل عليه بوجوب حمل اللفظ على مقتضاه إلا أن يصرفه عن مقتضاه ببيان مراده وقد تقدم من كلام "التتمة" أن عامة الأصحاب عليه، ولم يذكر الشاشي في "الحلية" غيره.

قوله: ولو قال: أنت طالق طالقًا قال الشيخ أبو عاصم: لا يقع في الحال شيء، لكن إذا طلقها وقع طلقتان والتقدير إذا صرت مطلقة فأنت طالق، وهذا في المدخول بها.
انتهى.
وتخصيص هذا المدخول به قد تبعه عليه في "الروضة" وهو يقتضي أن غير المدخول بها لا يقع عليها إلا واحدة، لكن الصحيح المذكور في باب تعدد الطلاق أنه إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق طلقة معها طلقة وقعت طلقتان وقياسه هنا كذلك.

الجزء: 7 - الصفحة: 388

قوله نقلًا عن البوشنجي: إنه لو قال: أنت طالق إن لم أضربك أو إن لم أضربك فأنت طالق، وقال: عنيت به وقتًا معينًا دين سواء عين الساعة أو وقتًا آخر قريبًا منه أم بعيدًا وهكذا يكون الحكم في التعليق بنفي الطلاق وسائر الأفعال.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على هذا الفرع ولم يصرح بنقله عن البوشنجي وهو إما تحرف أو غلط؛ لأن التديين هو العمل به باطنًا لا ظاهرًا أو كلمة إن لا تقتضي الفور ولا يحكم بالوقوع في التعليق المذكور وأمثاله إلا في آخر العمر فأي وقت ادعى أنه أراده قريبًا كان أو بعيدًا رجعنا إليه فيه باطنًا وظاهرًا إلا أنه قد غلط على نفسه، وإنما يكون التديين إذا ادعى أمرًا هو أخف مما يلزمه به.

قوله: ولو قال: أنت طالق طالقًا أي بالنصب، قال الشيخ أبو عاصم: لا يقع في الحال شيء، لكن إذا طلقها وقع طلقتان، والتقدير إذا صرت مطلقة فأنت طالق وهذا في المدخول بها.
انتهى.
وما ذكره من تقييد وقوع الطلقتين بالمدخول بها قد تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو وجه ضعيف، فقد ذكر الرافعي في باب تعدد الطلاق أنه إذا قال لمدخول بها: أنت طالق طلقة معها طلقة وقع طلقتان وهل تقعان معًا بتمام الكلام أو متعاقبين؟ وجهان: أصحهما: الأول، فإن قال ذلك لغير المدخول بها طلقت على الأول طلقتين، وعلى الثاني طلقة.
هذا لفظه ولا شك أن ما ذكره الرافعي في هذا الباب قد التبس عليه بفرع آخر شرط الأصحاب فيه هذا الشرط ولكن أضربت عنه لطوله، وقد تقدم في الباب الثالث ذكر هذه المسألة لمعنى آخر فراجعه.

قوله: ولو قال: أنت طالق، فطالق إن دخلت الدار طالقًا فهذا تعليق طلقتين بدخولها الدار طالقًا، فإن دخلت طالقًا وقعت طلقتان بالتعليق.
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 389

وما ذكره صريح في أن الشرط المتعقب للحمل يعود إلى الجميع، وفيه كلام سبق في مواضع منها: باب عدد الطلاق فراجعه، ومنها: كتاب الوقف وغير ذلك.

قوله: ولو قال أنت طالق إن لم أضربك: أو إن لم أضربك فأنت طالق، وقال: أردت وقتًا، دُيِّن، سواء عَيَّن الساعة أو وقتًا قريبًا أو بعيدًا وهكذا يكون الحكم في التعليق بنفى الطلاق وسائر الأعمال.
انتهى كلامه.
وما ذكره من كونه يُدَيَّنُ في هذه المسائل حتي لا يقبل في الظاهر قد تابعه عليه في "الروضة" وهو غريب، فقد تقدم قبل ذلك بنحو ورقة أن التعليق على نفي الفعل بصيغة أن لا تقتضي الفور على الصحيح كقوله إن لم أضربك أو لم أطلقك أو لم تدخلي.

الجزء: 7 - الصفحة: 390

الفصل الثالث في التعليق بالولادة والحمل

قوله: ولو قال: إن كنت حاملًا فأنت طالق، فإن كان الحمل بها ظاهرًا وقع في الحال وإلا فلا يحكم بوقوع الطلاق مع الشك، ثم ينظر إن ولدت لدون ستة أشهر من التعليق تبينا وقوع الطلاق وكونها حاملًا حينئذ لأنه لا يمكن أن يأتي به كاملًا لأقل من ذلك.
انتهى.
وما ذكره من الحكم بوقوع الطلاق إذا أتت به لدون ستة أشهر قد نازع فيه ابن الرفعة وقال: إن كمال الولد ونفخ الروح فيه يكون بعد أربعة أشهر كما شهد به الخبر، وحينئذ فإذا أتت به لخمسة أشهر مثلًا احتمل العلوق به بعد اليمين، قال: والستة أشهر معتبرة لحياة الولد غالبًا.

قوله: بعد ذلك: وإن ولدته لستة أشهر فأكثر لابد فيه من زيادة لحظة على الستة الأشهر كما سيأتي في العدد أنه لابد من مراعاة لحظتين لحظة الوطء ولحظة للوضع قوله: فرع: قال: إن أحبلتك فأنت طالق وكانت حاملًا لم تطلق، بل يقتضي ذلك حملًا حادثًا منه [فإن وضعت أو كانت حائلًا لم يمنع من الوطء] 58 فإذا وطئها منع حتى تحيض.
انتهى كلامه.
فيه أمران: تابعه عليهما في "الروضة": أحدهما: أن ما ذكره في آخر كلامه من المنع من الوطء ليس على جهة الإيجاب على الصحيح كما تقدم إيضاحه في كلامه قريبًا فلتتفطن له.
الأمر الثاني: أن كلامه يوهم زوال المنع بالكلية بالحيض وليس كذلك فينبغي أن يقول: وكلما وطئها مرة منع حتى تحيض؛ لأن العلة في المنع الأول موجودة في ما بعده فتأمله.

الجزء: 7 - الصفحة: 391

قوله: فرع: نص في "الإملاء" على أنه لو قال لامرأته: إن كنت حاملًا فأنت طالق على مائة دينار، وهي حامل في غالب الظن طلقت إذا أعطته المائة وله عليها مهر المثل، ووجه فساد المسمى أن الحمل مجهول لا يمكن التوصل إليه في الحال فأشبه إذا جعله عوضًا.
انتهى كلامه.
وما جزم به من حصول الطلاق بالإعطاء قد جزم بخلافه في الباب الرابع من الخلع فذكر أنه يشترط القبول وأن يكون متصلًا، وقد تقدم هناك الإحالة على هذا الموضع لغرض آخر فراجعه.
ولا يخفى أيضًا ما في هذه المسألة من إشكال القول بالفساد وضعف التعليل.

قوله في "الروضة": ولو قال: كلما ولدت ولدًا فأنت طالق فولدت ثلاثة طلقت بالأولين طلقتين وانقضت عدتها بالثالث ولا تطلق به شيئًا آخر على المنصوص في "الأم" وعامة كتب الشافعي.
وقال في "الإملاء": يقع بالثالث طلقة فقيل قولان، والصحيح عند المعتبرين القطع بما نص عليه في "الأم".
انتهى ملخصًا.
وما ذكره هنا في كيفية الخلاف قد خالفه في "المنهاج" فإنه عبر بقوله: ولا يقع به ثالثة على الصحيح.
هذا لفظه، فجزم بطريقة الخلاف وجعله وجهين أيضًا، وعبر في "المحرر" بالأصح، إلا أنك قد عرفت غير مرة أنه لا اصطلاح له فيه.

الفصل الرابع في التعليق بالحيض

59 قوله: فرع: قال لأربع نسوة كلما ولدت ثنتان منكن فالآخريان طالقتان فولدت مرتبًا لم تطلق واحدة بولادة الأولى، فإذا ولدت الثانية

الجزء: 7 - الصفحة: 392

طلقت الثالثة والرابعة طلقة طلقة ولا يقع على الأوليين شيء، فإذا ولدت الثالثة فالصحيح أنها لا تضم إلى الثانية ولا يقع بولادتها شيء، فإذا ولدت الرابعة طلقت الأوليان طلقة طلقة على قول ابن الحداد وتعتدان أن بالأقراء وتنقضي عدة الآخريين بولادتهما، وعلى قول ابن القاص لا تطلق الأوليان بولادة الآخريين.
انتهى.
وما ذكره من اختلاف ابن الحداد وابن الصباغ إنما جرى في الصورة السابقة مثل هذه المسألة لأجل ذكر الزوج لفظ الصاحبة، وليس هنا لفظ الصاحب، بل فيه الأوليان والأخريان وهو صادق مع البينونة فضلًا عن الرجعيات، ثم يلزمه إن سلك ذلك في المسألة قبلها ويخرجها على الخلاف بين ابن الحداد وابن القاص وأن لا تقع على الأولى ثلاث ولا على الثانية والثالثة، والصواب تصوير المسألة بما إذا قال: كلما ولدت واحدة منكن فصاحبتاها طالقتان، وقد نقل عن "شرح الفروع" للشيخ أبى على السنجي أنه صورها بذلك.

قوله: إذا قال لامرأته: إذا حضت حيضة أو إن حضت حيضة فأنت طالق لا يقع الطلاق حتى تحيض وتطهر، وحينئذ فيقع سنيًا ولو قال: إن حضت فأنت طالق طلقت بالشروع في الحيض، وقيل: لا تطلق حتى يمضي يوم وليلة، فحينئذ نتبين وقوعه من حين رأيت الدم، وهذا هو الراجح عند الإمام والغزالي، قال الإمام: وعلى هذا هل يحرم الاستمتاع بها ناجزًا حكمه كما لو قال: إن كنت حائلًا فأنت طالق وقد سبق.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن تعبيره في أول كلامه بقوله وحينئذ فيقع سنيًا هو بسين مضمومة ثم نون ومعناه أنه يقع سنيًا لا بدعيًا فاعلمه، فإنها قد تنحرف

الجزء: 7 - الصفحة: 393

على الناظر فيعبر عنها بقوله تبينا بالتاء بنقطتين من فوق ثم بالباء الموحدة، وقد وقع ذلك لابن الرفعة في "الكفاية" فنقله عن الرافعي، ثم اعترض عليه بأن الطلاق لا يقع من حين رؤية الدم فكيف يقال بالتبين؟ وهو اعتراض فاسد كما ظهر لك مما ذكرناه، وقد نبهت على ذلك أيضًا في كتابنا المسمى "بالهداية إلى أوهام الكفاية" وأوضحته فيه فراجعه.
الأمر الثاني: أنه إذا علق طلاق امرأته على الحيال أي الخلو من الحمل فقال: إن كنت حائلًا فأنت طالق فإنه يحرم الإستمتاع بها قبل ظهور الأمر على الصحيح بخلاف ما لو علق على الحمل فإن الصحيح عدم التحريم، والفرق واضح، وإذا علمت ذلك فالذي نقله في آخر كلامه عن الإمام إنما هو الحامل بالميم؛ لأن الأصل عدم الحيض كما أن الأصل عدم الحمل والحيال هو نظير الطهر.

قوله: لو قال لامرأتيه: إذا حضتما حيضة فأنتما طالقتان فثلاثة أوجه: أصحهما: يكفي قوله حيضة فإذا ابتدأهما الدم طلقتا، والثاني: إذا تمت الحيضتان طلقتا وهذا احتمال رآه الإمام، والثالث: أنه يلغو ولا تطلقان وإن حاضتا، ويجرى الخلاف في ما إذا قال: إن ولدتما ولدًا.
قال الحناطي: فإن قال: إن ولدتما ولدًا واحدًا فأنتما طالقان فإنه محال ولا يقع الطلاق، وعلى الوجه الذي يوقع بالتعليق على المحال يقع هنا في الحال وإن لم تلدا.
انتهى كلامه.
وما ذكره القاضي من تصحيح إلغاء الحيضة وتعلق الطلاق بمجرد رؤيتهما الدم مخالف للقواعد فإنا إن نظرنا إلى التقييد بالحيضة، وأن اشتراكهما فيها محال لزم تصحيح عدم الوقوع، وإن نظرنا إلى المعنى وهو تمام الحيضة من كل واحدة لزم توقف الوقوع على تمامها، فالتصحيح الخارج عن كل منهما مشكل، ثم إنه ذكر أن الخلاف أيضًا جار في الولادة وأنه إذا صرح فيه بالوحدة كان محالًا حتى لا يقع على الصحيح، وهذا

الجزء: 7 - الصفحة: 394

بعينه يجرى في الحيضة؛ لأن الحيضة للمرة الواحدة كقوله ولدًا واحدًا.

قوله: وإذا قالت: حضت فأنكر الزوج صدقت بيمينها لأنها أعرف بحيضها ويتعذر إقامة البينة عليه فإن الدم وإن شوهد لا يعرف أنه حيض بل يجوز أن يكون استحاضة.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة -أعني الكلام في أنه هل يمكن إقامة البينة على الحيض أم لا- ذكرها الرافعي في أبواب: أحدها: هذا، وثانيها: في كتاب الديات في ثلاث مواضع منه، وثالثها في كتاب الشهادات واختلف كلامه فيها وكذلك كلام "الروضة" وقد أوضحت ذلك في الشهادات فلتراجع.

قوله: وذكر إسماعيل البوشنجي أنه لو قال: إذا حضت حيضة فأنت طالق وعادتها ستة أيام مثلًا فإذا مضى ثلاثة أيام يقضي بوقوع الطلاق على ما يقتضيه ظاهر اللفظ.
انتهى كلامه بحروفه.
وتعبيره بقوله: إذا حضت حيضة هو الواقع في نسخ الرافعي، وصوابه نصف حيضة، وقد تفطن لذلك في "الروضة" فزاد هذه اللفظة، ونقل ابن الرفعة كلام الرافعي ثم اعترض عليه.

الجزء: 7 - الصفحة: 395

الفصل الخامس في التعليق بالمشيئة

قوله: ولو قال: امرأتي طالق إذا شاء زيد، لم يشترط الفور بالاتفاق.
انتهى.
لكن ذكر في "الحاوي" عند الكلام على ما إذا قال: أنت طالق لفلان أو لرضى فلان أنه إذا قال: إن رضى زيد فأنت طالق يشترط رضاه على الفور.

قوله: أما لو علق بمشيئتها وهي صبية لا تميز أو مجنونة أو بمشيئة غيرها وهو بهذه الصفة لم يقع بلا خلاف.
انتهى.
وما ادعاه من نفي الخلاف ليس كذلك، فقد نقل في "الإبانة" عن القفال أنه قال بصحة المشيئة من المجنونة والصغيرة.

قوله: وإذا علق الطلاق على مشيئتها فقالت: شئت وهي كارهة بقلبها وقع الطلاق في الظاهر، وهل يقع باطنًا؟ قال أبو يعقوب: لا يقع، وإليه مال القاضي الحسين.
وقال القفال: يقع، وقال البغوي: إنه المذهب؛ لأن التعليق في الحقيقة على لفظ المشيئة.
انتهى.
والأصح هو الوقوع فقد صححه الرافعي في "المحرر" وعبر بالأظهر ونقله عنه في "الروضة" وسكت عليه، لكن ذكر الرافعي في أوائل كتاب الإقرار ما يشكل على الوقوع، ويقتضي أنه لا يقع فراجعه.

قوله: ذكر البغوي أنه لو قال: أنت طالق كيف شئت، قال أبو زيد والقفال: تطلق شاءت أم لم تشأ.

الجزء: 7 - الصفحة: 396

وقال الشيخ أبو على: لا تطلق حتى توجد مشيئة في المجلس إما بالطلاق وإما بعدمه.
قال البغوي: وكذا الحكم إذا قال، على أي وجه شئت.
انتهى.
وهذه المسألة قد أعادها الرافعي في أواخر كتاب العتق قبيل الولاء بنحو أربعة أوراق واقتضى نقله رجحان اشتراط المشيئة فراجعه هناك.

قوله: ولو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا أن يشاء أبوك أو فلان واحدة فشاء واحدة فثلاثة أوجه: أصحها: لا يقع شيء كما لو قال: أنت طالق إلا أن يدخل أبوك الدار فدخل وعلى هذا لو شاء اثنين أو ثلاثًا لم يقع أيضًا شيء لأنه شاء واحدة وزاده.
والثاني: أنه إذا شاء واحدة وقعت فكأنه قيل إلا أن يشاء واحدة فتطلقي تلك الواحدة لا الثلاث.
والثالث: يقع طلقتان، والتقدير إلا أن يشاء أبوك واحدة فلا تقع الواحدة وتقع ما سواها، فإذا قلنا بالأول فقال: أردت المراد بالثاني قبل، وإن قلنا بالثاني فقال: أردت معني الأول قبل أيضًا في أظهر الوجهين حتى لا يقع به شيء، ثم قال: ولو قال: أنت طالق واحدة إلا أن يشاء أبوك ثلاثة، فإن شاء ثلاثًا لم يقع شيء جوابًا على الوجه الأول، وهو الصحيح فإن لم يشأ شيئًا أو شاء واحدة أو اثنتين وقعت واحدة.
انتهى كلامه.
وقد سكت في المسألة الأخيرة عن التفريع على ما عدا الأول.
قال ابن الرفعة في "الكفاية": يظهر أنها على الوجه الثالث تطلق ثلاثًا، وعلى الثاني أن يكون الحكم مثل الأول، وخالف في "المطلب" فقال: قياس الأوجه الثلاث عدم الطلاق.

الجزء: 7 - الصفحة: 397

قوله: لو قال: أنت طالق لولا أبوك لم تطلق، وفيه وجه ضعيف حكاه المتولى، ثم قال: ولو قال: أنت طالق لولا أبوك لطلقتك، قال الأصحاب: لا تطلق؛ لأنه أخبر بأنه لولا حرمة أبيها لطلقها، وأكد هذا الخبر بالحلف بطلاقها كقوله: والله لولا أبوك لطلقتك، قال المتولى: وإنما لا تطلق إذا كان صادقًا في خبره.
انتهى كلامه.
وهذا الكلام في ظاهره مشكل فإنه جعل أنت طالق حلفًا بمثابة قول القائل: الطلاق يلزمني، وقوله: والله وهذا شيء غير معهود وجوابه يتضح بما ذكره الرافعي بعد هذا بنحو ستة أوراق، فإنه نقل عن المتولى أن عادة البغداديين أن يجعلوا هذه اللفظة محلوفًا بها كما يحلف الحالف بقوله؛ والله ونحوه، ومعنى الكلام إن فعلت فأنت طالق.
إذا تقرر هذا فالرافعي أخذ هذه المسألة من المتولى وهو رجل بغدادي فجرى على قاعدة البغداديين، وكان ينبغي للرافعي أن يذكر المسألة الثانية أولًا ثم يفرع عليها تلك.

قوله: قال: أنت طالق إلا أن أشاء أو يبدو لي، قال البغوي: يقع في الحال؛ لأنه ليس بتعليق، بل أوقع الطلاق وأراد رفعه إذا بدا له ويمكن أن يقال هو كما لو قال: إلا أن يشاء فلان أو يشاء الله.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: [قال ابن الرفعة] 60: إن ما ذكره احتمالًا هو ما نص عليه الشافعي كما حكى عنه في "الإشراف" أنه لو قال: لفلان على ألف إلا أن يبدو لي فهو استثناء صحيح وهو ما حكاه في "التتمة" فيما إذا قال: إلا أن أشاء أنا، وخالف أبو الطيب النص ولم يصحح

الجزء: 7 - الصفحة: 398

الاستثناء.
قال صاحب "الإشراف": كل قول في عقد إيجاب أو إقرار إذا عقب بالاستثناء أو التخصيص أو بقوله إلا أن يبدو لي أمر فيه هذه المعاني، إلا إذا قال: يا زانية أنت طالق إن شاء الله فإنه قاذف ولا طلاق، وما نقله عن "التهذيب" موافق لأحد الاحتمالين لصاحب "التقريب" فيما إذا قال الناذر: لله على كذا إلا أن يبدو لى كما حكاه الإمام عنه في كتاب الاعتكاف وفيما إذا قال: إلا أن يشاء زيد.
الثاني: أنه قد جزم بعده بأسطر بما يخالفه فقال نقلا عن البوشنجي من غير مخالفة له ولو قال أنت طالق إلا أن يرى فلان غير ذلك، أو إلا أن يشاء أو يريد غير ذلك، أو إلا أن يبدو لفلان غير ذلك فلا يقع الطلاق في الحال، بل يقف الأمر على ما أن يبدوا من فلان ولا يختص ما يبدو منه بالمجلس، ولو مات فلان وفات ما جعله مانعًا من الوقوع تبين وقوع الطلاق قبيل موته.
هذا كلامه، إلا أنه أولًا جعل البداء راجعًا إليه وجعله ثانيًا راجعًا إلى فلان.
وقد جزم النووي بالموضع المذكور ثانيا ولم ينقله عن البوشنجي، وأما الأول فنقله عن "التهذيب" إلا أنه لم يذكر البحث الذي أشار إليه الرافعي فصار أشد في الاختلاف، والسبب في وقوع مثل هذا للرافعي أنه يلحق أشياء بكتابه ظنا منه أنها لم تتقدم مع كونها قد تقدمت بالعكس.

قوله: فرع: ذكر البوشنجي أنه لو قال: إن لم يشأ فلان فقال فلان: لم أشأ وقع الطلاق، وكذا لو قال: إن لم يشأ فلان طلاقك اليوم فقال فلان في اليوم: لا أشاء وقع الطلاق وقياس التعليق بنفي الدخول وسائر الصفات أن يقال: إنه وإن لم يشأ في الحال فقد يشاء بعد، فلا يقع الطلاق

الجزء: 7 - الصفحة: 399

إلا إذا حصل اليأس، وفاتت المشيئة، [وفي صورة التقييد باليوم، لا يقع الطلاق إلا إذا مضى اليوم خاليا عن المشيئة] 61 ويجوز أن يوجه ما ذكره البوشنجي بأن كلام المعلق محمول على تلفظه بعدم المشيئة فإذا قال: لم أشأ، فقد تحقق الوصف، انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" وفيه كلام متوقف على مقدمة ذكرها في آخر باب الاستثناء في الطلاق فقال: لو قال: أنت طالق إلا أن يشاء زيد فالصحيح أن معناه إلا أن يشاء الوقوع، كما إذا قال: إن شاء زيد فإن معناه أيضا أن يشاء الوقوع، وقيل: إن معناه إلا أن يشاء عدم الوقوع فعلى الأول يقع الطلاق إذا لم يشأ زيد شيئا أصلا أو يشاء عدم وقوعه ولا يقع إذا شاء الوقوع، قال: والحاصل أن الطلاق معلق بعدم مشيئة الطلاق لا بمشيئة عدم الطلاق، والمعنى الثاني أخص من الأول ومسألتنا فرد من أفرادها، لأن قوله: إن لم يشأ زيد يكون معناه إن لم يشأ الوقوع وذلك إما بأن لا يشاء شيئا أصلا أو بأن يشاء عدم وقوعه وهو كالأول سواء.
إذا علمت ذلك ففي ما نقله الرافعي في هذا الباب عن البوشنجي وأقره هو والنووي عليه فيه أمور: أحدها: أن حاصل كلامه أولا وآخرا أنه محمول على التلفظ بعدم المشيئة وهو مخالف للصواب المجزوم به هناك.
الأمر الثاني: أن تعبيره بقوله فقال فلان: لم أشأ وقع الطلاق صريح في وقوع الطلاق إذا اقتصر فلان على قوله: لم أشأ وهذا يخالف كلا من الوجهين المذكورين في أن الذي شاءه هل هو الوقوع أو عدمه، وفي كلام الرافعي في هذا الفصل مواضع مذكورة قبل هذه المسألة توهم أيضا ما اقتضاه كلامه هنا إلا أن في بعضه تصريحا بالمقصود.

الجزء: 7 - الصفحة: 400

الأمر الثالث: أنه سوى بين لم ولا فعبر تارة بقوله لم أشأ وتارة بقوله لا أشاء وبينهما فرق ظاهر، فإن لم فيما مضى، وأما لا فإنها إما للمستقبل أو محتملة له وللحال على خلاف للنحاة.

الجزء: 7 - الصفحة: 401

الفصل السادس في مسائل الدور

قوله: وإذا قال لامرأته: إذا طلقتك أو مهما أو متى فأنت طالق قبله ثلاثًا ثم طلقها ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يقع عليها شيء وهو المشهور عن ابن سريج وإليه ذهب ابن الحداد والقفال الشاشي والقفال المروزي، والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو علي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي والروياني، وأجاب به المزني في "المنثور" وحكاه صاحب "الإيضاح" عن نص الشافعي.
والثاني: يقع المنجز ولا يقع المعلق؛ لأنه جعل الجزاء سابقًا على الشرط حيث قال: فأنت طالق قبله ثلاثًا والجزاء لا يتقدم على الشرط فيلغو التعليق ولأن الطلاق تصرف شرعي والزوج أهل له وهي محل فبعد أن ينسد عليه باب التصرف، وهذا ما اختاره صاحب "التلخيص" والشيخ أبو زيد وابن الصباغ وصاحب "التتمة" والشريف ناصر العمري واختاره الغزالي بعد أن كان يختار الأول وصنف على كل اختيار تصنيفًا ويشبه أن تكون الفتوى به أولى.
والثالث: وهو اختيار أبي بكر الإسماعيلي وختنه وهو أبو عبد الله المشهور بالختن أنه يقع ثلاث طلقات، وله تنزيلان: أظهرهما: تقع المطلقة المنجزة وطلقتان من الثلاث المعلقة.
والثاني: تقع الثلاث المعلقة ولا تقع المنجزة ويجعل كأنه قال: متى تلفظت بأنك طالق فأنت طالق قبله ثلاثًا، انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن ما نقله عن ابن الصباغ من اختيار وقوع المنجز خاصة قد تبعه عليه في "الروضة" وهو غلط فإن الذي اختاره إنما هو وقوع الثلاث

الجزء: 7 - الصفحة: 402

المطلقة المنجزة وطلقتين من الثلاثة المعلقة كذا صرح به في الشامل، إلا أنه ذكره في فصل يلي الفصل المعقود للمسألة فرجح في الفصل الأول وقوع المنجز، ثم ذكر في أول الفصل الذي يليه أنه يقع مع المنجز طلقتان أخريان وهو التنزيل الأول على الوجه الثالث كما سبق، وتفريق الحكم في الفصلين هو الذي أوقع الرافعي في الوهم، وذكر ابن الصباغ بعد هذا فرعًا مبنيًا على المسألة فقال: ويترتب على هذه المسألة مسألة جاءت من عمان وهي بلاد شرقي اليمن بساحل البحر أن رجلًا حلف بالطلاق الثلاث أنه يحج في هذه السنة فأفتاه بعض من ذهب إلى أنه لا يقع الطلاق بالكلية بأن يقول لامرأته إن حنثت في يميني فأنت طالق قبل ذلك ثلاثًا فإذا قال ذلك ولم يحج لم يطلق، وامتنع منهم قوم وفرقوا بأن هذا قد انعقدت يمينه على الحج فلا يملك حلها، وأما تلك المسألة فإنه علق بها ما يحلها قبل أن يعقدها قال: وأجاب القاضي أبو الطيب بحل اليمين.
الأمر الثاني: أن ما أشار إليه الرافعي من رجحان وقوع المنجز قد ذكر في "الشرح الصغير" مثله أيضًا.
وقال في "المحرر": أنه أولى الوجوه، وهذا الترجيح الذي ذكره في هذه الكتب مخالف للنص كما تقدم، ولكلام الأكثرين كما دل عليه كلامه، وتعداده للقائلين بكل منهما، وقد صرح الإمام بذلك فقال: ذهب معظم الأصحاب إلى أنه لا يقع شيء بالكلية, وكذلك الكيا الهراسى, وصنف في دْلك تصنيفًا إلا أنه صحح فيه وقوع المنجز وطلقتين من المعلق، ونقل في "البحر" عن القاضي أبي الطيب أن الشافعي نص في "المنثور" عليه -أي: على عدم الوقوع- فكيف شرع الفتوى بما يخالف نص الإمام وكلام الأكثرين، وقد صححه أيضا الغزالي في "الوسيط" في آخر الفصل فقال: إنه الصحيح وكذلك صاحب "الذخائر" وصنف فيه تصنيفًا واقتصر عليه أبو حاتم القزويني في كتاب "الحيل" وصححه أيضًا الشاشي في "المعتمد"

الجزء: 7 - الصفحة: 403

وكذلك ابن الخل شارح "التنبيه" وكان يفتي به ببغداد كما نقله عنه ابن خلكان في تاريخه.
الأمر الثالث: أن تعليله عدم وقوع المعلق يكون الجزاء لا يسبق الشرط باطل فإنه قد نص في مسائل على عكسه منها: ما هو مذكور هاهنا فإنه قال في أثناء هذه المسألة: أنه إذا قال: إذا طلقتك فأنت طالق قبلها طلقتين وهي مدخول بها وطلقها وقعت الطلقتان المعلقتان.
الأمر الرابع: أن تعليله بانسداد باب الطلاق فيه بحثان: أحدهما: ذكره الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في مجموع له سماه بـ"اقتناص السوانح" ونقلته من خطه فقال: ذكر بعضهم أنه إذا عكس التعليق فقال: كلما تلفظت بطلاقك فلم يقع عليك فأنت طالق قبله ثلاثًا فإذا طلقها انحل الدور ووقع الطلاق قال: لأن الطلاق القبلي قد صار والحالة هذه معلقًا على النقيضين وهو الوقوع وعدم الوقوع وكلما كان لازمًا للنقيضين فهو واقع ضرورة لاستحالة خلو الواقع عن أحدهما، قال: وقريب منه قولهم في الوكالة كلما عزلتك فأنت وكيلي فنفاذ العزل أن يقول: وكلما عدت وكيلي فأنت معزول ثم يقول: عزلتك.
قلت: ولك أن تجيب بجوابين.
أحدهما: أن الطلاق إنما يقع على تقدير صحة التعليق المتأخر، ولقائل أن يمنع صحته لكونه غير قادر على التنجيز الذي هو فرعه.
الجواب الثاني: سلمنا صحة التعليق الثاني لكن التعليق الأول لا يترتب عليه شيء؛ لأن التفريع على صحة الدور واستحالة وقوع المعلق فيه وحينئذ فلم يصر الطلاق واقعًا على كل من التقديرين.
واعلم أن المدرك في الطلاق علي تقدير صحة التعليق إنما هو وقوعه على تقدير كل من النقيضين ولهذا يحصل المقصود وهو الطلاق بلا لفظ آخر

الجزء: 7 - الصفحة: 404

على هذا التقدير، والمدرك في الوكالة إنما هو تعارض التعليقين؛ لأن كل تعليق مطلوبه خلاف مطلوب الآخر بخلاف الطلاق، فلما تعارض اعتضد العزل بالأصل؛ إذ الأصل الحجر؛ ولهذا لا يحصل المقصود وهو العزل إلا بلفظ.
البحث الثاني: أن الوقوع بالسراية إما بالنسبة إلى الطلقة أو إلى المرأة المطلقة هل ينسب إلى المطلق أم لا بل السراية تكميل من الشرع؟ اختلف فيه كلام الرافعي كما سبق إيضاحه في كتاب الخلع، وحينئذ فإذا أضاف الطلاق إلى يدها مثلا وقلنا إنه سراية وأن السراية تكميل من الشرع لم ينسد باب الطلاق؛ لأن المعلق عليه وقوع طلاقه عليها وفي مثالنا لم يقع عليها بل إنما وقع على بعضها.

قوله: والوجهان الأولان يجريان في المدخول بها وغير المدخول بها جريانًا واحدًا.
وأما الثالث: فموضعه ما إذا كانت المرأة مدخولًا بها وغير المدخول بها لا يتعاقب عليها طلاق.
انتهى كلامه.
وما ذكره من أن محلهما في المدخول بها تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وليس كذلك فإن القائل به له تنزيلات كما سبق، وهذه الدعوى من الرافعي صحيحة على التنزيل الأول منه.
وأما على الثاني: فلا، وحينئذ فتجري الأوجه في المدخول بها وغيرها.
نعم: على ذلك التنزيل هل يقع على غير المدخول بها طلقة واحدة أم طلقتان؟

قوله: ولو قال أنت طالق ثلاثًا قبل أن أطلقك واحدة ثم طلقها واحدة فعلى الوجه الأول وهو انحسام باب الطلاق لا يقع شيء بالكلية، وكذا لو طلق ثلاثا أو اثنتين لاشتمال العدد على واحدة، وإذا مات أحدهما حكم

الجزء: 7 - الصفحة: 405

بوقوع الطلاق قبيل الموت كما لو قال: إن لم أطلقك فأنت طالق، قاله المتولي، وعلى الوجه الثاني وهو القائل بوقوع المنجز يقع المنجز أيضًا، انتهى.
وما ذكره هنا قد تقدم ما يخالفه في آخر الفصل الأول من هذا الباب وقد سبق ذكره واضحًا فراجعه.

قوله: ومن تصويرات ابن الحداد إذا قال لامرأته متى أعتقت جاريتي هذه وأنت زوجتي فهي حرة ثم قال: متى أعتقتها فأنت طالق قبل عتقك إياها بثلاثة أيام، ثم أعتقها قبل مضي ثلاثة أيام فتعتق الجارية لأنها أعتقها وهي زوجة له ولا تطلق لأنه أوقع الطلاق قبل العتق بثلاثة أيام ولو أوقعناه كذلك لقدمناه على اللفظ وذلك محال وإن أمهلت ثلاثة أيام ثم أعتقها قبل مضي ثلاثة أيام لم تعتق لأنه إنما أذن لها في العتق بشرط أن تكون زوجة له، وقد علق الطلاق بثلاثة قبل العتق، ولو نفذ العتق لوقع الطلاق قبله بثلاثة أيام ولو كان كذلك لم تكن زوجة وإذا لم يحصل العتق لا يقع الطلاق أيضًا لأنه معلق به.
انتهى كلامه.
وهذه المسألة يقع فيها تحريف وفي حكمها وقفة، وقوله في أولها متى أعتقت هو بتاء مكسورة على أنه خطاب للزوجة فاعلمه، وفي آخر كلامه ما يدل عليه وإنما نفذنا العتق منها بهذا اللفظ الصادر من الزوج وإن كانت الجارية ملكًا له لا لها لأنه توكيل للمرأة في الإعتاق وهذا حاصل ما تلخص لي من كلام الفروع وكلام الشارحين لها كالصيدلاني وغيره والقول بنفوذه منها بهذا اللفظ مشكل جدًا، نعم: يحتمل أن يكون كناية لا تصريحا أو يكون من باب المؤاخذة.

الجزء: 7 - الصفحة: 406

قال -رحمه الله-: القسم الثاني في فروع التعليقات

قوله: وقال أبو حنيفة وأحمد: التعليق بالطلوع ونحوه خَلَفَ كالتعليق بالدخول إلا في قوله: إذا حضت، أو إذا طهرت، أو إذا شئت، انتهى.
هكذا وقع في نسخ الرافعي "شئت" بمعنى الإرادة، ونقل في "البيان" نفست عوضًا عنه.

قوله: قال: أيما امرأة لم أحلف بطلاقها منكما فصاحبتها طالق، قال صاحب "التلخيص": إذا سكت ساعة يمكنه أن يحلف فيها بطلاقهما طلقتا.
قال الشيخ أبو علي: عرضت قوله على القفال وشارحي "التلخيص" فصوبوه، والقياس أن هذه الصيغة لا تقتضي الفور بل لابد من اليأس بموته أو موتها؛ إذ ليس في عبارته تعرض للوقت بخلاف قوله: متى لم أحلف، وتابعه الإمام، وغيره على قوله، واستبعده صاحب "التلخيص".
انتهى كلامه.
لم يصحح في "الروضة" شيئًا من ذلك والصحيح مقالة الشيخ أبي علي فقد جزم بها الرافعي بعد هذا بنحو كراس ونصف عقب الكلام على الناسي والمكره، فقال: ولو قال: أيتكن لم أطأها فالأخريان طوالق ولم يقيد بوقت فجميع العمر وقت له.

قوله: والبشارة هي الخبر الأول الصدق انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير" و"الروضة" ومقتضاه أنه لا فرق في ذلك بين السار والمكروه، وجزم في "الكفاية" هنا بأنه لابد فيه من قيد السرور، قال: لأن الصرف يقتضي ذلك وإن كانت البشارة مأخوذة مما يغير البشرة سواء كان بخير أو شر، وحكى الماوردي في اشتراطه وجهين، ثم قال: والصحيح عندي تفصيل، فإذا قال مثلا: من بشرني بخبر زيد فينظر حال

الجزء: 7 - الصفحة: 407

الحالف معه فإن كان صديقا له أي لزيد فليس المكروه ببشارة، وإن كان عدوًا فهو بشارة، ونقله عنه صاحب "البحر" في كتاب الأيمان، وتابعه عليه وهذا منهما يقتضي أن البشارة يعتبر فيها سرور المخبر بكسر الباء دون المخبر والمتجه عكسه، فإن المسألة لها أربعة أقسام.
إما أن يسرهما معًا.
أو يسوؤهما معًا.
أو يَسُر المُخْبِر دون المُخْبَر.
أو بالعكس.
وسيأتيك في التعليق على ابتداء السلام كلام آخر متعلق بالبشارة فراجعه.
وسكت الماوردي عن قسم ثالث وهو ما إذا لم يكن بينهما صداقة ولا عداوة ويتجه فيه عدم الوقوع.

قوله: وإذا قال: من بشرتني بكذا منكما أو منكن فهي طالق فبشرتا معًا فالمنقول أنهما تطلقان وقد يفهم من قوله من بشرتني منكما استقلال الواحدة بالبشارة وكذلك يصدق أن يقال ما بشرته حفصة ولا عمرة إنما بشرته زينب، ولو قال: من أكلت منكما هذا الرغيف فأكلتاه لم تطلق -انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدهما: أن الوقوع في هذه المسألة مشكل لا يوافق القواعد وذلك لأن البشارة كما ذكره الرافعي مختصة بالخبر الأول الصدق الذي لم يكن المبشر عالما بمدلوله فلابد من وجود قيد الأولية، والمعية ليس فيها أول كما ذكره الرافعي في آخر الفصل الثالث المعقود للحمل والولادة فقال: ولو قال: إن أول ولد تلدينه ذكرًا فأنت طالق واحدة وإن كان أنثى فأنت طالق ثلاثًا

الجزء: 7 - الصفحة: 408

فولدتهما معًا لم يقع شيء؛ لأنه لا يوصف واحد منها بالأولية، ولهذا لو أخرج رجل دينارًا للمتسابقين وقال: من جاء منكما أولًا فهو له فجاءا معًا لم يستحقا شيئًا.
قال الشيخ أبو علي: ويحتمل أن يطلق ثلاثًا، ثم قال: وعرضته على الشيخ -يعني: القفال- فلم يستبعده، انتهى كلامه.
فتلخص أن البشارة لابد فيها من الأولية والأولية منتفية عن المعية فلزم انتفاء البشارة عن المعية وإذا انتفت البشارة لم يقع الطلاق فتلخص أن ما قاله الرافعي هنا لا معول عليه ولا التفات إليه.
الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلامه من الاتفاق على طلاقهما معًا عند مخاطبة المرأتين فقط تبعه عليه في "الروضة" وليس كذلك فقد جزم جماعة بعدم الوقوع وعللوه بأن صيغة من تقتضي التبعيض منهم الماوردي في "الحاوي" والروياني في "البحر" كلاهما في كتاب الأيمان، وهو صحيح يؤيده ما ذكروه في الوكالة في ما لو قال: بع ما تراه من عبيدي وقد تكلمنا عليه هناك، وقد حذف النووي من "الروضة" هذه المسألة -أعني: وجود البشارة من جميع المعلق عليهم دفعة واحدة عند الإتيان بصيغة من وهي مسألة مهمة.
الأمر الثالث: أن الرافعي قد استدل على ما ادعاه وهو فهم الاستقلال بصحة نفيه عن كل واحدة على انفرادهما، ثم ذكر أن ما يفهم منه الاستقلال من السرور ما لا أثر له عند الاشتراك بدليل مسألة الرغيف، وهذا الذي ذكره صحيح لا اعتراض عليه من هذا الوجه وإن كان فيه شيء آخر سأذكره بعد هذا.
إذا علمت ذلك فاعلم أن النووي قد فهم كلام الرافعي على غير وجهه فاختصره على ما فهمه منه ثم اعترض عليه فإنه قال: فلو بشرتاه معًا فالمنقول أنهما تطلقان وفيه نظر، فإنه لو قال: من أكل منكما هذا الرغيف

الجزء: 7 - الصفحة: 409

فهي طالق فأكلتاه لم تطلقا، قلت: الصواب أنهما تطلقان، وليس كمسألة الرغيف؛ لأنه لم تأكله واحدة منهما، وأما البشارة فلفظة من ألفاظ العموم لا تنحصر في واحدة فإذا بشرتاه معًا صدق اسم البشارة من كل واحدة مطلقًا هذه عبارته.

قوله: ولو أرسلت رسولًا لم تطلق؛ لأن المبشر هو الرسول ذكره البغوي، انتهى.
وما أطلقه من كون المبشر هو الرسول قد تابعه عليه أيضا في "الروضة" وفيه تفصيل ذكره الرافعي قبل كتاب التدبير نقلا عن "الزيادات" للعبادي ولابد منه، فقال: وأنه إذا قال: من بشرني من عبيدي بقدوم زيد فهو حر فبعث بعض عبيده عبدًا آخر ليبشره به فجاء وقال: عبدك فلان يبشرك بقدومه وأرسلني لأخبرك فالمبشر المرسل دون الرسول هذا لفظه، وحاصله التفصيل بين أن يستند إليه أم لا وهو واضح بخلاف ما يوهمه إطلاق المذكور هنا.

قوله: ولو قال: من أخبرني منكما بكذا فهي طالق فلفظ الخبر يقع على الكذب والصدق ولا يختص بالخبر الأول فإذا أخبرتاه صادقتين أو كاذبتين معًا أو على الترتيب طلقتا جميعًا، انتهى.
وما ذكره من وقوع الطلاق عليهما جميعًا مع كونه قد عبر بمن الدالة على التبعيض قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا والقواعد تنفيه لما ذكرناه من الإتيان بمن، وقد سبق في كتاب الوكالة أنه لو قال بع من عبيدي من رأيت لا يجوز له بيع جميعهم بالجملة فقد ذكر الروياني المسألة في كتاب الأيمان من "البحر" فقال: لو قال: من بشرني [بخبر زيد] 62 من عبيدي [فهو حر فبشره جميع عبيده في حالة واحدة لم يعتق واحد منهم؛ لأنه قال: من بشرني من عبيدي] 63 فيقتضي التبعيض دون الجميع هذه عبارته.

الجزء: 7 - الصفحة: 410

قوله: فرع: لو قال: أنت هكذا وأشار بأصابعه الثلاث ففي "فتاوى القفال" أنه لو نوى الطلاق طلقت ثلاثًا والإشارة صريحة في العدد وإن لم ينو أصل الطلاق لم يقع شيء وقال غيره: يحتمل أن لا يجعل هذا كناية؛ لأن اللفظ لا يشعر بالطلاق بحال.
انتهى.
وقوله: ولو قال: إن دخلت وكلمت زيدًا فأنت طالق، طلقت بوجودهما كيف كان، وأشار في "التتمة" إلى وجه في اشتراط تقديم الأول بناء على أن "الواو" تقتضي الترتيب ولو أتى بـ"ثم" أو "الفاء" فيشترط تقديم الأول.
انتهى ملخصا.
وما ذكره هنا في "الواو" قد نقل في باب التدبير عن البغوي ما يخالفه وأقره عليه وسوف أذكره هناك فراجعه.
وأما اقتصاره في "الفاء" و"ثم" على اشتراط تقديم الأول فليس بجيد، بل يشترط في الفاء إيصاله بالأول على الأصح كذا صححه الرافعي في باب التدبير وقياسه اشتراط الانفصال في ثم.

قوله: ولو قال: إن دخلت الدار إن كلمت زيدًا فأنت طالق أو قال: أنت طالق إن دخلت إن كلمت، فلابد منهما ويشترط تقديم المذكور آخرًا على المذكور أولًا سواء كان الشرطان متفقين كما ذكرنا أو مختلفين كأن وإذا، ويسمى هذا اعتراض الشرط على الشرط؛ لأنه جعل الكلام شرطًا لتعليق الطلاق بالدخول والتعليق يقبل التعليق ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ [وفي فتاوي القفال أنه يشترط تقديم المذكور أولًا وهو غريب] 64 وذكر الغزالي في "الوجيز" نحوه، وهو محمول على سبق القلم، ويدل عليه أنه في "البسيط" جزم بالمعروف، ومال الإمام إلى أنه لا يشترط ترتيب أصلا والظاهر الذي ذكره الجمهور هو الأول حتى إذا دخلت ثم كلمت لا يقع، قال في "التتمة": وتنحل اليمين؛ لأنها انعقاد على المرة

الجزء: 7 - الصفحة: 411

الأولى.
انتهى ملخصًا.
فيه أمور: أحدها: أن ما صححه هاهنا من وجوب تقديم الثاني قد خالفه في كتاب التدبير فذكر ما يوافق الوجه الثاني، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى وتبعه في "الروضة" على هذا الاختلاف.
الأمر الثاني: أن نقله تقديم الأول عن هذا الكتاب الغريب فقط ثم استغرابه له هو الغريب فإنه يقتضي أنه لم يظفر به لغيره مع أن الإمام قد جزم به في "النهاية" وزاد على ذلك فنقله عن الأصحاب ثم ذكر البحث الذي تقدم نقله عنه وهو الاكتفاء بوقوعهما كيف كان، ونقله أيضًا القاضي الحسين في "تعليقه"، ثم قال: والعراقيون قالوا بعكسه.
واعلم أن ما ذكرناه يعرفك أن ما في "الوجيز" وقع عن قصد لا عن سبق قلم.
الأمر الثالث: أن مرجع هذه المسألة إلى أهل العربية وقد قال شيخنا في "الارتشاف": إن الأصح اشتراط تقديم الثاني على وفق ما صححه الفقهاء؛ لأن ابن مالك في باب الجوازم من شرح الكافية قد جزم بأن الشرط الثاني في موضع نصب على الحال وهو لا يوافق شيئًا مما تقدم وقد بسطت المسألة في "الكوكب الدري" فراجعها.
الأمر الرابع: أن هذا النقل المذكور في آخر المسألة عن المتولي صحيح ذكره قبيل الرجعة بأوراق قلائل ولكنه غير مستقيم في نفسه؛ لأن المحلوف عليه في قول القائل مثلًا: إن قمت إن قعدت، إنما هو قيام سبقه قعود ولم يوجد ذلك، وإنما وجد خبر المحلوف عليه وهو القعود؛ لأنا ألغينا القيام السابق فتكون اليمين باقية حتى إذا وجد بعده قيام آخر حصل الحنث.

قوله: قال لنسوته الأربع: أربعتكن طوالق إلا ثلاثة قال القاضي الحسين والمتولي: لا يصح هذا الاستثناء؛ لأن الأربع ليست صيغة عموم، وإنما هي

الجزء: 7 - الصفحة: 412

اسم لعدد معلوم خاص، فقوله: إلا فلانة رفع للطلاق عنها بعد التنصيص عليها، فهو كقوله: أنت طالق طلاقًا لا يقع عليك، ومقتضى هذا التعليل أنه لا يصح الاستثناء من العدد في الإقرار، ومعلوم أنه ليس كذلك، وحكى الإمام عن القاضي أنه لو قال: أربعتكن إلا فلانة طوالق صح الاستثناء، وادعى أن هذا معهود دون ذاك وهذا كلام كما تراه.
انتهى كلامه.
وقد تضمن استشكال الفرق بين الصورتين والإشارة إلى التعجب منه حيث قال: كما تراه مع أن الفرق واضح فإن الصورة الثانية وقع فيها الإخراج قبل الحكم فلم يؤد إلى التناقض بخلاف الصورة الأولى فإنه وقع بعد الحكم على أن في المسألة كلامًا للأصوليين ذكرته في ما ألفناه في علم الأصول.

قوله: ولو قيل له على وجه الإنشاء: أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم، فهل هو صريح أو كناية؟ فيه قولان: قال الأئمة: وهما مبنيان على أنه لو قال الولي: زوجتك ابنتي فقال: قبلت ولم يقل نكاحها هل يصح؟ وقضية هذا البناء ترجيح قول الكناية، لكن ابن الصباغ والروياني رجحوا كونه صريحًا ومنهم من لا يذكر غيره.
انتهى ملخصا.
والصحيح أنه صريح كذا صححه الرافعي في "المحرر" و"الشرح الصغير" وعبر فيهما بالأظهر وجعل الخلاف وجهين.

قوله: فرع: إذا قيل له أطلقت [زوجتك؟ فقال: قد كان بعض ذلك] 65 ولم يفسر بشيء قال في "التتمة" إذا كان السؤال عن ثلاث لزمه الطلاق وإن كان عن واحدة لم يلزمه شيء لأن الطلقة لا بعض لها، والأصل أن [لا طلاق] 66 في واحد من الطرفين، وفي هذا توقف لا يخفى.
انتهى.
قال في "الروضة": الصواب أنه لا يقع شيء في الحالتين، وقد اختصر

الجزء: 7 - الصفحة: 413

البحث الذي أشار إليه الرافعي فقال: والأصل: أن لا طلاق وفي كل واحد من الطرفين نظر.
هذا لفظه.

قوله: وإذا علق الطلاق بالأكل ففي الحنث بالابتلاع وجهان أوردهما صاحب "التتمة"، والأظهر: المنع؛ لأنه يصح أن يقال: ابتلع وما أكل، انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من تصحيح عدم الحنث قد جزم بخلافه في كتاب الأيمان في موضعين في أثناء النوع الثاني وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
وتبعه في "الروضة" على الموضعين لكنه اختصر كلامه هنا على غير ما هو عليه فإنه نسب الوجهين والتصحيح إلى "التتمة" فقال: ولو علق على الأكل فابتلعت لم يجب على الأصح؛ لأنه يقال: ابتلع ولم يأكل.
ذكره المتولي هذا لفظه.
وقد رأيت التصحيح في "التتمة" كما ذكره لكنه لا يكفي في الاعتذار لفوات ما دل عليه لفظ الرافعي من الصحيح على وفق ما صححه في "التتمة" فتعين أنه سهو منه بلا شك والموقع للرافعي في هذا الاختلاف هو صاحب "التتمة" فإنه مع تصحيحه هنا عدم الحنث قد جزم في كتاب الأيمان بعدمه وصور المسألة في السكر فتابعه الرافعي عليها.

قوله: قال الإمام: واكتفوا فيما إذا قال: إن لم تعدي الشيء فأنت طالق بذكر اللسان، ولم يعتبروا تولي العدد فعلًا -أي: باليد- قال: ولست أرى الأمر كذلك، ثم قال: نعم لو كان يرمق الواحد بعد الواحد، ويضبط فهذا يقام مقام النقل باليد.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره آخرًا من إقامة الرمق مع الضبط مقام النقل باليد قد أسقطه من "الروضة".
الأمر الثاني: أن ما ذكره من اشتراط النقل أو الإشارة لا يتصور القول به

الجزء: 7 - الصفحة: 414

إلا على الوجه الثاني على خلاف ما دل عليه كلامه فتأمله.

قوله: لو قال: إن لم تخبريني بعدد حبات هذه الرمانة قبل كسرها أو أن تخبريني بعدد ما في هذا البيت من الجوز فأنت طالق، أو قال: إن لم تذكري، قال الأصحاب: يحصل الخلاص بأن تبتدئ من عدد يستيقن أن الحبات والجوز لا ينقص عنه وتذكر الأعداد بعده على الولاء بأن تقول: مائة، مائة وواحد، مائة واثنين، وهكذا إلى أن تنتهي إلى عدد تستيقن أنه لا يزيد عليه فتكون مخبرة عن ذلك العدد أو ذاكرة له وهذا إذا لم يقصد التعين والتعريف وإلا فلا يحصل البراء.
انتهى.
وما ذكره هنا من توقف الخلاص على الطريقة المذكورة تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو مشكل مخالف للقاعدة، فقد ذكر الرافعي قبل ذلك بأوراق أن الخبر لا يختص بالصدق على الصحيح، بل يطلق على الصدق والكذب وحينئذ فيتخلص الحالف المذكور بأي عدد ذكرته المرأة له صدقا كان أو كذبا إذ الفرض أنه لم يقصد التمييز، وقد حصل مسمى الخبر بعدده فيكفي وإن كان خبرًا غير مطابق ولم يذكر هذا الموضع في "الشرح الصغير".

قوله: فرع: لابد من النظر في مثل هذه التعليقات إلى وضع اللسان وإلى ما يسبق إلى الفهم في العرف الغالب فإن تطابق العرف والوضع فذاك وإن اختلفا فكلام الأصحاب يميل إلى اعتبار الوضع والإمام والغزالي يريان اتباع العرف وقد سبق في هذه الفروع أمثلة هذا.
انتهى كلامه.
وما ذكره من رجحان الوضع قد صرح أيضًا بتصحيحه بعد هذا بأسطر فقال: إنه الأصح الذي أجاب به المتولي وعلله بأن العرف يتخبط وما نقله هنا عن المتولي قد تقدم [في عليه] * في أول الباب الثالث من أبواب الخلع ما يخالفه وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله من زياداته: قلت: القحبة هي البغي وهي كلمة مولدة ليست عربية والله أعلم.
انتهى.
وما ذكره من كونها ليست عربية ليس كذلك فقد ذكر الشيخ عز الدين * قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا بالمطبوع، ولم أفهمها، ولو حُذفت لاستقام الكلام، والله أعلم

الجزء: 7 - الصفحة: 415

في مجموع له مشتمل على مسائل التفسير وغيرها ما حاصله: أنها عربية فقال: القحبة مأخوذ من القحاب بالضم وهو السعال وذلك أنهم كانوا يقولون للزانية إذا عطست الورا والقحاب، والورا بالفتح والقصر هو داء في الجوف ومنه قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لأن يمتليء جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرًا" 67 فلما لازمها ذلك عند الدعاء عليها عند العطاس اشتق لها منه اسم.
هذا كلامه، وغايته أن يكون مجازًا إن لم يكن حقيقة، والمجاز ليس خارجا عن لغة العرب لانقسام اللغة إلى حقيقة ومجاز، وذكر الجوهري أن القحبة مولدة ولم يزد على ذلك، قال: ويقال: وري القيح جوفه وريًا إذا أكله ثم ذكر الحديث.

قوله: وقال -يعني: أبا العباس الروياني-: إن الأحمق من نقصت مرتبة أموره وأحواله عن مراتب أمثاله نقصًا بينًا بلا مرض ولا سبب.
انتهى كلامه.
وهذا التفسير الذي ذكره في الأحمق واقتصر عليه قد ذكر خلافه في كتاب الكفارات واقتصر عليه أيضًا فقال: ويجزئ الأحمق، وفسر بأنه الذي يضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه، والمجنون لا يعلمه.
هذا لفظه وذكر مثله هناك أيضًا صاحب "المهذب" و"التهذيب" وفي "الحاوي" أنه الذي يضع كلامه في غير موضعه فيأتي بالحسن في موضع القبيح وعكسه وفي "التتمة" و"البيان" أنه من يعمل ما يضره مع علمه بقبحه، والعجب من تركه لهذه المقالات المذكورة في هذه الكتب المشهورة واقتصاره على نقلها عن من نقل، ولم يتفطن النووي لما ذكرناه من مخالفة الرافعي هناك، وإنما نقل كلام بعض من نقلنا عنه.

قوله: وذكر الغزالي في "الوسيط" أنه وقع في الفتاوى أن رجلا قال لزوج ابنته: في مخاصمتهما لم تحرك لحيتك فقد رأيت مثل هذه اللحية كثيرًا، فقال: إن كنت رأيت مثل هذه اللحية كثيرًا فابنتك طالق، قال: وليس المراد المماثلة في الشكل والصورة وعدد الشعر وإنما يكنى باللحية في هذا الموضع عن الرجولية والفتوة ونحوهما فإن حمل اللفظ على المكافأة وقع

الجزء: 7 - الصفحة: 416

الطلاق وإلا فلا يقع لكثرة الأمثال.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على تعليل عدم الوقوع بكثرة الأمثال وهو غلط، فإن كثرة الأمثال تعليل للوقوع الذي هو عكس الحكم الذي ادعاه إذ الزوج علق الطلاق على رؤية كثير من أمثالها وقد ذكره في "الوسيط" على الصواب فراجعه، وكان ينبغي أن يقول: وإلا فيقع لكثرة الأمثال، وحينئذ فتطلق على كل تقدير لكنه إن قصد المكافأة فالتنجيز وإلا فالتعليق.

قوله: قال في "الوجيز": ولو علق على مخالفتها الأمر فقال: لا تكلمي زيدًا فكلمته لم تطلق؛ لأنه مخالفة للنهي، وهذا ينازع فيه العرف.
ولو علق على النهي فقال: قومي فقعدت قيل: إنها تطلق؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وهو فاسد، ولو قال: أنت طالق إلى حين أو زمان طلقت بعد لحظة، وكذلك قالوا في العصر والحقب وهو بعيد، ثم قال: ولو علق على الضرب إلى آخره.
واعلم أن هذه المسائل الثلاث المذكورة في كلام "الوجيز" قبل مسألة الضرب ليست موجودة في نسخ الرافعي وكأنه انتقل نظره من قوله ولو علق إلى قوله: ولو علق أو سقط ذلك من الناقل من مسودة الرافعي حالة تصنيفه لهذا الكتاب، وقد شرح هذه المسائل في "الشرح الصغير" فقل بعد ذكره لهذه المسائل ما نصه: فيه مسألتان: إحداهما: إذا قال لامرأته: إن خالفت أمري فأنت طالق، ثم قال لها: لا تكلمي زيدًا فكلمته لم تطلق؛ لأنها ما خالفت أمره وإنما خالفت النهي، هذا هو المشهور.
وقوله: -أي الغزالي- تنازع فيه العرف أي: مخالفة قول الإنسان تعد في العرف مخالفة أمره فيحتمل أن يقال: إنها تطلق، ولو قال: إن خالفت نهيي فقال لها: قومي فقعدت فللأصوليين من الأصحاب وغيرهم خلاف في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ فذهب بعض من جعله نهيًا إلى وقوع الطلاق، والأظهر عند الإمام وغيره المنع المطلق، وإن جعلنا الأمر

الجزء: 7 - الصفحة: 417

بالشيء نهيًا عن ضده؛ لأن الأيمان والتعليقات لا تحمل على القواعد الأصولية، وإنما ينظر فيها إلى العرف والإطلاقات الغالبة ولا يقال في عرف اللغة لمن قال قم: إنه نهي، هذا كلام "الشرح الصغير".
ولم ير النووي إخلاء الروضة عن هذه المسائل فأثبتها ناقلًا لها من "الوجيز" إلا أنه بسط كلامه، فقال: فصل: قال: إن خالفت أمري فأنت طالق، ثم قال: لا تكلمي زيدًا فكلمته قالوا: لا تطلق، لأنها خالفت النهي دون الأمر، ولو قال: إن خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال: قومي فقعدت وقع؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن أضداده، وهذا فاسد؛ إذ ليس الأمر الشيء نهيًا عن ضده في ما نختاره وإن كان فاليمين لا يبنى عليه، بل على اللغة أو العرف، لكن في المسألة الأولى نظر بسبب العرف هذا كلام النووي -رحمه الله- وهو مخالف لما ذكره الرافعي في "الشرح الصغير" في ما إذا قال: إن خالفت نهيي فقعدت فإن كلام الرافعي يقتضي أن المعروف في النقل أنه لا يقع، وكلام النووي يقتضي عكسه وكان ينبغي للنووي أن ينبه على أن هذه المسائل من "زوائده"، فإن الواقف عليها في "الروضة" يتوهم أن الرافعي ذكرها، وأن كلامه قد اختلف، على أنه قد وقع في بعض نسخ الرافعي إثباتها من "الوجيز" أيضًا.

قوله: فيه صور إحداها: إذا علق الطلاق بالضرب طلقت إذا حصل الضرب بالسوط أو بالوكز أو اللكز ولا يشترط أن لا يكون حائل والأشهر أنه يعتبر أن يكون فيه إيلام ومنهم من لم يشترط الإيلام واكتفى بالصدمة.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من تصحيح اشتراط الإيلام قد خالفه في كتاب الأيمان في النوع السابع فصحح عدم اشتراطه وتابعه في "الروضة" على هذا الاختلاف وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى وأبين ما يقتضي أن المذكور هنا غلط حصل من تحريف فراجعه، والوكز هو الضرب على الذقن باليد وهي

الجزء: 7 - الصفحة: 418

[مقبوضة] 68 الأصابع، واللكز باللام هو الضرب على الصدر بذلك، وقال أبو زيد في جميع الجسد.
وأما نكزه بالنون فمعناه ضربه ودفعه وليس له ذكر في الرافعي.

قوله: الثالثة: إذا علق بقدوم زيد طلقت إذا قدم راكبا أو ماشيا وإن قدم به ميتًا نظر إن كان بأمره واختياره فهو كما لو قدم راكبًا، وإن لم يكن بإذنه لم يقع سواء كان زمنًا أو صحيح البدن هذا هو الظاهر، ويأتي فيه خلاف؛ لأن صاحب "المهذب" وغيره نقلوا طريقًا في ما إذا حلف أن لا يدخل الدار فحمل بغير إذنه واختياره وأدخل أنه على القولين في ما إذا أكره حتى دخل بنفسه ووجهه أنا سوينا في حال الاختيار بين دخوله بنفسه ودخوله محمولًا فكذلك يسرى في عدم الاختيار بين الأمرين، انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من التسوية حال الاختيار بين أن يدخل بنفسه أو يدخل محمولًا حتى إذا حمل وهو قادر على الامتناع قد خالفه في كتاب الأيمان في آخر الباب الثالث في الفصل المعقود لحنث الناسي والجاهل فصحح أنه إذا حمل بغير إذنه ولكن قدر على الامتناع والهرب أنه لا يحنث، وتابعه في "الروضة" على ذلك، وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى: ثم إن المسألة المترجم لها هاهنا وهي مسألة القدوم لاشك أنها كمسألة الدخول وهو قادر على الامتناع؛ لأنه تارة يعبر في الحنث بالأمر والاختيار وتارة يقتصر على الاختيار وقد اختصره في "الروضة" اختصارًا فاسدًا حاصله أنه يكفي في الحنث قدرته على الامتناع على خلاف ما قرره في كتاب الأيمان فإنه قال: فصل: علق بقدوم زيد طلقت إذا قدم راكبًا أو ماشيًا، وإن قدم به ميتًا لم تطلق وإن حمل وقدم به حيًا إن كان باختياره طلقت وإلا فلا على المذهب هذه عبارته، والفتوى على المذكور في الأيمان، فإنه الموضع المعقود للمسألة.

الجزء: 7 - الصفحة: 419

قوله: ولو نظرت في المرأة أو الماء قال الإمام: هذا فيه احتمال، لأنه وإن حصلت الرؤية في الحقيقة لكنه يصح في العرف أن يقال: ما رآه وإنما رأى مثاله أو خياله، والظاهر أنه لا يقع، وبه أجاب البغوي في المرآة والمتولي في المرآة والماء جميعًا، انتهى كلامه.
وما ذكره من ترجيح عدم الوقوع خالفه في "الشرح الصغير" فقال: ولو نظرته في الماء أو المرآة قال الإمام: فيه احتمال لأنه يصح أن يقال في العرف ما رآه وإنما رأى مثاله وخياله والظاهر وقوع الطلاق هذا لفظه وهو غريب لتعبيره في الموضعين بالظاهر.

قوله: ولو قال للعمياء: إن رأيت زيدًا فأنت طالق، قال الإمام: الصحيح أن الطلاق معلق بمستحيل، وقيل: يحمل على اجتماعهما في مجلس.
انتهى.
وما أطلقه الإمام من كونه تعليقًا بمستحيل حتى لا يقع على الصحيح قد تابعه هو والنووي عليه وفيه أمران: أحدهما: أن هذا ليس من باب التعليق على المستحيل فإن الأعمى كثيرًا ما يحصل له الإبصار بالتداوي خصوصًا من عمى بنزول الماء فيعالج بالقدح فنسأل الله تعالي العافية في الدارين.
الثاني: أنه يتعين فيه تفصيل وهو أنه إن كان أكمه وهو الذي ولد أعمى كان من التعليق على المستحيل عادة كطلوع السماء ونحوه؛ ولهذا جعله الله تعالى آية للمسيح -عليه الصلاة والسلام-، فقال: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: 110]، وإن لم يكن أكمه فلا.

قوله: وإذا علق برؤيتها الهلال وفسر الرؤية بالمعاينة أو صرح بها في تعليقه فقال في "التهذيب" إن الرؤية في الليلة الثانية والثالثة كهي في الأولى ولا أثر لها في الرابعة, فإنه لا يسمى هلالًا بعد الثلاث وفي "المهذب" أنه لو لم ير حتى صار قمرًا لم تطلق بالرؤية بعده وحكى وجهين في أنه يصير

الجزء: 7 - الصفحة: 420

قمرًا باستدارته أم بأن يبهر ضوءه؟ انتهى.
قال في "الروضة" من زوائده: المختار ما ذكره البغوي وإن كان ما ذكره في "المهذب" مذكورًا في "الحاوي" وفي ما تفرع عنه.
واعلم أن يبهر بياء مفتوحة بنقطتين من تحت بعدها باء ساكنة تقول العرب: بهر القمر أي أضاء حتى غلب ضوؤه ضوء الكواكب، قاله الجوهري.

قوله: ولو قال: إن كلمت زيدًا فأنت طالق فكلمته في حال سكرها طلقت على الأصح، ثم قال: إلا إذا انتهت إلى السكر الطافح، انتهى.
والطافح بالطاء المهملة والفاء قال الجوهري: هو الذي ملأه الشراب، وما ذكره من استثناء الطافح إنما يأتي إذا جعلنا للسكران ثلاث مراتب وخالفنا بينها في الحكم، وقد اختلف في ذلك كلامه وكلام "الروضة" أيضا والمشهور خلاف المذكور هنا، وقد أوضحت ذلك في الباب الثاني في كتاب الطلاق فراجعه.

قوله: فإن لم يسمع لعارض لغط أو ريح أو لما به من الصمم فوجهان: أحدهما: وهو الذي أورده الإمام وصاحب الكتاب في اللغط وأجاب به القاضي الروياني: أنه يقع الطلاق؛ لأنها كلمته وعدم السماع إنما كان لعارض فأشبه ما إذا كان للذهول.
وأصحهما عند صاحب "التهذيب": أنه لا يقع حتى يرتفع الصوت بقدر ما يسمع في مثل تلك المسافة مع ذلك العارض فحينئذ يقع، انتهى.
والراجح هو الوقوع فقد قال الرافعي في "الشرح الصغير": إنه أظهر الوجهين، وجزم به في هذا الكتاب أعني "الشرح الكبير" في باب صلاة الجمعة في الكلام على إسماع الأربعين لكنه فرضها في الصمم خاصة، ونقله في "التتمة" هناك عن نص الشافعي، وقد اختلف تصحيح النووي فصحح في "تصحيح التنبيه" أنه لا يقع وجزم في "الروضة" [في صلاة

الجزء: 7 - الصفحة: 421

الجمعة بالوقوع تبعا للرافعي ولم يصحح هنا في "الروضة"] 69 شيئًا.

قوله: وحكى الحناطي قولين في ما إذا قال: إن كلمت نائمًا أو غائبًا عن البلد هل يقع الطلاق في الحال بناء على الخلاف في التعليق على المحال ويحتمل أن يقال: إنها لا تطلق حتى تخاطبه مخاطبة المتكلمين، وبنحو منه أجاب القاضي أبو الطيب في ما إذا قال: إن كلمت ميتًا أو حمارًا، انتهى.
وما أشعر به كلامه من رجحان الحنث عند مخاطبة النائم ونحوه مخاطبة المتكلمين وأن القاضي أبا الطيب ذكر نحوه قد تابعه عليه أيضًا في "الروضة" وهو مخالف للقواعد فستعرف في الأيمان أنه إذا حلف لا يبيع فباع بيعًا فاسدًا كالخمر ونحوه لم يحنث [فلو صرح في اليمين بذلك فقال مثلا: لا أبيع الخمر لم يحنث] 70 به أيضًا على الأصح لانتفاء حقيقة البيع، وقيل: يحنث؛ لأن المراد منه الحلف على صورة البيع وما يجيء فيه مثله أيضا؛ لأن كلام النائم ونحوه لا يقع به الطلاق عند الإطلاق فلا يقع عند التصريح به كبيع الخمر.

قوله: ولو علق بفعل الزوجة أو أجنبي فإن لم يكن للمعلق بفعله شعور بالتعليق ولم يقصد الزوج إعلامه أو كان المعلق بفعله ممن لا يبالي بتعليقه وقع الطلاق مع الإكراه والنسيان، وإن كان شاعرًا بالتعليق وكان ممن يبالي بتعليقه فالقولان، ويعتبر مع ذلك قصده الحث والمنع، فإنه يقصد التعليق بصورة الفعل، وإن كان ممن يبالي بتعليقه، انتهى ملخصًا.
واعلم أن في أقسام هذه المسألة مسألة مهمة كثيرة الوقوع وهي ما إذا فعل المحلوف علمه غير عالم باليمين فلنذكر أولًا ما ذكره الرافعي فيها ثم نذكر ما عليه الفتوى.
فنقول: أشار الرافعي -رحمه الله- بقوله ولم يقصد الزوج إعلامه إلى

الجزء: 7 - الصفحة: 422

اعتبار الشرط الأخير وهو قصد الحث والمنع وعبر عنه به لأن قاصده يقصد عادة إعلام الحالف بذلك ليمتنع منه ويدل على ما قلناه أنه لما رجع إلى حكم القيود لم يذكر اعتبار الإعلام وذكر الحث والمنع عوضًا عنه.
إذا تقرر هذا فالظاهر أن هذا الشرط إنما هو معطوف بأو لا بالواو وسنذكر سبب ذلك، وحينئذ فالذي لا يبالي وهو الذي لا يؤثر عرض الحالف حكمه واضح وهو الوقوع بفعله، وأما الذي يبالي فيتلخص من كلام الرافعي فيه أنه إن لم يكن له شعور باليمين فوقع الفعل الصادر منه على سبيل الإكراه والنسيان حنث الحالف به سواء قصد إعلامه ومنعه أم لم يقصد إذ كان من حقه أن يعلمه، وهذا القسم كثير الوقوع في الفتاوى، وكذلك يحنث أيضًا إذا شعر ولكن لم يقصد الحالف المنع وهو واضح، وقد أهمله في "المحرر".
ووجه ما قلناه أولًا: أنه معطوف بأو لأنه لو كان معطوفًا بالواو لكان المجموع شرطًا، وحينئذ فيقتضي أن الذي يبالي إذا لم يكن له شعور ولكن كان قصد الزوج الحث والمنع أنه لا يقع وليس كذلك، فإن الرافعي قد شرط بعد ذلك لعدم الوقوع شروطًا ثلاثة وهي أن يكون شاعرًا وأن يبالي وأن يقصد الزوج الحث والمنع كما تقدم حكايته منه فلو لم يكن كما قلناه لزم أن يشترط أمران فقط، وأن يكون ذكره للأول باطلًا ويؤيده أيضا أن المذكور في "المحرر" و"المنهاج" عند عدم العلم هو الوقوع من غير تفصيل أيضًا فإنه قال: ولو علق بفعله ففعل ناسيًا للتعليق أو مكرهًا لم تطلق في الأظهر أو بفعل غيره ممن يبالي بتعليقه وعلم به فكذلك وإلا فيقع قطعًا انتهى.
إلا أن فيه نظرًا فإنه كيف يقع بفعل الجاهل قطعًا ولا بفعل الناسي على الصحيح مع أن الجاهل أولى بالعذر من الناسي؟ وقد ذكر الرافعي بعد هذا مسألة تقوي ما ذكرناه فقال: ولو علق بدخول طفل أو بهيمة أو سنور وحصل دخولهم مكرها لم تطلق ويحتمل أن تطلق، انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 423

واعلم أن ما اقتضاه كلام الرافعي في الحنث إذا لم يعلم المحلوف عليه قد رجحه الصيدلاني في ما جمعه من طريقة شيخه [الشاشي] 71 فقال في الطلاق فإن قصد منعه، فإن لم يعلم القادم حتى قدم حنث الحالف وإن علم ثم نسي فعلى قولين، ومنهم من قال على قولين بكل حال، انتهى.
وذكر نحوه الغزالي في "البسيط" وقال: فأما إذا علق بفعلها في عينها فلا أثر لنسيانها وإن كانت مكرهة فالظاهر الوقوع؛ لأن هذا في حكم التعليق لا على قصد المنع، ومنهم من طرد الخلاف؛ لأن المكره عليه كالمعدوم، وهذا ما اختاره القاضي، انتهى.
وخالف الجمهور فخرجوه على القولين منهم الشيخ أبو حامد في "تعليقه"، فقال في الكلام على تعليق الطلاق بالقدوم ما نصه: ولو قدم وهو لا يعمل عقد صفة الطلاق، وتعليقه على قدوم أو كان علم ذلك ثم نسيه فإن كان ممن يقصد بعقد اليمين منعه من الدخول مثل أن يقول إذا قدم أبوك أو أخوك أو وكيلك فوجد ذلك والفاعل لا يعلمه أو علم باليمين ثم نسيها لم يطلق على أحد القولين، وطلقت على القول الآخر كما ذكرناه في المكره، انتهى.
وذكر المحاملي في "المقنع" مثله وكذلك الشيخ في "المهذب" والبغوي في "التهذيب" والجرجاني في "الشافي" والخوارزمي في "الكافي ".

قوله: ولو قصد منعها من المخالفة فقال الغزالي في "الوسيط" و"الوجيز": لا يقع الطلاق؛ لأنه لم يتحقق مخالفة ونفي الخلاف عنه في "الوسيط" ويشبه أن يراعي معنى التعليق ويطرد الخلاف، انتهى.
قال في "الروضة": الصحيح قول الغزالي ويقرب منه عكسه وهو أنه لو حلف لا يدخل عمدا ولا ناسيا، فدخل ناسيا فنقل القاضي حسين [أنه يحنث بلا خلاف والله أعلم، وهذه الزيادة التي استشهد بها هنا ناقلًا لها عن القاضي حسين] 72 خاصة قد جزم بها الرافعي في كتاب الأيمان في أواخر الباب الثالث في الكلام على الناسي والمكره.

الجزء: 7 - الصفحة: 424

قوله: ولو قال: أنت طالق عشرًا فقالت: يكفيني ثلاث فقال: الباقي لضرتك يقع عليها ثلاث، وليس على الضرة شيء؛ لأن الزيادة على الثلاث لغو ولو قالت: يكفيني واحدة فقال الباقي: لضرتك، يقع عليها ثلاث، وعلى الضرة طلقتان إذا نوى، كذا قاله في "التهذيب"، انتهى كلامه.
وما نقله عن "التهذيب" وأقره عليه من كونه لا يقع شيء بالزائد على العدد في الشرعي وإن نوى، قد نقل في الباب الثاني في أركان الطلاق عن المتولي خلافه، وأقره عليه أيضًا وقد سبق ذكر لفظه هناك فراجعه، ووقع الموضعان في "الروضة" كذلك.

قوله: ولو قال لرجل: إن بدأتك بالسلام فعبدي حر، وقال الآخر: إن بدأتك بالسلام فعبد حر فسلم كل منهما على الآخر دفعة واحدة لم يعتق عبد واحد منهما لعدم ابتداء كل منهما وينحل اليمين، فإذا سلم أحدهما على الآخر بعد ذلك لم يعتق واحد من عبديهما ذكره الإمام، انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام وأقره وتابعه عليه في "الروضة" يشكل ما سبق في التعليق على البشارة فراجعه.

قوله: ولو قال: إن أعطيتك حقك فامرأتي طالق فأعطاه باختياره طلقت ولا تطلق بإعطاء الوكيل والسلطان، انتهى كلامه.
وما أطلقه من كون الوكيل لا يتنزل منزلة إعطاء الموكل حتى لا يقع الطلاق في مسألتنا قد تابعه على إطلاقه في "الروضة" أيضًا لكن قد تقدم في الباب الثالث من أبواب الخلع نقلا عن المتولي من غير مخالفة له تخصيص ذلك بحالة غيبة الموكل وقد تقدم ذكر لفظه هناك فراجعه.

قوله: قال لامرأتيه إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما طالقان فدخلت كل واحدة إحدى الدارين فهل تطلقان، أم لا تطلقان؟ فيه وجهان، ولو قال: إن أكلتما هذين الرغيفين فأكلت كل واحدة منهما رغيفًا قالوا: يقع الطلاق

الجزء: 7 - الصفحة: 425

لأنه لا مشاع فيه لاحتمال الثاني، انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصح في مسألة الدارين عدم الوقوع كذا صححه الشيخ في "المهذب" والنووي في "زوائده"، وأما مسألة الرغيفين فمقتضى كلام الرافعي الاتفاق على الوقوع وليس كذلك فقد جعلها الشيخ في "المهذب" على الوجهين في الدارين، ونقله عنه في "الروضة" أيضًا إلا أنه صحيح الوقوع.
الأمر الثاني: أن تصحيح النووي في الأولى عدم الوقوع يلزم منه تصحيحه في الثانية أيضًا إذا أطلق الحالف هذا الكلام ولم ينو شيئًا؛ لأنه إذا كان مدلول اللفظ أن كلًا منهما يتعاطى المجموع وكان تعاطي ذلك مستحيلًا يكون قد علق على المستحيل عدم الوقوع.
نعم: إن أراد الحالف خلاف ذلك اتبعنا إرادته ولكن الكلام فيما إذا لم ينو شيئًا قوله: قال: إن ملكت أكثر من مائة فأنت طالق فكان يملك خمسين روجع فإن قال: أردت لا أملك زيادة على مائة لم تطلق وإن قال: أردت أني أملك مائة بلا زيادة طلقت، وإن قال: إن كنت أملك إلا مائة، وكان يملك خمسين فقيل: تطلق، وقيل على الوجهين، انتهى.
واعلم أن النووي قد صحح في المسألة الأولى أنها لا تطلق وهو واضح وسكت عن الثانية، والأصح فيها طريقة القطع بالوقوع، كذا صححه في "الشامل" في أوائل باب ما يهدم الزوج من الطلاق وسيأتيك في كتاب الإيلاء ما يوضحه واقتضى كلامه أعني ابن الصباغ أن محل الخلاف هو محله في المسألة قبلها وهو حالة الإطلاق، وهذا لابد منه فاعلمه.

قوله: وإن قال: إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني فأنت طالق فخرجت إلى الحمام ثم قضت حاجة أخرى لم تطلق، وإن خرجت لحاجة

الجزء: 7 - الصفحة: 426

أخرى، ثم عدلت إلى الحمام [طلقت، وإن خرجت إلى الحمام] 73 وغيره ففي وجه تطلق كما لو قال: إن كلمت زيدًا فأنت طالق فكلمت زيدًا وعمرًا وفي وجه لا تطلق؛ لأن المفهوم من قوله: إن خرجت إلى غير الحمام الخروج بمقصود أجنبي عن الحمام وهاهنا الحمام مقصود الخروج، انتهى كلامه.
والمعروف في هذه المسألة أن الطلاق لا يقع، وهو المنصوص كذا نقله الرافعي في كتاب الإباق، واختلف كلام النووي في هذه المسألة إختلافًا عجيبًا فقال: هاهنا ما نصه: قلت: الأصح الوقوع وممن صححه الشاشي والله أعلم، ثم خالف في كتاب الإيمان فقال من "زوائده" أيضًا: الصواب الجزم بأنه لا يحنث هذا لفظه، وسوف أذكره مع لفظ الرافعي هناك فراجعه.

قوله نقلا عن فتاوى القفال: بخلاف ما لو قال: نكحتها وأنا واجد طول حرة نجعل ذلك فرقة بطلقة لأنه أقر بالنكاح وادعى مفسدًا، وقيل: يتلطف به الحاكم حتى يقول: إن كنت نكحتها فقد طلقتها.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله من وقوع طلقة وأقره عليه قد تابعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو خلاف الصحيح، فإن الصحيح أنها فرقة فسخ لا ينقص عددًا كما صرح به من "زوائده" في آخر الباب الثالث من أبواب النكاح، ولم يصحح الرافعي هناك شيئًا.
الأمر الثاني: أن تعبيره عن التلطف بقوله: وقيل، يقتضي على اصطلاحه ثبوت خلاف ذلك وليس فيه خلاف ولا يتصور أيضًا مجيء الخلاف فيه.

قوله: وأنه لو قال: إن فعلت ما ليس لله تعالى فيه رضا فأنت طالق

الجزء: 7 - الصفحة: 427

فتركت صومًا أو صلاة ينبغي أن لا تطلق لأنه ترك وليس بفعل فلو سرقت أو زنت طلقت.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على إطلاق الحنث في الزنا لكن قياس ما قاله في الصوم والصلاة أن لا يحنث بالزنا إذا كان الموجود بها إنما هو مجرد التمكين بأن كشف عورتها فسكنت أو كانت مكشوفة العورة؛ لأن الموجود منها إنما هو ترك الدفع وليس بفعل على ما قاله.

قوله نقلا عن العبادي: أنه لو كان له أمة وزوجة فدعى الأمة إلى فراشه فحضرت الحرة فوطئها فقال: إن لم تكوني أحلى من الحرة فهي طالق وهو يظنها الأمة فقال أبو حامد المروزي: تطلق لأنها هي الحرة فلا تكون أحلى من الحرة، وحكى أبو العباس الروياني وجهًا أنها لا تطلق لأن عنده أنه يخاطب غيرها، قال: وهذا أصح وبه أفتى الحناطي.
انتهى.
ذكر مثله في "الروضة" واعلم قاعدتنا اعتبار المخاطب وإن ظنه أنها غيره كما إذا قال: يا زينب فأجابته عمرة فقال: أنت طالق ظنًا أنها زينب فإن عمرة تطلق، وقياس هذا في مسألتنا تصويب مقالة أبي حامد.

قوله في "الروضة" نقلًا عن فتاوى القاضي: وأنه لو قال: إن غسلت ثوبي؛ فأنت طالق فغسلته أجنبية ثم غمست المحلوف بطلاقها في الماء تنظيفًا لم تطلق لأن العرف في مثل هذا يغلب والمراد في العرف الغسل بالصابون والأشنان ونحوهما، وإزالة الوسخ، وقال غير القاضي: إن أراد الغسل من الوسخ لم تطلق، وإن أراد التنظيف فلا، وإن أطلق قال: لا حنث فيه.
انتهى كلامه.
وتعبيره في آخره بقوله: فلا، غلط؛ لأنه موافق لما قبله، وصوابه: حنث وهو المذكور في الرافعي.

قوله نقلًا عن فتاوى البغوي: أنه لو قال: إن ضربتك فأنت طالق فقصد ضرب غيرها فضربها لم يقبل قوله؛ لأن الضرب يقين ويحتمل أن يقبل لأن

الجزء: 7 - الصفحة: 428

الأصل بقاء النكاح، انتهى.
ذكر قريبًا منه في "الروضة" وهي عبارة ناقصة غير منتظمة، وقد راجعت "فتاوى البغوي" فرأيت المسألة فيها على الصواب، فإنه قال: مسألة: إذا قال لامرأته: إن ضربتك فأنت طالق فقصد ضرب أخرى أو ضرب نفسه فأصابها، قال: فهو ضارب بدليل أنه يكون قائلًا في مثله تجب الدية وهل يحنث؟ قال: فعلى قولي حنث المكره، فإن قلنا: لا حنث على المكره، ثم ادعى أني كنت أقصد ضرب غيرها أو ضرب نفسي فأصابها لا يقبل لأن الضرب يقين، ويحتمل أن يقبل لأن الأصل بقاء النكاح هذه عبارة البغوي فسقط الكلام المتوسط جميعه، إما لغلط في النسخة التي وقعت للرافعي أو لانتقال نظره أو نظر الكاتب من أصل الرافعي كما تقدم في نظائر لهذه المواضع، فلله الحمد على الإلهام إلى الصواب.

قوله نقلًا عن الفتاوى المذكورة: أنه لو نادى أمه فأجابته فلم يسمع فقال: إن لم تجبني أمي فامرأتي طالق فإن رفعت الأم صوتها في الجواب بحيث يسمع في تلك المسافة لم تطلق وإلا فتطلق، انتهى.
وما ذكره هنا قد ذكر بعده في أوائل الفصل الذي يليه ما يشكل عليه فقال نقلًا عن البوشنجي: وأنه لو حلف بالطلاق أنه بعث فلانًا إلى بيت فلان، وعلم أن المبعوث لم يمض إليه فقيل: يقع الطلاق لأنه [يقتضي حصوله هناك والصحيح أنه] 74 لا طلاق لأنه يصدق أن يقال بعثه فلم يمتثل.
انتهى.
وما قالوه في تعليل عدم الطلاق هنا يصدق في مسألتنا بعينه فيقال أجابته فلم يسمع.

قوله أيضًا نقلًا عن الفتاوى المذكورة: وأنه لو حلف لا يخرج من البلد

الجزء: 7 - الصفحة: 429

حتى يقضي دين فلان بالعمل فعمل له ببعض دينه، وقضى الباقي من موضع آخر، ثم خرج طلقت، وإن قال أردت أني لا أخرج حتى أخرج إليه من دينه وأقضي حقه قبل قوله في الحكم.
انتهى كلامه.
وما نقله عن "فتاوى البغوي" من القبول في الحكم، قد تابعه في "الروضة" عليه أيضًا، وهو غلط، فإن المجزوم به فيها إنما هو العكس فقال: قبل قوله في الباطن دون الظاهر.
هذه عبارته، فكأنه سقط من النسخة التي وقف الرافعي عليها إما لنقل نظره أو سقط من نسخ الرافعي.

الجزء: 7 - الصفحة: 430

فصل: في مسائل منثورة ذكرها أبو العباس الروياني

قوله: وأنه لو أشار إلى ذهب وحلف بالطلاق أنه الذي أخذه من فلان، وشهد شاهدان أنه ليس بذلك الذهب، فظاهر المذهب وقوع الطلاق، وإن كانت هذه الشهادة على النفي لأنه نفي يحيط العلم به، فإن الشاهد ربما رأى ذلك الذهب وعلم أنه غير ذلك المحلوف عليه، وفيه وجه أنه لا تقبل هذه الشهادة، انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله من أن ظاهر المذهب قبول الشهادة على النفي المحصور وأقره عليه، قد ذكر ما يخالفه في أثناء باب القسامة، وفي أواخر الشهادات في الباب المعقود لمسائل منثورة، واختلف فيه كلام "الروضة" أيضًا، وسوف أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
الأمر الثاني: إنما يتعذر تسليم قبول الشهادة على النفي المحصور وهو الحق فما ذكره تقريبًا عليه من الحنث غير صحيح على قاعدته، فإنه إذا حلف معتقدًا أنه ذلك الشيء وليس هو إياه يكون جاهلًا، والأصح أن الجاهل لا يحنث، وقد صرح الرافعي بهذه القاعدة في أول كتاب الأيمان فقال: ينعقد اليمين علي الماضي كما ينعقد على المستقبل، فإن كان كاذبًا وهو عالم بالحال فهي اليمين الغموس قال: وإن كان جاهلا ففي وجوب الكفارة قولان كما لو فعل المحلوف عليه ناسيًا هذه عبارته فتفطن لذلك واستحضره فإنه كثير الوقوع في الفتاوى، وقد ذهل عنه الرافعي والنووي في مسائل وإن كانا قد تفطنا لذلك في مسائل أخرى.

قوله: ولو حلف بالطلاق أن لا يفعل كذا وشهد شاهدان عنده أنه فعله وتيقن صدقهما أو غلب على ظنه صدقهما لزمه أن يأخذ بالطلاق، انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 431

تابعه في "الروضة" وهو قريب مما تقدم، وقد بسطت المسألة في آخر الفصل فراجعها.

قوله أيضًا عنه: وأنه لو قال: امرأتي طالق إن دخلت دارها ولا دار لها وقت الحلف ثم ملكت دارًا فدخلتها طلقت، وأنه لو قال: إن لم تكوني الليلة في داري فأنت طالق ولا دار له، ففي وقوع الطلاق وجهان مبنيان تارة على التعليق بالمستحيل، وأخرى أن الحنث هل يحصل بفعل المكره؟ انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره أولًا من الجزم بالحنث وأنه لا يشترط وجود الدار حملًا للكلام على أن يكون التقدير دارًا لها لا يتصور معه أن تكون اليمين الثانية من باب التعليق على المحال بل يكون التقدير أيضًا إن لم تكوني الليلة في دارٍ لي -أي: بالتنوين وعدم الإضافة- ولو صرح بهذا لكان تعليقًا صحيحًا بلا شك، ثم إن ملك دارًا ودخلتها لم يحنث وإلا حنث، والمذكور أولًا هو الموافق للقواعد ولاسيما أن اللفظ قد تعذر حمله على الحقيقة فحملناه على المجاز.
الأمر الثاني: أن مقتضى ما ذكره الروياني المذكور من كون البناء على الأصل الأول أن يكون الراجح هو الحنث عقب الغروب لأن الراجح في التعليق على عدم الإتيان بالمستحيل وقوع الحنث وأنه يتعجل لأن الزوج في التعليق على عدم الإتيان بالمستحيل وقوع الحنث وأنه يتعجل، فإن علقه على وقت معين تعجل في أول ذلك الوقت، كذا ذكره الرافعي في أوائل الباب الثالث من كتاب الأيمان فتفطن له، وإنما لا يقع الطلاق المعلق على المستحيل إذا كان التعليق على فعله.
وأما الأصل الثاني: فمقتضى البناء عليه ترجيح عدم الحنث لأنه الراجح في فعل المكره الذي يراعي مرض الحالف وقد اختصر في "الروضة"

الجزء: 7 - الصفحة: 432

هذا الكلام على غير وجهه، فإنه اقتصر فيه على البناء الأول.

قوله: وأنه لو قال لمن يسمى زيدًا يا زيد فقال امرأة زيد طالق طلقت امرأته، وقيل: لا تطلق إلا أن يريد نفسه.
انتهى كلامه.
تابعه عليه "الروضة" والراجح هو الوجه الثاني، كذا رجحه الرافعي في باب أركان الطلاق بعد نقله هذا عن أبي العباس المذكور فقال نقلًا عن القاضي سريج الروياني: وأنه لو قيل لرجل اسمه زيد يا زيد فقال امرأة زيد طالق.
قال جدي أبو العباس الروياني: تطلق امرأته، وقيل: لا تطلق حتى يريد نفسه لجواز إرادة زيد آخر هذا الوجه فيما إذا قال فاطمة طالق واسم زوجته فاطمة ويشبه أن يكون هذا هو الأظهر ليكون قاصدًا إلى تطليق زوجته هذا كلامه.
وذكر هناك أيضًا قبل الموضع المذكور بقليل نقلًا عن "فتاوى القفال": أنه إذا ادعى أنه نوى فاطمة أخرى قبل قوله، وذكر أيضًا في آخر الباب الذي نحن فيه الآن عن "فتاوى القفال" أيضًا أنه لو قال لأم امرأته: بنتك طالق، ثم قال: أردت البنت التي ليست زوجتي صدق، وذكر الرافعي هنا عقب المسألة الأولى أنه لو عزل عن القضاء فقال: امرأة القاضي طالق ففي وقوع طلاقه وجهان وقد ظهر لك مما نقلناه عنه ترجيح عدم الوقوع وإن كان باقيًا على ولايته فتفطن له.

قوله: وأنه لو قال إن خرجت من الدار بغير إذني فأنت طالق، فأخرجها هو فهل يكون إذنًا؟ فيه وجهان، القياس المنع.
ذكر مثله في "الروضة" والحكم على الإخراج بأنه لا يكون إذنًا يشعر بالحنث، ولكن يتعين أن يقال إن أكرهها حتى خرجت فالأمر كذلك لأنها خرجت باختياره وإن لم يكن بإذنه وإن لم يكرهها عليه، بل حملها إلى

الجزء: 7 - الصفحة: 433

خارج لم يحنث فقد قال الرافعي في كتاب الأيمان في مثل هذه الصورة بما ذكرناه وعلله بأنها لم تخرج بل أخرجت.

قوله: وأنه لو قيل أطلقت امرأتك فقال: اعلم أن الأمر على ما يقوله لم يكن إقرارًا بالطلاق على الأصح، انتهى.
واعلم أنه قد ذكر في أبواب العتق قبل كتاب التدبير تصويرًا قريبًا من هذا نقلًا من الروياني أيضًا وأجاب عنه بما يخالف جوابه هنا إلا أنه فرض المسألة هنا في المضارع من علم وهنا في الأمر منه، وقد يفرق بينهما.

قوله: وأنه لو جلس مع جماعة فقام ولبس خف غيره فقالت له زوجته: استبدلت بخفك ولبست خف غيرك فحلف بالطلاق أنه لم يفعل ذلك، فإن كان خرج بعد خروج الجماعة ولم يبق هناك إلا ما لبسه لم تطلق؛ لأنه لم يستبدل بل استبدل الخارجون قبله، وإن بقي غيره طلقت.
وأنه لو رأى امرأته تنحت خشبة فقال: إن عدت إلى مثل هذا الفعل فأنت طالق فنحتت خشبة من شجرة أخرى ففي وقوع الطلاق وجهان؛ لأن النحت كالنحت لكن المنحوت غيره.
ولو حلف لا يخرج من الدار إلا مع امرأته فخرجا لكن تقدم عليها بخطوات ففي وجه لا يحنث للعرف وفي آخر يحنث، وإنما يحصل البر بأن يخرجا من غير تقدم.
وأنه لو حلف أن لا يضربها إلا بالواجب، فشتمته فضربها بالخشب طلقت لأن الشتم لا يوجب الضرب بالخشب وإنما تستحق به التعزير، وقيل: خلافه.
وأنها لو سرقت منه دينارًا فحلف بالطلاق لتردنه وكانت قد أنفقته لا تطلق حتى يحصل اليأس من رده بالموت، فإن تلف الدينار وهما حيان فوقوع الطلاق على الخلاف في الحنث بفعل المكره.
وأنه لو قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق وأشار إلى موضع من الدار فدخلت غير ذلك الموضع من الدار ففي وقوع الطلاق وجهان.

الجزء: 7 - الصفحة: 434

ولو قال: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق واحدة، وإن ولدت أنثى فأنت طالق ثلاثًا فولدت ولدًا ميتًا ودفن ولم يعلم حاله فهل ينبش ليعرف؟ يحتمل أن يخرج على وجهين.
وأنه لو قال: إن كان هذا ملكي فأنت طالق، ثم وكل من يبيعه، هل يكون إقرارًا بأنه ملكه؟ وجهان، وكذا لو تقدم التوكيل على التعليق.
انتهى.
وقد تكلم النووي على هذه المسائل فقال: أما الأولى فالصواب فيها أنه إن خرج بعد خروج الجميع فينظر إن قصد أني لم آخذ بدله كان كاذبًا فإن كان عالمًا بأنه أخذ بدله طلقت، وإن كان ناسيًا فعلى قولي الناسي، وإن لم يكن له قصد خرج على الخلاف السابق في أن اللفظ الذي تختلف دلالته بالوضع والعرف على أيهما يحمل؟ وأما إن خرج وقد بقي بعض الجماعة فإن علم أن خفه مع الخارجين قبله فحكمه ما ذكرناه وأن علم أنه كان باقيًا أو شك ففيه الخلاف في تعارض الوضع والعرف.
وأما الثانية: وهي مسألة النحت فالأصح فيه الوقوع.
وأما الثالثة والرابعة: فالأصح فيهما عدم الوقوع.
وأما الخامسة: وهي مسألة الدينار فالأصح وقوع الطلاق إذا تلف بعد التمكين من الرد.
وأما السادسة: فالأصح فيها الوقوع ظاهرًا لكنه إن أراد الموضع المعين دين.
وأما السابعة: فنقلها النووي من هنا إلى الفصل المعقود للتعليق بالجمل والولادة، وقال: الراجح: النبش وللمسألة نظائر تأتي إن شاء الله تعالى في الباب الثاني من الشهادات يتعين مراجعتها.
وأما الثامنة: فالمختار في الحالين أنه لا طلاق إذ يحتمل أن يكون وكيلًا في التوكيل ببيعه أو كان لغيره وله عليه بينة، وقد تعذر إستيفاؤه أو باعه غصبًا أو بولاية.
واعلم أن ما نقله الرافعي في التوكيل يجري في البيع بنفسه بلا شك،

الجزء: 7 - الصفحة: 435

وكأنه إنما فرض المسألة في الوكيل لكون الروياني سئل عنها بخصوصها، وحينئذ فيكون الراجح عدم الطلاق فيه، بل أولى.
إذا علمت ذلك فقد صحح هو والرافعي في كتاب الصلح أن قول المدعي عليه للمدعى بعنيه أو هبه لي إقرار بالملك له مع الاحتمالات المذكورة هاهنا تأتي جمعيها فيجوز أن يكون له مالك غيره فوض إليه هذه التصرفات ولم يعينه.

قوله: وأنه لو كان بين يديه تفاحتان فقال لزوجته: إن لم تأكلي هذه التفاحة اليوم فأنت طالق، وقال لأمته: إن لم تأكلي الأخرى اليوم فأنت حرة واشتبهت تفاحة الطلاق بتفاحة العتق فعن بعض الأصحاب أن الوجه أن تأكل كل واحدة [منهما تفاحة فلا يقع الطلاق ولا العتق؛ لأن الأصل بقاء النكاح والملك والزوال غير معلوم، وعن آخرين أن الوجه أن تأكل كل واحدة] 75 منهما ما يغلب على ظنها أن يمينها معقودة عليها ويجتهد الزوج معهما، ولو خالع زوجته ذلك اليوم وباع الأمة، ثم جدد النكاح واشترى يخلص وقيل: يبيع الأمة من المرأة في ذلك اليوم وتأكل المرأة التفاحتين، انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره ليس اختلافًا للأصحاب بل لكل مما ذكره طريق سائغ موافق لقواعدنا أجاب به بعضهم عند السؤال، وكان الصواب أن يقول: له طريقان، وكلامه يوهم من لا حاصل عنده أن ذلك خلاف حتى وقع فيه النووي في اختصاره "للروضة" فإنه قال: فيه وجهان: أحدهما: كذا وسرد الكلام إلى آخره فاجتنبه فإنه وهم فاحش وسيأتي من كلام النووي في نظير المسألة ما يوافق الطريق الأول.
الأمر الثاني: أن مسألة الخلع قد ذكرها الرافعي مبسوطة قبل ذلك في الفصل المعقود للتعليق بالتطليق ونفيه، وقد ذكرت لفظه هناك إلا أنه هناك

الجزء: 7 - الصفحة: 436

فرضها في العمر وهاهنا في اليوم فيكون اليوم كالعمر، وقياس ما ذكره هناك أنه إذا خالع وباع الأمة، ثم عقد عليها أنه لا يتخلص بل ينتظر الحال، فإن أكلتا في اليوم فلا كلام وإلا وقع الطلاق قبل الخلع والعتق قبل البيع وبان بطلانهما.

قوله: وأنه لو قال لامرأتيه: كلما كلمت رجلًا فأنتما طالقتان، ثم قال: لرجلين اخرجا طلقتا.
ولو قال: كلما كلمت رجلًا فأنت طالق فكلم رجلين بكلمة طلقت طلقتين على الصحيح، وقيل: طلقة، انتهى كلامه.
وفي الصورة الأولى منه خلل تبعه عليه في "الروضة" فإن وقوع الطلاق لا يتوقف على القولين لرجلين، فإنه لو خاطب واحدًا وقع الطلاق بلا نزاع وإنما جواب هذا التصوير الحكم بالتعدد أو عدمه، والقياس: إلحاقه في ذلك بالصورة الثانية، وحينئذ فصوابه أن يعبر بقوله: طلقتا طلقتين وقيل: طلقة، والظاهر أنه كان هكذا ولكن سقط إما من كلام الروياني أو من كلام الرافعي.

قوله: وأنه لو قال: إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد فأنت طالق لم تطلق إلا إذا تزوج ثلاث نسوة أو اشترى ثلاثة أعبد، انتهى.
وما نقله من اشتراط الثلاثة وأقره ذكر بعده بنحو ورقة في المسائل المنقولة عن البوشنجي نحوه وأقره أيضًا فقال: ولو قال: إن كلمت بني آدم فأنت طالق فالقياس أنها لا تطلق بكلام واحد ولا اثنين وهذان الفرعان قد ذكر في آخر الباب الثالث من كتاب الإيمان في الفصل الأول من الفصلين الزائدين ما يخالفهما مخالفة عجيبة وسوف أذكر لفظه هناك إن شاء الله تعالى فراجعه.
ووقع هذا الاختلاف أيضًا في "الروضة" وذكر الرافعي أيضًا في أوائل القذف أن الناس تتناول الكل ومقتضى هذا أنه لا يحنث بتكليم البعض وهو القياس، لأنه جمع محكي وهو للعموم فلا يحنث بالبعض وإن كان يستحيل

الجزء: 7 - الصفحة: 437

تكليم الكل، كما لو حلف لا يشرب ماء النهر فإنه لا يحنث بشرب بعضه وإن كنا نعلم استحالة شرب الجميع.

قوله: وأنه لو قال: أنت طالق إن لم أطأك الليلة فوجدها حائضًا أو محرمة فعن المزني أنه حكى عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة -رضي الله عنهم- أنه لا طلاق فاعترض، وقال: يقع لأن المعصية لا تعلق لها باليمين، ولهذا لو حلف أن يعصي الله تعالى فلم يعص حنث، وقيل: ما قاله المزني هو المذهب واختيار القفال، وقيل: على قولين لفوات البر بالإكراه، انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي قد ذكر نظير هذه المسألة في الباب الثالث من أبواب الأيمان في النوع السابع منه في الكلام على الحلف على استيفاء الحقوق، وجزم فيها بما قاله المزني حكمًا وتعليلًا، وسوف أذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

قوله: وأن الوكيل إذا طلق لا يحتاج إلى نية إيقاع الطلاق عن موكله في الأصح، انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وللوكيل في الفعل ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يقصد إيقاعه عن موكله وهو واضح.
والثاني: أن لا يقصد شيئًا فيقع عنه أيضًا على الراجح كما تقدم في هذا اللفظ.
والثالث: أن يقول: أتيت به لغرض نفسي ووقوعه عني لا عن الموكل، فمقتضى ما نقله الرافعي هنا وقوعه أيضًا لكنه نقل قبيل كتاب الديات عن "فتاوى البغوي"، ولم يخالفه أن الوكيل في استيفاء القصاص إذا قال: قتلته بشهوة نفسي لا عن جهة الموكل لزمه القصاص، وينتقل حق الموكل إلى التركة هذا كلامه ومقتضاه من هنا أن الطلاق لا يقع، وأنه لابد من عدم

الجزء: 7 - الصفحة: 438

الصارف عن [الموكل] 76، ويؤيده أيضًا ما نقله الرافعي في الكلام على الإكراه عن أبي العباس المذكور أن الوكيل في الطلاق إذا أكره على الطلاق فيحتمل أن يقال يقع اختيار المالك ويحتمل أن لا يقع لأنه المباشر قال أبو العباس: وهذا أصح.

قوله: وأنه لو قال: إن لم أصطد ذلك الطائر اليوم فأنت طالق فاصطاد طائرًا وادعى أنه ذلك الطائر قبل للاحتمال فإن قال الحالف: لا أعرف الحال واحتمل الأمرين فيحتمل وقوع الطلاق وعدمه، انتهى.
وهذه المسألة قد اختلف فيها تصحيح النووي وسبق أيضًا إيضاح ذلك في آخر الباب الرابع المعقود للاستثناء.

الجزء: 7 - الصفحة: 439

فصل: في مسائل [منقولة عن] (1) إسماعيل البوشنجي

قوله في "الروضة": لو حلف بالطلاق لا تساكنه في شهر رمضان تعلق الحنث بمساكنة جميع الشهر ولا يحنث ببعضه، وبهذا قال إمام العراقيين يعني أبا بكر الشاشي وعن محمد بن يحيى يحنث بمساكنة ساعة منه كما لو حلف لا تكلمه شهر رمضان يحنث بتكليمه مرة، انتهى كلامه.
هذا النقل عن محمد بن يحيى غلط مخالف لما في الرافعي فإن فيه محمد بن الحسن أي صاحب أبي حنيفة فتحرف على النووي ومراده بأبي بكر الشاشي صاحب "الحلية"، وتوضيحه أن الرافعي صرح بأن البوشنجي سأله وقد كان في طبقة تلامذته.

قوله نقلًا عن إسماعيل البوشنجي أيضًا: أنه لو قال: أنت طالق في الدار، فمطلق هذا يقتضي وقوع الطلاق إذا دخلت هي الدار، انتهى كلامه.
وما نقله عن البوشنجي المذكور من توقف الطلاق على دخول الموضع وأقره قد نقل بعده بنحو ورقة عن البويطي خلافه فقال: ما نصه عن البويطي أنه لو قال: أنت طالق في مكة أو بمكة أو في البحر طلقت في الحال إلا أن يريد إذا حصلت هناك، وكذا لو قال: في الظل وهما في الشمس بخلاف ما إذا كان الشيء منتظرًا غير حاصل كما إذا قال في الشتاء وهما في الصيف لا يقع حتى يجيء الشتاء.
هذا لفظه وحكى العبادي في "الطبقات" أن الصعلوكي حكى عن الربيع أنه إذا قال: أنت طالق في مكة لا تطلق حتى تدخل مكة، قال: وقال ابن سريج: في الحال، انتهى.
فتعارض كلام البويطي مع كلام الربيع.

قوله: وأنه لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار ثنتين أو ثلاثًا أو عشرًا77

الجزء: 7 - الصفحة: 440

فهو مجمل، فإن قال: أردت أنها تطلق واحدة إن دخلت الدار مرتين أو ثلاثًا يصدق فإن اتهم حلف وإن أراد وقوع الطلاق بالعدد المذكور تقع الثلاث وتلغو الزيادة.
انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من وقوع الثلاث مع كونه قد عبر بأو وتبعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غير صحيح ففي الرافعي والروضة الجزم بأنه إذا قال لزوجته: أنت طالق طلقة أو ثلاثًا أنه يختبر ويقع ما أراده منهما، والحمل على أنه قد يريد ثنتين وقد يريد ثلاثًا فاسد أيضًا؛ لأنه جزم بوقوع الثلاث.

قوله: وللدار بستان بابه لافظ فيها انتهى.
واعلم أن صيغة لفظ بالفاء والظاء المعجمة المشالة معناها رمى، تقول: لفظته من فمي أن رميته، والمعنى هاهنا أن باب البستان يرمي في الدار ولهذا عبر في "الروضة" بقوله: بابه مفتوح إليها.

قوله: وأنه لو حلف لا يطعنه بنصل هذا الرمح أو نصل هذا السهم فنزع الزج وأدخل فيه رمحًا آخر فطعنه به يحنث.
انتهى.
الزج بزاي معجمة مضمومة ثم جيم مشددة هو: الحديدة التي في أسفل الرمح، والجمع زجاج بكسر الزاي، وزجة بالكسر أيضًا علي وزن عنبة.

قوله: وأنه لو قال: إن شتمتيني أو لعنتيني فأنت طالق فلعنته لا يقع الطلاق لتعلقه بهما.
انتهى.
تابعه في "الروضة" علي هذا الحكم مع تعبيره بقوله: وإن -ومن خط النووي نقلت- وهو غير مستقيم فإن الرافعي قد ذكر قبيل الكلام على اعتراض الشرط على الشرط أن الشرطين المعطوفين بالواو يمينان سواء تقدما أو تأخرا وتابعه عليه في "الروضة" أيضًا، وحينئذ فيقع الطلاق في مسألتنا باللعن وبالشتم وحده وإنما يستقيم ما ذكره مع حذف واو العطف.

قوله: وأنه لو قال نصف الليل: إن بت مع فلان فأنت طالق فبات معه

الجزء: 7 - الصفحة: 441

بقية الليل طلقت على مقتضى القياس ولا يشترط أن يبيت جميع الليل ولا أكثره، انتهى.
والمختار كما قاله في "الروضة" أن المبيت يحمل مطلقه على أكثر الليل إذا لم تكن قرينة كما سبق في المبيت بمنى قال لكن الظاهر الحنث هنا لوجود القرينة.

قوله: وأنه لو حلف لا يأكل من مال فلان فنثر مأكولًا فالتقطه وأكله حنث، وكذا لو تناهدا فأكل من طعامه، انتهى.
قال في "الروضة" الصورتان مشكلتان والمختار في مسألة النثار بناؤه على الخلاف السابق في الضيف ونحوه أنه هل يملك الطعام المقدم إليه ومتى يملكه؟ وأما بالنسبة للمناهدة وهي خلط المسافرين نفقتهم وإشتراكهم في الأكل من المخلتط ففيها نظر لأنها في معنى المعاوضة، وإلا فتخرج على مسألة الضيف، هذا كلامه.
وقد ذكر الرافعي المناهدة في آخر الأيمان وفسرها بتفسير هو أعم من هذا التفسير الذي ذكره النووي وذكر أيضًا ما ذكره النووي من التخريج على مسألة الضيف بعد أن نقل عن بعض الحنفية أنه لا يحنث وسوف أذكره هناك والمناهدة بالنون والدال المهملة.

قوله: وأنه لو حلف لا يكلم أحدًا أبدًا إلا فلانًا وفلانًا فكلمهما جميعًا يحنث كما لو قال: لا أكلم إلا هذا وهذا فكلمهما جميعًا، انتهى.
هذه المسألة لم يذكرها في "الروضة" وهذا الحكم إنما يتجه إذا كانت الصورتان بأو لا بالواو.

قوله: وأنه لو حلف لا يصوم زمانًا فالقياس أنه يحنث بصوم ساعة من يوم إذا قلنا في من حلف أن لا يصوم يحنث بالشروع فيه، ولو حلف ليصومن أزمنة، بَرَّ بصوم يوم لاشتماله على أزمنة.
انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 442

أما المسألة الأولى فقد تحرفت في "الروضة" فوقع فيها التعبير بقوله: ليصومن أي: على الإثبات.
وأما الثانية: فلا يشترط في البر أن يصوم يومًا، بل يكفي ثلاث لحظات.

قوله: وأنه لو قال: إن كان الله يعذب الموحدين فأنت طالق طلقت.
انتهى.
قال في "الروضة" هذا إذا قصد الحلف على عذاب أحد منهم، فإن قصد المجموع أو لم يقصد شيئًا لم تطلق لأن التعذيب يختص ببعضهم.

قوله: وأنه لو قال: اكررسيه مرين مران فأنت طالق فظاهر اللفظ يقتضي وقوع الطلاق إذا لبسه أو ألقاه على نفسه، انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي بالفارسية فأسقطها من "الروضة".

قوله: وأنه لو اتهمته امرأته بالغلمان فحلف أن لا يأتي حرامًا ثم قبل غلامًا أو لمسه يحنث لعموم اللفظ بخلاف ما لو قالت له: فعلت كذا حرامًا؟ فقال: إن فعلت حرامًا فأنت طالق لأن هاهنا ترتب كلامه على كلامها وهناك اختلف اللفظ فحمل كلامه على الإبتداء لأنها اتهمته بنوع من الحرام فنفى عن نفسه جنس الحرام، انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن البوشنجي في اللمس من إطلاق الحكم عليه بالتحريم، وإيقاع الطلاق به، وتابعه هو والنووي عليه مستقيم على ما صححه النووي من تحريم النظر إلى الأمرد بغير الشهوة فإن ذلك إذا حرم كان تحريم القبلة والمس بطريق الأولى، وأما على ما قال الرافعي والجمهور من جواز النظر فالمتجه جواز المس وهذه المسألة الثانية وهي التي أجاب فيها بعدم الحنث قد أسقطها النووي من "الروضة"، وحكمها مشكل بل الصواب وقياس نظائره أنه يحنث ولا أثر لترتيب كلامه على كلام غيره ولهذا لو قال له قائل كلم زيدًا اليوم، فقال: والله لا كلمته، إنعقدت

الجزء: 7 - الصفحة: 443

اليمين على الأبد إلا أن ينوي اليوم كذا قاله الرافعي في أواخر كتاب الأيمان.

قوله: وأنه لو حلف لا يأكل من مال ختنه فدفع إليه الدقيق ليخبره فخبزه بخمير من عنده لم يحنث لأنه مستهلك، انتهى.
وما نقله عن العبادي من عدم الحنث وأقره تبعه عليه في "الروضة" أيضًا وهو غير مستقيم لأن هذا المال مشترك بلا شك فيأتي فيه ما قالوه فيه في الأيمان وهو أنه إن أكل الكل أو شيئًا يزيد على حصته حنث وإلا فلا.
والختن بالخاء المعجمة والتاء بنقطتين من فوق هو: زوج البنت.

قوله: ولو قال: إن لم تكوني أحسن من القمر، أو إن لم يكن وجهك أحسن من القمر فأنت طالق.
قال القاضي أبو علي الزجاجي والقفال وغيرهما: لا تطلق، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ انتهى.
زاد في "الروضة" على هذا فقال: هذا الحكم والاستشهاد متفق عليه وقد نص عليه الشافعي -رحمه الله- وقد ذكرت النص في ترجمة الشافعي من كتاب "الطبقات" هذا كلامه.
وما ذكره -رحمه الله- عن الطبقات سهو فإن "الطبقات" المذكورة لم يترجم فيها للشافعي فضلا عن كونه ذكر هذا النص فيها، وقد وقع له أيضًا نظير هذا الموضع في كتاب الوليمة.

قوله نقلًا عن أبي العباس الروياني: أن امرأة قالت لزوجها: اصنع لي ثوبًا ليكن لك فيه أجر، فقال: إن كان لي فيه أجر فأنت طالق فقالت: استفتيت فيه إبراهيم بن يوسف العالم، فقال: إن كان إبراهيم بن يوسف [عالمًا فأنت طالق، فاستفتي إبراهيم بن يوسف] 78 في ذلك فقال: لا يحنث في اليمين الأولى لأنه مباح والمباح لا أجر فيه، ويحنث في الثانية لأن الناس يسمونني عالمًا، وقيل: يحنث في الأولى أيضًا لأن الإنسان يؤجر في ذلك أيضًا إذا

الجزء: 7 - الصفحة: 444

قصد البر، وحكى الوجهين معًا القاضي الروياني في كتاب "التجربة" وقال: الصحيح الثاني، انتهى.
قال في "الروضة": لا معنى للخلاف في مثل هذا لأنه إن قصد الطاعة كان فيه أجر ويحنث وإلا فلا، ومقتضى الصورة المذكورة أن لا يحنث لأنه لم يقع فعل بنية الطاعة، انتهى كلامهما.
وما ذكراه معًا كلام غير محرر، والصواب ما ذكره الرافعي في أوائل كتاب النذر نقلًا عن الأئمة وهو أن المباح إذا قصد به الطاعة فإنه يثاب على القصد الجميل لا على نفس المباح فلابد من مراعاة ذلك هنا، وأما قول النووي أن مقتضى التصوير أنه لا يحنث أنه لم يقع منه فعل بنية الطاعة، وهذا كلام عجيب موهم فإن الثواب لا يتوقف علي الفعل بل إذا قصد أن يفعل بنية الطاعة حصل له الثواب سواء فعله أم لم يفعله، وأيضًا فإن الفعل هنا لم يقع بالكلية حتى يعدل بنفي الفعل المقيد.
واعلم أن ما ذكره الرافعي في أوائل النذر قد ذكر ما يخالفه في آخر باب القسم والنشوز فقال: إن هجران المرأة بترك الكلام حرام، وقيل مكروه.
قال الإمام: وعندي أنه لا يحرم ترك الكلام أبدًا لكن إذا كلم فعليه أن يحنث وهو كابتداء السلام وجوابه.
ثم قال -أعني: الرافعي- ولمن ذهب إلى التحريم أن يقول: لا منع من ترك الكلام بلا قصد، فأما بقصد الهجران فحرام كما أن الطيب ونحوه إذا تركه الإنسان لا يحرم ولو قصد بتركه الإحداد أثم هذا كلامه.
وتبعه عليه في "الروضة" وذكر ما يوافق هذا أيضًا في أوائل الشهادات في الكلام على الغناء المحرم.

قوله نقلًا عن الشيخ إبراهيم المروروزي: وأنه لو قال: أفرغي هذا البيت من قماشك فإن دخلت ووجدت فيه شيئًا من قماشك ولم أكسره على

الجزء: 7 - الصفحة: 445

رأسك فأنت طالق، فدخل البيت ووجد فيه منحازًا لها، فقيل: لا يقع للإستحالة، وقيل يقع عند اليأس.
انتهى.
المنحاز بميم مكسورة ثم نون ساكنة ثم حاء مهملة وفي آخره زاي معجمة هو الهاون، ومن كلام العرب له دق دقك بالمنحاز حب الفلفل.
إذا علمت ذلك فالصحيح في هذه المسألة وسائر التعاليق المستحيلة وجه ثالث وهو الحنث الأن، كذا ذكره الرافعي في الأيمان في أول النوع الثالث المعقود للأكل والشرب فقال: إنه الأشبه، وفي "الروضة" إنه الأصح، وعللاه بأن العجز متحقق في الحال، وإنما يحسن الانتظار في ما يتوقع حصوله، نعم: إن قال إن طرت أو أحييت ميتًا ونحوه مما جعل فيه الطلاق معلقًا على وجود ما يستحيل وجوده فلا يقع على الصحيح وليس كلامنا فيه.

قوله نقلًا عنه: وأنه لو تخاصم الزوجان إلى آخره.
هذه المسألة وقعت في نسخ الرافعي مغيرة كما قاله في "الروضة" قال وقد حققتها من كتاب إبراهيم المذكور فلنذكر عبارة النووي فيها لمعرفة صورة المسألة، فنقول: قال في أصل "الروضة": وأنه لو تخاصم الزوجان فخرجت مكشوفة الوجه فعدى خلفها وقال كل امرأة خرجت من الدار مكشوفة ليقع بصر الأجانب عليها فهي طالق فسمعت قوله ورجعت ولم يبصرها أجنبي طلقت، ولو قال: كل امرأة لي خرجت مكشوفة ويقع بصر الأجانب عليها فهي طالق فخرجت ولم يبصرها أجنبي لا تطلق، والفرق أن الطلاق في الصورة الثانية معلق على صفتين ولم توجد إلا إحداهما، وفي الأولى على صفة فقط، وقد وجدت هذا كلامه.

قوله نقلًا عن أبي العباس الروياني: وأنه لو حلف أنه لا يفعل كذا فشهد عنده عدلان أنه فعله وظن صدقهما لزمه الأخذ بالطلاق، انتهى.

الجزء: 7 - الصفحة: 446

فظاهره اشتراط العدلين في الإخبار وينبغي الاكتفاء بالواحد عند غلبة الظن وهذه المسألة تشكل على مسألة الإخبار بنقضان الصلاة وزيادتها حيث صححوا هناك عدم الرجوع إلى المخبر، ويجوز أن يكون الروياني هذا ممن يقول في الصلاة بالرجوع إلى قول المخبرين فإن صح عنه لزم القول بعدم الرجوع هنا إلى قولهم، وقوله: يشهد عدلان أنه فعله لابد أن يريد فيه أنك فعلته عمدًا وإلا فلا يستقيم إطلاق القول بالحنث، إلا أن يكون الروياني هذا ممن يرى بحنث الناسي.
وقوله: لزمه الأخذ بقولهم، يحتمل اللزوم باطنًا ويحتمل ظاهرًا أيضًا حتى أنها تقضي العدة وتنكح غيره من غير إنشاء طلاق، وهو مشكل، لإنا لو فتحنا هذا الباب لاتخذه الشهود ذريعة إلى التفريق بين المرء وزوجه عند التعليق على أي فعل كان ولو علق على فعل غيره من غير إستفصال الحاكم لهم فشهد الشهود أنه فعله كان ممن لا يبالي به أو يبالي، والقياس إلحاقه بفعله ولو شهد عنده عدلان فشك في إخبارهما لم يلزمه الأخذ ويلزم الشهود في جميع الصور أن يشهدوا أنه فعله وطريق الزوج في رفعهم عنه وبقاء الزوجية أن يحلف أنه فعله ناسيًا.
وقوله: فيشهد عنده عدلان يقتضي أنه لو شهد عنده صبيان أو عبيد أو فسقة لم يلزمه الأخذ عند غلبة الظن، وفيه نظر، ولو شهد عنده نسوة أو عبيد عدول لزمه الأخذ، ويحتمل خلافه لأنهم ليسوا مقبولين الشهادة في الطلاق، ولو أخبرته المرأة بأنه فعله وغلب على ظنه لم يلزمه الأخذ لأنها قد تريد قطع نكاحه وكثيرًا ما يقع هذا، لكن إذا كان المدار على غلبة الظن فينبغي طرحه في الجميع ولا ينبغي تقييده بالشهادة، بل إذا غلب على ظنه أنه فعله لزمه الأخذ بالترك، وقد ذكروا في مسألة التحليل فيما إذا أخبر به المرأة فإنها حلت وغلب على ظنه الكذب أنه يجوز النكاح على الأصح، فإذا كان ابتداء النكاح مع غلبة الظن يكذب المخبر فجواز استدامته مع غلبة

الجزء: 7 - الصفحة: 447

ظن صدق المخبر أولى لأنه يفتقر في الدوام ما لا يفتقر في الابتداء، ويلزم أبا العباس أن الشهود لو شهدوا عنده أنها حلت وغلب على ظنه الكذب أن لا يجوزه ويجوز أن يكون قائلا به.
ولو علق عتقًا أو نذرًا على فعله أو فعل غيره أو عبده أو أمته فأخبره عدلان فالعتق نظير الطلاق.
ولو حلف يمينًا بالله على عدم الفعل فشهدوا عنده لزمته الكفارة على هذا.
ولو كانت عليه ديون وكفارات فشهدوا عنده بأدائها أو بأداء زكاة أو صلاة أو حج أو صوم أو رد لقطته أو وديعة أو عارية أو مغصوبة وغلب الصدق فينبغي القبول فيما عدا الصلاة.
ولو شهدوا بإبراء أو استيفاء أو قرض أو رهن أو إجارة أو تزويج بنته أو أمته أو غيرهما من غيره أو باستيلاده أمته أو تدبيرها أو وقفها أو بجميع ما يتعاطاه المكلف فهذه مسائل ينبغي الإعتناء بتحريرها.
وإيضاح قول أبي العباس في أصل المسألة وإيضاح محله هل هو عند الفعل عمدًا أو سهوًا؟ وأن ما قاله هل يطرد في جميع هذه الصور، وتبين مذهبه في حنث الناسي والجاهل وفي مسألة الصلاة أعني من قول المخبر وقول المرأة للزوج إنك فعلته هل يلزمه مع غلبة الظن؟ وهذه المسائل لم يتعرض لها أحد.

الجزء: 7 - الصفحة: 448

فصل: قد بقى من كلام الرافعي ألفاظ لم يتقدم ضبطها

منها: المأتم.
بفتح التاء المثناة من فوق قال الجوهري: مدلوله عند العرب النساء يجتمعن في الخير والشر، وعند العامة المصيبة يقولون: كنا في مأتم فلان، قال: والصواب أن يقال: كنا في مناحة فلان.
ومنها قولهم: سجر التنور بمعنى: أحماه، هو بالسين المهملة وبالجيم قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾.
ومنها: توابل القدر أن الحوائج الموضوعة فيها للإصلاح وهي بالتاء المثناة ومفرده تابل بفتح الباء وكسرها، يقال فيه: توبلت القدر.

الجزء: 7 - الصفحة: 449

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل