المهمات في شرح الروضة والرافعيكتاب الصيام
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله: ويجب صوم رمضان بأحد أمرين: إما باستكمال شعبان، أو برؤية الهلال؛ لما روى ابن عمر أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" 1. [انتهى] 2. وما نقله من إكمال العدة ثلاثين ليست في رواية ابن عمر، والذي رواه: "فإن غم عليكم فاقدروا له".

قوله: وإن شهد واحد فقولان: أحدهما: أن الرؤية لا تثبت.
وهى رواية البويطي؛ لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يومًا إلا أن يشهد شاهدان" 3. وأصحهما وهو الذي نص عليه في كتبه وقطع به بعضهم: أنها تثبت؛ لما روي عن ابن عباس أن أعرابيا جاء إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إني رأيت الهلال فقال: "تشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: نعم.
قال: "وأن محمدًا رسول الله؟ " قال: نعم.
قال: "فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدًا" 4.

الجزء: 4 - الصفحة: 42

وعن ابن عمر قال: "تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أني رأيته فصام وأمر الناس" 5. انتهى ملخصًا.
وما صححه الرافعي وغيره من قبول قول الواحد خلاف مذهب الشافعي فإن المجتهد إذا كان له قولان وعلم المتأخر منهما كان مذهبه هو المتأخر، وقد نص في "الأم" على أن اشتراط الاثنين متأخر عن هذا فقال في أول كتاب الصيام الصغير ما نصه: قال الشافعي -رحمه الله-: وبهذا نقول، فإن لم ترى العامة هلال رمضان ورآه رجل عدل أن أقبله للأثر والاحتياط.
قال الشافعي 6 -رحمه الله-: أخبرنا الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت الحسين -عليه السلام- أن رجلًا شهد عند على رؤية هلال رمضان فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يومًا من شعبان أحب إلى من أن أفطر يومًا من رمضان.
قال الشافعي -رحمه الله- بعد: لا يجوز على رمضان إلا شاهدان.
= يعلى (2529) وابن أبى شيبة (2/ 320) والبيهقى في "الكبرى" (7762) وابن الجارود في "المنتقى" (379) من حديث ابن عباس -رضى الله عنهما-.
قال الترمذي: روى مرسلًا.
وقال النسائي: إنه أولى بالصواب وسماك إذا تفرد بأصل لم يكن حجة.
عن عكرمة.
وقال أبو داود: رواه جماعة عن سماك عن عكرمة مرسلًا.
وقال الألبانى: ضعيف.

الجزء: 4 - الصفحة: 43

هذا لفظ الشافعي بحروفه، ومن "الأم" نقلته.
واعلم أن من جملة الفوائد المهمة الجليلة التي اشتمل عليها [مقدمة] 7 هذا الكتاب وسبق هناك إيضاحه أن "الأم" رواية البويطي عن الشافعي وأن البويطي مات قبل ترتيبها فرتبها الربيع واستدرك فيها أشياء فصرح فيها باسمه تارة فيقول: قال الربيع، وتارة لا يصرح به اعتمادًا على القرينة.
ومنه هذا الموضع.
والحديث الأول: ما عدا الاستثناء -رواه الشيخان عن اختلاف في بعض الألفاظ وهو إلى لفظ البخاري أقرب، وأما الاستثناء فضعيف، ويغني عنه ما رواه حسين بن الحارث قال: أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ننسك للرؤية، فإن لم نره فشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما.
رواه أبو داود، والدارقطني والبيهقي.
وقالا: هذا إسناد صحيح متصل.
وينسك: بضم السين وكسرها من النسك وهو العبادة.
وأما حديث ابن عباس فرواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، صححه ابن حبان والحاكم، وقال النسائي: والأولى بالصواب أنه مرسل.
وأما حديث ابن عمر فرواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم، وقال الدارقطنى: تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب، وهو ثقة، كذا نقله في "شرح المهذب" وأقره، وما ادعاه من التفرد ليس كذلك؛ فقد تابعه هارون بن سعيد الأيلي فرواه عن ابن وهب، كما أخرجه الحاكم في "مستدركه" وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.

قوله: فإن قبلنا الواحد فهو شهادة في أصح الوجهين، وقيل:

الجزء: 4 - الصفحة: 44

رواية، ثم قال: وهل يشترط لفظ الشهادة؟ قال الشيخ أبو علي وغيره: هو على الوجهين، ومنهم من قدر اشتراطه متفقًا عليه.
انتهى.
لم يبين هنا ما صيغة هذه الشهادة فهل يقال يشهد بطلوع الهلال ونحوه لا بالرؤية؛ لكونها من فعله أو تصح الشهادة وإن كانت بالرؤية، وقد تعرض هو لذلك في صلاة العيدين في الكلام على لفظ "الوجيز"، وذكر ما حاصله أن الشهادة بصيغة الرواية صحيحة فقال ما نصه: فنقول: لو شهد شاهدان يوم الثلاثين من رمضان [إننا] 8 رأينا الهلال البارحة، وكان ذلك قبل الزوال، وقد بقى من الوقت ما يمكن جمع الناس فيه وإقامة الصلاة أفطروا.
انتهى لفظه.
ورأيت في "شرح الفروع" للقفال المروزي الجزم بمثله أيضًا فقال في هذا الباب: إذا كانت السماء مصحية فشهد شاهدان: إننا رأينا الهلال ليلة الثلاثين قبلنا قولهما وأفطرنا.
هذا لفظه.
ورأيت في "أدب الشهود" لابن سراقة ما هو أصرح منه فقال: يقول: أشهد أيها القاضي أني رأيته.
هذه عبارته، ذكر ذلك في باب تأدية الشهادة.
وخالف ابن أبي الدم فقال: إن الشهادة برؤيته لا تقبل؛ لأنها شهادة على فعل نفسه.
وقد اشتهرت هذه المقالة على الألسنة غير مستحضرين لخلافها؛ فلذلك صرحت بهذه النقول.

قوله: وهل يقبل قول الصبي المميز الموثوق به إذا جعلناه رواية؟ قال الإمام: فيه وجهان مبنيان على قبول رواية الصبيان، وجزم في

الجزء: 4 - الصفحة: 45

"التهذيب" بعدم القبول مع حكاية الخلاف في روايته، وهو المشهور.
انتهى كلامه.
وحاصله: أن في المسألة طريقين: المشهور: طريقة القطع، والثاني: التخريج على الخلاف.
وقد صرح النووي بذلك في "الروضة".
إذا علمت ذلك فالمذكور هنا قد خالفه الرافعي في "الشرح الصغير" فجزم بطريقة الوجهين.
ثم إنه أيضًا يشكل على سائر الإخبارات، فقد حكى الرافعي وجهين في قبول إخباره بنجاسة الماء وبالمرض المخوف وبجهة القبلة وغيرها، ولم يحك طريقة قاطعة بالمنع فضلا عن تصحيحها فأي فرق بين ما يجئ فيه وبين هذه الأبواب.
نعم إن أشار الرافعي بقوله وهو المشهور إلى عدم القبول لا إلى الجزم به استقام وتوجه على "الروضة" اعتراضان، لكنه بعيد جدًا.
وفي المسألة أمور أخرى سبق ذكرها في باب الاجتهاد في المياه فراجعها.

قوله: وإذا أخبر موثوق به بالرؤية فهل يجب الصوم مطلقا أم يتخرج على هذا الخلاف؟ .. إلى آخره.
فيه كلام يتعين الوقوف عليه مذكور في الكلام على النية.

قوله في "أصل الروضة": واتفقوا على أنه لا يقبل قول الفاسق على القولين جميعًا.
اعلم أن في قبول إخبار الفاسق بجهة القبلة وجهين مذكورين في الرافعي فإما أن نقول بجريانهما هاهنا، وإما أن نلزمه أن يفرق، بل سبق في

الجزء: 4 - الصفحة: 46

التيمم أن في قبوله خبر الكافر بالمرض المخوف وجهين أيضًا.
ولم يصرح الرافعي هنا بالقطع بعدم القبول وإنما جزم به.

قوله أيضًا في "أصل الروضة": ولكن إن اعتبرنا العدد اشترطنا العدالة الباطنة.
انتهى.
لم يبين المراد هنا بالعدالة الباطنة وهو أمر مهم ضروري، وقد بينه الرافعي عقب هذا الكلام فقال: وهى التي يرجع فيها إلى أقوال المزكين.
هذا لفظه.
والعجب من حذف النووي له.

قوله: وإن لم يعتبر العدد ففي اعتبار العدالة الباطنة وجهان [جاريان] 9 في رواية المستور.
قال الإمام: وأطلق بعض المصنفين الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، وهو بعيد.
نعم قد تقول: يأمر القاضي بالصوم بظاهر العدالة كى لا يفوت الصوم ثم يبحث بعد ذلك.
انتهى كلام الرافعي.
فيه أمور: أحدها: أن الأصح من هذين الوجهين هو القبول، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" فقال: الأصح قبول رواية المستور، والأصح قبول قوله هنا والصيام به، وبه قطع صاحب "الإبانة"، و"العدة"، والمتولي.
هذا كلامه، ولم يصحح في "الروضة" شيئًا.
وتصحيح القبول متجه على القول بأنه رواية، وأما على القول بالشهادة فبعيد.

الجزء: 4 - الصفحة: 47

الأمر الثاني: أن نقل الرافعي عن الإمام يقتضي أن البحث لابد منه.
وليس كذلك بل المذكور في "النهاية" ما حاصله أنهم إن صاموا ثلاثين يومًا ولم يروا الهلال فلابد من البحث وإلا ففيه تردد؛ فإنه قال عقب ما نقله الرافعي ما نصه: ولا يبعد أن يقال: إذا أمر استمروا ولم يبحث.
نعم إذا استكملنا العدة ثلاثين فلم يروا هلال شوال فلابد الآن من البحث عن العدالة فتأملوا ترشدوا.
انتهى كلامه.
الأمر الثالث: أن النووي في "الروضة" قد أسقط ما نقله الرافعي عن الإمام فلم يذكره بالكلية، وجزم الغزالي في "البسيط" بأنه ينبغي للإمام أن يأمر وبأن يبحث أيضًا، ولم يفصل.

قوله في "أصل الروضة": ولو صمنا بقول عدلين ولم نر الهلال بعد ثلاثين فإن كانت السماء مغيمة أفطرنا قطعًا، وإن لم تكن مغيمة أفطرنا أيضا على المذهب الذي قطع به الجماهير.
انتهى كلامه.
وما ذكره هاهنا من قطع الجمهور قد خالفه في "شرح المهذب" مخالفة عجيبة فحكى أن الأشهر طريقة الخلاف فقال: وإن كانت مصحية فطريقان أحدهما: نفطر قولًا واحدًا، وبه قطع كثيرون.
وأشهرهما -وبه قطع المصنف وكثيرون: فيه وجهان: الصحيح- وقول جمهور أصحابنا المتقدمين: نفطر.

قوله: فالأصح القطع بثبوت الهلال بالشهادة على الشهادة كالزكاة وإتلاف بوارى المسجد؛ فعلى هذا إذا فرعنا على الصحيح وهو عدم العدد، فإن قلنا: إن طريقه طريق الرواية ففي الاكتفاء بواحد وجهان: أصحهما في "التهذيب": لا يكفي؛ لأنه ليس بخبر من كل وجه.
وإن قلنا: طريقه طريق الشهادة فهل يكفي واحد أم لابد من

الجزء: 4 - الصفحة: 48

اثنين؟ فيه وجهان؛ المذكور في "التهذيب" منهما هو الثاني.
انتهى ملخصا.
تابعه في "الروضة" على ذلك.
فأما المسألة الأولى: فالأصح فيها هو الاكتفاء بالواحد؛ فقد قال ابن الرفعة في "الكفاية": إنه المشهور.
وذكر النووي في "شرح المهذب" نحوه؛ فإنه قال بعد ذكره ما ذكره هاهنا من غير زيادة عليه، وقال الشيخ أبو علي، وإمام الحرمين: الأصح الاكتفاء بواحد عن واحد، وبها قطع الدارمي.
هذا كلامه.
وهذا الخلاف كالخلاف السابق في قبول رواية الصبي.
والبغوي بنى على قاعدة واحدة في الموضعين.
وأما في المسألة الثانية فالأصح فيها ما قاله البغوي، كذا صححه في "شرح المهذب" وعبر بالأصح.
والبواري: بالباء الموحدة والراء المهملة والياء المشددة المثناة من تحت: نوع ينسج من القصب كالحصير.

قوله: وما يقتضيه حساب المنجم لا يوجب الصوم عليه ولا على غيره.
قال القاضي الروياني: وكذا من عرف منازل القمر لا يلزمه الصوم به في أصح الوجهين.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" أيضًا، والذي صححه الروياني هو الصحيح، كذا صححه الرافعي في "الشرح الصغير".
قال ابن الصلاح في "مشكل الوسيط": ومعرفة منازل القمر هو معرفة سير الأهلة، وهو غير [المعرفة] 10 بالحساب على ما أشعر به كلام الغزالي

الجزء: 4 - الصفحة: 49

في الدرس؛ فالحساب أمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد، والمعرفة بالمنازل كالمحسوس يشترك في دركه الجمهور ممن يراقب النجوم.
هذا كلامه.
وقد سبق في كتاب الصلاة فيما إذا علم المنجم دخول وقتها بالحساب كلام آخر فلينظر مع هذا.

قوله: وأما الجواز فقد قال في "التهذيب": لا يجوز تقليد المنجم في حسابه لا في الصوم ولا في الإفطار.
وهل يجوز له أن يعمل بحساب نفسه؟ فيه وجهان ورأيت في بعض المسودات تعدية الخلاف إلى غيره.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن الأصح في هذه المسألة هو الجواز في حق الحاسب والمنجم، والمنع في حق غيرهما، كذا صححه النووي في "شرح المهذب".
وسنذكر لفظه مع زيادة أخرى في الكلام على جزم [النية] 11، لكن نقل ابن الصلاح أن الجمهور على المنع في حق أنفسهما أيضًا.
الثاني: أن هذا الذي نقله عن بعض المسودات المجهولة، وتابعه عليه النووي هو مذكور في عدة من الأصول المشهورة منها "الشامل" لابن الصباغ وكذلك ["التهذيب"] 12 و"التعليق" للشيخ أبي حامد حتى جعله بمنزلة الشهادة في حقه وحق غيره.

قوله: واعلم أن صاحب "التهذيب" ذكر تفريعًا على الحكم بقبول قول الواحد أنا لا نوقع به الطلاق والعتق المعلقين بهلال رمضان، ولا نحكم بحلول الدين المؤجل إليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 50

ولو قال قائل: هلا ثبت ذلك ضمنًا كما سبق نظيره لأحوج الفرق.
انتهى كلامه.
تابعه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب"، وما نقله الرافعي عن البغوي ذكر مثله الخوارزمى، وفي ما ذكره الرافعي أمور: أحدها: أن الطلاق والعتق المعلقين إنما لا يحكم بوقوعهما إذا سبق التعليق على الشهادة، فأما إذا وقعت الشهادة أولًا وحكم الحاكم بدخول رمضان ثم جرى التعليق المذكور فقال: إن كان قد ثبت رمضان فعبدي حر أو فأنت طالق فإن الطلاق والعتق يقعان، وذلك لأن الرافعي في الباب الثاني من كتاب الشهادات نقل عن ابن سريج والجمهور هذا التفصيل فيما إذا علق العتق أو الطلاق على الغصب، فثبت بشهادة رجل وامرأتين.
ثم قال: وقياسه أن يكون الحكم هكذا إذا علق برمضان فشهد به واحد.
انتهى.
واعلم أن ابن سريج قد نص على هذا التفصيل الذي ذكرناه في "التعليق" بالغصب فتابعه عليه الأصحاب.
وقد نص -أعني: ابن سريج- على التفصيل المذكور في التعليق برمضان أيضًا هكذا، حكاه عنه القاضي الحسين في هذا الباب من "تعليقه".
وكلام الرافعي يقتضي أنه لم يجده منقولًا؛ ولهذا أثبته قياسًا.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد أشار بقوله: كما سبق نظيره: [أي] 13 فيما إذا صمنا بقول الواحد ثلاثين ولم نر هلال شوال فإنا نفطر على الأصح وإن كان شوال لا يثبت بالواحد، ومثله النسب والميراث فإنهما لا يثبتان بشهادة النساء إلا عند شهادتهن بالولادة فإنهما يثبتان تبعًا وضمنا.

الجزء: 4 - الصفحة: 51

وقد ذكر الرافعي في كتاب الشهادات أن في الموضع السابق ذكره قريبًا فرقًا بين ثبوت النسب والميراث، وبين عدم حلول الدين وعدم وقوع الطلاق والعتاق بما حاصله أن النسب ونحوه لازم للمشهود به، والطلاق والعتاق والحلول ليس بلازم لاستهلال الشهر، وقد ذكرت لفظه هناك.
الأمر الثالث: [14 أن عدم حلول الدين ونحوه محله إذا لم يتعلق ذلك بالشاهد، فإن تعلق به ثبت بلا شك؛ لاعترافه بذلك.

قوله: وإذا رؤي الهلال في بلد ولم ير في أخرى فإن تقاربتا تعدى الحكم إليها، وإن تباعدتا فلا في أظهر الوجهين؛ لما روي عن كريب قال: رأينا الهلال بالشام ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة فقال ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة.
قال: أنت رأيت الهلال؟ قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية.
فقال: لكننا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه.
قلت: أو لا يكتفى برؤية معاوية؟ فقال: هكذا أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .. 15 انتهى.
والحديث المذكور رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
وكريب: بكاف مضمومة على التصغير، وفي آخره باء موحدة، وهو مولى ابن عباس.
واعلم أن الذي صححه الرافعي قد سبقه إليه الشيخ أبو حامد والشيخ أبو إسحاق والغزالي والشاشي، لكن ذهب إلى الوجوب القاضي أبو

الجزء: 4 - الصفحة: 52

الطيب، والروياني وقال: إنه ظاهر المذهب، واختاره جمع من أصحابنا، ونقله ابن المنذر عن أكبر الفقهاء، ونقله البغوي عن الشافعي.

قوله: وضبط العراقيون والصيدلانى وغيرهم البعد باختلاف المطالع، وضبطه الغزالي وصاحب "التهذيب" بمسافة القصر، وتحدى الإمام وادعى أنه لا قائل بالأول قال: وقد يوجد ذلك مع قصور المسافة عن مسافة القصر للارتفاع والانخفاض، وقد لا يوجد مع مجاورتها لها.
ومنهم من ضبطه -يعني: البعد- باختلاف الإقليم.
انتهى ملخصًا.
وفيه أمور: أحدها: أنه ليس فيه تصريح بترجيح، وقد صرح بترجيح الثاني وهو مسافة القصر في "الشرح الصغير" فقال: إنه أظهر الوجهين، وكذلك في "المحرر" فقال: إنه أشهر الوجهين.
واختلف تصحيح النووي فقال من زياداته في "الروضة" و"المنهاج": الأصح أن العبرة باختلاف المطالع، وذكر نحوه في "شرح المهذب"، ثم صحح عكسه في "شرح مسلم" في الباب الثالث من أبواب الصيام فقال ما نصه: والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعم الناس بل تختص بمن قرب على مسافة كما يقوله أبو حنيفة، وكأنه ظفر به بعد ذلك فألحقه ذاهلًا عما سبق فقدم في "الروضة" هذا الوجه فذكره مع المسألة.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد نقل في الظهار في آخر الخصلة الثانية أنه إذا صام رمضان عن فرض رمضان وعن الكفارة أجزأه عنهما عند ابن خربويه.
قال: والمعروف أنه لا يجزئه عن واحد منهما.
إذا علمت ذلك فإن أراد الرافعي بالتعرض لكونه من رمضان خلوص

الجزء: 4 - الصفحة: 53

الصوم له وحده، وهو الظاهر لم يستقم نفي الخلاف لمقالة ابن خربويه.
وإن أراد التعرض له سواء كان مع غيره أو وجه كان أفحش في الاعتراض؛ لكونه خلاف المشهور.
الثالث: أن يعتبر العد أيضًا من الواجبات لا من الكمال فكان ينبغى أن يقول: فأما قصد صوم العد والتعرض .. إلى آخره.

قوله: وأما الأداء والفرضية والإضافة إلى الله تعالى ففيها الخلاف المذكور في الصلاة.
انتهى كلامه.
وذكر مثله في "الشرح الصغير" و"المحرر"؛ ومقتضاه أن الأصح وجوب التعرض للفرضية؛ لأنه الأصح في الصلاة.
وقد تابعه النووي في "الروضة" و"المنهاج" عليه وعبر بعبارته، وخالف في "شرح المهذب" فقال ما نصه: والأصح عند البغوي اشتراطها، والأصح عند البندنيجي وصاحب "الشامل" والأكثرين عدم الاشتراط وهو الأصح، بخلاف الصلاة.
والفرق أن صوم رمضان من البالغ لا يكون إلا فرضًا، وصلاة الظهر من البالغ قد تكون نفلًا في حق من صلاها ثانيا.
هذا كلامه.
وإذا علمت ذلك علمت أن الفتوى على خلاف ما يقتضيه كلام الشرحين و"الروضة" وفروعهما ترجيحًا بكلام الأكثرين.

قوله: وأما رمضان هذه السنة فقد حكى الإمام، والغزالي وجهًا أنه لابد منه، ويغرب منه وجهان حكاهما البغوي في أنه هل يجب أن يقول: من فرض هذا الشهر أو يكفي أن يقول: من فرض رمضان؟ وقال: الأصح الوجوب، وزيفه الإمام بأنه إذا حصر الأداء بالليالى فقد حصر التعرض للوقت المعين.

الجزء: 4 - الصفحة: 54

وقد يزيف أيضًا بأن التعرض لليوم المعين لابد منه وذلك يغنى عن كونه من هذا الشهر وهذه السنة فإن هذا اليوم لا يكون إلا كذلك.
انتهى.
ورمضان المذكور في أول هذا الكلام مضاف إلى ما بعده وهو اسم الإشارة.
إذا علمت ذلك ففي كلامه أمور: أحدها: أن الرافعي لم يصرح هنا بتصحيح في التقييد بالسنة ونحوها، وقد صحح في "الشرح الصغير" و"المحرر" أنه لا يشترط، وعبر فيهما بالظاهر، وصححه النووي أيضًا في "أصل الروضة" وغيرها من كتبه، وقد تلخص مما ذكره هو والرافعي أنه لا يشترط ذكر الأداء ولا كونه من السنة ونحوها كالشهر، بل يكفيه أن ينوى صوم الغد عن فرض رمضان، وفيه كلام سأذكره.
الثاني: أن ما ذكره أولًا في تزييف الوجوب بدخوله في الأداء صحيح لكن الأداء لا يجب أيضًا عنده.
وما ذكره ثانيًا في تزييفه من أن التعرض لليوم المعين -وهو الغد- يستلزم السنة والشهر ذهول عجيب؛ فإن من نوى صوم الغد من هذه السنة عن فرض رمضان يصح أن يقال له: صيامك لليوم المذكور هل هو عن فرض هذه السنة أو عن سنة أخرى؟ إذ هنا أمران؛ اليوم الذي يصومه واليوم الذي يصوم عنه؛ فالحاصل أن ذكر هذه السنة في قلب الناوي إنما ذكروه آخرًا ليعود إلى المؤدي عنه لا المؤدي به.
الثالث: أن البغوي قد عبر بقوله: فيقول: نويت أن أصوم غدًا من فرض هذا الشهر، فإن قال: نويت أن أصوم غدًا من الفرض أو من فرض رمضان فالأصح أنه لا يجوز؛ لأنه لم يعين هذا الشهر، وقيل: يجوز؛

الجزء: 4 - الصفحة: 55

لأن هذا الشهر لا يقبل غير فرضه.
هذه عبارة "التهذيب".
وقد علمت منها أن الوجه المرجوح عنده لا يوجب تقييد الفرض برمضان، بل لو قال من الفرض صح على خلاف المذكور في الرافعي و"الروضة".
وقد حذف في "الروضة" ما نقله عنه الرافعي من تصحيح البطلان في هذا التصوير، وأوهم كلامه تبعًا للرافعي أنها صورة واحدة، وليس تصحيح البغوي هذا لأجل التعرض للأداء؛ فإن الصحيح -عنده كما ذكره في الصلاة- عدم اشتراطه.

قوله: والتعيين واجب في صوم الفرض.
ثم قال: وأما صوم التطوع فيصح بنية مطلق الصوم كما في الصلاة.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة"، على إطلاق صحة التطوع بالنية المطلقة، لكنه قد تقدم في صفة الصلاة أن النفل إن كان راتبًا أو كان له سبب فلابد من تعيين النية فيه، وقياسه اشتراط التعيين أيضًا في الصوم الراتب كصوم عرفة، والذي له سبب كصوم الاستسقاء إذا لم يأمر به الإمام كما قلنا باشتراطه في الصلاة لاسيما وقد صرح الرافعي بإلحاق الصوم بها كما تقدم، وقد تعرض النووي في "شرح المهذب" لهذا البحث فقال: ينبغي وجوب ذلك، إلا أنه فرض الإشكال في النفل المؤقت ولم يتعرض لما له سبب.

قوله: الرابع: التبييت: وهو شرط في صوم الفرض.
انتهى.
وتعبيره بالفرض تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، ويرد عليه صيام الصبي في رمضان فإنه نفل ومع ذلك لا يصح إلا بنية من الليل كما قاله الروياني والنووي، وكذلك ابن أبي الدم، وحكى الوجهين في أنه هل يقع نفلًا

الجزء: 4 - الصفحة: 56

موصوفًا بصفة الرمضانية أو غير موصوف بها ولا إدخال للصبي، عبر الشيخ في "التنبيه" بقوله: ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام الواجب إلا بنية من الليل فنص على رمضان بخصوصه، وقيل غيره بكونه واجبًا, وهو من محاسن كلامه، وهذا الاعتراض يأتي في المسألة السابقة أيضًا.

قوله في "الروضة": ولا تبطل النية بالأكل والجماع بعدها على المذهب، وحكى عن أبى إسحاق بطلانها، وأنكر ابن الصباغ نسبته إليه.
وقال الإمام: رجع أبو إسحاق عن هذا عام حج وأشهد على نفسه.
فإن ثبت أحد هذين فلا خلاف في المسألة.
انتهى ملخصًا.
وفيه أمور: أحدها: أن ما نقله عن الإمام من كونه قائلا برجوع أبي إسحاق ليس كما نقله عنه، بل إنما حكاه الإمام في "النهاية" عن غيره حكاية مضعف له؛ فإن عبارته: وقيل: إنه رجع.
والسبب في حصول هذا الوهم في "الروضة" أن الرافعي عبر عن قول الإمام، وقيل بقوله وحكى الإمام، وهى عبارة مجملة.
ثم عبر النووي عن قول الرافعي، وحكى بقوله، وقال غير مراجع لما في "النهاية".
نعم قول الرافعي فإن ثبت يشير إلى المراد بقوله وحكى فإن الإمام لو جزم لم يحسن أن يقابل.
الأمر الثاني: أن الرجوع ثابت؛ فقد جزم به الفوراني في "الإبانة"، ورأيت في نسخة من "المقنع" للمحاملي أن الداركي قال: سمعت ابن القطان يقول: سمعت أبا سعيد القفال يقول: إن أبا إسحاق رجع عن هذا.
قال ابن القطان: فحججت فقلت لأبي إسحاق: حكى لى أبو سعيد

الجزء: 4 - الصفحة: 57

القفال عنك أنك رجعت فقال: بلى كنت أذهب إليه ثم رجعت عنه.
هذا كلامه.
الثالث: أنه لا يلزم من ثبوت أحد هذين نفي الخلاف في المسألة، بل لابد مع ذلك أن لا ينقل الوجه إلا عنه؛ ولهذا عبر الرافعي بقوله: فإن لم ينقل الوجه إلا عنه وثبت أحد الكلامين فلا خلاف، وفي المسألة إجماع سابق، ويثبت خلاف أبي إسحاق ثم رجوعه، فإنه يتخرج على الاتفاق بعد الاختلاف هل هو إجماع رافع للخلاف السابق أم لا؟ ومذهب الشافعي أنه لا يكون كما أوضحته في "شرح منهاج الأصول"، وقد نقل الإصطخري أن مقالة أبي إسحاق مخالفة لإجماع المسلمين.
الرابع: لما تقرر أن الخلاف في هذه المسألة باطل مردود عبر في "الروضة" بالمذهب؛ إشارة إلى تصحيح طريقة القطع، لكنه ذكر عقبه أنه إذا نوى ثم نام لا يجب تجديد النية على الصحيح؛ فتعبيره بالصحيح جزم منه بإثبات الخلاف مع أن البطلان عند الأصحاب هنا أضعف من الأكل ونحوه؛ لأن النوم غير مناف.

قوله: ويصح النفل بنية قبل الزوال، وفيما بعده قولان: أحدهما: يصح؛ تسوية بين أجزاء النهار كما سوينا بين أجزاء الليل في محلية نية الفرض.
والأصح: عدم الصحة.
وفرقوا بأن الناوي قبل الزوال مدرك لمعظم العبادة فجعل الأقل تبعًا له، بخلاف ما بعده.
قال الإمام: وإذا حسب النهار من شروق الشمس فالزوال منتصفه فتكون النية المتقدمة عليه مدركة للمعظم؛ لأن النهار الشرعي محسوب

الجزء: 4 - الصفحة: 58

من طلوع الفجر فيتقدم منتصفه على الزوال.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن ما اقتضاه كلام الإمام من البطلان عند من يعلل بالمعظم كالرافعي وغيره صحيح.
وقد حذفه من "الروضة" بالكلية.
وأما ما أشار إليه من تخريجه على أول النهار، وتسليم الصحة عند من قال أوله طلوع الشمس فظاهر الفساد؛ فإن الكلام على جعل المعنى المعتبر هو اقتران النية بمعظم العبادة وأولها من طلوع الفجر بلا نزاع سواء سميناه نهارًا أو يومًا.
وقد نقل الإمام مع هذا تردد الشيخ أبي محمد في الصحة لفوات اقترانها بالمعظم، ثم قال: ولعل من اعتبر الزوال إنما اعتبره؛ لأنه مضبوط بنية.
الثاني: أن المحلية في كلامه بياء مشدودة ومعناه كونه محلًا، والشروق هو الطلوع؛ يقال: شرقت الشمس شروقًا أي: طلعت وأشرقت إشراقًا أي: أصاب.

قوله في "الروضة": فرع: ينبغي أن تكون النية جازمة؛ فلو نوى ليلة الثلاثين من شعبان أن يصوم غدًا إن كان من رمضان فله حالان: أحدهما: أن لا يعتقده من رمضان فينظر إن ردد نيته فقال: أصوم غدا عن رمضان إن كان منه، وإلا فأنا مفطر، أو أنا متطوع: لم يقع صومه عن رمضان إذا بان منه؛ لأنه صام شاكًا.
وقال المزني: يقع عنه.
وإن لم يردد نيته بل جزم بالصوم عن رمضان فلا يصح صومه؛ لأنه إذا لم يعتقد كونه من رمضان لم يتأت له الجزم بصوم رمضان حقيقة بل

الجزء: 4 - الصفحة: 59

الحاصل حديث نفس، وقيل: يصح.
انتهى كلامه.
وقد تحصل من تقسيمه المذكور في أول هذا الكلام أنه إذا نوى صوم الغد إن كان من رمضان لا ترديد فيه، بل إن زاد عليه فقال: وإلا فأنا مفطر أو فأنا متطوع كان ترديدًا، وإلا فلا؛ فلزم من كونه ليس بترديد سكوته عما إذا لم يأت بالشرط بالكلية، بل إيهامه الصحة في التصوير المذكور في الحالة المذكورة وهى ليلة الثلاثين من شعبان.
وذلك كله باطل نقلًا وعقلًا.
وهذا الخلل نشأ من تعبيره في أول الكلام بقوله إن كان من رمضان، وهو زيادة لم يذكرها الرافعي.

قوله: فإن اعتقد كون الغد من رمضان واستند عقده إلى ما شرطنا كما إذا اعتمد على قول من يثق به من حر أو عبد أو امرأة أو صبية ذوى رشد ونوى صومه عن رمضان أجزأه إذا بان أنه منه.
انتهى كلامه.
فيه أمور.
أحدها: أن ما ذكره في هذه الأمثلة من صحة الصوم قد ذكر بعد ذلك في الشرط الرابع من شروط الصحة ما يناقضه مناقضة عجيبة فقال: وأما يوم الشك فلا يصح صومه عن رمضان ولا يجوز أن يصوم فيه التطوع الذي لا سبب له، فإن فعله لم يصح في أصح الوجهين.
ثم قال: ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا وقع في الألسن أنه رؤي ولم يقل عدل: أنا رأيته، أو قال ولم يقبل الواحد، أو قاله عدد من النساء أو العبيد أو الفساق وظن صدقهم.
وأما إذا لم يتحدث برؤيته أحد فليس بيوم شك.
وفي وجه لابن طاهر: يوم الشك ما تردد بين الحائرين من غير ترجيح،

الجزء: 4 - الصفحة: 60

فإن شهد عبد أو صبي أو امرأة ترجح أحد الجانبين؛ فليس بشك.
انتهى كلامه.
فانظر إلى هذا الاختلاف الغريب كيف قطع أولًا بصحة الصوم عن رمضان إذا أخبره من يظن صدقه من حر أو عبد أو امرأة أو صبيان، وذكر ثانيًا أنه لا يصح بإخبار هؤلاء، بل ولا بإخبار العدل الواحد.
وذلك غريب جدًا، ولا ينفع في الجمع بينهما ذكره الاعتقاد أولًا، فإن إرادة معناه عند أهل المعقول مستبعد هنا قطعا، فإن إخبار العدل الواحد غايته أنه يفيد الظن.
ومما يستتبع هذا الاختلاف أنه قد قال في أول الباب: قال ابن الصباغ: والإمام إذا أخبر موثوق به بالرؤية لزم قوله إن قلنا: إنه رواية وإن لم يذكره عند القاضي.
وقالت طائفة: يجب، ولم يفرعوه على شيء، ومن هؤلاء ابن عبدان والغزالي في "الإحياء" وصاحب "التهذيب"، واتفقوا على عدمه في الفاسق.
انتهى كلامه.
وذكر البندنيجي أيضًا مثله.
واستفدنا منه أن القائلين بالوجوب أكثر عددًا من القائلين بخلافه؛ فصار متناقضًا من ثلاثة أوجه؛ ففي موضع: يجب، وفي موضع: يجوز، وفي موضع: يمتنع.
وقد وقعت المواضع الثلاثة في "الروضة" و"شرح المهذب"، والموضعان الأولان في "الشرح الصغير"، وكذلك في "المحرر" لكن بالإيماء لا بالتصريح.
الأمر الثاني: أن النووي قد ذكر في موضعين من "شرح المهذب" أن الصبي الواحد يكفي على عكس ما اقتضاه كلامه في "الروضة" وغيرها.
والفتوى على المنع؛ ففي "البحر" ما حاصله: أن الجمهور عليه، وما

الجزء: 4 - الصفحة: 61

ذكره الرافعي هنا في صوم يوم الشك يأتي الكلام عليه مبسوطًا في موضعه.
الأمر الثالث: أن المراد بالرشد هو الاختبار بالصدق ولا يبعد اعتبار اجتناب النواهي خصوصًا الكبائر، ويدل عليه تعبير بعضهم بالموثوق به، والظاهر أن الرشد قيد في الصبيان ويحتمل عوده إلى البواقي.

قوله في الكلام على ما إذا استند اعتقاده إلى شرطنا: فإن قال في نيته -والحالة هذه-: أصوم عن رمضان فإن لم يكن من رمضان، أو تطوع فقال الإمام: ظاهر النص أنه لا يصح صومه إذا بان رمضان للتردد.
وقيل: يصح لاستناده إلى أصله.
انتهى كلامه.
وما اقتضاه كلامه من رجحان عدم الصحة قد خالفه في "المحرر" فجزم بالصحة، وهو الذي اقتصر عليه الرافعي في أواخر الكلام على المسألة نقلًا عن "الوجيز"، وهو المتجه؛ فإن النية معنى قائم بالقلب لا يشترط فيه التلفظ.
ولا شك أن التردد في هذه الحالة حاصل في القلب ذكره أم لم يذكره، وقصده للصوم إنما هو على تقدير كونه من رمضان فصار كالتردد الواقع في القلب بعد حكم الحاكم.

قوله: ويدخل في قسم انتقاد الاعتقاد إلى ما شرطنا بناء الأمر على الحساب حيث جوزنا على التفصيل الذي سبق.
انتهى كلامه.
وما ذكره هنا من الإجزاء على القول بالجواز قد تابعه عليه النووي في "الروضة" وكذلك في "شرح المهذب" في هذا الموضع وصححه في الشرح المذكور في الكلام على ثبوت رمضان عكس ما جزم به هاهنا فقال في الكلام على المنجم والحاسب ما نصه: فيه خمسة أوجه: أصحها: لا يلزمهما ولا غيرهما بذلك -يعني بالتنجيم والحساب-

الجزء: 4 - الصفحة: 62

ولكن يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما.
والثاني: يجوز لهما ويجزئهما.
والثالث: يجوز للحاسب ويجزئه، ولا يجوز للمنجم.
والرابع: يجوز لهما ويجوز أيضًا لغيرهما تقليدهما.
والخامس: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم.
انتهى كلامه، ونظير المسألة ما إذا عرف المنجم دخول وقت الصلاة بالحساب، وقد تقدم ذلك مبسوطًا في كتاب الصلاة، وما ذكره النووي من عدم الإجزاء مع القول بالجواز بعيد مخالف لكلامهم؛ ولهذا اقتصر ابن الرفعة على الإجزاء نقلًا عن جماعة.

قوله: فرعان: أحدهما: لو نوى الانتقال من صوم إلى صوم لم ينتقل.
وهل يبطل صومه أم يبقى نفلًا؟ فيه وجهان، كذا لو رفض نية الفرض عن الصوم الذي هو فيه.
انتهى ملخصًا.
وهذا الكلام يقتضي الجزم ببطلان صوم الفرض إذا كان فيه وإنما الخلاف في أنه هل يبطل أم ينقلب نفلًا؟ ، وهذا لا يستقيم مع ما قاله في أول صفة الصلاة من أن نية الخروج من الصوم لا تبطله على الصحيح.
ثم إن الرافعي قد نقله بعدها عن "التهذيب" وليس هو في "التهذيب" كذلك فإنه قال: لو نوى الصائم الخروج عن الصوم أو قال: أبطلت الصوم وترك النية هل يبطل صومه؟ فيه وجهان: أصحهما: يبطل كالصلاة.
والثاني: لا يبطل.

الجزء: 4 - الصفحة: 63

ثم قال: فإن قلنا: يبطل، فإن كان هذا في خلال الصوم قضاء أو منذورًا فرفض نية الفرضية هل يبقى نفلًا؟ فيه وجهان.
وكذلك لو نوى الانتقال من صوم إلى صوم آخر لا ينتقل إليه.
هل يبطل ما هو فيه؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: يبطل الصوم، فإن كان في غير رمضان هل يبقى نفلًا؟ فيه وجهان.
انتهى كلام "التهذيب".
والبغوي -رحمه الله- -فرع الوجهين في انقلابه نفلًا على الوجه القائل ببطلان الصوم -وهو كلام صحيح- فحذف الرافعي المفرع عليه وجعلها مسألة مستقلة فوقع في الغلط، وحذف أيضًا تخصيص الوجهين بما عدا رمضان.
وقد تفطن النووي للأمرين فقال عقب الكلام الذي تقدم: قلت: الأصح بقاؤه على ما كان عليه.
واعلم أن انقلابه نفلًا على أحد الوجهين إنما يصح في غير رمضان، وإلا فرمضان لا ينقلب نفلًا عندنا ممن هو من أهل الفرض بحال، والله أعلم.
هذا كلامه.
إلا أنه لم يصحح واحدًا من الوجهين.
وأيضًا فما ذكره من تخصيص الوجه بغير رمضان لا يستقيم إلا على تقدير الاتفاق على عدم صيروة رمضان نفلًا.
وليس كذلك فقد حكى الرافعي بعد هذا قبل الكلام على إيجاب الكفارة على المجامع أن أبا إسحاق ذهب إلى أن من أصبح غير ناو في رمضان فنوى التطوع قبل الزوال صح صومه.
ثم حكى عن إمام الحرمين أن قياس هذا الوجه أنه يجوز للمسافر التطوع به.

قوله في "أصل الروضة": فرع: لو قال: إذا جاء فلان خرجت من

الجزء: 4 - الصفحة: 64

صومي فهل يخرج عند مجيئه؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: يخرج، فهل يخرج في الحال؟ وجهان، والمذهب: لا يبطل في الحالين كما سبق بيانه في صفة الصلاة.
انتهى كلامه، وفيه أمور: أحدها: أن ما جزم به من حكاية الوجهين: في المسألة الأولى قد ضعفه في صفة الصلاة من "الروضة"، وصحح طريقة القطع بعدم البطلان فقال: لو تردد الصائم في الخروج من صومه أو علقه على دخول شخص ونحوه لم يبطل على المذهب الذي قطع به الجماهير وقيل: وجهان.
هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن تعبيره بالمذهب بعد حكاية الوجهين لا يستقيم؛ فإن المذهب عنده من الطريقين، ولم يتعرض لهما هاهنا، وكأنه أخذ الترجيح من صفة الصلاة ذاهلًا عن صدر المسألة.
الأمر الثالث: أن المسألة الثانية وهى حكاية الخلاف في البطلان عند مجيئه لم يسبق لها ذكر في صفة الصلاة بالكلية لا من كلامه ولا من كلام الرافعي، وليس في كلام الرافعي هنا ما يقتضي تقدم ذكره، فإنه قال: الثاني لو قال: إذا جاء فلان خرجت من صومي فهل هو خارج عن الصوم عند مجيئه؟ فيه وجهان.
إن قلنا: نعم فهل يخرج في الحال؟ فيه وجهان، وكل ذلك كما في الصلاة، أورده في "التهذيب" وغيره.
هذا لفظ الرافعي.
ومراده بالتشبيه بالصلاة إنما هو في جريان الخلاف لا في الصحيح.
وهذا الترتيب الذي نقله الرافعي عن البغوي، وتبعه عليه في "الروضة"، وهو ذكر الخلاف عند مجيء زيد.

الجزء: 4 - الصفحة: 65

فإن أبطلناه فهل يبطل في الحال؟ فيه خلاف، وقد ذكره -أعني البغوي- في هذا الباب، وذكر أيضًا -أعنى: البغوي- هذه المسألة بعينها في كتاب الصلاة ورتب الخلاف بالعكس فإنه حكى في البطلان خلافًا ثم قال: فإن قلنا: لا يبطل، فهل يبطل إذا وجدت الصفة؟ فيه خلاف وعليه اقتصر في "شرح المهذب" هنا.

الجزء: 4 - الصفحة: 66

الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات

قوله في "أصل الروضة": ويدل عليه أنهم جعلوا الحلق كالجوف في بطلان الصوم بوصول الواصل إليه.
انتهى.
وما ذكره من كون الحلق من الباطن قد خالفه بعد ذلك في الكلام على قلع النخامة فقال: منعتها لكلام الرافعي.
قلت: المختار أن الحاء المهملة أيضًا من الظاهر، وعجب كونه ضبطها بالمهملة التى هى من وسط الحلق ولم يضبطه بالهاء أو الهمزة؛ فإنهما من أقصى الحلق.
انتهى.
فانظر كيف جعل الحاء المهملة من وسط الحلق وحكم مع ذلك بأنها من الظاهر حتى لا يفطر بالوصول إليه، وهو عكس ما جزم به أولًا, والرافعي نقله عن البغوي وابن القاص.

قوله: ثم في الفصل صور: إحداها: الحقنة مبطلة للصوم لحصول الواصل إلى الجوف المعتبر، وعن القاضي الحسين: أنها لا تبطله، وهو غريب.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن القاضي الحسين لم يثبت؛ فقد صرح القاضي في تعليقه بعكس ذلك فقال: أما إذا احتقن سواء احتقن في قبله أو دبره أفطر.
وقال أبو حنيفة: من ناحية القبل لا يفطر ومن ناحية الدبر يفطر.
هذا لفظه في إحدى "تعليقتيه".
وما ذكره الرافعي أخذه من "المعتمد" للشاشي على عادته في كثرة النقل عنه؛ فإنه قال -أعني الشاشي: ذكر القاضي الحسين أن الحقنة لا تفطر، وهذا الذي ذكره القاضي سهو؛ فإنه اعتقد أن الحقنة التقطير في الإحليل، وليست كذلك وإنما الحقنة عبارة عما يدخل في الدبر من الدواء وذلك ينفذ إلى الجوف، وما يحصل في الإحليل يقال له تقطير.
هذا لفظه، وهو أيضًا إنما يقتضي الخلاف في القبل خاصة، والخلاف فيه مشهور، ذكره الرافعي وغيره.

الجزء: 4 - الصفحة: 67

وذكر القاضي الحسين في "تعليقه" أيضًا أنه لو أدخل أصبعه في دبره أفطر، وهو يؤيد ما ذكرناه عنه في الحقنة.
نعم اختار في "تعليقته" الأخرى التفصيل كما قاله أبو حنيفة فقال: لو قطر شيئًا في إحليله أو أدخل فيه قطنه: قال أصحابنا: يبطل صومه كما لو احتقن.
وعندي أنه لا يفسد؛ لأنه لم يصل إلى جوف التغذي؛ إذ لا منفذ له إلى الجوف.
وهذا مذهب أبي حنيفة أيضًا.
هذا كلامه.
ولا شك أن الوهم وقع للشاشي من هذا الموضع.
وذكر الرافعي هنا الغلصة وهى بغين معجمة مفتوحة ولام ساكنة وصاد مهملة.
قال الجوهري: هذا الموضع الثاني في الحلق.

قوله: السادسة: لا يفسد الصوم بالفصد والحجامة, لكن يكرهان.
انتهى.
تابعه النووي في "الروضة" على الجزم بالكراهة وبه جزم في "التنبيه"، وأقره عليه النووي في تصحيحه، ثم جزم -أعني: النووي- في "شرح المهذب" بأنهما خلاف الأولى ولم يذكر الكراهة أصلًا.
وقد نص الشافعي في "البويطي" على ما يعضد هذا فإنه قال: وللصائم أن يحتجم وتركه أحب إلى.
هذا لفظه بحروفه، وكذلك في "الإملاء" في باب نهى المعتكف فقال: ولا بأس أن يحتجم الصائم.
هذا لفظه أيضًا، ومن "البويطي" و"الإملاء" نقلته.
وعن "الأم" كما في "البويطي"، وذكر الروياني في "البحر" مثله فقال: ظاهر المذهب أن الحجامة لا تكره، وقال بعض أصحابنا بكراهتها، وجزم الجرجاني في "التحرير" بأنهما لا تكرهان، وصرح به أيضًا في كتابه "الشافي" لكنه اقتصر على ذكر الحجامة.
وذكر مثله الماوردي أيضًا؛ فثبت أن الفتوى على خلاف المذكور في الرافعي و"الروضة".

الجزء: 4 - الصفحة: 68

قوله: ولو وجأ نفسه فوصل السكين إلى جوفه أفطر.
وحكى الحناطي وجهين في من دخل طرف الخيط في دبره أو في جوفه وبعضه خارج هل يفطر؟ فيجوز أن يعلم لأجله قول الغزالي وإن كان بعض السكين خارجًا بالواو.
انتهى.
وهذا الوجه قد أسقطه من "الروضة" حتى ادعى لأجل ذلك في "شرح المهذب" أنه لا خلاف فيه مع حكايته للخلاف في نظيره من الخيط، وليت شعري ما الفرق الذي تخيله بينهما، وقد صرح في "الشرح الصغير" بالوجه فيهما.
وأما وجأ -فبالجيم وبالهمز في آخره، ومعناه: ضرب؛ تقول: وجأت عنقه وجًا بالسكون أي: ضربته.

قوله في "الروضة": ولو ابتلع طرف خيط بالليل وطرفه الآخر خارج فأصبح كذلك، فإن تركه لم تصح صلاته وإن نزعه أو ابتلعه لم يصح صومه فينبغي أن يبادر غيره أو هو إلى نزعه وهو عاقل، فإن لم يتفق ذلك فالأصح أنه يحافظ على الصلاة فيبتلعه أو ينزعه.
والثاني: يتركه محافظة على الصوم.
انتهى.
فهذه المسألة قد ذكرها في نواقض الوضوء من "شرح المهذب"، واقتضى كلامه رجحان المحافظة على الصوم؛ فإنه قال: فيه وجهان: أرجحهما عند القاضي وغيره: أن مراعاة صحة الصوم أولى؛ لأنها عبادة دخل فيها فلا يبطلها.
هذا لفظه من غير معارض له بالكلية، وحكى معه وجهًا آخر أن الطاهر الواصل إلى محل النجاسة لا يضر حمله.

قوله: بل لو فتح فاه عمدًا حتى وصل الغبار إلى جوفه فقد قال في "التهذيب": في أصح الوجهين أنه يقع عفوًا، وشبهوا هذا الخلاف بالخلاف فيما إذا قتل البراغيث عمدًا وتلوث بدمائها هل يقع عفوًا؟ انتهى.
فأما ما ذكره صاحب "التهذيب" فقد صححه النووي في "فتاويه"، وعبر في "الروضة" و"شرح المهذب" كما عبر الرافعي.

الجزء: 4 - الصفحة: 69

وأما قتل البراغيث عمدًا فقد أسقطه من "الروضة" هنا ولم يذكره أيضًا في موضعه، وكأنه توهم تقديمه إياه فأسقطه، وقد صرح به في "التحقيق" في أبواب الصلاة فقال بعد تصحيحه: إن دم البراغيث لا يضر قليله ولا كثيره ما نصه: ولو قتل قملا ونحوه في ثوبه أو بدنه أو حمل ثوب براغيث أو صلى عليه إن كثر ضر وإلا فلا في الأصح.
هذا لفظه، وذكر قريبًا منه في "شرح المهذب" فاعلمه.

قوله: نعم لو كان مغمي عليه فأوجر معالجة وإصلاحًا ففيه وجهان: أحدهما: أنه يفطر؛ لأنه لمصلحته فكأنه بإذنه.
وأصحهما: لا يفطر كإيجار غيره بغير اختياره، وهذا الخلاف كالخلاف في المغمى عليه المحرم إذا عولج بدواء فيه طيب هل تلزمه الفدية؟ انتهى.
وظاهر هذا الكلام أن الثانية كالأولى في إلحاقه بفعل الغير حتى لا تلزمه الفدية.
إذا علمت ذلك فقد ذكر المسألة قبيل باب محرمات الإحرام، وصحح أنه كفعله حتى تلزمه الفدية ثم شبه بهما الوجهين في الصوم وهو عكس ما ذكره هنا، وستعرف لفظه إن شاء الله تعالى هناك.

قوله: ولو أخرج لسانه وعليه الريق ثم رده وابتلع ما عليه ففيه وجهان: أظهرهما -وهو المذكور في "النهاية"- أنه لا يبطل صومه.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي في "الشرح الصغير" قد صحح البطلان على عكس المذكور هنا، وعبر بالأصح.
الأمر الثاني: أن النووي في "الروضة" قد تابع الرافعي على الجزم بطريقة الوجهين، ثم إنه في "شرح المهذب" حكى فيه طريقين وصحح

الجزء: 4 - الصفحة: 70

طريقة القطع بعدم الإفطار فقال فيه طريقان حكاهما البغوي وغيره: المذهب وبه قطع المتولي أنه لا يفطر وجهًا واحدًا؛ لأنه لم ينفصل.
والثاني: في إفطاره وجهان.
هذا لفظه.
وقد جزم الغزالي في "البسيط" بأنه لا يفطر، وكذلك الإمام في "النهاية"، ونقله عن الأئمة، وما نقله في "شرح المهذب" عن البغوي من حكاية الطريقين ليس كذلك، بل فيه الجزم بحكاية وجهين فاعلمه، إلا أن يريد أن "المجموع" حكى المجموع.

قوله: قال الشافعي: وأكره العلك؛ لأنه يحلب الفم.
قال بعض الشارحين: كأنه حاذر اجتماع الريق على خلاف العادة، وقال آخرون: أراد بقوله يحلب الفم أنه يطيب النكهة ويزيل الخلوف فلذلك كرهه.
وهذا كله إذا كلان العلك صلبًا مستعملًا لا ينفصل منه شئ، فإن كان جديدًا متفتتًا فوصل منه شيء إلى الجوف أفطر.
انتهى ملخصًا.
والعلك: بفتح العين مصدر علك يعلك بضم اللام أي: مضغ، كذا قاله النووي في "لغات التنبيه"، وفي "الكفاية": أن التقدير مضغ العلك.
قال: وهو كما قال البندينجي: أي الذي كلما مضغته صلب وقوي.
هذا كلامه.
ومقتضاه أنه اسم للشيء لا مصدر.
وقد جمع النووي في "شرح المهذب" بينهما فقال: العلك بكسر العين هو هذا المعروف، ويجوز بفتح العين ويكون المراد الفعل وهو مضغ العلك وإدارته.
هذا كلامه.

الجزء: 4 - الصفحة: 71

وأما قول الشافعي: يحلب، فنقل النووي في "تهذيبه" و"شرح المهذب" عن "البحر" أنه يروى بالجيم وبالحاء المهملة؛ فمن قال بالجيم فمعناه: يجمع الريق فربما ابتلعه وذلك يبطل الصوم في أحد الوجهين ومكروه في الآخر.
وقيل: معناه يطيب الفم ويزيل الخلوف.
ومن قال بالحاء قال معناه: يمص الريق ويجهد الصائم.
وأما قوله: حاذر بالحاء المهملة: أي: خشى منه.
وهذا الكلام الذي ذكره الرافعي قد أسقطه في "الروضة" ثم ذكر بعد هذا استحباب ترك العلك، وسأذكر لفظه هناك.

قوله: الثانية: النخامة إذا حصلت في حد ظاهر الفم بانصبابها من الدماغ ثم نزلت إلى الباطن، فينظر إن لم يقدر على ردها لم يضر، وإن قدر ولكن ابتلعها قصدًا ضر، وإن تركها حتى نزلت بنفسها ففيه وجهان؛ أوفقهما لكلام الأئمة أنه يضر.
ثم قال: ونقل عن "الحاوي" وجهان مطلقًا في الإفطار بالنخامة، والوجه تنزيلهما على الحالة التي حكينا الخلاف فيها.
انتهى كلامه.
وما حاوله الرافعي من رد هذا الخلاف إلى النزول بنفسها، والجزم بالبطلان عند الابتلاع ليس كذلك؛ فقد صرح الماوردي بهما في حال الابتلاع وزاد على ذلك وصحح أنه لا يضر فإنه قال: فأما النخامة إذا ابتلعها ففيه وجهان، ثم قال: والصحيح أنه أخرجها من صدره ثم يبلعها فقد أفطر كالقيء، وإن أخرجها من حلقه أو دماغه لم يفطر كالريق.
هذا كلامه.

الجزء: 4 - الصفحة: 72

ثم إن شيخه الشيخ أبا حامد قد صرح بحكايتهما في هذه الحالة ونقله عن الغزالي في "الزوائد" وكذلك في "البيان" أيضًا، وعلل عدم البطلان بأن جنسهما معفو عنه.
وحذف النووي مقالة "الحاوي" ظنًا منه أن الأمر على ما فهمه الرافعي، وقد تبين بطلانه.
وهذه المسألة قد ذكر في "شرح المهذب" ما يشكل عليها فقال: فرع: لو طعنه غيره طعنة وصلت جوفه فغير أمره لكن أمكن دفعه فلم يدفعه ففي فطره وجهان حكاهما الدارمي، أقيسهما: أنه لا يفطر؛ لأنه لا فعل له.

قوله في "أصل الروضة": فرع: إذا تمضمض ذاكرًا للصوم فسبق الماء إلى جوفه.
أو استنشق فسبق إلى دماغه فالمذهب أنه إن بالغ فيهما أفطر وإلا فلا.
وقيل: يفطر مطلقًا، وقيل عكسه.
انتهى كلامه.
اعلم أن منقول المزني أنه يفطر، ومنقول الربيع عكسه، والمذهب على اصطلاح النووي من الطرق لا من الأقوال ولا من الوجوه، وكلامه يقتضي أن في المسألة ثلاث طرق كل منها يأتي للخلاف: أصحها حمل النصين على حالين.
والثانية: القطع بالفطر بالغ أم لا.
والثالثة: القطع بعدمه مطلقًا.
فهذا الاختصار مخالف لكلام الرافعي زيادة ونقصانًا فإنه ذكر ما ملخصه منقول المزني في "المختصر" أنه يفطر، ومنقول الربيع في اختلاف العراقيين عدم الفطر؛ فقال بعضهم: ولا يفطر قطعا وأول من نقله المزني.

الجزء: 4 - الصفحة: 73

وقال بعضهم: إن بالغ أفطر قطعًا وإلا فلا قطعًا، وحمل النصين عليهما.
والأصح أن المسألة على قولين، وفي محلهما طرق: أصحها: أنه عند المبالغة، وإن لم يبالغ لم يفطر جزمًا.
والثانية: إذا لم يبالغ فإن بالغ أفطر قطعًا والثالثة: أنهما جاريان في الحالين.
انتهى ملخصًا، وقد علمت منه أن القطع بالفطر -أي: عند المبالغة وعدمها- ليس في الرافعي وأن في الرافعي طرق أخرى ليست في "الروضة".
منها: أن المسألة على قولين إذا لم يبالغ، فإن بالغ أفطر قطعًا.
ومنها: أن محلهما إذا بالغ وإلا لم يفطر قطعا.
ومنها: أن القولين جاريان مطلقًا.
فإن كان مراد النووي بما صدر به كلامه أولا هي طريقة القولين فيرد عليه أن القولين ليسا في الحالين كما بيناه، هذا مع أن اللفظ أيضًا لا يقتضي هذا الحمل بل تتعذر إرادته، وبالجملة فقد صرح بعد هذا من زوائده بما اقتضاه كلامه فقال: المختار في الرابعة الجزم بالإفطار كالمبالغة هذه عبارته.
نعم الذي ذكره في "الروضة" هو حاصل الأقوال، المستفادة من هذه الطرق، فلو عبر بقوله، ففيه طرق حاصلها أقوال ثم يذكر ما ذكر فيها لاستقام.
وكأنه أراد أن يذكر هذا فنسيه في الاختصار ثم اغتر به فذكر بعد هذا من "زوائده" ما نقلناه عنه.
واعلم أن الرافعي في "المحرر" قد جزم بأن القولين فيما إذا لم يبالغ،

الجزء: 4 - الصفحة: 74

فإن بالغ أفطر قطعًا على عكس ما صححه الرافعي في "الشرح الكبير" و"الشرح الصغير".

قوله: وسبق الماء عند غسل الفم لنجاسة كسبقه في المضمضة والمبالغة هاهنا للحاجة ينبغي أن تكون كالسبق في المضمضة أي: لا مبالغة.
انتهى.
وهذا الذي ذكره هنا بحثا قد جزم به في "الشرح الصغير".

قوله من "زوائده": ولو جعل الماء فيه لا لغرض فسبق فقيل: يفطر، وقيل بالقولين.
انتهى.
ومراده بالقولين هما القولان في مسألة المضمضة، وقد تقدم أن كلامه لا يدل على قولين فيهما بالكلية، وقد تبين في "شرح المهذب" أن ناقل الطريقين هو المتولي، والمتولي لما حكاهما جعل الطريقة الثانية على الخلاف الذي في المضمضة ولم يخصه بقولين، وهذا هو الصواب.

قوله: لو بقي طعام في خلل أسنانه فجرى به الريق من غير قصد فمنقول المزني أنه لا يفطر، ومنقول الربيع أنه يفطر؛ وقيل: قولان، والأصح أن المسألة ليست على القولين، واختلف القائلون بهذا، فمنهم من قال ورواية المزني: ، فيما إذا لم يقدر على تمييزه ومجه، ورواية الربيع: فيما إذا قدر.
وتوسط الإمام والغزالي فقالا: إن لم يتعهد تنقية الأسنان ولم يخلل فهو كصور المبالغة في المضمضة، وإن نقاها على الاعتياد فهو كغبار الطريق.
انتهى ملخصًا.
والأصح من الطريقين المفرعين على الطريقة الثانية هى الطريقة الأولى -أعني: المفصلة بين القدرة على التمييز وعدمه- فقد صححها في "الشرح الصغير" وجزم بها النووي في "أصل الروضة" ولم يذكر المقالة الثانية فتوجه عليه اعتراضان: إسقاط طريقة، وزيادة تصحيح.

الجزء: 4 - الصفحة: 75

قوله: الخامسة: إذا خرج المني بالاستمناء أفطر، وإن خرج بمجرد الفكر والنظر بشهوة لم يكن مفطرا.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن خروجه بالنظر وإن لم يكن مفطرا لكنه يأثم بتكرر النظر كذا جزم به القاضي الحسين والشيخ أبو حامد في "تعليقه" الذي علقه عنه البندنيجي، والماوردي في "الحاوي"، والقاضي أبو الطيب في "تعليقه"، والروياني في "البحر" وفي "المختصر" المسمى "بكتاب المبتدئ" -بكسر الدال- ونقله في "شرح المهذب" عن الماوردي فقط ولم ينقل خلافه، وجزم البندنيجي في "الذخيرة" وأبو الخير سلامة بن جماعة المقدسي في "شرح المفتاح" بأن التكرار مكروه.
الثاني: أن ما ذكره في إنزال المني محله في الواضح، أما المشكل فلا يفطر بإنزاله من أحد الفرجين لاحتمال الزيادة، قاله في "البيان"، ونقله النووي في باب نواقض الوضوء من "شرح المهذب".
وهكذا حكم الجماع والحيض، وقد أوضحته في "كتاب الإيضاح".

قوله: وإن خرج بمباشرة فيما دون الفرج أو لمس أو قبلة أفطر، وحكى إمام الحرمين عن شيخه أنه حكى وجهين فيما إذا ضم امرأة إلى نفسه وبينهما حائل فأنزل قال: هو عندي كسبق ماء المضمضة.
فإن ضاجعها متجردًا فكمبالغة في المضمضة.
انتهى ملخصًا.
وقد علمت منه أنه إذا تعاطي هذه الأمور بلا حائل فأنزل أفطر، وفيه الخلاف الذي ذكره الإمام، وإن كان مع الحائل، فإنه لا يفطر على الترجيح الذي ذكره الإمام ولم يذكر ما يوافقه ولا ما يخالفه.

الجزء: 4 - الصفحة: 76

والذي اقتضاه كلام الإمام من عدم الفطر عند الحائل قد ذكر الغزالي أيضًا نحوه، وجزم به أيضًا المتولي والروياني ونقله في "الكفاية" عن الجمهور، فتفطن لما ذكرته، والتعبير بالمباشرة يدل عليه؛ فإن مدلولها التقاء البشرة.

قوله: وتكره القبلة للشاب الذي تحرك القبلة شهوته ولا يأمن على نفسه، ولا تكره لغيره، وإن كان الأولى الاحتراز.
ومن كرهنا له القبلة فهل ذلك على سبيل التحريم أو التنزيه؟ حكى في "التتمة" فيه وجهين؛ والأول هو المذكور في "التهذيب".
انتهى.
لم يرجح شيئًا منهما أيضًا في "الشرح الصغير" ولا تعرض لبيان هذه الكراهة في "المحرر".
والأصح أنها كراهة تحريم، كذا صححه النووي في "أصل الروضة" وفي غيرها من كتبه، ولم ينبه في "الروضة" على أنه من زياداته بل أدخله في كلام الرافعي، فتفطن له؛ فإن هذا الوهم قد سرى إليه هو في "شرح المهذب" فقال: قال الرافعي وغيره: الأصح أنها كراهة تحريم.
وما صححه النووي من التحريم قد نص عليه الشافعي كما نقله القاضي أبو الطيب في "تعليقه" فإنه قال ناقلًا عن المزني: مسألة قال -يعني الشافعي: ومن حركت القبلة شهوته كرهناها له، وإن فعل لم ينتقض صومه، وتركها أفضل.
وهذا الكلام ليس على ظاهره، وقد ذكره الشافعي في "الأم".
ثم إن المزني نقل بعضه وأخل بالبعض؛ وذلك أن الشافعي قال في

الجزء: 4 - الصفحة: 77

"الأم": ومن حركت القبلة شهوته فالقبلة محرمة عليه، ومن لم تحرك القبلة شهوته كرهناها له وإن فعل لم ينتقض صومه.
فنقل المزني المسألة الأولي دون حكمها ونقل حكم الثانية هذا كلام القاضي.
وقد علم منه أيضًا كراهتها عند الأمن على خلاف ما جزم به الرافعي والنووي.
واعلم أن ذكر الشاب إنما هو؛ لأن الغالب أن خوف الإنزال إنما يحصل له، ولا فرق في الحكم بين الشاب والشيخ كما قاله في "شرح المهذب"؛ ولذلك حذف لفظ الشاب من "الشرح الصغير" و"الروضة".
وإسقاطه يؤخذ منه أيضًا التسوية بين الرجل والمرأة، وهو متجه.
وقوله: ولا يأمن على نفسه أي: من الجماع أو من الإنزال كما صرح بهما في "التتمة"، وإن كان في كلام بعضهم الاقتصار على أحدهما، ولكن المراد ما ذكرناه.

قوله: السادسة: لو أكره حتى أكل بنفسه، ففيه قولان: أحدهما: لا يفطر؛ لأن حكم اختياره ساقط وأكله ليس منهيًا عنه؛ فأشبه الناسي.
والثاني: يفطر؛ لأنه أتى بضد الصوم ذاكرًا له غايته أتى به لدفع الضرر عن نفسه، ولا أثر له في دفع الفطر كما لو أكل لدفع الجوع، وهذا أصح عند صاحب الكتاب.
انتهى كلامه.
وقد اختصر هذا الكلام في "الروضة" بقوله: فلو أكره على الأكل لم يفطر على الأظهر.

الجزء: 4 - الصفحة: 78

هذه عبارته، وحاصله أنه انعكس عليه تصحيح الغزالي، ثم إنه أطلق التصحيح على عادته في عدم الإعزاء فوقع الغلط.
وقد ذكر في "المحرر" أيضًا نحو ما ذكره في "الشرح" فقال: قولان رجح منهما البطلان، وقال في "الشرح الصغير": أصح القولين عند الغزالي أنه يفطر، ولا يبعد ترجيح الصحة.
انتهى.
وهذا النقل عن الغزالي هو في "الوجيز" خاصة، وجزم في "الخلاصة" في الكلام على الجماع بأنه لا يفطر، وحكى في "البسيط" و"الوسيط" قولين من غير ترجيح.
وقد نقل -أعني النووي- في "شرح المهذب" عن الرافعي أنه صحح عدم الفطر فقال ما نصه: أصح القولين أنه لا يبطل وممن صححه الرافعي في "الشرح الكبير"، ولا يعتبر بتصحيح الرافعي في "المحرر" البطلان وقد نبهت عليه في "مختصر المحرر".
انتهى.
وكلا النقلين عن الرافعي غير مسلم، أما نقله عن "الشرح" فغلط صريح، وأما عن "المحرر" فقريب من ذلك؛ لأن عبارة "المحرر": رجح بالبناء للمفعول كما تقدم؛ فكأنه قال رجحه بعضهم.
وسبب وقوع هذا الوهم للنووي أنه لما صنف "الروضة" وحصل له فيها هذا الوهم وصنف "المنهاج" فعبر فيه بالصحيح بدلًا عن قول الرافعي رجح صار يأخذ منهما ويعزوه للرافعي.

قوله في المسألة: ويجري القولان في ما لو أكرهت المرأة حتى مكنت، وكذلك في ما إذا أكره الرجل حتى وطأ إن قلنا بتصور الإكراه على الوطء نعم لا تجب الكفارة وإن حكمنا بالإفطار للشبهة، فإن قلنا: لا يتصور، بطل الصوم ولزمته.
انتهى.

الجزء: 4 - الصفحة: 79

فيه كلام مذكور في الجنايات يتعين الوقوف عليه.

قوله: ولو نسى فأكل أكلًا قليلًا لم يفطر، وإن كثر ففيه وجهان كالوجهين في بطلان الصلاة بالكلام الكثير.
انتهى.
وما ذكره من كون الوجهين هنا كالوجهين هناك قد سبق منه في الصلاة ما يخالفه؛ فإنه جعل الوجهين مرتبين فراجعه.

قوله في المسألة: قلت: الأصح هنا أنه لا يفطر، والله أعلم.
انتهى كلامه.
وما جزم به في هذه المسألة من إثبات الخلاف وقد خالفهما معًا في "شرح المهذب" فإنه حكى فيه طريقين: أحدهما: هذه.
والثانية، القطع بعدم الفطر، ثم صححها فقال: المذهب المنصوص الذي قطع به الجمهور: أنه لا يفطر وجهًا واحدًا، وقيل: وجهان.

قوله: فإن أكل جاهلًا بكونه مفطرًا، فإن كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ ببادية، وكان يجهل مثل ذلك لم يفطر، وإلا أفطر.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن التعبير بالجهل بالإفطار قد تبعه عليه أيضًا في "الروضة"، وهي عبارة مدخولة؛ فإنها تقتضي أن من جهل الإفطار به لم يفطر وإن علم التحريم، وليس كذلك؛ فإن نظيره من الكلام في الصلاة مبطل لها كما تقدم في موضعه، وبه صرح الإمام هناك فقال: لو تكلم الرجل عالمًا بأن الكلام محرم في الصلاة ولكن لم يعلم كونه مفسدًا؛ فتفسد صلاته به وفاقًا.
وهذا يطرد في الصوم وغيره.
هذا لفظ "النهاية".

الجزء: 4 - الصفحة: 80

فثبت أنه دائر مع الجهل بالتحريم لا مع الجهل بالإفطار، وبذلك عبر في "شرح المهذب".
نعم إن علم أن جنس الأكل محرم ولم يعلم أن ما أتى به محرم من ابتلاع درهم أو حصاة أو تراب أو نحوها مفطر فهو نظير ما إذا علم المصلي أن جنس الكلام محرم ولم يعلم أن ما أتى به محرم، وقد قال النووي في "أصل الروضة": إنه معذور على الأصح، وقد صرح القاضي حسين في "تعليقه" في الكلام على خيط الخياطة بحكاية وجهين في أمثال هذه الأشياء فقال: كل مسألة تدق وتغمض معرفتها هل يعذر فيها العامي؟ على الوجهين.
الأمر الثاني: أن مقتضى كلام الرافعي أنه لا فرق في عدم الفطر في حق الجاهل بين قليل الأكل وكثيره، وهو متجه.
وكلامه في "الشرح الصغير" يقتضي جريان الخلاف المذكور في الناسى؛ فإنه قال بعد حكايته: والجاهل القريب العهد بالإسلام كالناسي.
هذا لفظه، ومقتضاه البطلان بالكثير على الصحيح عنده.
وقد صرح بذلك في نظير المسألة وهو الجاهل بتحريم الأكل في الصلاة، وسبق ذكر لفظه هناك فراجعه.
بل بطلان الصوم به أولى من بطلان الصلاة؛ لأنه عكسه، وحقيقة الصوم وهو الإمساك، وحقيقة الصلاة أفعال وأقوال والإمساك ليس منها.

قوله: ولو جامع ناسيًا لم يفطر، وقيل قولان كجماع المحرم ناسيًا.
انتهى.

الجزء: 4 - الصفحة: 81

تبعه عليه في الروضة، وهو يقتضي أنه لا فرق بين أن يطول زمن الجماع أم لا.
وقياس ما سبق في الأكل عند الرافعي من التفصيل المذكور أن يأتي هنا أيضًا، بل أولى؛ لأنه دائر بين اثنين إن نسى أحدهما فيذكره الآخر، بخلاف الأكل.
وقد عبر في "المحرر" بعبارة صريحة في مجيء التفصيل، فإنه بعد إيضاحه في الأكل عبر بقوله: والجماع كالأكل على الأصح.
وذكر مثله في "المنهاج" إلا أنه عبر بالمذهب.

قوله في "أصل الروضة": ولو كل ظانًا غروب الشمس فبانت طالعة، أو ظن أن الفجر لم يطلع فبان طالعًا أفطر على الصحيح.
انتهى.
وتعبيره في المسألة الثانية بقوله أفطر تعبير غير مستقيم فإنه لم يزل مفطرًا؛ إذ لم ينعقد صومه، وتعبير الرافعي صحيح، فإنه عبر بقوله: لم يجزئه.

قوله فيها أيضًا: فلو هجم في الطرفين فأكل بلا ظن فإن تيقن الخطأ فحكمه ما سبق في الفرع قبله.
انتهى كلامه.
ذكر الرافعي نحوه أيضًا.
ويعني بالفرع الذي قبله ما إذا أكل ظانًا غروب الشمس فبانت طالعة، لكنه قد تقدم فيه خلاف في أنه هل يفطر أم لا؟ ولا يمكن القول به فيما إذا هجم في آخر النهار وبان أنها لم تغرب؛ لأن الرافعي قد جزم في الحال المذكور وهو الهجوم في آخر النهار بأن

الجزء: 4 - الصفحة: 82

القضاء يجب إذا لم يتبين الحال فكيف يجئ مع الجزم عند الجهل أن يتردد مع تبين الخطأ؟ .

قوله من "زوائده": والأكل هجوما بلا ظن حرام في آخر النهار وجائز في أوله, وقال الغزالي في "الوسيط": لا يجوز، ومثله في "التتمة"، وهو محمول على أنه ليس مباحًا مستوي الطرفين بل الأولى تركه.
ثم قال: ولا خلاف في الجواز لقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ﴾.
. . . إلى آخره.
وهذا التأويل الذي ذكره النووي مع كونه مخالفًا لمدلولات الألفاظ ومؤديًا إلى عدم الوثوق بما يقع في عبارتهم ذهول عما ذكره في "التتمة": فإن هذه المسألة قد ذكرها في المسألة الثانية من الباب الثالث من كتاب الصوم وبعد ذكره لها ذكر في المسألة الثالثة ما ينفي هذا التأويل فإنه ذكر أن القضاء يجب على كل من أكل شاكًا في طلوع الفجر ثم تبين له طلوعه، وعلله بقوله: لأن التقصير منه حيث اشتغل بالأكل مع علمه بأن الأكل بالنهار حرام من غير أن يتحقق بقاء الليل.
هذا لفظه، فصرح بالتحريم.
ونقل ابن الرفعة عن البغوي أنه يكره، وحينئذ فيكون فيه ثلاثة أوجه.

قوله: ولو طلع عليه الفجر وفي فيه طعام فلفظه في الحال فسبق شيء إلى جوفه بغير اختياره فوجهان مخرجان من سبق الماء في المضمضة.
انتهى ملخصًا.
والأصح منهما أنه لا يفطر، كذا صححه في "شرح المهذب" و"زيادات الروضة".

الجزء: 4 - الصفحة: 83

قوله في "أصل الروضة": أما إذا طلع الفجر وعلمه بمجرد الطلوع فمكث بطل صومه قطعًا وتلزمه الكفارة على المذهب، وقيل: قولان.
انتهى.
واعلم أن الرافعي أيضًا قد عبر بقوله: فسد صومه، وكلا العبارتين مشعرة بانعقاد الصوم وطروء الفساد عليه، وهو الذي جزم به أبو علي الطبري في "الإفصاح"، والقاضي الحسين في "تعليقه"، ونقله في "النهاية" عن شرذمة وادعى أنه خيال ومحال، والمعروف في المذهب أنه لم ينعقد، فقد قال في "النهاية": الذي ذهب إليه معظم الأئمة في المذهب أن الصوم لم ينعقد، وسبب وجوب الكفارة منع عقد الصوم بالجماع، والمنع في معنى القطع.
. . . إلى آخر كلامه.
وقال الشيخ أبو حامد: إن من قال: انعقد ثم فسد لا يعرف في مذهب الشافعي.
وذكر مثله البندنيجي ونقله عنه في "شرح المهذب" واقتصر عليه، وصرح أيضًا بأن الكفارة لأجل عدم الانعقاد جماعة كثيرة منهم: الماوردي في "الحاوي"، والمتولي في "التتمة"، وسليم الرازي في "رؤوس المسائل"، وذكر القاضي أبو الطيب في "تعليقه" نحوه أيضًا.
وهذا الخلاف الذي ذكرناه في انعقاد الصوم، وقد صرح به أيضًا الرافعي في كتاب الحج قبيل الكلام على سنن الإحرام بنحو ورقة وصفحة، وسوف أذكره هناك إن شاء الله تعالى.

الجزء: 4 - الصفحة: 84

القول في شرائط الصوم

: وهى أربعة: الأول: النقاء من الحيض والنفاس: فلا يصح صوم الحائض ولا النفساء.
انتهى.
هذا الكلام يوهم أن الصائمة إذا ولدت ولم تر نفاسًا لا يبطل صومها، والصحيح بطلانه كما قاله في "شرح المهذب" هنا وفي باب الغسل.

قوله: ولو نوى بالليل ثم شرب دواء فزال عقله نهارًا، قال في "التهذيب": إن قلنا: لا يصح الصوم في الإغماء فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، والأصح: لا يصح؛ لأنه بفعله.
انتهى.
وقد أطلقوا هذا الكلام ولم يفصلوا بين أن يكون الشرب لحاجة أو لا لحاجة، وقد جعلوا في الصلاة شرب الدواء للحاجة بمثابة الإغماء حتى إن القضاء؛ فينبغي هنا أيضًا إلحاقه به حتى يصح الصوم، إلا أن يقال: الفارق بينهما مشقة قضاء الصلاة دون الصوم؛ ولهذا الفرق أوجبوا القضاء هنا في الإغماء إذا استغرق الوقت، بخلاف الصلاة، وهذا أيضًا خيال ضعيف؛ فإنهم لم يجعلوا المدرك هنا المشقة وعدمها بل عللوه بكونه من فعله.
وقد صرح في "التتمة" بأنه يعذر كما ذكرته؛ فيتعين المصير إليه، وسأذكر لفظه.
هذا التصحيح السابق من كلام البغوي لا من كلام الرافعي فاعلمه.
وقد ذكر مثله الخوارزمي في "الكافي" حكمًا وتعليلًا وتصحيحًا، وفيه

الجزء: 4 - الصفحة: 85

كلام آخر يأتي عقب هذا.

قوله: قال في "التتمة": ولو شرب المسكر ليلًا وبقي سكره جميع النهار لزمه القضاء، وإن صحا في بعضه فهو كالإغماء في بعض النهار.
انتهى.
وإطلاق النقل السابق يقتضي أن زوال العقل بشرب الدواء في بعض النهار ليس كالإغماء يقتضي الإبطال؛ والقول به مع القول بما صرح به هنا؛ وهو أن زواله في بعض النهار بالسكر كالإغماء في غاية التباين، اللهم إلا أن تكون المسألة السابقة مفروضة فيما إذا كان الزوال في جميع النهار، فإن حمل على هذا استقام، وهذا هو الكلام الذي تقدم الوعد بذكره، وهذا الكلام الذي نقله الرافعي عن "التتمة" ذكره في المسألة السادسة من الباب الخامس فقال: إذا شرب بالليل وبقي سكران طول نهاره فعليه قضاء الصوم، وإن امتد السكر في بعض النهار فهو كالإغماء.
فأما إذا شرب دواء حتى زال عقله فإن شربه للتداوي فهو كالمجنون، وإن شربه سفاهة فهو كالسكران.
هذا كلامه.
وقد تقدم الوعد في المسألة السابقة بذكر ما ذكره في الدواء، وهذا الذي ذكره فيه -أعني في الدواء- يقتضي أنه إذا زال العقل به في بعض النهار فإن كان لحاجة أبطل لأنه جعله كالمجنون، وإن كان لا لحاجة بل سفهًا صح الصوم؛ لأنه جعله كالإغماء، وهذا واضح الإشكال.
والمسألة جميعها مشكلة؛ فقد رأيت مسألة السكر في جميع النهار في "فتاوى القفال"، وجزم بأن القضاء لا يجب، على عكس ما نقله الرافعي عن "التتمة" وسكت عليه، وعلله -أعني: القفال- بأن السكران مخاطب.

قوله: أما إذا ارتد ثم جن أو سكر ثم جن، ففي وجوب القضاء وجهان.
ولعل الظاهر الفرق بين اتصاله بالردة وإتصاله بالسكر كما سبق في

الجزء: 4 - الصفحة: 86

الصلاة.
انتهى.
تابعه في "الروضة" على التعبير بقوله: ولعل الظاهر، وصرح في "شرح المهذب" بأنه الصحيح.

قوله: وذكر الإمام أن القاضي الحسين سلك مسلكًا يفضي إلى تنزيل يوم العيد منزلة يوم الشك.
قال: وما يراه قاله عن عقد.
انتهى.
وهذه المقالة تقتضي إثبات خلاف في صحة صومه، وقد حذفها النووي من "الروضة".
وقوله: عن عقد: هو بالدال بعد القاف؛ أي: عن اعتقاد بلا شك وإظهارًا للملكة في المباحث فاعلمه.
فإن نسخ الرافعي وقع فيها عقل باللام، وعبارة الإمام ترشد إلى ما قلنا، وصرح به الغزالي في "البسيط" فقال: إن قاله القاضي عن اعتقاد فعلى خلاف المذهب.

قوله: وهل يجوز للمتمتع العادم للهدى صوم أيام التشريق عن الثلاثة اللازمة عليه؟ فيه قولان: القديم: أنه يجوز؛ لما روى عن عائشة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرخص للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم الثلاثة في العشر أن يصوم أيام التشريق 16. والجديد -وبه قطع بعضهم-: أنه لا يجوز؛ لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وبعال" 17. انتهى ملخصًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 87

وهذه الطريقة النافية للقديم نقلها الرافعي في أواخر الكلام؛ لأجل ذلك لم يتفطن لها النووي فأسقطها من "الروضة".
والحديث الأول رواه البخارى، والحديث الثاني -وهو النهى عن صيامها- رواه أبو داود بإسناد صحيح من رواية عمرو بن العاص، وفي "صحيح مسلم" 18: "إنها أيام أكل وشرب وذكر لله" والبعال: بكسر الباء الموحدة وبالعين المهملة: هو الجماع؛ ومن هاهنا نقل ابن حزم عن أهل اللغة أن البعل اسم للزوج والسيد.
ذكر ذلك في حديث النهى عن صوم المرأة إلا بإذن بعلها إذا كان حاضرًا.
ولكن المعروف في كتب اللغة أن البعل هو الزوج، على خلاف ما قاله.

قوله: وإذا جوزنا للمتمتع العادم للهدي صوم أيام التشريق فهل يجوز صومها لغيره؟ فيه وجهان: الأكثرون على أنه لا يجوز.
. . . إلى آخره.
استدرك عليه في "الروضة" فقال من "زياداته": وإذا جوزناه لغير المتمتع، فهو مختص بصوم له سبب من واجب أو فعل.
فأما ما لا سبب له فلا يجوز عند جمهور من ذكر هذا الوجه.
هذا الذي استدركه قد صرح به الرافعي عند الكلام على صوم المحبوس إذا اجتهد فوافق ذا الحجة؛ فالغريب أن الرافعي قد صرح به أيضًا هنا في التعليل فإنه قال ما نصه: قال أبو إسحاق: نعم؛ لأن تجويز صومها للمتمتع إنما كان؛ لكونه صومًا له سبب، فيجوز مثل هذا الصوم لكل أحد دون التطوعات المحضة.

الجزء: 4 - الصفحة: 88

هذا لفظه فحذفه النووي حالة الاختصار ظنًا منه أنه تعليل محض لا تقييد للمسألة، ثم رأي بعد ذلك أنه لابد منه فاستدركه على الرافعي ظنًا أنه لم يذكره.

قوله: وأما يوم الشك فقد روي عن عمار بن ياسر أنه قال: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم 19. ثم قال: فلا يجوز صومه عن رمضان ويجوز صومه عن قضاء ونذر وكفارة، وكذا إذا وافق ورده في التطوع بلا كراهة.
روى عن أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا تستقبلوا رمضان بيوم أو يومين إلا أن يوافق ذلك صيامًا كان يصومه أحدكم" 20. وعن القاضي أبي الطيب أنه يكره أن يصومه عما عليه من فرض.
قال ابن الصباغ: هذا خلاف القياس، لأنه إذا لم يكره فيه ما له سبب من التطوعات فلأن لا يكره فيه الفرض كان أولى.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أنه لم يبين الورد، وقد أوضحه في "شرح المهذب" فقال: فإن

الجزء: 4 - الصفحة: 89

كان له سبب بأن كان عادته صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم أو صوم يوم معين كيوم الاثنين فصادفه جاز صومه بلا كراهة.
انتهى.
وفي تجويزه في القسم الأول نظر.
الثاني: أن مقتضى كلامه رجحان عدم الكراهة في قيامه عن الفرض، وقد صرح بذلك في "شرح المهذب" فقال: إنه مقتضى كلام الجمهور.
واعلم أن ما قاله القاضي أبو الطيب من الكراهة ظاهر، وما نقله الرافعي عن ابن الصباغ من قياسه على التطوع وأقره عليه، عجيب؛ لأنه إذا صام فيه الفرض لم تبرأ ذمته بيقين لاحتمال أن يكون من رمضان ورمضان لا يقبل غيره.
وهذا المعنى لا يأتي في التطوع؛ ولأجل هذا جزم الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" بالكراهة، وقال في "الحاوي": إنه مذهب الشافعي، وجزم به أيضًا الجرجاني في "الشافي" والماوردي في "المقنع"، وعزاه إلى التطوع أيضًا.
وأظن أن القائلين به أكثر عددًا وهذا على تقدير تفرقة القاضي بين الفرض والنفل ذي السبب، وكلام القاضي في "التعليق" يقتضي أنه لا فرق، وابن الصباغ في نقله هنا عن القاضي قد صرح بأنه ينقل عن "تعليقه".
الأمر الثالث: أن الرافعي قد ذكر في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أنه لو أخر الفائتة ليقضيها فيها كره له ذلك، وقياسه أنه يأتى مثله هنا في قضاء الصوم وفي المنذور والكفارة.
الأمر الرابع: أن إطلاقه جواز القضاء فيه يقتضي أنه لا فرق بين قضاء الواجب والمستحب، وهو نظير ما قالوه في الأوقات المكروهة للصلاة أن

الجزء: 4 - الصفحة: 90

قضاء الفائتة فيها جائز، وإن كانت نافلة من صور قضاء المستحب هنا أن يشرع في نافلة صوم ثم يفسده فإنه يستحب قضاؤه كما قال في "الروضة".
الأمر الخامس: قد تقرر أن تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر ممتنع وإطلاق الفرض يقتضي استثناء هذا اليوم وأنه يجوز التأخير عنه، وقد صرح به الروياني في "البحر" فحكى عن القاضي أبي الطيب أنه يكره أيضًا؛ لأن المقصود بالقضاء هو القربة ولا قربة في ذلك، وعن غيره عدم الكراهة، ثم قال: وهذا أصح عندي، وبالغ في "البيان" فحكى في تحريم الفرض مطلقًا وجهين.
والحديث الأول أخرجه الترمذي وصححه، والثاني أخرجه الشيخان.

قوله: ولا يجوز أن يصوم فيه -أي: يوم الشك- تطوعًا لا سبب له، فإن فعل لم يصح في الأصح.
انتهى.
اعلم أن ما جزم به الرافعي من التحريم قد قال به البغوي، والشاشي، وصاحب "التهذيب" و"التتمة" و"البيان"، وجزم به أيضًا النووي في "شرح المهذب" تبعًا لأصله، والمعروف إنما هو الكراهة؛ فقد صرح بكراهته البندنيجي في "الذخيرة"، و"التعليقة" ونصر المقدسي في "المقصود" وابن الصباغ في "الشامل"، والروياني في "البحر" و"الحلية"، والقاضي الحسين في إحدى "تعليقتيه"، والفوارني في "الإبانة"، والقاضي أبو الطيب في "تعليقه"، والجرجاني في كتابيه "الشافي" و"البحر"، والمحاملي في "المقنع".
وقال الماوردي في "الحاوي": النهي عن صومه للكراهة لا التحريم، وقال الدارمي في "الاستذكار": لا يجب صوم يوم الشك ونكرهه، فإن صامه جاز.

الجزء: 4 - الصفحة: 91

وقسم الصيمري في "شرح الكفاية"، وأبو حامد في "الرونق"، والمحاملي في "اللباب"، والبيضاوي في "التبصرة" و"شرح الكفاية"، والماوردي في "الإقناع" الصوم إلى حرام وغيره، وجعلوا هذا من قسم المكروه لا من الحرام.
وذكر نحوه الشافعي في "مختصر البويطي" فقال: ولا أحب أن يعمد أحد إلى صوم يوم الشك نافلة.
ومن كان يسرد الصوم أو كان يصوم أيامًا جعلها على نفسه فوافق ذلك اليوم فلا بأس أن يصومه، ومن نواه لرمضان أجزأه، وقد قيل.
يعيده وإن كان من رمضان، هذا لفظه بحروفه.
ولم يعبر الإمام في "النهاية" بالتحريم بل قال: اعتماد صومه من غير سبب منهي عنه.
وكذلك عبر الغزالي في كتبه الثلاثة: "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز"، وكلام الزجاجي في "التهذيب" يقتضي جوازه أيضًا.

قوله: فإن نذر صومه ففي صحة نذره الوجهان -أي: المتقدمان في الصحة، وإن قلنا يصح فليصم يومًا آخر، فإن صامه خرج من نذره، قاله في "التهذيب".
انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه ولم يسند النقل المذكور إلى "التهذيب"، ونقله في "شرح المهذب" عن الخراسانيين.
إذا علمت ذلك ففيه أمران: أحدهما: أن قول الرافعي فليصم لا شك أنه على سبيل الإيجاب؛ لأن التفريع على أن صومه حرام، والمحرم يجب العدول عنه.
وذكر بعض المتأخرين من شراح "الوسيط" أنه على سبيل الأولوية،

الجزء: 4 - الصفحة: 92

وكأنه أخذه من نذر الصلاة في الأوقات المكروهة، وقد سبق إيضاحه مع أمور أخرى تتعلق بما نحن فيه فراجعه.
الثاني: أنه كيف يصح نذره والخروج عن العهد به مع القول بتحريمه.

قوله: ولو كان في السماء قطع سحاب يمكن أن يرى الهلال من خلالها وأن يخفي تحتها ولم يتحدث برؤيته أحد، فقال الشيخ أبو محمد: هو يوم شك، وقال غيره: إنما يكون كذلك بشرط أن يتحدث برؤيته من لا يقبل قوله.
وتوسط الإمام .. إلى آخره.
والأصح أنه ليس بيوم شك، كذا صححه النووي في "زيادات الروضة" و"شرح المهذب".

الجزء: 4 - الصفحة: 93

القول في السنن

قوله: والسنة أن يفطر على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من وجد التمر فليفطر عليه، ومن لم يجد فليفطر على الماء؛ فإنه طهور" 21. ثم قال: وعن القاضي الحسين أن الأولى في زماننا أن يفطر على ماء يأخذه بكفه من النهر ليكون أبعد عن الشبهة.
انتهى.
واعلم أن القاضي لم يتعرض في "فتاويه" للمسألة وذكرها في "تعليقه"، وصرح بخلاف ذلك فقال بعد الكلام على أن الصائم ينزه صومه من الكلام القبيح: إن من سنن الصوم الإفطار على تمر، فإن لم يكن فمذقة لبن، فإن لم يكن فشربة من نهر، وإلا فليصب من الكوز على اليد، هذا كلامه.
نعم ذكر ذلك في آخر الصيام من إحدى "تعليقتيه" فقال: والأولى في هذا الزمان أن يفطر على شربة ماء يأخذه من النهر أو يصبه من الكوز على يده حتى يكون أبعد من الشبهة.
هذه عبارته، ومع ذلك فليس مطابقًا.
الثاني: أنه قد ورد في الحديث ما يقتضي أن تأخر التمر عن الرطب، وهو ما رواه أنس قال: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن رطبات فتمرات، وإن لم يكن حسا حسوات من

الجزء: 4 - الصفحة: 94

ماء 22. رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، وقال الدارقطني: إسناده صحيح.
الأمر الثاني: أن مقتضى هذا الحديث أيضًا ومقتضى تعبير الرافعي أن لا تحصل السنة إلا بثلاث تمرات؛ لأن التمر جمع وأقله ثلاث.
وقد صرح الشيخ عز الدين بذلك في الماء فقال: يحسو حسوات.
ونقل أبو الطيب في "تعليقه" عن نصه في "حرملة" نحوه فقال: يستحب أن يفطر على تمرات أو حسوات من ماء، لكن عبارة القاضي الحسين والمتولي تمرة -أعني بالتاء- وكذلك الداودي في باب غسل الجنابة من "شرح المختصر".
قال الطبري في "شرح التنبيه": القصد بذلك أن لا يدخل جوفه أولًا ما مسته النار، ويحتمل أن يراد هذا مع قصد الحلاوة بقاؤه.
ومن كان بمكة استحب له الفطر على ماء زمزم لبركته، ولو جمع بينه وبين التمر فحسن.
هذا كلامه.
والحديث الذي ذكره الرافعي رواه أبو داود وبقية أصحاب السنن بمعناه، وصححه الترمذي.

قوله: ومنها التسحر؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "تسحروا فإن في السحور بركة" 23 انتهى.
لم يبين هنا الوقت الذي يدخل فيه التسحر، وقد بين ذلك في كتاب

الجزء: 4 - الصفحة: 95

الأيمان فقال نقلًا عن العبادي: إنه يدخل فيه بنصف الليل، وجزم به النووي هنا في "شرح المهذب"، وذكر ابن أبي الصيف في "نكت التنبيه" ما حاصله أنه لا يدخل إلا بدخوله السدس الأخير، وفسر السحر بذلك -أعنى: بالسدس الأخير- ثم ذكر ما تقدم على جهة البحث فقال: والعرب تقول أنعم صباحًا من نصف الليل، فلو قيل: إن الآكل في ذلك يكون متسحرًا لم يبعد.
هذه عبارته، والحديث الذي ذكره الرافعي رواه الترمذي وصححه.

قوله: والوصال أن يصوم يومين فصاعدًا، ولا يتناول بالليل شيئًا.
انتهى كلامه.
تابعه في "الروضة" على تفسير الوصال بذلك، وفيه إشعار بأن ما عدا الأكل والشرب كالجماع والإسقاء والظعن وغيرهما من المفطرات لا تخرجه عن الوصال.
وهو مقتضى كلامه في "شرح المهذب" أيضًا، وإنه نقل عن الجمهور أنهم فسروه بصوم يومين وأكثر من غير أكل ولا شرب في الليل.
ثم قال: والصواب أن الوصال ترك الأكل والشرب في الليل بين الصومين عمدًا بلا عذر، هذا لفظه.
وتخصيص ذلك بالأكل والشرب ونحوهما ظاهر من جهة المعنى؛ لأن النهي عن الوصال إنما هو لأجل الضعف، وهذه الأمور تزيده؛ إذ لا تمنع حصوله.
لكن ذكر جماعة خلاف ذلك منهم الروياني فإنه قال: الوصال أن يصل صوم الليل بصوم النهار قصدًا فلو ترك الأكل بالليل لا على قصد الوصال والتقرب إلى الله تعالى لم يحرم.
هذا لفظه في "الحلية"، ونقله عنه في "شرح المهذب" لأجل تضعيف القصد ولم يتفطن لما ذكرناه، وقال في "البحر" الوصال الصائمين.
هذا لفظه، ثم شرط بعد ذلك ما شرطه في

الجزء: 4 - الصفحة: 96

"الحلية" من القصد.
ومنهم الجرجاني فإنه قال في "الشافي": الوصال أن يترك بالليل ما أبيح له من غير إفطار.
وقال ابن الصلاح: يزول بما تزول به صورة الصوم.
وتعبير الرافعي بقوله: أن يصوم يومين يقتضي أن المأمور بالإمساك كترك النية لا يكون امتناعه بالليل من تعاطي المفطرات وصالًا؛ لأنه ليس بين صومين، إلا أن الظاهر أنه جرى على الغالب.

قوله: ومنها أن يصون لسانه عن الكذب والغيبة والمشاتمة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث المعروف: "فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم" 24. قال الأئمة: معناه: فليقل في نفسه ولينزجر، ثم قال بعد ذلك: هذا شرح السنن الثمان التي ذكرها المصنف.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن عد صيانة اللسان عن هذه الأمور من السنن ذكره أيضًا في "المحرر"، وتبعه عليه في "الروضة"، وهو سهو؛ لأن السنة لا يجب الإتيان بها، وصيانة اللسان عن ذلك واجب في حق غير الصائم فضلًا عن الصائم ويمتاز الصائم عن غيره بتأكد إيجابه.
وأما دعواه أن الغزالي ذكر ذلك فليس كما قال؛ فإن الغزالي عبر بقوله: (وكف اللسان عن الهذيان).
هذا لفظه، ولم يذكر فيه شيئًا من المحرمات.
وأشار بالهذيان إلى الكلام الذي له عنه مندوحة لا تتعلق به أغراض شرعية ولا دنيوية، وقد صرح غير الغزالي باستحباب تركه.
ولما ذكر الشيخ أبو إسحاق ترك المحرمات عبر بقوله: (وينبغي).
وهو

الجزء: 4 - الصفحة: 97

تعبير صحيح؛ فالحاصل أن الرافعي ترك مسألة من كلام "الوجيز" وذكر مكانها ما لا يستقيم ذكره، وقد تفطن لذلك في "الشرح الصغير" فعبر أيضًا بقوله: (ينبغي) ولم يجعله من السنن، وكأنه لما ظن أن مراد الغزالي هو الأمور المحرمة شرح مراده بعبارة لا يرد عليه هو فيها شيء، وذكره على الصواب النووي في "دقائق المنهاج" فقال قول "المنهاج": وليصن لسانه عن الكذب والغيبة، هذه لام الأمر؛ أي: يلزمه ذاك، وهو مراد "المحرر" وإن أوهمت عبارته غيره.
هذا كلامه.
وقد ذكر جماعة من المصنفين نحو عبارة الرافعي وفيه ما ذكرناه.
وينبغي تأويله على الحالة التي يجوز تعاطى هذه الأشياء فيها كالكذب للحاجة والغيبة للتظلم، ونحوه.
الأمر الثاني: أن هذه المسألة التي نقلها الرافعي عن الأئمة وهي أن الصائم يقول ذلك بقلبه لينزجر وقد أسقطها النووي من "الروضة"، ثم ذكرها في "الأذكار" و"لغات التنبيه" و"شرح المهذب"، ورجح عكس ما قاله الرافعي فقال في "الأذكار" و"اللغات": أظهر الوجهين أنه يقول بلسانه.
وقال في "الشرح": أقوى التأويلين أنه يقوله بلسانه مرتين أو ثلاثًا: إني صائم، ثم قال: فإن جمعهما فحسن.
وحكى الروياني في "البحر" وجهًا واستحسنه: أنه إن كان صوم رمضان فيقول بلسانه وإن كان نفلًا فبقلبه.
والحديث المذكور رواه الشيخان من رواية أبي هريرة، وفيه تكرار "إنى صائم" مرتين.

قوله: حكوا عن أحمد أنه لا يكره السواك بعد الزوال في النفل ليهون العمل عن الرياء، ويكره في الفرض.
وحكى صاحب "المعتمد" عن القاضي الحسين مثل مذهب أحمد.
انتهى.
واعلم أن القاضي الحسين قد صرح في "تعليقه" بخلاف ما نقل عنه

الجزء: 4 - الصفحة: 98

فقال قبيل الكلام على الكبير الذي لا يستطيع الصوم: إن من سنة الصوم ترك السواك بعد الزوال، ولم يفصل بين الفرض والنفل.
ثم صرح بعد ذلك بنحو ورقتين بأنه لا فرق بينهما فقال: فأما الصائم فيستحب له ذلك في أول النهار بأي عود كان، ويكره بالعشي سواء كان فرضًا أو نفلًا.
هذا لفظه.
وذكر أيضًا في الباب نحوه أيضًا.
وأما نقل الرافعي عن "المعتمد" فصحيح؛ فإنه قال: ذكر القاضي الحسين أنه في الفرض يكره بالعشي ويستحب قبل الزوال، وفي الزوال يستحب أن يستاك قبل الزوال وبعده، لأنه أبعد من الرياء.
هذا لفظ "المعتمد".
نعم حكاه القاضي الحسين عن أحمد، والظاهر: أنه مراد المعتمد ولكن سقط منه شيء؛ ولهذا لم يعبر بقوله: ذهب ونحوها، بل بقوله ذكر فغير الرافعي التعبير.

قوله في "أصل الروضة": ويستحب أن يحترز عن الحجامة والعلك والقبلة والمعانقة إذا لم نحرمها.
انتهى.
وهذا الكلام يقتضي سبق الخلاف في تحريم الجميع وذلك محرم مسلم فيما عدا العلك، وأما العلك فلم يسبق له ذكر في كلامه بالكلية ولم يعتبر الرافعي بقوله إذا لم نحرمها، بل بقوله وقد سبق ذكرها، وهو صحيح؛ فإن العلك قدمه الرافعي ولكن أسقطه من "الروضة".

الجزء: 4 - الصفحة: 99

القسم الثاني في مبيحات الإفطار وموجباته

قوله: فالمرض والسفر مبيحان بالإجماع والنص؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ 25. الآية، وعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" 26 انتهى.
واعلم أن كلام الرافعي قد يوهم الإجماع على جواز الأمرين وليس كذلك.
أما المسافر ففي "الحاوي" عن قوم من الصحابة أنهم أوجبوا الفطر، وقال القاضي الحسين في تعليقه: روي ذلك عن مالك وأحمد والمزني.
وأما المريض فشرطه أنه لا يخشى الهلاك، فإن خشي ذلك فقال الغزالي في "المستصفى" والجرجاني في "التحرير": يجب عليه الأكل.
فإن صام قال الغزالي: فيحتمل أن يقال: لا ينعقد؛ لأنه عاص به فكيف يتعرف بما يقضى به، ويحتمل أن يقال إنما عصى بجنايته على الروح التي هي حق الله تعالى فيكون كالمصلي في الدار المغصوبة.

الجزء: 4 - الصفحة: 100

والحديث المذكور رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أنس بن مالك القشيري، وحسنه الترمذي.

قوله: وشرط كون المرض مبيحًا أن يجهده الصوم معه ويلحقه ضرر يشق احتماله على عددنا وجوه المضار في التيمم.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة" إلا أنه أبدل الواو في ويلحقه بالفاء.
إذا علمت ذلك ففيه أمران: أحدهما: أن مقتضى هذا الضابط أن الضرر المذكور لا يبيح وحده، بل لابد معه من كون الصوم يجهده، أي: يحصل معه ألم كبير بسبب عدم الفطر حتى لو لم يجهده الصوم ولكن وصف له دواء أن يفطر به وإلا حصل له الضرر لم يكن له الفطر، وكذلك بالعكس، وهذا لا يأتي القول به.
وقد اعتبر في "المحرر" أحد الأمرين فقط فقال: ويباح ترك الصوم للمريض الذي يصعب عليه أو يناله به ضرر شديد.
هذه عبارته من غير زيادة عليها.
والمذكور فيه هو الصواب، وهو يدل على أن المذكور في الرافعي إنما هو لفظ أولا "الواو".
نعم ذكره في "التهذيب" بعينه إلا الحوالة على التيمم، وهو على هذا التقدير صحيح وحينئذ يكون الضرر بائن الجهد، وأيضا حاله فضم إليه الرافعي ما ضم؛ فحصل الخلل، وتبعه عليه في "الروضة"، فلما تفطن له في "المحرر" أصلحه بصيغة "أو" فتلخص أن الكلام يستقيم إما بحذف الزيادة المذكورة وإما بالتعبير بـ"أو"، وقد سلك الإمام في هذه المسألة طريقة حسنة تبعه عليها الغزالي في البسيط وغيره فقال: اعتبر الأصحاب الصورة الظاهرة، وعندي أنه كل مرض يمنع معه الصوم.

الجزء: 4 - الصفحة: 101

الأمر الثاني: أنه قد سبق في التيمم أن في جوازه لأجل زيادة المرض أو بطء البرء الجواز، وكلام الرافعي هنا يشعر بجريان ذلك الخلاف في الفطر أيضًا، وليس كذلك بل يباح بذلك جزمًا، كذا أوضحه الرافعي في باب التيمم فاعلم ذلك فإن كلام "الروضة" أيضًا هنا يوهم جريانه، وزاد فأسقط منها في باب التيمم استثناءه فتفطن له.

قوله في "أصل الروضة": لو أصبح مقيمًا صائمًا ثم سافر لم يجز له الفطر، وقيل: يجوز.
انتهى.
حكى الرافعي طريقين: أصحهما: القطع بالجواز، والثانية: على وجهين، وأسقط الطريقة من "الروضة".

قوله: ولو أصبح المسافر صائمًا ثم أقام فوجهان: ظاهر المذهب أنه لا يجوز الفطر.
ثم قال: ولو أصبح المريض صائمًا ثم نوى فقطع كثيرون بأنه لا يجوز، وطرد صاحب المذهب حكاية الوجهين فيه، ولعله الأولى.
انتهى.
تابعه في "الروضة" عليه وصرح النووي في "شرح المهذب" بأن الصحيح طرد الخلاف، وصحح الرافعي في "الشرح الصغير" طريقة القطع، وقد وافق الشيخ على طريقة الوجهين الجرجاني في كتابيه "التحرير" و"الشافي"، وكذا الشاشي في "الحلية"، وقال في كتابه "المعتمد": لا يجوز الفطر قولًا واحدًا.

قوله: والمسافر إذا أصبح على نية الصوم جاز أن يفطر، روى أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفطر بعد العصر بكراع الغميم 27، وأبدى الشيخ أبو إسحاق والإمام في المسألة احتمالًا.
انتهى.

الجزء: 4 - الصفحة: 102

تابعه النووي في "الروضة" على حكاية الوجوب احتمالًا فقط مع أنه وجه ثابت في المذهب حكاه القاضي حسين في باب صوم التطوع من "تعليقه"، ونقله عنه ابن الرفعة، وحكاه أيضًا الدارمي في "الاستذكار" كما نقله عنه النووي في "شرح المهذب"، ونص عليه الشافعي في "البويطي" لكن قال: لا يجوز الفطر إلا أن يثبت حديث الفطر، كذا نقله عنه في "الروضة" من زياداته، ثم قال بعد نقله ذلك: إن الحديث المذكور صحيح، والذي قاله النووي من صحة الحديث هو كذلك؛ فإن مسلمًا قد رواه في صحيحه من حديث جابر.
وما نقله عن "البويطي" صحيح أيضًا قد رأيته فيه كذلك.
وذهل بعضهم فنسب النووي إلى أنه قد غلط على "البويطي" وسبب ذهول هذا القائل أن "البويطي" عقد للصيام بابين.
وهذا النقل مذكور في أحدهما فقط، وإنما عرضت بهذا لئلا يظن صحته وإهماله له.
والكراع بضم الكاف وبالراء والعين المهملتين: جبل أسود.
والغميم: بغين معجمة مفتوحة وميم مكسورة مخففة، وهو واد بين مكة والمدينة بينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو قدام عسفان بثمانية أميال.
والكراع المذكور يمتد إلى هذا الوادى.
قاله النووي في "تهذيبه".

قوله في المسألة: وإذا قلنا بالمشهور فهل يكره له الإفطار؟ فيه وجهان عن القاضي الحسين.
انتهى.
لم يصحح منهما شيئًا في "الروضة" أيضًا، وصحح في "شرح المهذب" أنه لا يكره؛ لأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعله.

الجزء: 4 - الصفحة: 103

واعلم أن الناقل للوجهين عن القاضي هو الشاشي في "المعتمد"، وليس للوجهين ذكر في "تعليقة" القاضي، ولم يحك الوجهين إلا في الجواز كما تقدم نقله عنه.

قوله: كل من ترك النية الواجبة عمدًا أو سهوًا فعليه القضاء.
وكذا كل من أفطر، لكن لو كان إفطاره يوجب الكفارة ففي القضاء خلاف سيأتي ذكره من بعد.
انتهى.
واعلم أن الخلاف إنما ذكره بعد هذا في مسألة واحدة وهى الجماع في نهار رمضان، وأما الحامل والمرضع ومنقذ غيره من هلاك إذا أفطروا؛ فإن الكفارة تجب كما سيأتي.
ومع ذلك فقد جزم بوجوب القضاء؛ وكأنه توهم أن ذلك الخلاف عام فوقع بسببه في الغلط هنا، وتبعه عليه في "الروضة".

قوله: وما فات بالإغماء يجب قضاؤه سواء استغرق جميع الشهر أو لم يستغرق جميعه، لأنه نوع مرض يغشى العقل بخلاف الجنون؛ ولهذا يجوز الإغماء على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ولا يجوز الجنون عليهم.
ونقل صاحب "التهذيب" و"التتمة" عن ابن سريج أن الإغماء إذا استغرق أسقط القضاء.
انتهى كلامه.
وفيه أمور: أحدها: أنه يقتضي أن نقل البغوي والمتولي عن ابن سريج محله في المستغرق لجميع الشهر؛ لأن كلامه -أعني الرافعي- فيه.
وليس كذلك بل المراد استغراق اليوم فاعلمه؛ فقد قال البغوي: قال ابن سريج -رحمه الله-: الإغماء كالجنون، وإذا استغرق النهار لا يجب

الجزء: 4 - الصفحة: 104

عليه القضاء يستوي الجنون والإغماء في إسقاط القضاء إذا استغرق الوقت.
هذا كلامه.
وأما المتولي فقال: إذا أغمي عليه في رمضان وامتد زمان الإغماء فكل يوم استوعب الإغماء جميعه المذهب أنه يلزمه قضاؤه.
ثم قال: وقال ابن سريج: لا يلزمه القضاء؛ لأن الإغماء بمنزلة الجنون في إسقاط قضاء الصلاة، وكذا في قضاء الصوم.
هذا كلام "التتمة" أيضًا.
وقد وقع النووي في "شرح المهذب" في هذا الوهم فنقل عن ابن سريج: أن العبرة بالشهر، وبالغ اعتمادًا على ما في "الروضة" فنسب روايته عنه إلى الجمهور، وليس كذلك.
فهذه مصنفات الأصحاب موجودة وهى ما بين ساكتة أو ناقلة عنه وجوب القضاء ما عدا "التهذيب" و"التتمة".
الثاني: أن الرافعي ذكر قبل هذا الموضع بنحو خمسة أوراق في الكلام على شروط الصوم أن الإغماء قد يكون عن مرض وقد يكون عن جنون؛ وعلى هذا لا يستقيم إطلاق جواز الإغماء على الأنبياء.
الثالث: أن ما أطلقه من جواز ذلك قد نقل القاضي الحسين في هذا الباب تقييده فقال: حكى الداركي أن الإغماء إن يجوز على الأنبياء فساعة وساعتين فأما الشهر والشهران فلا كالجنون.
الرابع: أن ما ذكره من كون الإغماء يغشى العقل ولا يزيله هو شيء تبع فيه الإمام.
وقد قال في "الشرح الصغير" في شروط الصوم أن هذا ليس باصطلاح

الجزء: 4 - الصفحة: 105

مطرد وأن الأصحاب عدوا الكل زوالا.

قوله: أما إذا ارتد ثم جن، أو سكر ثم جن ففي وجوب القضاء وجهان.
ولعل الظاهر الفرق بين إيصاله بالردة وإيصاله بالسكر كما سبق في الصلاة.
أي: حتى يجب في المرتد قضاء الجميع , ولا يجب في السكران إلا قضاء أيام السكر.
قال النووي في "شرح المهذب": هذا الذي أشار الرافعي إلى ترجيحه، وهو الأصح، وفي المسألة كلام آخر سبق ذكره في الصلاة.
ولايجب التتابع في قضاء رمضان لكن يستحب.
انتهى.
اعلم أن التتابع يجب بطريق العرض في صورتين وهما: ضيق الوقت، وتعمد الترك.

قوله: والإمساك تشبيها بالصائمين من خواص رمضان فلا إمساك على متعمد بالفطر في نذر أو قضاء.
انتهى.
وما قاله في النذر والقضاء وإن كان معروفًا في المذهب إلا أن الشافعي قد نص على خلافه في "البويطي".

قوله في "الروضة": ثم من أمسك تشبهًا ليس في صوم.
انتهى.
الصوم نفي العبادة، وحكى النووي في أوائل "شرح المهذب" ثلاثة أوجه: أصحها: أنه يثاب عليه، وليس في صوم شرعي، وقيل: نعم فيهما، وقيل: لا فيهما.
وفي "البحر" وجه رابع: أنه إن تعدى بالفطر لم يثب وإلا أثيب.
والقواعد تقتضي الجزم بحصول الثواب؛ لأنه قائم بواجب وإذا قلنا بأنه صوم شرعي ولم يكن قد أكل فينبغى وجوب النية، قاله ابن أبي الدم.

الجزء: 4 - الصفحة: 106

قوله في "أصل الروضة": ولو أقام المسافر أو بريء المريض فلهما أحوال: أحدها: أن يصبحا صائمين وداما عليه إلى زوال العذر فقد تقدم في الفصل السابق أن المذهب لزوم إتمام الصوم.
انتهى.
وتعبيره بالمذهب تبع فيه الرافعي، وهو غير مستقيم من النووي؛ لأنه لم يتقدم له حكاية طريقين في المسافر، بل وجهين: الصحيح منهما عدم جواز الفطر.
وأما المريض فقطع كثيرون بالمنع، وطرد في المذهب الوجهين.
قال: ولعله الأولى.

قوله: الثاني: أن يزول بعدما أفطرا فيستحب لهما الإمساك، فإن أكلا أخفياه؛ لئلا يتعرضا لعقوبة السلطان.
انتهى.
لم يتعرضا لبيان الإخفاء واجب أو مستحب؛ وقد جزم البغوي في "التهذيب" بوجوبه وهو مقتضى كلام القاضي حسين في "تعليقه" وقع كذلك في بعض نسخ الرافعي فقال في أواخر الكلام على كفارة الجماع: لو رأى هلال شوال وحده وجب عليه أن يفطر وأن يخفي إفطاره عن الناس لئلا يتهم.
هذه عبارته، وسقط في بعض النسخ لفظة أن المذكورة ثانيًا فقال ويخفي، فقطعها بذلك عن العطف على الإيجاب وبقي محتملًا.
وتبعه عليها في "الروضة"، وجزم باستحبابه في "شرح المهذب"

قوله: الثالث: أن يصبحا غير ناويين فيزول العذر قبل أن يأكلا.
فإن قلنا في الحال الأول: يجوز الأكل، فهنا أولى، وإلا ففي لزوم

الجزء: 4 - الصفحة: 107

الإمساك وجهان: الأصح لا يلزم.
انتهى.
صحح في "شرح المهذب" القطع بعدم الوجوب على خلاف ما يتحصل من كلامه هنا.

قوله: ولهما الجماع بعد زوال العذر إذا لم تكن المرأة صائمة بأن كانت صغيرة أو طهرت من الحيض.
انتهى.
والمتجه أن من وجب عليها الإمساك حكمها حكم الصائمة، وأن الكافرة حكمها حكم الصغيرة ومن طهرت من الحيض.
ولا يخفى أن كل من أفطرت بعذر كالمسافرة والمريضة والخائفة على الولد لا تمتنع وظهر أيضًا.

قوله: الثالثة: إذا أصبح يوم الشك مفطرا ثم ثبت أنه من رمضان فيجب عليه إمساك بقية النهار في أصح القولين تشبهًا بالصائمين.
انتهى.
لم يتعرض لحكم الإمساك قبل الثبوت، وقد نصت المالكية على استحبابه، والقياس خلافه؛ لأن صومه حرام في تلك الحالة على ما قاله الرافعي والنووي، والتشبيه بالحرام غير مشروع.

قوله في المسألة: قال في "التتمة" القولان فيما إذا ثبت أنه من رمضان قبل الأكل، فإن بان بعده فإن قلنا هناك: لا يجب الإمساك، فهنا أولى، وإلا فوجهان: أصحهما الوجوب.
انتهى.
وما نقله عن "التتمة" من غير اعتراض عليه حاصله أن القولين محلهما قبل الأكل، فأما بعده ففيه الطريقان، وقد علمت أن تعبيره بقوله مفطرا معناه غير صائم، ويدل عليه تقسيمه.

الجزء: 4 - الصفحة: 108

إذا علمت ذلك فقد جزم في "المنهاج" بأن محلهما بعد الأكل فإنه قال: والأظهر أنه يلزم من أكل يوم الشك ثم ثبت كونه من رمضان.
انتهى.
والذي اقتضاه كلام "المنهاج" وإن تخالفا فهو الصواب؛ فإن الأكثرين على القطع بالوجوب إذا لم يأكل.
هذا حاصل ما في "الكفاية".
على أن كلام "المنهاج" ليس مطابقًا لما في "المحرر" فإن عبارته تقتضى أن القولين عامان للحالتين.
فإن عبر بالمفطر خاصة كما عبر في "الروضة" فقال: وأصح القولين أنه يجب على من أصبح يوم الشك مفطرا ثم ثبت أنه من رمضان.
انتهى.
وما اقتضاه كلامه من التعميم قد صرح به الروياني في "البحر".
وكأن النووي قد توهم أن المراد بالمفطر هو الآكل فصرح به، وهو خطأ في الظاهر صواب في نفس الأمر.

قوله في "أصل الروضة": فرع: إذا بلغ صبي أو أفاق مجنون أو أسلم كافر في أثناء يوم من رمضان فهل يلزمهم إمساك بقية النهار؟ فيه أوجه: أصحها: لا.
والثاني: نعم.
والثالث: يلزم الكافر دونهما لتقصيره.
والرابع: يلزم الكافر والصبي لتقصيرهما دون المجنون.
انتهى كلامه.
وتعليل الوجه الثالث في كلام النووي كالصريح في عدم تقصير الصبي

الجزء: 4 - الصفحة: 109

فيكون تعليل الرابع مناقضًا له.
ولم يعلل الرافعي الصبي بالتقصير وعدمه، بل علل عدم الوجوب عليه بكونه معذورًا؛ لعدم قدرته على إزالة المانع، بخلاف الكافر، وعلل الوجوب بأنه متمكن من الإتيان بالصوم مأمور به.

قوله: أما الصبي فينظر إن بلغ صائمًا فالصحيح أنه يلزمه إتمامه ولا قضاء، ثم قال: وفيه وجه يحكى عن ابن سريج أنه يستحب إتمامه ويجب القضاء؛ لأنه لم ينو الفرض.
انتهى.
وهذا التعليل الذي ذكره الرافعي لوجه ابن سريج ذكره في "التتمة" أيضًا، وهو يقتضي أن الرافعي يقول بأنه لا تجب نية الفرضية في صوم الصبي إذا أوجبناها على البالغ مع أن الرافعي قد سوى بين البالغ والصبي في الاشتراط بالنسبة إلى الصلاة كما سبق إيضاحه، والقياس التسوية بين صوم الصبي وصلاته إما في الاشتراط أو عدمه.

قوله: وإن أصبح مفطرًا -يعني: الصبح- ففيه وجهان.
وقال في "التهذيب": قولان: أصحهما: لا يلزمه.
ثم قال: وهذا الخلاف مفرع على ظاهر المذهب في أنه إذا بلغ صائمًا لا قضاء عليه، فأما من يوجب القضاء ثم فهاهنا أولى بأن يوجب.
انتهى كلامه.
وهذا البناء الذي ذكره في آخر كلامه قد ذكره صاحب "التتمة" على العكس؛ فإنه ذكر أن الفرق بوجوب الإعادة فيما إذا بلغ صائمًا هو على طريقة من يقول بوجوب الإعادة إذا بلغ مفطرًا.
قال: فأما إذا قلنا: لو بلغ مفطرًا لا تجب الإعادة، فإذا كان صائمًا

الجزء: 4 - الصفحة: 110

أولى.
هذا كلامه، وهو يقتضي أن وجوب القضاء فيما إذا كان مفطرًا أصل ووجوب القضاء فيما إذا كان صائمًا فرع وهو عكس ما ذكره الرافعي، وقد ذكر أيضًا عكس ما ذكره الرافعي سليم في "المجرد" فقال: إن قلنا لا يلزمه القضاء إذا بلغ مفطرا فبالأولى إذا بلغ صائمًا، وإن أوجبناه هناك فهاهنا وجهان.

قوله: وأما إذا أفاق المجنون أو أسلم الكافر ففيهما طريقان: أظهرهما عند الأكثرين: طرد الخلاف أي: السابق في الصبى.
والأظهر من ذلك الخلاف: أنه لا قضاء عليه.
ثم قال ما نصه: والثاني: القطع بالمنع في حق المجنون؛ لأنه لم يكن مأمورًا بالصوم في أول النهار، وبالإيجاب في حق الكافر؛ لأنه متعد بترك الصوم، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب".
انتهى كلامه.
وظاهره يقتضي أن البغوي صحح الطريق الثاني القاطع بالمنع في المجنون وبالإيجاب في الكافر.
فأما الشق الثاني من هذه الطريقة وهو الإيجاب في الكافر فصحيح؛ فإن البغوي صحح طريقة القطع به.
وأما الأول فلم يصحح فيه شيئًا، بل قال: فأما المجنون إذا أفاق في خلال النهار هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم؟ فيه قولان كالصبي، وقيل: لا يجب قولًا واحدا.
هذا لفظه، فينبغي تأويل قول الرافعي، وهذا أصح على أنه أشار للشق الثاني خاصة؛ فإنه محتمل لكنه بعيد في الفهم لا يعرف إلا بتوقيف؛ ولهذا وقع فيه النووي فإنه قدم الكافر وأخر المجنون فقال في حكايتة للطريق الثاني: وقيل يقضي

الجزء: 4 - الصفحة: 111

الكافر دون المجنون، وصححه صاحب "التهذيب" هذا لفظه.

قوله: وتجب الكفارة بإفساد صوم يوم من رمضان بجماع أتم به لأجل الصوم.
انتهى كلامه.
تابعه النووي على هذا الضابط، وترد عليه أمور: أحدها: إذا طلع عليه الفجر وهو يجامع فاستدام فإن الأصح عند الرافعي والنووي وغيرهما وهو المنصوص وجوب الكفارة مع انتفاء إفساد الصوم في هذه الصورة.
ووجه انتفائه أن الصوم لم ينعقد على الأصح كما تقدم إيضاحه قبيل الكلام على شرائط الصوم، وإذا انتفي الانعقاد انتفى الإفساد.
الأمر الثاني: لو جامع شاكًا في غروب الشمس فإنه حرام قطعا كما جزم به في "الروضة" من زوائده، ومع ذلك فلا كفارة كما جزم به البغوي في "التهذيب" وفيه كلام يأتي في ما إذا ظن أن الشمس قد غربت فجامع.
الثالث: لو أكل ناسيًا فظن بطلان صومه فجامع.
وستعرف ذلك مبسوطًا بعد هذا بأوراق.
الرابع: لو كان به عذر يبيح الوطء من.
. . . أو غيره فجامع امرأته وهى صائمة مختارة، فإنه لا كفارة عليه بإفساد صومها كما ذكره بعد ذلك مع أن الحد المذكور يصدق فيه.
نعم لو قيده بصيام نفسه لم يرد عليه شيء.

قوله: وإذا مكنت المرأة طائعة ففي قول: تلزمها الكفارة، والأصح: أنه يختص الزوج بلزوم الكفارة.
وعلى هذا فهل يقع عنهما جميعا وهو يحمل عنها؟ فيه قولان

الجزء: 4 - الصفحة: 112

مستخرجان من كلام الشافعي.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: لم يصرح الرافعي بإطلاق ترجيح واحد منهما لا هنا ولا في "الشرح الصغير"، وقد رجح في "المحرر" وقوعهما عنه خاصة فقال: إنه الأقرب، وصححه النووي في "أصل الروضة" وفي غيرها.
الأمر الثاني: أن القاضي أبا الطيب في "تعليقه" قد صرح بأن القولين منصوصان على خلاف ما دل عليه كلام الرافعي فقال في ذلك قولان: أحدهما: أن يخرجها جميعها عن نفسه، قاله في اختلاف مالك وأبي حنيفة.
ثم قال: والثاني: يخرجها عن نفسه وزوجته، قاله في كتبه القديمة والجديدة.
هذا لفظ أبي الطيب.

قوله: ويتفرع على القولين صور منها .. إلى آخره.
ثم قال: والثانية: لو كان الزوج مجنونًا إن قلنا بالأول وهو وقوع الكفارة عنه خاصة فلا شئ عليها، وإن قلنا بالثاني فوجهان أظهرهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه تلزمها الكفارة؛ لأن التحمل لا يليق بحاله؛ ولهذا لم تجب عليه الكفارة لنفسه.
والثاني أنه تلزمه الكفارة لها، لأن ماله يصلح للتحمل.
انتهى.
وما ذكره في المجنون من عدم الوجوب على نفسه إنما يصح الاستدلال به على تقدير أن يكون في صوم صحيح ثم يطأ، ومجرد الجنون يبطل الصوم على المعروف فقدم الوجوب؛ لكون الوطء لم يفسد الصوم.

الجزء: 4 - الصفحة: 113

ولا يستقيم أيضًا الاستدلال به على قولنا: لا يبطل بالجنون؛ لأنه يخرج أيضًا بقولنا في الضابط أثم به، وهذا الإيراد نبه على أصله الغزالي في "البسيط".

قوله: وإن كان نائمًا أو ناسيًا فاستدخلت ذكره أي المجنون.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة"، ومقتضاه جريان الوجهين في أنه يجب عليهما شيء لأجل ذلك أم على ما سبق إيضاحه في المجنون.
وجريان الخلاف في الناسي صحيح الفعل منه، وأما في النائم فلا يصح من جهة المعنى؛ لأنه لم يوجد منه فعل بالكلية ولا من جهة النقل؛ لأن الموجود في كتب المذهب إنما هو الجزم بعدم الوجوب، ولم يخرجه على ذلك أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين مع التتبع والاستيعاب، فقد جزم بعدم الوجوب عليه البندنيجي في "الذخيرة"، والجرجاني في "الشافي" و"التحرير" وصاحب "الشامل" مع جزمهم في المجنون بأنه يتحملها عنها على خلاف ما صححه الرافعي، وجزم به أيضًا أبو علي الطبري في "الإفصاح" ونقل أنه لا خلاف فيه فقال: وأما إذا كان زوجها مغلوبا أو نائمًا فجاءت فأدخلت ذكره في فرجها فلا كفارة على الزوج وجهًا واحدًا؛ لأنه لم يكن من جهته فعل فيخصه.
هذا لفظه، ومن "الإفصاح" نقلته، وجزم به أيضًا سليم الرازي في "المجرد"، والشيخ في "المهذب"، والشاشي في "المعتمد"، والطبري صاحب "العدة"، وأبو الفتح سلطان في كتابه "التقاء الختانين"، والعمراني في "البيان" ومجلي في "الذخائر"، وجزم به من الخراسانيين القاضي الحسين في "تعليقه" والمتولي في "التتمة" والبغوي في "التهذيب" وغيرهم، هذا مع حكاية الخلاف في المجنون في كلام كثير منهم كالقاضي مجلي وسلطان المقدسي وصاحب "المهذب" والقاضي الحسين وصاحب "البيان"، وصاحب "المعتمد" والطبري صاحب "العدة"، ولم ينقله

الجزء: 4 - الصفحة: 114

ابن الرفعة إلا عن الرافعي لكنه سكت عليه ولم يتفطن لما وقع منه.

قوله: الثالثة: لو كان مسافرًا والزوجة حاضرة فأفطر بالجماع بنية الترخص فلا كفارة.
وكذا إن لم يقصد في أصح الوجهين؛ لأن الإفطار مباح له، فتصير شبهة في درء الكفارة، وهكذا حكم المريض.
والصحيح إذا مرض في أثناء النهار فإن أوجبنا فهو كغيره وحكم التحمل ما سبق، وحيث قلنا لا كفارة فهو كالمجنون.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن التردد في إيجاب الكفارة وتعليل السقوط بالشبهة كالصريح في أن أصحاب الأعذار إنما يباح لهم الفطر بشرط نية الترخص, وبه جزم صاحب "التتمة"، ونقله المحب الطبري في "شرح التنبيه" عن الأصحاب إلا أنه عبر بنية الخروج، وعلله بأنه عبادة أبيح الخروج منها قبل كمالها فوجهته الخروج كالمحصر يريد التحلل.
وعلله أيضًا بعد هذا بتميز الفطر المباح عن غيره.
الأمر الثاني: أن الذي سبق في المجنون أنه لا شيء عليه إن قلنا: إن الكفارة على الواطئ فقط.
وكذا إن قلنا عنه وعنها في أصح الوجهين؛ وحينئذ فيكون الصحيح أن لا شيء على المسافر في مسألتنا إذا قلنا عنه وعنها.
وقد تابعه في "الروضة" على ذلك، وذكر مثله في "شرح المهذب" أيضًا.
ثم ذكر في "الشرح" المذكور بعد ذلك بأسطر ما يخالفه فقال: أما إذا

الجزء: 4 - الصفحة: 115

قلنا بأنها عنه وعنها فيلزمه أن يكفر عنها بالإعتاق أو بالإطعام في أصح الوجهين، لكنه فرضها فيما إذا قدم مفطرًا ولا أثر له قطعًا.
والصواب هو المذكور ثانيًا في "شرح المهذب"، والفرق بينه وبين المجنون واضح.

قوله: وذكر أصحابنا العراقيون فيما لو قدم المسافر مفطرًا فأخبرته امرأته بفطرها وكانت صائمة أن الكفارة عليها إذا قلنا: الوجوب يلاقيها؛ لأنها غرته وهو معذور.
ويشبه أن يكون هذا تفريعًا على قولنا: لا يتحمل المجنون، وإلا فليس العذر هنا أوضح منه في الجنون.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن النووي في "الروضة" قد تابعه على هذا البحث ولم يرتضه في "شرح المهذب"، بل فرق بفرق واضح فقال: قلت: الفرق أنه لا تغرير منها في صورة المجنون.
هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن ما حاوله الرافعي من حكاية الخلاف قد صرح به الماوردي في "الحاوي"، وزعم في "شرح المهذب" أن ما قاله العراقيون متفق عليه، وفي "الكفاية" أنه لا خلاف فيه، وقد ظهر لك أن الأمر ليس كما قالا.

قوله من زياداته: قال صاحب "المعاياة" فيمن وطئ زوجته ثلاثة أقوال: أحدها: تلزمه الكفارة دونها.
والثاني: تلزمه كفارة عنهما.
والثالث: تلزم كل واحد كفارة.

الجزء: 4 - الصفحة: 116

ويتحمل الزوج ما دخله التحمل من العتق والإطعام.
انتهى كلامه.
وهو يوهم أن تحمل الزوج لما يقبل التحمل لا يأتي في القول الثاني، وليس كذلك؛ فقد صرح الجرجاني في الكتاب المذكور بجريانه أيضًا فيه، وهو أيضًا يؤخذ من تعبيره بقوله: عنهما.
وقد تقدم في هذه المسألة قول آخر أنه يجب على كل واحد في ماله كفارة.
واعلم أن الجرجاني في "المعاياة" لما نقل القول الثاني الذي حكاه عنه النووي صرح بأن الكفارة على هذا القول تتبعض، وفي المسألة وجهان حكاهما الروياني في "البحر".
أحدهما: أنه وجب على كل منهما النصاب ويحمل الزوج ما وجب عليها.
والثاني: أنه يجب على كل منهما كفارة كاملة ثم يتحمل عنها ويتداخلان.
وقد حكى ابن الرفعة الأول عن ابن الصباغ وأنه مقتضى كلام القاضي الحسين، وحكى الثاني عن البندنيجي والمتولي والشيخ أبي حامد حتى صرح الشيخ أبو حامد بأن الكفارة تقع كلها عنه وكلها أيضًا عنها.
كذا نقله عنه جماعة منهم صاحب "الذخائر"، ونقله في "الكفاية" عن البندنيجي، وهو مقتضى الوجوب على وجوب كل واحد منهما.
وفي "الكفاية" عن ابن يونس أن بعض المتأخرين قال: الذي يقتضيه المذهب أن الولاء يكون بينهما؛ لأن العتق أجزأ عنهما.
وهذا المتأخر الذي عناه ابن يونس هو صاحب "البيان"؛ فإنه هكذا قال.
ولا شك أن هذه المسألة مفرعة على الخلاف السابق.

الجزء: 4 - الصفحة: 117

قوله أيضًا من "زوائده" نقلًا عن "المعاياة": فإذا وطئ أربع زوجات في يوم لزمه على القول الأول كفارة فقط عن الوطء الأول ولا يلزمه شيء بسبب باقي الوطآت.
ويلزمه على الثاني أربع كفارات: كفارة عن وطئه الأول عنه وثلاث عنهن؛ لأنها لا تتبعض إلا في موضع توحد تحمل الباقي، ويلزمه على الثالث خمس كفارات: كفارتان عنه وعنها بالوطء الأول.
قال: ولو كان له زوجتان مسلمة وذمية فوطئهما في يوم فعلى الأول: عليه كفارة واحدة بكل حال.
وعلى الثاني: إن قدم وطء المسلمة فعليه كفارة، وإلا فكفارتان.
وعلى الثالث: كفارتان بكل حال؛ لأنه إن قدم المسلمة لزمه كفارتان عنه وعنها ولم يلزمه للذمية شيء، وإن قدم الذمية لزمه لنفسه كفارة ثم للمسلمة أخرى.
هذا كلامه، وفيه نظر، والله أعلم.
انتهى كلام "الروضة"، والنظر الذي أشار إليه متعلق بما ذكره في "التفريع" على القول الثاني وراجع إليه؛ فإن الروياني فرع عليه تعدد الكفارة إذا كانت الموطوءة مسلمة.
وقياس ما سبق في المسافر إذا كان صائمًا فوطئ زوجته أنه لا شئ عليه على الصحيح.

قوله: وإذا قلنا الوجوب يلاقيها وكانت أمة فعليها الصوم؛ لأن العتق لا يجزيء عنها.
قال في "المهذب": إلا إن قلنا العبد يملك بالتمليك، فإن الأمة كالحرة المخيرة.
انتهى ملخصًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 118

اعترض في "الروضة" على كلام "المهذب" فقال: هذا الذي قاله في "المهذب" غريب، والمعروف أنه لا يجزيء العتق عن الأمة، وقد قال في "المهذب" في باب العبد المأذون: لا يصح إعتاق العبد سواء قلنا: يملك أم لا؛ لأنه يضمن الولاء وليس هو من أهله، والله أعلم.
انتهى كلامه -رحمه الله-، وهو يقتضي انفراد صاحب "المهذب" به وأنه لا يعرف لغيره، وهو غريب؛ فقد صرح في كتاب الكفارات بحكاية ذلك عن غيره فقال: وإن ملكه سيده عبدًا ليعتقه عنها لم يصح؛ لأنه يستحق الولاء وليس العبد من أهل إثبات الولاء.
وعن صاحب "التقريب" أنه يصح إعتاقه ويثبت له الولاء، وعن القفال يخرج قول أنه يصح إعتاقه عن الكفارة، والولاء موقوف على أنه إن عتق فهو له وإن دام رقه فلسيده.
هذا كلامه، وذكر أيضًا في كفارة اليمين نحوه.
وذكر القاضي حسين في البيع في أواخر باب الجراح بالضمان أنه إذا ملكه سيده عبدًا فأعتقه عن نفسه بإذن سيده ففي صحة ذلك قولان؛ فإن صححنا فالولاء للسيد، وذكر الشيخ أبو محمد في أول كتاب الأيمان من "السلسلة" نحوه أيضًا.

قوله تفريعًا على التحمل، وإن اختلف حالهما فإن كان أعلى حالًا منها نظر إن كان من أهل العتق وهي من أهل الصيام أو الإطعام فوجهان: أظهرهما: أنه يجزيء الإعتاق عنهما.
ثم قال: وإن كان هو من أهل الصيام وهي من أهل الإطعام، فالذي قاله الأئمة أنه يصوم عن نفسه ويطعم عنها؛ لأن الصوم لا يتحمل به.

الجزء: 4 - الصفحة: 119

وقضية من قال بإجزاء العتق عن الصوم في الصورة السابقة إجزاء الصيام عن الإطعام لأن من فرضه الإطعام لو تحمل المشقة وصام أجزأه، والصوم كما لا يتحمل به لا يتحمل.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن القاضي أبا الطيب قد أجاب عما قاله الرافعي فقال: ليس له أن ينتقل من الإطعام هاهنا إلى الصيام الذي هو أعلى منه؛ لأن الإطعام وجب عليه بسبب غيره، وإنما كان ذلك يجوز لو كان بسببه.
هذا كلامه.
الأمر الثاني: أن هذا الذي ذكره الرافعي بحثًا قد صرح بنقله الفوراني، وأنه حكى في ذلك وجهين للأصحاب، وصحح التحمل على وفق ما بحثه الرافعي، وحكى ذلك عنه صاحب "الذخائر" أيضًا.
الأمر الثالث: أن قول الرافعي: والصوم كما لا يتحمل به لا يتحمل ليس هو استدلالًا على ما يرومه الرافعي من إجزاء الصيام عن الإطعام؛ إذ لو أراد ذلك لقال: ولأن الصوم كما يتحمل يتحمل به؛ أي: كما يتحمل بالإعتاق الذي هو أعلى منه فكذلك يتحمل الإعتاق الذي هو أدنى.
وأما مراد الرافعي -والله أعلم- معارضة تعليلهم أن الصوم لا يتحمل به فقال: ما قلتم من أن الصوم لا يتحمل به يلزمكم أن لا يتحمل أيضًا وقد قالوا: إنه يتحمل بالإعتاق.
واعلم أنه قد بقي من الأقسام قسم لم يذكره الرافعي ولا النووي في "الروضة" وهو ما إذا كانت من أهل الإعتاق وهو من أهل الإطعام، وقد ذكره النووي في "شرح المهذب" فقال: يطعم ويلزمه الإعتاق عنها.
وكذلك

الجزء: 4 - الصفحة: 120

ذكره سليم الرازي في "المجرد".

قوله: إذا ظن أن الصبح لم يطلع فجامع ثم بان خلافه فحكم الإفطار قد سبق ولا كفارة لعدم الإثم.
قال الإمام: ومن أوجب الكفارة على الناسي يقول مثله هنا لتقصيره في البحث.
انتهى.
وهذا التعبير عما قاله الإمام يوهم أن ذلك بحث منه لا نقل للأصحاب، وقد اغتر به النووي في "شرح المهذب" فصرح بذلك فقال: فلا كفارة، قطع به المصنف والأصحاب إلا إمام الحرمين فإنه قال في آخره: وليس الأمر كذلك بل نقله عن الأصحاب فقال: ثم إذا ألزمنا الناسي الكفارة عند الحكم بإفطاره فتلك الصورة أولى، وهذا لم أقله احتمالًا بل ذهب إليه طوائف من أصحابنا.
هذا لفظ الإمام، فصرح بنقل الخلاف وبالأولوية أيضًا.

قوله: ولو ظن أن الشمس قد غربت فجامع ثم بان خلافه، فقد ذكر صاحب "التهذيب" وغيره أنه لا كفارة أيضًا؛ لأنها تسقط بالشبهة.
وهذا ينبغي أن يكون مفرعًا على جواز الإفطار والحالة هذه، وإلا فتجب الكفارة وفاء بالضابط المذكور.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن البغوي في "التهذيب" لم يفرض هذه المسألة فيما إذا ظن الوقت؛ بل فرضها فيما إذا شك فيه فقال بخلاف ما لو أكل شاكًا في غروب الشمس فبان أنها لم تغرب يجب القضاء؛ لأن الأصل هناك بقاء النهار وتحريم الأكل.

الجزء: 4 - الصفحة: 121

ثم قال: وحيث قلنا يجب القضاء فإن كان قد جامع قضى ولا كفارة عليه في الموضعين؛ لأن كفارة الجماع تسقط بالشبهة.
هذا لفظه.
ذكر ذلك في أثناء فصل أوله قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ 28 الآية.
وإذا كانت صورة المسألة فيما إذا شك فلا يجيء البحث الذي بحثه الرافعي لأن الشاك يحرم عليه الأكل قطعًا كما جزم به الرافعي وصرح به أيضًا في "الروضة" من "زياداته" بل كلام البغوي صريح في إبطاله حيث حكم بعدم الوجوب عند تحريم الأكل لأجل الشبهة وعند جوازه أولى.
الأمر الثاني: أن الإلزام بالضابط المذكور إنما يصح عند من ذكره وارتضاه، وأما من لم يذكره بالكلية أو ذكره ولم يرتضيه فلا يلزمه القول بمقتضاه؛ لأنه قد لا يقول به.
إذا علمت ذلك فالبغوي لم يذكر هذا الضابط بالكلية، وإنما ذكره الغزالي، والغزالي لم يذكر هذه المسألة فلم يتوجه الإلزام به على أحد.
الأمر الثالث: أن ما تقدم في المسألة التي قبل هذه المسألة عن كلام الإمام تجري في هذه الصورة بطريق الأولى فاعلمه؛ فإن جزم الرافعي بهذه دون تلك قد يوهم خلافه.

قوله: ولو أكل الصائم ناسيًا فظن بطلان صومه فجامع فهل يفطر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا كما لو سلم عن ركعتين من الظهر ناسيًا وتكلم عامدًا لا تبطل صلاته.
وأصحهما -ولم يذكر الأكثرون غيره-: أنه يفطر كما لو جامع على ظن أن الصبح لم يطلع فبان خلافه.
وعلى هذا فلا كفارة؛ لأنه وطء وهو يعتقد أنه غير صائم.

الجزء: 4 - الصفحة: 122

وعن القاضي أنه يحتمل وجوبها؛ لأن هذا الظن لا يبيح الوطء.
انتهى كلامه.
وهذا النقل عن القاضي قد تابعه عليه النووي وهو يقتضي أنهما لم يقفا في المسألة على خلاف وأنه ليس فيها إلا هذا الاحتمال.
وليس كذلك ففيها خلاف قديم رأيته في كلام الإمام محمد بن يحيى في كتاب الصيام من "تعليقه" في الخلاف منقولًا عن الحليمي فقال: ووجبت الكفارة في وجه أورده الحليمي من أصحابنا في "المنهاج".
هذه عبارته.
واعلم أن سبب التعليل الذي ذكره القاضي -وهو أبو الطيب- أن الإمساك واجب.
وإذا علمت ذلك ظهر لك إيراد هذه الصورة على الضابط المذكور قبل هذا بأوراق في وجوب الكفارة وهو قولهم أنها تجب بإفساد صوم يوم من رمضان بجماع أثم به لأجل الصوم.
ووجه التقييد الأخير أن الصوم لما كان واجبًا وأوجبنا الإمساك لأجله؛ لكونه يشبهه كان تأثيمه لأجل الصوم وهو وجوب الإمساك على ما في ظنه وإن كان صائمًا حقيقة.
وبهذا التقدير جميعه يظهر أن صورة المسألة في ما إذا علم وجوب الإمساك، فإن ظن عدم وجوبه أيضًا فلا كفارة قطعًا.

قوله: وهل يلزمه مع الكفارة قضاء اليوم الذي أفسده بالجماع؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: يجب.
والثاني: لا.

الجزء: 4 - الصفحة: 123

والثالث: إن كفر بالصيام لم يلزم وإلا لزم.
ثم قال بعد ذلك: قال الإمام: ولا خلاف أن المرأة يلزمها القضاء إذا لم تلزمها الكفارة، ولا يتحمله الزوج، فإن الكفارة إذا كانت صومًا لا يتحمل فما ظنك بالقضاء.
انتهى كلامه.
وهذا الاستدلال لا يثبت للإمام ما يحاوله؛ لأنا إذا قلنا بالوجوب عليها وكانت من أهل الصوم وهو من أهل العتق، فإنه يحمل عنها الصوم بإعتاقه كما قاله الرافعي في موضعه وقد تقدم ذكره.
وإن كانا معًا من أهل الصيام ففي الاكتفاء بصومه عن صومها وجهان حكاهما القاضي الحسين في "تعليقه".

قوله في "الروضة": لو كان من لزمته الكفارة فقيرًا فهل له صرفها إلى أهله وأولاده؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز لحديث الأعرابي المشهور.
وأصحهما: لا كسائر الكفارات.
وأما رقبة الأعرابي فلم تدفع إلى أهله عن الكفارة.
انتهى.
واعلم أن الإذن للأعرابي في إطعامه لأهله رواه الشيخان 29، وذكر الرافعي له ثلاثة تأويلات منقولة عن نصه في "الأم" فقال في الثالث منها: إنه يحتمل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تطوع بالتكفير عنه وشرع له صرفه إلى الأهل والعيال؛ فتكون فائدة الخبر أنه يجوز للغير التطوع بالكفارة عن الغير بإذنه وأنه يجوز للمتطوع صرفه إلى أهل المكفر عنه وعياله.
هذا كلام الرافعي فيما نقله عن نصه في "الأم"، وهذا الثالث قد أسقطه النووي من "الروضة" مع أنه تؤخذ منه هذه المسألة الحسنة التي ذكرها في كلامه؛ وهي إعطاؤها لأهل الذي يكفر عنه.

الجزء: 4 - الصفحة: 124

وقد صرح بجوازه الشيخ أبو علي السنجي في "شرح التلخيص" نقلًا عن الأصحاب فقال: قال أصحابنا: يجوز للرجل أن يكفر عن ولده الصغير في الموضع الذي يلزمه ويصرفها إليه عند حاجته ليأكل كفارة نفسه كما كفر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الأعرابي ودفع إليه كفارته ليأكل هو وأهله.
هذا لفظ الشيخ أبي علي، ومن "شرح التخليص" نقلته، وكذا نقله القاضي حسين في "تعليقه" عن أصحابنا.

قوله: قال الأصحاب: الحقوق المالية الواجبة لله تعالى على ثلاثة أضرب: أحدها: ما يجب لأسباب مباشرة من العبد كزكاة الفطر؛ فإذا عجز وقت الدخول لم تثبت في ذمته.
والثاني: ما يجب بأسباب مباشرة على جهة البدل كجزاء الصيد؛ فإذا عجز وقت وجوبه يثبت في ذمته تغليبا لمعنى الغرامة.
والثالث: ما يجب بذلك لكن لا على جهة البدل ككفارة الجماع واليمين والقتل والظهار ففيها قولان: أظهرهما: تثبت في الذمة عند العجز.
انتهى.
واعلم أن ما وجب في الحج لا عن إتلاف بل عن استمتاع لكفارة اللباس والطيب ونحوهما حكمها حكم ما وجب على جهة البدل على الصحيح؛ كذا ذكر في "شرح المهذب" فاعلمه فإن فيه وقفة، وكلامه هنا يوهم خلافه.

قوله: إن الجمهور حكوا الخلاف في استقرار كفارة الجماع قولين، وإنما أطلق صاحب "الكتاب" فيها وجهين تقليدًا للإمام.
انتهى.

الجزء: 4 - الصفحة: 125

وهو يوهم انفراد الإمام بحكاية الوجهين، وليس كذلك، فقد جزم بحكاية الوجهين في المسألة جماعة آخرون قدماء أجلاء منهم أبو علي الطبري في "الإفصاح" والقاضي الحسين في "تعليقه".

قوله: والفدية مد من طعام لكل يوم من أيام رمضان يصرف إلى الفقراء، وكل مد منهما بمثابة كفارة تامة؛ فيجوز صرف عدد منها إلى مسكين واحد، بخلاف أمداد الكفارة الواحدة يجب صرف كل واحد منها إلى مسكين.
ثم قال: ويجب بثلاث طرق منها: التأخير .. إلى آخره.
لم يصرح هو ولا النووي بأنه هل يجوز أن يعطي الفقير أقل من مد، وقد صرح به القاضي الحسين في "تعليقه" هنا وجزم بالمنع فقال: إذا لزمه مد التأخير ليس له أن يدفعه إلى مسكين.
هذا لفظه.
وذكر في "الروضة" من "زوائده" في باب الدماء في الكلام على التصدق بالإطعام بدلًا عن الذبح فرعًا يتعلق بما نحن فيه فقال: قال صاحب "البحر": أقل ما يجزئ أن يدفع الواجب إلى ثلاثة.
ثم قال: فإن فرق الطعام فهل يتعين لكل مسكين مد كالكفارة أم لا؟ فيه وجهان: الأصح: لا يتقيد، بل يجوز الزيادة على مد والنقص منه.
والثاني: لا يجوز أقل منه ولا أكثر.
هذا كلامه، فيحتاج إلى الفرق بين منع إعطاء الكفارة الواحدة هنا -وهى المد- إلى جمع، وبين الجواز في غيرها، فإن قيل: لأن المد في غاية القلة وهو كفاية الشخص غالبًا فلم يوزع؟ قلنا: ينتقض بما نقلناه الآن عن "الروضة" في باب الدماء، بل المنع هناك أولى؛ لأنه لا ضرورة فيه لحصول الإعطاء إلى ثلاثة أشخاص مد، بخلاف

الجزء: 4 - الصفحة: 126

فدية الصوم.

قوله: إحداهما: إذا فاته صوم وتمكن من فعله ومات قبل القضاء فالجديد: أنه يطعم من يزكيه لكل يوم مد، روي ذلك عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا.
والقديم: أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" 30. فعلى القديم لو أمر الولي أجنبيًا فصام عنه بأجرة أو بغيرها جاز كالحج، ولو استقل به الأجنبي جاز على الأصح.
انتهى.
وظاهر كلامه يشعر بأن المراد بالاستقلال أن يكون بغير إذن الولي لكن شرطه أن لا يكون الذي يصوم عنه قد أذن له؛ فسيأتي في كتاب الوصايا أن الذي وجب عليه الصوم إذا أوصى لأجنبي أن يصوم عنه صح صومه وإن لم يأذن له الولي، وهو واضح.
واعلم أمرين: أحدهما: أن الرافعي في "المحرر" قد صرح بأنه يأثم، وتبعه عليه في "المنهاج" ولم يصرح به الرافعي.
ولا يؤخذ ذلك من وجوب التدارك؛ ألا ترى أن الحج المتروك عمدًا لا يقضي فيه الميت على رأي جماعة ومع ذلك يفعل عنه.
الأمر الثاني: أن النووي قد صرح في "شرح مسلم" بأن الأصح أن الولي يصوم عن الميت، وذكر في "الروضة" وكثير من كتبه نحوه.
والحديث الأول قال الترمذي: الصحيح وقفه على ابن عمر؛ ولهذا قال

الجزء: 4 - الصفحة: 127

في "الروضة": إنه ضعيف، والثاني ثابت في الصحيحين.

قوله: والمعتبر على قولنا: أن الولي يصوم هل هو الولاية على ما ورد في لفظ الخبر أو مطلق القرابة أو تشترط العصوبة أو الإرث؟ توقف الإمام فيه وقال: لا نقل عندي في ذلك، وأنت إذا فحصت عن نظائره وجدت الأشبه اعتبار الإرث.
انتهى.
زاد النووي على ذلك فقال: المختار أن المراد مطلق القرابة.
قال: وفي "صحيح مسلم" 31 أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر لامرأة أن تصوم عن أمها.
وهذا يبطل احتمال العصوبة انتهى.
واعلم أن كلام الرافعي والنووي يقتضي أنهما لم يظفرا في المسألة بنقل، المسألة قد صرح بها جماعات كثيرة منهم: القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، والماوردي في "الحاوي"، والبغوي في "التهذيب"، والروياني في "البحر".
فأما القاضي فجزم باعتبار القريب كما رجحه النووي فقال: فإذا قلنا: يجب أن يصام عنه، فمن شاء من أقاربه صام عنه.
هذا لفظه، وقال ابن الصلاح: إنه الأقرب، وصاحب "الذخائر": إنه الأظهر.
وجزم الماوردي باعتبار الإرث، كما رجحه الرافعي فقال في أواخر كتاب الوصايا: وكان الشافعي في القديم يجوز النيابة في صوم الفرض إذا ناب عنه وارثه، وفي نيابة الأجنبي عنه وجهان.
هذا لفظه.
وذكر البغوي نحوه أيضًا فقال: هل يجوز لوارثه أن يصوم عنه؟ فيه قولان.
هذا لفظه.

الجزء: 4 - الصفحة: 128

ونقله الروياني في "البحر" عن بعض أصحابنا واقتصر عليه، وقال: لا فرق بين المستغرق وبين وارث شيء، وصححه ابن أبي الصيف في "نكته".
وذكر النووي في "شرح مسلم" ما يوهم أن هذه الاحتمالات وجوه فقال: المراد بالولي: القريب سواء كان عصبة أو وارثًا أو غيرهما، وقيل: العصبة، والصحيح الأول.
هذا تلخيص مذهبنا في المسألة.
هذا لفظه.

قوله: ولو مات وعليه صلاة أو اعتكاف لم يقض عنه وليه، ولا تسقط عنه الفدية.
ونقل البويطي أن الشافعي - رضى الله عنه - قال في الاعتكاف: يعتكف عنه وليه.
وفي رواية: يطعم عنه.
قال صاحب "التهذيب": ولا يبعد تخريج هذا في الصلاة فيطعم عن كل صلاة مد.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أن التخريج المذكور يحتمل أن يكون راجعًا إلى الأمرين المتقدمين وهما فعل الاعتكاف وإخراج الطعام بدلًا عنه وأن يرجع إلى الأخير وهو الإطعام.
وقد بين الرافعي في كتاب الوصايا المراد وجعله راجعًا إليهما، وذكر ذلك في الكلام على ألفاظ "الوجيز" فقال: ولك أن تعلم قوله وأما الصلاة عنه قضاء لما فاته فلا تنفعه.
قالوا: وليخرج من الصوم أشير إليه، وقد ذكرناه الصوم.
هذا كلامه فظهر بما قاله، وقد راجحت "التهذيب" فوجدته قد عبر بلفظ: (هذا) أي: اسم الإشارة للقرب كما عبر الرافعي؛ فيكون التخريج في الإطعام خاصة

الجزء: 4 - الصفحة: 129

كما فهم النووي.
واعلم أن صاحب "التهذيب" قد ذكر في آخر كتاب أن الأصحاب اختلفوا في جواز الصلاة عن الميت وفي حج التطوع إذا أوصى.
انتهى.
فإذا جازت الصلاة بالوصية فالقياس جوازها للولي على وفق التخريج السابق فقد ادعى النووي في "شرح المهذب" و"شرح مسلم" الإجماع على أنه لا يصلي عنه.
الأمر الثاني: أن الخلاف في التكفير عن الصلاة خلاف قديم فقد رأيته مذكورًا في "فتاوى" القفال فقال: مسألة: إذا مات وعليه صلاة قال بعض أصحابنا: يتصدق عن كل صلاة مد.
هذه عبارته.
وحكاية الرافعي ذلك احتمالًا عن البغوي عجيب؛ فإنه كثير النقل عن الفتاوي المذكورة، وهو من البغوي أعجب؛ فإن القفال شيخ شيخه.

قوله: الحال الثاني: أن يكون موته قبل التمكن من القضاء بأن لا يزال مريضًا أو مسافرًا من أول شوال حتى يموت: فلا شئ في تركته ولا على ورثته كما لو تلف ماله بعد الحول وقبل التمكن.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن الرافعي قد ذكر في آخر المسألة في الكلام على ألفاظ "الوجيز" أنه لا فرق في القولين في أنه هل يصام عنه أو يفدي، وبين أن يكون قد ترك الأداء بعذر أو بغير عذر، ونقله في "الروضة" إلى أول الفصل.
وإذا علمت ذلك فما ذكره هاهنا من كونه لا شيء في تركته إنما محله

الجزء: 4 - الصفحة: 130

إذا فات بعذر.
وتمثيل الرافعي بالمريض والمسافر يدل عليه.
فإن فات بغير عذر فيأثم ويتدارك عنه بالفدية، كذا صرح به الرافعي في كتاب النذر في الكلام على نذر صوم الدهر وجعله أصلًا وقاس عليه حكمًا آخر.
الأمر الثاني: أن تقييده ذلك بأول شوال لم أره إلا في هذا الكتاب، وتبعه عليه في "الروضة"، حتى إن "الشرح الصغير" و"شرح المهذب" وغيرهما من كتبهما لا ذكر له فيها، وهو الصواب، بل يكفي حصول ذلك قبل الفجر من اليوم الثاني من شوال؛ فإن ما قبل ذلك لا يصح فيه الصوم، بل لو طرأ الحيض أو النفاس أو المرض قبل غروب الشمس من اليوم الثاني لم يحصل التمكن أيضًا.
ولو لزمه يوم فسافر مثلًا بعد الفجر من اليوم الثاني واستمر السفر إلى رمضان ففي وجوب الفدية احتمالان حكاهما الروياني عن والده، وقال: الأصح عندي عدم الوجوب واعرف.
الأمر الثالث: أنه قد ذكر قبل هذا الكلام من غير فاصل أن صوم الكفارة والنذر حكمهما حكم صوم رمضان، ثم ذكر عقبه هذا الكلام وهو اشتراط التمكن؛ فدل ذلك على اشتراط ذلك أيضًا فيهما، لكنه قد نقل في آخر كتاب النذر عن القفال من غير مخالفة له أنه لا يشترط التمكن في الصوم المنذور.
واعلم أنه قد سبق في الزكاة أن التأخير بعد الحول لأجل انتظار القريب والجائز جائز، ويجب به الضمان في الأصح فلم لا جعلنا المسافر هاهنا متمكنًا لاسيما إذا استحببنا له الصوم بأن كان لا يضره؟

قوله من "زياداته": قال أصحابنا: ولا يصح الصيام عن أحد في حياته

الجزء: 4 - الصفحة: 131

بلا خلاف سواء كان عاجزًا أم غيره.
انتهى لفظه.
والذي ذكره النووي هاهنا من المنع بلا خلاف قد خالفه في موضعين من "الروضة" فقال في الباب الثاني من كتاب الوصية في الكلام على ما ينفع الميت: ولو مرض بحيث لا يرجى برؤه ففي الصوم عنه وجهان.
انتهى.
ولم يرجح شيئًا منهما.
وقال في كتاب النذور: ولو نذر صوم الدهر فأفطر يومًا فلا سبيل لقضائه.
ثم قال: فإن كان لعذر مرض أو سفر فلا فدية وإن تعدى لزمه، قال الإمام: وهل يجوز أن يصوم عن المفطر المتعدي وليه في حياته تفريعًا على أنه يصوم عن الميت وليه؟ الظاهر جوازه لتعذر القضاء.
وفيه احتمال من جهة أنه قد يطرأ ما يبيح له ترك الصوم فيقضى.
انتهى كلامه.
فهذه ثلاثة مواضع متعارضة؛ لأنه قد ذكر هنا أنه لا خلاف في المنع وفي النذر نقلًا عن الإمام أنه يجوز وأقره، وفي الوصية وجهين من غير ترجيح.
وقد وقع الموضع الأول والثالث في "شرح المهذب" كما في "الروضة"، واقتصر في "شرح مسلم" على الموضع الأول وهو البطلان بلا خلاف.
واعلم أن الرافعي قد ذكر أيضًا المنع هنا، وإنما ذكرها النووي في "الروضة" من زياداته لنفي الخلاف فيها كما زعم، وحينئذ فيكون معارضًا لما نقله في النذر.

قوله: وليس المراد من القول القديم أنه يلزم الولى أن يصوم، بل المراد أنه يجوز له ذلك إن أراده، هكذا أورده في "التهذيب"، وحكاه الإمام عن الشيخ أبي محمد وهو كالمتردد.
انتهى كلامه.

الجزء: 4 - الصفحة: 132

وهذا النقل المذكور يعارضه كلام القاضي أبي الطيب؛ فإنه جزم في "تعليقه" بأن المراد منه الوجوب، وقد ظن النووي أن هذا النقل متفق عليه فجزم به في "الروضة" ولم يعزه إلى أحد، وزاد على ذلك في "شرح المهذب" فقال: إنه لا خلاف فيه.

قوله: المسألة الثانية: الشيخ الهرم الذي لا يطيق الصوم أو تلحقه به مشقة شديدة لا صوم عليه، ولكن تلزمه الفدية في أصح القولين، والقولان جاريان في المريض الذي لا يرجى برؤه.
ثم قال: وحكم صوم الكفارة والنذر حكم صوم رمضان.
انتهى كلامه.
فيه أمور: أحدها: أن مقتضى إطلاق الرافعي أنه لا فرق في هذين القولين بين أن يتقدم وجوب الكفارة والنذر على سن الشيخوخة والمرض أو يكون مقارنًا لها.
وقد سبقه إلى حكاية القولين في حالة التقدم الشاشي في "المعتمد" فإنه قال بعد ذكره القولين في وجوب الفدية على الشيخ والمريض ما نصه: وهذا حكم صوم النذر والقضاء عند العجز إذا كان قد سبق وجوبه في حقه.
هذا لفظه، وسيأتي عقب هذا في انعقاد النذر في حالة المقارنة وجهين، وأن الصحيح منهما عدم الانعقاد؛ فحكاية الخلاف وجهين وتصحيح الانعقاد يمنعان أو يبعدان إرادة هذه الصورة.
لكن صرح البغوي في "التهذيب" أن الفدية تجب في حالة التقدم قولًا واحدًا، وأن القولين محلهما في المقارن، وذكر في "التتمة" نحوه إلا أنه لم يصرح بدعوى الاتفاق، بل حكى القولين في المقارن وجزم في المتقدم بالوجوب، وفي عبارة القاضي الحسين بعد الفراغ من هذه المسألة بفرعين إشعار بذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 133

ولا شك أن القولين في صوم رمضان يجريان في المقارن، وفي جريانهما في المتقدم إذا آخره بعد التمكن منه نظر، والقياس فيه القطع بوجوب الفدية ويكون كالميت.
الأمر الثاني: أن الإطعام في أكثر الكفارات ثابت بطريق الأصالة، فكيف يأتي فيها ما ذكره الرافعي من الخلاف في الانتقال، وأنه على سبيل البدلية؟ نعم كفارة القتل لا إطعام فيها في أصح القولين فيمكن أن يأتي القولان في الانتقال بدلًا, وقد استثنى الطبري شارح "التنبيه" كفارة الحلق ونحوه على المحرم، فإنها تفدى بمدين، وتصويره بما إذا مات معسرًا وأراد الأجنبي التكفير عنه واضح، إلا أن وجوب المدين فيه نظر، والقياس مد واحد.
وكذلك إذا فرعنا على أن الاعتبار بحالة الوجوب، وكان إذ ذاك معسرًا، وأما إذا كان موسرًا فاختار الولي الصوم، لينتقل عنه إلى بدله فيحتمل ما ذكرناه أيضًا، ويحتمل ما ذكره، وهو قريب من الكلام الآتى في الحج في ما إذا حلق شعره أو قلم ظفرًا، فراجعه.
الثالث: أن النووي قد أسقط هذه المسألة من "الروضة" من هذا الموضع وذكر صورة المسألة وحكمها قبل ذلك في الكلام على الميت -يعني إذا مات- وقد لزمه صوم كفارة أو نذر، فحكمه حكم رمضان، ولم يتعرض الرافعي هناك لهذه المسألة بالكلية، وحاصله أنها التبست عليه تلك المسألة، فنقلها إلى محلها.

قوله: ولو نذر، الشيخ الهم في حال العجز صومًا ففي انعقاده وجهان.
انتهى.
والأصح عدم الانعقاد، كذا صححه النووي في "شرح المهذب" وفي "الروضة" من زياداته.
والهم: بكسر الهاء.

الجزء: 4 - الصفحة: 134

قوله: وإذا أوجبنا الفدية على الشيخ، فلو كان معسرًا هل تلزمه إذا قدر؟ فيه قولان كما ذكرنا في الكفارة.
انتهى.
هذه العبارة أخذها الرافعي-رحمه الله- من البغوي وتابعه في "الروضة" عليها وذكر مثلها في "شرح المهذب"، ثم قال فيه عقب ذلك: والأصح في الكفارة بقاؤها في ذمته إلى اليسار؛ لأنها في مقابلة حياته فهى كجزاء الصيد، وينبغي أن يكون الأصح هنا أنها تسقط ولا تلزمه إذا أيسر كالفطرة؛ لأنه عجز حال التكليف بالفدية وليست في مقابلة حياته ونحوها.
وقطع القاضي أبو الطيب في "المجرد" بأنه إذا أيسر بعد الإفطار لزمته الفدية، فإن لم يفد حتى مات لزم إخراجها من تركته.
هذا كلامه في "شرح المهذب".
وتوجيه الوجوب أنها بسبب من جهته -وهو الفطر- بخلاف الفطرة.
وجزم القاضي الحسين في "تعليقه" بأنه لا تجب على وفق ما رجحه النووي، ثم قال: ويحتمل أن يقال: تجب بناء على أن الاعتبار في الكفارات بحالة الوجوب أو بحالة الأداء، وفيه خلاف.
هذا كلام القاضي.
والظاهر أن البغوي أخذ ما تقدم ذكره عنه من هذا الكلام.

قوله: وقد قدر الشيخ بعد ما أفطر على الصوم، نقل صاحب "التهذيب" أنه لا يلزمه القضاء، لأنه لم يكن مخاطبًا بالصوم بل بالفدية، ثم قال من عند نفسه: إذا قدر قبل أن يفدي عليه أن يصوم، وإن قدر بعد الفدية فيحتمل أن يكون كالمغصوب إذا حج عنه ثم برئ.
واعلم أن صاحب "التتمة" في آخرين نقلوا خلافًا في أن الشيخ هل يتوجه عليه الخطاب بالصوم بالفداء ابتداء؟ فلصاحب "التهذيب" أن يمنع التعليل السابق.

الجزء: 4 - الصفحة: 135

انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله صاحب "التهذيب" من عدم الوجوب قد جزم به أيضًا القاضي الحسين في "تعليقه" والخوارزمي في "الكافي"، ونقل الدارمي فيه وجهين، واقتصر في "شرح المهذب" على كلام البغوي والدارمي.
الأمر الثاني: في الأصح من الخلاف المحكي في أنه مخاطب بالفدية ابتداء أم لا؛ فإن مسألتنا التي نحن فيها هى نتيجة.
وقد اختلفوا فيه فقال في "شرح المهذب": الأصح الأول، وهو الخطاب بالفدية، وقال ابن الرفعة: الصحيح الثاني، وهو الخطاب أولًا بالصوم.
وفي "الروضة": وإذا خافت الحامل والمرضع على ولديهما أفطرتا وقضتا.
وهل تلزمهما الفدية؟ فيه ثلاثة أقوال: أظهرها: تجب.
والثاني: تستحب.
والثالث: تجب على المرضع دون الحامل.
ثم قال: فعلى الأظهر لا تتعدد الفدية بتعدد الأولاد على الصحيح، وبه قطع في "التهذيب".
انتهى.
وما ذكره من تصحيح طريقة الوجهين قد ناقضه في "شرح المهذب" فصحح طريقة القطع، فقال ما نصه: فيه طريقان أصحهما لا، وبه قطع البغوي، والثاني: فيه وجهان، حكاه الرافعي.
هذا لفظه، وكلامه يقتضي أنه لم يقف على الوجهين إلا في كلام الرافعي مع أنهما مصرح بهما في "التتمة" و"تعليق" القاضي الحسين.

الجزء: 4 - الصفحة: 136

واعلم أن كلام الرافعي والنووي يقتضي أن الوجهين جاريان في المرضع والحامل، وقد صرح بذلك في "التتمة" فقال: إذا كانت حبلى بولدين أو ترضع ولدين فهل تلزمها فدية واحدة أو فديتان؟ في المسألة وجهان.
هذا لفظه.
وكلام ابن الرفعة يوهم اختصاص الوجهان بالمرضع.
وهو غريب؛ فإنه قد نقل أيضًا هذا الموضع عن "التتمة".

قوله: ولو كانت المرضع مستأجرة فقال في "التتمة": لها الفطر.
وقال الغزالي في "الفتاوى": ليس لها ذلك، قال: ولا خيار لأهل الصبي أيضًا.
انتهى ملخصًا.
فيه أمران: أحدهما: أن الصحيح قول صاحب "التتمة" فقد جزم به أيضًا القفال والقاضي الحسين في فتاويهما، وصححه النووي في "شرح المهذب" وزيادات "الروضة"، وزاد فنقل عن القاضي أن الإفطار يجب إن أضر الصوم بالرضيع.

قوله: الأمر الثاني: أن الغزالي بعد أن ذكر أنه لا خيار، وعلله بأن وجود الصوم وتأثيره في اللبن ظاهر معلوم استثنى الجاهل فقال: فإن فرض دعوى جهل به ممن يتصور أن يلتبس عليه ذلك فلا يبعد الخيار.

قوله في المسألة من زياداته: وفدية الفطر على من تجب؟ قال القاضي: يحتمل وجهين بناء على ما لو استأجر المتمتع فعلى من يجب دمه؟ فيه وجهان.
انتهى كلامه.
قال في "شرح المهذب" بعد حكايته لهذا الكلام ولعل الأصح أنها عليها

الجزء: 4 - الصفحة: 137

بخلاف دم التمتع فإنه على المستأجر في الأصح؛ لأن الأول من تتمة إيصال المنفعة الواجبة، بخلاف دم التمتع فإنه من تمام الحج الواجب عليه.

قوله: ولو كانت المرضع أو الحامل مسافرة أو مريضة فأفطرت على قصد الترخص بالمرض أو السفر فلا فدية عليها، وإن لم تقصد الترخص ففي لزوم الفدية وجهان كالوجهين السابقين في المسافر إذا أفطر بالجماع.
انتهى كلامه.
ذكر مثله في "الروضة"، ولا شك أن هذه المسألة لها أربعة أقسام: أحدها: أن تفطرا بنية الترخص بالسفر أو المرض فقط.
والثاني: بنية الخوف على الولد فقط.
والثالث: بنيتهما جميعًا.
والرابع: أن لا تقصدا شيئًا.
إذا عملت ذلك فقول الرافعي: (وإن لم تقصدا الترخص) يحتمل أن يريد أنهما لم تقصداه أصلًا؛ وحينئذ فيكون ساكتًا هنا عن الثاني والثالث.
فإن قلت: فما حكمهما؟ قلت: يتجه أن يجزم في الثاني -وهو قصد الخوف على الولد- بالوجوب، وإنما سكت عنه هاهنا لأنه يؤخذ من صدر المسألة.
ويجزم في الثالث -وهو قصد الأمرين- بعدمه تغليبًا للمسقط عملًا بالأصل.
ويحتمل أن يريد أنهما لم تقصدا الترخص بما ذكر.
وعلى هذا فتدخل الأقسام الثلاثة في كلامه حتى يجري فيها الوجهان، والاحتمال الأول أظهر، والحكم الذي ذكرته فيه أقيس.

الجزء: 4 - الصفحة: 138

قوله: إحداهما إذا أفطر بعد الجماع عمدًا في رمضان ففي وجوب الفدية، وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنها واجبة على المرضع والحامل مع قيام العذر فغير المعذور أولى.
وأظهرهما: لا؛ لأنه لم يرد فيه توقيف وحيث تجب الفدية إنما تجب جائزة وهى لا تخير ما تفدي ولا يليق بعظم حرمته.
انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن النووي في الروضة قد تبع الرافعي على حكاية الوجهين، ثم حكى في "شرح المهذب" في ذلك طريقتين: إحداهما: هذه.
والثانية: قاطعة بعدم الوجوب، وصححها فقال: وهل تلزمه الفدية وهى مد من طعام؟ فيه طريقان: أصحهما -وبه قطع العراقيون-: لا تلزمه.
والثاني: حكاه الخراسانيون فيه وجهان: أصحهما عند جمهورهم: لا تلزمه.
هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن الرافعي قد ذكر المسألة قبل هذا في الكلام على المجامع في نهار رمضان وحكى فيها ثلاثة أوجه غير هذا الوجه.
أصحها: أنه لا يجب عليه شيء.
والثاني: تجب كفارة الجماع.
والثالث: تجب بالأكل والشرب خاصة كفارة فوق كفارة الحامل ودون كفارة الجماع.
وإذا ضممت ما سبق إلى ما حكاه هنا تلخص في المسألة أربعة أوجه.
الأمر الثالث: أن التعليل الذي ذكره الرافعي ينتقض بأمور كيمين

الجزء: 4 - الصفحة: 139

الغموس وكفارة القتل العدوان ونحوهما.

قوله: الثانية: لو رأى مشرفًا على الهلاك بغرق أو غيره وكان في تخليصه الإفطار فله ذلك ويقضي، وفي الفدية وجهان: أظهرهما الوجوب، والوجهان عند الشيخ أبي محمد مبنيان على المرضع والحامل.
ثم قال: وأشار مشيرون إلى تخريج الخلاف هاهنا مع التفريع على وجوب الفدية، ثم فرقوا بأن الإفطار ثم لإحياء نفس عاجزة عن الصوم خلقة فأشبه إفطار الشيخ الهرم، وهاهنا الغريق غير عاجز عن الصوم.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن تعبيره بقوله: فله ذلك، تعبير ناقص موهم، والصواب أن يقول: لزمه.
وقد نبه عليه في "الروضة" و"شرح المهذب".
الأمر الثاني: أن تصوير الرافعي بالغريق يقتضي أنه لو كان الإفطار لتخليص قال: لم تجب الفدية، وبه صرح القفال في "فتاويه" وعلله بأنه لم يرتفق بهذا الإفطار إلا شخص واحد فلم يكن كالحامل والمرضع.
والفرق الذي ذكره الرافعي أيضًا في آخر الكلام يقتضي أن محل الوجهين فيما إذا كان الغريق آدميًا، فإن كان بهيمة لم يجب شئ جزمًا.
ولم يتعرض في "الروضة" لهذا الفرق، وقد تعرض في "التتمة" لمسألة البهيمة وقال: إنه يجب الإفطار لتخليصها، ولكن لم يتعرض لوجوب الكفارة، ذكر ذلك في باب الاعتكاف في الكلام على ما إذا دعي لأداء شهادة.

قوله: من عليه قضاء رمضان وأخره حتى حصل رمضان السنة الثانية

الجزء: 4 - الصفحة: 140

نظر إن كان مسافرًا أو مريضًا فلا شئ عليه بالتأخير، فإن تأخير الأداء بهذا العذر جائز فتأخير القضاء أولى، وإن لم يكن فعليه مع القضاء عن كل يوم مد.
انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الوجوب في السفر ونحوه يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون الفوات بعذر أو غير عذر، وقد صرح بذلك في "التتمة" هنا، وكذلك سليم الرازي في "المجرد" في باب صوم التطوع، وبالغ فقال: الأشبه جواز الخروج بذلك منه، أي: من الصوم الذي تعدى بتركه.
لكن نقل الرافعي بعد ذلك في صوم التطوع عن البغوي، أنه يحرم عليه تأخيره بعذر السفر، وإذا كان التأخير حرامًا كان التأخير بغير عذر أولى؛ فيلزم وجوب الفدية.
واعلم أن الرافعي لو قال: إن كان معذورًا كالسفر والمرض، لكان أعم أو تدخل فيه الحامل والمرضع وغيرهما.

قوله: ولو أخر القضاء حتى مضى رمضانان فصاعدًا ففي تكرار الفدية وجهان: أحدهما: لا تتكرر؛ لأنها وجبت في السنة الأولى؛ لأنه أخرج القضاء عن وقته وهو ما بين الرمضانين، وهذا لا يتكرر.
والثاني: نعم، قال في "النهاية": وهو الأصح.
انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن محل هذا الخلاف فيما إذا لم يكن قد أخرج الفدية، فإن أخرجها تكررت جزمًا، كذا صرح به البغوي في "التهذيب" فقال: فإن فدى ولم يقض حتى مضى رمضان آخر فعليه القضاء والفدية ثانيًا، فإن لم

الجزء: 4 - الصفحة: 141

يفد ولم يقض حتى مضى رمضانان هل تتداخل الفديتان؟ فيه وجهان: أحدهما: تتداخل كالحدود.
والثاني: لا تتداخل، لأنها من الحقوق المالية.
هذا لفظه.
وذكر مثله أيضًا الخوارزمي في "الكافي".
الأمر الثاني: أن النووي أيضًا، في "الروضة" نقل تصحيح التكرر عن الإمام فقط، وكذا في "شرح المهذب" أيضًا وزاد فيه فقال: إن الذي صححه الإمام هو الأصح، وأطلق تصحيحه في "الشرح الصغير" و"المحرر" ووافقه عليه في "المنهاج"، وكأنهما لما لم يجدا التصحيح إلا للإمام أطلقاه.
وقد صحح عدم التكرر جماعات منهم الماوردي في "الحاوي" فقال: إنه الأصح، والشيخ أبو حامد، والبندنيجي في تعليقهما، وسليم في "المحرر"، وعبر هؤلاء الثلاثة بقولهم: المذهب، زاد سليم فقال: إن التكرار ليس بشئ.
ومنهم الروياني في "البحر" فقال في آخر المسألة: إنه الأظهر.

قوله: فإذا لم يبق بينه وبين رمضان السنة الثانية ما يتأتى فيه قضاء جميع الفائت فهل تلزمه في الحال عما لا يسع الوقت أم لا تلزمه إلا بعد مجئ رمضان؟ فيه وجهان مشبهان بما إذا حلف ليشربن ماء هذا الكوز غدًا فانصب قبل الغد يحنث في الحال أم بعد مجيء الغد؟ . انتهى لفظه.
وعبارة "الروضة": فيه وجهان كالوجهين فيمن حلف ليأكلن الرغيف غدًا فتلف قبل الغد.
وهذه العبارة أكثر إشعارًا بالمساواة بينها من عبارة الرافعي.

الجزء: 4 - الصفحة: 142

إذا علمت ذلك فاعلم أن الصحيح في الانصباب بنفسه عدم الحنث ونظيره هاهنا إذا لم يزل العذر إلا ذلك الوقت.
ولا شك أن الفدية لا تجب عليه في هذه الحالة فيجب فرض المسألة فيما إذا كان التمكن سابقًا وحينئذ فيشبه ما إذا صب هو الماء فإنه يحنث، وفي وقت حنثه الوجهان.
واعلم أن الرافعي لما ذكر مسألة الرغيف سوى بين إتلافه عمدًا وتلفه، وقال: فيها قولان أو وجهان، فالذي أورده ابن كج أنه لا يحنث، والخلاف كالخلاف فيما لو حلف ليصعدن السماء غدًا، وقد سبق.
انتهى.
ومسالة الصعود ذكرها الرافعي في أول النوع الثاني من أنواع المحلوف عليه وهو الأكل والشرب، فقال: فيها وجهان ويشبه أن يرجع الحنث في الغد.
انتهى.
فتقرر بهذا العمل كله أنه لا يحنث في مسألة الرغيف إلا في الغد، وحينئذ فيكون الراجح أن الأمداد لا تجب إلا بدخول رمضان، فإذا مات قبله فقد مات قبل الدخول فلا يجب بسببه شيء كما صرح به النووي من "زياداته" في مسألة الرغيف، وكذلك غيره أيضًا، وهو واضح لكنه ذكر قبل ذلك بقليل ما يدل على خلافه، فقال: ولو كان عليه عشرة أيام فمات ولم يبق من شعبان إلا خمسة أيام أخرج من تركته خمسة عشر مدًا؛ عشرة لأصل الصوم وخمسة للتأخير؛ لأنه لو عاش لم يمكنه إلا قضاء خمسة.
انتهى.
وهذا صريح في أن الأيام التي تحققنا فواتها توجب الأمداد التي تجب لفواتها من حين الفوات، ولا يتوقف ذلك على دخول رمضان.
واعلم أن هذه المسألة لها نظائر، منها: إذا طول الجمعة حتى تحقق في الثانية أن الوقت يخرج، قال في "البحر" في كتاب الجمعة: عندي أنها

الجزء: 4 - الصفحة: 143

تصير ظهرًا الآن.
ومنها: إذا أحرم العبد بحجة وعلم أنه يصير حرًا قبل الوقوف، قال في "البحر" في الجمعة أيضًا: لا ينقلب حجه فرضًا إلا يوم عرفة، قال: لأن ابتداء الفرض لا يصح قبل الحرية، والإحرام بالظهر يصح الآن.
ورأيت في "السلسلة" للشيخ أبي محمد أنه إذا أحرم العبد والصبي فهل وقع إحرامهما نفلًا أو موقوفًا على البلوغ والعتق؟ فإن حصل كان فرضًا وإلا وقع نفلًا؟ قال: فيه وجهان.
ومنها إذا انقطع المسلم فيه المحل فهل يثبت الخيار من حين الانقطاع أم لا يثبت إلا بعد المحل؟ فيه وجهان: أصحهما الثاني.
ومنها: إذا تفاصلا على أن من أصاب مثلًا ستة من عشرة استحق فاصاب أحدهما وأخطأ الآخر في خمسة، فهل نوجب الجعل من ذلك الوقت أم بعد الفراغ؟ على وجهين: أصحهما: الثاني أيضًا؛ لأن لكل منهما غرضًا في الرمي ومشاهدته من صاحبه التعليم.

قوله من "زوائده": وإذا أراد الشيخ الهم إخراج الفدية قبل دخول رمضان لم يجز.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في تعجيل الزكاة موافقًا للمذكور هنا، وذكر مثله أيضًا في الحامل والمرضع.

قوله أيضًا من زوائده: قال الإمام الزيادي: ويجوز للحامل تقديم الفدية على الفطر ولا تقدم إلا فدية يوم واحد.
انتهى.
وهذه المسألة قد ذكرها أيضًا الرافعي في كفارة اليمين فقال: الحامل والمرضع إذا شرعتا في الصوم ثم أرادتا الإفطار فأخرجتا الفدية قبل الإفطار ففي إجزائها وجهان: أظهرهما: الإجزاء؛ وعلى هذا ففي جواز تعجيل

الجزء: 4 - الصفحة: 144

الفدية لسائر الأيام وجهان بناء على الخلاف في تعجيل الزكاة لعامين.
هذا كلامه.

قوله: من شرع في صوم تطوع لم يلزمه الإتمام، ولا قضاء عليه لو خرج من صومه؛ لما روي عن عائشة قالت: دخل على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت إنا خبأنا لك حيسًا، قال: أما إني كنت أريد الصوم ولكن قربيه.
32. انتهى.
ثم ذكر حديثًا آخر وفيه السؤر.
فأما الحيس: فهو بفتح الحاء وبالسين المهملتين بينهما ياء بنقطتين من تحت، وهو تمر يخلط بسمن وأقط، وأصل الحيس الخلط فلذلك سمي هذا به.
وقربيه: بالقاف والباء الموحدة: أي: ادنه مني لأشرب منه.
والسؤر: بالهمز هو البقية، وقد تقدم في الطهارة.
والحديث رواه الدارقطني والبيهقي، وقالا: إسناده صحيح، ولكن لفظه: أنه دخل على عائشة ذات يوم فقال: أعندك شئ؟ قلت: نعم.
قال: إذًا أفطر وإن كنت قد فرضت الصوم.

قوله: وأما صوم الكفارة فما لزمه منه بسبب محرم فهو كالقضاء الذي على الفور.
انتهى.
هذه المسألة قد ذكرها الرافعي في مواضع ووقع فيها اختلاف في كلامه وكلام النووي، وسأذكر المسألة إن شاء الله تعالى مبسوطة في كتاب الظهار في الباب المعقود للكفارات.

الجزء: 4 - الصفحة: 145

قوله: وهذا كله مبني على انقسام القضاء إلى ما هو على الفور وإلى ما هو على التراخى؛ فالأول: ما تعدى فيه بالإفطار، والثاني: ما لم يتعد فيه.
. . . إلى آخره.
اعلم أن هذا الضابط يرد عليه قضاء يوم الشك؛ فإن حاصل المنقول فيه يقتضي أنه على الفور على الصحيح؛ فقد قال في التتمة: ينبني على أنه هل يلزمه التشبه بالصائمين في بقية نهاره أم لا؟ ؛ فإن قلنا: لا يلزمه، فقد جعلناه كالمعذور فلا يلزم أن يقضي على الفور، وإن قلنا: يلزمه التشبه فقد ألحقناه بمن أفطر بغير عذر فيلزمه أن يبادر إلى القضاء.
هذا كلامه.
ونقله النووي في "شرح المهذب" عنه وعن غيره أيضًا، ولم ينقل ما يخالفه.
واقتصر ابن الرفعة على نقله عنه، ولكنه قال: فيه نظر.
واعلم أنا نستفيد من هذا الذي قاله المتولي وغيره وجوب القضاء على من نسى النية على الفور؛ لأن الإمساك واجب عليه كما جزم به الرافعي.
ولكن في "شرح المهذب" أن قضاءه على التراخي بلا خلاف.
قال: وكذلك من أكل على ظن الليل.
واعلم أن الصلاة الفائتة بعذر فيها وجه أن قضاءها على الفور، صرح به الرافعي ولم يحكوه هنا في الصوم بل صرح في "شرح المهذب" بأنه لا خلاف فيها فيحتاج إلى الفرق.

قوله في صوم التطوع: فأما الحجيج فينبغي لهم أن لا يصوموا عرفة كيلا يضعفوا عن الدعاء.

الجزء: 4 - الصفحة: 146

وأطلق كثير من الأئمة كونه مكروهًا؛ لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة 33. انتهى.
ذكر مثله في "الشرح الصغير"، وكذلك النووي في الروضة.
وفيه أمور: أحدها: أنه لا يعرف منه رجحان الكراهة أو خلاف الأولى، والصحيح أنه خلاف الأولى، كذا صححه النووي في "تصحيح التنبيه"، وذكر نحوه في "شرح المهذب" فإنه قال في أثناء الكلام ما نصه؛ إنما هو خلاف الأفضل كما قاله الشافعي والجمهور.
هذا لفظه بعد أن ذكر كلامًا آخرًا يدل عليه.
الأمر الثاني: أن مقتضى ما ذكره الرافعي من الحديث والمعنى أنه خاص بالحجيج الذين في عرفة، وقد أوضحه النووي في "نكت التنبيه" فقال: قول الشيخ: إلا أن يكون حاجًا بعرفة احتراز مما إذا كان محرمًا ولم يصل عرفة بعد ويعلم أنه لا يصلها في يوم عرفة بل يصلها بعد غروب الشمس فإنه لا يعرفه ويصح وقوفه ليلًا فلا يكره في هذه الصورة الصوم بل يستحب.
هذا لفظه.
الأمر الثالث: أن الشافعي في "الإملاء" لما تكلم على استحباب فطره للحاج نص على استحباب ذلك للمسافر أيضًا فقال في باب صيام عرفة: وكذلك أحب للمسافر أن يترك صومه، هذا نصه بحروفه، ومن "الإملاء"

الجزء: 4 - الصفحة: 147

نقلته، ونقله الشيخ أبو حامد أيضًا في "تعليقه" عنه، وهي مسألة حسنة يؤخذ منها الرد على ما نقلناه الآن عن "نكت النووي"، ونقل الرافعي قبل ذلك عن "التتمة" ولم يخالفه أنه إذا سافر في رمضان سفر حج أو غزو وكان يخاف الضعف لو صام فإن الأولى له الفطر؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- أمر الناس بالفطر عام الفتح وقال تقووا لعدوكم 34. والحديث الذي ذكره الرافعي في المسألة رواه أبو داود.

قوله: ومنه يوم عاشوراء؛ روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "صيام يوم عاشوراء يكفر سنة" 35. ويوم عاشوراء هو العاشر من المحرم، ويستحب أن يصوم معه تاسوعاء وهو التاسع منه؛ لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إن عشت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع" 36، وفيه معنيان منقولان عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أحدهما: الاحتياط؛ فربما يقع في الهلال غلط فيظن العاشر التاسع.
والثاني: مخالفة اليهود؛ فإنهم لا يصومون إلا يومًا واحدًا؛ فعلى هذا لو لم يصم التاسع معه استحب أن يصوم الحادي عشر.
انتهى كلامه.
فيه أمران: أحدهما: أنه إنما فسر عاشوراء باليوم العاشر؛ لأن ابن عباس -رضي

الجزء: 4 - الصفحة: 148

الله عنهما- يرى أن عاشوراء هو التاسع، ثبت ذلك عنه في "صحيح مسلم" قال: لأنه مأخوذ من إظماء الإبل فإن العرب تسمي الخامس من أيام الورد ربعًا -بكسر الراء-، وكذلك تسمي باقي الأيام على هذه النسبة فيكون العاشر تسعًا -بكسر التاء.
الأمر الثاني: أن الراجح من المعنيين هو الثاني وهو المخالفة؛ كذا رجحه النووي في "شرح مسلم" فقال: السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر، وفي الحديث إشارة إلى هذا.
وقيل: للاحتياط في تحصيل عاشوراء، والأول أولى.
هذا لفظه.
وحينئذ فيكون الراجح استحباب صوم الحادي عشر إذا لم يصم التاسع.
على أن الشيخ أبا حامد قد صرح في "تعليقه" باستحباب صوم الثلاثة، ونقله عن نصه في الإملاء فقال: نحن نقول: إنه يصوم يوم عاشوراء لفضيلته ويصوم يوم التاسع والحادي عشر لمخالفة اليهود، وكذلك قال الشافعي في "الإملاء": أستحب أن يصوم التاسع والعاشر والحادي عشر.
هذا لفظه.
وذكره غيره أيضًا، ونص عليه أيضًا في "الأم"، وعبارة الشافعي في "الإملاء": ويجب أن يصام قبله يوم ولو زيد فصام بعده يومًا كان أحب إلى.
هذا لفظ الشافعي بحروفه ومن "الإملاء" نقلته والحديثان رواهما مسلم.
والمراد بقوله: "لأصومن التاسع" أي: منضمًا إلى العاشر، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود" 37 رواه البيهقي.

الجزء: 4 - الصفحة: 149

قوله: ومنه ستة أيام من شوال يستحب صومها لما روي أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله" 38. انتهى.
واعلم أنه إنما كان هذا المقدار محصلًا لصيام الدهر؛ لأن الحسنة لما كانت بعشرة أمثالها كان مبلغ ما حصل له من الحسنات في صوم الشهر والأيام الستة عدد أيام السنة، وقد جاء هذا مفسرًا في حديث ثوبان مولى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "صيام شهر رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين قدر صيام سنة".
وفي لفظ: "جعل الله الحسنة بعشر"، ثم ذكر الحديث أخرجه النسائى.
قال الشيخ زكي الدين في "حواشي السنن": إن إسناده حسن.
فإن قيل: إذا كان معنى الحديث ما ذكرتم فهو لا يختص برمضان وست من شوال، بل من صام هذا العدد من أي زمن أراد كان حكمه كذلك.
فالجواب: أن معنى الخبر فكأنما صام الدهر فرضًا، هكذا نقل ابن الرفعة الجواب عن بعضهم، وهو جيد؛ فإن ثواب الواجب يزيد على ثواب النفل فيكون رمضان كعشرة أشهر فرضًا لا نفلًا.
ثم إن الله تعالى من كرمه أراد تكميل السنة كذلك فجعله لمن بادر إلى صيام ستة من الشهر الذي يلي رمضان.

الجزء: 4 - الصفحة: 150

قوله: والأيام البيض؛ وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر: روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوصى أبا ذر بصيامها.
قال في "الروضة" من زوائده: هذا هو المعروف، ولنا وجه غريب حكاه الصيمري والماوردي والبغوي وصاحب "البيان": أن الثاني عشر بدل الخامس عشر، والاحتياط صومها والله أعلم.
وذكر النووي مثله في "لغات التنبيه" وعبر بالصواب عوضًا عن الاحتياط.
وكذلك في "شرح المهذب" إلا أنه لم يتعرض لجمعها لا بلفظ الاحتياط ولا بلفظ الصواب.
إذا علمت هذا فقوله في هذا الوجه أن الماوردي حكاه، غلط؛ فإنه لم يحك الخلاف عندنا بل حكاه عن الناس؛ فإنه قال في رابع فصل من كتاب الصيام: اختلف الناس في شهر رمضان هل كان ابتداء فرض الصيام أو ناسخًا لصوم يقوم على مذهبين، ثم قال: ولهم في الأيام البيض مذهبان: أحدهما: أنها الثاني عشر وما يليه.
والثاني: أنها الثالث عشر وما يليه.
هذا لفظه.
ثم قال أيضًا في باب صيام عرفة: اختلف الناس فيها -أي: أيام البيض- هل كانت فرضًا ثم تستحب.
ثم قال: واختلفوا في زمانها فقال بعضهم: الثاني عشر وما يليه، وقال آخرون: الثالث عشر وما يليه.
هذه عبارته.
وأما نقله ذلك عن البغوي فمردود أيضًا فإنه في "التهذيب" جازم بالمقالة المشهورة فقال: يستحب صيام أيام البيض: الثالث عشر والرابع عشر

الجزء: 4 - الصفحة: 151

والخامس عشر.
هذا لفظه.
وأما نقله ذلك عن "البيان" فصحيح، إلا أنه نقله عن الصيمري فقال: وقال الصيمري: وقيل: هي الثاني عشر.
. . . إلى آخره.
والنووي لم ينقل عن الصيمري من كلامه بل تقليدا لصاحب "البيان".
والحديث المذكور رواه النسائي، وابن حبان وصححه.

قوله: ويكره إفراد يوم الجمعة بالصوم لما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده" 39. وكذا إفراد يوم السبت، فإنه يوم اليهود، وقد روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" 40. انتهى.
فيه أمور: أحدها: أن تعليل الرافعي كراهة السبت لكونه يوم اليهود يقتضي كراهة الأحد أيضًا فإنه يوم النصارى.
وقد صرح بكراهته ابن يونس صاحب التعجيز في مختصر "التنبيه" المسمى "بالتنبيه".
ونقل البيهقي في كتاب "المعرفة" عن الشافعي أن كراهة إفراد الجمعة مقيدة بمضعفة الصوم عن القيام بالوظائف المطلوبة فيه، أما غيره فلا يكره له

الجزء: 4 - الصفحة: 152

ذلك، وذكر مثله ابن الصباغ في "الشامل"، وقال الماوردي وصاحب "البيان": إنه مذهب الشافعي.
الأمر الثاني: أنه أطلق الكراهة ولم يفصل بين أن يوافق عادة أن لا.
وقد ذكر هذا التفصيل في "شرح المهذب" إلا أنه فسر العادة بأن يكون قد نذر صوم يوم شفاء مريضه أو قدوم غائبه أبدًا فوافق يوم الجمعة.
لكن الكلام في صوم يوم الجمعة نفلًا، والمثال الذي ذكره إنما يقع الصوم فيه فرضًا؛ فالصواب أن يمثل بما إذا كانت عادته صوم يوم وفطر يوم فوافق صومه يوم الجمعة فإنه يكون مفطرًا قبله وبعده قطعًا.
نعم يستقيم المثال إن كان النهي شاملًا للفرض والنفل حتى يكره إفراده بالقضاء، وفيه نظر.
والحديث الدال على السبت يدل على خلافه.
الأمر الثالث: أن مقتضى كلام الرافعي أنه لا يكره صومهما معًا؛ ويؤيده أن المجموع لم يعظمه طائفة منهما.
وفي "النسائي" و"صحيح ابن حبان" و"المستدرك" للحاكم: أنه -عليه الصلاة والسلام- كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت والأحد وكان يقول: "إنهما يوما عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم" 41؛ فيحتمل أن يكون المراد المجموع كما ذكرناه.
الرابع: ذكر في "البحر" أنه لا يكره إفراد عيد من أعياد الكفار بالصوم كالنيروز والمهرجان.

الجزء: 4 - الصفحة: 153

الخامس: إذا أراد الاعتكاف في يوم من هذه الأيام التي يكره إفرادها بالصوم فهل يستحب له الصوم أم يكون باقيًا على الكراهة؟ توقف فيه النووي في "النكت" التي ذكرها على "التنبيه".
والحديث الأول رواه الشيخان، والحديث الثاني رواه أصحاب السنن الأربعة وقال الترمذي: إنه حديث حسن، وقال الحاكم في المستدرك: إنه على شرط الشيخين، ونقل أبو داود عن مالك أنه قال: إن هذا الحديث كذب.

قوله: وقال الغزالي: صوم الدهر مسنون، وأطلق صاحب "التهذيب" في آخرين القول بكراهته؛ واحتجوا بما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعبد الله بن عمرو: "لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر" 42 وبما روي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن صيام الدهر 43، وفصل الأكثرون فقالوا: إن كان يخاف منه ضررًا أو يفوت به حقا فيكره وإلا فلا، انتهى.
فيه أمران: أحدهما: أن كلامه في الوجه الثالث لا يؤخذ منه استحباب الصوم إذا لم يخف ضررا ولم يفوت به حقا وإنما يؤخذ منه عدم الكراهة، وكذلك تعبير "الروضة" "وشرح المهذب" أيضا.
وقد صرح بالاستحباب في "المحرر" و"المنهاج".
الأمر الثاني: في البحث عن المراد بالحق هنا، هل الواجب أو كل مطلوب فيحتمل أن يكون المراد المطلوبات كلها وهو المتجه؛ وتدل عليه كراهة قيام كل الليل لهذا المعنى كما سبق في موضعه.

الجزء: 4 - الصفحة: 154

ويحتمل التخصيص بالواجب ولكن الواجب تفويته حرام، فيكون الاقتصار على الكراهة محله إذا كان الموجود الخوف دون العلم والظن أو في تفويت واجب مستقبل وتفويت الحق هنا، وفي "الروضة" و"المحرر" مجزوم به وليس على الخوف، وفي "المنهاج" عطفه عليه وهو الصواب.
وحديث النهي عن صوم الدهر رواه مسلم.

قوله: ولو نذر صوم الدهر لزم وكانت الأعياد وأيام التشريق مستثناة منه، وكذا شهر رمضان وقضاؤه إذا فرض ففات بعذر أو غير عذر وهل تجب الفدية لما أخل به من النذر بسبب القضاء؟ حكى أبو القاسم الكرخي فيه وجهين، والذي أجاب به صاحب "التهذيب": أنه لا فدية.
انتهى.
تابعه عليه في "الروضة" وفيه أمور: أحدها: أنه ينبغي استثناء قضاء النذر وبعده، وقد صرح بذلك ابن الصباغ في "الشامل".

قوله: ولو لزمه صوم كفارة صام عنها وفدى عن النذر.
انتهى.
وهذا الكلام ظاهر في أن المسألة مصورة بما إذا لزمته الكفارة بعد النذر، والأمر كذلك؛ فإنها إذا كانت عليه حالة النذر كانت مستثناة حتى لا تجب الفدية عن الأيام التي صرفها إليها، وقد صرح بذلك الرافعي في كتاب النذر.

قوله: ولو أفطر يومًا من الدهر فلا سبيل إلى قضائه ولا فدية وإن كان بعذر، وإلا فتجب الفدية.
انتهى كلامه.
هذه المسألة قد بسطها -رحمه الله- في كتاب النذر فلتطلب منه.

قوله من زياداته: وأفضل الأشهر للصوم بعد رمضان الأشهر الحرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وأفضلها المحرم، ويلي المحرم في الفضيلة شعبان.

الجزء: 4 - الصفحة: 155

وقال صاحب "البحر": رجب أفضل من المحرم، وليس كما قال.
انتهى كلامه.
وما نقله النووي عن صاحب "البحر" هنا وقد نقله عنه في "شرح المهذب" أيضا وهو غلط على "البحر"؛ فإن فيه الجزم بالمقالة المشهورة وهي المقالة الأولى الذاهبة إلى تفضيل المحرم على رجب فقال في أواخر كتاب الصيام في باب صوم عرفة ما نصه: قال أصحابنا: ومن أراد أن يصوم شهرًا فأفضل الشهور بعد المحرم شهر رجب، هذا لفظه من غير نقل شئ آخر يوافقه ولا يخالفه.
ثم ذكر بعده أن شعبان يلي رجبًا في الفضيلة، ولم يتعرض لباقي الأشهر الحرم.
وسكت -أعني: الروياني- في "الحلية" عن المسألة، ورأيت في "البلغة" للجرجاني الجزم بأن أفضلها ذو الحجة فقال: ذو الحجة أفضلها.
هذه عبارته.
وذكر المذكور مثله في "التحرير" أيضًا وزاد أن العشر الأول أفضله.
رأيت في كتاب "تعظيم قدر الصلاة" لمحمد بن نصر المروزي نقلًا بسنده إلى كعب نحوه أيضًا من غير مخالفة، وجزم في "الإحياء" بنحوه وعلله بأن فيه الحج والأيام المعلومات والمعدودات، وفي كتاب "فضائل الأوقات" للبيهقي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "سيد الشهور شهر رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة" 44، والمنقول عندنا أن أفضل الشهور على الإطلاق هو شهر رمضان، كذا جزم به الشيخ عز الدين في أوائل

الجزء: 4 - الصفحة: 156

"القواعد".

قوله أيضًا في الزوائد: قال أصحابنا: لا يجوز للمرأة صوم تطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه.
انتهى.
هذه المسألة ذكرها الرافعي في "مبسوطه" في كتاب النفقات.

الجزء: 4 - الصفحة: 157

فصول الكتاب · 72 فصل
فصول المهمات في شرح الروضة والرافعي
المقدمةالمقدمةمقدمة المحققمقدمة المؤلفكتاب الطهارةكتاب التيممكتاب الحيضكتاب الصلاةكتاب الصلاةكتاب الصلاة بالجماعةكتاب صلاة المسافرينكتاب الجمعةكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الحجكتاب البيعكتاب الرهنكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب العاريةكتاب الغصبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب الجعالةكتاب الوقفكتاب الهبةكتاب اللقطةكتاب اللقيطكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب الوديعةكتاب قسم الفيء والغنيمةكتاب قسم الصدقاتكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب القسم والنشوزكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب الكفاراتكتاب "العدد"كتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدمكتاب الجنايات الموجبة للعقوباتكتاب موجبات الضمانكتاب السيركتاب [عقد] (1) الجزية والمهادنةكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحايا والعقيقةكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب الأيمانكتاب [النذر]كتاب القضاءكتاب الشهاداتكتاب الدعاوى والبيناتكتاب التدبيركتاب الكتابةكتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل